← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

إلى الماء مجاز، والمراد: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الولد منهما يكون، فإذا اعتبر أصله، علم أن القادر على ذلك قادر على البعث. * * * ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ . [٧] ﴿يَخرُجُ﴾ أي: ينزع ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ من الرَّجل، وهو الظهر. ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾ جمع تريبة (١)، وهي عظام الصدر من المرأة. * * * ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ . [٨] ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله تعالى ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ أي: ردِّ الإنسان حيًّا بعد موته. ﴿لَقَادِرٌ﴾ يرجعه. * * * ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ . [٩] ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ تُختبر الضمائر. عن النبي ﷺ : "إنَّ السرائرَ التي يبتليها اللهُ من العباد: التوحيدُ، والصلاةُ، والزكاةُ، والغسلُ من الجنابة" (٢).

стр. 3712

﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿فَمَا لَهُ﴾ لمنكر البعث ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ يمتنع بها من العذاب. ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ ينصره منه. * * * ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾ . [١١] ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ تحتمل في هذا القَسَم أن تكون المعروفة، وتحتمل أن تكون السحاب ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أي: المطر، وسمي رجعًا؛ لرجوعه في كل أوان وكل وقته. * * * ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الشق عن النبات، المعنى: أنه تعالى أقسم بهما إيماءً إلى المنة عليهم. * * * ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾ . [١٣] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ محكم بين الحق والباطل. * * * ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ باللعب، والهزل: ما استعمل في غير ما وضع

стр. 3713

له من غير مناسبة، والجد: ضده، وهو أن يقصد به المتكلم حقيقة كلامه. * * * ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾ . [١٥] ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ يعملون المكائد للنبي ﷺ . * * * ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ جزاء كيدهم؛ بإمهالي لهم؛ ثم أنتقم منهم، وسمى عقابهم كيدًا على العرف في تسمية العقوبة باسم الذنب. * * * ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ . [١٧] ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ وعيد من الله، وفيه إشعار أن عقابهم متأخر حتى ظهر ببدر وغيره ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ قليلًا، ومَهَّل وأمهلَ معناهما: الانتظار، ﴿رُوَيْدًا﴾ مصدر تصغير رَوْد، وفي هذه الآية موادعة نسختها آية السيف، والله أعلم. * * *

стр. 3714

سُورَة الأَعْلَى جَلَّ وَعلَا مكية في قول الجمهور، وقيل: مدنية، وآيها: تسع عشرة آية، وحروفها: مئتان وستة وثمانون حرفًا، وكلمها: اثنتان وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ . [١] ﴿سَبِّحِ﴾ أي: نَزِّه ﴿اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ عن النقائص، وما يقول المشركون، و (الاسم) الذي هو ألف سين ميم تارة يأتي في مواضع يراد به المسمى، وتارة يراد به التسمية نفسها؛ نحو قوله ﷺ : "إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا" (١)، وهذه الآية تحتمل الوجهين، فعلى الأول يكون صلة كالزائد، تقديره: سبح ربَّك؛ أي: نزهه، وعلى الثاني يكون المعنى: نزه اسمَ ربك عن أن يُسمى به صنم أو وثن، فيقال له: إله ورب، ونحو ذلك، والأعلى يصح أن يكون صفة للرب، وأن يكون صفة للاسم. وكان ﷺ إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانَ رَبِّيَ الأَعْلى"، وفعله جماعة

стр. 3715

من الصحابة، ولما نزلت هذه الآية، قال ﷺ : "اجعلوها في سجودكم" (١) وتقدم اختلاف الأئمة في ذلك آخر سورة الواقعة. * * * ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾ . [٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ أي: عدل مخلوقه، وأتقنه مستويًا. * * * ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ . [٣] ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ قرأ الكسائي: بتخفيف الدال؛ من القدرة، والباقون: بتشديدها؛ من التقدير (٢). ﴿فَهَدَى﴾ كلًّا إلى مصلحته، وهو عام لوجوه الهدايات في الإنسان والحيوان. روي أن الحية تعمى كل سنة في الشتاء من أكل التراب، فتمسح عينيها بورق الرازيانج الأخضر، فتبصر بقدرة الله تعالى (٣). * * * ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ . [٤] ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أنبتَ العشبَ.

