← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الكلام على قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ و ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] و ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٥]، في أول سورة الصافات. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي: فوض إليه أمرك. ... ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني: قريشًا ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وهو ألَّا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم، ونسختها آية القتال. ... ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ . [١١] ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ وعيد لهم؛ أي: لا تشتغل بهم فكرًا، وكِلْهم إلي. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بفتح النون: أي: التنعيم، وبكسرها؛ أي: الإنعام، وبضمها: المسرة، والتلاوة بالأول ﴿وَمَهِّلْهُمْ﴾ إمهالًا ﴿قَلِيلًا﴾ فلم يكن إلا اليسير حتى قتلوا ببدر. ... ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ . [١٢] ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ قيودًا ثقالًا، كلما ارتفعوا بها في جهنم، استفلَتْ بهم ﴿وَجَحِيمًا﴾ نارًا محرقة.

стр. 3572

﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ ينشب في حلوقهم، فلا يسوغ فيها. ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ زيادة على تعذيبهم. ... ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ . [١٤] ﴿يَوْمَ﴾ العامل فيه الفعل الذي تضمنه ﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾ المعنى: استقر للكفار لدينا كذا وكذا يوم ﴿تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ تتحرك وتتزلزل لهول ذلك اليوم. ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا﴾ رملًا ﴿مَهِيلًا﴾ سائلًا بعد اجتماعه. ... ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ . [١٥] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿رَسُولًا﴾ هو محمد ﷺ . ﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بالكفر والإيمان ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. ... ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ . [١٦] نكر الرسول، ثم دخل حرف التعريف في ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ليعود المعرف على المنكر بعينه، وهو موسى ﵇، وتمثيلُه لهم أمرَهم بفرعون وعيدٌ؛ كأنه يقول: فحالُهم من العذاب والعقاب إن كفروا صائرة (١) إلى مثل حال فرعون.

стр. 3573

﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ شديدًا ثقيلًا. ... ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ . [١٧] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أنفسكم ﴿إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ بقيتم على الكفر. ﴿يَوْمًا﴾ مفعول ﴿تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ لا ظرفًا لـ ﴿كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ثم لأن الكفر لا يكون يوم. ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ جمع أشيب، وهو الأبيض الرأس. ... ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ . [١٨] ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ﴾ منشق ﴿بِهِ﴾ يعني: باليوم؛ لشدته، وبما عليه من الملائكة؛ كانفطار الخشبة بالقدوم، ولم يقل: منفطر؛ لأن السماء تذكر وتؤنث، فمن ذكر، ذهب إلى المعنى؛ لأن معناها السقف؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، ومن أنث، ذهب إلى اللفظ. ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾ تعالى بمجيء ذلك اليوم ﴿مَفْعُولًا﴾ كائنًا بلا بد. ... ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ . [١٩] ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ الآياتِ المخوفة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ عظةٌ. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بالإيمان.

стр. 3574

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى﴾ أقلَّ (١) ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ قرأ هشام عن ابن عامر: (ثُلْثَي) بإسكان اللام، والباقون: بضمها ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ قرأ ابن كثير، والكوفيون: بنصب الفاء والثاء وضم الهاءين عطفًا على (أَدْنَى)؛ أي: وتقوم نصفه وثلثه، وقرأ الباقون: بخفض الفاء والثاء وكسر الهاءين عطفًا على (ثُلُثَي) (٢)؛ أي: وتقوم أقلَّ من ثلثي الليل ومن نصفه ومن ثلثه. ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ أي: تقوم أنت وتقوم طائفة ﴿مِنَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ مَعَكَ﴾ يعني: المؤمنين، وكانوا يقومون معه. ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [فيعرف مقادير جميع ذلك ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ لن تطيقوا معرفة ذلك ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فعاد عليكم بالعفو والتخفيف بترك ما فرض من قيام الليل] (٣).

