← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ لا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا، ولا يُخِلُّون بالمكتوبة في أوقاتها. ... ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ هو الزكاة. ... ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿لِلسَّائِلِ﴾ الذي يسأل ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ المتعفف عن السؤال، فيحرم لذلك. ... ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ الجزاء. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ... ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ نزولُه، اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذاب الله، وإن بالغ في طاعته.

стр. 3537

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾. ... ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿إِلَّا عَلَى﴾ و (على) بمعنى (من) ﴿أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. ... ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة المؤمنين. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ حافظون، وتقدم تفسيره. واختلاف القراء في (لِأَمانَاتِهِمْ) في سورة المؤمنين أيضًا [الآية: ٨]. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ﴾ قرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (بِشَهَادَاتِهِمْ) بألف بعد الدال على الجمع؛ لاختلاف الأنواع، والباقون: بغير ألف على الإفراد (١).

стр. 3538

﴿قَائِمُونَ﴾ يقيمونها عند الأحكام، فلا يكتمونها. قال ﷺ : "إذا علمتَ مثلَ الشمس، فاشهدْ، وإلَّا فَدَعْ" (١). وتقدم معنى الشهادة في أول سورة المنافقين، وتقدم حكم تحمُّل الشهادة وأدائها وأخذ الأجرة عليها ومذاهب الأئمة في ذلك في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا﴾ [الآية: ٢٨٢]. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يداومون. واتفق القراء على الإفراد في (صَلاَتِهِمْ) هنا، وفي الأنعام (٢)؛ بخلاف الحرف المتقدم في المؤمنين؛ لأنه لم يكتنفها فيهما ما اكتنفها في المؤمنين قبل وبعد، من تعظيم الوصف في المتقدم، وتعظيم الجزاء في المتأخر، فناسب لفظ الجمع، ولذلك قرأ به أكثر القراء، ولم يكن ذلك في غيرها، فناسب الإفراد، والله أعلم، وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولًا وآخرًا باعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها.

стр. 3539

﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ بثواب الله. ... ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وتقدم اختلاف القراء فيه في سورة الكهف عند قوله تعالى: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ) ﴿قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ نحوك مسرعين مديمي النظر إليك. نزلت في جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول النبي ﷺ يستمعون كلامه، ويستهزئون به فقال الله لهم: ما لهم ينظرون إليك، ويجلسون عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون (١)؟! ... ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ فرقًا شتى. ... ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ نزلت لأن بعض الكفار قال: إن كان ثم آخرة وجنة، فنحن أهلها وفيها؛ لأن الله لم ينعم علينا في الدنيا بالمال والبنين وغير ذلك إلا لرضاه عنا. قراءة العامة: (يُدْخَلَ) بضم

стр. 3540

الياء وفتح الخاء على بناء الفعل للمفعول، وقرأ المفضل عن عاصم: بفتح الياء وضم الخاء على بناء الفعل للفاعل (١). ... ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ لقولهم وطمعهم؛ أي: ليس الأمر كذلك، ثم أخبر عن خلقهم فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من النطف والعلق والماء المهين، وهم كافرون، فبم يفتخرون؟! ... ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ تقدم نظيره في سورة الواقعة، وهو ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ يعني: مشرق كل يوم من السنة ومغربه، وتقدم الكلام على قوله ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] و ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] في أول سورة الصافات، وهو قسم جوابه: ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾. ... ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: نهلكهم ونأتي بقوم أمثلَ منهم.

стр. 3541

﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: بعاجزين. ... ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ قرأ أبو جعفر: (يَلْقَوْا) بفتح الياء وإسكان اللام وفتح القاف من غير ألف قبلها، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح اللام وألف بعدها وضم القاف (١). ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ فيه العذاب، ونسختها آية القتال. ... ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ . [٤٣] وتبدل من ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور ﴿سِرَاعًا﴾ إجابة الداعي ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ﴾ قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: بضم النون والصاد، جمع نَصْب، وهي الأوثان، وقرأ الباقون: بفتح النون وإسكان الصاد، مفرد (نَصْب) (٢)، وهو ما نُصب فعبد [من] دونِ الله ﴿يُوفِضُونَ﴾ يسرعون.

стр. 3542

﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ حال من ضمير ﴿يَخْرُجُونَ﴾؛ أي: ذليلة خاضعة. ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تظهر عليهم ﴿ذِلَّةٌ﴾ هوان ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ في الدنيا، والله أعلم.