стр. 3716

﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ . [٥] ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بعدَ الخضرة ﴿غُثَاءً﴾ هشيمًا باليًا ﴿أَحْوَى﴾ أسودَ، نعت (غُثَاءً). * * * ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ . [٦] ولما كان ﷺ يسابق جبريل ﵇ إذا قرأ عليه القرآن؛ خوفَ النسيان، نزل: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ نعلمك القرآنَ ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ فلم ينس ﷺ بعد ذلك شيئًا؛ لأنه إخبار منه تعالى، وإخباره صدق، و (لا) نفي، وليست نهيًا. * * * ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ . [٧] ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن تنساه على سبيل النسخ، وفي هذا التأويل آية للنبي ﷺ في أنه أمي، وحفظ الله عليه الوحي، وأمنه من نسيانه ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ من الأشياء ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ منها. * * * ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾ . [٨] ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ نذهب بك نحو الأمور المستحسنة في دنياك وآخرتك؛ من النصر والظفر، وعلو الرسالة والمنزلة يوم القيامة، والرفعة في الجنة. * * *

стр. 3717

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ . [٩] ﴿فَذَكِّرْ﴾ عِظْ بالقرآن ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ المعنى: نفعت أو لم تنفع، فاقتصر على القسم الواحد؛ لدلالته على الثاني. * * * ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ . [١٠] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ اللهَ والدارَ الآخرة، وهم العلماء والمؤمنون، كلُّ بقدر ما وفق. * * * ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)﴾ . [١١] ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ أي: يتجنب الذكرى ونفعَها. ﴿الْأَشْقَى﴾ الذي سبقت له الشقاوة بالكفر. * * * ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾ . [١٢] ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ الشديدةَ، وهي نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا. قال ﷺ : "نارُكم هذه جزءٌ من سبعينَ جزءًا من نار جهنم" (١). * * *

стр. 3718

﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ . [١٣] ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة تنفعه. * * * ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ . [١٤] ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ أي: فاز ببغيته ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ تطهر من الشرك بالإيمان. وتقدم مذهب ورش وحمزة في النقل في قوله: (قَدْ أَفْلَحَ) في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. * * * ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ . [١٥] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ وحَّدَه ﴿فَصَلَّى﴾ الصلواتِ التي فرض عليه، وتنفَّلَ بما أمكنه من صلاة وبر. وروي أن هذه الآية في صبيحة يوم الفطر، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ هو ذكر الله في طريق المصلى، وتكبيرات العيد، والصلاة: هي صلاة العيد، وقد روي هذا التفسير عن النبي ﷺ ، وعن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، قال: "أَعْطى صدقةَ الفطر" (١)، قال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؛ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد، ولا زكاة فطر. قال البغوي (٢): يجوز أن يكون النزول سابقًا على الحكم كما قال:

стр. 3719

﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح، حتى قال ﷺ : "أُحِلَّت لي ساعةً من نهار" (١). وتقدم الكلام على صلاة العيد، والاختلاف فيها، وصفتها في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الآية: ١٨٥]، وحكم التكبير ووقته وصفته فيها أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [الآية: ٢٠٣]، وحكم الصلوات الخمس وأوقاتها، والخلاف فيها في سورة الروم، وحكم زكاة الفطر والخلاف فيها في سورة التوبة عند ذكر الزكوات. * * * ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ . [١٦] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ أي: تقدِّمون وترجون (٢) ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على الآخرة، فالكافر يؤثرها إيثارَ كفر، يرى أن لا آخرةَ، والمؤمنُ يؤثرها إيثار معصية، وغلبة نفس، إلا من عصم الله. قرأ أبو عمرو: (يُؤثرُونَ) بالغيب ردًّا إلى جنس (الأَشْقَى)، وقرأ الباقون: بالخطاب (٣)، دليله (٤) قراءة

стр. 3720

أُبي بن كعب (بَلْ أَنْتُمْ تُؤْثِرُونَ)، وحمزة، والكسائي، وهشام: يدغمون اللام في التاء، والباقون: يظهرونها (١)، وأمال رؤوس الآي من لدن (الأَعْلَى) إلى (وَمُوسَى): ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، وقرأها الباقون: بالفتح (٢). * * * ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أَدْوَمُ من الدنيا وأفضل. * * * ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨)﴾ . [١٨] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني: ما ذكر من قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى هنا [بمعنى فلاح المتزكين والذاكرين والمصلين ومؤثري الآخرة على الدنيا] (٣). ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ المنزلة قبل، لم ينسخ في شرع من الشرائع. * * * ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ . [١٩] ثم بين الصحف فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ وصحفُ إبراهيم كانت بالسريانية، وصحف موسى بالعبرانية، وتقدم ذكر عدد الكتب المنزلة

