﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أي: لصق بالتراب؛ لفقره، وتعطف على ﴿اقْتَحَمَ﴾:
...
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ ومعناه؛ أي: كان وقت اقتحامه العقبة.
﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليس المعنى أن يقتحم، ثم يكون بعد ذلك؛ لأن هذه القُرَب إنما تنفع مع الإيمان، والاقتحامُ من غيرُ مؤمن غير نافع.
﴿وَتَوَاصَوْا﴾ وصَّى بعضُهم بعضًا ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على الإيمان، وعن المعاصي.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ برحمة الناس.
...
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: اليمين.
...
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ الشمال.
***
стр. 3747
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة عليهم أبوابها. قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُؤْصَدَةٌ) بالهمز؛ من أَصَدْتُ البابَ: أطبقته، وقرأ الباقون: بإسكان الواو بغير همز (١)؛ من أوصدتُ ومعناهما واحد، والله أعلم.
* * *
стр. 3748
سورة الشمس
مكية، وآيها: خمس عشرة آية، وحروفها: مئتان وتسعة وأربعون حرفًا، وكلمها: أربع وخمسون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ .
[١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ضوءها إذا أشرقت، و (الضُّحَى) بضم الضاد والقصر: ارتفاع الضوء وكماله، وبفتح الضاد والمد: ما فوقَ ذلك إلى الزوال.
...
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ .
[٢] ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ تبعَها طالعًا عند غروبها.
...
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ يعني: جلَّى الظلمة كناية عن غير مذكور؛ لكونه معروفًا، الواو الأولى للقسم، والباقي عطف عليها.
стр. 3749
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يغشى الشمسَ حين تغيب، فتظلم الآفاق، و (إِذَا) معمولة القسم.
...
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ و (ما) في المواضع الثلاثة بمعنى الذي؛ أي: والذي بناها؛ يعني: خلقها.
...
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ بسطَها.
...
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ عدل خلقَها، والمراد: جميع النفوس، ونُكِّرت للتكثير.
...
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ .
[٨] ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ فَهَّمَها خيرَها وشرَّها، وجعل لها قوة يصحُّ معها اكتسابُ الفجور، واكتسابُ التقوى.
***
стр. 3750
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ .
[٩] وجواب القسم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فاز ببغيته.
﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ طَهَّرها بالطاعة، وتقدم مذهب ورش وحمزة في النقل في قوله.
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الآية: ١] في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
...
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَقَدْ خَابَ﴾ خسر ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ أخفاها وحقرها بالفجور والمعاصي، أصله: دَسَّسَها، أُبدلت السين الثانية ألفًا تخفيفًا.
...
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾ .
[١١] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ رسلَها ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ بطغيانها، لما ذكر تعالى خيبة من دسَّ نفسه، ذكر فرقةً فعلت ذلك؛ ليُعتبر بهم، ويُنتهى عن مثل فعلهم، وهم قوم صالح.
...
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾ أي: بادرَ إلى عقر الناقة ﴿أَشْقَاهَا﴾ أشقى القبيلة، وهو قدارُ بن سالف، والانبعاث: هو الإسراع في الطاعة للباعث.
***
стр. 3751
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ هو صالح ﵇ ﴿نَاقَةَ﴾ نصبه تحذيرًا ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ عطف؛ أي: و (١) احذروا عَقْرَ الناقة ومنعَها من شربها، فتُعذَّبوا.
...
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في قوله ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ وقدم تعالى التكذيب على العقر؛ لأنه كان سبب العقر، وقوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ والعاقر واحد؛ لكونهم متفقين على ذلك، وتقدم ذكر القصة في سورة الأعراف.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: دمر عليهم بالعذاب ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: بسببه ﴿فَسَوَّاهَا﴾ فعمهم بالدمدمة، فلم يفلت منهم أحد.
...
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ أي: عاقبتها، المعنى: فلا دَرَكَ على الله في فعله بهم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (فَلاَ) بالفاء على العطف؛ أي: (فَكَذَّبُوهُ) (فَعَقَرُوهَا) (فَدَمْدَمَ) (فَلاَ يَخَافُ)، وكذا هي في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون: بالواو (٢)،
стр. 3752
فمحل (لاَ يَخَافُ) حال؛ أي: وهو لا يخاف، وكذلك هي في مصاحفهم، وأمال رؤوسَ الآي في هذه السورة: ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، واختص الكسائي دونهما بإمالة (تَلاَهَا)، و (طَحَاهَا) (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 3753
سورة الليل
مكية، وقيل: مدنية، وقيل: فيها مدني، وآيها: إحدى وعشرون آية، وحروفها: ثلاث مئة حرف، وكلمها: إحدى وسبعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ .
[١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أي: يغطِّي الأرضَ وجميع ما فيها بظلمته.
...
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ .
[٢] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: ظهر وضَوَّأَ الآفاق.
...
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَمَا﴾ أي: والذي ﴿خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ يعني: آدم وحواء.
...
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ .
[٤] وجواب القسم: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ جمع شتيت؛ أي: إن عملكم
стр. 3754
لمختلفٌ، بعضُه في رضا الله، وبعضه في سخطه.
...
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ .
[٥] ثم قسم تعالى السَّاعِين فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ حقَّ الله ﴿وَاتَّقَى﴾ اللهَ تعالى.
...
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ هي كلمة التوحيد.
...
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ .
[٧] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ نهيئه للعمل الصالح، وهو الطاعة.
...
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بالنفقة في الطاعة ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ بلذات الدنيا عن نعيم الآخرة.
...
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾ .
[٩] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ بلا إله إلا الله.
***
стр. 3755
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ نهيئه لعملٍ يستوجبُ به النارَ، وسميت العسرى؛ لإفضائها إلى العسر. قرأ أبو جعفر: (لِلْيُسُرَى) (لِلْعُسُرَى) بضم السين فيهما، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ .
[١١] ﴿وَمَا﴾ نفي بمعنى ليس ﴿يُغْنِي عَنْهُ مَالُه﴾ الذي بخل به.
﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ أي: سقط في النار.
...
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أي: تبيينَ طريق الهدى والضلالة، ثم كل أحد بعدُ يكتسب ما قُدر له.
...
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ فنعطي في الدارين ما نشاء لمن نشاء.
...
стр. 3756
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ تلتهب. قرأ البزي, ورويس: (نَارًا تَّلَظَّى) بتشديد التاء وصلًا، والباقون: بتخفيفها (١).
...
﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾.
...
﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ النبيَّ ﷺ .
﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان، وهو أبو جهل، أو أمية بن خلف.
...
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾.
...
﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، وهو أبو بكر الصديق ﵁.
стр. 3757
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾ .
[١٩] روي أن أمية بن خلف كان إذا حميت الظهيرة، يطرح بلالًا على ظهره ببطحاء مكة، ويضع على صدره صخرة عظيمة، ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، فيقول: أَحَدٌ أَحَد، فقال أبو بكر: اتق الله فيه، فقال له: أنت أفسدته، فأنقذْه مما هو فيه، فاشتراه وأعتقه، فقال المشركون: إنما فعل ذلك ليد كانت له عنده، فنزل: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ يد يكافئه عليها (١).
...
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿إِلَّا﴾ أي: بل هو مبتدأ، خبره (٢): ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ وطلب رضاه.
...
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ بما يعطيه الله في الآخرة من الثواب، هذه عِدَة من الله تعالى لأبي بكر ﵁. ومذاهب القراء في إمالة رؤوس الآي في هذه السورة كالتي قبلها، والله أعلم.
* * *
стр. 3758
سورة الضحى
مكية، وآيها: إحدى عشرة آية، وحروفها: مئة وثمانية وخمسون حرفًا، وكلمها: أربعون كلمة.
الكلام في التكبير:
اختلف في سبب وروده، فروي أن النبي ﷺ انقطع عنه الوحي، فقال المشركون: قلا محمدًا ربُّه، فنزلت سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ فقال النبي ﷺ : "اللهُ أكبرُ"، وأمر أن يكبر إذا بلغ: ﴿وَالضُّحَى﴾ مع خاتمة كل سورة حتى يختم، فكبر شكرًا لله تعالى لما كذَّب المشركين (١)، وقيل: قال: الله أكبر تصديقًا لما أنا عليه، وتكذيبًا للكافرين، وقيل: فرحًا وسرورًا بنزول الوحي، وورد (٢) في ذلك أقوال كثيرة غير ما تقدم.
وأما من ورد عنه، فقد صح التكبير عن أهل مكة قرائهم وعلمائهم،
стр. 3759
وصح أيضًا عن أبي جعفر، وأبي عمرو، وورد عن سائر القراء عند الختم، وهو سنة مأثورة عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين في الصلاة وخارجها، لكن من فعله، فحسن، ومن لم يفعله، فلا حرج عليه (١).