стр. 3575

﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ من غير توقيت لصلاة، وقيل: القرآن هنا: الصلاة، عبر عنها به؛ لأنه بعض أركانها، ونسخ بالصلوات الخمس، ثم أومأ إلى علة النسخ فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ فيثقل عليهم قيام الليل، و (أَنْ) مخففة من الثقيلة؛ أي: علم أنه سيكون. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يسافرون للتجارة ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: رزقه ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يجاهدون لا يطيقون قيام الليل. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: القرآن، كان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ بالصلوات الخمس، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الواجبة. ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ هو الإنفاق في سبل الخير غير المفروض. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ مما تؤخِّرونه إلى الوصية، ونصب (خَيْرًا) (وَأَعْظَمَ) على المفعول الثاني لـ (تَجِدُوهُ)، فإن الوجود إذا كان بمعنى الرؤية يتعدى إلى مفعولين. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ لذنوبكم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر، ثم يجلسون للاستغفار إلى صلاة الصبح، والله أعلم.

стр. 3576

سُوْرَةُ الْمُدَّثِّرُ مكية، وآيها: ست وخمسون آية، وحروفها: ألف وعشرة أحرف، وكلمها: مئتان وخمس وخمسون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ . [١] روي أن رسول الله ﷺ قال: "كنتُ على جبل حِراء، فنوديت: يا محمد! إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري، فلم أر شيئًا، فنظرت فوقي، [فرأيت شيئًا، وفي رواية: فنظرت فوقي] (١)، فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض -يعني: الملك الذي ناداه-، فرعبت، ورجعت إلى خديجة، فقلت: دَثِّروني دَثِّروني، فنزل جبريل وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ " (٢)، الكلام فيه كـ (الْمُزُّمِّل)؛ أي: المتلفِّف بثوبه، من الدثار، وهو ما فوق الشعار الذي يلي الجسد، وقيل: هي أول سورة نزلت، والأصح أن أول ما نزل:

стр. 3577

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] كما ورد به الحديث الصحيح (١). ... ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ . [٢] ﴿قُمْ﴾ من مَضْجَعِك ﴿فَأَنْذِرْ﴾ خَوِّف الكفارَ النارَ إن لم يؤمنوا. ... ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَظِّمْه مما يقول عبدة الأوثان. ... ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَثِيَابَكَ﴾ أي: نفسك ﴿فَطَهِّرْ﴾ من الذنب، قال ابن عباس: "لا تلبَسْها على معصية ولا غدر، البسها وأنت طاهر" (٢)، وقيل: معناه: ثيابك فقصر؛ لأن تقصيرها طهرة لها؛ لأن العرب كانوا يجرون ثيابهم فخرًا وخيلاء، فربما أصابتها نجاسة. ... ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَالرُّجْزَ﴾ قرأ أبو جعفر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: بضم الراء، والباقون: بكسرها (٣)، وهما لغتان معناهما واحد، كالذِّكر والذُّكر،

стр. 3578

والمراد: الأوثان، وقيل: الضم للصنم، والكسر للنجاسة ﴿فَاهْجُرْ﴾ لا تقربها. ... ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ لا تُعط مالكَ مصانعةً لتُعطى أكثر منه، و (تَسْتكْثِرُ) رفع لأنه مستقبل في معنى الحال؛ أي: لا تعط مستكثرًا، قال الضحاك: وهذا خاص بالنبي ﷺ ، ومباح لأمته، لكن لا أجر لهم فيه (١). ... ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ أي: لأمره ﴿فَاصْبِرْ﴾ على الطاعة. ... ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ . [٨] ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ نفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، يعني: النفخة الثانية. ... ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾ . [٩] ﴿فَذَلِكَ﴾ أي: وقت النقرة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ شديد.

стр. 3579

﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعسر فيه الأمر عليهم. ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ هين، تأكيد، وفيه إشعار بيسره على المؤمنين. ... ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ . [١١] ونزل في الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان يسمى: الوحيد في قومه (١) أي: لا نظير له في ماله وشرفه في بيته ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أي: خلقته من بطن أمه فريدًا لا مال له ولا ولد. ... ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾ . [١٢] ثم أنعمت عليه ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ كثيرًا له مدد بالنماء؛ كالزرع والضرع والتجارة. ... ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ حضورًا بمكة، لا يغيبون، وكانوا عشرة أو أكثر.

