يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ .
[١٥٤] ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ يا معشرَ المسلمينَ.
﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾ أي: أَمْنًا ﴿نُعَاسًا يَغْشَى﴾ أي: النعاسُ.
﴿طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ وهم المؤمنون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (تُغَشِّي) بالتاء رَدًّا إلى الـ (أَمَنَةِ)، والباقون: بالياء ردًّا إلى (النعاس) (١).
قال ابن عباسٍ: "أَمَّنَهُمْ يومئذٍ بنعاسٍ يغشاهُمِ، إِنَّما ينعسُ مَنْ يأمنُ" (٢) والخائفُ لا ينامُ، فأرادَ الله تمييزَ المؤمنين من المنافقين، فأوقعَ النعاسَ على المؤمنينَ حتى أَمِنوا، ولم يوقعْ على المنافقين، فَبَقُوا في الخوف.
﴿وَطَائِفَةٌ﴾ مبتدأٌ، خبرُه:
﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ وهم المنافقون، لم يكن لهم هَمٌّ بأُحُدٍ سوى أنفسِهم دونَ النبيِّ ﷺ وأصحابِه.
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ﴾ الظَّنِّ.
стр. 606
﴿الْحَقِّ ظَنَّ﴾ أي: ظنًّا مثلَ ظَنِّ ﴿الْجَاهِلِيَّةِ﴾ والذي ظنوه أن محمدًا قُتل، أو أن اللهَ لا ينصرُه.
﴿يَقُولُونَ﴾ للنبيِّ ﷺ .
﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: من أمرِ النصرةِ.
﴿مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ: (كُلُّهُ) برفع اللام على الابتداءُ وخبرُه في (لله)، والباقون: بالنصب على البدل (١).
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ وذلك أن المنافقين قالوا بينهم مسارِّين: لو كان لنا عقولٌ وتُرِكْنا، ما خرجْنا مع محمدٍ، ولا قُتل رؤساؤنا، فقال تعالى لنبيه ﷺ تكذيبًا لهم:
﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ مصارِعِهم. المعنى: لو قعدتُم في بيوتكم، وفيكُم من علمَ الله أنه يُقتل، لخرجَ الشخصُ المعلوم إلى مصرعِه فَقُتل؛ لأن معلومَ الله كائنٌ حتمًا.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾ أي: ليختبرَ.
﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ﴾ يُخْرِجَ ويُظْهِرَ.
﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب من خيرٍ وشرٍّ، وقد اجتمع حروف المعجم كلها التسعةُ والعشرون في هذه الآية من
стр. 607
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ وكذا في سورة الفتح في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورةَ، وليس في القرآنِ آيتان كلُّ آية حَوَتْ حروفَ المعجم غيرُهما، مَنْ دعا الله بهما، استُجيبَ له.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ .
[١٥٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ يا معشرَ المسلمين؛ أي: انهزموا.
﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ جمعُ المسلمين وجمعُ المشركين يومَ أُحد، وكأَنَّ قد انهزم أكثرُ المسلمين، ولم يبقَ مع النبي ﷺ إلا ثلاثةَ عشرَ رجلًا ستةٌ من المهاجرين، وهم أبو بكر، وعمرُ، وعليٌّ، وطلحةُ، وعبدُ الرحمن بنُ عوفٍ، وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ.
﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ طلبَ زلَّتَهم بأن سَوَّلَ لهم تركَ المركز، ومخالفةَ النبيِّ ﷺ .
﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ بسبب بعضِ ذنوبٍ كانت منهم، ثم بعدَ توبيخهم لطفَ بهم وطَيَّبَ قلوبَهم فقال:
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يعجلُ على العُصاة؛ لأنه لا يخافُ الفوتَ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ
стр. 608
حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾ .
[١٥٦] ثم حَذَّرَهم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقينَ عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ وأصحابَهُ.
﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ في الاعتقادِ.
﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ سافروا.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لتجارةٍ أو غيرِها.
﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ أي: غزاةً جمع غازٍ.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ أي: لا تتشبهوا بالكافرين بالنطق واعتقاد القول.
﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ القولَ والظن منهم.
﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ في الدنيا.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَعْمَلُونَ) بالغيب على أنه وعيد للكفار، والباقون: بالخطاب (١).
стр. 609
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ .
[١٥٧] ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ في العاقبة.
﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الغنائم. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (يَجْمَعُونَ) بالغيب؛ يعني: خير مما يجمعُ الناس، وقرأ الباقون: بالخطاب (١)؛ لقوله: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ .
[١٥٨] ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ في العاقبة، فيجازيكم. قرأ نافعٌ وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (مِتُّمُ) و (مِتْنَا) و (مِتُّ) حيثُ وقعَ بكسر الميم، وافقهم في غير هذه السورة حفصٌ، وقرأ الباقون: بالضم، فمن قرأ بالضم من مات يموت، وبالكسر من مات يمات (٢).
стр. 610
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ .
[١٥٩] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ أي: فبرحمة.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ و (ما) صلة؛ كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣].
﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ سَهَّلْتَ أخلاقَك حينَ خالفوك.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ جافِيًا.
﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ قاسِيَهُ.
﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ لنفروا وتفرَّقوا عنك.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ تجاوزْ عن فِعلهم بأُحُدٍ.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ اشفعْ حتى أُشَفِّعَكَ.
﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ تطييبًا لقلوبهم.
﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي: أمرِ الحربِ؛ أي: خذْ ما عندَهم من الرأي فيما عرضَ لك فيما ليس عندك فيه وحيٌ.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ على فعلٍ بعدَ المشاورةِ، والعزمُ: هو عقدُ المرءِ على شيءٍ يريدُ كونَهُ.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ لا على مشاورتهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ فينصرهم.
وفتح الغين (١)؛ يعني: يُخانَ. نزلتْ في قَسْم الغنيمةِ أو سترِ شيءٍ منها.
روي عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيِه، عن جدِّهِ: أَنَ رسولَ الله ﷺ ، وأبا بكرٍ، وعمرَ ﵄ حرقوا متاعَ الغالِّ، وضربوه (٢)، واستدل الإمامُ أحمدُ بذلكَ، فقال في الغالِّ، وهو الذي يكتمُ ما أخذَهُ من الغنيمة، فلا يَطَّلِعُ الإمامُ عليه، ولا يضعُه مع الغنيمة: يجبُ حرقُ رَحْلِه كلِّه، إلا السلاحَ والمصحفَ والحيوانَ ونفقتَه، ويُعَزَّرُ، ويؤخذ ما غَلَّ للمغنم، ولا يُحْرَمُ سهمَه من الغنيمةِ، وخالفه الثلاثة في ذلك، وقالوا: يعزَّرُ فقط، ولا يُحرم سهمَه.
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ أي: بإثمه.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لأنه عادل.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾ .
[١٦٢] ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ قرأ أبو بكرٍ: (رُضْوَانَ) بضم
[١٦٧] ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ المعنى: إن ما أصابهم كان بعلمِ الله، وليُظْهِرَ إيمانَ المؤمنين بثبوتهم على ما أصابهم، وليظهرَ نفاقَ المنافقين بقلَّة صبرهم.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ أي: الذين نافقوا، وهم عبدُ الله بنُ أُبيٍّ وحلفاؤه حين انخزلوا عن أُحد.
﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أعداءَهُ.
﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ عن حرمِكم وأهليكم إنْ لم يكن للهِ.
﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فأظهر تعالى كذبهم بقوله:
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ لأنهم قبل ذلك لم يظهرْ منهم ما يدلُّ على كفرهم، فلما انخزلوا، ظهر.
﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يُضمرون خلافَ ما يُظهِرون من كلمةِ الإيمان.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ قرأ السوسيُّ عن أبي عمرٍو: (أَعْلَمْ بِمَا) بإسكان الميم عندَ الباء، وتقدم ذِكْرُ ذلك.
﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ .
[١٦٨] ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ يعني: ابنَ أُبَيٍّ وأصحابَهُ قالوا ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ في النسبِ، لا في الدين، وهم شهداءُ أُحد.
стр. 616
﴿وَقَعَدُوا﴾ أي: وقد قعدوا عن القتال.
﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ وانصرفوا عن محمد.
﴿مَا قُتِلُوا﴾ قرأ هشام: (قُتِّلُوا) بتشديد التاء، والباقون: بالتخفيف (١).
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿فَادْرَءُوا﴾ فادفعوا ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ برأيِكم وحِيَلِكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن الحذرَ يُنجي من القدر.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ .
[١٦٩] ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ نزلتْ في شهداءِ بدرٍ، وقيل: في شهداءِ أُحدٍ: حمزةَ وأصحابِهِ. قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرٍ بخلافٍ عنه (يَحْسَبَنَّ) بالغيب وفتح السين؛ أي: لا يحسبن النبي، وقرأ الباقون: بالخطابِ وكسر السينِ (٢)، والمراد به النبيُّ ﷺ ، وقرأ ابن عامر (قتلوا) بتشديد التاء (٣).