وأما ابتداؤه، فاختلف فيه، فروي أنه من أول ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ وروي أنه من أول ﴿وَالضُّحَى﴾.
واختلف أيضًا في النهاية، فروي أن انتهاءه آخر سورة الناس، وروي: أولها، وقد ثبت نصه عن الإمامين الشافعي وأحمد ﵄، ولم يستحبه الحنابلة؛ لقراءة غير ابن كثير، ولم أطلع على نص في ذلك لأبي حنيفة ومالك ﵄.
ولفظه: (الله أكبر (٢)) في رواية البزي، وقنبل، وروي عنهما: التهليل قبل التكبير، ولفظة: (لا إله إلا الله والله أكبر)، والوجهان عنهما صحيحان جيدان مشهوران مستعملان.
وصفة التكبير في رواية ابن كثير بين كل سورتين أربعة عشر وجهًا:
الأول: قطعه عن آخر السورة، ووصله بالبسملة، ووصل البسملة في أول السورة الآتية، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قف (الله أكبر) صل (٣) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صل ﴿وَالضُّحَى﴾.
стр. 3760
الثاني: قطعه عن آخر السورة، ووصله بالبسملة، والوقوف على البسملة، ثم الابتداء بأول السورة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قف (الله أكبر) صل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قف ﴿وَالضُّحَى﴾.
الثالث: وصله بآخر السورة، والقطع عليه، ووصل البسملة بأول السورة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ صل (الله أكبر) قف (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صل ﴿وَالضُّحَى﴾.
الرابع: وصله بآخر السورة، والقطع على البسملة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ صل (الله أكبر) قف (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قف ﴿وَالضُّحَى﴾.
الخامس: قطع التكبير عن آخر السورة وعن البسملة، ووصل البسملة بأول السورة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قف (الله أكبر) قف (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صل ﴿وَالضُّحَى﴾.
السادس: وصل التكبير بآخر السورة، والبسملة بأول السورة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ صل (الله أكبر) صل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صل ﴿وَالضُّحَى﴾.
السابع: قطع الجميع؛ أي: قطع التكبير عن السورة الماضية وعن البسملة، وقطع البسملة عن السورة الآتية، وهو: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قف (الله أكبر) قف (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قف ﴿وَالضُّحَى﴾.
فهذه السبعة صفته مع التكبير، ويأتي مع التهليل مثل ذلك، وبقي وجه لا يجوز، وهو وصل التكبير بآخر السورة، وبالبسملة مع القطع عليها، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (الله أكبر) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بالوصل في الجميع، ثم يسكت على البسملة، ثم يبتدئ ﴿وَالضُّحَى﴾، فهذا ممتنع
стр. 3761
إجماعًا؛ لأن البسملة لأول السورة، فلا يجوز أن تجعل منفصلة عنها متصلة بآخر السورة قبلها.
واعلم أن القارئ إذا وصل التكبير بآخر السورة، فإن كان آخرها ساكنًا، كسره للساكنين؛ نحو: (فَحَدِّثِ اللهُ أكبرُ)، و (فَارْغَبِ اللهُ أكبرُ)، وإن كان منونًا، كسره أيضًا للساكنين، وسواء كان الحرف المنون مفتوحًا أو مضمومًا أو مكسورًا، نحو: (تَوَّابًا اللهُ أكبرُ) و (لَخَبِيرٌ اللهُ أكبرُ)، و (مِنْ مَسَدٍ اللهُ أكبرُ)، وإن كان آخر السورة مفتوحًا، فتحه، وإن كان مكسورًا، كسره، وإن كان مضمومًا، ضمه، نحو: قولِه: (إِذَا حَسَدَ الله أَكبرُ)، (والنَّاسِ اللهُ أَكبرُ)، و (الأَبْتَرُ اللهُ أكبرُ)، وشبهه، وإن كان آخر السورة هاء كناية موصولة بواو، حذف صلتها للساكنين؛ نحو: (رَبَّهُ اللهُ أكبرُ) و (شَرًّا يَرَهُ اللهُ أكبرُ)، وأسقطت ألف الوصل التي في أول اسم الله في جميع ذلك استغناءً عنها، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالضُّحَى (١)﴾ .
