سورة الإنسان
مكية، وقيل: مدنية، وقيل: منها آية مكية، وهي قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، والباقي مدني، وآيها: إحدى وثلاثون آية، وحروفها ألف وأربع وخمسون حرفًا، وكلمها: مئتان واثنتان وأربعون كلمة.
روي أنها نزلت في صنيع علي بن أبي طالب ﵁ في إطعامه عشاءه وعشاء أهله وولده لمسكين ليلةً، ثم ليتيم ليلة، ثم لأسير ثالثة، متواليات (١) ، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾.
[١] ﴿هَلْ﴾ بابها المشهور للاستفهام المحض، ومعناها هنا: قد.
﴿أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يعني: آدم ﵇ ﴿حِينٌ﴾ مدة ﴿مِنَ الدَّهْرِ﴾ أربعون سنة ملقى من طين بين مكة والطائف قبل أن تنفخ فيه الروح.
стр. 3607
﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [لا يُذكر ولا يُعرف، ولا يُدرى ما اسمه، ولا ما يراد به، فكان شيئًا، ولم يكن مذكورًا] (١)، ولا منوهًا به في العالم.
...
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ .
[٢] ثم بين خلق بنيه فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني: بني آدم، والإنسان هنا هو اسم الجنس ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ نعت؛ أي: أخلاطٍ، واحدها مَشَج -بفتح الميم والشين- يعني: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم، فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه، كان الشبه له، وما كان من عصب وعظم، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر، فمن ماء المرأة.
﴿نَبْتَلِيهِ﴾ حال؛ أي: خلقناه مريدين ابتلاءه؛ بأن نختبره بالأمر والنهي.
﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ذا سمع وبصر.
...
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ .
[٣] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ﴾ بينا له ﴿السَّبِيلَ﴾ أي: الطريقَ إلى الهدى والضلالة.
﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حالان قسمتهما (إما)؛ أي: بأن يشكر فيؤمن، أو يكفر فيضل.
...
стр. 3608
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ .
[٤] ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا (١) ﴿لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ يسحبون بها في النار.
قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي، وأبو بكر، ورويس، وهشام: (سَلاَسِلًا) منونًا مصروفًا؛ لأن الأصل الصرف، ووقفوا عليه بالألف بدلًا منه، وقرأ الباقون: بغير تنوين على المشهور عند النحاة، ووقف منهم بالألف صلة للفتحة واتباعًا لخط المصحف: أبو عمرو، وحفص، وروح، والبزي، وابن ذكوان بخلاف عنهم سوى أبي عمرو، ووقف الباقون بغير ألف، وهم: حمزة، وقنبل، وخلف (٢).
﴿وَأَغْلَالًا﴾ في أعناقهم تُشد فيها السلاسل.
﴿وَسَعِيرًا﴾ نارًا مستعرة يُعذَّبون بها.
...
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾ .
[٥] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ هم الصادقون المطيعون ﴿يَشْرَبُونَ﴾ في الآخرة خمرًا.
﴿مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا﴾ ما تمزج به ﴿كَافُورًا﴾ وهو اسم عين ماء في الجنة.
стр. 3609
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ .
[٦] ﴿عَيْنًا﴾ نصب بحال (كافور) (١) ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يشربها، فالباء زائدة.
﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي: أولياؤه ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم؛ لأن أنهار الجنة تكون منقادة لأهلها، كما أن الأشجار تكون منقادة لهم، فيتبعهم النهر إلى حيث شاؤوا.
...
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ .
[٧] روي أن الحسن والحسين مرضا، فنذر علي وفاطمة وفضة جاريتهما إن عوفيا صيام ثلاثة أيام، فعوفيا، فلم يكن عندهم شيء، فاستقرض علي ثلاثة أصواع من شعير من يهودي، فطحنت فاطمة صاعًا، وخبزته خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها قدامهم ليفطروا، فقال سائل: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد أهل (٢) الجنة، فآثروه به، وباتوا لم يطعموا شيئًا، وأصبحوا صيامًا، فلما قدموا الصاع الثاني، في الليلة الثانية، وهو خمسة أقراص ليفطروا عليه، وقف عليهم يتيم سائلًا، فآثروه ولم يطعموا شيئًا، وأصبحوا صيامًا، وفي الليلة الثالثة (٣) قدموا الصاع
стр. 3610
الثالث، وهو خمسة أقراص ليفطروا عليه، وقف عليهم أسير، فآثروه ولم يطعموا شيئًا فنزل استئنافًا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ (١) إذا نذروا في الطاعة، وتقدم الكلام في حكم النذر في سورة البقرة.
﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ منتشرًا؛ من استطار الحريق: انتشر.
...
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ حب الطعام وشهوتهم له.
﴿مِسْكِينًا﴾ لا مال له ﴿وَيَتِيمًا﴾ لا أب له ﴿وَأَسِيرًا﴾ يعني: أسارى الكفار؛ فإنه كان ﷺ يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: "أحِسنْ إليه" (٢).
...
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ .
[٩] ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ لم يقولوا ذلك باللسان، ولكن من اعتقادهم وضميرهم، فأخبر الله بذلك عن قلوبهم.
﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾ على ذلك ﴿وَلَا شُكُورًا﴾ بأن تشكرونا عليه.
...
стр. 3611
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ لا انبساطَ فيه ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ شديدًا.
...
﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ .
[١١] ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ الذي يخافون ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أعطاهم ﴿نَضْرَةً﴾ حسنًا في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ في قلوبهم.
...
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعته ﴿جَنَّةً﴾ أدخلهم فيها ﴿وَحَرِيرًا﴾ ألبسهموه.
...
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الحال ﴿فِيهَا﴾ في الجنة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ السُّرُر في الحِجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا، وتقدم في سورة (يس).
﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ يؤذيهم حرُّها ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ بردًا شديدًا.
...
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ قريبةً منهم ظلالُ أشجارها.
стр. 3612
﴿وَذُلِّلَتْ﴾ سُخِّرَت وانقادت ﴿قُطُوفُهَا﴾ جمع قِطْف، وهو ما يقطف من الثمار ﴿تَذْلِيلًا﴾ المعنى: سُهِّل لهم اجتناؤها.
...
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ﴾ جمع إناء، وهي الأوعية ﴿مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ الكوب: ما لا عروةَ له ولا أُذُنَ من الأواني ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾.
...
﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ .
[١٦] خبر (كانت) ﴿قَوَارِيرَا﴾ وإنما كرر القوارير؛ للتبيين، ومعناه: صفاؤها كالقوارير، وبياضها كالفضة. قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (قَوَارِيرًا قَوَارِيرًا) بتنوينهما، ووقفوا عليهما بالألف، وقرأ ابن كثير، وخلف: في الأول بالتنوين، ووقفا عليه بالألف، والثاني بغير تنوين، ووقفا عليه بغير ألف، والباقون: بغير تنوين فيهما، ووقف حمزة، ورويس عليهما (١) بغير ألف، واختلف عن روح، ووقف هشام عليهما بالألف صلة للفتحة، ووقف الباقون، وهم: أبو عمرو، وحفص، وابن ذكوان على الأول بالألف، وعلى الثاني بغير ألف، فحصل من ذلك أن من لم ينون وقف على الأول بالألف إلا حمزة، وعلى الثاني بغير ألف إلا هشامًا (٢)، وهو كـ (سَلاَسِلا) في الصرف وتركه كما تقدم ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾
стр. 3613
بيان لأصل القوارير ﴿قَدَّرُوهَا﴾ نعت لـ (قَوَارِير) ﴿تَقْدِيرًا﴾ أي: تقدرها لهم الغلمان (١)، قدروا الكأس (٢) على قدر رِيِّهم.
...
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ اسم عين في الجنة يوجد منها طعم (٣) الزنجبيل.
...
﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ .
[١٨] وتبدل من ﴿كَأْسًا﴾ ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى﴾ أي: توصف.
﴿سَلْسَبِيلًا﴾ يعني: سَلِسَة لينة تتسلسل في الحلق.
...
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ دائمون ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾ لحسنهم وانشغالهم (٤) بالخدمة ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ من سلكه على البساط واللؤلؤ إذا نُثر من الخيط على البساط، كان أحسنَ منه منظومًا.
стр. 3614
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ ظرف، وليس مفعولًا لـ (رَأَيْتَ)، تقديره: إذا أوجدت الرؤية في الجنة ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ لا يوصف ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ واسعًا (١).
في الحديث: "أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً مَنْ ينظرُ إلى مُلْكِه مسيرةَ ألفِ عامٍ، يرى أقصاه كما يرى أدناه" (٢).
