← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ . [٢٨] وتبدل من ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ باتباع الحق، وخصص من يشاء الاستقامة بالذكر؛ تشريفًا وتنبيهًا منهم، وذكرًا لتكسبهم أفعال الاستقامة. * * * ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ (١) الاستقامةَ ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لأن المشيئة في التوفيق إليه ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ مالكُ الخلائق. في الحديث: "يا بنَ آدم! تريدُ وأريدُ، فتتعبُ فيما تريد، ولا يكونُ إلا ما أُريد" (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 3677

سُورَةُ الانفِطَار مكية، وآيها: تسع عشرة آية، وحروفها ثلاث مئة وسبعة وعشرون حرفًا، وكلمها: إحدى وثمانون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ . [١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ انشقَّتْ، وتشقُّقها على غير نظام مقصود، إنما هو انشقاق لتزول بنيتها. * * * ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ تساقطت من مواضعها التي هي فيها. * * * ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ فُتح بعضُها إلى بعض، عذبُها ومِلْحُها، فصارت بحرًا واحدًا. * * *

стр. 3678

﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ بُحثت وأُخرج ما فيها من الموتى، وهذه أوصاف يوم القيامة. * * * ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ . [٥] وجواب (إِذا): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ و (نفسٌ) هاهنا اسمُ جنس، وإفرادها ليبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها عن منفعة ذاتها، إلا من رحم الله تعالى ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ في حياتها من عمل صالح أو سيئ. ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ مما سَنَّتْه فعُمل به بعد موتها. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ . [٦] ثم خاطب تعالى جنس ابن آدم، فوقفه على جهة التوبيخ والتنبيه على أي شيء أوجب أن يغتر بربه الكريم فيعصيه، ويجعل له ندًّا، وغير ذلك من أنواع الكفر، وهو الخالق الموجِدُ بعدَ العدم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ﴾ أي: ما دعاك إلى الاغترار. ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ روي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال: "جَهْلُهُ" (١)، وهذا يترتب في الكافر.

стр. 3679

وفي العاصي: روي أن الله سبحانه إنما ذكر الكريم من بين سائر أسمائه، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرمُ الكريم، فهذا من لطف الله بعباده العصاة المؤمنين (١). * * * ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ . [٧] ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ بعدَ أنْ لم تكن شيئًا ﴿فَسَوَّاكَ﴾ بأن سوى أعضاءك، وركب فيك العقل، وأنطق لسانك (٢). ﴿فَعَدَلَكَ﴾ قرأ الكوفيون: بتخفيف الدال، أي: صرفَكَ وأمالك إلى ما شاء، وقرأ الباقون: بالتشديد (٣)، أي: قَوَّمَك وجعلك معتدلَ الخَلْق والأعضاء. * * * ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ . [٨] ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي: في قبيحة أو حسنة، أو مشوهة أو سليمة، ونحو هذا. * * *

стр. 3680

﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ . [٩] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على سائر أقوالهم، وردعٌ عنها. قرأ أبو عمرو، ورويس بخلاف عنه: (رَكَّبَك كَلَّا) بإدغام الكاف، في الكاف، والباقون: بالإظهار (١). ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ بالحساب، أثبت لهم تكذيبهم بالدين، وهذا الخطاب عام، ومعناه الخصوص. قرأ أبو جعفر: (يُكَذِّبُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب، ومنهم: حمزة، والكسائي، وهشام يدغمون اللام في التاء (٢). * * * ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ رقباء من الملائكة. * * * ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ . [١١] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ يكتبون أعمال بني آدم، و (٣) وصفهم بالكرم الذي هو نفيُ المذامِّ. * * *