[١] ﴿وَالضُّحَى﴾ هو سطوعُ الضوء وعِظَمُه، وتقدم ذكرُ وقته أول سورة الشمس، أقسم الله به، وأراد به النهارَ كلَّه؛ بدليل أنه قابله بالليل.
...
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ .
[٢] فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أقبل بظلامه.
стр. 3762
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ .
[٣] وجواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ ما قطعك (١) ﴿رَبُّكَ﴾ قطعَ المودَّعِ.
﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: ما أبغضَكَ، وحذفت الكاف من قلاك؛ لدلالة الكلام.
...
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾ وما أعدَّ لك فيها من الكرامة ﴿خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ لأن الآخرة باقية، والأولى فانية.
...
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَلَسَوْفَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ولأنت سوف.
﴿يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخرة عطاء ﴿فَتَرْضَى﴾.
عن ابن عباس، وعلي، والحسين: "هو الشفاعة" (٢).
و (سَوْفَ) إذا كان في قصة المؤمنين، فمعناه الوعد، وإذا كان في قصة المشركين، فمعناه الوعيد.
وقال الأزرق (٣): ومما يرضيه بعد إخراج كل مؤمن من النار ألَّا يسوءَهُ في أمه وأبيه، وإن منع من الاستغفار لهما، وأذن له في زيارة قبرهما في وقت دون وقت؛ لأنهما من أهل الفترة، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ومن لم يقنعه هذا، فحظ المؤمن منهما الوقف
стр. 3763
فيهما، وألَّا يحكم عليهما بنار إلا بنص كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، بخلاف ما ثبت في عمه أبي طالب (١).
...
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ .
[٦] ثم عدَّد تعالى نعمه على نبيه ﷺ ، فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ مات أبوك ﴿فَآوَى﴾ أي: آواك إلى عمك بعد موت أبيك.
...
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ .
[٧] وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ معناه: قد وجدك، ودليله عطف قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ عن معالم الشرع (٢) ﴿فَهَدَى﴾ أي: فهداك إليها.
...
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ فقيرًا ﴿فَأَغْنَى﴾ فقنَّعك بما أعطاك من الغنائم والرزق.
قال ﷺ "ليس الغِنى عن كثرةِ العَرَض، ولكنَّ الغِنى غِنى النَّفْس" (٣).
стр. 3764
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ .
[٩] ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ بأخذ ماله.
...
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ لا تزجر، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًّا لينًا.
...
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ .
[١١] ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ عليك بالنبوة وغيرها من الصلاح ﴿فَحَدِّثْ﴾ به الناس.
قال ﷺ : "التحدُّث بالنعم شكرٌ" (١).
أمال رؤوس آي هذه السورة ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، واختص الكسائي دونهما بإمالة (سَجَى) (٢).
وأما حكم صلاة الضحى، فهي سنة بالاتفاق، ووقتها إذا علت الشمس إلى قبيل وقت الزوال، وهي عند أبي حنيفة ركعتان، أو أربع بتسليمة،
стр. 3765
وعند مالك: لا تنحصر، وعند الشافعي وأحمد: أقلها ركعتان، واختلفا في أكثرها، فقال الشافعي: اثنتا عشرة، وقال أحمد: ثمان، وهو الذي عليه الأكثرون من أصحاب الشافعي، وصححه النووي في التحقيق، والله أعلم.
* * *
стр. 3766
سورة ألم نشرح
مكية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: مئة وحرفان، وكلمها: سبع وعشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ .
[١] عدَّد الله نعمه على نبيه ﷺ , فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وشرحُ الصدر المذكور هو تنويرُ قلبه بالحكمة، وتوسيعُه لتلقي ما يوحى إليه.
...
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ .
[٢] ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ إثمك الماضي في الجاهلية، والوزر أصله: الثقل، فشبهت الذنوب به، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكان رسول الله ﷺ في الجاهلية قبل النبوة وزرهُ صحبةُ قومه، وأكلُه من ذبائحهم، ونحو هذا، وهذه كلها جرها المنشأ، وأما عبادة الأصنام، فلم يتلبس بها قط بإجماع الأمة (١)، وتقدم في الشورى.
стр. 3767
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أثقلَه حتى سُمع له نقيض؛ أي: صوت، وقيل: المعنى: أنه حُفظ قبل النبوة منها، وعُصم، ولولا ذلك، لأثقلت ظهره.
...