стр. 3580

﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ببسط في (١) العيش وطول العمر والولد بسطًا. ... ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ له من المال والولد. ... ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾ . [١٦] ﴿كَلَّا﴾ ردع له عن الطمع، ثم علل الردع على سبيل الاستئناف فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا﴾ القرآن. ﴿عَنِيدًا﴾ معاندًا، فما زال الوليد بعد هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. ... ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ . [١٧] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سأكلفه مشقة من العذاب.

стр. 3581

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ ماذا يقول في القرآن لما سمعه من النبي ﷺ ، وكان يقرأ ﴿حم﴾ السجدة، فقال لقومه بني مخزوم: سمعت منه كلامًا ما هو بكلام إنس ولا جن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق (١)، فلم يرض قومه بذلك ﴿وَقَدَّرَ﴾ في نفسه ما يقوله قدحًا (٢) وهيأه. ... ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿فَقُتِلَ﴾ لُعن ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تعجيب من تقديره، واستهزاء به. روي أنه لما قال ما قال حين سمع القرآن، قالت قريش: صبأ الوليد، والله لتصبأن قريش كلهم، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إلى الوليد حزينًا، وكلمه بما أحماه، فقام الوليد فناداهم، فقال: تزعمون أنه مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا؟ فقالوا: لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر فقال: إنه (٣) ساحر، فقال (٤): أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله،

стр. 3582

وولده ومواليه؟ ففرحوا بقوله، وتفرقوا متعجبين منه (١). ... ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تكرير للمبالغة. ... ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ في وجوه الناس؛ ليعلم ما عندهم. ... ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ كلح وجهه وكرَّهه ﴿وَبَسَرَ﴾ زاد في الكلوح. ... ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ عن الحق ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ عن الإيمان واتباع محمد ﷺ . ... ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾ الذي يقول محمد ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ يروى عن السحرة.

стр. 3583

﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يعني: يسارًا وجبرًا، وهما عبدان من بلد فارس كانا بمكة، وكان رسول الله ﷺ يجلس عندهما، فقال الوليد: ما هذا القرآن إلا قول جبر ويسار. ... ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿سَأُصْلِيهِ﴾ سأدخله ﴿سَقَرَ﴾ اسم من أسماء جهنم، وهو بدل من ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، ولم ينصرف للتعريف والتأنيث. ... ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ هو تعظيم لشأنها. ... ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ شيئًا من لحم ولا عصب إلا أهلكته، ثم يعود كما كان. ... ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ مغيرة للجلد حتى تجعله أسود.

стр. 3584

﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ هم خزنتها: مالك، ومعه ثمانية عشر على بابها، أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهيب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفًا فيرميهم حيث أراد في جهنم. قرأ أبو جعفر: (تِسَعْةَ عْشَرَ) بفتح السين وإسكان العين الأولى والثانية لتوالي الحركات (١). ... ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ . [٣١] ولما نزلت هذه الآية، قال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة، وكان قويًّا شديد البأس: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فنزل تجهيلًا لهم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ (٢) لا يطاقون، وليسوا كما يتوهمون. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ تسعة عشر ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾ ضلالًا. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأن يقولوا استهزاءً: لم كانوا تسعة عشر؟

стр. 3585

﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هم اليهود صِدْقَ محمد؛ لأن عددهم في التوراة تسعة عشر (١)، وتعطف على ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أهل الكتاب ﴿إِيمَانًا﴾ تصديقًا، لموافقة محمد كتابهم، ثم بالغ في نفي احتمال الشك، فعطف على ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾، فقال: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ من غيرهم في عدد الملائكة، ثم عطف على ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ أيضًا. ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك بالمدينة ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ بمكة. ﴿مَاذَا﴾ أيّ شيء الذي ﴿أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ العدد المستغرب ﴿مَثَلًا﴾ استبعادًا أن يكون هذا من عند الله، والمراد بالمثل: الحديث نفسه. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة، وهدى من صدَّقَ. ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ولما قال أبو جهل: أما كان لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟! نزل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ (٢) من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ثم رجع إلى ذكر سقر. فقال: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِلْبَشَرِ﴾. ... ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢)﴾ . [٣٢] وقوله: ﴿كَلَّا﴾ رد على الكافرين وأنواع الطاغين على الحق، ثم