стр. 3681

﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وتقولون؛ لمشاهدتهم حالَكم. * * * ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ جمعَ برّ، وهو الذي قد اطَّرد بِرُّهُ عمومًا، فبرَّ ربَّه في طاعته إياه، وبرَّ أبويه، وبرَّ الناس في جلب ما استطاع من الخير لهم، وغير ذلك ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾. * * * ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ يعني: الكفار ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ بيان لما يكتبون لأجله. * * * ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يباشرون حرها بأبدانهم ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ هو يوم الجزاء. * * * ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ لا بدَّ من دخولهم إياها. * * *

стр. 3682

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾ . [١٧] ثم فخم شأن يوم الدين فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. * * * ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ . [١٨] ثم كرر تعجبًا لشأنه فقال: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ والخطاب للنبي ﷺ . * * * ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿يَوْمَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (يَوْمُ) برفع الميم على معنى: هو يوم، وقرأ الباقون: (يَوْمَ) بالنصب على الظرف (١)، والمعنى الجزاءُ يومَ. ﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ من المنفعة ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ إخبار منه تعالى بضعف الناس (٢) يومئذ، وأنه لا يُغني بعضهم عن بعض، وأن الأمر له ﵎ كما هو له في الدنيا، والله أعلم. * * *

стр. 3683

سُورَةُ المُطَفِّفينَ مدنية، وقيل: مكية، وعن ابن عباس: نزل بعضها بمكة، ونزل أمر التطفيف بالمدينة؛ لأنهم كانوا أشدَّ الناس فسادًا، أي: في بهذا المعنى، فأصلحهم الله بهذه السورة (١) ، وآيها: ست وثلاثون آية، وحروفها: سبع مئة وأربعون حرفًا، وكلمها: مئة وتسع وستون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾. [١] ﴿وَيْلٌ﴾ معناه: الثبور والحزن والشقاء الأدومُ، ورفعه على الابتداء، المعنى: ثبت الويل واستقر ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ الباخسين في الكيل والوزن. * * * ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ . [٢] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي: منهم، و (مِنْ) و (عَلَى) يتعاقبان. ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ الكيل والوزنَ. * * *

стр. 3684

﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ أي: كالوا أو وزنوا للناس. ﴿يُخْسِرُونَ﴾ يُنقصون الكيل والوزن. * * * ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)﴾ . [٤] ثم أدخل همزة الاستفهام على (لا) النافية توبيخًا، وليست (أَلَا) هذة تنبيهًا؛ لأن ما بعد تلك مثبت، وهذا نفي؛ لأن (ألَا) التنبيهية إذا حُذفت لا يختل المعنى؛ نحو: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ (١) [الصافات: ١ ٥ ١] وإذا حذفت (أَلَا) هذه، اختل المعنى، فقال: ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ أي: يتحقق ﴿أُولَئِكَ﴾ المطففون ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾. * * * ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾. [٥] ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، فيُسألون عن كيلهم ووزنهم. * * * ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ . [٦] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ من قبورهم ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأجل أمره تعالى، و (يومَ) منصوب بـ (مَبْعُوثُونَ)، وهذا مما يؤيد أنها نزلت بالمدينة في قوم مؤمنين، وأُريد بها مع ذلك من غَبَرَ من الأمة.

стр. 3685

﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ . [٧] ﴿كَلَّا﴾ جميع ما في هذه السورة يجوز أن يكون ردًّا؛ أي: ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام هاهنا، ويحتمل أن يكون استفتاحًا بمنزلة (ألا)، فيتصل بما بعده على معنى: حقًّا. ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ ما يكتب من أعمالهم. ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ هي الأرض السابعة، فيها أرواح الكفار توضع فيه إهانة لهم. قرأ أبو عمرو: (كِتَابَ الْفُجَّار لَّفِي) بإدغام الراء في اللام (١). * * * ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ . [٨] ثم فخم شأنه، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ أي: أيُّ شيء أعلمك. ﴿مَا سِجِّينٌ﴾ ليس مما كنت تعلمه. * * * ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ . [٩] ثم بين الكتابَ فقال: ﴿كِتَابٌ﴾ أي: هو كتاب. ﴿مَرْقُومٌ﴾ مسطور فيه أعمالُهم، لا ينسى ولا يمحى، حتى يُجَازوا به. * * * ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالحق.

