← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾ . [٩٨] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالَّةِ على صدقِ محمدٍ. ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ فتجازَوْنَ به؟! ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ . [٩٩] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن دينِ الإسلام. ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بتغييركم صفةَ النبيِّ ﷺ ليرتابوا، وذكرِكُم وقائعَ الجاهلية ليقتتلوا. ﴿تَبْغُونَهَا﴾ تطلُبونها. ﴿عِوَجًا﴾ ميلًا عن الاستقامة. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ بما في التوراة من صدق محمدٍ ﷺ . ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ لهم. يسكتُ حمزةُ قبلَ الهمز إذا كانَ الساكنُ آخرَ كلمةٍ والهمزةُ أولَ كلمةٍ أخرى، نحو (مَنْ آمَنَ) و (قُلْ إِنَّني) وشبهِه حيثُ وقعَ، ويسهل بالنقل إذا وقفَ بخلافٍ عنه (١).

стр. 562

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. [١٠٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الذين يريدون كفركم. ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ نزلتْ في نفرٍ من الأوس والخزرج، وكانوا جلوسًا يتحدثون، فمر بهم شاسُ بنُ قيسٍ اليهوديُّ، فغاظَه تألُّفُهُم واجتماعُهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فأمر شابًّا من اليهود أن يجلسَ إليهم، ويذكِّرهم يومَ بعاث، وينشدَهم بعضَ ما قيلَ فيه من الأشعار، وكان يومًا اقتتلتْ فيه الأوسُ والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس، ففعلَ، فتنازعَ القومُ وتغاضبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ، فبلغَ النبيَّ ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معهُ من المهاجرينَ والأنصار، فقال: "أَتَدَّعُونَ الجاهِلِيَّةَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ إِذْ أَكْرَمَكُمُ اللهُ بِالإِسْلامِ وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الجاهِلِيَّةِ وَأَلَّفَ بَيْنَكُمْ؟! " فعلموا أنها نزغةٌ من الشيطان، وكيدٌ من عدوِّهم فألقَوا السلاحَ، واستغفروا، وعانقَ بعضُهم بعضًا، وانصرفوا مع رسولِ الله ﷺ ، فما كان (١) يومٌ أقبحَ أولًا وأحسنَ آخرًا من ذلكَ اليوم (٢).

стр. 563

فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد الثاني اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر

стр. 564

حُقُوق الطَّبع مَحفُوظَة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر الطَبعَة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م قامت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج والطباعة دارُ النَّوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨/ ١٤ هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 565

تَتِمَّة سُورة آل عِمْران ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ . [١٠١] ﴿وَكَيْفَ﴾ استفهامُ تعجيبٍ وتوبيخٍ. ﴿تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ القرآنُ. ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ محمدٌ ﷺ ؟! المعنى: ومن أينَ لكم الكفرُ والحالُ أنَّ القرآنَ والرسولَ حاضران لديكم؟! ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ يمتنعْ به ويلتجئ إليه. ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقٍ واضحٍ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ . [١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بأن يُطاع فلا يُعصى، نزلَتْ لما تفاخر الأنصارُ وأخذوا السلاحَ ليقتتلوا، فلما نزلتْ، شَقَّ ذلكَ عليهم، فقالوا: "يا رسولَ الله! ومن يقوى على هذا؟ "، فأنزل الله ﴿فَاتَّقُواْ

стр. 566

اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فنسخت هذه الآية، قال مقاتل: ليس في آل عمران منسوخ غيرها (١). قرأ الكسائيُّ: (تُقَاتِهِ) بالإمالة. ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: مؤمنون. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ . [١٠٣] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: تمسَّكوا بدينِه. ﴿جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ كما افترقت اليهود والنصارى. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (وَلا تّفَرَّقُوا) بتشديد التاء (٢). كان بين الأنصارِ الأوسِ والخزرج عداوةٌ بسبب قتلى، فتطاولتِ العداوةُ والحربُ بينهم مئةً وعشرين سنةً إلى أن أطفأَ الله ذلك (٣) بالإسلام، فبدَّل ذلك بالأُلفة والمحبة بسببِ اتّبَاعهم للنبيِّ ﷺ وانتقالِه إليهم، فنزلَ منةً عليهم:

стр. 567

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (١) أي: إنعامه عليكم أيُّها الأنصار. ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ قبلَ الإسلام. ﴿فَأَلَّفَ﴾ أي: جمعَ. ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بالإسلام. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ فصرتُم. ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ أي: برحمته. ﴿إِخْوَانًا﴾ جمعُ أخٍ في الدين والوِلاية. ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا﴾ طرفِ. ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ ما بينكم وبينَ وقوعِكم فيها إلا أن تموتوا كفارًا. ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ اللهُ. ﴿مِنْهَا﴾ بالإيمانِ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إرادةَ ثباتِكم على الهدى. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ . [١٠٤] ثم جاءَ بلامِ الأمرِ تأكيدًا فقالَ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أي: تكونوا أمة و (مِنْ) صِلَةٌ، ليسَ للتبعيضِ، و (الخيرُ): الإسلامُ. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

стр. 568

المخصوصون بكمال الفلاح، قال ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا، فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" (١). ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ . [١٠٥] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ همُ اليهودُ والنصارى. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ذُكِّر هُنا أرادَ الجمعَ. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وعيدٌ للذين تفرَّقوا، وتهديدٌ على التشبيه بهم. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾ . [١٠٦] ﴿يَوْمَ﴾ نصبٌ على الظرف؛ أي: في يومٍ. ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ أي: وجوهُ المؤمنين يومَ القيامةِ سرورًا ونورًا. ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أي: وجوهُ الكافرين خِزْيًا ودُحورًا. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فيقالُ لهم توبيخًا: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ يومَ أَخْذِ الميثاقِ حينَ قالَ لهم ربُّهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ باللهِ.