стр. 3543

سُورَةُ نُوحٍ ﵇ مكية، وآيها: ثمان وعشرون آية، وحروفها: تسع مئة وتسعة وعشرون حرفًا، وكلمها: مئتان وأربع وعشرون كلمة. عن أُبي بن كعب (١) ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من قرأَ سورةَ نوح، كان من المؤمنين الذين تُدركهم دعوةُ نوح" (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾. [١] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ واسمه عبد الغفار، وسمي نوحًا؛ لكثرة نوحه على نفسه، وصرف نوح مع عجمته وتعريفه؛ لخفته وسكون الوسط من حروفه، وتقدم ذكر نسبه وتاريخ مولده ومحل قبره في [سورة آل عمران، وتقدم ذكر الاختلاف في عمره حين بعثه الله إلى قومه في] (٣) سورة

стр. 3544

الأعراف، وتقدم ذكر تاريخ ركوبه في السفينة وخروجه منها وما بين الطوفان والهجرة الشريفة النبوية المحمدية في سورة هود، وتقدم ذكر المدة التي لبثها في قومه ينذرهم في سورة العنكبوت. ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ وكانوا يعبدون الأوثان. ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ نصب؛ أي: بأن أنذر، وهي الناصبة للفعل. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب الآخرة والطوفان إن لم يؤمنوا. ... ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢)﴾ . [٢] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنذركم وأبين لكم. ... ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ . [٣] ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ بطاعته ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من الإيمان. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف: (أَنُ اعْبُدُواْ الله) بضم النون في الوصل، والباقون: بكسرها (١)، فمن قرأ بالضم اتباعًا لضمة الباء، وتركًا لمراعاة الحائل لخفة السكون، فهو كأن ليس ثَمَّ حائل، ومن قرأ بالكسر، فهو الأصل في التقاء الساكنين من كلمتين، وقرأ يعقوب: (وَأَطِيعُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٢).

стр. 3545

﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ . [٤] ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (مِنْ) زائدة؛ أي: يغفر ذنوبكم. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ معافَيْنَ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو وقت موتكم بلا إهلاك. ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ بتعذيبكم ﴿إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ فبادروا في أوقات الإمهال. قرأ أبو جعفر، وورش عن نافع: (وَيُوَخِّرْكُمْ) (لاَ يُوَخَّرُ) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز. ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، لآمنتم. ... ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ . [٥] فلما أيس من إيمانهم لما أخبر ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣ ٦] ، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ أي: دائمًا متصلًا، نصب بـ (دَعَوْتُ). ... ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾. [٦] ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ عن الإيمان، مفعول ثان لـ (دعوتُ). قرأ الكوفيون، ويعقوب: (دُعَائِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١).

стр. 3546

﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ . [٧] ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُم﴾ ذنوبهم (١). ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لئلا يسمعوا كلامي. قرأ الدوري عن الكسائي: (آذَانِهِمْ) بالإمالة، والباقون: بالفتح (٢). ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ تغطَّوا بها ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أقاموا على المعصية. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ عظيمًا. ... ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾ . [٨] ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ مصدر في موضع الحال، أي: مجاهِرًا. ... ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ . [٩] ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ صوتي مرارًا، وبالغت في إعلاني. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنِّي أَعْلَنْتُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٣).

стр. 3547

﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ الكلامَ ﴿إِسْرَارًا﴾ بأن كلمتهم واحدًا واحدًا سرًّا؛ أي: نصحتهم بكل طريق. ... ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ . [١٠] وكان قد منع عنهم المطر، وعقمت نساؤهم، وغارت مياههم. ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشرك ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ للتائبين. ... ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ . [١١] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ كثير الدُّرور. ... ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ يكثر أموالكم وأولادكم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ جارية، ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء، والاستسقاء: هو الدعاء بطلب السقيا على وجه مخصوص، فإذا أجدبت الأرض، وقحط المطر، سُنَّ الاستسقاء بالاتفاق. واختلفوا في حكمه، فقال أبو حنيفة: لا صلاة في الاستسقاء، إنما الدعاء والاستغفار، وإن صلوا فرادى، فحسن، وقال صاحباه: يصلي الإمام بالناس ركعتين بلا أذان ولا إقامة كالعيد بالتكبيرات الزوائد عند محمد، وعند أبي يوسف: لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام، وهو المشهور،