...
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: فوقهم ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ هو ما رَقَّ من الديباج ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ هو ما غَلُظَ من الحرير (٣). وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب: (عَالِيَهُمْ) بفتح الياء وضم الهاء، والنصب على الحال، والعامل فيه (لَقَّاهُمْ) و (جَزَاهُمْ)، وقرؤوا (خُضْرٌ) بالرفع نعت (ثِيَابٌ)، (وَإِسْتَبْرَقٍ) بالخفض نعت (سُنْدُسٍ)، وقرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم: (عَالِيَهُمْ) كأبي عمرو (٤)، و (خُضْرٍ) بالخفض نعت (سُنْدُسٍ)، (وَإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع عطف على الـ (ثياب)، وقرأ حفص عن عاصم: (عَالِيَهُمْ) كما تقدم (خُضْرٌ
стр. 3615
وَإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع فيهما، فخضرٌ نعت ثياب، وإستبرقٌ عطف على الثياب، وقرأ الكسائي، وخلف: (عَالِيَهُمْ) كما تقدم (خُضْرٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) بالخفض فيهما نعت (سُنْدُسٍ)، وقرأ نافع: (عَالِيْهِمْ) بإسكان الياء وكسر الهاء على الرفع بالابتداء، و (خُضْرٌ وإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع فيهما كحفص، وقرأ حمزة (عَالِيْهِمْ) كنافع (خُضْرٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) بالخفض فيهما كالكسائي، وقرأ أبو جعفر: (عَالِيْهِمْ) كنافع، و (خُضْرٌ) بالرفع، (وَإِسْتَبْرَقٍ) بالخفض كأبي عمرو.
﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وفي الكهف والحج ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] [الحج: ٢٣]؛ للإيذان بأنهم (١) يحلون من الجنسين معًا، ومفترقًا.
﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ طاهرًا من الأقذار، لم تَدُسْه (٢) الأقدام، ولم تمسه الأيدي الوسخة كخمر الدنيا، ولا يصير بولًا، وذلك أنهم إذا طعموا وشربوا، فيصير ما أكلوا طِيبًا (٣) يخرج من أبدانهم كأطيب من ريح المسك، وتضمر بطونهم، وتعود شهوتهم.
...
﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ .
[٢٢] فثَمَّ يقال لهم: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ النعيمَ ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ لعملكم.
﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ﴾ في الدنيا ﴿مَشْكُورًا﴾ مجازًى عليه.
стр. 3616
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ متفرقًا، آية بعد آية، وذكر التوراة (١) بلفظ الإنزال؛ لأنها نزلت مرة واحدة، وهذا تثبيت لمحمد ﷺ ، وتقوية لنفسه على أفعال قريش وأقوالهم.
...
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ عليك بتبليغ الرسالة ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ من الكفار ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ هو تخيير في أن يعرف الذي ينبغي ألا يطيعه بأي وصف كان من هذين؛ لأن كل واحد منهم (٢) فهو آثم، وهو كفور، ولم تكن الأمة حينئذ من الكثرة (٣) بحيث يقع الإثم على العاصي.
...
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: صَلِّ.
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ المعنى: دم على الصلاة المفروضة في هذين الوقتين.
...
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ﴾ مصليًّا متهجدًا.
стр. 3617
﴿لَيْلًا طَوِيلًا﴾ ثلثيه، أو نصفه، أو ثلثه.
...
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار قريش ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ يختارون الدنيا على الآخرة ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ بعد موتهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ لا ينهضون له، وهو يوم القيامة.
...
﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا﴾ قَوَّينا ﴿أَسْرَهُمْ﴾ توصيل أعضائهم (١) بعضِها ببعض.
﴿وَإِذَا شِئْنَا﴾ إهلاكَهم، أهلكناهم، ثم ﴿بَدَّلْنَا﴾ جعلنا ﴿أَمْثَالَهُمْ﴾ في الخلقة ﴿تَبْدِيلًا﴾ و (إِذَا) هنا موضع إن.
...
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ السورةَ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ عظةٌ.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بأن يتقرب إليه بطاعته.
...
стр. 3618
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ ذلك. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (يَشَاؤونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١) ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لأن الأمر إليه، وفيه دليل على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، خيرها وشرها، جارية بمشيئته على أي وجه كانت.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالسر والسرائر (٢) ﴿حَكِيمًا﴾ حكم عليكم ألا تشاؤوا إلا بعد مشيئته.