[١٧١] ثم كرَّرَ تأكيدًا ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ﴾ قرأ الكسائي: (وَإِنَّ الله) بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرأ الباقون: بالفتح عطفًا على ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ (١) أي: يستبشرون بنعمة، وبأن الله ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ﷺ : "لا يَجِدُ الشَّهِيدُ أَلَمَ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ألمَ الْقَرْصَةِ" (٢).
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ .
[١٧٢] ولما انصرفَ أبو سفيانَ نحو مكةَ بأصحابه، ندموا حيث لم يَسْتأصلوا النبيَّ ﷺ وأصحابَه، فأرادوا العودةَ لذلك، فأحبَّ النبي ﷺ أن يُرِيَ من نفسِه جَلَدًا وقوةً، فانتدبَ أصحابَه الذين كانوا معه في القتال للخروج في طلب أبي سفيانَ، فخرج ﷺ بمَنْ معه حتى بلغ حمراءَ الأُسْدِ على ثمانيةِ أميالٍ من المدينة، فَجَبُنَ أبو سفيان عن العودِ، فقال لِنُعَيْمِ بنِ مسعودٍ الأشجعيِّ، أو لركبٍ مَرَّ به: إذا رأيتم محمدًا وأصحابَه، فأخبروهم
стр. 619
أنا قد أجمعنا على الكرة عليهم، فأخبروهم فقالوا:
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فنزل:
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) أي: أجابوهما.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أي: نالهم الجرحُ. وتقدم اختلافُ القرَّاء في فتح القاف وضمِّها.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ بطاعتِهم للهِ ورسوله.
﴿مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا﴾ المعاصيَ.
﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ و (من) في ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ للتبيين، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩]؛ لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلُّهم واتقوا، لا بعضُهم.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ .
[١٧٣] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ نُعيمٌ الأشجعيُّ، أو الرَّكْبُ:
﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ أبا سفيانَ وأصحابَه.
﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليستأصلوكم.
﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ﴾ القولُ ﴿إِيمَانًا﴾ يقينًا وقوةً؛ بأن أخلصوا النيةَ، وعزموا على الجهاد.
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كافِينا.
стр. 620
﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: الموكولُ إليه.
﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ .
[١٧٤] وروي أن أبا سفيان كان واعدَ النبيَّ ﷺ أن يلقاهُ ببدرٍ الصغرى، وكانت موضعَ سوقٍ لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كلِّ عام ثمانيةَ أيام، فلما كان العامُ القابل، جَبُنَ أبو سفيانَ عن الذهاب إلى بدرٍ، وذهب ﷺ بأصحابه، ومعهم تجاراتٌ، فكسبوا في (١) تجاراتهم، ولم يلقوا عدوًا.
﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أي: رجعوا من بدر (٢).
﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ بسلامةٍ وربحٍ.
﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ شيء يسوؤهم.
﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ طاعةَ الله ورسولِه.
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ أعطاهم ثوابَ الغزوِ، ورضيَ عنهم.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ .
[١٧٥] ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ أي: القائلُ لكم:
стр. 621
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ ترهيبًا، فـ (ذلكم) مبتدأ، خبرُه:
﴿الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفُكم بأوليائه.
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ أي: الشيطانَ وأولياءه.
﴿وَخَافُونِ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (وَخَافُونِي) بإثباتِ الياء حالةَ الوصل، ويعقوبُ يُثْبِتُها في الحالين (١).
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدِّقين؛ لأن الإيمانَ يقتضي أن يقدَّمَ خوفُ الله على غيره.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾ .
[١٧٦] ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ قرأ نافعٌ: بضم الياء وكسر الزاي من (أَحزنه) في جميع القرآن، إلا قولَه في الأنبياء: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الآية: ١٠٣]، وأبو جعفرٍ ضده، والباقون: بفتح الياء وضم الزاي من حَزَنه يَحْزُنه (٢).
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ .
[١٧٩] ولما قال المشركون: يا محمد! تزعُم أن مَنْ خالفك فهو في النار، واللهُ عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو في الجنة، واللهُ عنه راضٍ، فأخبرنا بمن يؤمنُ بكَ ومن (١) لا يؤمن بك (٢)، أنزل الله:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (٣) أيها المشركون من الكفر والنفاقِ.
﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: يبينَ المنافقَ من الطيب؛ أي: المؤمِن، فبان المنافقُ يوم أَحُدُ بتخلُّفهم عن الغزو. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبٌ: (يُمَيِّزَ) بضم الياء الأولى وتشديد الثانية للمبالغة؛ من مَيَّزَ يُمَيِّزُ، وقرأ الباقون: بالفتح والتخفيف؛ من مازَ يَميزُ، وهما لغتان (٤)، وأصل المَيْزِ: الفصلُ بينَ المتشابهات.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ لأنه لا يعلم الغيبَ أحدٌ غيرُه.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيُطْلِعهُ على ما يشاء من غيبِهِ.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ بأن تصدِّقوهم.
стр. 625
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقَدر (١) قدرُه.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ .
[١٨٠] ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ﴾ يعني: البخلَ.
﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ والقراءة بالخطاب للنبيِّ ﷺ ؛ أي: لا تحسبنَّ يا محمدُ بخلَ الذين يبخلون هو خيرًا.
﴿بَلْ هُوَ﴾ يعني: البخلَ.
﴿شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ أي: المال الذي منعوا زكاته؛ بأن يجعل حَيّهً تُطَوَّقُ في عنق مانعها.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تنهشُه من قَرْنه إلى قدمِه.
﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأنه الدائمُ الباقي بعدَ فناءِ خلقه وزوالِ أملاكهم، فيموتون ويرثُهم.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيجازيهم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (يَعْمَلُونَ) بالغيب، وقرأ الباقونَ: بالخطابِ على الالتفات (٢)، وهو أبلغ في الوعيد.
стр. 626
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ .
[١٨١] ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ نزلت لما قال اليهود عند سماعهم ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]: إِنَّ اللهَ فقيرٌ يستقرضُ مِنَّا، ونحن أغنياءُ، والذي قالَ هذهِ المقالةَ من اليهود فنحاصُ بنُ عازوراءَ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وقالونُ عن نافعٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (لَقَدْ سَمِعَ) بإظهار الدال عند السين، والباقون: بالإدغام (١).
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ من الكذبِ في اللوحِ المحفوظِ، فيجازيهم عليه.
﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: النار وهو معنى المُحرِق. قرأ حمزةُ: (سَيُكْتَبُ) بالياء وضمِّها وفتح التاء، (وَقَتْلَهُمْ): برفع اللام، (ويَقُولُ): بالياء، وقرأ الباقون: (سَنَكْتُبُ) بالنون وفتحها وضم التاء، (وَقَتْلَهُمُ): بالنصب، (ونَقُولُ): بالنون (٢).
стр. 627
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ .
[١٨٢] فإذا أُلقوا في النار، يقال لهم: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: النازلُ بكم من العذاب.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لأنه عادل لا يعاقب غير المسيء، ويثيب المحسنَ.
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)﴾ .
[١٨٣] ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ يعني: وسمعَ اللهُ قولَ الذين قالوا:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أمرَنا في كتبِنا.
﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ أي: لا نصدق رسولًا يزعُم أنه جاء من عند الله.
﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ فيكونَ دليلًا على صدقه، والقربانُ كلُّ ما يتقرَّبُ به إلى الله، وكان إذا قُرِّبَ قربانٌ إن قُبِل، جاءت نارٌ بيضاءُ فأحرقته، وإن لم يُقبل، بقيَ مكانه، وسبب نزولها أن كعبَ بنَ الأشرفِ وأصحابَه أتوا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: يا محمدُ! تزعم أن الله بعثك إلينا رسولًا،
стр. 628
وأنزل عليك كتابًا، وإن الله قد عهدَ إلينا في التوراة ألَّا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكلُه النار، فإن جِئْتَنا به، صَدَّقناك، فأنزل الله الآية (١).
قال السُّدِّيُّ: قيل لبني إسرائيل: من جاءكم يزعمُ أنه نبيٌّ، فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكُله النار، إلا محمدًا وعيسى، فإذا أتيا، فآمنوا بهما؛ فإنهما لا يأتيان بقربان، قال الله تعالى إقامةً للحجة عليهم:
﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ يا معشرَ اليهود.
﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي﴾ كيحيى وزكريا.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ فقتلتموهم.
﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أي: قتلهم أسلافُكم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ معناه: تكذيبُهم مع علمِهم بصدقك؛ كقتل آبائهم الأنبياءَ مع إتيانهم بالقربان (٢).
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ .
[١٨٤] ثم قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ أي: الصحف، جمعُ زبور؛ كرسول.