стр. 3721

على الأنبياء في سورة النجم عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [الآيتان: ٣٦ - ٣٧]، وتقدم هناك ما ذكر في صحف إبراهيم ﵇، وقد نقل من صحف موسى ﵇: يقول الله : "يا بن آدمَ! اعمل لنفسك قبل نزولِ الموت بك، ولا تغرنك الخطيئة؛ فإن على آثارها السفر، ولا تلهك الحياة وطول الأصل عن التوبة، فإنك تندم على تأخيرها حين لا ينفعك الندم، يا ابن آدم! إذا لم تخرج حقي (١) من مالي الذي رزقتك إياه، ومنعتَ منه الفقراءَ حقوقَهم، سلطتُ عليك جبارًا يأخذه منك، ولا أُثيبك عليه" (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 3722

سُورَةُ الغَاشِيَة مكية، وآيها: ست وعشرون آية، وحروفها: ثلاث مئة وأحد وسبعون حرفًا، وكلمها: اثنتان وتسعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ . [١] ﴿هَلْ﴾ أي: قد ﴿أَتَاكَ﴾ وقيل: (هل) على بابها توقيف، فائدتُها تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر، وقيل: المعنى: هل كان هذا من علمك لولا ما علمناك؟ ففي هذا التأويل تعديد النعمة. ﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ القيامة؛ لأنها تغشى العالم كله بهولها وتغييرها لبنيته. * * * ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ . [٢] ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف الخبر، وهو ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ذليلة متغيرة بالعذاب، نعت الخبر: * * *

стр. 3723

﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ . [٣] ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ تعمل في النار عملًا تتعب فيه؛ لأنها تكبرت عن العمل لله في الدنيا، فأعملَها في الآخرة في ناره. روي أنها نزلت في القسيسين، وعبَّادِ الأوثان، وكلِّ مجتهدٍ في كفر (١)، وإليه ذهب عمر بن الخطاب ﵁ في تأويلها. * * * ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ . [٤] ﴿تَصْلَى﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: بضم التاء مجهولًا، وقرأ الباقون: بفتحها معلومًا (٢)؛ أي: تدخل ﴿نَارًا حَامِيَةً﴾ شديدة الحر. * * * ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ . [٥] ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قد انتهى حرها. قرأ هشام: (آنِيَةٍ) بإمالة فتحة الهمزة (٣). * * *

стр. 3724

﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ . [٦] ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هو نبت ذو شوك يقال لرطبه: الشبرق، وهو مرعى سوء لا تعقد السائمة عليه شحمًا ولا لحمًا، فإذا يبس، سموه ضريعًا؛ أي: مضعِفًا للبدن مُهْزِلًا. * * * ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ . [٧] ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ والمقصودُ من الطعام أحدُ الأمرين. * * * ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ . [٨] ولما ذكر تعالى وجوه أهل النار، عقب ذلك بذكر وجوه أهل الجنة؛ ليبين الفرق، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ أي: ذات حسن وبهجة. * * * ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)﴾ . [٩] ﴿لِسَعْيِهَا﴾ لعملها في الدنيا ﴿رَاضِيَةٌ﴾ لما رأت ثوابه في الآخرة. * * * ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ علية المحل. * * *

стр. 3725

﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ . [١١] ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وورش: (يُسْمَعُ) بياء مضمومة على التذكير مجهولًا فاعله (لاَغِيَةٌ) بالرفع، وذكَّر الفعل؛ للفصل، ولأن لاغية ولغوًا واحد، وهو ساقط الكلام وهذيانه، وقرأ نافع كذلك، إلا أنه بالتاء على التأنيث، وقرأ الباقون: بالتاء مفتوحة معلومًا خطابًا للنبي ﷺ ونصب ﴿لَاغِيَةً﴾ مفعولًا به (١). * * * ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿فِيهَا عَيْنٌ﴾ أي: عيون ﴿جَارِيَةٌ﴾ بالماء لا تنقطع، والتنكير للتعظيم. * * * ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ذاتًا وقدرًا. * * * ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَأَكوَابٌ﴾ هي أوانٍ كالأباريق، لا عرا لها ولا آذان ولا خراطيم. ﴿مَّوضُوعَةٌ﴾ بأشربتها مُعَدَّة.

