← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ بمقتضى وعده، ونصبه مصدر. ﴿عَطَاءً﴾ تفضُّلًا منه، وهو بدل من (جَزَاءً). ﴿حِسَابًا﴾ كافيًا، ومنه: أعطاني فأحسبني؛ أي: أكثر علي حتى قلت: حسبي، ونصبه صفة. ... ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبُّ) بالرفع على الاستئناف، و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ خبره، وقرأ ابن عامر، وعاصم، ويعقوب: (رَبِّ) بالخفض إتباعًا لقوله: (مِنْ رَبِّكَ)، وقرؤوا أيضًا (الرحمن) بالخفض إتباعًا لقوله: (رَبِّ السَّمَوَاتِ) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (رَبِّ) بالخفض؛ لقربه من قوله: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ)، وقرؤوا: (الرَّحْمَنُ) بالرفع؛ لبعده منه على الاستئناف (١). ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الضمير لأهل السموات والأرض ﴿مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه تعالى. ...

стр. 3642

﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لـ (لاَ يَمْلِكُونَ) ﴿يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال ابن عباس عن النبي ﷺ : "الرُّوحُ خَلْقٌ غيرُ الملائكةِ هم حفظة لنا" (١)، وقيل: هو جبريل ﵇ (٢). ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ أي: متقابلين (٣)، ونصبه على الحال. قرأ أبو عمرو: (وَالْمَلاَئِكَة صفًّا) بإدغام التاء في الصاد (٤). ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ جميع الخلائق ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ في الكلام. ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: حقًّا في الدنيا، وهو الشهادة بالتوحيد. * * * ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الثابتُ وقوعُه، وهو يوم القيامة. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ مرجعًا بالإيمان. * * *

стр. 3643

﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ وهو عذاب الآخرة، وكلُّ ما هو آت قريب. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ المراد بالمرء (١): الجنس؛ أي: ينظر ثَمَّ كلّ امرئ. ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من خير وشر. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ﴾ في الدنيا ﴿تُرَابًا﴾ ولم أر حسابًا. روي أن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة، فيقتص من بعضها لبعض، ثم يقول لها بعد ذلك: كوني ترابًا، فيعود جميعها ترابًا، فإذا رأى الكفار ذلك، تمنوا مثله (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 3644

سُورَةُ النَّازِعَات مكية، وآيها: ست وأربعون آية، وحروفها: سبع مئة وثلاثة وسبعون حرفًا، وكلمها: مئة وتسع وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾ . [١] ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ الملائكة التي تَنْزِع أرواحَ الكفار. ﴿غَرْقًا﴾ أي: إغراقًا، وهو النزع بشدة. * * * ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ . [٢] ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ الملائكة تنشط أرواح المؤمنين. ﴿نَشْطًا﴾ أي: تحلُّها حَلًا رفيقًا. * * * ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾ . [٣] ﴿وَالسَّابِحَاتِ﴾ الملائكة بنزولها (١) كالسباحة. ﴿سَبْحًا﴾ مسرعين كالفرس الجواد، يقال له: سابح: إذا أسرع في جريه.

стр. 3645

﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾ . [٤] ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾ الملائكة تسبق الشياطين إلى الأنبياء. ﴿سَبْقًا﴾ بالوحي، ونصبها كلها مصدر. * * * ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ . [٥] ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ الملائكة وُكِّلوا بأمورٍ (١) عرفهم الله العملَ بها من تدبير أمر الدنيا ﴿أَمْرًا﴾ حال؛ أي: يدبرون مأموراتٍ. * * * ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ . [٦] أقسم الله بالمذكورات، وجواب القسم محذوف، تقديره: لَتُبعثنَّ، وإنما حذف؛ لدلالة ما بعده عليه، وهو: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ هي النفخة الأولى، وصفت بما يحدث بسببها؛ لأنها يرجف كل شيء ويتزلزل، ويموت كل الخلائق لشدتها. * * * ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ . [٧] ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ النفخة الثانية، ردفت الأولى، وبينهما أربعون سنة، فيحيا كل شيء بإذن الله سبحانه. * * * ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ . [٨] ﴿قُلُوبٌ﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه صفته ﴿وَاجِفَةٌ﴾ شديدة الاضطراب.