стр. 569

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ . [١٠٧] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُم﴾ وهم أهلُ الطاعة. ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: جنته. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دائمون. ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾ . [١٠٨] ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ بأنْ يأخذَ بغيرِ جُرْمٍ. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾ . [١٠٩] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فَيُجازي كُلًّا بعمله. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (تَرْجِعُ) بنصبِ التاء وكسر الجيم (١)، وقرأ أبو عمرٍو (يُرِيد ظُلْمًا) بإدغام الدال في الظاء (٢). ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ

стр. 570

مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ . [١١٠] ولما قال اليهودُ للمسلمين: نحن أفضلُ منكم، ودينُنا خيرٌ مما تدعوننا إليه، أنزل الله: ﴿كُنْتُمْ﴾ (١) أي: أنتم. ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ أُظْهِرَتْ (٢). ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: ما أخرجَ الله للناس أمةً خيرًا من أمة محمدٍ ﷺ . ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ﴾ الإيمان. ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ من كفرِهم. ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الكافرون. ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ . [١١١] روي أن رؤوس اليهود عمدوا إلى مَنْ آمن منهم عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِهِ، فآذَوْهُم، فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ (٣) أيها المؤمنون هؤلاءِ اليهودُ.

стр. 571

﴿إِلَّا أَذًى﴾ باللِّسانِ؛ كالسَّبِّ والوعيدِ. ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ مُنْهزمينَ. ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ بل تكونُ لكُمُ النُّصْرَةُ عليهِمْ. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ . [١١٢] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ حَيْثُما وُجِدوا. ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ﴾ أي: عهدٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بأَنْ يُسْلِموا. ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ من المؤمنينَ ببذلِ جزيةٍ أو أمانٍ، يعني: إلا أنْ (١) يعتصِموا بحبلٍ فيأْمَنوا. ﴿وَبَاءُوا﴾ (٢) رَجَعُوا ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ﴾ الكفرُ والقتلُ. ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ فإنَّ الإصرارَ على الصغائرِ يُفْضي إلى الكبائر، والاستمرار عليها يؤدِّي إلى الكفر. ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾.

стр. 572

[١١٣] ولما أسلمَ عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه، قال اليهود: ما آمنَ بمحمَّدٍ (١) إلا شِرارُنا، ولولا ذلك، ما تركوا دينَ آبائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ (٢) أي: ليسَ أهلُ الكتابِ مستوينَ، بل منهم مؤمنون، ومنهم فاسقون، ثم ابتدأ مستأنِفًا مبينًا لقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ مستقيمةٌ. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ساعاتِه. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يصلُّون؛ لأنَّ التلاوة لا تكونُ في السجودِ. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ . [١١٤] ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، وورشٌ: (يُومِنُونَ) و (يَامُرُونَ) بغير همز (٣). ﴿بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ والمعروف: ما عرفه العقلُ أو (٤) الشرعُ بالحُسْنِ، والمنكَرُ: ما أنكرَهُ أحدُهُما لقبحِهِ. ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ متى دُعوا إلى خير، أجابوا. قرأ الدوريُّ عن

стр. 573

الكسائيِّ (يُسَارِعُونَ) و (سَارِعُوا) و (نُسَارِعُ) بالإمالة حيثُما وقعَ (١). ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من صَلُحَتْ أحوالُهم عندَ الله. ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾ . [١١٥] ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (يَفْعَلُوا) (يُكْفَرُوهُ) بالغيب فيهما إخبارًا عن الأمةِ القائمةِ، والباقون: بالخطاب، لقولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وأبو عمرو يَرَى القراءتين (٢)، ومعنى الآية: فلن تَعْدَموا ثوابَهُ، بل يُشْكَرُ لكم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: المؤمنين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾ . [١١٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا تدفعُ أموالُهم بالفدية ولا أولادُهم بالنُّصْرَةِ.

стр. 574

﴿شَيْئًا﴾ من عذابِ اللهِ. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون منها، وجعلَهم أصحابَ النار؛ كصاحبِ الرجلِ لا يفارقُهُ. ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾ . [١١٧] ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي: الكفار. ﴿فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على عداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ . ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ بردٌ شديدٌ. ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ﴾ أي: زَرْعَ. ﴿قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفرِ. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ فلم ينتفعوا به، المعنى: نفقاتُهم هالكةٌ كالذي تُهلكه الريحُ. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلكَ. ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾.