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ نَوَّهْنا باسمك بأنه إذا ذُكر الله، ذكرتَ معه، والاستفهام في كلها بمعنى التقرير؛ أي: قد فعلنا ذلك كله.
...
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ .
[٥] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ أي: مع ما تراه من الأذى ﴿يُسْرًا﴾ فرجًا يأتي.
...
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ .
[٦] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ كرره مبالغة وتثبيتًا للخير، وذهب كثير من العلماء إلى أن مع كل عسر يسرين بهذه الآية؛ من حيث (العسرُ) معرف للعهد، فيكون الثاني الأولَ بعينه، و (اليسر) منكَّر، فالأولُ غيرُ الثاني، وقد روي في هذا التأويل حديثٌ عن النبي ﷺ أنه قال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" (١)؛ أي: لن يغلب عسرُ الدنيا يُسري الدنيا والآخرة. قرأ
стр. 3768
أبو جعفر: (الْعُسُرِ يُسُرًا) بضم السين في الموضعين، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ .
[٧] ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من الصلاة والعبادات ﴿فَانْصَبْ﴾ فاتعبْ فيما ينجيك من العذاب، والمعنى: أن يدأب على ما أُمر به، ولا يفتُرَ.
...
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ تضرَّعْ إليه، وتوكل عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 3769
سورة التين والزيتون
مكية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: مئة وتسعة وخمسون حرفًا، وكلمها: أربع وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ .
[١] ﴿وَالتِّينِ﴾ هو الجبل الذي عليه دمشق ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ هو طور زيتا الجبل الذي ببيت المقدس من جهة المشرق، وذلك أن التين ينبت كثيرًا بدمشق، والزيتون بإيلياء، وقيل: المراد بالتين: الذي يؤكل، والزيتون: الذي يعصر، وأكل النبي ﷺ مع أصحابه تينًا أهدي إليه، فقال: "لو قلتُ إن فاكهةً نزلَتْ من الجنة، لقلت هذه؛ لأن فاكهةَ الجنة بلا عَجَم، فكلوا، فإنه يقطعُ البواسيرَ، وينفع من النِّقْرِسِ" (١).
وقال ﷺ : "نعمَ السواكُ الزيتونُ من الشجرةِ المباركةِ، هي سواكي وسواكُ الأنبياء من قبلي" (٢).
стр. 3770
﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ .
[٢] ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ بلا خلاف، ومعنى سينين: حسن مبارك، وقيل: معناه: ذو الشجر.
...
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أي: الآمن؛ يعني: مكة بلا خلاف؛ لأمن الناس فيها جاهلية وإسلامًا، أقسم الله بهذه الأشياء تشريفًا لها.
...
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ .
[٤] وجواب القسم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ والمراد به: الجنس.
﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أعدلِ قامة، وأحسن صورة، وذلك أنه تعالى خلق كل شيء مُنكبًّا على وجهه، إلا الإنسان.
...
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾ بعد القدرة والكمال ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ إلى الهرم وأرذل العمر حتى ينقضي عمره، ويضعف بدنه، ويذهب عقله.
...
стр. 3771
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ .
[٦] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ منهم, فإنه يكتب لهم بعد الهرم مثل حال الشباب.
قال ابن عباس: "هم نفر رُدُّوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى عذرهم، وأخبر أن لهم أجرهم مثل الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم" (١)، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ محسوب يمنُّ عليهم به (٢)، وثبتت الفاء في (فَلَهُمْ) هنا، ولم تثبت في (لَهُمْ) آخر الانشقاق؛ جمعًا بين اللغتين.
...
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ .
[٧] ثم قال إلزامًا للحجة، وتوبيخًا للكفار: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ ما سببُ تكذيبك أيها الإنسان ﴿بَعْدُ﴾ أي: بعد هذا الدليل القاطع ﴿بِالدِّينِ﴾ بالحساب والجزاء، يقال: أكذبته: وجدتُه كاذبًا، وكذَّبته مشددًا: قلت له: كذبت.
...
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ .
[٨] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ بأفصل الفاصلين، فيفصل بينك وبين مكذبيك.
