← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

قال ابن عطية: وظاهر اللفظ عموم من بهذه الصفة، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمن، لا سيما لولاة الأمور (١). ... ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْر﴾ شحيح بالمال والأفعال الصالحة. ﴿مُعْتَدٍ﴾ متجاوز لحدود الأشياء. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (مُعْتَدِي) ﴿أَثِيمٍ﴾ آثم من حيث أعماله قبيحة تكسب الإثم. ... ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿عُتُلٍّ﴾ غليظ جافي سيء الخلق ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الذي وصفناه به، فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصف، لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا، فكونه عتلًا هو قبل كونه صاحب خير يمنعه. ﴿زَنِيمٍ﴾ معلَّق بالقوم وليس منهم. ... ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (أَنْ كَانَ) بهمزة واحدة على الخبر، أي: إذا كان، ومعناه: لا تطعه مع هذه المثالب ليساره، وقرأ الباقون: بهمزتين على الاستفهام، وهم على أصولهم، فحقق الهمزتين

стр. 3502

على الأصل: حمزة وروح عن يعقوب، وأبو بكر عن عاصم، وحقق الأولى وسهل الثانية تخفيفًا: ابنُ عامر، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب، وفصل بينهما بألف: أبو جعفر، وهشام، واختلف عن ابن ذكوان (١)، ولهذه القراءة وجهان: أحدهما معناه: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه؟ يدل على المحذوف؛ (وَلاَ تُطِعْ) قبلُ، والوجه الآخر: ألأن كان ذا مال وبنين؟ ... ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ كذَّبَ بالقرآن، و ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم، ورفعها بإضمار (هي) (٢) أي: جعل مجازاة النعم التي خُوِّلها من البنين والمال الكفرَ بآياتنا. ... ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ . [١٦] ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه بقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ سنسوِّدُ وجهه، أو نكويه، والخرطوم: هو الأنف؛ ليكون له علمًا يعرف به؛ لأن الكافر يسود وجهه يوم القيامة، وخص الأنف بالذكر؛ لأن الوسم عليه أبشع، وقيل: أبو جهل خُطم أنفه بالسيف يوم بدر (٣).

стр. 3503

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع. ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ بستان يقال له: ضروان باليمن دون صنعاء بفرسخين، كان لرجل، وكان إذا جذَّهُ، ترك ما يتعداه المنجل، وما يسقط من رؤوس النخل، وينتثر عند الدياس للمساكين، فمات، فخلفه بنوه فيها، فاحتالوا لمنع حق الفقراء بخلًا منهم. ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ حلفوا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ ليقطعن ثمارها وزرعها ﴿مُصْبِحِينَ﴾ في أول الصبح آخر جزء من الليل خفيةً على المساكين. ... ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ لا يقولون: إن شاء الله. ... ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ﴾ بلاء وهلاك ليلًا ﴿مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ ولا يكون الطائف إلا بالليل، وكان ذلك الطائف نارًا نزلت من السماء فأحرقتها. ... ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي: المصرومة؛ لهلاك ثمرها، وكلُّ شيء قُطع من شيء فهو صريم، والليل صريم، والصبح صريم؛ لأن كل واحد

стр. 3504

منهما ينصرم عن صاحبه، قال ابن عباس: "كالرماد الأسود" (١). ... ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ نادى بعضهم بعضًا. ... ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ أي: أقبلوا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف (٢): (أَنُ اغْدُوا) بضم النون في الوصل، والباقون: بكسرها (٣). ﴿عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ نخلكم (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ قاطعين للنخل. ... ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿فَانْطَلَقُوا﴾ مضوا إليها ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ يتسارُّون، يقول بعضهم لبعض:

стр. 3505

﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ وهذا مبالغة في النهي عن التمكين من الثمرة. ... ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَغَدَوْا﴾ عزموا ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ منعٍ للفقراء، والحرد: المنعُ مع حدَّة وغضب ﴿قَادِرِينَ﴾ بزعمهم. ... ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ محترقةً ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ طريقَ جنتنا، وليست هذه. ... ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾ . [٢٧] فلما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون﴾ خيرَها بسبب منعنا المساكين. ... ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلُهم وخيرهم؛ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿تُسَبِّحُونَ﴾ تطيعون الله وتعظمونه، وقيل: تستثنون، وسمي الاستثناء تسبيحًا؛ لأنه تعظيم الله، قال