стр. 629
﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الواضحِ. قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرٍ: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ﴾ بزيادة (باء) (١) بعد الواو فيهما، وافقه ابنُ ذكوان في (وبالزبر) (٢). المعنى: إن كذبوك، فقد كذبوا الأنبياء قبلك مع قيامِ المعجز، وهذا تسليةٌ له ﷺ .
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ .
[١٨٥] ثم بَشَّرَ المؤمنين، وحذَّرَ الكافرين بقولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ المعنى: إن النفوس تزهقُ بملابسةِ أيسرِ جزءٍ من الموت.
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أي: جزاء أعمالكم.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ.
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ أُبْعِدَ.
﴿عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ظَفِرَ بالنجاةِ، وأصلُ الفوزِ: الظَّفَرُ
стр. 630
بالخير معَ حصول السلامة. قرأ أبو عمرو (وَزُحْزِح عنِ) بإدغام الحاء في العين، ولم يدغمها فيها في غير ذلك (١).
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ الباطل. المعنى: الانتفاعُ بالدنيا يسيرٌ، ثم يزولُ عن قريب.
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ .
[١٨٦] ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ لَتُخْتبَرُنَّ و (اللام) للتأكيد، وفيه معنى القسم، و (النونُ) لتوكيد القسم.
﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ بالجوائحِ.
﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بالموتِ والقتلِ ومفارقةِ الأهل.
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ اليهودِ والنصارى.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مشركي العرب.
﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ طعنًا في ديِنكم، وسبًّا كسبِّ ابنِ الأشرفِ لكم ولنبيِّكم، وتشبيِبهِ بنسائكم.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ﴾ الصبرَ والتقوى.
стр. 631
﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: من خيرِ الأمور التي يُعْزَمُ عليها، ويُبالَغُ في طلبها، والعزمُ: قَصْدُ الإمضاءِ.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ .
[١٨٧] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو بكرٍ عن عاصم: بالغيب فيهما؛ لقوله:
﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: طرحوه وضيعوه، وقرأ الباقون: بالخطاب؛ أي: وقلنا لهم (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) (١).
﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من حطامِ الدنيا.
﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ يختارون لأنفسهم. قال قتادةُ: هذا ميثاقٌ أخذَهُ الله تعالى على أهل العلم، من عَلِمَ شيئًا، فَلْيُعَلِّمْهُ، وإياكم وكتمَ العلم، قال ﷺ : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلجَامٍ مِنْ نَارٍ" (٢).
стр. 632
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ .
[١٨٨] ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ أي: بما فعلوا. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامر: بالغيب؛ أي: لا يحسبنَّ الفارحونَ فرحَهم مُنْجيًا لهم من العذاب، وقرأ الكوفيون، ويعقوبُ: بالخطاب؛ أي: لا تحسبَنَّ يا محمدُ الفارحين (١).
﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ نزلَتْ في المنافقين الذين كانوا إذا خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى الغزو، تخلَّفوا عنه، فإذا رجعَ، حلفوا له، واعتذروا إليه، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما (٢) لم يَفْعلوا (٣).
﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: بالغيبِ وضمِّ الباءِ [خبرًا عن
стр. 633
الفارحين؛ أي: فلا يحسبُنَّ أنفسَهم، وقرأ الباقون: بالخطاب وفتح الباء،] (١) أي: فلا تحسبَّنهم يا محمدُ (٢).
﴿بِمَفَازَةٍ﴾ أي: بِمَنْجاة.
﴿مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بكفرِهم وتدليِسهم.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ .
[١٨٩] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدِرُ على عقابهم.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ .
[١٩٠] ثم أومأ الله تعالى إلى الاعتبار بعجيبِ الصنعِ وكمالِ القدرةِ وتنزيهِ الخالق بما رُوي أنّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ إذا قامَ من الليل بعدَ (٣) أن يتسوَّكَ ثم ينظرَ إلى السماء: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
стр. 634
﴿وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ (١) لدلالات على القدرة العظيمة.
﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ذوي العقول.
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ .
[١٩١] ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي: مضطجعين. تلخيصُه: يُديمون ذكرَهُ؛ لأن الإنسانَ غالبًا يكونُ على هذه الأحوال.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: يذكرونه متفكِّرين.
﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما من العجائب؛ استدلالًا على القدرةِ العظيمةِ والحكمةِ الباهرةِ، والفكرةُ تُذهب الغفلةَ، وتُحدث للقلبِ الخشيةَ، ويقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ أي: الخلقَ ﴿بَاطِلًا﴾ أي: عبثًا.
﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قرأ أبو عمرٍو: (النَّارِ) بالإمالة، ويدغمُ الراءَ في الراء التي بعدها.