стр. 3548

ثم يخطب واحدة، وقال مالك: يصلي ركعتين، يكبر في كل ركعة تكبيرة واحدة كسائر الصلوات، ثم يخطب خطبتين كالعيد، ويجعل بدل التكبير الاستغفار، وقال الشافعي: يصلي ركعتين كالعيد، ولا يختص بوقته، يكبر في الأولى بعد استفتاحه سبعًا، وفي الثانية بعد الرفع خمسًا، ويرفع يديه في الجميع، ويخطب كالعيد، لكن يستغفر الله بدل التكبير، وقال أحمد: وقتها وصفتها وأحكامها كالعيد، فيصلي ركعتين، يكبر في الأولى بعد استفتاحه ستًّا، وفي الثانية بعد الرفع خمسًا، ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كالعيد، ويكثر فيها الاستغفار والدعاء. والقراءة في الركعتين جهرًا بالاتفاق. ويستحب للإمام تحويل ردائه بعد أن يستقبل القبلة، ويفعل الناس كذلك عند الثلاثة؛ خلافًا لأبي حنيفة، وأجازه محمد بن الحسن للإمام فقط. وإن خرج أهل الذمة، لم يمنعوا عند الثلاثة، ولم يختلطوا بالمسلمين، ولم يفردوا بيوم، ومنع أبو حنيفة وأصحابه من خروجهم. ... ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ . [١٣] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ لا تخافون لله عَظَمة. ... ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ تاراتٍ، حالًا بعد حال، نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى تمام الخلق.

стр. 3549

﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ . [١٥] ثم أتبع ذلك ما يؤيده من آيات الآفاق فقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ أي: مطابقة، جعل كلَّ واحدة طبقًا للأخرى. ... ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ وهو في السماء الدنيا؛ لأنه إذا كان في واحدة منهن، فهو فيهن. قال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص: "إن الشمس والقمر أَقفاؤهما إلى الأرض، وإقبال نورهما وارتفاعه في السماء" (١)، وهو الذي يقتضيه لفظ (السِّراج). ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ مصباحًا مضيئًا تبصَر فيه الأشياء، وضوء القمر أقوى من نور القمر، وقيل: الشمس في السماء الخامسة، وقيل: في الرابعة، وقال عبد الله بن عمر: "هي في الشتاء في الرابعة، وفي الصيف في السابعة" (٢).

стр. 3550

﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ استعارة من حيث أُخذ آدم ﵇ من الأرض، ثم صار الجميع نابتًا منه، وقوله: ﴿نَبَاتًا﴾ مصدر (١) واقع موقع إنبات؛ أي: فنبتُّم نباتًا. ... ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ . [١٨] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ مقبورين. ﴿وَيُخْرِجُكُمْ﴾ للبعث ﴿إِخْرَاجًا﴾ لموقف العرض والجزاء. ... ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ بسيطة. ... ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا﴾ طرقًا ﴿فِجَاجًا﴾ واسعة. ... ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ . [٢١] فلما لم يطيعوه، ويئس نوح من إيمانهم ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ لم يجيبوا دعوتي.

стр. 3551

﴿وَاتَّبَعُوا﴾ يعني: السفلة والفقراء ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ هم الرؤساء منهم. ﴿إِلَّا خَسَارًا﴾ ضلالًا في الدنيا، وعقوبة في الآخرة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم بخلاف عنه: (وَوَلَدَهُ) بفتح الواو واللام، والباقون: بضم الواو وإسكان اللام، وهما بمعنى (١). ... ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ أي: كبيرًا عظيمًا، وهو كذبهم على الله. ... ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: عبادتها ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (وُدًّا) بضم الواو، والباقون: بفتحها (٢). ﴿وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ وهي أصنام كانت أعظم أصنامهم، فخصوا بالذكر، وكان الطوفان دفنها، فأخرجها الشيطان لمشركي العرب، فعبدت كلبٌ وَدًّا، وهمدان سُواعًا، ومذحج يغوث، ومراد يعوق، وحمير نسرًا.