стр. 3772
قال قتادة: كان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية، قال: "بَلَى، وأنا على ذلك من الشاهدين" (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 3773
سورة العلق
مكية، وآيها: تسع عشرة آية، وحروفها: مئتان وتسعة وعشرون حرفًا، وكلمها: اثنتان وسبعون كلمة، وهي أول ما نزل من كتاب الله تعالى على الأصح، وعليه الأكثر، وتقدم التنبيه عليه في سورة المدثر، نزل صدرها وهو خمس آيات إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ في غار حراء، كذا ورد به الحديث الصحيح، والترتيب في أخبار النبي ﷺ يقتضي ذلك، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عن عائشة ﵂ قالت: "أولُ ما بُدئ رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحةُ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه التحنُّثُ في غار حراء، فكان يخلو فيه، فيتحنَّثُ فيه الليالي ذوات العدد، ثم ينصرف، حتى جاءه الملَكُ وهو في غار حراء، فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني، ثم كذلك ثلاث مرات، فقال في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، قالت: فرجعَ رسولُ الله ﷺ يرجُفُ فؤادُه" الحديث بطوله (١).
стр. 3774
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ .
[١] ومعنى الآية: ﴿اقْرَأْ﴾ هذا القرآن مفتتحًا ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ كما قال ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]، ودخلت الباء في بسم لتدل على الملازمة والتكرير، ولما ذكر الرب، وكانت العرب في الجاهلية تسمي الأصنام أربابًا، جاء بالصفة التي لا شركة للأصنام فيها، وهي قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾.
...
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ .
[٢] ثم مثل لهم من المخلوقات ما لا مدافعة فيه، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: جنس الإنسان (١) إدريسُ ﵇.
﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقة، وهي القطعة الصغيرة (٢) من الدم، وخلقةُ الإنسان من أعظم العبر، وليس المراد آدم ﵇؛ لأنه خُلق من طين.
...
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ .
[٣] ثم قال على جهة التأنيس: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ الذي لا يلحقه نقص، فليس هو كهذه الأرباب، فهو ينصرك ويظهرك.
...
стр. 3775
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ .
[٤] ثم عدد نعمة الكتابة بالقلم على الناس، وهي موضع عبرة، وأعظم منفعة، فقال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾ الخطَّ ﴿بِالْقَلَمِ﴾ وأولُ من خط بالقلم إدريس ﵇ (١).
...
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ .
[٥] ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ والمراد: الجنس؛ أي: علمهم ما لم يكونوا عالمين به من مصالحهم وصناعاتهم.
...
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾ .
[٦] ونزل بعد ذلك في شأن أبي جهل بن هشام، وذلك أنه لما طغى؛ لغناه ولكثرة ناديه من الناس، فناصبَ رسولَ الله ﷺ العداوةَ، ونهاه عن الصلاة في المسجد ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على أقوال أبي جهل وأفعاله (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أبا جهل (٣) ﴿لَيَطْغَى﴾ ليتجاوز حدَّه كِبْرًا.
...
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ .
[٧] ﴿أَنْ﴾ أي: لأن ﴿رَآهُ﴾ أي: رأى نفسه ﴿اسْتَغْنَى﴾ مفعول له؛ أي:
стр. 3776
يطغى لذلك. قراءة العامة: (رَآهُ) بالمد على وزن رَعَاهُ، وقرأ قنبل عن ابن كثير: (رَأَهُ) بالقصر على وزن رعه، لغة مشهورة بحذف الألف من يرى، لا لجازم، بل تخفيفًا، ولأن الفتحة تدل عليها (١)، والرؤية هنا بمعنى العلم لتعديها إلى مفعولين، الأول: الهاء، والثاني: (اسْتَغْنَى)، وتقدم اختلاف القراء في الفتح والإمالة في (رَآهُ) في سورة التكوير [الآية: ٢٣].
...
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ .
[٨] ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى حسابه وجزائه ﴿الرُّجْعَى﴾ أي: الرجوع.
...
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩)﴾ .
[٩] ونزل في أبي جهل ونهيِه النبيَّ ﷺ عن الصلاة، وقولِه: لو رأيتُ محمدًا ساجدًا، لوطئتُ عنقه، فجاءه، ثم نكص على عقبه، فقيل له: ما لَكَ؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا وأجنحة ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ (٢).
...
﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي، والدلالة على كمال عبودية المنهي.
стр. 3777
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١)﴾ .
[١١] ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ﴾ المصلي ﴿عَلَى الْهُدَى﴾.
...
﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾.
...
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾ .
[١٣] وجواب الشرط الأول محذوف؛ لدلالة جواب الشرط الثاني عليه في ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ الناهي عن الصلاة.
﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة التي بعد الراء، وعن ورش: إبدالها ألفًا، والكسائي: يسقطها أصلًا (١).