стр. 575

[١١٨] قال ابنُ عباسٍ: "كانَ رجالٌ من المسلمينَ يواصلونَ اليهودَ؛ لما بينهم من القرابَةِ والصداقة"، وقال مجاهدٌ: كان قومٌ من المؤمنينَ يُصافونَ المنافقين، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة﴾ (١) أي: أولياءَ، وبطانةُ الرجلِ: خاصَّتُهُ، مأخوذٌ من بطانةِ الثوب. ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ من غيرِ مِلَّتِكم. ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ لا يُقَصِّرون في إفسادِ أمرِكُم. ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ يَوَدُّونَ ما يَشُقُّ عليكم. ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ﴾ أي: البغضُ، معناه: ظهرَتْ أَمارةُ العداوة. ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بالشَّتْمِ والوَقيعةِ في المسلمينَ. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ منَ البغضِ لكُمْ وعداوتكم. ﴿أَكْبَرُ﴾ أي: أعظمُ. ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما بُيِّنَ لكم. ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ . [١١٩] ثم أردفَ النهيَ بالتوبيخِ على مُصافاة الخادِعين، فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ تقدَّمَ اختلافُ القُرَّاءِ في هذا الحرفِ.

стр. 576

﴿أُولَاءِ﴾ المرادُ: أنتم أيها المؤمنونَ. ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: اليهودَ الذين نهيتكُم عن مُباطَنَتِهم لما بينَكم من القرابةِ والمصاهرةِ. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هم عداوةً لمخالفةِ الدين. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بجميع الكتب، وهم لا يؤمنون بكتابكم. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا﴾ فكان بعضُهم مع بعضٍ. ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ أطرافَ الأصابع. ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ لما يرون من ائتلافِكم، ويعبَّرُ عن شدةِ الغيظ بعضِّ الأنامل، وإن لم يكنْ ثَمَّ عَضٌّ، والغيظُ: هو أشدُّ الغَضَب، وهو الحرارةُ التي يجدُها الإنسان من ثَورَان (١) دمِ قلبِه. ﴿قُلْ مُوتُوا﴾ أي: ابْقَوا إلى المماتِ. ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ ولو أرادَ الحالَ، لماتوا من ساعَتِهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوبِ، فيجازيهم عليه. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ . [١٢٠] ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ أي: تصبْكم أيُّها المؤمنون.

стр. 577

﴿حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وغَنيمةٌ وما يحسُنُ به (١) حالُكم. ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تحزنهم. ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ﴾ الإصابةُ بمعنى الَمسِّ. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ جَدْبٌ وهزيمةٌ. ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾ تلخيصُ الآيات: اجتنبوا مُصافاةَ مَنْ هو بهذِه الصِّفاتِ. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على عَداوتهم ومَشَاقِّ الدِّينِ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله في محارمِه. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: بكسرِ الضادِ خفيفةً من ضارَهُ يَضيرُه، وقرأ الباقون: بضمِّ الضادِ ورفعِ الراء وتشديدها، من ضرَّهُ يَضُرُّهُ (٢). المعنى: فليسَ يضرُّكُمْ. ﴿كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازيهم، وهذه بشارةٌ بالنصرِ مع الصبرِ والتقوى.

стр. 578

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ . [١٢١] ولما نزلَ المشركونَ بأُحُدٍ يومَ الأربعاء ليأخُذوا بثأرهم في يومِ بَدْرٍ، وكانوا ثلاثةَ آلافِ رجلٍ، وسمعَ رسولُ الله ﷺ بنزولهم، استشارَ أصحابه في الخروج إلى قتالهم، فأشارَ بعضُ الصحابةِ بالخروجِ، وأشارَ بعضهم بترك الخروج، وكان المشركون قد أقاموا بأُحُدٍ يومَ الأربعاءِ والخميسِ، وصلَّى رسولُ الله ﷺ الجمعةَ بأصحابه، وقد ماتَ في ذلك اليوم رجلٌ من الأنصار، فصلَّى عليه ﷺ ، ثم خرجَ إليهم في ألفِ رجلٍ، أو تسعِ مئةٍ وخمسينَ، ونزل بالشِّعْبِ من أُحد يومَ السبت لنصفِ شوالٍ سنةَ ثلاثٍ من الهجرة، وجعلَ يقوِّم أصحابَه، إنْ رأى صَدْرًا خارجًا قالَ: "تَأَخَّرْ"، أو متأَخِّرًا قال: "تَقَدَّمْ"، وكان نزولُه في عُدْوَة الوادي، وجعلَ ظهرَ عسكرِهِ إلى أُحد، وأَمَّرَ على الرُّماةِ عبدَ اللهِ بنَ جُبيرٍ، وقال: "انْضَحُوهُمْ عَنَّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونَنَا مِنْ وَرَائِنَا"، فنزل قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ (١) أي: واذكرْ إذْ غدوتَ. ﴿مِنْ﴾ بينِ. ﴿أَهْلِكَ﴾ من المدينةِ. ﴿تُبَوِّئُ﴾ أي: تُنَزِّلُ. ﴿الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ﴾ مواطنَ يقفونَ فيها.

стр. 579

﴿لِلْقِتَالِ﴾ يقالُ: بَوَّأْتُ القومَ: إذا وَطَّنْتُهم. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ما تقولُ ويُقال لكَ، وقتَ المشاورة وغيره. ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ . [١٢٢] ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ هما بنو سَلِمَةَ من الخزرج، وبنو حارثةَ من الأَوْسِ، وكانا جَناحَي العسكرِ. ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ أَنْ تَجْبُنا وتَضْعُفا؛ فإنَّ عبدَ اللهِ بنَ أُبي ابنِ سَلُولَ المنافقَ انخزلَ (١) بثلثِ الناسِ، فهمَّتِ الطائفتانِ بالرجوعِ معه، فَثَبَّتَهما الله تعالى. ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ناصرُهما ومتولِّي أمرِهما. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمرٌ في ضمنِه التغبيطُ (٢) للمؤمنين بمثلِ ما فعلَه بنو حارثة وبنو سلمةَ من المسيرِ مع رسولِ الله ﷺ . ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ . [١٢٣] ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ هو موضعٌ بينَ مكَّةَ والمدينةِ، ونزلتِ الآيةُ تذكيرًا لهم بنعمةِ اللهِ عليهم بالنصرة (٣) في يوم بَدْرٍ، وكانت يومَ الجمعة سابعَ عشرَ رمضانَ لثمانيةَ عشرَ شَهْرًا من الهجرة.