стр. 3552

﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا﴾ أي: الأصنام، وهو إخبار نوح عنهم، وهو منقطع مما حكاه عنهم، والمعنى: قد أضل هؤلاء ﴿كَثِيرًا﴾ من الناس. روي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الدنيا، فلما ماتوا، صَوَّرهم أهلُ ذلك العصر من حجر، وقالوا ننظر إليها، فنذكر أفعالهم، فهلك ذلك الجيل، وكبر تعظيم الآخر لتلك الحجارة، ثم كذلك حتى عبدت (١)، ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها إلى قبائل العرب، ثم دعا نوح عليهم إلى الله تعالى فقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ هلاكًا، فأهلكوا، وذكر الظالمين؛ لتعم الدعوة كلَّ من جرى مجراهم. ... ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ قرأ أبو عمرو: بفتح الطاء والياء وألف بعدهما من غير همز، وضمَّ الهاء مثل عَطاياهُم، وقرأ الباقون:. (خَطِيئَاتِهِمْ) بكسر الطاء وياء ساكنة بعدها وبعد الياء همزة مفتوحة وألف وتاء مكسورة وكسر الهاء للإتباع (٢)، وكلا القراءتين جمع خطيئة، و (ما) مزيدة للتأكيد والتفخيم، المعنى: من أجل خطيئاتهم.

стр. 3553

﴿أُغْرِقُوا﴾ بالطوفان ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ وجاء بالفاء للإيذان أنهم عذبوا بالإحراق عقب الإغراق ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ أحدًا يصرف عنهم بأس الله تعالى. ... ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ أحدًا يدور في الأرض، وَديَّار أصله دَيْوار، وهو فَيْعال من الدوران، أي: من يجيء ويذهب. وروي أن نوحًا ﵇ لم يدع بهذه الدعوة إلا من بعد أن أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم، وأعقم أرحام النساء قبل العذاب بسبعين سنة (١). ... ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح، فيقول: احذر هذا؛ فإنه كذاب، وإن أبي حَذَّرنيه، فيموت الكبير، وينشأ الصغير عليه. ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا﴾ مائلًا عن الحق. ﴿كَفَّارًا﴾ عظيمَ الكفر، قال ذلك لما علم حالهم؛ لمكثه ألف

стр. 3554

سنة إلا خمسين عامًا ينذرهم وهم لا يؤمنون، فأجاب الله دعاءه، وأهلكهم كلهم، ولم يكن فيه صبي وقت العذاب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، ولم يوجد التكذيب من الأطفال. ... ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ اسم أبيه لامخ وقيل لمك بن متوشلح، وأمه شمخاء بنت أنوش، وكانا مؤمنين، [وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: لا تلدُ الحيةُ إلا حية] (١)، قال ابن عباس: لم يكفرْ لنوحٍ أبٌ ما بينه وبين آدم ﵇ (٢). ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ أي: داري ﴿مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تعميم بالدعاء لمؤمني كل أمة. قرأ هشام عن ابن عامر، وحفص عن عاصم: (بَيْتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣). ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ هلاكًا، وذهابَ رسم، فاستجاب الله دعوته، وأهلكهم، والله أعلم.

стр. 3555

سُورَةُ الْجِنِّ مكية، وآيها: عشرون وثماني آيات، وحروفها: سبع مئة وتسعة وخمسون حرفًا، وكلمها: مئتا كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ . [١] ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أصله وحي؛ من وحي إليه، فقلبت الواو همزة لضمها. ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وكانوا تسعة من جن نصيبين اليمن، استمعوا قراءة النبي ﷺ ، وتقدم ذكر أسمائهم وقصتهم وحكمهم في سورة الأحقاف، والجن أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية أو الهوائية. ﴿فَقَالُوا﴾ لما رجعوا إلى قومهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ بليغًا، لأنهم تعجبوا من حسنه وغزارة معانيه. قرأ ابن كثير: (قُرَانًا) بالنقل، والباقون: بالهمز (١).