...
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ .
[١٤] وجواب الشرط الثاني: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ فعلَه، فيجازيه به. أمال رؤوس الآي من قوله (لَيَطْغَى) إلى قوله (يَرَى): ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، وفتحها الباقون (٢).
стр. 3778
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ للناهي، ثم توعَّده فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ الكافرُ عن تكذيب محمد ﷺ .
﴿لَنَسْفَعًا﴾ لنأخذَنْ بشدَّة وقهر ﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾ أي: ناصيته، وهي شعر مقدَّم الرأس، فيجر إلى جهنم ذليلًا، ورسمت (لَنَسْفَعًا) في المصحف بألف بعد النون.
...
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من ﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾، ثم وصفها بقوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ مجازًا، والمراد صاحبها. قرأ أبو جعفر: (خَاطِيَةٍ) بفتح الياء، والباقون: بالهمز.
...
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾ .
[١٧] ولما نهى أبو جهل النبيَّ ﷺ عن الصلاة، فانتهره النبيُّ ﷺ ، فقال: أتنهرني؟! فوالله لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خَيْلًا جُرْدًا، ورجالًا مُرْدًا، وإنك لتعلم أن ما بها نادٍ أكثر مني، نزل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (١) عشيرته، فلينتصر بهم.
стр. 3779
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ لإهلاكه، وهم زبانية جهنم؛ مأخوذ من الزَّبْن، وهو الدفع.
...
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على قول الكافر وأفعاله ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ لا تلتفتْ إلى نهيه وكلامه ﴿وَاسْجُدْ﴾ لربك ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: تقرَّبْ إلى الله بطاعته.
قال ﷺ : "أقربُ ما يكونُ العبدُ إلى ربه إذا سجدَ، فأكثروا من الدعاء في السجود" (١).
وهذا محل سجود عند الثلاثة؛ خلافًا لمالك، وهم على أصولهم بالقول بالوجوب والسنية، كما تقدم اختلافهم ملخصًا عند سجدة مريم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدْنا معَ رسول الله ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٢)، والله أعلم.
* * *
стр. 3780
سورة القدر
مدنية، وقيل: مكية، وآيها: خمس آيات، وحروفها: مئة وخمسة وعشرون (١) حرفًا، وكلمها: ثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾.
[١] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضميرُ للقرآن، ولم يتقدم ذكرُه؛ لدلالة المعنى عليه.
﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا جملةً، ثم نزل به نجومًا إلى الأرض على محمد ﷺ في عشرين، أو ثلاث وعشرين سنة، وسميت ليلة القدر؛ لأنها تُقَدَّر فيها آجالُ العباد وأرزاقُهم، ويأتي الكلام عليها بعد انتهاء التفسير.
...
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ .
[٢] ثم عجَّبَ الله تعالى نبيَّه ﷺ فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾
стр. 3781
لأنها ليلة تقدير الأحكام والأمور، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة؛ لقوله ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
...
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ .
[٣] روي أن رسول الله ذُكر له رجلٌ من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألفَ شهر، فعجب رسولُ الله ﷺ ، وتمنى ذلك لأمته، فقال: "يا ربِّ جعلْتَ أمتي أقصرَ الأممِ أعمارًا، وأقلَّ أعمالًا"، فأعطاه الله ليلة القدر (١)، فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: قيامُها والعبادةُ فيها.
﴿خَيْرٌ مِنْ﴾ عمل ﴿أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلةُ القدر، وهي ثماثون سنة، وثلاثة أعوام، وثلث عام (٢).
وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال حين عوتب في تسليمه الأمرَ لمعاوية: "إن الله تعالى أرى نبيَّه في المنام بني أمية ينزون على منبره نزوَ القردة، فاهتمَّ لذلك، فأعطاه الله ليلة القدر خير له ولذريته ولأهل بيته من ألف شهر" (٣)، وهي مدة ملك بني أمية، وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس هذا القدرَ من الزمان، ثم كُشِفَ الغيبُ أن كان من سنة الجماعة إلى قتل مروان الجعدي آخر ملوكهم هذا القدر من الزمان بعينه.
стр. 3782
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ .
[٤] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ هو جبريل ﵇ ﴿فِيهَا﴾ أي: في ليلة القدر. قرأ البزي (شَهْر تَّنَزَّلُ) بتشديد التاء حالة الوصل (١).