стр. 580

﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: قليلٌ، وليس المرادُ الذلَّ والهوانَ؛ لأنهم كانوا ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا، وكان عدوُّهم ما بينَ التسعِ مئةٍ إلى الألف، فنصرهم الله مع قلَّةِ عددِهم. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أمرَهم بالتقوى، ورجَّاهُم في الإنعامِ الذي يوجبُ الشكرَ. ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾ . [١٢٤] ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ أي: اذكرْ إذ تقولُ. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ببدرٍ. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ الإمدادُ: إعانةُ الجيشِ بالجيشِ. ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (مُنَزَّلينَ) بالتشديدِ على التكثيرِ؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقرأ الباقون: بالتخفيف؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (١) [التوبة: ٢٦]

стр. 581

وأبو عمرٍو، وهشامٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخَلَفٌ يُدْغِمون الذالَ في التاء مِنْ (إِذ تقولُ)، والباقونَ يُظهرونَها (١). قال ابنُ عباسٍ: "لَمْ يُقاتلِ (٢) الملائكةُ في المعركةِ إلَّا يومَ بدرٍ، وفيما سواهُ يَشْهدونَ القتالَ ولا يُقاتلون، إنما يكونونَ عددًا ومَدَدًا" (٣) وبُشِّروا بالملائكةِ قبلَ نزولِهم تَسْكينًا لجأشِهم (٤)، ثم قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ . [١٢٥] ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا﴾ للمشركين. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مخالفةَ نَبِيِّكُم. ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ المشركونَ. ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ أي: من ساعَتِهم هذهِ. ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ لم يزدْ خمسةَ آلافٍ غيرَ الثلاثةِ المذكورةِ، بل مَعَها. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وعاصمٌ، ويعقوبُ: بكسر الواو؛ أي: مُعَلِّمينَ، من العلامةِ؛ أي: سَوَّموا خيلَهم،

стр. 582

وقرأ الباقون: بفتح الواو (١)؛ أي: سَوَّمُوا أنفسَهُمْ، قال ﷺ لأصحابِه يومَ بدر: "تسَوَّمُوا (٢)؛ فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ قَدْ تسَوَّمَتْ بِالصُّوفِ (٣) الأَبْيَضِ فِي قَلاَنِسِهِمْ ومَغَافِرِهِمْ"، ونزلتِ الملائكةُ على خيلٍ بُلْقٍ، عليهِمْ عَمائِمُ بِيضٌ قد أرسلوها بينَ أكتافِهم، إلَّا جِبريلَ؛ فإنه كانَ بِعِمامةٍ صفراءَ على مثالِ عِمامةِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ (٤). ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ . [١٢٦] ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: الوعدَ والمددَ. ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ أي: بشارةً. ﴿لَكُمْ﴾ لتستبشِروا بها. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ لتسكُنَ بالمدَدِ، فلا تجزعَ من كثرةِ عدوِّكُم وقلَّةِ عددِكم.

стр. 583

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فاستعينوا بهِ، وتوكَّلوا عليه؛ لأن العزَّ (١) والحكمَ له. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ . [١٢٧] ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي: يُهْلِكَ جماعةً. ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقُتِلَ منهم يومَ بدر سبعون، وأُسِرَ سبعونَ. ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أصلُ الكَبْتِ: الإذلالُ والصرفُ عن الشيءِ. المعنى: يُذِلَّهم ويَهْزِمَهم. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ لم يظفروا بمرادِهم. وعن أنس: أنَّ رسولَ الله ﷺ كُسِرَتْ رُباعِيَتُهُ يومَ أُحدٍ، وشُجَّ في رأسِه، فجعلَ يَسْلُتُ الدمَ عنهُ ويقولُ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبيَّهُمْ، وكَسَرُوا رُبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ"، فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢). ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ . [١٢٨] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فيسلموا.

стр. 584

﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ إن لم يُسْلِموا معطوفان على: ﴿لِيَقْطَعَ﴾ أي: ليقطعَ أو يكبتَ أو يتوبَ أو يعذِّبَ. ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فيكونُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراضًا بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه. المعنى: ليسَ بيدِكَ من التوبةِ والعقوبةِ شيءٌ، إنْ عليكَ إلا البلاغُ، وإنَّما ذلكَ بيدِ الله. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ . [١٢٩] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بعباده (١)، فلا تبادروا إلى الدعاءِ عليهم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ . [١٣٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ إشارةٌ إلى تكرارِ التضعيفِ عامًا بعدَ عام. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (مُضَعَّفَةً) بالتشديد مع حذفِ الألفِ في جميع القرآن، وقرأ الباقون: بالإثبات والتخفيف (٢)، والمراد به (٣): ما كانوا يفعلونَه عندَ حُلولِ