стр. 3506

ابن عطية: وهذا يرد عليه قولهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ (١). ... ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾ . [٢٩] فبادر القوم و ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بمنعنا المساكينَ. ... ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ يلوم بعضهم بعضًا في منع المساكين؛ فإن منهم من أشار بذلك، ومنهم من استصوبه، ومنهم من سكت راضيًا، ومنهم من أنكره. ... ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾ . [٣١] فنادوا على أنفسهم بالويل، و ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ في منعنا حقَّ الفقراء. ... ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ليتوب علينا، ويرد جنتنا، رُوي أنهم تابوا، فأُبدلوا جنة خيرًا منها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يُبَدِّلَنَا) بفتح الباء وتشديد الدال، والباقون: بإسكان الباء وتخفيف الدال (٢).

стр. 3507

﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ عذاب أولئك ﴿الْعَذَابُ﴾ الذي نعذب به أهل مكة بالقتل والأسر والهزيمة في الدنيا؛ لشركهم وكفرهم، وهو راجع إلى قوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أعظمُ منه وأشدُّ. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لاحترزوا عما يؤديهم إليه. ... ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾ . [٣٤] ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة. ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ الخالصِ. ... ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ . [٣٥] فقال المشركون للمسلمين: إن بعثنا على زعمكم، فإنا نُعطى أفضلَ منكم، فنزل تكذيبًا لهم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (١) الألف للاستفهام على وجه التوبيخ؛ أي: لا نجعل ذلك، وفيه إضمار: أفلا تعقلون، معناه: من كان له عقل يعلم أنه لا يكون ثواب المسلمين كثواب المجرمين.

стр. 3508

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكمَ الفاسدَ، التفات فيه تعجيبٌ من حكمهم، واستبعادٌ له. ... ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ منزلٌ من السماء ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون. ... ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم ما تختارونه وتشتهونه. قرأ البزي: (لَمَا تَّخَيَّرُونَ) بالمد وتشديد التاء، والباقون: بالتخفيف بغير مد (١). ... ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ نعت (أَيْمَانٌ)؛ أي: ثابتة علينا. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لا نخرج من عهدتها إلى يومئذ، ولما تضمن ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾ معنى القسم، أجابه بقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: لأقسمنا لكم أيمانًا موثقة بما تحكمون به لأنفسكم، فيجب علينا الوفاء بها.

стр. 3509

﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ . [٤٠] ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين؟ ... ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ لله بزعمهم، وهي الأصنام يكفلون لهم بذلك، فإن كان كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في زعمهم. ... ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكرْ يومَ ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: يشتد الأمر، قال ابن عباس: "هو أشدُّ ساعة في القيامة"، يقال: كشفت الحرب عن ساقها؛ أي: شدتها. ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ ويعني: الكفارَ والمنافقينَ على جهة التوبيخ. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ السجودَ؛ لأن ظهورهم تصير كصياصي البقر، كأن سفافيد الحديد فيها. ... ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿خَاشِعَةً﴾ ذليلةً ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ والمراد: أربابها، و ﴿خَاشِعَةً﴾ نصب على الحال، وخص الأبصار بالذكر؛ لأن الخشوع فيها أبينُ منه في كل جارحة (١).