стр. 3686

﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ . [١١] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ الجزاء، صفةٌ ذامة. * * * ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ هو الذي يتجاوز حدود الأشياء. ﴿أَثِيمٍ﴾ مبالغة من (١) آثم. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (مُعْتَدِي). * * * ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ جمع أُسْطُورَة، وهي الحكايات التي سُطِرتَ قديمًا. * * * ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ﴾ غَطَّى ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وركبَها كركوب الصدأ الحديد. ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من المعاصي والذنوب. قرأ حفص عن عاصم: (بَلْ) بإظهار اللام مع سكتة عليها خفيفة، ويبتدئ (رَانَ)، وقرأ الباقون: بإدغام اللام في الراء، ومنهم: حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: يميلون فتحة الراء (٢).

стр. 3687

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ المؤمنَ إذا أذنب، كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تابَ ونزعَ، واستغفرَ، صُقِلَ قلبُه منها، وإذا زاد، زادت حتى تعلوَ قلبه، فذلكم الرانُ الذي ذكرَ اللهُ في كتابِه" (١). * * * ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ﴾ يعني: الكفار ﴿عَنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: عن رؤية ربهم. ﴿يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فمن قال بالرؤية، وهو قول أهل السنة، وعليه اتفاق الأئمة، قال: إن هؤلاء لا يرون ربهم، فهم محجوبون عنه، واحتج بهذه الآية الإمام مالك بن أنس ﵁ على مسألة الرؤيا من جهة دليل الخطاب، وإلا، فلو حجب الكل، لما أغنى هذا التخصيص، ومن قال بأن لا رؤية، وهو قول المعتزلة، قال في هذه الآية: إنهم محجوبون عن رحمة ربهم وغفرانه. وقد أخرج البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله ﷺ ليلة أربع عشرة من الشهر، فقال: "إِنَّكم سترونَ رَبَّكُم كما ترونَ هذا القمر، لا تُضامون في رؤيته" (٢).

стр. 3688

وتقدم كلام الأئمة الأربعة في ذلك في سورة الأنعام. * * * ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ﴾ بعد ذلك ﴿لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ مباشر وحرِّ النار دون حائل. * * * ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ أي: يقول لهم الزبانية توبيخًا: ﴿هَذَا﴾ العذاب. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. * * * ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ . [١٨] ولما ذكر تعالى كتاب الفجار، عقب ذلك بذكر كتاب ضدهم؛ ليبين الفرق، فقال ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ جمع بَرّ، وتقدم تفسيره في أواخر السورة التي قبل هذه. قرأ أبو عمرو، والكسائي، وخلف: (الأبْرَار) بالإمالة، ورواه ورش عن نافع بين بين، واختلف فيه عن حمزة وابن ذكوان، فروى عن الأول: الإمالة، وبين بين، وعن الثاني: الإمالة، والفتح، وقرأ الباقون: بالفتح، وأبو عمرو على أصله بإدغام الراء في اللام (١).

стр. 3689

﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ في السماء السابعة تحت العرش. قال بعض أهل المعاني: علو بعد علو، وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون (١). * * * ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ تقديره: وما أدراك ما في عليين؟ على التعظيم. * * * ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠)﴾ . [٢٠] ثم بين فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: مكتوب، وليس بتفسير (عِلِّيِّينَ). قال ابن عباس: "عملُهم مكتوبٌ في لوح من زَبَرْجَدٍ أخضرَ معلَّقٍ تحتَ العرش" (٢). * * * ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿يَشْهَدُهُ﴾ يحضره ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ وهم سبعة أملاك من مقربي السماء، من كل سماء ملك مقرب، فيحضره ويشيعه حتى يصعد به إلى ما يشاء الله، ويكون هذا في كل يوم.