стр. 3586

أقسم تعالى فقال: ﴿وَالْقَمَرِ﴾ تخصيص تشريف وتنبيه على النظر في عجائبه، وقدرة الله تعالى في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يخل. ... ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ قرأ نافع، ويعقوب، وحمزة، وخلف، وحفص عن عاصم: (إِذْ) بإسكان الذال من غير ألف (أَدْبَرَ) بهمزة مفتوحة وإسكان الدال بعدها على وزن أَفْعَلَ، وقرأ الباقون: (إِذَا) بألف بعد الذال (دَبَرَ) بفتح الدال من غير همز قبلها على وزن فَعَلَ (١)، ومعناهما واحد؛ أي: ولى ذاهبًا. ... ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أضاء وتبيَّنَ. ... ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾ . [٣٥] وجواب القسم: ﴿إِنَّهَا﴾ أي: سقر (٢).

стр. 3587

﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ جمع كُبْرى؛ أي: البلايا العِظام. ... ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ونصب (نَذِيرًا) حال؛ أي: إنها لكبيرة في حال الإنذار، وذكَّر (نذيرًا)، لأنه بمعنى العذاب، قال الحسن: والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها (١). ... ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ . [٣٧] وتبدل من ﴿الْحَيَاةُ﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ أن يسبق إلى الخير. ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ عنه إلى الشر؛ نحو: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وهو أمر وعيد وتهديد. ... ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أي: رهنٌ بعملها في النار، والهاء في (رَهِينَةٌ) للمبالغة، أو على تأنيث اللفظ، لا على معنى الإنسان، ولو كانت صفة، لقيل: رهين. ... ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ هم الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق،

стр. 3588

وهو استثناء (١) ظاهره الانفصال، وتقديره: لكن أصحاب اليمين، وذلك لأنهم لم يكتسبوا ما هم مرتهنون به. ... ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ بينهم. ... ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ماذا حل بهم؟ ... ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ . [٤٢] فإذا خرج الموحدون من النار، قال المؤمنون لمن فيها، وذلك أن الله أطلع أهل الجنة في الجنة حتى رأوا أهل النار وهم في النار، فسألوهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ أدخلكم. ﴿فِي سَقَرَ﴾ قرأ أبو عمرو: (سَلَككُّمْ) بإدغام الكاف، في الكاف والباقون: بالإظهار. ... ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ . [٤٣] فأجاب الكفار و ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ لله تعالى.

стр. 3589

﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ولا نحض على إطعامه. ... ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ ندخل في الباطل مع المبطلين. ... ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ البعث. ... ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ الموت (١). ... ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ . [٤٨] قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين.

стр. 3590

﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ مواعظِ القرآن (١) ﴿مُعْرِضِينَ﴾ نصب على الحال. ... ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ جمع حمار ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: بفتح الفاء؛ أي: استنفرها غيرُها، وقرأ الباقون: بكسرها (٢)؛ أي: طلبت النفار من نفسها؛ لشدة خوفها. ... ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ هم الرماة الذين يتصيدون. ... ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ . [٥٢] ولما قالوا للنبي ﷺ : إن سرك أن نتبعك، فليصبح عند رأس كل منا كتاب منشور من الله تعالى إلى فلان نؤمر فيه باتباعك، نزل:

стр. 3591

﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا﴾ (١) قراطيس ﴿مُنَشَّرَةً﴾ تنشر وتقرأ. ... ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿كَلَّا﴾ ردع عن اقتراحهم الآيات ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ لأنهم لو خافوا النار، لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة. ... ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿كَلَّا﴾ ردع عن إعراضهم، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ عظة. ... ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ اتعظ به. ... ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ قرأ نافع: (تَذْكُرُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢).