стр. 3510

﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تغشاهم ﴿ذِلَّةٌ﴾ تظهر عليهم ظهورًا يخزيهم. ﴿وَقَدْ كَانُوا﴾ هنا (١) ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الصلاةِ. ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ وأصحاء، فلا يأتون، فلذلك منعوا السجود ثَمَّ، وخص السجود بالذكر من حيث هو أعظم الطاعات، ومن حيث به وقع امتحانهم في الآخرة. ... ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ وعيد، ولم يكن ثمَّ مانع، ولكنه كما تقول: دعني مع فلان؛ أي: سأعاقبه، والحديث المشار إليه هو القرآن. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والاستدراج: هو الحمل من رتبة إلى رتبة، حتى يصير المحمول إلى شر، وإنما يستعمل الاستدراج في الشر؛ أي: نجعلهم كلما أحدثوا خطيئة، جددنا لهم نعمة، وننسيهم الاستغفار. قرأ أبو عمرو: (بِهَذَا الْحَدِيث سَّنَسْتَدْرِجُهُمْ) بإدغام الثاء في السين (٢). ... ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أُمهلهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وسُمي إحسانه

стр. 3511

كيدًا واستدراجًا؛ لأنه في صورتهما؛ لأنه سبب هلاكهم، وفي معنى الاستدراج قولُ النبي ﷺ : "إن الله يُمهل الظالمَ، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه" (١)، والمتين: القوي الذي له متانة. ... ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على تبليغ الرسالة ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ يعطونكه ﴿مُثْقَلُونَ﴾ فلا يؤمنون لذلك، والمراد: توبيخ الكفار؛ لأنه لو سألهم أجرًا فأثقلهم غرمُ ذلك، لكان لهم بعض العذر في إعراضهم وفرارهم. ... ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ اللوح ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ منه ما يقولون وبه يحكمون. ... ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ . [٤٨] ثم أمر الله تعالى نبيه بالصبر لحكمه، وأن يمضي لما أُمر به من التبليغ، واحتمال الأذى والمشقة، ونُهي عن الضجر والعجلة التي وقع فيها

стр. 3512

يونس ﵇، فقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ فيهم بما يشاء. ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ في عجلته وغضبه. ﴿إِذْ نَادَى﴾ داعيًا في بطن الحوت ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مملوء غيظًا. ... ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ﴾ أسند الفعل دون علامة تأنيث؛ لأن تأنيث النعمة غير حقيقي، المعنى: لو لم تنله رحمة ﴿مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ﴾ لأُلقي من بطن الحوت ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ بالأرض الفضاء ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ يُذم ويلام بالذنب، ولكنه رُحم، فُنبذ غيرَ مذموم. ... ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ اختاره واصطفاه بالنبوة. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الأنبياء. ... ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ . [٥١] ثم أخبر تعالى نبيه بحال نظر الكفار إليه، فقال ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ قرأ نافع (لَيَزْلقُونَكَ) بفتح الياء، والباقون، بضمها (١)، المعنى: قارب الكفار أن يصيبوك بأعينهم.

стр. 3513

﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ القرآنَ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ حسدًا: ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. ... ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾ . [٥٢] فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ من الجن والإنس، والله أعلم.

стр. 3514

سُوْرَة الْحَاقَّةُ مكية، وآيها: اثنتان وخمسون آية، وحروفها: ألف وأربعة وثمانون حرفًا، وكلمها: مئتان وست وخمسون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قال: "خرجت يومًا بمكة متعرضًا لرسول الله ﷺ ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فجئت فوقفت وراءه، فافتتح سورة الحاقة، فلما سمعت سرد القرآن، قلت في نفسي: إنه لشاعر كما تقول قريش، حتى بلغ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ثم مر حتى انتهى إلى آخر السورة، فأدخل الله في قلبي الإسلام" (١) . ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾. [١] قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ اسم فاعل من حقَّ الشيء يحق: إذا كان صحيح الوجود، والمراد: القيامة؛ لأنها حقت، فلا كاذبة لها.