стр. 3646

﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ . [٩] خبره ﴿أَبْصَارُهَا﴾ أبصارُ أربابِ القلوب ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ذليلة؛ لهول ما ترى. * * * ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: أرباب القلوب والأبصار استهزاءً وإنكارًا للبعث: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ أي: نعود بعد الموت أحياء؟! والحافرة: اسم لابتداء الأمر وأوله، ومنه: رجع فلان في حافرته: إذا رجع من حيث جاء. * * * ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾ . [١١] ثم زادوا إنكار البعث استبعادًا، فقالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ بالية، العامل في (أَئِذَا) محذوف؛ أي: أنبعث؟ واختلف القراء في (أَئِنَّا) (أَئِذَا)، فقرأ أبو جعفر: (إِنَّا) بالإخبار (أَئِذَا) بالاستفهام، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب: (أَئِنَّا) بالاستفهام، (إِذَا) بالإخبار، وقرأ الباقون: بالاستفهام فيهما (١)، فكل من استفهم، فهو على أصله من تحقيق الهمزتين والتسهيل وإدخال الألف كما تقدم في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر، ورويس:

стр. 3647

(نَاخِرَةً) بألف بعد النون، والباقون: بغير ألف (١)، وهما لغتان معناهما واحد؛ مثل: حَذِر، وحاذِر. * * * ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿قَالُوا﴾ أي: منكرو البعث: ﴿تِلْكَ﴾ أي: رجعتُنا هذه. ﴿إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ باطلة ذات خسران؛ أي: إن صح أنا نبعث، فلنخسرنَّ. * * * ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ . [١٣] قال الله ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ يعني: الرادفة التي يعقبها البعث. ﴿زَجْرَةٌ﴾ صيحة ﴿وَاحِدَةٌ﴾ لا تكرر؛ لشدتها. * * * ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ . [١٤] فإذا نفخت ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ كلُّ الخلائق. ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ بوجه الأرض أحياءً بعدما كانوا ببطنها أمواتًا. * * *

стр. 3648

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ . [١٥] ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ أي: قد جاءك يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ أمال رؤوسَ الآي من قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ) إلى آخر السورة: ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، ووافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، واختص الكسائي دونهما بإمالة (دَحَاهَا) (١). * * * ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦)﴾ . [١٦] ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ تقدم تفسير نظيره واختلاف القراء فيه في سورة (طه)، وكذا اختلافهم هاهنا، والواد المقدس: وادٍ بالشام، قال منذر بن سعيد: هو بين المدينة ومصر. * * * ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧)﴾ . [١٧] ﴿اذْهَبْ﴾ أي: قيل له: اذهب ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ تجاوز الحدَّ في الكفر. * * * ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ . [١٨] ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ﴾ أي: أدعوك ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر،

стр. 3649

وابن كثير، ويعقوب: بتشديد الزاي، والباقون: بتخفيفها (١)، ومعناهما التطهُّرُ من النقائص، والتلبُّسُ بالفضائل. * * * ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ . [١٩] ثم أمر موسى بأن يفسر له التزكي الذي دعاه إليه بقوله: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: أدلك على معرفته بالبرهان. ﴿فَتَخْشَى﴾ الله تعالى، والعلم تابع للهدى، والخشية تابعة للعلم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. * * * ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ قلبَ العصا حيةً، واليد بيضاءَ (٢)، ووُحِّدَتا؛ لأنهما في حكم آية واحدة. * * * ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١)﴾ . [٢١] ﴿فَكَذَّبَ﴾ أنها (٣) من الله ﴿وَعَصَى﴾ ربَّه بعد ظهور الآية. * * *

стр. 3650

﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ عند رؤية الثعبان رعبًا، وقيل: معناه: أدبر عن الإيمان يسعى في الأرض فسادًا. * * * ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿فَحَشَرَ﴾ جمع قومه ﴿فَنَادَى﴾ فيهم. * * * ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ لا ربَّ فوقي. * * * ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ﴾ أي: عقوبةَ ﴿الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أخذًا منكلًا في الدنيا بالإغراق، وفي الآخرة بالإحراق، وقال ابن عباس: "نَكالَ كلمتيه (١) الآخرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، والأولى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وكان بينهما أربعون سنة" (٢). * * *