стр. 585

أَجَلِ الدَّينِ من زيادةِ المالِ وتأخيرِ الطلب، وتقدَّمَ ذكرُ الرِّبا وأحكامِه في سورة البقرة، ﴿أَضْعَافًا﴾ نصبٌ في موضعِ الحالِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمرِ الرِّبا فلا تأكلوهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ . [١٣١] ثم خَوَّفهم فقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال أبو حنيفةَ: هذه أخوفُ آيةٍ في القرآنِ، حيثُ تَوَعَّدَ المؤمنينَ إنْ لم يَتَّقوا بعقابِ الكافرينَ. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ . [١٣٢] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لكي تُرْحَموا، فقرَنَ تعالى طاعةَ رسوله بطاعتِه، واسمَه باسمِه بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التغابن:٨]، فجمعَ بينهما بواو العطف المُشَرِّكَةِ، ولا يجوزُ جمعُ هذا الكلامِ في غيرِ حقِّهِ ﷺ ، قال ﵇: "لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلاَنٌ، وَلَكِنْ: ما شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلانٌ" (١) فأرشدَهم ﷺ إلى الأدبِ في تقديمِ مشيئةِ اللهِ تعالى على مشيئةِ مَنْ سواه، واختارَها بـ (ثُمَّ) التي هي للنسقِ والتراخي، بخلافِ الواو التي هي للاشتراكِ، ومثلهُ الحديثُ الآخَرُ: أَنَّ خَطيبًا خطبَ عندَ النبيِّ ﷺ

стр. 586

[فقال: مَنْ يطعِ اللهَ ورسولَه فقدْ رشدَ، ومَنْ يعصِهما فقد غَوى، فقال له النبيُّ ﷺ :] (١) "بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ، قُمْ، أَوْ قالَ: اذْهَبْ" (٢) كره منهُ الجمعَ بين الاسمين بحرفِ الكناية؛ لما فيه من التسويةِ، فالواوُ العاطفة لمطلَقِ الجمعِ بالاتفاق، والفاءُ العاطفةُ للترتيب والتعقيب، وثمَّ للتشريكِ وللترتيبِ بمُهْلَةٍ بالاتفاق. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ . [١٣٣] ﴿وَسَارِعُوا﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (سَارِعُوا) بلا واوٍ (٣)، أي: بادروا. ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: إلى الأعمال التي تُوجِبُ المغفرةَ. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ أي: سَعَتُها. ﴿السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وخُصَّ العرضُ بالذِّكر؛ لأنه يكونُ غالبًا أقلَّ من الطول. المعنى: بادِروا إلى ما يوُجبُ لكمُ المغفرةَ ودخولَ جَنَّةٍ في غايةِ السَّعَةِ. ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ بُقِّيَتْ لهم.

стр. 587

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ . [١٣٤] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ اليسرِ والعسرِ، فأولُ ما ذَكَر من أخلاقِهم الموجبةِ للجنةِ ذكرَ السَّخاوَةَ، قال ﷺ : "السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ، قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بعيدٌ مِنَ اللهِ، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ عَالِمٍ بَخِيلٍ" (١). ﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾ الحابسينَ. ﴿الْغَيْظَ﴾ عندَ امتلاءِ نفوسِهم بهِ. ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ الَّذين يَظْلمونَهم. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ . [١٣٥] ونزلَ فيمَنْ أذنبَ ذنبًا وطلبَ التوبةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ يعني قبيحةً خارجةً عَمَّا أَذِنَ اللهُ فيه.

стр. 588

﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بما دونَ الزِّنا؛ كالقُبلةِ واللَّمسِ والنَّظَرِ. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أي: ذكروا وَعيدَه. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ أي: وما يغفرُ الذنوبَ. ﴿إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ أي: يُقيموا. ﴿عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ ولكن تابوا وأَنابوا. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّها معصيةٌ، وأنَّ اللهَ يغفرُ الذنوب (١). ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ . [١٣٦] ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، خبرُه (٢): ﴿جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ أي: ونعمَ ثوابُ المطيعينَ ما أُعِدَّ لهم. قال ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيُحْسِنُ الطّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ" (٣)، قال ثابتٌ البُنانِيُّ: لما نزلَتْ هذهِ الآيةُ، بَكى إبليسُ (٤).

стр. 589

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ . [١٣٧] ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: مضَتْ شرائعُ وطرائقُ، وسنَّةُ الإنسانِ: الشيءُ الذي يعملُه، والخطابُ للمؤمنين. والمعنى: قد مَضَتْ وسَلَفَتْ مني فيمَنْ قبلَكُم من الأممِ الماضيةِ الكافرةِ بإمهالي واستِدْراجي إيَّاهم حَتَّى يبلُغَ الكتابُ فيهِ أَجَلي الذي أَجَّلْتُه لإهلاكي إياهم. ﴿فَسِيرُوا﴾ تقديرُه: إن شَكَكْتُم، فَسيروا. ﴿فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ أي: آخِرُ أَمْرِ ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ منهم، وهذا في حربِ أهلِ أُحد، يقول: فإنما أُمهلهم فأَستدرِجُهم حتى يبلغَ أجلي الذي أَجَّلْت في نُصْرَةِ النبيِّ وأوليائِه، وإهلاكِ أعدائِه. ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ . [١٣٨] ﴿هَذَا﴾ أي: القرآنُ. ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ عامَّةً. ﴿وَهُدًى﴾ من الضَّلالةِ. ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ خاصَّةً. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ . [١٣٩] ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ لا تَضْعُفوا عن قتالِ عدوِّكم.