стр. 3515

﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ . [٢] ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ استفهام تعجيب؛ تفخيمًا لشأنها، التقدير: الحاقة أيُّ شيء هي؟! و ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ رفع بالابتداء، و (ما) رفعٌ بالابتداء أيضًا، و (الْحَاقَّةُ) الثانية خبر (ما)، والجملة خبر الأول، وهذا كما تقول: زيد وما زيد؟! على معنى التعظيم؛ ليتخيل السامع أقصى جهده. ... ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ . [٣] ثم زادها تفخيمًا فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ أي: إنك لا تعلمها إذا لم تر ما فيها من الأهوال. ... ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ . [٤] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام: (كَذَّبَت ثَّمُودُ) بإدغام التاء في الثاء، واختلف عن ابن ذكوان، وقرأ الباقون: بالإظهار (١). ﴿بِالْقَارِعَةِ﴾ القيامة؛ لأنها تقرع القلوب بالمخافة، و (ثَمُودُ) اسم عربي معرفة فإذا أُريد به القبيلة، لم ينصرف، وإذا أُريد به الحي، انصرف، وأما (عَادٌ)، فكونه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط فهو مصروف.

стр. 3516

﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ . [٥] ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ بالصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة، وقيل: بطغيانهم. ... ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ شديدةٍ تصرصر في هبوبها. ﴿عَاتِيَةٍ﴾ شديدةٍ عتت على خزنتها فلم يضبطوها. ... ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ . [٧] ﴿سَخَّرَهَا﴾ أرسلها بشدة وقهر ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ متتابعة لم يتخللها غير ذلك. روى عن قنبل ويعقوب: الوقفُ بالياء على (لَيَالِي)، وهذه الأيام التي تسميها العرب: أيام (١) العجوز ذاتُ برد ورياح شديدة، سميت بذلك؛ لأنها كانت في عجز الشتاء. ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا﴾ في تلك الأيام والليالي ﴿صَرْعَى﴾ هَلْكى، جمع صريع. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ساقطة فارغة.

стр. 3517

﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ . [٨] ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي: بقاء. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام: (فَهَل تَّرَى) بإدغام اللام في التاء، والباقون: بالإظهار (١). ... ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، والكسائي: (قِبَلَهُ) بكسر القاف وفتح الباء؛ أي: ومن معه، وقرأ الباقون: بفتح القاف وإسكان الباء (٢)؛ أي: من تقدَّمه من الأمم. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ أي: المنخسفات؛ يعني: قوم لوط ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي: بالخطيئة، وهي الشرك. قرأ أبو جعفر: (والْمُوتَفِكَاتُ) بإسكان الواو، و (الْخَاطِيَةِ): بفتح الياء بغير همز فيهما، واختلف عن قالون في (والْمُوتَفِكَاتُ)، وقرأ الباقون بالهمز فيهما (٣).

стр. 3518

﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾ . [١٠] ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: لوطًا وجميعَ الرسل. ﴿فَأَخَذَهُمْ﴾ العذابُ. ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ زائدة في الشدة. ... ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ . [١١] ثم عدد تعالى على الناس نعمه في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ في وقت الطوفان الذي كان على قوم نوح، والطغيان: الزيادة على الحدود المتعارفة، روي أنه علا على كل شيء خمسة عشر ذراعًا. ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي: آباءكم ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ على وجه الماء بسفينة نوح ﵇. ... ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ﴾ أي: الفعلةَ، وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين ﴿تَذْكِرَةً﴾ عظةً. ﴿وَتَعِيَهَا﴾ نصب عطف؛ أي: ولتعيها؛ أي: وتحفظَها ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ حافظة لما تسمع. قرأ نافع (أُذْنٌ) بإسكان الذال، والباقون: برفعها (١).

стр. 3519

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ . [١٣] ثم ذكَّرَ تعالى بأمر القيامة فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هو القرن الذي ينفخ فيه، وهو من نور، فَمُه أوسعُ من السموات. ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ هي الأولى التي للفزع، ومعها يكون الصعق، ثم نفخة البعث. ... ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَحُمِلَتِ﴾ رُفعت (١) ﴿الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ بجميع ما فيها. ﴿فَدُكَّتَا﴾ دُقَّتا ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ لا تثنى؛ لشدتها. ... ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قامت القيامة والطامة الكبرى. ... ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ تفطَّرت ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ ضعيفة بعد قوتها. ... ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَالْمَلَكُ﴾ اسم جنس يريد به: الملائكة ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ جوانبها؛ يعني: السماء؛ لأنها إذا انشقت، انتقلت الملائكة إلى جوانبها حتى يأمرهم

