الثلاثة وقت الزوال، وآخره آخر وقت الظهر بالاتفاق، وعن مالك يمتد إلى الغروب؛ بناء على أن وقت العصر والظهر عنده واحد.
وإذا وقع عيد يوم الجمعة، سقطت الجمعة عمن حضر العيد مع الإمام سقوطَ حضور لا وجوب؛ كمريض إلا الإمام، فإن اجتمع معه العدد المعتبر، أقامها، وإلا صلوا ظهرًا.
وتسقط صلاة العيد بصلاة الجمعة، سواء فعلت قبل الزوال أو بعده عند أحمد؛ خلافًا للثلاثة.
وشرطها تقدم خطبتين بالاتفاق، يجلس بينهما جلسة خفيفة عند الثلاثة، وعند أبي حنيفة ليست الجلسة شرطًا، ويسلم الخطيب إذا صعد المنبر عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك لا يسلم، ويستحب جلوسه للأذان، والقيام في الخطبة بالاتفاق.
وأول من استراح في الخطبة عثمان، وأول من جلس معاوية، وخطب جالسًا.
والخطبة مشتقة من المخاطبة، والمنبر من نبر: إذا على صوته، والخطيب يعلو صوته.
ومن شرط صحة الخطبتين: حمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقراءة آية، والوصية بالتقوى عند الشافعي وأحمد، وعند مالك أقله ما يسمى خطبة عند العرب، وفي مذهبه قول كالأول، وعند أبي حنيفة لو اقتصر على ذكر الله أجزأه، وكذلك التسبيحة ونحوها، وعند صاحبيه لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة.
стр. 3432
وتشترط لهما الطهارة من الحدث والخبث عند الشافعي، خلافًا للثلاثة، ولا يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة عند أحمد، وعند أبي حنيفة يجوز للعذر، وعند مالك والشافعي إذا أحدث بين الخطبة والصلاة، استخلف في الصلاة، واشترط الشافعي أن يكون سمع الخطبة؛ لأن من لم يسمعها ليس من أهل الجمعة، ولم يشترطه مالك.
ويجهر في الركعتين بالاتفاق.
ويجوز عند الشافعي وأحمد أكثر من جمعة إن احتيج إليه، وإلا، فالأولى الصحيحة، وهي السابقة بتكبيرة الإحرام، فإن جهلت، أو تساوتا، بطلتا، وعند أبي حنيفة لا يجوز إلا في موضع واحد، وعند محمد بن الحسن تصح في موضعين وثلاثة، وعند مالك لا يصلى في مصر واحد في مسجدين، فإن فعلوا، فالصحيحة صلاة أهل المسجد العتيق.
ويحرم الكلام والإمام يخطب إذا كان منه بحيث يسمعه عند الشافعي.
وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك يسكت ولو كان بعيدًا.
ويكره البيع والشراء ممن تلزمه الجمع بعد ندائها الذي عند المنبر عند أبي حنيفة، ولا يفسد به البيع، وقال الثلاثة: يحرم، فلو باع، صح بيعه عند الشافعي خلافًا لمالك وأحمد، ويصح عند أحمد النكاح وسائر العقود غير البيع؛ خلافًا لمالك؛ فإن النكاح والإجارة عنده كالبيع.
وإذا انفضوا قبل إتمامها، استأنفوها ظهرًا عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك إن انفضوا بعد أن صلوا ركعة بسجدتيها، ولم يبق أحد غير الإمام، ولم يجد من يجمعها معه، بنى عليها ركعة، وصحت صلاته جمعة، كان انفضوا عنه قبل أن يفرغ من الركعة الأولى، يتم ظهرًا أربعًا،
стр. 3433
وعند أبي يوسف ومحمد إن انفضوا عنه بعد تكبيرة الإحرام، صلى جمعة.
ومن أدرك مع الإمام ركعة، أتمها جمعة بالاتفاق، ومن أدرك أقل من ذلك، أتمها ظهرًا إن كان قد نوى الظهر عند مالك وأحمد، وعند الشافعي يتمها ظهرًا، لكن ينوي في اقتدائه الجمعة، وأحمد يشترط دخول وقت الظهر احترازًا عمن يصليها قبل وقت الزوال على قاعدته، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا أدرك التشهد، يتمها جمعة، وعند محمد يتمها أربعًا ظهرًا.
ويسن الغسل لها، وقراءة سورة الكهف في يومها وليلتها.
وتقدم اختلاف الأئمة في قراءة السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ في صبحها في سورة آلمّ السجدة، ويستحب أن يكثر الدعاء في يومها، وأفضله بعد العصر؛ لساعة الإجابة.
وفي الحديث: "ما طلعت شمسٌ ولا غربت عليَّ أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مؤمن يدعو الله فيها خيرًا إلا استجابَ الله له، أو يستعيذُ من شيء إلا أعاذَه اللهُ منه" (١).
قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي تُرجى فيها الإجابة أنها بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس.
وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في "شرح البخاري" فيها ثلاثة وأربعين قولًا، ولخصها صاحب "الإنصاف" فيه، الأول: قيل: رفعت، الثاني: موجودة في جمعة واحدة في كل سنة، الثالث: مخفية في جميع
стр. 3434
اليوم، الرابع: تنتقل في يومها، ولا يلزم ساعة معينة، لا ظاهرة ولا مخفية، الخامس: إذا أذن لصلاة الغداة، السادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، السابع: مثله، وزاد: من العصر إلى الغروب، الثامن: مثله، وزاد: ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبر، التاسع: أول ساعة بعد طلوع الشمس، العاشر: عند طلوعها، الحادي عشر: في آخر الساعة الثالثة من النهار، الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظل نصف ذراع، الثالث عشر: مثله إلى أن يصير الظل ذراعًا، الرابع عشر: بعد الزوال بشير إلى ذراع، الخامس عشر: إذا زالت الشمس، السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل في الصلاة، الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإمام، التاسع عشر: ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، العشرون: ما بين خروجه إلى أن تنقضي الصلاة، الحادي والعشرون: ما بين تحريم البيع إلى حله الثاني والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، الثالث والعشرون: ما بين أن يجلس على المنبر إلى انقضاء الصلاة، الرابع والعشرون: عند خروج الإمام، الخامس والعشرون: عند التأذين والإقامة وتكبير الإمام، السادس والعشرون: مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاة، السابع والعشرون: من حين يفتتح الخطبة حتى يفرغها، الثامن والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر وأخذ في الخطبة، التاسع والعشرون: عند الجلوس بين الخطبتين، الثلاثون: عند نزوله عن المنبر، الحادي والثلاثون: حين تقام حتى يقوم الإمام في مقامه، الثاني والثلاثون: من إقامة الصلاة إلى إتمام الصلاة، الثالث والثلاثون: وقت قراءة الإمام الفاتحة إلى أن يقول: آمين، الرابع والثلاثون: من الزوال إلى
стр. 3435
المغرب، الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، السادس والثلاثون: في صلاة العصر، السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، الثامن والثلاثون: بعد العصر مطلقًا، التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخره، الأربعون: من اصفرار الشمس إلى أن تغيب، الحادي والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرصها، أو من حين تتدلى للغروب إلى أن يتكامل غروبها، الثالث والأربعون: هي الساعة التي كان -عليه أفضل الصلاة والسلام- يصليها فيها.
قال الحافظ ﵀: وليست كلها متغايرة من كل وجه، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره، وليس المراد من أكثرها أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون في أثنائه، والله أعلم (١).
стр. 3436
سورة المنافقون
مدنية بإجماع، وآيها: إحدى عشرة آية، وحروفها: سبع مئة وستة وسبعون حرفًا، وكلمها: مئة وثمانون كلمة، نزلت في غزوة بني المصطلق بسبب أن عبد الله بن أبي ابن سلول كانت منه في تلك الغزوة أقوال، وكان له أتباع يقولون قوله، فنزلت السورة كلها بسبب ذلك، وبين الله تعالى فيها ما تقدم من المنافقين؛ من خلفهم، وشهادتهم في الظاهر بالإيمان، وأنهم كذبة، وذكر فيها ما تأخر منهم ووقع في تلك الغزوة على ما يأتي في التفسير إن شاء الله تعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ .
[١] ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه.
﴿قَالُوا﴾ بألسنتهم دون قلوبهم:
﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ والشهادة حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه،
стр. 3437
فهي الإخبار بما علمه بلفظ خاص، ولذلك صدَّقَ المشهود به، وكذَّبهم في الشهادة بقوله:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يُضمرون من تكذيبك، وكان ﷺ يقبل من المنافقين ظاهر الإسلام.
وأما حكم الزنديق في الشرع، وهو الذي يظهر الإسلام ويُسر الكفر، فإنه يقتل، ولا يستتاب عند أحمد، والأصح عن مالك أنه إذا جاء تائبًا، وظهر من قوله، لا يقتل، بخلاف ما يظهر عليه، قال مالك: لأن توبته لا تعرف، يعني أن التقية من الزندقة، فيقتل، وعند أبي حنيفة والشافعي تقبل توبته.
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾ .
[٢] وكل ما جاء في القرآن بعد العلم (١) لفظة (أَنَّ) فهي بفتح الهمزة، إلا في موضعين، إحداهما هنا ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ والثاني: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ في الأنعام، وإنما كان كذلك في هذين الموضعين؛ لأنه يأتي بعدهما لام الخبر، فلهذا انكسر.
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُم﴾ أي: حلفهم، وما يظهرون من الإيمان ضد الكفر.
﴿جُنَّةً﴾ سترة عن أموالهم ودمائهم.
﴿فَصَدُّوا﴾ الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإيمانِ والجهادِ.
стр. 3438
﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من النفاق.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣﴾ .
[٣] ﴿ذَالِكَ﴾ القولُ الشاهدُ على سوء عملهم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسبب أنهم.
﴿آمَنُوا﴾ باللسان.
﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أي: استمروا على الكفر بقلوبهم ﴿فَطُبِعَ﴾ خُتِم.
﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ بالكفر. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (فَطُبِع عَّلَى) بإدغام العين في العين (١).
﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يفهمون حقيقة الإيمان.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ أي: المنافقين ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُم﴾ لجمالها، وكان عبد الله بن أبي جسيمًا فصيحًا.
﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ فتحسب أنه صدق ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام. قرأ أبو عمرو، والكسائي، وقنبل
стр. 3439
عن ابن كثير: (خُشْبٌ) بإسكان الشين، والباقون: بضمها (١).
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا يسمعون صوتًا في العسكر إلا ظنوا أنهم يُرادون بذلك؛ من جبنهم وسوء ظنهم. قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر: (يَحْسَبُونَ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (٢).
﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ فإنهم يُفشون سرك للكفار، وهو جواب قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ لأن الجواب إما أن يكون بالفاء كما هنا، وإما بالماضي؛ كقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مريم: ٧٣]، ونظائره كثيرة.
﴿قَاتَلَهُمُ﴾ أهلكهم ﴿اللَّهُ﴾ دعاء يتضمن الإقصاء والمنابذة وتمني الشر لهم.
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يُصرفون عن الحق بعد قيام البرهان. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (أَنَّى) بالإمالة، واختلف عن أبي عمرو، فروي عنه: إمالتها بين بين، وروي عنه: فتحُها، وبه قرأ الباقون (٣).
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾.
стр. 3440
[٥] روي أن رسول الله ﷺ خرج إلى غزوة بني المصطلق، وخرج معه عبد الله بن أبي ابن سلول، وكانت في شعبان سنة ست من الهجرة، ونزل بالمريسيع -ماء من ماء بني المصطلق-، فسبق المهاجرون وكأنهم غلبوا الأنصار عليه بعضَ غلبة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: قد كنت قلت لكم في هؤلاء الجلابيب ما قلتُ، فلم تسمعوا مني، وكان المنافقون يسمون المهاجرين: الجلابيب، ثم إن الجهجاه الغفاري غلامَ عمرَ بنِ الخطاب ورد الماء بفرس لعمر، فازدحم هو وسنان بن وبر الجهنى حليف الأوس، ودار بينهما كلام، فاقتتلا، وصرخ الجهني: يا معشرَ الأنصار! وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين! فجاؤوا، فاقتتلوا، فخرج رسول الله ﷺ فقال: "ما بالُ دَعْوى الجاهلية؟! " فلما أخبر بالقضية، قال: "دعوها فإنها مُنْتِنَةٌ"، فأصلح الأمر قوم من المهاجرين (١).
وروي أن جعالًا -رجلًا فقيرًا من المهاجرين- أعان الجهجاه، فغضب عبد الله بن أبي، وعنده بعض قومه، وكان معهم زيد بن أرقم صغيرًا لم يتحفظ منه، فقال عبد الله: أفعلوها؟! نافرونا وكاثرونا في بلادنا؟! فما نحن وهم إلا كما قيل: سَمِّنْ كلبَك يأكلْكَ، ثم قال لقومه: هذا فعلكم بأنفسكم، أحللتموهم دياركم، وقاسمتموهم أموالكم، ولو أمسكتم عن جعال وذويه فضلَ طعامكم، لتحولوا عنكم، ولا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا عن محمد، ولئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فذهب
стр. 3441
زيدُ بن أرقم إلى عمه، وكان في حجره، وأخبره، فأتى به رسولَ الله ﷺ ، فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "يا زيد! غضبت على الرجل، ولعلك وهمتَ"، فأقسم زيد ما كان شيء من ذلك، ولقد سمع من عبد الله بن أبي ما حكى، فعاتب رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي عند رجال من الأنصار، فبلغه ذلك، فجاء وحلف، وكذَّب زيدًا، وحلف معه قوم من المنافقين، فصدق رسولُ الله ﷺ أيمانَ عبد الله بن أبي، وكذَّب زيدًا، فبقي زيد في منزله لا يتصرف حياءً من الناس، فنزلت هذه السورة عند ذلك، فبعث رسول الله ﷺ في أثر زيد، وقالماله: "لقد صدَّقك الله يا زيد، ووفت أُذُنُك"، فخزي عند ذلك عبد الله بن أبي، ومقته الناس، ولامه المؤمنون من قومه، وقال بعضهم: امض إلى رسول الله ﷺ ، واعترف بذنبك، فيستغفر لك، فلوى رأسه إنكارًا لهذا الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم علي بالإيمان، فآمنت، وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي، ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد! فأنزل الله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ (١) لابن أبيّ ﴿تَعَالَوْا﴾ إلى النبي ﷺ معتذرين، و (تَعَالَوْا) نداء يقتضي لفظه أنه دعاء الأعلى للأسفل، ثم استعمل في كل داع لما فيه من حسن الأدب.
﴿يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ أمالوها استكبارًا. قرأ نافع، وروح عن يعقوب: (لَوَوْا) بتخفيف الواو الأولى، والباقون: بتشديدها على تضعيف المبالغة.