стр. 590

﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما أصابَكُمْ من قَتْلٍ وجَرْحٍ بأُحد، وكان قد قُتل يومئذٍ من المهاجرين خمسةٌ، منهم: حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلِب، ومُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، وسبعونَ رجلًا من الأنصار ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ شأنًا في الآخِرَةِ بدخولِ الجنة، وفي الدنيا بأن تكونَ الغَلَبَةُ لكم. ﴿إِنْ﴾ يعني: إذ. ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لأنكم مؤمنون. ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾ . [١٤٠] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ أي: جُرْحٌ يومَ أحدٍ. ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ﴾ أي: الكافرين ببدرٍ. ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ فقتلَ المسلمون من المشركينَ ببدرٍ سبعين، وأَسَروا سبعين، وقتلَ المشركونَ من المسلمينَ بأُحد خمسًا وسبعين، وجرحوا سبعين. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفٌ: (قُرْحٌ) بضمِّ القاف حيثُ وقعَ، والباقون: بالفتح، وهما لغتان معناهما واحد (١).

стр. 591

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾ أي: نجعلُها دُوَلةً. ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ المؤمنينَ والكافرين، فمرةً لهم، ومرةً عليهم. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ علمًا يتعلَّقُ به الجزاء، وهو أن يظهرَ منهم الفعلُ، فيجازَوْنَ عليه. ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ بأن يُكْرِمَهم بالشهادةِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يُضمرونَ خِلافَ ما يُظهرون. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ . [١٤١] ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ التمحيصُ: تخليصُ الشيء من عَيْبٍ فيه، المعنى: يُطَهِّر المؤمنين من الذنوب. ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ يُفنيهم، المعنى: إن قتلوكُم، فهو تطهيرٌ لكم، وإن قتلتموهم، فهو مَحْقُهُم واستئصالُهم. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ . [١٤٢] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (أَمْ) هي بمعنى الإضراب عن الكلامِ الأولِ والتركِ له، وفيها لازمُ معنى الاستفهام، و (حَسِبْتُمْ) معناه:

стр. 592

ظننتم، وهذه الآيةُ وما بعدها تقريعٌ وعَتْبٌ لطوائفِ المؤمنينَ الذين وقعتْ منهم الهَنَواتُ (١) في يومِ أحدٍ. ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ أي: ولم يعلم. ﴿اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ والقراءةُ بكسر الميم في قولي: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ لالتقاء الساكنين. ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ في الشدائدِ، ونصبُ (يَعْلَمَ) بإضمارِ أَنْ، و (الواو) بمعنى الجمع؛ كقولكَ: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللَّبنَ. ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ . [١٤٣] ثم خاطب الله المؤمنين بقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ أي: الشهادة؛ لما علمتُم من فضلِ الشهداءِ ببدر. قرأ البزيُّ بخلافٍ عنه: (كُنْتم تَّمَنَّوْنَ) بتشديد التاءِ بعد الميم حالةَ الوصلِ (٢). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ وذلكَ أن قومًا من المسلمين تمنوا يومًا كيومِ بدرٍ ليقاتِلوا ويُسْتشهدوا، فأراهُم اللهُ يومَ أحدٍ. ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: رأيتُمْ سبَبَهُ. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ عِيانًا أسبابَهُ.

стр. 593

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ . [١٤٤] رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ خرجَ إلى الشِّعْبِ من أُحد بسبعِ مئةِ رجلٍ، وجعلَ عبدَ اللهِ بنَ خَوَّاتٍ على الرجَّالة، وقال: "أَقِيمُوا بِأَصْلِ الْجَبَلِ، وَانْضَحُوا عَنَّا بِالنَّبْلِ، لا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، وَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ حَتَّى أُرْسِلَ إِليْكُمْ، فَلاَ نَزَالُ غَالِبينَ مَا ثَبَتُّمْ مَكَانَكُمُ"، فجاء المشركون على مَيْمَنَتِهم خالدُ بنُ الوليد، وعِكْرمَةُ بنُ أَبي جَهْل على مَيْسَرَتِهم، فقاتلوا حتى حَمِيَتِ الحربُ، فأخذَ رسولُ الله ﷺ سيفًا وقالَ: "مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ "، فَأَخَذَهُ أبو دُجانةَ، فأعلمَ بعمامةٍ حمراءَ، فجعل يتبخْتَرُ بينَ الصَّفَّينِ، فقالَ رسولُ الله: ﷺ "إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ"، ففلقَ به هامَ المشركين، فحمل ﷺ هو وأصحابهُ على المشركين، فهزمهم، فتركَ الرماةُ مركزَهم، وجاؤوا إلى المسلمينَ لأجلِ الغنيمةِ، فلما رأى خالدٌ ظهورَ المسلمين منكشفةً، صاحَ في خيلهِ، وحمل على المسلمينَ، فهزمَهم، ورمى عبدُ اللهِ بنُ قَمِيئَةَ الحارثيُّ النبيَّ ﷺ بحجرٍ، فكسرَ أنفَهُ ورَباعِيَتَهُ، وشَجَّهُ فأثقلَهُ، وتفرَّقَ عنه أصحابُه، وحملَ ابنُ قميئةَ ليقتلَ النبيَّ ﷺ ، فذبَّ عنه مصعبُ بنُ عُمير صاحبُ الرايةِ يومئذ، فقتلهَ ابنُ قميئةَ وهو يُرى أنه قتلَ النبيَّ ﷺ ، وصرخَ صارخ: ألا إنَّ محمدًا قد قُتل، قالوا: كانَ إبليسَ، وانكشفَ المسلمونَ، وأصابَ فيهم العدوُّ، وكان يومَ بلاءٍ على المسلمين، ومَثَّلت هند بنتُ عُتبةَ وصواحبُها بالقتلى من الصحابة، فَجَدَعْنَ الآذانَ والأُنوف، وبقرَتْ هندٌ عن كبدِ حمزةَ عمِّ النبي ﷺ ، ولاكَتْها، وصَعِدَ