стр. 3520

الرب تعالى فينزلون، فيحيطون بالأرض ومن عليها. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: فوق رؤوسهم؛ يعني: الحملة. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ من الملائكة. روي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة، أُمدوا بأربعة، فصاروا ثمانية على صور الأوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء (١). وعن ابن عباس: "أنهم ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله" (٢). ... ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ العاملُ فيه: ﴿تُعْرَضُونَ﴾ على الله. ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ سريرة. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَخفَى) بالياء على التذكير؛ للفصل بـ (مِنْكُمْ)، وقرأ الباقون: بالتاء لتأنيث (خَافِيَةٌ) (٣).

стр. 3521

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ﴾ سرورًا بما فيه خطابًا لجماعة. ﴿هَاؤُمُ﴾ اسم الفعل؛ أي: خذوا ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ الهاء للوقف. ... ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ أيقنت ﴿أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أي: أُحاسب في الآخرة. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (مُلاَقِي). ... ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ في حالة من العيش مرضية. ... ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ رفيعة. ... ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿قُطُوفُهَا﴾ ثمرتها ﴿دَانِيَةٌ﴾ قريبة المتناول للقائم والقاعد والنائم. ... ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ . [٢٤] فيقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ نصبٌ على المصدر.

стр. 3522

﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ من الصلاح ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ الماضية في الدنيا. ... ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ بأن تلُوى يسراه إلى خلف ظهره، فيأخذه بها ﴿فَيَقُولُ﴾ حزنًا (١) مما فيه: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾. ... ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾. ... ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿يَالَيْتَهَا﴾ أي: الموتةُ التي كانت في الدنيا. ﴿كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ القاطعةَ لحياتي، فلم أُبعث. ... ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿مَا﴾ نفي ﴿أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ يساري لم يدفع عني شيئًا من عذاب الله.

стр. 3523

﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ضلت عني حجتي. قرأ يعقوب: (كِتَابِي) (حِسَابِي) (مَالِي) (سُلْطَانِي) بحذف الهاء منها وصلًا، وأثبتها وقفًا، وافقه حمزة في (مَالِي) و (سُلْطَانِي)، وأثبتها الباقون في الحالين اتباعًا للإمام (١). ... ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠)﴾ . [٣٠] فثَمَّ يُقال للخزنة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ اجمعوا يديه إلى عنقه في الغُلِّ. ... ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ﴾ نصب بفعل يفسره ﴿صَلُّوهُ﴾ أي: أدخلوه النار. ... ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ طولها ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ نصب على التمييز، قال حذاق من المفسرين: هي بالذراع المعروفة منا، وإنما خوطبنا بما نعرفه ونحصله، وقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هي، وعن كعب: لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها (٢). ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ وسلكُه فيها أن تلُوى على جسده.

стр. 3524

﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾ . [٣٣] ثم علل ذلك مستأنفًا فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ المستحقِّ للعظمة، فمن تَعَظَّم تيهًا، استوجب ذلك. ... ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ يحثُّ ﴿عَلَى﴾ بذلِ ﴿طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ فضلًا أن يبذل من ماله، وأضاف الطعامَ إلى المسكين من حيث له إليه نسبة. ... ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ قريب ينفعه. ... ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ هو صديد أهل النار؛ لأنه غُسالة قروح وجروح بطونهم. ... ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ الكافرون، والخاطِئ: الذي يفعل ضد الصواب متعمدًا لذلك، والمخطئ: الذي يفعله غير متعمد. قرأ

стр. 3525

أبو جعفر: (الْخَاطُونَ) بحذف الهمزة وضم الطاء، والباقون: بكسر الطاء وهمزة مضمومة بعدها (١). ... ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿فَلَا﴾ ردٌّ لكلام المشركين؛ أي: ليس كما يقول المشركون، وتبتدئ. ﴿أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ ترون من الأجسام والأشباح. ... ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ من الأرواح، وما استأثر الله بعلمه. ... ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ . [٤٠] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ﴾ يعني: القرآن ﴿لَقَوْلُ﴾ أي: تلاوة. ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني: محمدًا ﷺ يقوله رسالة عن الله تعالى. ... ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ كما تزعمون تارة ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ واتصاف