стр. 3442
﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ يُعرضون عن الاستغفار ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الاعتذار.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ قراءة الجمهور: (أَسْتَغْفَرْتَ) بهمزة مفتوحة من غير مد عليها، وقرأ أبو جعفر بخلاف عنه: بالمد، ووجهه بعضهم بأنه إجراء لهمزة الوصل المكسورة مجرى المفتوحة، فمد من أجلال استفهام، وقال الزمخشري: إن المد إشباع لهمزة الاستفهام؛ للإظهار والبيان، لا قلبًا لهمزة الوصل ألفًا كما في (آالسِّحْر) (١).
﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لرسوخهم في الكفر.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ لانهماكهم في الكفر.
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ .
[٧] ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ من الفقراء.
﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ يتفرقوا عنه.
﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بيده الأرزاق.
стр. 3443
﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون؛ لجهلهم بالله.
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ .
[٨] ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ هذا قول عبد الله بن أبي ابن سلول، يعني بالأعز (١): نفسَه، وبالأذل: رسولَ الله ﷺ ، قال أُسيد بن حُضير لما سمعها: "واللهِ يا رسولَ الله تُخرجه إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله! ارفق به، فو الله لقد جاء الله بك كان قومه لينظمون له الخرز ليتوِّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا" (٢).
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي؛ لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا، فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فقال رسول الله ﷺ : "بل نرفق به، ونحسنُ صحبتَه ما بقيَ معنا" (٣).
وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فلم يلبث عبد الله بن أبي إلا أيامًا قلائل حتى اشتكى ومات.
стр. 3444
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ الغلبة لمن دونه ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ بإظهار دينه ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بنصرهم على الكافرين ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ولو علموا، ما قالوا هذه المقالة.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ﴾ تشغلكم.
﴿أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هو الصلوات الخمس.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اللهو بها.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لأنهم باعوا الباقي بالفاني. قرأ الدوري عن الكسائي: (يَفْعَل ذَّلِكَ) بإدغام اللام في الذال، والباقون: بالإظهار (١).
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ .
[١٠] و ﴿أَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ في الطاعة، وقال ابن عباس: المراد: زكاة الأموال (٢).
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: أسبابه.
стр. 3445
﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَخَّرْتَنِي﴾ أمهلتني ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ زمان يسير.
﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ فأتصدق وأزكي مالي، قيل: نزلت في مانعي الزكاة.
﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ المؤمنين. قرأ أبو عمرو: (وَأَكُونَ) بالواو ونصب (١) النون على جواب التمني، وعطفًا على (فَأَصَّدَّقَ)؛ لأنه نصب بإضمار أن، وقال: إنما حذفت الواو من المصحف اختصارًا، وقرأ الباقون: (وَأَكُنْ) بجزم النون من غير واو عطفًا على موضع (فَأَصَّدَّقَ) (٢)؛ لأنه جواب الشرط، تقديره: إن أخرتني، أصدق، وأكنْ، وكذا هو مرسوم في جميع المصاحف.
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾.
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ ولن يمهلها ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ آخرُ عمرها.
واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهَا) كاختلافهم فيهما من ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ في سورة الحج [الآية: ٦٥].
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فمجازٍ عليه. قرأ أبو بكر عن عاصم (يَعْمَلُونَ) بالغيب على تخصيص الكفار بالوعيد، وقرأ الباقون: بالخطاب على مخاطبة جميع الناس (٣)، والله أعلم.
стр. 3446
سورة التغابن
مدنية، وقال بعض المفسرين: مكية إلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ إلى آخر السورة، وآيها: ثماني عشرة آية، وحروفها: ألف وسبعون حرفًا، وكلمها: مئتان وإحدى وأربعون كلمة.
قال عبد الله بن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مولودٍ يولَد إلا وفي شبائِكِ رأسه مكتوبٌ خمسُ آياتٍ من فاتحةِ سورةِ التغابن" (١).
وعن أبي بن كعب: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قرأَ سورةَ التغابن، دُفعَ عنه موتُ الفُجاءة" (٢).
стр. 3447
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ .
[١] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ينزهونه بقولهم: سبحان الله.
﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ فهو المختص بهما حقيقة.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأما ملك غيره، فتسليط منه، وحمده: اعتدادٌ بأن نعمة الله جرت على يده.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ .
[٢] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ثم وصفهم فقال: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ والكفر: فعلُ الكافر، والإيمان: فعل المؤمن، والكفر والإيمان اكتساب العبد؛ لقول النبي ﷺ : "كلُّ مولود يولد على الفطرة" (١)، وقوله ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار، وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان؛ لأن الله تعالى [أراد ذلك منه، وقدره عليه وعلمه منه،
стр. 3448
والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر؛ لأن الله تعالى] (١) قدر ذلك عليه، وعلمه منه، وهذا طريق أهل السنة.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيعاملكم بما يناسب أعمالكم.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ .
[٣] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بالحكمة البالغة.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بأن جعل شكل الآدمي أحسن الأشكال.
﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازي كلًّا بعمله.
﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾ .
[٤] ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الخلق ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ فلا يخفى عليه شيء ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بضمائر القلوب.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥)﴾ .
[٥] ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ يا كفار. الألف للاستفهام، و (لم) للجحد، ومعناه التحقيق.