стр. 3651

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي فُعل بفرعون ﴿لَعِبْرَةً﴾ عظةً ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ اللهَ . * * * ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ . [٢٧] ثم خاطب منكري البعث فقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ أصعبُ خلقًا. ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: أم السماء أشدُّ؟ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَنْتُمْ) كاختلافهم فيهما من ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ في سورة الأنبياء، ثم وصف خلق السماء فقال: ﴿بَنَاهَا﴾. * * * ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ . [٢٨] ثم بين البناء فقال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ والسمكُ: الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها. ﴿فَسَوَّاهَا﴾ جعلها مستوية بلا عيب. * * * ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي: أظلمه ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أبرز نورَ شمسها، وأضيف الليل والشمس إلى السماء؛ لأن الليل ظلها، والشمس سراجها. * * *

стр. 3652

﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد خلق السماء، ونصب (وَالأَرْضَ) بمضمر (١) يفسره ﴿دَحَاهَا﴾ بسطها للسكنى. قال ابن عباس: "خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك" (٢). * * * ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ . [٣١] ثم فسر البسط فقال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا﴾ بتفجير عيونها ﴿وَمَرْعَاهَا﴾ أي رِعْيَها -بكسر الراء-، وهو الكلأ، ونسب الماء والمرعى إلى الأرض من حيث هما منها يظهران. * * * ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَالْجِبَالَ﴾ نصب بمضمر يفسره ﴿أَرْسَاهَا﴾ أثبتها على وجه الأرض لتسكن. * * * ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ أي: منفعة تنتفعون ما أنتم ومواشيكم،

стр. 3653

ونصب (متاعًا) بمعنى قوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ لأن معناه: أمتع بذلك. * * * ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ الداهية العظمى؛ يعني: صيحة القيامة؛ لطمومها كلَّ هائلة من الأمور، فتعلو فوقها، والطامة عند العرب: الداهية التي لا تستطاع. * * * ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ . [٣٥] وتبدل من ﴿فَإِذَا جَاءَتِ﴾ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ عملَ في الدنيا من خير وشر. * * * ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أُظهرت ﴿لِمَنْ يَرَى﴾ لمن يجب له دخولُها. * * * ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ في كفره. * * * ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على الآخرة باتباع الشهوات.

стр. 3654

﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: مأواه، والهاء عوض عنها بالألف واللام. * * * ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي: مقامه بين يدي ربه للحساب. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ﴾ الأمارة بالسوء ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ ما تهواه من اتباع الشهوات المحرمة. * * * ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ . [٤١] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ليس له سواها مأوى. * * * ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ متى ظهورها؟ من مرسى السفينة، وهو حيث تنتهي إليه، وتستقر فيه. * * * ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾ . [٤٣] روي أنه ﷺ لم يزل يسأل عن الساعة حتى نزل: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ

стр. 3655

ذِكْرَاهَا﴾ (١) أي: من ذكر تحديدها؛ أي: لست من ذلك في شيء، وليس عندك علمُها. * * * ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ منتهى علمها متى يكون، لا يعلمه غيره تعالى. * * * ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ مخوِّف من يخشى القيامة ومن لا يخشاها، فاختص بمن يخشاها؛ مدحًا لهم؛ لأن الإنذار يؤثر فيمن يخشاها، ولا يؤثر فيمن لا يخشاها؛ كقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، معناه: ومن لا يخافُ وعيد. قرأ أبو جعفر: (مُنْذِرٌ) بالتنوين، والباقون: بغير تنوين (٢). * * * ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ يعني: كفار مكة ﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ يعاينون القيامة.

стр. 3656

﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدنيا، أو في القبور. ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أي: عشية اليوم (١)، أو ضحى العشية، وهو بكرة ذلك اليوم، فأضاف الضحى إلى العشية من حيث هما طرفان للنهار، وقد بدأ بذكر أحدهما، فأضاف الآخر إليه تجوزًا وإيجازًا، والله أعلم. * * *

стр. 3657

سُورَةُ عَبَسَ مكية، وآيها: أربعون وآيتان (١) ، وحروفها: خمس مئة وستة وثلاثون حرفًا، وكلمها: مئة وثلاث وثلاثون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾. [١] روي أن ابن أم مكتوم -واسمه عبد الله بن شريح بن مالك الفهري من بني عامر بن لؤي، وكان أعمى- أتى رسولَ الله ﷺ وعنده صناديدُ قريش يدعوهم إلى الإسلام، فقال ابن أم مكتوم: "يا رسول الله! علِّمني مما علَّمك الله"، وكرر ذلك، ولم يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس وجهه، وأعرض عنه، وأقبل على القوم يكلمهم، فنزل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ﴾ (٢) كَلَح ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض بوجهه. * * *