стр. 3726

﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿وَنمَاَرِقُ﴾ وسائدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بعضُها إلى بعض. * * * ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَزَرَابِيُّ﴾ بُسُطٌ عِراضٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مبسوطة. * * * ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ . [١٧] ثم أقام تعالى الحجة على منكري قدرته على بعث الأجساد؛ بأن وقفهم على مواضع العبرة في مخلوقاته، فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾ نظرَ اعتبار ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ والمراد: الجمال المعروفة؛ فإنها مع عِظَم خلقها طَيِّعة منقادة لما يراد منها، ويحمل عليها، وتنهض به، ولم يذكر الفيل؛ لأنه لم يكن بأرض العرب، فلم (١) تعرفه، ولا يحمل عليه عادة، ولا يُحْلب دَرُّه، ولا يؤمَن ضرُّه. * * * ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ بلا عَمَد. * * * ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ فهي راسخة لا تزول.

стр. 3727

﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ بُسطت للسير فيها، والاستقرار عليها، وقرنت الإبل مع السماء والجبال والأرض؛ لأن الآية نزلت استدلالًا على مخلوقات الله تعالى، وهم كانوا أشد ملابسة لهذه الأشياء من غيرها. * * * ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ليس عليك إلا البلاغ. * * * ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بمسلَّط تُكرِههم على الإيمان، ونسخت بآية السيف. قرأ هشام: (بِمُسَيْطِرٍ) بالسين، وحمزة: بين الصاد والزاي؛ بخلاف عن رواية خلاد، والباقون: بالصاد (١). * * * ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿إِلًاَ﴾ استثناء منقطع، أي: لكن ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾ عن الإيمان ﴿وَكَفَرَ﴾ بالقرآن. * * *

стр. 3728

﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ عذابَ جهنم، والأصغرُ: ما عُذِّبوا به في الدنيا من الجوع والقتل والأسر. * * * ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ رجوعَهم. قرأ أبو جعفر: (إِيَّابَهُمْ) بتشديد الياء، مصدر أيَّبَ، وأصله أَوَّاب فَعّال، ثم قيل: أَيْواب، ثم قلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء، وقرأ الباقون: بتخفيفها (١)، أصله إِواب، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها. * * * ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ جزاءَهم على أعمالهم، والحساب: المكافأة، والله أعلم. * * *

стр. 3729

سُورَةُ الفَجْر مكية على الأصح، وآيها: ثلاثون آية، وحروفها: خمس مئة وسبعة وستون حرفًا، وكلمها: مئة وسبع وثلاثون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ . [١] ﴿وَالْفَجْرِ﴾ هو انفجار الصبح كلَّ يوم، أقسم الله تعالى به كما أقسم بالصبح. * * * ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ هي العشر الأوائل (١) من ذي الحجة. روي عن يعقوب، وقنبل (٢): الوقف بالياء على (لَيَالِي). * * * ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَالشَّفْعِ﴾ الخَلْق، خُلقوا أزواجًا ﴿وَالْوَتْرِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي،

стр. 3730

وخلف: بكسر الواو، والباقون: بفتحها (١)، ومعناهما: الفرد، وهو الله سبحانه؛ إذ هو الواحد محضًا، وسواه ليس كذلك. * * * ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ مقبلًا ومدبرًا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يَسْرِي) بإثبات الياء وصلًا، وابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين، حذفت تخفيفًا، واجتزئ عنها بالكسرة لاعتدال رؤوس الآي؛ إذ هي فواصل كالقوافي، قال اليزيدي: الوصل في هذا وما أشبهه بالياء، والوقف بغير ياء، على خط المصحف (٢). * * * ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ . [٥] ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾ المقسَمِ به ﴿قَسَمٌ﴾ مقنعٌ ومكتفى ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أي: عقلٍ، فيزدجر وينظر في آيات الله، وسمي العقل حِجْرًا؛ لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل. * * *

стр. 3731

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾ . [٦] ثم توعد قريشًا (١)، ونصب المثلَ لها، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ هي قبيلة من عاد نسبوا إليه، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهم قوم هود، سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه. * * * ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ . [٧] ﴿إِرَمَ﴾ عطف بيان لـ (عاد) على تقدير مضاف؛ أي: سبط إرم، ولم ينصرف؛ للتعريف والتأنيث، وإن جعل اسمَ رجل، فلم يُصرف لعجمته وتعريفه. ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ذات البناء الرفيع؛ أي: إن مدينتهم كانت ذات أساطين، وقيل: المراد بالعماد: الأعمدة؛ لأنهم كانوا أصحاب عمد وخيام، يطلبون الكلأ حيث كان، وقيل: إرم ذات العماد: اسمُ مدينتهم دمشقُ أو الإسكندرية. * * * ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ . [٨] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ مثلُ قبيلتهم أو مدينتهم ﴿فِي الْبِلَادِ﴾. روي أن شدَّاد بنَ عاد بنى مدينة عظيمة لم يُر مثلُها حسنًا وعظمًا، بناها في ثلاث مئة سنة، وعاش تسع مئة سنة، وملك جميع الأرض بعد موت