стр. 3449
﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبلكم.
﴿فَذَاقُوا﴾ في الدنيا ﴿وَبَالَ﴾ عقوبة ﴿أَمَرَهُم﴾ كفرهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ .
[٦] ﴿ذَلِكَ﴾ العذابُ النازل بهم ﴿بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات.
﴿فَقَالُوا﴾ احتقارًا بهم:
﴿أَبَشَرٌ﴾ أراد الجنس، مبتدأ، خبره ﴿يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا﴾ بالرسل ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان.
﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أظهرَ غناه عن كل شيء.
﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه ﴿حَمِيدٌ﴾ على كل صنعة.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ .
[٧] ثم أخبر عن إنكارهم البعث، فقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ومعنى زعم: كذبوا في الحديث، قال ابن عطية (١): ولا توجد
стр. 3450
(زعم) مستعملة في فصيح من الكلام إلا عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله، فيريد له (١) قائله (٢) أن يبقي عهدته على الزاعم، ففي ذلك ما ينحو إلى تضعيف الزعم.
ثم أمر تعالى نبيه بأن يجيب نفيهم بما يقتضي الرد عليه، وإيجاب البعث، وأن يؤكد ذلك بالقسم، ثم يوعدهم بأنهم يجزون بأعمالهم على جهة التوبيخ المؤدي إلى العقاب، فقال تعالى:
﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ بالمحاسبة والمجازاة.
﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لقدرته عليه.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ .
[٨] ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ هو القرآن ومعانيه.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فمجازٍ عليه.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ .
[٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ العامل فيه ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ قرأ يعقوب: (نَجْمَعُكُمْ)
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ .
[١١] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقضائه.
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ فيصدِّقْ أنه لا يصيبه شيء إلا بمشيئته تعالى.
﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إلى الاسترجاع عند نزول المصيبة.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عموم مطلق على ظاهره.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عطف على ﴿فَآمِنُوا﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وعيد لهم، وتبرئة لمحمد ﷺ إذا بَلَّغ.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تحريض للمؤمنين على مكافحة الكفار، والصبر على دين الله.
стр. 3453
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ .
[١٤] ونزل فيمن منعه أزواجه وأولاده عن الهجرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١) أن تطيعوهم في ترك الهجرة، و (مِنْ) تبعيض؛ لأن منهم من ليس بعدو لكم.
﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا فيمن لم يهاجر، ورأى من سبقه قد فقه في الدين، فهم أن يعاقب زوجته وولده، فأمره بالعفو والصفح.
﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ .
[١٥] ثم أخبر تعالى أن الأموال والأولاد فتنة تشغل المرء عن مراشده، وتحمله من الرغبة في الدنيا على ما لا يحمده في الآخرة بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَة﴾ اختبار.
﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لمن آثر محبته على محبة المال والأولاد.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ .
[١٦] روي أن رسول الله ﷺ كان يخطب يوم الجمعة حتى جاء الحسن
стр. 3454
والحسين عليهما قميصان أحمران يجرانهما، يَعْثُران ويَقُومان، فنزل ﷺ عن المِنْبَرِ حتى أَخَذَهُمَا، وصَعِدَ بهما، وقال: "صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقال: إني رأيت هذين، فلم أصبر"، ثم أخذ في خطبته، قال ابن عطية (١): وهذه ونحوها هي فتنة الفضلاء، فأما فتنة الجهال والفسقة، فمؤدية إلى كل فعل مهلك (٢)، وجيء بـ (إنما) للحصر؛ لأن جميع الأموال والأولاد فتنة؛ لأنه لا يرجع إلى مال أو ولد إلا وهو مشتمل على فتنة واشتغال قلب.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أطقتم، وهذه الآية ناسخة لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما أُمرتم به سماعَ قبول ﴿وَأَطِيعُوا﴾ الله ورسوله.
﴿وَأَنْفِقُوا﴾ المالَ في الطاعة، وآتوا ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: افعلوا ما هو خير لها.
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحشر.
стр. 3455
﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ تصرفوا المال فيما أَمر به ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مقرونًا بالإخلاص.
﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يجعل لكم بالواحد عشرًا إلى سبع مئة وأكثر. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (يُضَعِّفْهُ) بتشديد العين وحذف الألف قبلها، وقرأ الباقون: بإثبات الألف والتخفيف (١).
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ببركة الإنفاق ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ يشكر لكم ما عملتم.
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل بالعقوبة.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ السر والعلانية.
﴿الْعَزِيزُ﴾ بالنقمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره وقضائه، والله أعلم.
стр. 3456
سورة الطلاق
وتسمى: سورةَ النساء القصرى، وهي مدنية، وآيها: اثنتا عشرة آية، وحروفها: ألف وستون حرفًا، وكلمها: مئتان وتسع وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ .
[١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أفرد ﷺ بالخطاب أولًا تعظيمًا لشأنه، وجمع ثانيًا مع أمته تشريفًا لهم. قرأ نافع: (النَّبِيءٌ إِذَا) بالهمز (١) والمد، وتسهيل الهمزة الثانية، وقرأ الباقون: بتشديد الياء بغير مد ولا همز، وتحقيق الهمزة الثانية (٢)، المعنى: إذا أردتم تطليقهن.