стр. 3658

﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ . [٢] ﴿أَنْ جَاءَهُ﴾ أي: لأن جاءه ﴿الْأَعْمَى﴾ فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: "مَرْحبًا بمن عاتبني فيه ربي"، وبسط له رداءه، ويقول: "هل لك من حاجة؟ "، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما، وفوض إليه أمر التأذين، قال أنس بن مالك: "رأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء" (١). * * * ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ . [٣] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يجعلك داريًا. ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يتطهر من الذنوب بما يسمع منك. * * * ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ . [٤] ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ يَتَّعظ ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ العظةُ التي سمعها منك. قرأ عاصم: (فَتَنْفَعَهُ) بنصب العين على جواب التمني؛ لأن قوله: (أَوْ يَذَّكَّرُ) في حكم قوله: (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)، وقرأ الباقون: بالرفع عطفًا على (يَذَّكَّرُ) (٢). * * *

стр. 3659

﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥)﴾ . [٥] ثم أكد تعالى عتب نبيه محمد ﷺ بقوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ عن الله، وعن الإيمان؛ بما له من المال. * * * ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ . [٦] ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو جعفر: (تَصَّدَّى) بتشديد الصاد؛ أي: تتصدى، وقرأ الباقون: بالتخفيف على الحذف (١)؛ أي: تتعرض له، وتُقبِلُ عليه. * * * ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ . [٧] ثم قال تعالى محقرًا لشأن الكفار: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ ألا يؤمنوا (٢)؛ أي: وما يضرك أن لا يفلح؟ إن عليك إلا البلاغ، وهذا حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الاكتراث بهم. * * * ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾ . [٨] ثم قال مبالغًا في العتب: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ يسرع طالبًا للخير. * * *

стр. 3660

﴿وَهُوَ يَخْشَى (٩)﴾ . [٩] ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ اللهَ تعالى. * * * ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ . [١٠] ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ تَشاغلُ وتُعرض عنه. قرأ البزي: (عَنْه تّلَهَّى) بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (١)، وأمال رؤوس الآي من أول السورة إلى (تَلَهَّى): ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، وقرأ الباقون: بالفتح (٢). روي أن رسول الله ﷺ بعد نزولها ما عبس في وجه فقير قط، ولا تصدى لغني (٣)، فحملة الشرع والعلم والحكام مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير، وتقديمه على الشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب النبي ﷺ في هذه السورة، وهذه الآيات ليس فيها إثبات ذنب له ﵇، بل إعلام الله أن ذلك المتصدَّى له ممن لا يتزكى، وفعل النبي ﷺ لما فعل وتصدِّيه لذلك الكافر كان طاعة لله، وتبليغًا عنه واستئلافًا له كما شرعه الله، لا معصية ومخالفة له. * * *

стр. 3661

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ . [١١] ﴿كَلَّا﴾ ردع على (١) المعاتبَ عليه، وعن معاودة مثله ﴿إِنَّهَا﴾ أي: آيات القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ موعظة. * * * ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يتضمَّن وعدًا ووعيدًا على نحو قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] و ﴿مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩]. * * * ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣)﴾ . [١٣] ثم أخبر عن جلالته عنده فقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ. * * * ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ رفيعةِ القدر عند الله ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ من أيدي الشياطين. * * * ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ كَتبَةٍ، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافِر.

стр. 3662

﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ . [١٦] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿كِرَامٍ﴾ أي: على الله ﴿بَرَرَةٍ﴾ مطيعين، جمع بارّ. * * * ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ لُعن الكافرُ ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ بنعم الله تعالى مع إحسانه إليه على طريق التعجب، نزلت في عتبة بن أبي لهب (١). * * * ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ لفظه استفهام، ومعناه التقرير. * * * ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾ . [١٩] ثم فسر فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أطوارًا: نطفة، ثم علقة، إلى آخر خلقه. * * * ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ﴾ نصب بمضمر يفسره ﴿يَسَّرَهُ﴾ بَيَّنَ له سبيلَ الخير والشر.