стр. 3526

إيمانهم بالقلة هو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئًا؛ إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي كان يأمر به رسول الله ﷺ هو حق صواب. ... ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ كما تزعمون أخرى. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ والقلة هنا بمعنى العدم. قرأ ابن كثير، ويعقوب، وابن عامر بخلاف عن راويه ابن ذكوان: (يُؤْمِنُونَ) (يَذْكُرُونَ) بالغيب فيهما، وقرأهما الباقون: بالخطاب، ومنهم حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف على أصله في تخفيف الذال من (تَذَكَّرُونَ)، ورجح أبو عمرو القراءة بالخطاب بقوله: (فَمَا مِنْكُمْ) (١). ... ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿تَنْزِيلٌ﴾ رفع بالابتداء؛ أي: هو تنزيل. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نزَّله على لسان جبريل ﵇.

стр. 3527

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ﴾ أي: اختلقَ ﴿عَلَيْنَا﴾ محمد ﷺ . ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ وأتى بشيء من عند نفسه. ... ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿لأَخَذْنَا﴾ لانتقمنا ﴿مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي: بالقوة والقدرة؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه. ... ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ نياط القلب، وهو عرق أبيض غليظ كالقصبة متصل بالقلب، إذا انقطع، مات صاحبه. ... ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ﴾ عن قتل (١) محمد ﷺ ﴿حَاجِزِينَ﴾ مانعين يحجزوننا، وإنما قال: ﴿حَاجِزِينَ﴾ بالجمع، وهو فعل واحد؛ ردًّا على معناه؛ كقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ... ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَتَذْكِرَةٌ﴾ عظة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون عقاب الله.

стр. 3528

﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ فنجازيهم على تكذيبهم. ... ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ من حيث كفروا به، ويرون من آمن به ينعم، وهم يعذبون. ... ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: إن القرآن ليقين حق. ... ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ تنزيهًا له. وروي أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: "اجعلوها في ركوعكم" (١)، فالتزم ذلك جماعة العلماء, وتقدم ذكر الاختلاف في ذلك آخر سورة الواقعة، والله أعلم.

стр. 3529

سُوْرَةُ المَعَارِجِ مكية، وآيها: أربع وأربعون آية، وحروفها: ثمان مئة وأحد وستون حرفًا، وكلمها: مئتان وست عشرة كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ . [١] ﴿سَأَلَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (سَالَ) بألف من غير همز مثل قال، فألف (سَأَلَ) بدل من الهمزة، وهو لغة في السؤال، خففت الهمزة وجعلت ألفًا، وقرأ الباقون: بهمزة مفتوحة من السؤال على الأصل (١). ﴿سَائِلٌ﴾ المعنى: استفهمَ مستفهمٌ ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ أي: عن عذاب نازلٍ على من ينزل.

стр. 3530

﴿لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)﴾ . [٢] فقال الله مجيبًا له: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي ﷺ بالعذاب، قال بعضهم لبعض: مَنْ أهلُ هذا العذاب، ولمن هو؟ سلوا عنه محمدًا، فسألوه، فأنزل الله الآية: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ (١) يردُّه. ... ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ . [٣] ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ لتعلُّق إرادته به. ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ أي: مصاعد الملائكة، جمع مَعْرَج. ... ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ . [٤] ﴿تَعْرُجُ﴾ أي: تصعد ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ الحفَظَة بأعمال بني آدم كل يوم. قرأ الكسائي: (يَعْرُجُ) بالياء على التذكير إرادة الجمع، والباقون: بالتاء على التأنيث إرادة الجماعة (٢)، وقرأ أبو عمرو: (ذِي الْمَعَارِج تَّعْرُجُ) بإدغام الجيم في التاء (٣).