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لطهرهن الذي يُحصينه من عدتهن، وهو
стр. 3457
أول طهر تعتد به، والمراد: أن يطلقها في طهر لم يُصِبْها فيه، وهو طلاق السنة.
نزلت هذه الآية في عبد الله بن عمر ﵄، كان قد طلق امرأته في حال الحيض، فقال ﷺ لعمر: "مُرْهُ فَلْيراجِعْها، ثم ليمسِكْها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكَ بعدُ، وإن شاء طلَّقَ قبلَ أن يَمَسَّ، فتلك العِدَّةُ التي أمَرَ الله أن تُطَلَّق لها النساءُ" (١). قرأ ورش عن نافع: (طَلَّقْتُمْ) (فَطَلِّقُوهُنَّ) بتغليظ اللام، وكذلك كل لام مفتوحة مخففة أو مشددة إذا تقدمها صاد أو طاء أو ظاء بفتح أو سكون، وعنه خلاف في (طَالَ) و (فِصَالًا)، وتقدم حكم الطلاق السني والبدعي ومذاهب الأئمة فيه في سورة الأحزاب عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الآية: ٤٩].
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ اضبطوها، واحفظوا عدد أقراء العدة ثلاثًا مستقبلات بلا نقصان؛ لتعلموا وقت الرجعة إن أردتم أن تراجعوهن؛ لأن الرجعة إنما تجوز في زمان العدة إذا كان الطلاق رجعيًّا بالاتفاق.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ في الإضرار بهن.
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ اللاتي يسكنها إذا طلقتموهن حتى تنقضي عدتهن، فإذا كان الطلاق رجعيًّا (٢)، فللزوجة السكنى بمنزل الطلاق، وليس لها الخروج منه حتى تنقضي عدتها بالاتفاق، وأما إذا كان الطلاق بائنًا، فعند أحمد: الحقُّ في إسكانها للزوج، فيسكنها حيث شاء مما يصلح
стр. 3458
لها؛ تحصينًا لفراشه، ولو لم تلزمه نفقة، وعند الثلاثة: يلزمها التربص بمنزل الطلاق إلى انقضاء العدة.
﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ بغير اختبارهن.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: زنًا، فيخرجن لإقامة الحد، ثم يعدن.
قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم: (مُبَيَّنَةٍ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها (١).
﴿وَتِلْكَ﴾ الأحكام المذكورة ﴿حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ لتعريضها للعقاب. قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش، وحمزة، والكسائي، وخلف: (فَقَد ظَّلَمَ) بإدغام الدال في الظاء، والباقون: بالإظهار (٢) .
﴿لَا تَدْرِي﴾ أيها النبي ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الطلاق.
﴿أَمْرًا﴾ أي: رغبة في الرجعة، وهذا دليل على استحباب تفريق الثلاث.
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾.
[٢] ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قارَبْنَ انقضاء العدة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ راجعوهن.
стр. 3459
﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فَيَبِنَّ منكم.
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ على الطلاق، وأما الرجعة، فلا يشترط لها الإشهاد بالاتفاق، وروي عن الشافعي اشتراطه، وهو القديم من مذهبه.
واختلفوا في حصولها بالفعل، فقال الشافعي: لا تصح إلا بالقول، فلا تحصل بفعل كوطء، وقال الثلاثة: تصح بالفعل، فتحصل عند أبي حنيفة بالوطء واللمس والنظر إلى الفرج بشهوة فيهما، وعند مالك بالوطء والمباشرة والتقبيل إذا نوى بذلك الرجعة، وعند أحمد بوطئها، نوى به الرجعة أو لم ينو، ولا تحصل بمباشرتها ولا النظر إلى فرجها ولا الخلوة بها لشهوة، ولا خلف بينهم في حصولها بالقول، واستحباب الإشهاد لها.
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أيها الشهود.
﴿لِلَّهِ﴾ لأجل الله تعالى خاصة، ولا تنظروا في المشهود عليه.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الحث على الشهادة وأدائها ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فيطلِّقْ للسُّنة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ إلى الرجعة.
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ لم يخطر بباله.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ شرطٌ مبتدأ، جوابُه ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ يكفيه ما أهمه.
قال ﷺ : "لو أَنَّكم تتوكَّلون على الله حَقَّ تَوَكُّلِه، لرزقَكم كما يرزق
стр. 3460
الطير، تغدو خِماصًا، وتَروح بِطَانًا" (١)، والتوكل: سكون القلب في كل موجود ومفقود، وقطعُ القلب عن كل علاقة، والتعلقُ بالله في جميع الأحوال.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (بَالِغُ) بغير تنوين (أَمْرِهِ) بالخفض بإضافة (بالغ) إليه، وقرأ الباقون: بالتنوين، ونصب (أَمْرَهُ) (٢)، والمعنى على القراءتين: منفذٌ حكمَه.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ نهاية.
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ .
[٤] ولما نزل ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال خلاد بن النعمان (٣) بن قيس الأنصاري: يا رسول الله! فما عدة من لا تحيض، والتي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي
стр. 3461
يَئِسْنَ﴾ (١) لكبرهن ﴿مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شككتم في حكم عدتهن؛ لانقطاع دمهن لكبرهن.
﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ الجملة خبر المبتدأ.
﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ لصغرهن مبتدأ محذوفُ الخبر؛ أي: فعدتهن ثلاثة أشهر، حذف الخبر لدلالة المذكور عليه، فالصغيرة التي لم تحض، والكبيرة التي أيست من الحيض، عدةُ كلِّ واحدة منهما (٢) من الطلاق ثلاثةُ أشهر بالاتفاق، والشابة التي كانت تحيض، فارتفع حيضها قبل بلوغها سنَّ الآيسات، فعند أبي حنيفة والشافعي: لا تنقضي عدتها حتى يعاودها الدم، فتعتد بثلاثة أقراء، أو تبلغ سنَّ الآيسات، فتعتد بثلاثة أشهر، وعند مالك وأحمد: إذا ارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه، تعتد به سنةً: تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة، فتحل عقب السنة، كان علمت ما رفعه من مرض أو رضاع ونحوه، فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض، فتعتد به، إلا أن تصير آيسة، فتعتد عدة آيسة حينئذ.
وسن الإياس عند أبي حنيفة خمس وخمسون سنة، وعند مالك سبعون، وعند الشافعي اثنتان وستون وعند أحمد خمسون، وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين بالاتفاق.
وعدة المتوفَّى عنها زوجها إذا لم تكن حاملًا أربعة أشهر وعشر بالاتفاق.
واختلاف القراء في (وَالَّلِائي) في الحرفين كاختلافهم في نظيره في سورة الأحزاب [الآية: ٤].
стр. 3462
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ أي: الحبالى، مطلقاتٍ كُنَّ أو تُوفي عنهن أزواجُهن.
﴿أَجَلُهُنَّ﴾ أي: انقضاء عدتهن التي يجوز بعدها النكاح، مبتدأ، خبره ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهما خبر (أُولاَتُ)، فإذا كانت المرأة حاملًا، وطُلقت، أو مات زوجها، فعدتها بوضع الحمل بالاتفاق.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ يسهِّلْ عليه أمر الدارين، ويخلِّصْه من شدائدهما.
﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ .
[٥] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الأحكام ﴿أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في أحكامه ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ فإن الحسنات يذهبن السيئات.
﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ بالمضاعفة.
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ .
[٦] ﴿اسْكِنوُهُنَّ﴾ يعني: مطلقاتِ نسائِكم ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أي: مكانًا من سُكناكم ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ قرأ روح عن يعقوب: (وِجْدِكُمْ) بكسر الواو،
стр. 3463
والباقون: بضمها (١)؛ أي: من سَعَتكم وهو بيان لقوله: (مِنْ حَيْثُ)، وأبو عمرو يدغم الثاء في السين من قوله (حَيْث سَّكَنْتُمْ) (٢).
﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ تؤذوهن ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ليخرُجْنَ، وتقدم في أول السورة اختلاف الأئمة في حكم السكنى للرجعية والبائن.
﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فيخرجن من العدة، فالبائن بالطلاق إذا كانت حاملًا لها النفقة والسكنى بالاتفاق، وأما البائن الحائل، فتستحق النفقة والسكنى عند أبي حنيفة كالحامل إلى أن تنقضي عدتها بالحيض، أو بالأشهر؛ خلافًا للثلاثة، ولا نفقةَ من التركة لمتوفًّى عنها زوجُها، ولا كسوةَ، ولو كانت حاملًا بالاتفاق.
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ﴾ أي: المطلقات ولدًا ﴿لَكُمْ﴾ منهن، أو من غيرهن.
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على الإرضاع، وتقدم اختلاف الأئمة في حكم إرضاع الأمهات، وأخذِهن الأجرةَ في زمن العصمة وبعد الطلاق في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: ليأمر بعضكم بعضًا بالمعروف في الإرضاع والأجر.
стр. 3464
﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ تضايقتم في الرضاع، وامتنع الأب عن إعطاء الأجرة، والأم عن إرضاعه.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ﴾ امرأة ﴿أُخْرَى﴾ وفيه معاتبة للأم على المعاسرة.
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ .
[٧] ﴿لِيُنْفِقْ﴾ لام أمر.
﴿ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ على المطلقات والمرضعات على قدر غناه.
﴿وَمَن قُدِرَ﴾ ضُيِّق ﴿عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ من المال على مقداره.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ أعطاها من المال.
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ عاجلًا أو آجلًا. قرأ أبو جعفر: (عُسُرًا) و (يُسُرًا) بضم السين فيهما، والباقون: بالإسكان (١)، وتقدم في سورة النور اختلاف الأئمة فيمن أعسر بصَداق زوجته وكسوتها ونفقتها، وحكم النسخ بذلك.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ تقدم تفسير (وَكَأَيِّنْ)، واختلاف القراء فيه في
стр. 3465
سورة الحج عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الحج: ٤٥].