стр. 3732

أخيه شديد، فلما تم بناؤها، قصدها ليدخلها هو وأصحابه، فلما قربوا منها، صيح بهم، فهلكوا جميعًا (١). * * * ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَثَمُودَ﴾ عطف على (عاد) ﴿الَّذِينَ جَابُوا﴾ قطعوا ﴿الصَّخْرَ﴾ واتخذوها بيوتًا ﴿بِالْوَادِ﴾ وادي القرى بالقرب من المدينة الشريفة من جهة الشام. قرأ ورش: (بِالْوَادِي) بإثبات الياء وصلًا، وابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا؛ بخلاف عن قنبل في الوقف، والباقون: بحذفها في الحالين (٢). * * * ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾ . [١٠] وتعطف على (عاد) أيضًا ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ سمي بذلك؛ لأنه كان يَتِدُ أربعةَ أوتاد يشد إليها من يعذبه بأنواع العذاب. * * * ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾ . [١١] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾ يعني: عادًا وثمود وفرعون ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ عملوا في الأرض بالمعاصي والطغيان، وتجاوزوا الحدود.

стр. 3733

﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ بالكفر والقتل. * * * ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ يعني: لونًا من العذاب، واستعمل الصَّبُّ في السوط، لأنه يقتضي سرعة في النزول، وخصَّ السوط بأن يستعار للعذاب؛ لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره. * * * ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ . [١٤] وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ يرى ويسمع، لا يعزُب عنه شيء، فيجازيهم بما يصدر منهم، واعترض بين القسم وجوابه قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، يخوف أهل مكة كيف أهلكهم، وكانوا أطول أعمارًا، وأشد قوة. * * * ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾ . [١٥] ونزل في كل كافر: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ اختبره ﴿رَبُّهُ﴾ بالنعمة ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ بكثرة المال ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ بما أعطاني، ودخلت الفاء في (فَيَقُولُ)؛ لما في (أَمَّا) من معنى الشرط. * * *

стр. 3734

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ بالفقر ﴿فَقَدَرَ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر: بتشديد الدال، والباقون: بتخفيفها (١)، ومعناهما: ضَيَّقَ. ﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ أذلني بالفقر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء في الحرفين، والباقون: بإسكانها فيهما، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (أَكْرَمَني) (أَهَانَنِي) بإثبات الياء فيهما وصلًا، وخير فيهما أبو عمرو، وقياس قوله في رؤوس الآي يوجب حذفهما، وأثبتهما يعقوب، والبزي في الحالين، وقرأ الباقون: بحذفهما في الحالين (٢). * * * ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ للإنسان عن قوله: الغنى إكرام، والفقر إهانة، فحق من ابتلي بالغنى أن يشكر ويطيع، ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر، وأما إكرام الله، فهو بالتقوى، وإهانته، فبالمعصية، ثم أخبر بأعمالهم فقال: ﴿بَل﴾ فعلُهم أسوأ من قولهم، وأدلُّ على تهالكهم بالمال، وهو أنهم. ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ بالإحسان إليه مع غناهم، واليتيم من بني آدم:

стр. 3735

هو الذي فقد أباه وكان غير بالغ، ومن البهائم: ما فقد أمه. قال ﷺ : "أَحَبُّ البيوتِ إلى الله تعالى بيتٌ فيه يتيمٌ يُكْرَم" (١). * * * ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ﴾ أي: يحثون أنفسهم ولا غيرهم. ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وطعام في هذه الآية بمعنى: إطعام، وتقدم الكلام في الفقير والمسكين، والخلاف فيهما في سورة التوبة في ذكر الصدقات. * * * ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ أي: الميراثَ، أصلهُ وراث، قلبت الواو تاء؛ أي: ويأكلون كل ما يرثون. ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ أي: شديدًا، واللمُّ الجمع؛ لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون النساء، ولا صغارَ الأولاد، وإنما كانوا يأكلون (٢) جميعَ الميراث مع أموالهم، فيأكلونها جميعًا. * * * ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ كثيرًا، فلا ينفقونه. قرأ أبو عمرو،