...
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهم المؤمنون ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ بهدايتهم لطاعته.
﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ أي: المشركين، ونصبه بفعل يفسره ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الآخرة، والله أعلم.
* * *
стр. 3619
سورة المرسلات
مكية في قول الجمهور، وقيل: فيها مدني قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ على تأويل من قال: إنها حكاية حال عن المنافقين في القيامة، وآيها: خمسون آية، وحروفها: ثماني مئة وستة عشر حرفًا، وكلمها: مئة وإحدى وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ .
[١] ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ يعني: الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه، و ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ نصب على الحال.
...
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾ .
[٢] ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ يعني: الرياح الشديدة الهبوب ﴿عَصْفًا﴾ مصدر.
...
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ يعني: الرياح اللينة ﴿نَشْرًا﴾ مصدر أيضًا.
стр. 3620
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾ .
[٤] ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ يعني: الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل.
...
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾ .
[٥] ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ يعني: الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء. قرأ أبو عمرو، وخلاد عن حمزة بخلاف عنه: بإدغام التاء في الذال، وقرأ الباقون: بالإظهار (١).
...
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ .
[٦] ﴿عُذْرًا﴾ قرأ يعقوب من رواية روح: بضم الذال، والباقون: بإسكانها ﴿أَوْ نُذْرًا﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بإسكان الذال، والباقون: بضمها (٢)، فإسكان الذال فيهما على أنهما مصدران، وضم الذال يصح معه المعنى، ويصح أن يكون جمعًا لنذير وعاذر اللذين هما اسم فاعل، والمعنى: أن الذكر يلقى بإعذار وإنذار، وأما النصب في قوله: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا)، فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك
стр. 3621
على البدل من الذكر، ويصح أن يكون مفعولًا للذكر كأنه قال (١): فالملقيات أن تذكر عذرًا، ويصح أن يكون عذرًا مفعولًا من أجله؛ أي: يلقى الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا كان عذرًا أو نذرًا جمعًا، فالنصب على الحال، والواو الأولى للقَسَم، والباقي للعطف؛ لأنه تعالى أقسم بالمرسلات، وعطف عليها الباقي.
...
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ .
[٧] وجواب القسم: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ من البعث والعذاب ﴿لَوَاقِعٌ﴾ كائن لا محالة.
...
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ .
[٨] ثم ذكر متى يقع فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ مُحِيَ نورُها.
...
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾ .
[٩] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ شُقَّت.
...
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ قُطعت من أماكنها (٢).
стр. 3622
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ .
[١١] ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر بخلاف عن الثاني: (وُقِّتَتْ) بواو مضمومة مبدلة من الهمزة, واختلف عن أبي جعفر في تخفيف القاف وتشديدها، وقرأ الباقون: (أُقِّتَتْ) بالهمز وتشديد القاف (١)، وهما لغتان، والعرب تعاقب بين الواو والهمزة؛ كقولهم وَكَّدْتُ، وأَكَّدْتُ، ووَرَّخْتُ، وأَرَّخْتُ، ومعناهما: جُمعت لميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة؛ ليشهدوا على الأمم.
...
﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾ أُخرت، وضرب الأجل لجمعهم، يعجِّبُ العبادَ من ذلك اليوم.
...
﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ .
[١٣] ثم بين تعالى فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ بين الخلائق.
...
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ من أين تعلم كنهه ولم تر مثله؟
стр. 3623
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ وهو نكرة لما فيه من معنى الدعاء قال ابن عباس: "ويلٌ: واد في جهنم" (١) ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث.
...
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: الأمم الماضية حين كذبوا رسلهم.
...
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿ثُمَّ﴾ نحن ﴿نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ السالكين سبيلَهم في الكفر والتكذيب؛ يعني: كفار مكة.
...
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ فعلنا بالمكذبين ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ بكل من أجرم.
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كرره في هذه السورة عشر مرات مبالغةً في التهديد؛ نحو: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
стр. 3624
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ضعيف، والمراد: المني. واتفق القراء على إدغام القاف في الكاف في هذا الحرف، وذكر النقاش أنه في قراءة ابن كثير، ونافع براوية قالون، وعاصم في رواية حفص: بالإظهار، قاله في "الإيضاح".