стр. 3592

﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لهم الهدى. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ بأن يُتقى ويُطاع ويُحذر عصيانه. ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ بأنْ يغفرَ لعباده إذا اتقوه، والله أعلم. ***

стр. 3593

سورة القيامة مكية، وآيها: أربعون آية، وحروفها: ست مئة واثنان وخمسون حرفًا، وكلمها: مئة وتسع وتسعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ . [١] ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ تقدم مذهب السوسي في إسكان الميم من (أُقْسِمْ) في سورة الواقعة [الآية: ٧٥]، وقرأ قنبل عن ابن كثير: (لأُقْسِمُ) الحرف الأول فقط بحذف الألف التي بعد اللام، فتصير لام توكيد، واختلف عن البزي، وقرأ الباقون: بالألف (١)، فتكون لام الابتداء، و (أقسم) خبر مبتدأ محذوف معناه: لأنا أقسم ﴿بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أقسم الله به تنبيهًا منه لعظمته وهوله. ... ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ التي لا تزال تلوم نفسها في الدنيا، وإن

стр. 3594

اجتهدت في الإحسان، وهو قسم كالأول على الصحيح، ولا خلاف بين القراء في إثبات الألف التي بعد اللام فيه، و (النَّفْس) في الآية اسم جنسٍ لنفوس البشر. ... ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ . [٣] وجواب القسم مضمر فيه، تقديره: لَتُبْعَثُنَّ، يدل عليه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ الذي ينكر البعثَ ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ بعدَ تفرُّقها. قرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو جعفر: (أَيَحْسَبُ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١). ... ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ . [٤] ﴿بَلَى﴾ هو إيجاب ما نفي، والمعنى: بلى نجمعها. ﴿قَادِرِينَ﴾ نصب على الحال ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنان: الأصابع؛ أي: نضمها على صغرها ولطافتها بعضَها على بعض كما كانت من غير نقصان، وقيل: معناه: نجعلها في حياته هذه شيئًا واحدًا كخف البعير، فلا يقدر على عمل لطيف كالكتابة، فتقل منفعته بيده، ففي هذا توعُّد ما. ... ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ . [٥] ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ يكذب بما قُدَّامه من البعث.

стр. 3595

﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ . [٦] ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ﴾ متى (١) ﴿يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ سؤالَ استهزاء وتكذيب. ... ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾ . [٧] ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (بَرَقَ) بفتح الراء؛ أي: شَقَّ عينَه وفتَحها؛ من البريق، وهو التلألؤ، وقرأ الباقون: بكسرها (٢)؛ أي: شَخَصَ عند الموت، فلا يطرف؛ مما يرى من العجائب. ... ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ . [٨] ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ الخسوف والكسوف معناهما واحد، وهو ذهاب ضوء أحد النَّيرين أو بعضه. وصلاة الكسوف سنة (٣) مؤكدة بالاتفاق، فإذا كسفت الشمس أو القمر، فزعوا للصلاة. واختلفوا في صفتها، فقال أبو حنيفة: صلاة كسوف الشمس ركعتان كهيئة النافلة، ويصلي بهم إمام الجمعة، ويطيل القراءة، ولا يجهر، ولا يخطب، وخسوف القمر ليس له اجتماع، ويصليها الناس في منازلهم

стр. 3596

ركعتين كسائر النوافل، وقال الثلاثة: الصلاة لكسوف الشمس ركعتان في جماعة، كل ركعة بركوعين، يطيل الأولى، ويقصر الثانية يسيرًا، ويقرأ في كل ركعتين مرتين. واختلف الثلاثة في صلاة خسوف القمر، فقال مالك فيها كقول أبي حنيفة، وقال الشافعي وأحمد: هي كصلاة كسوف الشمس. واختلفوا في الجهر بالقراءة، فقال مالك: لا يجهر في كسوف الشمس؛ كقول أبي حنيفة، وقال الشافعي: يجهر في كسوف القمر دون الشمس، وقال أحمد: يجهر فيهما، ويخطب لهما عند الشافعي خطبتين بأركانهما في الجمعة، ويحث على التوبة والخير، وعند مالك وأحمد لا يخطب؛ كمذهب أبي حنيفة. ... ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أسودين مكوَّرين كأنهما ثوران عقيران في النار. ... ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ الكافر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ المهرب. ... ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ . [١١] ﴿كَلَّا﴾ ردع عن الفرار ﴿لَا وَزَرَ﴾ لا ملجأ تتحصن به.