стр. 3690

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. * * * ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ هي السُّرر في الحِجال، وتقدم في سورة (يَس). ﴿ينَظُرُونَ﴾ إلى ما يسرهم، وإلى الكفار في النار كيف يعذبون. * * * ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ بهجةَ التنعيم. قرأ أبو جعفر، ويعقوب: (تُعْرَفُ) بضم التاء وفتح الراء مجهولًا، ورفع (نَضْرَةُ)، وقرأ الباقون: بفتح التاء وكسر الراء معلومًا، ونصب (نَضْرَةَ) مفعولًا (١). * * * ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ وهو الشراب الخالص. ﴿مَخْتُومٍ﴾ على إنائها، فلا يَفُكُّ ختمَهُ إلا الأبرارُ. * * *

стр. 3691

﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قرأ الكسائي: (خَاتَمُهُ مِسْكٌ (١)) بفتح الخاء وألف بعدها من غير ألف بعد التاء، أي: آخره، وقرأ الباقون: بكسر الخاء من غير ألف بعدها وبألف بعد التاء: اسم لما يُختم به، ولا خلاف بينهم في فتح التاء (٢). ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله، وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس. * * * ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَمِزَاجُهُ﴾ أي: الرحيق ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ شراب يُصب عليهم من علو في غرفهم، وهو أشرف شراب في الجنة. * * * ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: منها ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ صِرْفًا، ويمزج رحيقُ الأبرار بها، ونصب (عَيْنًا) على الحال من (تَسْنِيمٍ). * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ونزل في الكفار وسخريتهم بالمسلمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾

стр. 3692

اكتسبوا الجرائم ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ استهزاء بهم. * * * ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ يعني: المؤمنين بالكفار. ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ والغمز: الإشارة بالجفن والحاجب. * * * ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا﴾ أى: الكفار (١) ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ ومنازلهم ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ قرأ أبو جعفر، وحفص عن عاصم: (فَكِهِينَ) بغير ألف بعد الفاء؛ يعني: فرحين، وقرأ الباقون: بالألف؛ يعني: مُعجبين بما هم فيه، واختلف عن ابن عامر (٢). * * * ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ أى: رأى الكافرون المؤمنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ المؤمنين ﴿لَضَالُّونَ﴾ لإيمانهم بمحمد ﷺ . * * * ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ . [٣٣] فقال تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا﴾ أي: الكفار.

стр. 3693

﴿عَلَيْهِمْ﴾ على المؤمنين ﴿حَافِظِينَ﴾ يردونهم إلى مصالحهم. * * * ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: في الآخرة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذا دخلوا الجنة. ﴿مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ كما ضحك الكفارُ منهم في الدنيا، إذا نظروا إليهم من الجنة، وهم في النار يعذبون. * * * ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] والمؤمنون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ من الدرِّ والياقوت ﴿يَنظُرُونَ﴾ إليهم في النار. * * * ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ أي: جوزي ﴿الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: جزاءَ استهزائهم بالمؤمنين، والاستفهام تقرير وتوقيف لمحمد ﷺ وأمته. قرأ حمزة، والكسائي، وهشام: (هَل ثّوِّبَ) بإدغام اللام في الثاء، والباقون: بالإظهار (١)، والله أعلم. * * *

стр. 3694

سُورةُ الانشِقَاقِ مكية، وآيها: خمس وعشرون آية، وحروفها: أربع مئة وستة وثلاثون حرفًا، وكلمها: مئة وسبع كلمات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ . [١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ تفطَّرت لهول يوم القيامة، وانشقاقُها من علامات الساعة. * * * ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ استمعت وسمعت أمره ونهيه (١). ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع خالقها. * * * ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ زالت جبالها حتى لا يبقى فيها عوج وزيد في سَعَتها.