стр. 3531

﴿وَالرُّوحُ﴾ هو جبريل ﵇. ﴿إِلَيْهِ﴾ [إلى محل قربته وكرامته، وهو السماء] (١). ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ من سني الدنيا، لو صعد فيه غير الملك؛ لأن الملك يصعد من منتهى أمر الله من أسفل السفل إلى منتهى أمره من فوق السماء السابعة في يوم واحد، ولو صعد فيه بنو آدم، لصعدوه في خمسين ألف سنة. ... ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ . [٥] ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذاهم ﴿صَبْرًا جَمِيلًا﴾ هو ما لا جزع فيه، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. ... ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ . [٦] ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ يعني: العذابَ ﴿بَعِيدًا﴾ لإنكارهم البعث. ... ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ . [٧] ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ سهلًا؛ لقدرتنا عليه؛ لأن ما هو آت قريب.

стр. 3532

﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾ . [٨] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لـ (قَرِيبًا) ﴿تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ وهو عكر الزيت. ... ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ وهو الصوف المصبوغ ألوانًا. ... ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ قرأ أبو جعفر: (يُسْأَلُ) بضم الياء مجهولًا، أي: لا يسأل قريب عن قريبه؛ أي: لا يطالِب به، وقرأ الباقون: بفتح الياء معلومًا (١)؛ أي: يسأل قريب قريبًا؛ لاشتغال كلٍّ بشأن نفسه، واختلف عن البزي، فروي عنه الوجهان. ... ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١)﴾ . [١١] ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُرونهم، يعني: يبصر الأحماء بعضهم بعضًا، ويتعارفون ولا يتكلمون، وليس في القيامة مخلوقٌ إلا وهو نصب عين صاحبه.

стр. 3533

﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ يتمنى المشرك ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي: (يَوْمَئِذٍ) بفتح الميم، والباقون: بكسرها، ومن حيث أضيف إلى غير متمكن، جاز فيه الوجهان ﴿بِبَنِيهِ﴾. ... ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾ زوجته ﴿وَأَخِيهِ﴾. ... ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ عشيرته ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ ويأوي إليها. قرأ ابن كثير: (بِبَنِيِهِي) (وَأَخِيهِي) و (تُؤْوِيهِي) وشبهه بياء يصلها بهاء الكناية في الوصل حيث وقع. ... ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يودُّ لو يفتدي بهم جميعًا. ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ذلك الفداء من عذاب الله. ... ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥)﴾ . [١٥] ﴿كَلَّا﴾ لا ينجيه من عذاب الله شيء، ثم ابتدأ تعالى فقال: ﴿إِنَّهَا﴾ أي: النار ﴿لَظَى﴾ من أسماء جهنم، سميت بذلك لتلظِّيها؛ أي: لتلهبها عليهم.

стр. 3534

﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ . [١٦] ﴿نَزَّاعَةً﴾ قرأ حفص عن عاصم: (نَزَّاعَةً) نصب على الحال من (لَظَى)؛ لما فيها من معنى التلظِّي؛ كأنه قال: إنها النار التي تتلظى نزاعةً، فهي حال مؤكدة، وقرأ الباقون: بالرفع خبر مبتدأ محذوف (١)؛ أي: هي نزاعة ﴿لِلشَّوَى﴾ جمع شواة، وهي جلدة الرأس وما ليست مقتلًا كالأطراف، تلخيصه: تقتلع النار منهم كل عضو غير مقتل، ثم يعود هكذا أبدًا. ... ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾ . [١٧] ﴿تَدْعُو﴾ قال ابن عباس: "تدعوهم بأسمائهم ثم تلتقطهم كالتقاط الطير (٢) الحبَّ" (٣)، وقيل: معناه: تعذب. ﴿مَنْ أَدْبَرَ﴾ عن الإيمان ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الحق. ... ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَجَمَعَ﴾ المال ﴿فَأَوْعَى﴾ جعله في وعاء، ولم يؤدِّ حقَّ الله منه.