стр. 3736

ويعقوب بخلاف عن الثاني: (يُكْرِمُونَ) و (يَحُضُّونَ) و (يَأْكُلُونَ) و (يُحِبُّونَ) بالغيب في الأربعة، والباقون: بالخطاب، وأثبت الألف بعد الحاء (تَحَاضُّونَ) مع فتح الحاء: أبو جعفر، والكوفيون، ويمدون للساكنين (١)، أصله: تَتَحاضَضُونَ، حذفت إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: لا يحضُّ بعضكم بعضًا عليه. * * * ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ . [٢١] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ لأفعالهم هذه، وتوطئة للوعيد؛ أي: سيرون أن أفعالهم ليست على قوام ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ مرةً بعد مرة، ودكُّها: تسويتها؛ بذهاب جبالها، وهدم كل بناء عليها بالكلية، والناقة الدكاء: التي لا سنام لها. * * * ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [قال الإمام أحمد: معناه: جاء أمرُ ربك] (٢). ﴿وَالْمَلَكُ﴾ اسم جنس، يريد: جميع الملائكة؛ لأنهم ينزلون فيصطفون حول الأرض ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أي: صفًّا خلف صف، وهم سبعة صفوف، ونصبه على الحال.

стр. 3737

﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ مزمومةً بسبعين ألفَ زِمام، كلُّ زمام بيد سبعين ألف ملك، لها زفير وتغيُّظ. قرأ الكسائي، وهشام، ورويس: (وَجِيءَ) بإشمام الجيم الضم، والباقون: بإخلاص الكسر (١). ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من (يومئذ) قبلُ، وهما بدل من (إِذَا دُكَّت) العامل في (إِذَا). ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ الكافرُ عصيانَه وطغيانه، وينظر ما فاته من العمل الصالح. ﴿وَأَنَّى لَهُ﴾ ومن أين له نفعُ ﴿الذِّكْرَى﴾. * * * ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ . [٢٤] ثم أخبر تعالى عنه أنه ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ﴾ الخير والإيمان. ﴿لِحَيَاتِي﴾ هذه، وهي حياة الآخرة. * * * ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ﴾ بالنار ﴿عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾. * * *

стр. 3738

﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿وَلَا يُوثِقُ﴾ بالسلاسل والأغلال ﴿وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ قرأ الكسائي، ويعقوب: (يُعَذَّبُ) و (يُوثَقُ) بفتح الذال والثاء مجهولًا، أضيف الفعل إلى الكافر، فـ (أَحَدٌ) فاعل المجهول، والهاء في (عَذَابَهُ) و (وَثَاقَهُ) للكافر، والمراد به: الإنسان، وقيل: هو رجل بعينه، وهو أمية بن خلف، المعنى: لا يعذَّب أحدٌ مثلَ تعذيبه بالنار، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثلَ إيثاقه، وقرأ الباقون: بكسر الذال والثاء (١)، فالضمير لله تعالى، المعنى: لا يعذِّبُ أحدٌ أحدًا كعذاب الله، ولا يوثقه في السلاسل كإيثاقه تعالى. * * * ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ . [٢٧] ويقال للمؤمن عند الموت: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ أي: الآمنة التي لا تخاف، وهي التي اطمأنت بذكر الله. روي أن أبا بكر الصديق ﵁ سأل عن ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال له (٢): "إنَّ الملَكَ سيقولُها لك يا أبا بكرٍ عندَ موتك" (٣). * * *

стр. 3739

﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ إلى أمره وإرادته. ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ عند الله، ونصبه على الحال. * * * ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿فَادْخُلِي فِي﴾ عِدادِ ﴿عِبَادِي﴾ الصالحين. * * * ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ معهم، وقيل: هذا النداء يكون عند قيام الأجساد من القبور، فقوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ معناه: بالبعث من موتك ارجعي إلى الله، والله أعلم. وقد أحببت أن أتكلم في هذا المحل على صلاة الوتر (١)؛ لما فيه من المناسبة للسورة، فأقول وبالله التوفيق: الوتر واجب عند أبي حنيفة ﵁، وعند صاحبيه، وعند الأئمة الثلاثة ﵃ هو سنة، ووقته بين صلاة العشاء والفجر بالاتفاق، وصفته عند أبي حنيفة: ثلاثُ ركعات كالمغرب، لا يسلم بينهن، ويقنت في الثالثة قبل الركوع بعد أن يرفع يديه مكبرًا، وعند مالك: هو ركعة بعد شفع لا حدَّ له، منفصل منها بتسليمة، وعند الشافعي وأحمد: أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وأدنى الكمال ثلاثٌ بتسليمتين، ويقنت في الثالثة بعد الركوع في النصف الأخير