стр. 3556

﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ . [٢] ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ يدعو إلى الإيمان ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ بالقرآن. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ﴾ بعد اليوم ﴿بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وفيه دلالة على أنه ﷺ لم يرهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم وقت قراءته، فسمعوها، فأخبر الله به نبيه. ... ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ . [٣] ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي جلالُ ربنا وعظمتهُ (١)، والجَدُّ: البخت والحظ، والمعنى: تعاظم جلاله وقدرته عن المحدَثات. ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ اختلف القراء في (أَنَّهُ تَعَالَى) وما بعدها إلى قوله (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ)، وتلك اثنتا عشرة همزة، فقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بفتح الهمزة فيهن، وافقهم أبو جعفر في ثلاتة: (وَأَنَّهُ تَعَالَى)، (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ)، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ)، وقرأ الباقون: بكسرها في الجميع (٢)، فمن كسر، استأنف فوقف على أواخر الآيات، ومن فتح، عطف على أنه عطف على (أَنَّهَ اسْتَمَعَ)، واتفقوا على فتح (أَنَّهُ اسْتَمَعَ)، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ)؛ لأنه لا يصح أن يكون من قولهم، بل هو مما أوحى الله إليه ﷺ ، بخلاف الباقي؛ فإنه يصح أن يكون

стр. 3557

من قولهم، ومما أوحى، والله أعلم. وأبو عمرو يدغم الذال في الصاد من قوله: (مَا اتَّخَذ صَّاحِبَةً) (١). ... ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)﴾ . [٤] ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ جاهلُنا إبليس ﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ كذبًا وعدوانًا. ... ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾ . [٥] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ حَسِبْنا ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ المعنى: كان في ظننا أن أحدًا لا يكذب على الله بنسبة الزوجة والولد إليه. قرأ يعقوب: (تَقَوَّلُ) بفتح القاف والواو مشددة، والباقون: بضم القاف وإسكان الواو مخففة (٢). إلى هنا تم الكلام. ... ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ . [٦] وابتدأ كلام الله سبحانه، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا سافر،

стр. 3558

فأمسى في أرض قفرة، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح. ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ أي: زاد الإنسُ الجنَّ باستعاذتهم. ﴿رَهَقًا﴾ طغيانًا وسفهًا؛ بأن قالوا: سُدْنا الجنَّ والإنسَ. ... ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾ . [٧] ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ أي: الجنَّ ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ يا كفار الإنس. ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ بعد موته. ... ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾ . [٨] ثم رجع إلى قول الجن، وهو قوله: ﴿وَأَنَّا﴾ أي: تقول الجنُّ: إنا. ﴿لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ طلبنا بلوغ السماء، واللمس مستعار من المس: الطلب؛ كالجس. ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ﴾ قرأ أبو جعفر: (مُلِيَتْ) بفتح الياء بغير همز، والباقون: بالهمز (١) ﴿حَرَسًا شَدِيدًا﴾ من الملائكة يحرسون ﴿وَشُهُبًا﴾ من النجوم محرقة.

стр. 3559

﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ . [٩] ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ أي: السماء ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ فيه إيذان بخلو بعض السماء من الحرس قبل بعثة النبي ﷺ , فلما بُعث، منعوا منها بالكلية، يدل عليه: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ المعنى: كنا قبل نستمع. ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ صفة لـ (شِهَابًا)، أي: أُرصد، يعني: أُعِدَّ له ليرمى به. ... ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ بحراسة السماء. ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ خيرًا. ... ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ . [١١] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ المؤمنون الأبرار ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قوم دون ذلك، وهم المقتصدون. ﴿كُنَّا طَرَائِقَ﴾ مذاهب ﴿قِدَدًا﴾ فرقًا مختلفة الأهواء، والقدة: القطعة من الشيء.

стр. 3560

﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ أَيْقَنَّا ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ كائنين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أينما كنا. ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أي: هاربين منها إلى السماء. ... ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ القرآن ﴿آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ أي: فهو لا يخاف، مبتدأ وخبر، وليس بنهي، ولو كان نهيًا، لقيل: فلا يخف. ﴿بَخْسًا﴾ نقصًا ﴿وَلَا رَهَقًا﴾ ظلمًا. ... ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ وهم من آمن بمحمد ﷺ ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ الجائرون، وهم الذين جعلوا لله ندًّا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل، فهو مُقْسِط، وقَسَطَ: إذا جار، فهو قاسِط. ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا﴾ تَوَخَّوا وتعمَّدوا ﴿رَشَدًا﴾ خيرًا وهداية.