стр. 3663

﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ جعله في قبر يستره، قبرته: دفنته. * * * ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ﴾ بعدَ القبر ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أحياه. واختلاف القراء في الهمزتين من (شَاءَ أَنْشَرَهُ) كاختلافهم فيهما من (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تقعَ) في سورة الحج [الآية: ٦٥]. * * * ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿كَلَّا﴾ رد (١) لما عسى أن يكون للكفار من الاعتراضات في هذه الأقوال المسرودة ﴿لَمَّا﴾ أي: ﴿يَقْضِ﴾ الإنسان ﴿مَا أَمَرَهُ﴾ ما فرض عليه، نفي مؤكِّد لطاعة الإنسان لربه، وإثبات أنه تركَ حقَّ الله، ولم يقض أمره. * * * ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ فليتفكر عُتْبَةُ في أول طعامه الذي يأكله كيف يصير في آخره من حال إلى حال، فكذلك يتفكر في حياته، ثم في آخرها كيف يصير من حال إلى حال.

стр. 3664

﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)﴾ . [٢٥] ثم بين تحويله فقال: ﴿أَنَّا﴾ قرأ الكوفيون: (أَنَّا) بفتح الهمزة على نية تكرير الخافض، مجازه: فلينظر إلى أَنَّا، وافقهم رويس عن يعقوب وصلًا، وقرأ الباقون: بكسر الهمزة على الاستئناف، وافقهم رويس في الابتداء (١). ﴿صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ من السماء؛ يعني: المطر. * * * ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بالنبات. * * * ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالحنطة والشعير مما يتغذى به. * * * ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ وهو القَتُّ الرطبُ؛ وسمي به؛ لأنه يُقضب مرة بعد مرة؛ أي: يقطع، واختلف في تفسير القت، فقيل: هو حب الغاسول، وهو

стр. 3665

الأشنان، وقيل: هو حب يابس أسود، يُدفن فيلين قشره، ويزال، ويطحن ويخبز، يقتاته أعراب طيء (١). * * * ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو ما يُعصر منه الزيت ﴿وَنَخْلًا﴾ جمع نخلة. * * * ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿وَحَدَائِقَ﴾ بساتين ﴿غُلْبًا﴾ غلاظ الأشجار، واحدها أغلب. * * * ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يريد: ألوان الفواكه ﴿وَأَبًّا﴾ هو ما ترعاه البهائم. * * * ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿مَتَاعًا﴾ مصدر؛ أي: منفعة ﴿لَكُمْ﴾ يعني: الفاكهة. ﴿وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ يعني: العشب. * * * ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ صيحة القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تصخ الأسماع؛ أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تُصِمُّها، وهي النفخة الثانية.

стр. 3666

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ . [٣٤] ثم بين وقتها فقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾. * * * ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾. * * * ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ لاشتغاله بنفسه، وعلمِه أنهم لا ينفعونه. * * * ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ﴾ أي: حال. ﴿يُغنِيهِ﴾ يَشْغَلُه عن الاهتمام بشأن غيره. * * * ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ مضيئة من أثر الوضوء. * * * ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ بالسرور ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ فرحة بما نالت من كرامة الله .

стр. 3667

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ غبار. * * * ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ تعلوها ظلمة كالدخان مع الغبرة. * * * ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين يُصنع بهم هذا ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ الذين جمعوا إلى الكفر الفجور، وهو الفسق، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة، ولا شيء أقبح من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، والله أعلم. * * *

стр. 3668

سُورَةُ التَّكْويرِ مكية، وآيها: تسع وعشرون آية، وحروفها: أربع مئة وخمسة وعشرون حرفًا، وكلمها: مئة وأربع كلمات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ . [١] ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾ رفع بفعل يفسره ﴿كُوِّرَتْ﴾ أي: أظلمت، وأصل التكوير: جمعُ بعض شيء إلى بعض، ثم يلف، فإذا فعل بها ذلك، ذهب ضوءها. * * * ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ تناثرت من السماء، وتساقطت على الأرض، وذلك لأن النجوم معلقة بالسلاسل، والسلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات مَنْ في السماء والأرض، تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة، ثم سقطت النجوم وتناثرت. * * *

стр. 3669

﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ ذُهب بها عن وجه الأرض. * * * ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ﴾ الحواملُ من الإبل التي أتى عليها عشرة أشهر، واحدتها عُشَراء ﴿عُطِّلَتْ﴾ تُركت هَمَلًا بلا راع. * * * ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ﴾ كلُّ دوابِّ الأرض (١) ﴿حُشِرَتْ﴾ جُمعت بعدَ البعث؛ ليقتص بعض من بعض، فإذا اقتص منها، صارت ترابًا. * * * ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (سُجِرَتْ) بتخفيف الجيم، والباقون: بتشديدها (٢)؛ أي: أُوقدت وصارت نارًا تضطرم. * * *