стр. 3740

من رمضان عند الشافعي، وعند أحمد: في جميع السنة كأبي حنيفة، ولا يقنت فيه عند مالك مطلقًا على المشهور من مذهبه، والقراءة عند مالك في الشفع مطلقةٌ غيرُ معينة، ويستحب عنده أن يقرأ في ركعة الوتر الإخلاص والمعوذتين، وعند الثلاثة: يستحب أن يقرأ في الأولى من الثلاث (١) بعد الفاتحة: ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: الإخلاص والمعوذتين، وعند الشافعي: كقول مالك، وعند أبي حنيفة وأحمد: الإخلاص فقط، وتقدم ذكر مذهب مالك والشافعي في القنوت في صلاة الصبح في سورة البقرة، والله أعلم. * * *

стр. 3741

سُورَةُ البَلَدِ مكية في قول الجمهور، وقيل: مدنية، وآيها: عشرون آية، وحروفها: ثلاث مئة وستة وثلاثون حرفًا، وكلمها: اثنتان وثمانون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ . [١] ﴿لَاَ﴾ صلة زائدة مؤكدة، المعنى ﴿أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: مكة. * * * ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ . [٢] ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ أي: حلال في المستقبل ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أي: تصنع فيه ما تريد من قتل وغيره، ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم، وذلك أن الله سبحانه وعد نبيه ﷺ أن يفتح مكة على يده، وأن يحلها له، ففتحها، وأحلها الله له يوم الفتح حتى قاتل وقتل، وأمر بقتل ابن خَطَل وهو متلعق بأستار الكعبة، ومقبس بن صبابة، وغيرهما، فأحل دماء قوم، وحرم دماء قوم، فقال: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ"، ثم قال: "إنَّ اللهَ حرَّمَ مكة يومَ خلقَ السمواتِ والأرضَ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولن تحلَّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار، فهي حرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يومِ

стр. 3742

القيامة" (١)، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في دخولها بغير إحرام في سورة البقرة، وتعطف على ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ يعني: آدم ﵇ وذريته، وقيل: الوالد إبراهيم، والولد محمد ﵉، فتتضمن السورة القسمَ به في موضعين. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ . [٤] وجواب القسم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ المرادُ: جنسُ الإنسان. ﴿فِي كَبَدٍ﴾ نَصَبٍ وشدة، يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ . [٥] ﴿أَيَحْسَبُ﴾ أي: أيظنُّ ﴿أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ لقوته. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (أَيَحْسَبُ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (٢). روي أن هذه الآية وما بعدها نزل في أبي الأَشَدَّين، واسمه أسيد بن

стр. 3743

كلدة الجمحي، وكان شديدًا قويًّا، يضع الأديمَ العُكاظي تحت قدمه فيقول: من أزالني عنه، فله كذا وكذا، فلا يُطاق أن يُنزع من تحت قدميه إلا قطعًا، ويبقى موضع قدمه، وقيل: نزلت في غيره (١). ... ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾ . [٦] ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ﴾ أنفقتُ ﴿مَالًا لُبَدًا﴾ أي: كثيرًا في عداوة محمد ﷺ . قرأ أبو جعفر: (لُبَّدًا) بتشديد الباء على جمع اللابد، مثل راكِع ورُكَّع، وقرأ الباقون: بتخفيفها على جمع لبدة (٢) ومعناهما: الكثرة؛ أي: ملتبدًا بعضُه فوق بعض، وكان قول هذا الكافر: أهلكت مالًا لبدًا كذبًا منه، فلذلك قال تعالى: ... ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾ . [٧] ﴿أَيَحْسَبُ﴾ تقدم اختلاف القراء فيه، ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ أيظن أن الله لم ير ذلك منه فيعلم مقدار ما أنفقه؟ قرأ أبو جعفر، ويعقوب: (يَرَهُ) باختلاس ضمة الهاء بخلاف عنهما، والباقون: بالإشباع (٣).

стр. 3744

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ . [٨] ثم عدد تعالى على الإنسان نعمه التي تقوم بها الحجة، وهي جوارحه، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يبصر بهما. ... ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَلِسَانًا﴾ يتكلم به ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يطبقهما على لسانه إذا أراد السكوت. ... ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ بَيَّنا له طريق الخير والشر، وهذا قول الأكثر، والنجد: الطريق المرتفع، وقيل: المراد: ثَدْيا الأم. ... ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ . [١١] ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فهلَّا سلك الطريق التي فيها النجاةُ، والعقبة في هذه الآية على عرف كلام العرب: استعارةٌ لهذا العمل الشاق على النفس، من حيث هو بذل مال، تشبيه بعقبة الجبل، وهي ما صَعُب منه، وكان صعودًا، والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة. ... ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾ . [١٢] ثم بين ما هي، وعظم أمرها في النفوس، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾.