стр. 3535

قرأ ورش عن نافع، وأبو عمرو: بإمالة رؤوس الآيات الأربع؛ بخلاف نهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، وقرأها الباقون: بالفتح (١). ... ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ . [١٩] ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ هو عامٌّ ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ حال مقدرة، والهلع: أشد الجزع وهو اضطراب يعتري الإنسان عند المخاوف وعند المطامع ونحوها، تفسيره ما بعده. ... ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠﴾ . [٢٠] وهو ﴿إِذَا مَسَّهُ﴾ أصابه ﴿الشَّرُّ﴾ الفقرُ والمرض ﴿جَزُوعًا﴾ حال مقدرة. ... ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾ المالُ والصحة ﴿مَنُوعًا﴾ لحقِّ الله تعالى منه. ... ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ استثناء من الإنسان.

стр. 3536

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ لا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا، ولا يُخِلُّون بالمكتوبة في أوقاتها. ... ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ هو الزكاة. ... ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿لِلسَّائِلِ﴾ الذي يسأل ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ المتعفف عن السؤال، فيحرم لذلك. ... ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ الجزاء. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ... ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ نزولُه، اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذاب الله، وإن بالغ في طاعته.

стр. 3537

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾. ... ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿إِلَّا عَلَى﴾ و (على) بمعنى (من) ﴿أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. ... ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة المؤمنين. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ حافظون، وتقدم تفسيره. واختلاف القراء في (لِأَمانَاتِهِمْ) في سورة المؤمنين أيضًا [الآية: ٨]. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ﴾ قرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (بِشَهَادَاتِهِمْ) بألف بعد الدال على الجمع؛ لاختلاف الأنواع، والباقون: بغير ألف على الإفراد (١).

стр. 3538

﴿قَائِمُونَ﴾ يقيمونها عند الأحكام، فلا يكتمونها. قال ﷺ : "إذا علمتَ مثلَ الشمس، فاشهدْ، وإلَّا فَدَعْ" (١). وتقدم معنى الشهادة في أول سورة المنافقين، وتقدم حكم تحمُّل الشهادة وأدائها وأخذ الأجرة عليها ومذاهب الأئمة في ذلك في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا﴾ [الآية: ٢٨٢]. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يداومون. واتفق القراء على الإفراد في (صَلاَتِهِمْ) هنا، وفي الأنعام (٢)؛ بخلاف الحرف المتقدم في المؤمنين؛ لأنه لم يكتنفها فيهما ما اكتنفها في المؤمنين قبل وبعد، من تعظيم الوصف في المتقدم، وتعظيم الجزاء في المتأخر، فناسب لفظ الجمع، ولذلك قرأ به أكثر القراء، ولم يكن ذلك في غيرها، فناسب الإفراد، والله أعلم، وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولًا وآخرًا باعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها.

стр. 3539

﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ بثواب الله. ... ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وتقدم اختلاف القراء فيه في سورة الكهف عند قوله تعالى: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ) ﴿قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ نحوك مسرعين مديمي النظر إليك. نزلت في جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول النبي ﷺ يستمعون كلامه، ويستهزئون به فقال الله لهم: ما لهم ينظرون إليك، ويجلسون عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون (١)؟! ... ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ فرقًا شتى. ... ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ نزلت لأن بعض الكفار قال: إن كان ثم آخرة وجنة، فنحن أهلها وفيها؛ لأن الله لم ينعم علينا في الدنيا بالمال والبنين وغير ذلك إلا لرضاه عنا. قراءة العامة: (يُدْخَلَ) بضم

стр. 3540

الياء وفتح الخاء على بناء الفعل للمفعول، وقرأ المفضل عن عاصم: بفتح الياء وضم الخاء على بناء الفعل للفاعل (١). ... ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ لقولهم وطمعهم؛ أي: ليس الأمر كذلك، ثم أخبر عن خلقهم فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من النطف والعلق والماء المهين، وهم كافرون، فبم يفتخرون؟! ... ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ تقدم نظيره في سورة الواقعة، وهو ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ يعني: مشرق كل يوم من السنة ومغربه، وتقدم الكلام على قوله ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] و ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] في أول سورة الصافات، وهو قسم جوابه: ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾. ... ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: نهلكهم ونأتي بقوم أمثلَ منهم.
следующие страницы →