стр. 3597

﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ المصير، فيحاسب الخلائق ويجازيهم. ... ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ﴾ قبلَ موته من خير وشر عَمِلَه. ﴿وَأَخَّرَ﴾ من حسنة وسيئة سنَّها يُعمل بهما بعده. ... ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ﴾ إضراب بمعنى الترك، لا على معنى إبطال القول الأول. ﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ شاهد، والهاء في (بَصِيَرةٌ) للمبالغة، ويراد بالبصيرة: جوارحُه، والملائكةُ الحفظة. ... ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ أي: ولو جاء بكل معذرة، ما قُبلت منه. ... ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ . [١٦] وكان ﷺ إذا لُقِّنَ الوحيَ، يحرك لسانه مسارعة إلى حفظه قبل

стр. 3598

فراغ جبريل، مخافة أن يتفلت منه، فنزل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ (١) بالقرآن. ﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ حذرًا أن يفوتك منه شيء؛ أي: لا تقرأه حتى يفرغ جبريل من قراءته. ... ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ في صدرك. ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: قراءته عليك وجَريانَه على لسانك. ... ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: قرأه رسولنا جبريل عليك ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاستمع قراءته. ... ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بأن نبُيِّنه لك حتى تفهمه، فكان جبريل إذا أتى النبيَّ ﵉ بالوحي، أطرق، فإذا ذهب عنه، قرأه كما وعده الله تعالى. ...

стр. 3599

﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿كَلَّا﴾ رجوع إلى مخاطبة قريش، وردٌّ عليهم وعلى أقوالهم في رد الشريعة بقوله: (كَلَّا)؛ أي: ليس كما تقولون، وإنما أنتم قوم قد ألهتكم (١) الدنيا بشهواتها، فذلك قوله: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ الدنيا. ... ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ فلا تعملون لها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب: (يُحِبُّونَ) و (يَذَرُون) بالغيب، وقرأهما الباقون: بالخطاب على تقدير: قل لهم يا محمد (٢). ... ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [٢٢] ولما ذكر الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها بقوله: ﴿وُجُوهٌ﴾ رفع بالابتداء، وابتدأ بالنكره لأنها تخصصت بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لخبر المبتدأ، وهو ﴿نَاضِرَةٌ﴾ أي: ناعمة حسنة من نضرة النعيم. ...

стр. 3600

﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ من نظر العين، وحمل هذه الآية جميعُ أهل السنة على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله تعالى بلا كيف ولا تحديد كما هو معلوم موجود، لا يشبه الموجودات، كذلك لا يشبه المرئيات في شيء، فإنه ليس كمثله شيء سبحانه. قال ﷺ "إنكم ترون ربَّكم يومَ القيامة كما ترون القمرَ ليلةَ البدر لا تُضامون في رؤيته" (١). والمعتزلة ينفون رؤية الله تعالى، ويذهبون في هذه الآية إلى أن المعنى: إلى رحمة ربها ناظرة، وإلى ثوابه، أو إلى ملكه، فقدروا مضافًا محذوفًا، وتقدم الكلام على ذلك، واختلاف (٢) الأئمة على رؤيته سبحانه في الآخرة في سورة الأنعام. ... ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ عابسة متكرِّهة. ... ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿تَظُنُّ﴾ تتيقَّن ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ داهية عظيمة تفقر؛ أي: تكسر فقار الظهر.