стр. 3561

﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ . [١٥] ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ توقَد بهم يوم القيامة. إلى هنا من كلام الجن. ... ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ . [١٦] ثم قال الله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿وَأَلَّوِ﴾ (وَأَنْ) مخففة من الثقيلة، تقديره: (وَأَنَّهُ لَو) ﴿اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ طريقة الإسلام. ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ كثيرًا، وذلك بعد ما رُفع عنهم المطر سبع سنين. ... ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ . [١٧] ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنختبرهم كيف يشكرون ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ عن عبادته ﴿يَسْلُكْهُ﴾ ندخله. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (يَسْلُكْهُ) بالياء؛ أي: يُدخله ربه، وقرأ الباقون: بالنون التي للعظمة (١) ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ شاقًّا. ... ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ المبنية للصلاة ﴿لِلَّهِ﴾ تُفرد للصلاةِ والدعاءِ

стр. 3562

وكلِّ ما هو خالص لله تعالى، ولا يُجعل فيها لغير الله نصيب، وتقدم الكلام في حكم المسجد وصيانته وتحريم البصاق فيه في سورة التوبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الآية: ١٨]. وأما حكم القاضي في المسجد، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يجوز؛ لأن رسول الله ﷺ كان يقضي بين الخصوم في المسجد، وكذا الخلفاء الراشدون بعده، ومذهب الشافعي: يُكره كراهة تنزيه، فلو اتفقت قضية أو قضايا وقت حضوره في المسجد لصلاة أو غيرها، فلا بأس بفصلها، وأما الحدود، فلا تقام في المساجد بالاتفاق. ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ فلا تعبدوا فيها غيره سبحانه. ... ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ . [١٩] ثم رجع عن الإخبار عن الكفار إلى الإخبار عن الجن، فقال: ﴿وَأَنَّهُ﴾ قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها (١) ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ هو محمد ﷺ ﴿يَدْعُوهُ﴾ يعبد الله تعالى، ويقرأ القرآن بنخلة عند سوق عكاظ. ﴿كَادُوا﴾ يعني: الجن، وهم النفر الذين جاؤوه من جن نصيبين. ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أي: يركب بعضهم بعضًا، يزدحمون حرصًا على

стр. 3563

سماع القرآن. قرأ هشام عن ابن عامر: (لُبَدًا) بضم اللام؛ كحُطَم، واحد يدل على الكثرة، وقرأ الباقون: بكسرها (١)؛ كمِعَد، جمع لِبْدَة، وهي الجماعة. ... ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿قُلْ﴾ قرأ أبو جعفر، وعاصم، وحمزة: (قُلْ) بغير ألف على الأمر؛ أي: قل للمتظاهرين عليك، وقرأ الباقون: بالألف على الخبر (٢)، يعني: قال رسول الله ﷺ ، وهو يرجع إلى قوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ). ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ إلها معبودًا. ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ في العبادة وغيرها، فلم تتظاهرون علي؟! ... ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾ . [٢١] ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ غَيًّا. ﴿وَلَا رَشَدًا﴾ خيرًا، وإنما هو تعالى المالك لذلك. ... ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ﴾ من عذابه إن عصيته.

стр. 3564

﴿أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ملجأ. ... ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ . [٢٣] وتستثنى من ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ إلى ﴿رَشَدًا﴾ ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ وتعطف على ﴿بَلَاغًا﴾ ﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾ المعنى: لا أملك إلا تبليغَ الرسالة. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلم يؤمن ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ جمعه للمعنى. ... ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا﴾ فيه إضمار معناه: انتظرهم يا محمد، وأمهلهم حتى إذا رأوا، يعني: المشركين ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ عند حلوله بهم ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ أعوانًا هم أم المؤمنون. ... ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ أي: ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ من العذاب. ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ أجلًا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير،

стр. 3565

وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ رفع على نعت قوله: (رَبِّي). ﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾ يُطْلع. ﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ مما يختص به علمه. ... ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى﴾ أي: اصطفى ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ فإنه يظهره على ما يشاء مما هو قليل من كثير. ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ﴾ يسير ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يدي الرسول. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ حَفَظَة من الملائكة يحرسونه من الشيطان. ... ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿لِيَعْلَمَ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: بضم الياء؛ أي: ليُعلم الناسَ

стр. 3566

أن الرسل قد بلغوا، وقرأ الباقون: بفتح الياء (١)؛ أي: ليعلمَ الله. ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ أي: الرسل ﴿رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ والآية مضمنة أنه تعالى قد علم (٢) ذلك، فعلى هذا الفعل المتضمن العطف. ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي: علم ما عند الرسل، وأحاط علمه به. قرأ حمزة، ويعقوب: (لَدَيْهُمْ) بضم الهاء، والباقون: بكسرها (٣). ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أي: معدودًا محصورًا، فلم يخف عليه شيء، ونصب (عددًا) على الحال، والله أعلم.