стр. 3695

وفي الحديث: "إن الله تعالى يمد الأرض يوم القيامة مدَّ الأديم العكاظي" (١). * * * ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ من الكنوز والموتى إلى ظاهرها. ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ خلت عما كان فيها، ولم تتمسك منهم بشيء. * * * ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ليس بتكرار الإذن (٢)، الأول للسماء، والثاني للأرض، وجواب (إِذَا) محذوف؛ للتهويل بالإبهام، يدل عليه: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ المعنى: إذا كان يوم القيامة، لقي الإنسان عمله، وقيل: هو على: اذكر إذا السماء انشقت. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ . [٦] وقيل: جوابه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ مخاطبة للجنس، والفاء مضمرة؛ كأنه قال: فيها أيها الإنسان.

стр. 3696

﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ أي: ساع باجتهاد ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى وقت لقائه تعالى، وهو الموت ﴿كَدْحًا﴾ والكدح: جهد النفس في العمل. ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ أي: ملاقٍ جزاءَ عملِك من خير وشر. * * * ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾ . [٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ أي: كتابَ أعماله ﴿بِيَمِينِهِ﴾ وهو المؤمن. * * * ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ . [٨] ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ سهلًا بلا مناقشة. * * * ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ . [٩] ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ المؤمنين في الجنة بعد الحساب ﴿مَسْرُورًا﴾ بما أُعد له فيها. * * * ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ وهو الكافر تُغَلُّ يمناه، وتُخلع يسراه، وتُجعل وراء ظهره، فيأخذ بها كتابه. * * * ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ . [١١] فإذا رأى ما فيه ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ينادي هلاكه.

стр. 3697

﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَيَصْلَى﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي: بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام مجهولًا؛ أي: يُدْخِلُه غيرهُ، وقرأ الباقون: بفتح الياء وإسكان الصاد وتخفيف اللام (١)؛ أي: يدخل هو ﴿سَعِيرًا﴾. روي أن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وفي أخيه أبي الأسود، وكان أبو سلمة من أفضل المؤمنين، وهو أول من هاجر إلى النبي ﷺ ، وأخوه من عتاة (٢) الكافرين (٣). * * * ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ . [١٣] ﴿إِنَّهُ﴾ أي: لأنه ﴿كَانَ فِي أَهْلِهِ﴾ عشيرته ﴿مَسْرُورًا﴾ بَطِرًا بارتكاب هواه دون معرفة الله. * * * ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ يرجعَ إلى الله، والظن هنا على بابه بمعنى الحسبان، لا الظن الذي بمعنى اليقين والعلم. * * *

стр. 3698

﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ . [١٥] ﴿بَلَى﴾ أي: ليس كما ظن، بل يحور إلينا ويُبعث. ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ من يوم خلقه إلى أن يبعثه. * * * ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (لا) زائدة، والتقدير: فأقسم، وقيل: (لا) رد على أقوال الكفار، وابتدأ القول (أُقْسِمُ)، وقسم الله بمخلوقاته فإنه على جهة التشريف لها، وتعريضها للعبرة؛ إذ القسم بها (١) منبه منها. ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الحمرةِ التي تبقى في الأفق بعد مغيب الشمس، وبسقوطها يدخل وقت العشاء عند الأئمة الثلاثة، وعند أبي حنيفة: هو البياض بعد الحمرة؛ خلافًا لصاحبيه، وتقدم الكلام في ذلك في سورة الروم، وسمي به؛ لرقته؛ من الشفقة. * * * ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ جمعَ وضَمَّ، وذلك أن الليل إذا أقبل، أقبل كلُّ شيء إلى مأواه مما كان منتشرًا بالنهار. * * *

стр. 3699

﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ امتلأ في الليالي البيض. * * * ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [١٩] وجواب القسم: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: (لَتَرْكَبَنَّ) بفتح الباء خطابًا للإنسان من (يَا أَيُّها الإِنْسَانُ)، وقرأ الباقون: بالضم خطابًا لجنس الإنسان (١) المعنى: لتركبن الشدائد: الموت والبعث والحساب. ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال. * * * ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام إنكار. * * * ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ أي: لا يصلُّون. قرأ أبو جعفر: (قُرِيَ) بفتح الياء، والباقون: بالهمز، وقرأ ابن كثير: (القُرَانُ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٢).