стр. 3601

﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿كَلَّا﴾ زجر لقريش، وتذكيرهم بموطن من مواطن الهول، وهي حالة الموت والمنازعة ﴿إِذَا بَلَغَتِ﴾ النفسُ ﴿التَّرَاقِيَ﴾ جمع تَرْقُوة، وهي العظم بين ثغرة النحر والعاتق أعلى الصدر موازية للحلقوم، ولكل أحد ترقوتان، لكن من حيث هذا الأمر في كثيرين، جُمع؛ إذ النفس المرادة اسم جنس. ... ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ أي: يرقيه ليشفى ما فيه. قرأ حفص عنه عاصم: (مِنْ رَاقٍ) بإظهار النون مع سكتة عليها خفيفة، وقرأ الباقون: بإدغام النون في الراء (١)، وروي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (رَاقِي). ... ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿وَظَنَّ﴾ أي: تيقن ﴿أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ فراق الدنيا. ... ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة.

стр. 3602

﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ أي: مرجع العباد إلى الله يساقون إليه. ... ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ . [٣١] ﴿فَلَا صَدَّقَ﴾ يعني: أبا جهل لم يصدق برسول الله ﷺ . ﴿وَلَا صَلَّى﴾ لله. أمال رؤوس الآي من قوله (وَلاَ صَلَّى) إلى آخر السورة: ورش، وأبو عمرو بين بين بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، واختلف عن أبي بكر في (سُدَى)، فروي عنه الإمالة والفتح. وقرأ الباقون: بإخلاص الفتح فيهما (١). ... ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾ بالقرآن ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان. ... ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ يتبختر في مشيته (٢) إعجابًا، أصله يَتَمَطَّطُ. ... ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ مبتدأ وخبر، معناه: وليكنْ ما تكره.

стр. 3603

﴿فَأَوْلَى﴾ فهو أولى بك من غيره، فهو وعيد لأبي جهل. ... ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وعيدٌ ثانٍ كرره تأكيدًا، تلخيصه: ويل لك في الدنيا، ثم في القبر، ثم حين البعث، ثم في النار مهملًا. روي أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية، أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء، وهزه مرة أو مرتين، ولكزه في صدره، وقال له: "أَوْلى لكَ فأولى، ثم أولى لك فأولى"، فقال أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟! والله لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعزُّ من مشى بين جبليها، فلما كان يوم بدر، صرعه الله شر مصرع، وقتله أسوأ قتلة، وكان رسول الله ﷺ يقول: "إن لكل أمة فرعونًا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل" (١). ... ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ هو أبو جهل ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ مهملًا لا يؤمر ولا ينهى. ...

стр. 3604

﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ تُصَبُّ في الرحم، فيستدل على ذلك بالقدرة على البعث. قرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (يُمْنَى) بالياء على التذكير إرادة المني، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث إرإدة النطفة، واختلف عن هشام (١). ... ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ المنيُّ ﴿عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ اللهُ منها الإنسان، وعدَّل أعضاءه. ... ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾ من المني ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ الصنفين. ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وهو استدلال آخر بالإبداء على الإعادة. ... ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ الذي فعل هذا.

стр. 3605

﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فيعيد الأجسام كهيئتها للبعث. روي أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانك اللهم وبحمدك بلى" (١)، والله أعلم. ...

стр. 3606

سورة الإنسان مكية، وقيل: مدنية، وقيل: منها آية مكية، وهي قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، والباقي مدني، وآيها: إحدى وثلاثون آية، وحروفها ألف وأربع وخمسون حرفًا، وكلمها: مئتان واثنتان وأربعون كلمة. روي أنها نزلت في صنيع علي بن أبي طالب ﵁ في إطعامه عشاءه وعشاء أهله وولده لمسكين ليلةً، ثم ليتيم ليلة، ثم لأسير ثالثة، متواليات (١) ، والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾. [١] ﴿هَلْ﴾ بابها المشهور للاستفهام المحض، ومعناها هنا: قد. ﴿أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يعني: آدم ﵇ ﴿حِينٌ﴾ مدة ﴿مِنَ الدَّهْرِ﴾ أربعون سنة ملقى من طين بين مكة والطائف قبل أن تنفخ فيه الروح.