стр. 3567

سُورَةُ المُزَّمِّلِ مكية إلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخر السورة؛ فإن ذلك نزل بالمدينة، آيها: عشرون آية، وحروفها: ثماني مئة وثمانية وثلاثون حرفًا، وكلمها: مئة وسبع كلمات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ . [١] روي أن رسول الله ﷺ لما جاءه جبريل ﵇ في غار حراء، وحاوره بما حاوره، ورجع رسول الله ﷺ إلى خديجة ﵂ فقال: "زَمِّلوني زملوني"، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١) أصله: المتزمل، أدغمت التاء في الزاي؛ أي: معناه: الملتقِّفُ بثوبه، يقال: تزمَّلَ بثوبه: إذا تغطَّى به.

стр. 3568

﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ . [٢] ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ للصلاة، ونصبه ظرف، وكسر الميم للساكنين. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ وكان قيام الليل فريضة في الابتداء. ... ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)﴾ . [٣] وبيَّن قَدْرَه فقال: ﴿نِصْفَهُ﴾ ظرف أيضًا. ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ﴾ من النصف ﴿قَلِيلًا﴾ إلى الثلث. ... ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ . [٤] ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ على النصف إلى الثلثين، خَيَّره بين هذه المنازل. قرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب: (أَوِ انْقُصْ) بكسر الواو، والباقون: بضمها (١) ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي: بينه تبيينًا. سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: "كانت مَدًّا، ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم" (٢). ... ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ . [٥] ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ هو القرآن؛ لما فيه من الأوامر والنواهي والحدود.

стр. 3569

وسئل ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحيانًا يأتيني مثلَ صلصلةِ الجرس، وهو أشدُّه عليَّ، فيفصم عني وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملَكُ رجلًا يكلمني، فأعي ما يقول". قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فينفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا (١). والخطاب الخاص بالنبي ﷺ كـ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) ونحوه عام للأمة، إلا بدليل يخصه، وهذا قول أحمد والحنفية والمالكية، وقال أكثر الشافعية: لا يعمهم إلا بدليل، وخطابه ﷺ لواحد من الأمة هل يعم غيره؟ قال الشافعي والحنفية والأكثر: لا يعم، وقال أبو الخطاب من أئمة الحنابلة: إن وقع جوابًا، عمَّ، وإلا فلا. ... ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ . [٦] ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته كلها، وناشئة جمع ناشى، سميت بذلك؛ لأنها تنشأ؛ أي: تبدو، فكل ما حدث بالليل وبدأ فقد نشأ، وقيل: إن (ناشئة) حبشية معربة. ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ قرأ أبو عمرو، وابن عامر (وِطَآءً) بكسر الواو وفتح الطاء وألف ممدودة بعدها؛ أي: أَثبتُ قيامًا، وقرأ الباقون: بفتح الواو وإسكان الطاء من غير مد، وإذا وقف حمزة، نقل حركة الهمزة إلى الطاء، فحركها

стр. 3570

على أصله (١)، معناه: أشد وأثقل على المصلي من صلاة النهار. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أصحُّ قولًا؛ لهدوء الناس، وسكون الأصوات. ... ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ . [٧] ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ تصرُّفًا وتقلُّبًا في مهماتك وشغلك كما يتردد السابح في الماء. ... ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ . [٨] ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ بالتوحيد. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: انقطعْ إليه عما سواه، وأخلص له إخلاصًا. ... ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ . [٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ قرأ ابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (رَبِّ) بخفض الباء على نعت الرب في قوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ)، وقرأ الباقون: بالرفع على الابتداء (٢)، وتقدم

стр. 3571

الكلام على قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ و ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] و ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٥]، في أول سورة الصافات. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي: فوض إليه أمرك. ... ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني: قريشًا ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وهو ألَّا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم، ونسختها آية القتال. ... ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ . [١١] ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ وعيد لهم؛ أي: لا تشتغل بهم فكرًا، وكِلْهم إلي. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بفتح النون: أي: التنعيم، وبكسرها؛ أي: الإنعام، وبضمها: المسرة، والتلاوة بالأول ﴿وَمَهِّلْهُمْ﴾ إمهالًا ﴿قَلِيلًا﴾ فلم يكن إلا اليسير حتى قتلوا ببدر. ... ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ . [١٢] ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ قيودًا ثقالًا، كلما ارتفعوا بها في جهنم، استفلَتْ بهم ﴿وَجَحِيمًا﴾ نارًا محرقة.