стр. 3745

﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ . [١٣] ثم فسر اقتحام العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أعتقَها، ومن أعتقَ رقبةً، كان فداءه من النار. ... ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: (فَكَّ) بفتح الكاف، (رَقَبَةً) بالنصب، (أَطْعَمَ) بفتح الهمزة والميم من غير تنوين ولا ألف قبلها، فعلان ماضيان، (فَفَكَّ رَقَبَةً) تفسير (لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ)، و (أَطْعَمَ) عطف على (فَكَّ)، ويكون (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) اعتراضًا. وقرأ الباقون: برفع (فَكُّ) وخفض (رَقَبَةٍ) لإضافة (فَكُّ) إليها؛ لأنه مصدر مضاف إلى المفعول، (إِطْعَامٌ) بكسر الهمزة ورفع الميم مع التنوين وألف قبلها عطفًا على (فَكُّ) مصدر أَطْعَمَ (١). ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي: مجاعة؛ من سَغِبَ: جاعَ. ... ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ صاحبَ قرابة.

стр. 3746

﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أي: لصق بالتراب؛ لفقره، وتعطف على ﴿اقْتَحَمَ﴾: ... ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ ومعناه؛ أي: كان وقت اقتحامه العقبة. ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليس المعنى أن يقتحم، ثم يكون بعد ذلك؛ لأن هذه القُرَب إنما تنفع مع الإيمان، والاقتحامُ من غيرُ مؤمن غير نافع. ﴿وَتَوَاصَوْا﴾ وصَّى بعضُهم بعضًا ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على الإيمان، وعن المعاصي. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ برحمة الناس. ... ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: اليمين. ... ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ الشمال. ***

стр. 3747

﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة عليهم أبوابها. قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُؤْصَدَةٌ) بالهمز؛ من أَصَدْتُ البابَ: أطبقته، وقرأ الباقون: بإسكان الواو بغير همز (١)؛ من أوصدتُ ومعناهما واحد، والله أعلم. * * *

стр. 3748

سورة الشمس مكية، وآيها: خمس عشرة آية، وحروفها: مئتان وتسعة وأربعون حرفًا، وكلمها: أربع وخمسون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ . [١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ضوءها إذا أشرقت، و (الضُّحَى) بضم الضاد والقصر: ارتفاع الضوء وكماله، وبفتح الضاد والمد: ما فوقَ ذلك إلى الزوال. ... ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ . [٢] ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ تبعَها طالعًا عند غروبها. ... ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ . [٣] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ يعني: جلَّى الظلمة كناية عن غير مذكور؛ لكونه معروفًا، الواو الأولى للقسم، والباقي عطف عليها.

стр. 3749

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ . [٤] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يغشى الشمسَ حين تغيب، فتظلم الآفاق، و (إِذَا) معمولة القسم. ... ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ . [٥] ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ و (ما) في المواضع الثلاثة بمعنى الذي؛ أي: والذي بناها؛ يعني: خلقها. ... ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾ . [٦] ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ بسطَها. ... ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ . [٧] ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ عدل خلقَها، والمراد: جميع النفوس، ونُكِّرت للتكثير. ... ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ . [٨] ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ فَهَّمَها خيرَها وشرَّها، وجعل لها قوة يصحُّ معها اكتسابُ الفجور، واكتسابُ التقوى. ***

стр. 3750

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ . [٩] وجواب القسم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فاز ببغيته. ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ طَهَّرها بالطاعة، وتقدم مذهب ورش وحمزة في النقل في قوله. ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الآية: ١] في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ... ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَقَدْ خَابَ﴾ خسر ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ أخفاها وحقرها بالفجور والمعاصي، أصله: دَسَّسَها، أُبدلت السين الثانية ألفًا تخفيفًا. ... ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾ . [١١] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ رسلَها ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ بطغيانها، لما ذكر تعالى خيبة من دسَّ نفسه، ذكر فرقةً فعلت ذلك؛ ليُعتبر بهم، ويُنتهى عن مثل فعلهم، وهم قوم صالح. ... ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ . [١٢] ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾ أي: بادرَ إلى عقر الناقة ﴿أَشْقَاهَا﴾ أشقى القبيلة، وهو قدارُ بن سالف، والانبعاث: هو الإسراع في الطاعة للباعث. ***
следующие страницы →