стр. 594

زوجُها أبو سفيانَ الجبلَ، وصرخَ بأعلى صوته: الحربُ سِجالٌ، يومٌ بيومِ بدرٍ، اعْلُ هُبَل؛ أي: أظهرْ دينَكَ، فأجابَه المسلمون: الله أعلى وأجَلُّ، قال: إنَّ لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فأجابه المسلمون: اللهُ مولانا ولا مولى لكم، ثم نادى: إن موعدَكُم بدرٌ العامَ القابلَ، فقال النبي ﷺ لواحدٍ: "قُلْ هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"، ثم التمسَ رسولُ الله ﷺ عمَّه حمزةَ، فوجده وقد بُقِر بطنهُ، وجُدِعَ أنفُه وأذناه، فقال: "لَئِنْ أَظْهَرَنِي اللهُ عَلَيْهِمْ، لأُمَثِّلَنَّ بِثَلاَثِينَ مِنْهُمْ". ثم أمرَ رسولُ الله ﷺ فَسُجِّيَ حمزةُ ببردةٍ، ثم صلَّى عليه، فكبَّرَ سبعَ تكبيرات، ثم أُتي بالقَتْلى يوضَعون إلى حمزةَ، فصلَّى عليه وعليهم ثنتين وسبعينَ صلاةً، وهذا دليل لأبي حنيفةَ؛ فإنه يرى الصلاةَ على الشهيدِ خلافًا للشافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ، ثم أمرَ بحمزةَ فدُفن، واحتُمل ناسٌ من المسلمين إلى المدينة، فدفنوا بها، ثم نهاهم رسولُ الله ﷺ وقال: "ادْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا"، وأصيبتْ عينُ قَتادَةَ، فردَّها رسولُ الله ﷺ بيدِه، فكانتْ أحسنَ عينيه. ولما صرخَ الصارخُ بقتلِ النبيِّ ﷺ ، قال بعضُ المسلمين: ليتَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ يأخذُ لنا أمانًا من أبي سفيانَ، وقال ناس من المنافقين: لو كانَ نبيًّا لما قُتل، ارجعوا إلى إخوانِكم وإلى دينِكم، فقال أنسُ بنُ النَّضْرِ عمُّ أَنَسِ بنِ مالك: "يا قوم! إن كانَ (١) محمدٌ قُتل، فإن ربَّ محمدٍ حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعدَ رسولِ الله؟ فقاتِلوا على ما قاتلَ عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهمَّ إني أعتذرُ إليك مما يقولُ هؤلاء، وأبرأُ إليك مما جاؤوا به"، ثم شدَّ سيفه فقاتل حتى قُتل ﵁.

стр. 595

وعن بعضِ المهاجرين أنه مرَّ بأنصاريٍّ يتشحَّطُ (١) بدمِه، فقال: يا فلانُ! شعرتَ أن محمدًا قَدْ قُتل؟ فقال: إن كان محمدٌ قُتل فقد بَلَّغَ، قاتلوا على دينِكم. ولما انهزم أصحابهُ جعلَ ﷺ يدعوهم "إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ (٢) " حَتَّى انحازت إليه طائفةٌ من أصحابه، فلامهم على هَرَبهم، فقالوا: يا رسول الله! فديناكَ بآبائِنا وأمهاتنا، أتانا خبرُ قتلِك، فَرُعبت قلوبُنا، فولَّينا مدبرين، فنزلَ توبيخًا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ (٣) معناهُ: المستغرقُ لجميعِ المحامدِ، وهو الذي كثر حمدُ الحامدين له مرةً بعد أخرى، ويقال (٤) حُمِدَ فهو محمَّدٌ، فتسميته ﷺ بهذا الاسم لما اشتملَ عليه من مُسَمَّاه، وهو الحمدُ، فإنه ﷺ محمود عند اللهِ، وعندَ ملائكته، وعندَ إخوانِه من المرسلين، وعندَ أهل الأرض كلِّهم، وإن كفر به بعضُهم، فإنَّ ما فيه من صفاتِ الكمال محمودٌ عند كلِّ عاقل، ومحمدٌ هو المحمودُ حمدًا متكررًا كما تقدم، وأحمدُ هو الذي حمدُهُ لربه أفضلُ من حمد الحامدين غيرِه، وهو الذي يحمدُه أهل الدنيا وأهلُ الآخرة، وأهلُ السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوتُ عددَ العادِّين سُمِّيَ (٥) باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيلَ والزيادةَ في القدر والصفة، فدلَّ أحدُ الاسمين وهو محمدٌ على كونِه