стр. 3572

﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ ينشب في حلوقهم، فلا يسوغ فيها. ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ زيادة على تعذيبهم. ... ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ . [١٤] ﴿يَوْمَ﴾ العامل فيه الفعل الذي تضمنه ﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾ المعنى: استقر للكفار لدينا كذا وكذا يوم ﴿تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ تتحرك وتتزلزل لهول ذلك اليوم. ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا﴾ رملًا ﴿مَهِيلًا﴾ سائلًا بعد اجتماعه. ... ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ . [١٥] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿رَسُولًا﴾ هو محمد ﷺ . ﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بالكفر والإيمان ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. ... ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ . [١٦] نكر الرسول، ثم دخل حرف التعريف في ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ليعود المعرف على المنكر بعينه، وهو موسى ﵇، وتمثيلُه لهم أمرَهم بفرعون وعيدٌ؛ كأنه يقول: فحالُهم من العذاب والعقاب إن كفروا صائرة (١) إلى مثل حال فرعون.

стр. 3573

﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ شديدًا ثقيلًا. ... ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ . [١٧] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أنفسكم ﴿إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ بقيتم على الكفر. ﴿يَوْمًا﴾ مفعول ﴿تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ لا ظرفًا لـ ﴿كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ثم لأن الكفر لا يكون يوم. ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ جمع أشيب، وهو الأبيض الرأس. ... ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ . [١٨] ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ﴾ منشق ﴿بِهِ﴾ يعني: باليوم؛ لشدته، وبما عليه من الملائكة؛ كانفطار الخشبة بالقدوم، ولم يقل: منفطر؛ لأن السماء تذكر وتؤنث، فمن ذكر، ذهب إلى المعنى؛ لأن معناها السقف؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، ومن أنث، ذهب إلى اللفظ. ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾ تعالى بمجيء ذلك اليوم ﴿مَفْعُولًا﴾ كائنًا بلا بد. ... ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ . [١٩] ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ الآياتِ المخوفة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ عظةٌ. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بالإيمان.

стр. 3574

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى﴾ أقلَّ (١) ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ قرأ هشام عن ابن عامر: (ثُلْثَي) بإسكان اللام، والباقون: بضمها ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ قرأ ابن كثير، والكوفيون: بنصب الفاء والثاء وضم الهاءين عطفًا على (أَدْنَى)؛ أي: وتقوم نصفه وثلثه، وقرأ الباقون: بخفض الفاء والثاء وكسر الهاءين عطفًا على (ثُلُثَي) (٢)؛ أي: وتقوم أقلَّ من ثلثي الليل ومن نصفه ومن ثلثه. ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ أي: تقوم أنت وتقوم طائفة ﴿مِنَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ مَعَكَ﴾ يعني: المؤمنين، وكانوا يقومون معه. ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [فيعرف مقادير جميع ذلك ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ لن تطيقوا معرفة ذلك ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فعاد عليكم بالعفو والتخفيف بترك ما فرض من قيام الليل] (٣).

стр. 3575

﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ من غير توقيت لصلاة، وقيل: القرآن هنا: الصلاة، عبر عنها به؛ لأنه بعض أركانها، ونسخ بالصلوات الخمس، ثم أومأ إلى علة النسخ فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ فيثقل عليهم قيام الليل، و (أَنْ) مخففة من الثقيلة؛ أي: علم أنه سيكون. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يسافرون للتجارة ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: رزقه ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يجاهدون لا يطيقون قيام الليل. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: القرآن، كان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ بالصلوات الخمس، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الواجبة. ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ هو الإنفاق في سبل الخير غير المفروض. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ مما تؤخِّرونه إلى الوصية، ونصب (خَيْرًا) (وَأَعْظَمَ) على المفعول الثاني لـ (تَجِدُوهُ)، فإن الوجود إذا كان بمعنى الرؤية يتعدى إلى مفعولين. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ لذنوبكم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر، ثم يجلسون للاستغفار إلى صلاة الصبح، والله أعلم.
следующие страницы →