...
﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ موضع حريز (١)، وهو الرحم.
...
﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿إِلَى قَدَرٍ﴾ أي: مؤخرًا إلى مقدار من الزمان ﴿مَعْلُومٍ﴾ وهو وقت الولادة.
...
﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿فَقَدَرْنَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي: (فَقَدَّرْنَا) بتشديد الدال؛ من التقدير؛ أي: قدرناه تقديرًا مرة بعد مرة، وقرأ الباقون: بتخفيفها؛ من القدرة (٢).
стр. 3625
﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ روى ابن مسعود عن النبي ﷺ : أنه فسر القادرون بالمقدِّرين (١).
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بقدرتنا على ذلك.
...
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ أوعيةً، جمع كافت، وهو الوعاء.
...
﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ منتصبان بـ (كِفَاتًا) على المفعولية، فالأرض تكفتُ الأحياء على ظهرها، وتكفتُ الأموات في بطنها.
...
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ﴿شَامِخَاتٍ﴾ مرتفعاتٍ ثوابتَ.
﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ عذبًا.
...
стр. 3626
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بأمثال هذه النعم.
...
﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ثم أخبر تعالى أنه يقال لهم يوم القيامة: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ﴾ من العذاب ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿انْطَلِقُوا﴾ تكرير للأول ﴿إِلَى ظِلٍّ﴾ يعني: إلى دخان جهنم. قرأ رويس عن يعقوب: (انْطَلَقُوا) الحرف الثاني بفتح اللام، والباقون: بكسرها (١).
﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ لأنه إذا ارتفع، افترق ثلاث فرق؛ لعظمته. قرأ أبو عمرو: (ثَلاَث شُّعَبٍ) بإدغام الثاء في الشين (٢).
...
﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ نعت (ظِلٍّ)؛ أي: لا كَنينٍ يُظلهم من حر ذلك اليوم.
стр. 3627
﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ لا يردُّ عنهم شيئًا من لهب النار.
...
﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿إِنَّهَا﴾ أي: النار ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ جمع شرارة، وهو ما تطاير من النار، كلُّ شرارة ﴿كَالْقَصْرِ﴾ وهو البناء العظيم.
...
﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ثم رد الضمير إلى لفظ النار دون معناها، فقال: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (جِمَالَةٌ) بغير ألف بعد اللام مع كسر الجيم على جمع جَمَل، وقرأ الباقون: بالألف، جمع (جمالة) التي هي جمع جَمَل، ومنهم رويس عن يعقوب: بضم الجيم، والباقون: بكسرها، فمن قرأ بضم الجيم، أراد الأشياء العظام المجموعة، والقراءة بالكسر قال ابن عباس وسعيد بن جبير: "هي حبال سفن البحر، يُجمع بعضُها إلى بعض لتكون كأوساط الرجال" (١) ﴿صُفْرٌ﴾ جمع أصفر؛ يعني: لون النار؛ فإن الشرار لما فيه من النارية يكون أصفر، وشبه الشرار بالقصر؛ لعظمه، وبالجمال للعظم والطول واللون، وهذا تشبيه بما يشاهد.
стр. 3628
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
...
﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، خبره:
﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ أي: هذا المذكور في يوم لا ينطقون فيه (١) خوفًا ودهشًا.
...
﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ بالاعتذار (٢) ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطف ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ على ﴿يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ فلا يعتذرون.
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
...
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ بين الخلائق ﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾ أيها المكذبون من هذه الأمة ﴿وَالْأَوَّلِينَ﴾ من المكذبين من قبلكم، فتحاسبون جميعًا.
...
стр. 3629
﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ﴾ حيلة تدفعون بها عنكم العذاب ﴿فَكِيدُونِ﴾ فاحتالوا لأنفسكم. قرأ يعقوب: (فَكِيدُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ إذ لا حيلة لهم.
...
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ من الشرك؛ لأنهم في مقابلة المكذبين.
﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظل؛ أي: في ظلال الشجر.
﴿وَعُيُونٍ﴾ ماء. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، وابن ذكوان: بكسر العين، والباقون: بضمها (٢).
...
﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
стр. 3630
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ بلا داء ولا تخمة.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا بطاعتي.
...
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في العقيدة.
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
...
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ثم قال لكفار مكة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ في الدنيا (١).
﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ كافرون مستحقون للعذاب.
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حيث عَرَّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل.
...
стр. 3631
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ صَلُّوا ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ قال ابن عباس: "إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين يُدعون إلى السجود فلا يستطيعون" (١). قرأ الكسائي، وهشام، ورويس: (قِيلَ) بإشمام القاف الضم (٢).
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
...
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعدَ القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا به؟! وهذا توقيف وتوبيخ. وروي عن يعقوب أنه قرأ: (تُؤْمِنُونَ) بالخطاب على المواجهة، ورويت عن ابن عامر، قاله ابن عطية في "تفسيره" (٣)، والله أعلم.
* * *
стр. 3632
سورة النبأ
مكية، ليس فيها نسخ ولا حكم، وآيها: أربعون آية، وحروفها: سبع مئة وسبعون حرفًا، وكلمها: مئة وثلاث وسبعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ .
[١] لما دعا النبي ﷺ أهل مكة إلى التوحيد، وأخبرهم بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد؟ فنزل قوله تعالى: ﴿عَمَّ﴾ (١) أصله (عَنْ) (مَا) أدغمت النون في الميم، وحذفت الألف فرقًا بين الاستفهام والخبر. ووقف البزي، ويعقوب بخلاف عنهما (عَمَّهْ) بزيادة هاء بعد الميم (٢) ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ هؤلاء المشركون؛ أي: يسأل بعضهم بعضًا، ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه؛ كأنه لفخامته خفي جنسه، فيسأل عنه، وهو استفهام توقيف وتعجيب منهم.
стр. 3633
﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ .
[٢] ثم بين شأن المسؤول عنه، فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ وهو القرآن.
...
﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ بأن أنكر (١) بعض، وكذب بعض، وقولهم: سحر، وكهانة، وشعر، وجنون، وغير ذلك.
قال الزجَّاج: الكلام تام في قوله: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول: يتساءلون عن النبأ العظيم، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي يقتضيه الحال والمحاورة اقتضابًا للجواب (٢) وإسراعها إلى موضع قطعهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩]، وله أمثلة كثيرة (٣).
...
﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على الكفار في تكذيبهم.
﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ تكذيبهم، وهو وعيد لهم في المستقبل.
...
стр. 3634
﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ كرر الزجر تأكيدًا، وجيء بـ (ثُمَّ) ليؤذِنَ أن الوعيد الثاني أشدُّ من الأول، وأن مدته أطول.
...
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ .
[٦] ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ فراشًا يُمْهَد للأناسي كالمهد للصبي.
...
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ للأرض حتى لا تميد؛ كتثبيت البيت بالوتد.
...
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا ذكورًا وإناثًا.
...
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾ .
[٩] ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ راحة لأبدانكم، وقيل: قطعًا لأعمالكم؛ لأن أصل السبت: القطع.
***
стр. 3635
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ غطاء يستر كل شيء بظلمته.
...
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ .
[١١] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ وقتَ معاش (١) تتقلبون فيه، وتبتغون من فضل الله ما قسم لكم من رزقه.
...
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا﴾ أي: سبع سماوات ﴿شِدَادًا﴾ جمع شديدة؛ أي: قوية محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان.
...
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ مضيئًا جامعًا بين النور والحرارة؛ يعني: الشمس.
...
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ السحائب إذا عصرت بالرياح فيُخرج منها.
بالألف (١)، واللابث من وجُد منه اللبث، وإن قَلَّ، ونصبه حال مقدرة من الضمير في (الطَّاغِينَ) ﴿فِيهَا أَحْقَابًا﴾ جمع حُقْب: ثمانون سنة، كل يوم منها ألف سنة، وليس المراد منه عددًا محصورًا، فكلما مضى حقب، تبعه حقب، إلى غير نهاية، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود.
...
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ من حر ﴿وَلَا شَرَابًا﴾ من عطش.
...
﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾ وهو ما بلغ نهاية الحر ﴿وَغَسَّاقًا﴾ هو الزمهرير. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بتشديد السين، والباقون: بتخفيفها (٢).
...
﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿جَزَاءً﴾ مصدر ﴿وِفَاقًا﴾ أي: موافقًا لسوء أعمالهم.
...
﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿حَدَائِقَ﴾ بيان ﴿مَفَازًا﴾ أي: بساتين عليها جدران ﴿وَأَعْنَابًا﴾ تفسير الـ (حدائق)؛ أي: فيها أنواع الأشجار المثمرة.
...
﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ يعني: نساء قد تكعَّبت ثُديُهن، وهُنَّ النَّواهد.
﴿أَتْرَابًا﴾ مستوياتٍ في السن.
...
﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ مملوءةً.
...
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ باطلًا من الكلام ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ قرأ الكسائي: بتخفيف الذال مصدر كَذَب مخففًا، وقرأ الباقون: بتشديدها (١) مصدر كذَّب مثقلًا، المعنى: لا يسمعون في الجنة باطل الكلام، ولا كلامَ من يكذب ولا يكذَّبُ صاحبه، واتفقوا على تشديد (كِذَّابًا) في الحرف المتقدم (٢) لوجود فعله معه.
стр. 3641
﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ بمقتضى وعده، ونصبه مصدر.
﴿عَطَاءً﴾ تفضُّلًا منه، وهو بدل من (جَزَاءً).
﴿حِسَابًا﴾ كافيًا، ومنه: أعطاني فأحسبني؛ أي: أكثر علي حتى قلت: حسبي، ونصبه صفة.
...
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبُّ) بالرفع على الاستئناف، و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ خبره، وقرأ ابن عامر، وعاصم، ويعقوب: (رَبِّ) بالخفض إتباعًا لقوله: (مِنْ رَبِّكَ)، وقرؤوا أيضًا (الرحمن) بالخفض إتباعًا لقوله: (رَبِّ السَّمَوَاتِ) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (رَبِّ) بالخفض؛ لقربه من قوله: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ)، وقرؤوا: (الرَّحْمَنُ) بالرفع؛ لبعده منه على الاستئناف (١).
﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الضمير لأهل السموات والأرض ﴿مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه تعالى.
...
стр. 3642
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لـ (لاَ يَمْلِكُونَ) ﴿يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال ابن عباس عن النبي ﷺ : "الرُّوحُ خَلْقٌ غيرُ الملائكةِ هم حفظة لنا" (١)، وقيل: هو جبريل ﵇ (٢).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ أي: متقابلين (٣)، ونصبه على الحال. قرأ أبو عمرو: (وَالْمَلاَئِكَة صفًّا) بإدغام التاء في الصاد (٤).
﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ جميع الخلائق ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ في الكلام.
﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: حقًّا في الدنيا، وهو الشهادة بالتوحيد.
* * *
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الثابتُ وقوعُه، وهو يوم القيامة.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ مرجعًا بالإيمان.
* * *
стр. 3643
﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ وهو عذاب الآخرة، وكلُّ ما هو آت قريب.
﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ المراد بالمرء (١): الجنس؛ أي: ينظر ثَمَّ كلّ امرئ.
﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من خير وشر.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ﴾ في الدنيا ﴿تُرَابًا﴾ ولم أر حسابًا.
روي أن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة، فيقتص من بعضها لبعض، ثم يقول لها بعد ذلك: كوني ترابًا، فيعود جميعها ترابًا، فإذا رأى الكفار ذلك، تمنوا مثله (٢)، والله أعلم.
* * *
﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾ .
[٤] ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾ الملائكة تسبق الشياطين إلى الأنبياء.
﴿سَبْقًا﴾ بالوحي، ونصبها كلها مصدر.
* * *
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ .
[٥] ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ الملائكة وُكِّلوا بأمورٍ (١) عرفهم الله العملَ بها من تدبير أمر الدنيا ﴿أَمْرًا﴾ حال؛ أي: يدبرون مأموراتٍ.
* * *
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ .
[٦] أقسم الله بالمذكورات، وجواب القسم محذوف، تقديره: لَتُبعثنَّ، وإنما حذف؛ لدلالة ما بعده عليه، وهو: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ هي النفخة الأولى، وصفت بما يحدث بسببها؛ لأنها يرجف كل شيء ويتزلزل، ويموت كل الخلائق لشدتها.
* * *
﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ .
[٧] ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ النفخة الثانية، ردفت الأولى، وبينهما أربعون سنة، فيحيا كل شيء بإذن الله سبحانه.
* * *
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ .
[٨] ﴿قُلُوبٌ﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه صفته ﴿وَاجِفَةٌ﴾ شديدة الاضطراب.