стр. 3700

وهذا محل سجود عند الثلاثة؛ خلافًا لمالك، وهم على أصولهم في قولهم بالوجوب والسنية، كما تقدم اختلافهم ملخصًا عند سجدة مريم. عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (١). * * * ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بالقرآن والبعث. * * * ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ يجمعون في صدورهم. * * * ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ استهزاء بهم. * * *

стр. 3701

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء منقطع. ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: معدود عليهم محسوب منغَّص بالمن، والله أعلم. * * *

стр. 3702

سُورَةُ البُرُوج مكية، وآيها: اثنتان وعشرون آية، وحروفها: أربع مئة وأربع وستون حرفًا، وكلمها: مئة وتسع كلمات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ . [١] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ هي المنازل التي عرفتها العرب، وهي اثنا عشر على ما قسمته، وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يومًا، وتقدم ذكرها في سورة يونس، وفي الفرقان. * * * ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ هو يوم القيامة. * * * ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَشَاهِدٍ﴾ يوم الجمعة؛ لأنه يشهد على كل عامل بعمله ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم عرفة؛ لأن الناس يشهدون مواسم الحج، وتشهده

стр. 3703

الملائكة، وقيل في شاهد ومشهود غيرُ ذلك. * * * ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ . [٤] وجواب القسم محذوف؛ كأنه قيل: إنهم ملعونون؛ يعني: كفار مكة؛ كما لعن أصحاب الأخدود، وقيل: الجواب. ﴿قُتِلَ﴾ أي: لُعن ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ وهي شق مستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود كانوا ثلاثة، وهم أنطاليوس الرومي بالشام، وبخت نصر بفارس، ويوسف ذو نواس بنجران، شق كل واحد منهم شقًّا عظيمًا في الأرض، وكان طوله أربعين ذراعًا، وعرضه اثني عشر ذراعًا، وهو الأخدود، وملؤوه نارًا، وقالوا من لم يكفر، وإلا ألقي فيه، فمن كفر، تُرك، ومن أبي، أُلقي فيه، وقيل: إن القرآن إنما نزل في التي بنجران (١)، وفي ذلك خلاف يطول ذكره. * * * ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ . [٥] ﴿النَّارِ﴾ بدل من ﴿الْأُخْدُودِ﴾ بدل اشتمال ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ والوقود -بفتح الواو-: ما- يوقد به. * * * ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦)﴾ . [٦] ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا﴾ أي: حولها على جانب الأخدود على الكراسي.

стр. 3704

﴿قُعُودٌ﴾ يعذبون الناس روي أنه احترق عشرون ألفًا. * * * ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَهُمْ﴾ أي: الملك وأصجابه ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ من التعذيب ﴿شُهُودٌ﴾ أي حضور. * * * ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ . [٨] ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ أي: عابوا ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ فلذلك أحرقوهم، وهذا الاستثناء نحو: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهم ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ ووصفه بكونه عزيزًا غالبًا يُخشى عقابُه، حميدًا منعمًا يرجى ثوابه (١). * * * ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ . [٩] وقرر ذلك بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أفعالهم ﴿شَهِيدٌ﴾ للإشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد. * * *

стр. 3705

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عذبوا ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالإحراق. ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ بكفرهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أشد من الأول؛ بإحراقهم المؤمنين، وجهنم والحريق طبقتان من النار. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾ . [١١] ثم ذكر ما أعد للمؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ إذ الدنيا وما فيها تصغر دونه. * * * ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ أي: أخذه بالعذاب ﴿لَشَدِيدٌ﴾ مضاعَف عنفُه. * * * ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ﴾ الخلقَ بخلقهم ابتداءً ﴿وَيُعِيدُ﴾ خلَقهم عند البعث. * * *