стр. 596

محمودًا، ودل الاسمُ الثاني وهو أحمدُ على كونه أحمدُ الحامدين لربِّه، وأن الحمدَ الذي يستحقه أفضلُ مما يستحقه غيره، وقد أكرمه الله سبحانه بهذين الاسمين المشتقين من اسمه جل وعلا، وفيه يقول حسانُ بنُ ثابتٍ ﵁: ألمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ عَبْدَهُ ... بِبُرْهَانِهِ واللهُ أَعْلَى وَأَمْجَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وأما نسبُه الشريفُ، فهو محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ فِهْرِ بنِ مالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إِلْيَاسَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدْنانَ بنِ آد بنِ أددِ بنِ اليسَعِ بنِ الهَمَيْسَعِ بنِ سَلامانَ بنِ نَبْتِ بنِ حملِ بنِ قَيْدار بنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ ﵉ بنِ تارح وهو آزرُ بنِ ناحور بنِ ساروع بنِ رعون بنِ فالغ بنِ عابرِ بنِ شالحِ بن قَيْنانَ بنِ أرفَخْشَد بنِ سامِ بنِ نوحٍ ﵉ بنِ لامخ ويقال لامك بنِ متوشلح بنِ حنوخ وهو إدريسُ ﵇ بن يارد بنِ مهلائيل بنِ قينان بنِ أنوش بنِ شيثِ بنِ آدم ﵇. ﴿إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت. ﴿مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ لأن الرسول يموت كما مات الرسل قبله. ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ أي: رجعتم. ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ كافرين؟! إنكارٌ لارتدادهم وانقلابِهم على أعقابهم عن الدين؛ لخلوه بموتٍ أو قتلٍ بعد علمِهم بخلوِّ الرسلِ قبلَه وبقاءِ دينهم

стр. 597

متمسَّكًا به. المعنى: إن محمدًا مضى قبلَه رسلٌ، وبقي أتباعُهم متمسِّكين بدينهم لم يرتدُّوا بعدَهم، وإن محمدًا يمضي، فتمسَّكوا بدينه بعده ولا ترتدُّوا. ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فيرتدَّ عن دينه. ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بارتدادِه، وإنما يضرُّ نفسَه. ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ على نعمةِ الإسلام بالثَّبات عليه؛ كأنسٍ ونحوه. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ . [١٤٥] ثم شجَّعهم وأعلمهم أن لا موتَ إلا بمشيئتِه، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بقضائه ﴿كِتَابًا﴾ أي: كِتبَ اللهُ الموتَ كتابًا. ﴿مُؤَجَّلًا﴾ معلومًا، لا يتقدم ولا يتأخر ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ﴾ بطاعته. ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: جزاءَ عملِه من الدنيا. ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما قُسم له، نزلتْ في الذين تركوا المركزَ يوَم أُحد طلبًا للغنيمة. ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ بطاعتِه.

стр. 598

﴿ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ جزاءَ عملِه. قيل: أرادَ الذين ثبتوا مع أميرِهم عبدِ اللهِ بنِ جُبير حتى قُتلوا. ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ المطيعين. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (يُرِدْ ثَوَابَ) بإظهار الدال عندَ الثاء فيهما، والباقونَ: بالإدغام (١). قال ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرَىٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (٢). ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ . [١٤٦] ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: بألفٍ ممدودةٍ (٣) بعدَ الكاف، وبعدها همزةٌ مكسورةٌ، وأبو جعفرٍ يُسَهِّلُ الهمزةَ، والباقون: بهمزةٍ مفتوحةٍ بعدَ الكاف، وبعدها ياءٌ مكسورة مشدَّدة، ووقف أبو عمروٍ، ويعقوبُ (وَكَأَيْ) بغيرِ نونٍ حيثُ وقعَ، وَوقف الباقُونَ (وَكَأَيِّنْ)، وهي كافُ

стр. 599

التشبيه ضُمَّتْ إلى أيِّ الاستفهام (١)، فصار المعنى: وكَمْ. ﴿مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ أي: جموعٌ. ﴿كَثِيرٌ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (قُتِلَ) بضمِّ القاف وكسر التاء؛ أي: قُتل الربيون دون النبيِّ، قال الحسنُ وغيره: ما قُتِلَ نبيٌّ قَطُّ في قتالٍ، وقرأ الباقون: (قَاتَلَ) بفتحِ القافِ والتاءِ وألفٍ بينهما؛ أي: قاتلَ كائِنًا معه ربِّيون (٢). ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ أي: جَبُنوا. ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ عن الجهادِ. ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ خَضَعوا لعدوِّهم. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ ومحبةُ اللهِ لهم ما يظهرُ عليهم من نصرهِ وتنعيمِه.

стр. 600

﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ . [١٤٧] ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ بنصبِ اللامِ خبرُ (كان)، واسمُها: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: الصغائرَ. ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ أي: الكبائرَ. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ كيلا تزول ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ . [١٤٨] ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ النصرةَ والغنيمةَ. ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ الأَجْرَ والجنةَ. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وخُصَّ ثوابُ الآخرةِ بالحسنِ إشعارًا بفضلِه، وأنه المعتدُّ بهِ عندَه. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ . [١٤٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقين في قولهم عندَ الهزيمةِ: ارجِعُوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينِهم.
следующие страницы →