стр. 3670

﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قُرنت بأشكالها. روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه سئل عن هذه الآية، فقال: "يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين (١) الرجل السوء مع الرجل السوء في النار" (٢). قرأ أبو عمرو: (النُّفُوس زُّوِّجَتْ) بإدغام السين في الزاي في هذا الحرف لا غير (٣). * * * ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ . [٨] ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ﴾ هي البنت تُدفن حيةً؛ سميت بذلك؛ لما يُطرح عليها من التراب فيؤودها؛ أي: يثقلها حتى تموت، وكان العرب يفعلون ذلك مخافة العار والحاجة ﴿سُئِلَتْ﴾ تبكيتًا لقاتلها. * * * ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ . [٩] ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ لم وُئدت؟ فتقول: قُتلت بغير ذنب. قرأ أبو جعفر: (قُتِّلَتْ) بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (٤).

стр. 3671

﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ﴾ صحفُ الأعمال ﴿نُشِرَتْ﴾ فُتحت وبُسطت، فتقع صحيفة المؤمن في يده فيها مكتوب: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، وتقع صحيفة الكافر في يده فيها مكتوب: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب: بتخفيف الشين، والباقون: بتشديدها. * * * ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾ . [١١] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ نُزعت عن أماكنها، وطُويت. * * * ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن ذكوان عن ابن عامر، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (سُعِّرَتْ) بتشديد العين، والباقون: بتخفيفها؛ بخلاف عن أبي بكر راوي عاصم (١). * * * ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قُرِّبت للمتقين ليدخلوها.

стр. 3672

﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ . [١٤] فذكر الله سبحانه اثني عشر شيئًا، وقال: إذا وقعت هذه الأشياء، فهنالك ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أي: كلُّ النفوس ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾ من خير وشر. * * * ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (لا) زائدة، معناه: أقسم ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ الرواجع، جمع خانسة وخانس. * * * ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ . [١٦] ونعت (الخنس) ﴿الْجَوَارِ﴾ السيارة. قرأ يعقوب: (الْجَوَارِي) بإثبات الياء وقفًا، وأمال فتحة الواو: الدوري عن الكسائي (١) ﴿الْكُنَّسِ﴾ الغُيَّب، نعت (الْجَوَارِ)، وأصل الخنوس: الرجوع إلى خلف، والكنوس: الاستتار، المراد بها: النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، و (٢) سميت بذلك؛ لأنها تخنس؛ أي: ترجع في مجراها؛ وتكنس (٣)؛ أي: تستتر بضوء الشمس كما تستتر الظباء في كنسها؛ أي: بيوتها.

стр. 3673

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أقبل بظلامه. * * * ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ انتشر ضوءه بطلوع الفجر، فشبه ذلك بالتنفس مجازًا. * * * ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ . [١٩] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ على الله، وهو جبريل ﵇، وأضيف القول إليه؛ لأنه قاله عن الله سبحانه. * * * ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ أي: شديد القوى ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: عند الله. ﴿مَكِينٍ﴾ في المنزلة. * * * ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في السموات، يطيعه الملائكة، ومن طاعتهم أنهم فتحوا أبواب السماء ليلة المعراج بقوله لرسول الله ﷺ ، وطاعة

стр. 3674

جبريل فريضة على أهل السموات، كما أن طاعة محمد ﷺ فريضة على أهل الأرض ﴿أَمِينٍ﴾ على الوحي. * * * ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ خطاب لأهل مكة، وهو أيضًا من جواب القسم، أقسم على أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدًا ﷺ ليس كما يقوله أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إنه مجنون، وما يقوله من عند نفسه. * * * ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي: رأى محمد جبريل -عليهما الصلاة والسلام- على صورته التي خُلق عليها. قرأ ورش (١)، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (رَآكَ) و (رَآهُ) و (رَآهَا) بإمالة الهمزة والراء، وأمال الدوري عن أبي عمرو الهمزة بخلاف عنه، وأمال السوسي الراء، وقرأ الباقون: بالفتح فيهما (٢) ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ مطلع الشمس الأعلى من ناحية المشرق. * * *