﴿عَتَتْ﴾ أي: عتا أهلها بالتجبر ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ أي: وأمر رسله.
﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لم يغتفر لهم ذلة، بل أُخذوا بالدقائق من الذنوب.
﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ عظيمًا، وهو النار في الآخرة، والتعبير بلفظ الماضي في الحساب والعذاب لتحقيق وقوعهما في المستقبل. قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (نُكُرًا) بضم الكاف، والباقون: بإسكانها (١)
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ .
[٩] ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ عقوبةَ كفرها.
﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ﴾ آخِرُ (٢) ﴿أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ خسرانًا لا ربح فيه.
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (نُدْخِلْهُ) بالنون، والباقون: بالياء (١).
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ﴾ حال ﴿فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أي: ما أحسنَ ما رزقه الله! يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في العدد، ونصبه عطف (٢) على (سَبْعَ) أي: وخلق من الأرض مثلَهن، قيل: ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية، وفي التفسير بين كل سماءين مسيرة خمس مئة عام، وكذلك غلظ كل سماء، والأرضون مثل السموات.
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى، ثم علل الخلق والتنزيل فقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يخفى عليه شيء، وهو عموم على إطلاقه، ونصب (عِلْمًا) على المصدر المؤكد؛ لأن المعنى: وأن الله قد علم كل شيء علمًا، والله أعلم.
стр. 3468
سورة التحريم
مدنية بالإجماع، وآيها: اثنتا عشرة آية، وحروفها: ألف ومئة وستون حرفًا، وكلمها؛ مئتان وسبع وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ .
[١] كان رسول الله ﷺ قد خلا بسُرِّيته مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس ملك مصر في بيت حفصة، وقد مرت لزيارة أبيها عمر بن الخطاب ﵁، فجاءت حفصة، فوجدتهما، فأقامت خارج البيت حتى أَخرجَ رسولُ الله ﷺ مارية، وذهبت، فدخلت حفصة غَيْرى متغيرة، فقالت: يا رسول الله! أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ في بيتي وعلى فراشي! فقال لها رسول الله ﷺ متراضيًا لها: "هي حرامٌ عليَّ"، وقال مع ذلك: "والله لا أطؤها أبدًا، فلا تخبري عائشة"، وقال: "أبوك وأبو عائشة الخليفتان بعدي" (١)، ثم إن حفصة ﵂ قرعت
стр. 3469
الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها لتسرها بالأمر، ولم تر في إفشائها إليها حرجًا، واستكتمتها، فأوحى الله بذلك إلى نبيه ونزل:
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيّ﴾ (١) تقدم مذهب نافع في المد والهمز في أول سورة الطلاق.
﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.
وقيل: شرب عسلًا عند حفصة، فواطأت عائشة سودة وصفية، فقلن له: إنا نشم منك ريحَ المغافير (٢) -وهو صمغ له ريح منكرة، وكان ﷺ يشتد عليه أن يُشم منه ما يكره، فحرم العسل، فنزلت.
قال ابن عطية (٣): والقول الأول أن الآية نزلت بسبب مارية أصحُّ وأوضح، وعليه تفقه الناس في الآية (٤).
فإذا قال الرجل لزوجته: أنت عليَّ حرام، أو ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ، فقال أبو حنيفة: هو ما أراد من الطلاق، فإن لم يرد الطلاق، فليس بشيء، وقال مالك: هو ثلاث في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها، فهو ما أراد من الواحدة أو الاثنتين أو الثلاث، ومتى حرم مالًا أو جارية دون أن يعتق، أو يشترط عتقًا أو نحو ذلك، فليس تحريمه بشيء، وقال الشافعي: إن نوى طلاقًا أو ظهارًا، حصل، أو نواهما، تخير، وثبت ما اختاره، وإن
стр. 3470
نوى تحريم عينها، لم تحرم عليه (١)، وعليه كفارة يمين، وكذا إن لم تكن له نية، وإن قاله لأمة، ونوى عتقًا، ثبت، أو تحريمَ عينها، أو لا نية فكالزوجة، وقال أحمد: هو ظهار مطلقًا، ولو نوى الطلاق أو اليمين؛ لأنه صريح في الظهار، فلو قاله لأمته، أو أم ولده، فعليه كفارة يمين كما تقدم في سورة المجادلة في حكم الظهار.
﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ تفسير لـ (تُحَرِّمُ)، والمرضاة مصدر كالرضا؛ أي: تبتغي رضاهن بتحريم المحلَّل، وليس لأحد تحريم ما أحل. قرأ الكسائي: (مَرْضَاتَ) بالإمالة، ووقف عليها بالهاء (٢) .
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ سَتور للذنب ﴿رَحِيمٌ﴾ عطوف بالرحمة، غفر تعالى لنبيه ﷺ ما عاتبه، ورحمه.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.
[٢] ثم أمره أن يكفِّر عن يمينه، فقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ﴾ أي: بَيَّنَ ﴿اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ﴾ أي: تحليل ﴿أَيْمَانِكُمْ﴾ وهو الكفارة، وتقدم حكمها مستوفىً في سورة المائدة.
﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بما يصلحكم ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله.