← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾ . [١٠] ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ تكرير للوعيد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صفة (لأُولِي الأَلْبَابِ). ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ يعني: القرآن. ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ . [١١] ﴿رَسُولًا﴾ هو محمد ﷺ ، والمعنى: بعث رسولًا، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ صفة (رَسُولًا). قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُبَيِّنَاتٍ) بكسر الياء، والباقون: بفتحها (١)، ثم علل الإنزال والإرسال، فقال: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان.

стр. 3467

﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (نُدْخِلْهُ) بالنون، والباقون: بالياء (١). ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ﴾ حال ﴿فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أي: ما أحسنَ ما رزقه الله! يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ . [١٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في العدد، ونصبه عطف (٢) على (سَبْعَ) أي: وخلق من الأرض مثلَهن، قيل: ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية، وفي التفسير بين كل سماءين مسيرة خمس مئة عام، وكذلك غلظ كل سماء، والأرضون مثل السموات. ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى، ثم علل الخلق والتنزيل فقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يخفى عليه شيء، وهو عموم على إطلاقه، ونصب (عِلْمًا) على المصدر المؤكد؛ لأن المعنى: وأن الله قد علم كل شيء علمًا، والله أعلم.

стр. 3468

سورة التحريم مدنية بالإجماع، وآيها: اثنتا عشرة آية، وحروفها: ألف ومئة وستون حرفًا، وكلمها؛ مئتان وسبع وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ . [١] كان رسول الله ﷺ قد خلا بسُرِّيته مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس ملك مصر في بيت حفصة، وقد مرت لزيارة أبيها عمر بن الخطاب ﵁، فجاءت حفصة، فوجدتهما، فأقامت خارج البيت حتى أَخرجَ رسولُ الله ﷺ مارية، وذهبت، فدخلت حفصة غَيْرى متغيرة، فقالت: يا رسول الله! أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ في بيتي وعلى فراشي! فقال لها رسول الله ﷺ متراضيًا لها: "هي حرامٌ عليَّ"، وقال مع ذلك: "والله لا أطؤها أبدًا، فلا تخبري عائشة"، وقال: "أبوك وأبو عائشة الخليفتان بعدي" (١)، ثم إن حفصة ﵂ قرعت

стр. 3469

الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها لتسرها بالأمر، ولم تر في إفشائها إليها حرجًا، واستكتمتها، فأوحى الله بذلك إلى نبيه ونزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيّ﴾ (١) تقدم مذهب نافع في المد والهمز في أول سورة الطلاق. ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. وقيل: شرب عسلًا عند حفصة، فواطأت عائشة سودة وصفية، فقلن له: إنا نشم منك ريحَ المغافير (٢) -وهو صمغ له ريح منكرة، وكان ﷺ يشتد عليه أن يُشم منه ما يكره، فحرم العسل، فنزلت. قال ابن عطية (٣): والقول الأول أن الآية نزلت بسبب مارية أصحُّ وأوضح، وعليه تفقه الناس في الآية (٤). فإذا قال الرجل لزوجته: أنت عليَّ حرام، أو ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ، فقال أبو حنيفة: هو ما أراد من الطلاق، فإن لم يرد الطلاق، فليس بشيء، وقال مالك: هو ثلاث في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها، فهو ما أراد من الواحدة أو الاثنتين أو الثلاث، ومتى حرم مالًا أو جارية دون أن يعتق، أو يشترط عتقًا أو نحو ذلك، فليس تحريمه بشيء، وقال الشافعي: إن نوى طلاقًا أو ظهارًا، حصل، أو نواهما، تخير، وثبت ما اختاره، وإن

стр. 3470

نوى تحريم عينها، لم تحرم عليه (١)، وعليه كفارة يمين، وكذا إن لم تكن له نية، وإن قاله لأمة، ونوى عتقًا، ثبت، أو تحريمَ عينها، أو لا نية فكالزوجة، وقال أحمد: هو ظهار مطلقًا، ولو نوى الطلاق أو اليمين؛ لأنه صريح في الظهار، فلو قاله لأمته، أو أم ولده، فعليه كفارة يمين كما تقدم في سورة المجادلة في حكم الظهار. ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ تفسير لـ (تُحَرِّمُ)، والمرضاة مصدر كالرضا؛ أي: تبتغي رضاهن بتحريم المحلَّل، وليس لأحد تحريم ما أحل. قرأ الكسائي: (مَرْضَاتَ) بالإمالة، ووقف عليها بالهاء (٢) . ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ سَتور للذنب ﴿رَحِيمٌ﴾ عطوف بالرحمة، غفر تعالى لنبيه ﷺ ما عاتبه، ورحمه. ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾. [٢] ثم أمره أن يكفِّر عن يمينه، فقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ﴾ أي: بَيَّنَ ﴿اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ﴾ أي: تحليل ﴿أَيْمَانِكُمْ﴾ وهو الكفارة، وتقدم حكمها مستوفىً في سورة المائدة. ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بما يصلحكم ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله.

стр. 3471

﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾ أي: واذكر يا محمد ذلك على جهة التأنيب والتعتب لهن. ﴿إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ هي حفصة بنت عمر ﵄. واختلاف القراء في الهمزتين من (النَّبِيءُ إِلَى) كاختلافهم فيهما من (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا) أول سورة الطلاق [الآية: ١] ﴿حَدِيثًا﴾ هو تحريم مارية، وخلافة أبي بكر وعمر. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ﴾ حفصةُ ﴿بِهِ﴾ عائشةَ ﴿وَأَظْهَرَهُ﴾ أطلعه ﴿اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بوحي منه. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ قرأ الكسائي: (عَرَفَ) بتخفيف الراء؛ أي: عرف بعضَ الفعل الذي فعلته من إفشاء سره؛ أي: غضب من ذلك، وجازاها عليه بأن طلقها، فلما بلغ ذلك عمر، قال: "لو كان في آل الخطاب خيرٌ لما طلقك رسول الله"، فأمره الله على لسان جبريل بمراجعتها (١). وقرأ الباقون: بتشديد الراء (٢)، أي: أعلم به، وأَنَّبَ عليه.

стр. 3472

﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ هو أمر الخلافة؛ لئلا يشتهر. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي: نبأ حفصة بالخبر، وأنها أفشته إلى عائشة، ظنت أن عائشة فضحتها، فَثَمَّ ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ على جهة التثبت ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ . [٤] فلما أخبرها أن الله أخبره، سكتت، وسلمت، واعتزل ﷺ نساءه للحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة، وحلف ألَّا يدخل عليهن شهرًا، فلما ذهب تسع وعشرون ليلة، بدأ بعائشة، فقالت: أقسمتَ أنك لا تدخل شهرًا، وإنما أصبحتَ من تسع وعشرين، فقال: "الشهر تسع وعشرون ليلة" (١)، وكان الشهر تسعًا وعشرين ليلة. ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ خطاب لحفصة وعائشة من التعاون على رسول الله ﷺ بالإيذاء. ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ مالت ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ أي: وُجد منكما ما يوجب التوبة بأن سَرَّكما ما كرهه النبي ﷺ من تحريم مارية، وجمع القلوب؛ لئلا يجمع بين تثنيتين في كلمة؛ فرارًا من اجتماع المتجانسين، وربما جمع، وتقديره: إن تبتما، قُبلت توبتكما.

стр. 3473

﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ قرأ الكوفيون: بتخفيف الظاء، والباقون: بتشديدها (١)، ومعناهما: تتعاونا على إيذائه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ أي: ناصره ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفًا على الضمير في (مَوْلاَهُ) (وَصَالح الْمُؤْمِنِينَ) واحد يُراد به الجمع، وهم من صلح من المؤمنين. قرأ ابن كثير: (جَبْرِيلُ) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز (٢)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة، وقرأ أبو بكر عن عاصم كذلك، إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة، وقرأ الباقون: بكسر الجيم والراء من غير همز. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِير﴾ أعوان، المعنى: كلُّ المذكورين ينصرون محمدًا ويعينونه، وتخصيص جبريل لتعظيمه. ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ . [٥] ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾ و (عسى) تكون للوجوب في ألفاظ القرآن إلا في موضعين: أحدهما في سورة محمد ﷺ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ)؛ أي: علمتم وتمنيتم، والثاني: هنا ليس بواجب؛ لأن الطلاق معلق بالشرط، فلما لم يوجد الشرط، لم يوجد التبديل.

стр. 3474

﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ رسولُه ﴿أنَّ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ قرأ أبو عمرو: (طَلَّقكُنَّ) بإدغام القاف في الكاف، والباقون: بالإخلاص، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يُبَدِّلَهُ) بفتح الباء وتشديد الدال، والباقون: بإسكان الباء وتخفيف الدال (١). ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ خاضعات له بالطاعة ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مخلصات ﴿قَانِتَاتٍ﴾ طائعات ﴿تَائِبَاتٍ﴾ عن الذنوب ﴿عَابِدَاتٍ﴾ متذللات لأمر الرسول ﴿سَائِحَاتٍ﴾ صائمات. ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أي: مشتملات على الثيبات والأبكار، والآية واردة في الإخبار عن القدرة، لا عن الكون في الوقت؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، وهو علم أنه لا يطلقهن، وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، فهذا إخبار عن القدرة، وتخويف لهم؛ لأنه ليس في الوجود خير من أمة محمد ﷺ . روي عن أنس بن مالك: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﷺ : "يا رسول الله! لا تكترثْ بأمر نسائك، والله معك، وجبريل معك، وأبو بكر معك، وأنا معك"، فنزلت الآية موافقة نحوًا من قول عمر (٢).

стр. 3475

وروي أيضًا: أن عمر قال الزوجات النبي ﷺ : "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن"، فنزلت الآية على نحو قوله (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ . [٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا﴾ جَنِّبوا. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بترك المعاصي ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ بالنصح والتأديب. ﴿نَارًا وَقُودُهَا﴾ حطبها (٢) ﴿النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وهي حجارة الكبريت، وقيل: الأصنام، وقرن الناس بالحجارة؛ لأنهم نحتوها واتخذوها أربابًا من دون الله، وقيل من النار نوع لا يتقد إلا بالناس والحجارة كاتقاد هذه النار بالحطب. ﴿عَلَيْهَا﴾ ولاة يعذبون بها الناس ﴿مَلَائِكَةٌ﴾ هم الزبانية ﴿غِلَاظٌ﴾ فظاظ على أهل النار ﴿شِدَادٌ﴾ أقوياء، بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يضرب أحدهم بمقمعته ضربة واحدة سبعين ألفًا، فيهوون في النار. ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ به ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ بمحبة وإسراع، وهذه الآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد.

стр. 3476

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ . [٧] ويقال للكفار عند دخولهم النار ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونهيهم عن الاعتذار؛ لأنه لا عذر لهم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ . [٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ هي ألَّا يعود إلى الذنب. قرأ أبو بكر عن عاصم: (نُصُوحًا) بضم النون، مصدر كالقعود، وقرأ الباقون: بفتحها (١)، مصدر واسم فاعل بمعنى ناصحة، وصف التوبة بالنصح مجازًا، وإنما هو وصف للتائبين؛ لأنهم ينصحون نفوسهم. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ترجية، وروي أن (عَسَى) هنا للوجوب. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ عطف على ﴿يُكَفِّرَ﴾. ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ ظرف لـ (يُدْخِلَكُم) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ عطف على (النبي). ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ على الصراط.

стр. 3477

﴿يَقُولُونَ﴾ إذا طَفِئَ نْور المنافقين: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقولون ذلك إشفاقًا على عادة البشرية. وعن الحسن: مُتَمِّمة لهم، ولكنهم يدعون تقربًا إلى الله؛ كقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١ ٩] ، وهو مغفور له. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾. [٩] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيف ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بالحجة وإقامة الحدود ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في ذلك ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ جهنمُ. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿ضَرَبَ﴾ أي: مَثَّلَ ﴿اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ واسمها واعلة ﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ واسمها واهلة. ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ أي: زوجيهما ﴿مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ هما نوح ولوط ﵉. ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ بأن أشركتا، لا في الفراش، فقد روي: ما زنت امرأة

стр. 3478

نبي قط (١)، وخيانتهما أن كانت امرأة نوح تقول: إنه مجنون، وامرأة لوط تدل على أضيافه. ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾ أي: زوجاهما ﴿عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذابه. ﴿شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ الكافرين من أمة نوح ولوط، قطع الله بهذه الآية طمع من يركب المعصية أن ينفعه صلاحُ غيره. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. [١١] ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعًا، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ واسمها آسية بنت مزاحم. ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قريبًا من رحمتك، وذلك أنها آمنت، فعلم فرعون، فأوتد يدها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقى على صدرها رحى عظيمة (٢)، واستقبل بها الشمس، فقالت: ﴿رَبِّ ابنِ لِى عِندَكَ بها فِى الجَنَّةِ﴾، فكشف لها فرأت بيتها، فسهل الله عليها تعذيبها (٣)، وفي معنى

стр. 3479

قولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: الجارُ قبلَ الدار. ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ هو الكفرُ، وتعذيبه إياها. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ القبط. ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ عطف على (امرأةَ فرعون) تسلية للأرامل. وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (امْرَأَة) و (ابْنَهْ) بالهاء في الأحرف الأربعة، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (عِمْرَانَ) بالإمالة (١). ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ من الرجال ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ أي: الفرج. ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ والمراد: قولُ جبريل ﵇ لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ الآية [مريم: ١٩]. ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ شرائعه، و (بِكَلِمَةِ رَبِّهَا)؛ أي: بعيسى، والتلاوة بالأول ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم: بضم الكاف والتاء بغير ألف على الجمع؛ أي: كتبه المنزلة على إبرإهيم وموسى وداود وعيسى ﵈، وقرأ الباقون: بكسر الكاف وفتح

стр. 3480

التاء وألف بعدها على التوحيد (١)، والمراد: جنس الكتب المنزلة. ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ المطيعين لربها، ولم يقل: من القانتات؛ لأن القنوت يعم الذكر والأنثى، فغلب الذكر. قال ﷺ : "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسيةُ بنتُ مزاحِم امرأةُ فرعون، ومريمُ بنتُ عمران، وخديجةُ بنتُ خويلد، وفاطمةُ بنتُ محمد، وفضل عائشةَ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٢)، والله أعلم.

стр. 3481

سورة الملك مكية، وتسمى: الواقية، والمنجية؛ لأنها تقي وتنجي قارئها من عذاب القبر، آيها: ثلاثون آية، وحروفها: ألف وثلاث مئة وثلاثة عشر حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وخمس وثلاثون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ . [١] ﴿تَبَارَكَ﴾ تقدم تفسيره أول سورة الفرقان. ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾ أي: في تصرفه ﴿الْمُلْكُ﴾ السلطان والقدرة. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عموم، والشيء معناه في اللغة: الموجود. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ . [٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ هما معنيان يتعاقبان جسمَ الحيوان، يرتفع أحدهما بحلول الآخر.

стр. 3482

﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: جعل لكم هاتين الحالتين ليعاملكم معاملة المختبِر. ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أخلصُه وأسرعُ إلى الطاعة؛ لأنه لا يُقبل عمل حتى يكون خالصًا لله. وعن ابن عمر ﵄ قلت: يا رسول الله! ما معنى قوله تعالى ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؟ فقال: "يقول: أيكم أحسن عقلًا، وأشدكم لله خوفًا، وأحسنكم في أمره ونهيه نظرًا، وإن كانوا أقلَّكم تطوعًا" (١). وقدم الموت في اللفظ؛ لأنه أدعى إلى حسن العمل؛ لتقدمه في النفس هيئة وغلظة. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ . [٣] وتبدل من ﴿الَّذِي﴾ قبلُ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ متطابقات بعضها فوق بعض، متباينات بلا علاقة ولا عماد ولا مماسة، وطباقًا: مصدر؛ أي: طُبقت طباقًا.

стр. 3483

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ اختلاف. قرأ حمزة، والكسائي: (تَفَوُّتٍ) بضم الواو مشددة من غير ألف، وقرأ الباقون: بألف بعد الفاء وتخفيف الواو، وهما لغتان؛ كالتحامُل والتحمُّل (١). ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ كَرِّرْه إلى السماء؛ لتستيقن إحكامَ خلقهن. ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ صدوع. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام عن ابن عامر: (هَل تَّرَى) بإدغام اللام في التاء، والباقون: بالإظهار (٢). ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ . [٤] ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ كرةً بعد كرة، ودققه؛ لترى خللًا، وجواب الأمر: ﴿يَنْقَلِبْ﴾ يرجع ﴿إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ ذليلًا مبعَدًا عن إدراك خلل ما. قرأ أبو جعفر: (خَاسِيًا) بنصب الياء منونًا من غير همز، والباقون: بالهمز (٣). ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ منقطع، لم يدرك ما طلب.

стр. 3484

﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ القُربى إلى الأرض. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وهشام: (وَلَقَد زَّيَّنَّا) بإدغام الدال في الزاي، والباقون: بالإظهار (١). ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ بنجوم، سميت بذلك؛ لإضاءتها كالمصباح؛ لأنها زينة السماء. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: النجومَ ﴿رُجُومًا﴾ جمع رجم؛ أي: مرامي ﴿لِلشَّيَاطِينِ﴾ يُرجمون بها عند استراق السمع، فينفصل الشهاب عن الكوكب كالقبس يؤخذ من النار، والنارُ مكانها، فيقتل الجني، ويخبله، ولا يزول الكوكب عن مكانه. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر، فمن قال غير ذلك، فقد تكلف ما لا علم له به (٢). ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أي: أعددنا ﴿لَهُمْ﴾ يعني: الشياطين. ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، واحتراقهم (٣) بالشهب في الدنيا.

стр. 3485

﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ من الشياطين وغيرهم ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ ورفع (عَذَابُ) (١) خبر مبتدؤه (وَلِلَّذِينَ). ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ تضمنت هذه الآية عذاب جهنم للكفار المخلدين، وقد جاء في الأثر: "أنه يمر على جهنم زمنٌ تخفق أبوابها قد أَخْلَتْها الشفاعة" (٢)، فالذي في هذه الآية في جهنم بأسرها؛ أي: جميع الطبقات، والتي في الأثر هي الطبقة العليا؛ لأنها مقر العصاة. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾ . [٧] ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾ في جهنم (٣) ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ لأهلها. ﴿شَهِيقًا﴾ هو أقبح ما يكون من صوت الحمار ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ غليانًا. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾ . [٨] ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ تنشَقُّ ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ على الكفار. قرأ البزي عن ابن

стр. 3486

كثير: ﴿تَكَاد تَّمَيَّزُ﴾ بتشديد التاء على أنها تتميز، وأدغم إحدى التاءين في الأخرى، وقرأ أبو عمرو: بإدغام الدال في التاء (١). ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ طائفةٌ ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ توبيخًا لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول يخوفكم هذا العذاب. ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ . [٩] ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ الرسل ﴿وَقُلْنَا﴾ لهم: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وفرطنا في التكذيب حتى نفينا (٢) الإنزال والإرسال. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ أي: وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة للكفار حين أخبروا عن أنفسهم أنهم كذبوا الرسل. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: الكفارُ للخزنة في محاورتهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ سماعَ من يعي الحقَّ ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عقلًا يُنتفع به، ونعي شيئًا، لآمَنَّا، و ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ المستوجبين الخلودَ فيه.

стр. 3487

﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ . [١١] ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ حيث لا ينفع الاعتراف ﴿فَسُحْقًا﴾ نصب على جهة الدعاء عليهم ﴿لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: أبعدَهم الله بعدًا عن رحمته. قرأ الكسائي، وأبو جعفر بحلاف عن الثاني: (فَسُحُقًا) بضم الحاء، والباقون: بإسكانها، وهما لغتان مثل: الرعْب والرعُب (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: إذا غابوا عن الناس في خلواتهم. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الجنة. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ . [١٣] ولما كان المشركون ينالون من رسول الله ﷺ ، فيخبره جبريل بما قالوا، قال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد، فنزل: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) بالضمائر دون أن ينطق، فكيف إذا نطق به سرًّا أو جهرًا؟

стр. 3488

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ السرَّ والجهرَ ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ أي: أوجدَ الأشياءَ. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ العالم بما ظهر من خلقه (١) وما بطن ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم وبأعمالهم. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ مذللة لينة ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ جوانبها. ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ الذي خلقه لكم، أمر إباحة ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ المرجع. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ . [١٦] ثم خوَّف الكفار فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر، وقالون، ورويس، والأصبهاني عن ورش: (أَأَمِنْتُمْ) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية بين الهمزة والألف، واختلف عن الأزرق عن ورش في إبدالها ألفًا خالصة، وتسهيلها بين بين، واختلف عن هشام في تسهيلها بين بين، وتحقيقها، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزتين، وهم الكوفيون، وابن ذكوان، وروح، وفصل بين الهمزتين بألف: أبو عمرو،

стр. 3489

وأبو جعفر، وقالون، واختلف عن هشام، وقرأ الباقون: بغير فصل، ممن حقق الثانية أو سهلها، وقنبل راوي ابن كثير خالف أصله في هذا الحرف، فأبدل الهمزة الأولى منهما واوًا؛ لضم راء (النُّشُورُ) قبلها، فإذا وصل، قرأ بواو مفتوحة مع المد، واختلف عنه في الهمزة الثانية، فروي عنه تسهيلها، وروي تحقيقها، وأما إذا ابتدأ، فإنه يحقق الأولى، ويسهل الثانية على أصله (١). ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهذا المحل من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، نؤمن به ولا نتعرض إلى معناه، ونكل العلم فيه إلى الله، قال ابن عباس: "أأمنتم عَذَابَ مَنْ في السماء إن عصيتموه" (٢). ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ يغوِّرَ ﴿بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ كما فعل بقارون. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ تذهب وتجيء مضطربة. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا ذاتَ حجارة كما فعل بقوم لوط. واختلاف القراء في الهمزتين من (السَّمَاءِ أَنْ) في الحرفين كاختلافهم فيهما من (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء [الآية: ٩٩].

стр. 3490

﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ إنذاري إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم العلم. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل كفار مكة من الأمم الماضية. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بالعذاب، وهو تسلية لرسول الله ﷺ ، وتهديد لقومه. قرأ ورش عن نافع: (نَذِيرِي) و (نَكِيرِي) بإثبات الياء وصلًا، وقرأ يعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (١). ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ المراد: جنس الطيور ﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ باسطاتٍ أجنحتَها في الجو عند طيرانها كالسابح في الماء ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أجنحتها بعدَ البسط. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ عن الوقوع عند القبض والبسط ﴿إلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ المعنى: ألم يستدلوا على القدرة بثبوت الطير في الهواء؟!

стр. 3491

﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾ . [٢٠] ثم استفهم منكرًا فقال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ إن أرسل عليكم عذابه ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ الشيطانُ يغرهم. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ﴾ اللهُ ﴿رِزْقَهُ﴾ عنكم باحتباس المطر وغيره من الأسباب؟ فلما لم يتعظوا، أضرب عنهم فقال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ تمادَوْا ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ تكبر ﴿وَنُفُورٍ﴾ تباعُد عن الإيمان. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا﴾ واقعًا. ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ يعثر كل ساعة؛ لوعورة طريقه. ﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قائمًا سالمًا من العِثار. ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذا مثل للمؤمن والكافر. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُم﴾ خلقكم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لتسمعوا

стр. 3492

المواعظ ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لتنظروا صنائعه ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتتفكروا وتعتبروا. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: شكركم قليل، والثاني: لا تشكرونه قليلًا ولا كثيرًا. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ﴾ خلقكم ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تبعثون يوم القيامة. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني الكفار للمؤمنين استهزاء: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تعدوننا به؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ أي: علم وقته ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يعلمه غيره. ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ والنذير يُعَلِّمُ ما عُلِّم، ويخبر بما أُمر أن يُخبر به.

стр. 3493

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ هذه حكاية حال تأتي، المعنى: فإذا رأوه. ﴿زُلْفَةً﴾ قريبًا منهم، يعني: عذاب الآخرة. ﴿سِيئَتْ﴾ قَبُحت واسودَّت (١) ﴿وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبانَ عليها الكآبةُ. ﴿وَقِيلَ﴾ أي: قال الخزنة لهم: ﴿هَذَا﴾ العذابُ. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي: كنتم بسببه تَدَّعون؛ أي: تتمنون أن يُعجل لكم؛ لاعتقادكم أنكم لا تبعثون. قرأ الكسائي، وهشام عن ابن عامر، ورويس عن يعقوب: (سِيَئْت) (وَقِيلَ) بإشمام السين والقاف الضم، وافقهم نافع، وأبو جعفر، وابن ذكوان عن ابن عامر في (سِيئَتْ)، وقرأ الباقون: بإخلاص الكسر فيهما (٢)، وقرأ يعقوب: (تَدْعُونَ) بإسكان الدال مخففة، والباقون: بفتحها مشددة، ومعناهما واحد (٣).

стр. 3494

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ أماتني ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ من المؤمنين. ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ بتأخير آجالنا. ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ المعنى: نحن مع إيماننا بين الخوف والرجاء، فمن يجيركم أنتم مع كفركم؟ أي: لا ينجيكم أحد من العذاب، متنا أو بقينا. قرأ حمزة: (أَهْلَكَنِي اللهُ وَمَنْ مَعِي) بإسكان الياء فيهما، وافقه في الثاني: الكسائي، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وقرأ الباقون: بالفتح فيهما (١). ... ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ الذي نعبده ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ وثوقًا به. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عند معاينة العذاب ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ منا ومنكم. قرأ الكسائي: (فَسَيَعْلَمُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب، واتفقوا على الأول أنه بالخطاب، وهو (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)؛ لاتصاله بالخطاب (٢).

стр. 3495

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ غائرًا في الأرض لا تصلون إليه. ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ جارٍ ظاهرٍ تراه العيون، وتناله الأيدي. حكي أن بعض المتجبرين تُليت عنده هذه الآية، فقال: يأتي به رؤوس المعاول، فذهب ماء عينيه، وعمي، فسمع هاتفًا يقول: قد أغرناها، فاستعمل الآن رؤوس المعاول. قال ﷺ : "إن سورةً من كتاب الله تعالى ما هي إلا ثلاثون آية شَفَعَتْ لرجل، فأخرجته يوم القيامة من النار، وأدخلته الجنةَ، وهي سورةُ تبارك" (١)، والله أعلم.

стр. 3496

سُوْرَةُ ن وَالْقَلَمِ مكية، وآيها اثنتان وخمسون آية، وحروفها: ألف ومئتان وستة وخمسون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ . [١] ﴿ن﴾ قرأ الكسائي، ويعقوب، وخلف، وهشام عن ابن عامر: بإدغام النون الذي هو آخر نون في الواو بغنة؛ إجراء للواو المنفصل مجرى المتصل؛ فإن النون الساكنة تخفى مع حروف (٢) الفم إذا اتصلت بها، واختلف عن ورش، وعاصم، والبزي، وابن ذكوان، وقرأ الباقون: بالبيان للنون عند الواو، وهم: أبو عمرو، وحمزة، وأبو جعفر، وقالون، وورش (٣)، وأبو جعفر على أصله يقف على (ن) (٤). واختلف في (ن)، فقال الجمهور من المفسرين: هو حرف مقطوع،

стр. 3497

فيدخله من الاختلاف ما يدخل في أوائل السور، ويختص هذا الموضع من الأقوال بأن قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، والسدي، والكلبي: إنه الحوت الأعظم الذي تحت الأرضين السبع، واسمه يهموت (١). ﴿وَالْقَلَمِ﴾ الذي كتب به اللوح المحفوظ ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: ما يكتبون: الملائكةُ الحفظةُ من أعمال بني آدم. ... ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ . [٢] وهو قسم جوابه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بإنعامه عليك بالنبوة ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ وهو جواب لقولهم: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، فأقسم الله بالنون والقلم، وما يكتب به الأعمال إنه ليس مجنونًا، وقد أنعم عليه بالنبوة والحكمة. ... ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا﴾ بصبرك على افترائهم. ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: مقطوع. ... ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وسمي خلقه ﷺ عظيمًا؛ لامتثاله

стр. 3498

تأديبَ الله تعالى، والخلق العظيم يجتمع فيه مكارم الأخلاق، وهي تجتمع في النبي ﷺ ، وقد أمره الله بمكارم الأخلاق في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فأمره بتوبة آدم، وشكر نوح، ووفاء إبراهيم، ووعد إسماعيل، وحلم إسحاق، وحسن ظن يعقوب، واحتمال يوسف، وصبر أيوب، وإنابة داود، وتواضع سليمان، وإخلاص موسى، وعبادة زكريا، وعصمة يحيى، وزهد عيسى، ففعلها، وهي من مكارم الأخلاق، فأثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وسئلت عائشة عن خلقه، فقالت: "كان خلقُه القرآن" (١). عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إن رسولَ الله ﷺ لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: "خياركم أحاسنُكم أخلاقًا" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: "ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا ضرب خادمًا ولا امرأة" (٣). وعنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٤): "إن المؤمنَ يدرك بحسن خلقه درجةَ قائم الليل وصائم النهار" (٥).

стр. 3499

﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥)﴾ . [٥] ونزل وعدًا له ﷺ ووعيدًا لهم: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ فستعلم يا محمد، ويعلمون إذا نزل بهم العذاب. ... ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ . [٦] ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ بأي الجانبين الجنون: بجانب محمد ﷺ وأصحابه، أم بجانب أبي جهل وأصحابه؟ ... ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ . [٧] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وهو المجنون حقيقة. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ الفائزين بكمال العقل. ... ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ . [٨] ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه، وذكر سوء خلقه، وعدَّ معايبه، فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه بقوله (١): ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني: قريشًا.

стр. 3500

﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ . [٩] وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات لرسول الله ﷺ : لو عبدتَ آلهتنا وعظمتها، لعبدنا آلهتك وعظمناها، فأُمر بالتصميم على معاداتهم. ﴿وَدُّوا﴾ تمنَّوْا ﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾ تَلين وتُصانعهم في دينك. ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ فيلاينونك بترك الطعن، ورفع (فَيُدْهِنُونَ) وإن كان جواب التمني؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهم يدهنون، وفي بعض المصاحف: (فَيُدْهِنُوا) بلا نون. ... ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ كثيرِ الحلف، وهذا نهي عن طاعة من يجترئ على الله تعالى، وكثرة الأيمان منهي عنه ﴿مَهِينٍ﴾ ضعيف الرأي والعقل. ... ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ . [١١] ﴿هَمَّازٍ﴾ مغتاب عياب للناس ﴿مَشَّاءٍ﴾ بين الناس ﴿بِنَمِيمٍ﴾ ينقل الكلم على وجه الإفساد، وهذه الأوصاف هي أجناس، لم يُرَدْ بها رجل بعينه، وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في الأخنس بن شريق، وقيل: في أبي جهل، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: الأسود بن عبد يغوث (١).

стр. 3501

قال ابن عطية: وظاهر اللفظ عموم من بهذه الصفة، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمن، لا سيما لولاة الأمور (١). ... ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْر﴾ شحيح بالمال والأفعال الصالحة. ﴿مُعْتَدٍ﴾ متجاوز لحدود الأشياء. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (مُعْتَدِي) ﴿أَثِيمٍ﴾ آثم من حيث أعماله قبيحة تكسب الإثم. ... ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿عُتُلٍّ﴾ غليظ جافي سيء الخلق ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الذي وصفناه به، فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصف، لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا، فكونه عتلًا هو قبل كونه صاحب خير يمنعه. ﴿زَنِيمٍ﴾ معلَّق بالقوم وليس منهم. ... ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (أَنْ كَانَ) بهمزة واحدة على الخبر، أي: إذا كان، ومعناه: لا تطعه مع هذه المثالب ليساره، وقرأ الباقون: بهمزتين على الاستفهام، وهم على أصولهم، فحقق الهمزتين

стр. 3502

على الأصل: حمزة وروح عن يعقوب، وأبو بكر عن عاصم، وحقق الأولى وسهل الثانية تخفيفًا: ابنُ عامر، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب، وفصل بينهما بألف: أبو جعفر، وهشام، واختلف عن ابن ذكوان (١)، ولهذه القراءة وجهان: أحدهما معناه: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه؟ يدل على المحذوف؛ (وَلاَ تُطِعْ) قبلُ، والوجه الآخر: ألأن كان ذا مال وبنين؟ ... ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ كذَّبَ بالقرآن، و ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم، ورفعها بإضمار (هي) (٢) أي: جعل مجازاة النعم التي خُوِّلها من البنين والمال الكفرَ بآياتنا. ... ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ . [١٦] ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه بقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ سنسوِّدُ وجهه، أو نكويه، والخرطوم: هو الأنف؛ ليكون له علمًا يعرف به؛ لأن الكافر يسود وجهه يوم القيامة، وخص الأنف بالذكر؛ لأن الوسم عليه أبشع، وقيل: أبو جهل خُطم أنفه بالسيف يوم بدر (٣).

стр. 3503

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع. ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ بستان يقال له: ضروان باليمن دون صنعاء بفرسخين، كان لرجل، وكان إذا جذَّهُ، ترك ما يتعداه المنجل، وما يسقط من رؤوس النخل، وينتثر عند الدياس للمساكين، فمات، فخلفه بنوه فيها، فاحتالوا لمنع حق الفقراء بخلًا منهم. ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ حلفوا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ ليقطعن ثمارها وزرعها ﴿مُصْبِحِينَ﴾ في أول الصبح آخر جزء من الليل خفيةً على المساكين. ... ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ لا يقولون: إن شاء الله. ... ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ﴾ بلاء وهلاك ليلًا ﴿مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ ولا يكون الطائف إلا بالليل، وكان ذلك الطائف نارًا نزلت من السماء فأحرقتها. ... ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي: المصرومة؛ لهلاك ثمرها، وكلُّ شيء قُطع من شيء فهو صريم، والليل صريم، والصبح صريم؛ لأن كل واحد

стр. 3504

منهما ينصرم عن صاحبه، قال ابن عباس: "كالرماد الأسود" (١). ... ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ نادى بعضهم بعضًا. ... ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ أي: أقبلوا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف (٢): (أَنُ اغْدُوا) بضم النون في الوصل، والباقون: بكسرها (٣). ﴿عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ نخلكم (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ قاطعين للنخل. ... ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿فَانْطَلَقُوا﴾ مضوا إليها ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ يتسارُّون، يقول بعضهم لبعض:

стр. 3505

﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ وهذا مبالغة في النهي عن التمكين من الثمرة. ... ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَغَدَوْا﴾ عزموا ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ منعٍ للفقراء، والحرد: المنعُ مع حدَّة وغضب ﴿قَادِرِينَ﴾ بزعمهم. ... ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ محترقةً ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ طريقَ جنتنا، وليست هذه. ... ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾ . [٢٧] فلما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون﴾ خيرَها بسبب منعنا المساكين. ... ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلُهم وخيرهم؛ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿تُسَبِّحُونَ﴾ تطيعون الله وتعظمونه، وقيل: تستثنون، وسمي الاستثناء تسبيحًا؛ لأنه تعظيم الله، قال
следующие страницы →