стр. 3675

﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: ما غاب عن أهل الأرض من خبر السماء ﴿بِضَنِينٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (بِظَنِينٍ) بالظاء؛ أي: بمتَّهَم، وقرأ الباقون: بالضاد؛ أي: ببخيل بالدعاء به، ورسمُها بالضاد في جميع المصاحف (١). * * * ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ﴾ مسترِقٍ للسمع ﴿رَجِيمٍ﴾ مرجومٍ بالكواكب. * * * ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ توقيف وتقرير على معنى: أين المذهب لأحد عن هذه الحقائق؟ * * * ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآنُ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ عظة للخلق أجمعين. * * *

стр. 3676

﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ . [٢٨] وتبدل من ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ باتباع الحق، وخصص من يشاء الاستقامة بالذكر؛ تشريفًا وتنبيهًا منهم، وذكرًا لتكسبهم أفعال الاستقامة. * * * ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ (١) الاستقامةَ ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لأن المشيئة في التوفيق إليه ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ مالكُ الخلائق. في الحديث: "يا بنَ آدم! تريدُ وأريدُ، فتتعبُ فيما تريد، ولا يكونُ إلا ما أُريد" (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 3677

سُورَةُ الانفِطَار مكية، وآيها: تسع عشرة آية، وحروفها ثلاث مئة وسبعة وعشرون حرفًا، وكلمها: إحدى وثمانون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ . [١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ انشقَّتْ، وتشقُّقها على غير نظام مقصود، إنما هو انشقاق لتزول بنيتها. * * * ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ تساقطت من مواضعها التي هي فيها. * * * ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ فُتح بعضُها إلى بعض، عذبُها ومِلْحُها، فصارت بحرًا واحدًا. * * *

стр. 3678

﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ بُحثت وأُخرج ما فيها من الموتى، وهذه أوصاف يوم القيامة. * * * ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ . [٥] وجواب (إِذا): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ و (نفسٌ) هاهنا اسمُ جنس، وإفرادها ليبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها عن منفعة ذاتها، إلا من رحم الله تعالى ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ في حياتها من عمل صالح أو سيئ. ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ مما سَنَّتْه فعُمل به بعد موتها. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ . [٦] ثم خاطب تعالى جنس ابن آدم، فوقفه على جهة التوبيخ والتنبيه على أي شيء أوجب أن يغتر بربه الكريم فيعصيه، ويجعل له ندًّا، وغير ذلك من أنواع الكفر، وهو الخالق الموجِدُ بعدَ العدم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ﴾ أي: ما دعاك إلى الاغترار. ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ روي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال: "جَهْلُهُ" (١)، وهذا يترتب في الكافر.

стр. 3679

وفي العاصي: روي أن الله سبحانه إنما ذكر الكريم من بين سائر أسمائه، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرمُ الكريم، فهذا من لطف الله بعباده العصاة المؤمنين (١). * * * ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ . [٧] ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ بعدَ أنْ لم تكن شيئًا ﴿فَسَوَّاكَ﴾ بأن سوى أعضاءك، وركب فيك العقل، وأنطق لسانك (٢). ﴿فَعَدَلَكَ﴾ قرأ الكوفيون: بتخفيف الدال، أي: صرفَكَ وأمالك إلى ما شاء، وقرأ الباقون: بالتشديد (٣)، أي: قَوَّمَك وجعلك معتدلَ الخَلْق والأعضاء. * * * ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ . [٨] ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي: في قبيحة أو حسنة، أو مشوهة أو سليمة، ونحو هذا. * * *

стр. 3680

﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ . [٩] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على سائر أقوالهم، وردعٌ عنها. قرأ أبو عمرو، ورويس بخلاف عنه: (رَكَّبَك كَلَّا) بإدغام الكاف، في الكاف، والباقون: بالإظهار (١). ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ بالحساب، أثبت لهم تكذيبهم بالدين، وهذا الخطاب عام، ومعناه الخصوص. قرأ أبو جعفر: (يُكَذِّبُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب، ومنهم: حمزة، والكسائي، وهشام يدغمون اللام في التاء (٢). * * * ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ رقباء من الملائكة. * * * ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ . [١١] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ يكتبون أعمال بني آدم، و (٣) وصفهم بالكرم الذي هو نفيُ المذامِّ. * * *
следующие страницы →