стр. 3607

﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [لا يُذكر ولا يُعرف، ولا يُدرى ما اسمه، ولا ما يراد به، فكان شيئًا، ولم يكن مذكورًا] (١)، ولا منوهًا به في العالم. ... ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ . [٢] ثم بين خلق بنيه فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني: بني آدم، والإنسان هنا هو اسم الجنس ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ نعت؛ أي: أخلاطٍ، واحدها مَشَج -بفتح الميم والشين- يعني: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم، فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه، كان الشبه له، وما كان من عصب وعظم، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر، فمن ماء المرأة. ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ حال؛ أي: خلقناه مريدين ابتلاءه؛ بأن نختبره بالأمر والنهي. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ذا سمع وبصر. ... ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ . [٣] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ﴾ بينا له ﴿السَّبِيلَ﴾ أي: الطريقَ إلى الهدى والضلالة. ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حالان قسمتهما (إما)؛ أي: بأن يشكر فيؤمن، أو يكفر فيضل. ...

стр. 3608

﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ . [٤] ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا (١) ﴿لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ يسحبون بها في النار. قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي، وأبو بكر، ورويس، وهشام: (سَلاَسِلًا) منونًا مصروفًا؛ لأن الأصل الصرف، ووقفوا عليه بالألف بدلًا منه، وقرأ الباقون: بغير تنوين على المشهور عند النحاة، ووقف منهم بالألف صلة للفتحة واتباعًا لخط المصحف: أبو عمرو، وحفص، وروح، والبزي، وابن ذكوان بخلاف عنهم سوى أبي عمرو، ووقف الباقون بغير ألف، وهم: حمزة، وقنبل، وخلف (٢). ﴿وَأَغْلَالًا﴾ في أعناقهم تُشد فيها السلاسل. ﴿وَسَعِيرًا﴾ نارًا مستعرة يُعذَّبون بها. ... ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾ . [٥] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ هم الصادقون المطيعون ﴿يَشْرَبُونَ﴾ في الآخرة خمرًا. ﴿مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا﴾ ما تمزج به ﴿كَافُورًا﴾ وهو اسم عين ماء في الجنة.

стр. 3609

﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ . [٦] ﴿عَيْنًا﴾ نصب بحال (كافور) (١) ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يشربها، فالباء زائدة. ﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي: أولياؤه ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم؛ لأن أنهار الجنة تكون منقادة لأهلها، كما أن الأشجار تكون منقادة لهم، فيتبعهم النهر إلى حيث شاؤوا. ... ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ . [٧] روي أن الحسن والحسين مرضا، فنذر علي وفاطمة وفضة جاريتهما إن عوفيا صيام ثلاثة أيام، فعوفيا، فلم يكن عندهم شيء، فاستقرض علي ثلاثة أصواع من شعير من يهودي، فطحنت فاطمة صاعًا، وخبزته خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها قدامهم ليفطروا، فقال سائل: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد أهل (٢) الجنة، فآثروه به، وباتوا لم يطعموا شيئًا، وأصبحوا صيامًا، فلما قدموا الصاع الثاني، في الليلة الثانية، وهو خمسة أقراص ليفطروا عليه، وقف عليهم يتيم سائلًا، فآثروه ولم يطعموا شيئًا، وأصبحوا صيامًا، وفي الليلة الثالثة (٣) قدموا الصاع

стр. 3610

الثالث، وهو خمسة أقراص ليفطروا عليه، وقف عليهم أسير، فآثروه ولم يطعموا شيئًا فنزل استئنافًا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ (١) إذا نذروا في الطاعة، وتقدم الكلام في حكم النذر في سورة البقرة. ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ منتشرًا؛ من استطار الحريق: انتشر. ... ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ . [٨] ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ حب الطعام وشهوتهم له. ﴿مِسْكِينًا﴾ لا مال له ﴿وَيَتِيمًا﴾ لا أب له ﴿وَأَسِيرًا﴾ يعني: أسارى الكفار؛ فإنه كان ﷺ يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: "أحِسنْ إليه" (٢). ... ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ . [٩] ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ لم يقولوا ذلك باللسان، ولكن من اعتقادهم وضميرهم، فأخبر الله بذلك عن قلوبهم. ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾ على ذلك ﴿وَلَا شُكُورًا﴾ بأن تشكرونا عليه. ...
следующие страницы →