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره ﴿مِنْ كُلِّ﴾ أي: بكل ﴿أَمْرٍ﴾ من الخير والشر.
...
﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ .
[٥] ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ أي: سلام على أولياء الله وأهل طاعته، وسميت سلامًا؛ لكثرة السلام فيها؛ لأن الملائكة لا تمر بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلَّمت عليه، فـ (حَتَّى) متعلقة بـ (سَلاَمٌ)؛ أي: إن الملائكة تسلم من غروب الشمس.
﴿حَتَّى﴾ أي: إلى وقت ﴿مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: طلوعه. قرأ الكسائي، وخلف: (مَطْلِعِ) بكسر اللام، والباقون: بفتحها (٢)، وهما لغتان في مصدر طَلَع، والأزرق عن ورش على أصله في تفخيمها.
عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "من قامَ ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبِه" (٣).
стр. 3783
والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم القيامة، وقد أبهمها الله على الأمة؛ ليجتهدوا في الدعاء والعبادة لياليَ شهر رمضان؛ طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمَه الأعظم في الأسماء، وأخفى قيامَ الساعة (١)؛ ليجتهدوا في الطاعات؛ حذرًا من قيامها.
واختلف الأئمة فيها، فعند أبي حنيفة: هي في شهر رمضان تدور فيه، وعنه رواية تدور في كل السنة، وعند صاحبيه: هي منكَّرة؛ أي: غير معينة، ولكنها دائمة في شهر رمضان؛ أي: ثابتة لا تتقدم ولا تتأخر، وعند مالك: هي في شهر رمضان في العشر الأخير لتسع بقين، أو سبع أو خمس، وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين، أو الثالث والعشرين منه، وعند أحمد: هي في العشر الأخير منه، والوتر آكد، وأرجاه ليلة سبع وعشرين.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في "شرح البخاري" (٢) فيها خمسة وأربعين قولًا، ولخصها صاحب "الإنصاف" فيه: الأول: قد رفعت، والثاني: خاصة بسنة واحدة وقعت في زمنه عليه أفضل الصلاة والسلام، الثالث: خاصة بهذه الأمة، الرابع: ممكنة في جميع السنة، الخامس: تنتقل في جميع السنة، السادس: ليلة النصف من شعبان،
стр. 3784
السابع: مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، الثامن: أول ليلة منه، التاسع: النصف منه، العاشر: ليلة سبع عشرة، الحادي عشر: ثماني عشر، الثاني عشر: تسع عشر، الثالث عشر: حادي عشرين، الرابع عشر: ثاني عشرين، الخامس عشر: ثالث عشرين، السادس عشر: رابع عشرين، السابع عشر: خامس عشرين، الثامن عشر: سادس عشرين، التاسع عشر: سابع عشرين، العشرون: ثامن عشرين، الحادي والعشرون: تاسع عشرين، الثاني والعشرون: ليلة الثلاثين، الثالث والعشرون: أرجاها ليلة إحدى وعشرين، الرابع والعشرون: ثلاث وعشرين، الخامس والعشرون: سبع وعشرين، السادس والعشرون: تنتقل في جميع رمضان، السابع والعشرون: في النصف الأخير، الثامن والعشرون: في العشر الأخير كله، التاسع والعشرون: في أوتار العشر الأخير، الثلاثون: مثله بزيادة الليلة الأخيرة، الحادي والثلاثون: في السبع الأواخر، وهي الليالي السبع من آخر الشهر، الثاني والثلاثون: أو هي آخر سبع من الشهر، الثالث والثلاثون: منحصرة في السبع الأواخر منه، الرابع والثلاثون: في أشفاع العشر الأوسط والعشر الأخير، الخامس والثلاثون: مبهمة في العشر الأوسط، السادس والثلاثون: أول ليلة أو آخر ليلة، السابع والثلاثون: أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين أو آخر ليلة، الثامن والثلاثون: في سبع أو ثمان من أول النصف الثاني، التاسع والثلاثون: ليلة ست عشرة أو سبع عشرة (١)، الأربعون: ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة أو
стр. 3785
إحدى وعشرين، الحادي والأربعون: ليلة تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، الثاني والأربعون: ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين، الثالث والأربعون: ليلة اثنين وعشرين أو ثلاث وعشرين، الرابع والأربعون: ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، الخامس والأربعون: الثالثة من العشر الأخير أو الخامسة منه، والله أعلم (١).
* * *