стр. 3706

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ لمن تاب ﴿الْوَدُودُ﴾ المتودِّد إلى أوليائه بالمغفرة. * * * ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقُه ﴿الْمَجِيدُ﴾ العظيم في ذاته. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (الْمَجِيدِ) بالجر نعتًا للعرش، وقرأ الباقون: بالرفع نعتًا للغفور (١)؛ لأن المجد هو النهاية في الكرم، والله تعالى هو المنعوت بذلك. * * * ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ لا يمتنع عليه شيء يريده. * * * ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿هَلْ﴾ أي: قد ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ خبرُ الجموع الكافرة. * * * ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾ . [١٨] ثم بين تعالى من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ وهذا تنبيه لكفار

стр. 3707

مكة بما جرى للهالكين قبلهم؛ ليتعظوا بهم، فيؤمنوا. * * * ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ . [١٩] فلما لم يؤمنوا، قيل إضرابًا عنهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك يا محمد. ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ لك وللقرآن؛ كدأبِ مَنْ قبلهم. * * * ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ قدرتُه مشتملة عليهم، فلا يُعجزه منهم أحد. * * * ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: ما كذبوا به. ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عظيم القدر. قرأ ابن كثير: (قُرَانٌ) بالنقل، والباقون: بالهمز (١). * * * ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ لا يدركه الخطأ والتبديل. قرأ نافع: (مَحْفُوظٌ)

стр. 3708

بالرفع صفة لقرآن، وقرأ الباقون: بالجر صفة اللوح (١)، وهو اللوح المشهور بهذه الصفة، وهو في جبهة إسرافيل ﵇، قاله أنس، وقال ابن عباس: "هو من دُرَّةٍ بيضاءَ، طولُه ما بين السماء والأرض، وعرضُه ما بين المشرق والمغرب" (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 3709

سُورَةُ الطَّارِقِ مكية، وآيها: سبع عشرة آية، وحروفها مئتان وثمانية وأربعون حرفًا، وكلمها: إحدى وستون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ . [١] ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ هي السماء المعروفة ﴿وَالطَّارِقِ﴾ النجم؛ لأنه يطرق، أي: يطلع ليلًا، وكلُّ ما ظهر (١) أو أتى ليلًا، فهو طارق. * * * ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ عبر عنه أولًا بوصف عام. * * * ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾ . [٣] ثم فسره بما يخصه تفخيمًا لشأنه فقال: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ المضيء؛

стр. 3710

لثقبه الظلام بضوئه، وهو الثريا الذي تطلق عليه العرب اسم النجم معرفًا، وقيل: زحل. * * * ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ . [٤] وجواب القسم: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة ﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (لَمَّا) بتشديد الميم بمعنى (إلا) عليها، وقرأ الباقون: بتخفيفها صلة مؤكدة (١)، مجازه: إنْ كلُّ نفسٍ لَعليها. ﴿حَافِظٌ﴾ من الملائكة يحصي أعمالها، ويعدها للجزاء عليها، وبهذا الوجه تدخل الأمة في الوعيد الزاجر. * * * ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ . [٥] ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾ نظرَ اعتبار ﴿مِمَّ﴾ أي: من أي شيء ﴿خُلِقَ﴾ وقف البزي، ويعقوب بخلاف عنهما: (مِمَّهْ) بزيادة هاء بعد الميم. * * * ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ . [٦] وجواب الاستفهام: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي: مدفوق، ونسبة الدفق

стр. 3711

إلى الماء مجاز، والمراد: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الولد منهما يكون، فإذا اعتبر أصله، علم أن القادر على ذلك قادر على البعث. * * * ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ . [٧] ﴿يَخرُجُ﴾ أي: ينزع ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ من الرَّجل، وهو الظهر. ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾ جمع تريبة (١)، وهي عظام الصدر من المرأة. * * * ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ . [٨] ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله تعالى ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ أي: ردِّ الإنسان حيًّا بعد موته. ﴿لَقَادِرٌ﴾ يرجعه. * * * ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ . [٩] ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ تُختبر الضمائر. عن النبي ﷺ : "إنَّ السرائرَ التي يبتليها اللهُ من العباد: التوحيدُ، والصلاةُ، والزكاةُ، والغسلُ من الجنابة" (٢).

стр. 3712

﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿فَمَا لَهُ﴾ لمنكر البعث ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ يمتنع بها من العذاب. ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ ينصره منه. * * * ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾ . [١١] ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ تحتمل في هذا القَسَم أن تكون المعروفة، وتحتمل أن تكون السحاب ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أي: المطر، وسمي رجعًا؛ لرجوعه في كل أوان وكل وقته. * * * ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الشق عن النبات، المعنى: أنه تعالى أقسم بهما إيماءً إلى المنة عليهم. * * * ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾ . [١٣] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ محكم بين الحق والباطل. * * * ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ باللعب، والهزل: ما استعمل في غير ما وضع

стр. 3713

له من غير مناسبة، والجد: ضده، وهو أن يقصد به المتكلم حقيقة كلامه. * * * ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾ . [١٥] ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ يعملون المكائد للنبي ﷺ . * * * ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ جزاء كيدهم؛ بإمهالي لهم؛ ثم أنتقم منهم، وسمى عقابهم كيدًا على العرف في تسمية العقوبة باسم الذنب. * * * ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ . [١٧] ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ وعيد من الله، وفيه إشعار أن عقابهم متأخر حتى ظهر ببدر وغيره ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ قليلًا، ومَهَّل وأمهلَ معناهما: الانتظار، ﴿رُوَيْدًا﴾ مصدر تصغير رَوْد، وفي هذه الآية موادعة نسختها آية السيف، والله أعلم. * * *

стр. 3714

سُورَة الأَعْلَى جَلَّ وَعلَا مكية في قول الجمهور، وقيل: مدنية، وآيها: تسع عشرة آية، وحروفها: مئتان وستة وثمانون حرفًا، وكلمها: اثنتان وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ . [١] ﴿سَبِّحِ﴾ أي: نَزِّه ﴿اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ عن النقائص، وما يقول المشركون، و (الاسم) الذي هو ألف سين ميم تارة يأتي في مواضع يراد به المسمى، وتارة يراد به التسمية نفسها؛ نحو قوله ﷺ : "إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا" (١)، وهذه الآية تحتمل الوجهين، فعلى الأول يكون صلة كالزائد، تقديره: سبح ربَّك؛ أي: نزهه، وعلى الثاني يكون المعنى: نزه اسمَ ربك عن أن يُسمى به صنم أو وثن، فيقال له: إله ورب، ونحو ذلك، والأعلى يصح أن يكون صفة للرب، وأن يكون صفة للاسم. وكان ﷺ إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانَ رَبِّيَ الأَعْلى"، وفعله جماعة

стр. 3715

من الصحابة، ولما نزلت هذه الآية، قال ﷺ : "اجعلوها في سجودكم" (١) وتقدم اختلاف الأئمة في ذلك آخر سورة الواقعة. * * * ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾ . [٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ أي: عدل مخلوقه، وأتقنه مستويًا. * * * ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ . [٣] ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ قرأ الكسائي: بتخفيف الدال؛ من القدرة، والباقون: بتشديدها؛ من التقدير (٢). ﴿فَهَدَى﴾ كلًّا إلى مصلحته، وهو عام لوجوه الهدايات في الإنسان والحيوان. روي أن الحية تعمى كل سنة في الشتاء من أكل التراب، فتمسح عينيها بورق الرازيانج الأخضر، فتبصر بقدرة الله تعالى (٣). * * * ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ . [٤] ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أنبتَ العشبَ.
следующие страницы →