سُورَةُ النِّسَاء
مدنيةٌ، وآيُها (١) مئةٌ وسبعون وست آيات، وحروفها ستةَ عَشَرَ ألفًا، وثلاثون حرفًا، وكَلِمُها ثلاثةُ آلافٍ وتسعُ مئةٍ وخمسٌ وأربعونَ كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾.
[١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ لجميعِ بني آدَم (يا) حرفُ نداء و (أَيُّ) منادى مفَردٌ، و (ها) تنبيهٌ، و (الناسُ) نعتٌ لأيُّ، والناسُ والمؤمنون ونحوُهما تعمُّ العبيدَ عندَ أحمدَ وأصحابِه وأكثرِ أتباع الأئمة.
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ والربُّ: المالكُ.
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدمَ. قرأ أبو عمرو: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ بإدغام القاف في الكاف، ولم يدغم من المتقاربين في كلمة إلا القاف في الكاف التي تكون في ضمير الجمع المذكَّرِينَ إذا تحركَ ما قبلَ القافِ لا غيرُ،
стр. 642
وذلك نحو قوله: (خَلَقكُّمْ) و (رَزَقكُّمْ) و (وَاثَقكُّم) وشبهِه، وأظهرَ ما عداه مما قبلَ القاف فيه ساكنٌ، ومما ليس بعد الكاف فيه ميمٌ؛ نحو قولِه تعالى: (مِيثَاقَكُمْ) و (بِوَرِقِكُمْ) و (خَلَقَكَ) و (نَرْزُقُكَ) وشبهِه (١).
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: وخلق منهُ أمكم حَوَّاءَ من ضِلَعٍ من أضلاعِه اليسرى.
﴿وَبَثَّ﴾ نشرَ وأظهَر.
﴿مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: نشرَ من تلكَ النفسِ والزوجِ المخلوقةِ منها بنينَ وبناتٍ كثيرةً (٢).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: تتساءلون: تقسمون. قرأ عاصمٌ، وحمزةٌ، والكسائيُّ، وخَلَفٌ: (تَسْألونَ) بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين.
﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ القرابات، قراءةُ العامة: بالنصب؛ أي: واتقوا الأرحامَ أَنْ تقطعوها، وقرأ حمزةُ: بالخفض، أي: به وبالأرحامِ، والأولى أفصحُ (٣).
стр. 643
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ حفيظًا مطلعًا.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ .
[٢] ونزل في رجل من غَطَفانَ كان معه مالٌ كثيرٌ لابنِ أخٍ له يتيمٍ، فلما بلغَ، طلبَ المالَ، فمنعَه عمُّهُ.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) سلِّموها إليهم إذا بلَغوا، واليتامى: جمعُ يتيمٍ، وهو الذي مات أبوه؛ من اليتمِ، وهو الانفراد.
﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: الحرام.
﴿بِالطَّيِّبِ﴾ بالحلالِ؛ لأنهم كانوا يأخذون الجيدَ من مالِ اليتيم، وهو خبيثٌ في حَقِّهم، ويضعون مكانه الرديءَ من أموالهم، وهو طَيِّبٌ لهم.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: معها.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الأكلَ.
﴿كَانَ حُوبًا﴾ إثمًا.
﴿كَبِيرًا﴾ فلما سمعَها العمُّ، قال: "أَطَعْنا اللهَ وأطعْنا الرسولَ، نعوذُ بالله من الحُوبِ الكبير"، فدفع إليه ماله.
стр. 644
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ يا أولياءَ اليتامى.
﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: لا تَعْدِلوا.
﴿فِي الْيَتَامَى﴾ إذا نكحتموهُنَّ.
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: ما حلَّ لكم غيرَهُنَّ. قرأ حمزةُ (طَابَ) بالإمالةِ (١).
﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ الغرائبِ.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: تزوَّجوا إن شئتُم مَثْنى، وإن شئتم ثُلاثَ، وإن شئتم رُباعَ، أنتم مُخَيَّرون في ذلك، وهذا إجماع أن أحدًا من الأمة لا يجوزُ له أن يزيد على أربعِ نسوةٍ إذا كان حُرًّا، وأما العبدُ، فلا يجوز له أن يجمعَ بينَ أكثرَ من زوجتين عندَ الثلاثة، وقال مالكٌ: هو كالحرِّ في جواز جمعِ الأربعِ إليه، وكانت الزيادةُ على الأربع من خصائصِ النبيِّ ﷺ ، لا يشاركه أحدٌ من الأمة فيه، روُي أن قيسَ بنَ الحارثِ كان تحتَه ثمان نسوة، فلما نزلت هذه الآيةُ، قال له رسول الله ﷺ : "طَلِّقْ أَرْبَعًا، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا"، قال:
стр. 645
فجعلتُ أقولُ للمرأة التي لم تلدْ مني: يا فلانة! أدبري، وللتي قد ولدت: يا فلانة! أقبلي (١).
﴿خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ بينَ هذه الأعداد.
﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: فانكحوا واحدةً. قرأ أبو جعفرٍ (فَوَاحِدَةٌ) بالرفع خبرُ مبتدأ؛ أي: فالمُقنعِ واحدةٌ، وقرأ الباقون: بالنصب على المعنى الأول (٢).
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من السراري؛ لأنه لا يلزمُ فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر.
﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ أقربُ.
﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ تَجُوروا.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي: مهورَهُنَّ، جمعُ صَدُقَةٍ.
﴿نِحْلَةً﴾ عطيَّةً عن طيبِ نفسٍ.
﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ أي: من المال؛ لأن الصدقاتِ مالٌ.
стр. 646
﴿نَفْسًا﴾ نصبٌ تمييز؛ أي: إذا وهبْنَكُم شيئًا عن طيب نفس.
﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا﴾ طيبًا.
﴿مَرِيئًا﴾ سائغًا لا يُنَغِّصُه شيء. قرأ أبو جعفرٍ (هَنِيًّا مَرِيًّا) بتشديد الياء منهما من غير همز، والباقون: بهمزهما (١).
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ أي: المبذِّرين من الرجال والنساء والصبيان.
﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ أي: قوامَ عيشكم. قرأ أبو عمرٍو، وقالونُ، والبزيُّ: (السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ) بإسقاطِ الهمزةِ الأولى بلا عِوَضٍ منها، ويَهْمزون الثانية، وقرأ ورشٌ، وقنبلٌ، وأبو جعفرٍ، ورُويسٌ: بتسهيل الثانية، فيجعلونها بين الهمزة والألف، ويفتحونها شبه مدة (٢)، وقرأ الباقون، وهم عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ورَوْحٌ:
стр. 647
بتحقيق الهمزتين، واختلفوا في قوله: (قِيَامًا)، فقرأ نافعٌ وابنُ عامر: (قِيَمًا) بغير ألف، والباقون: بالألف.
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ أي: أطعموهم واكسوهم منها لمن يجبُ عليكم رزقُه ومؤنتُه.
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِدَةً جَميلةً تطيبُ بها نفوسُهم.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ .
[٦] ونزل في ثابتِ بنِ رفاعةَ، وفي عمِّه، وذلك أن رفاعةَ تُوُفِّيَ وتركَ ابنَهُ ثابتًا وهو صغيرٌ، فجاء عمُّه إلى رسول الله ﷺ ، وقال: إن ابن أخي يتيمٌ في حِجْري، فما يحلُّ لي من مالِهِ، وما أدفعُ إليه؟ فأنزل الله : ﴿وَابْتَلُوا﴾ (١) أي: اختبروا.
﴿الْيَتَامَى﴾ في عقولهم وتصرُّفاتهم في أموالهم.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي: صاروا أهلًا أن يَنْكِحوا أو يُنْكَحوا، ويحصلُ البلوغُ عندَ أبي حنيفةَ في حقِّ الغلامِ بالاحتلامِ والإحبالِ والإنزالِ إذا وطئ، أو إكمالِ ثماني عشرةَ سنةً، وفي حقِّ الجاريةِ بالحيضِ والاحتلامِ
стр. 648
والحبلِ، أو إكمالِ سبعَ عَشْرَةَ سنةً، وعندَ مالكٍ حَدُّ البلوغِ في حَقِّهِما الاحتلامُ والإنباتُ والانتهاءُ من السنِّ إلى ما يُعلم بالعادة بلوغُ مَن انتهى إلى مثله، ولم يحدَّ مالكٌ فيه حدًّا، ويزيد الإناثُ بالحيضِ والحملِ، وعند الشافعيِّ وأحمدَ حَدُّه في حَقِّهما الاحتلامُ، أو إكمالُ خمسَ عشرةَ سنةً، وتزيدُ الجاريةُ بالحيضِ والحمل، وأما نباتُ الشعر، فعند الشافعيِّ يقتضي الحكمَ ببلوغِ الكافرِ دونَ المسلمِ، وعندَ أحمدَ يقتضي البلوغَ مطلقًا.
﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي: أبصرتم.
﴿مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ هدايةً إلى مصالحهم، والرشدُ: الصلاحُ في المال فقط عندَ الثلاثة، وعند الشافعيِّ إصلاحُ الدينِ والمال.
﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ من غير تأخير عن حدِّ البلوغ.
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أيها الأوصياء.
﴿إِسْرَافًا﴾ بغير حَقٍّ.
﴿وَبِدَارًا﴾ سراعًا.
﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: لا تبادروا بالتفريط في إنفاقها قبلَ أن يكبروا حَذَرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمُها إليهم، ثم بَيَّنَ حالَ الأوصياءِ فقال:
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: يطلبِ العفةَ من نفسِه، ويمتنعْ عن أكلها، والعِفَّةُ: الامتناع مما لا يَحِلُّ.
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ محتاجًا إلى مال اليتيم، وهو يحفظُه.
﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يأخذْ قدرَ أجرته إذا عملَ.
﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ عَدْلًا؛ بأن يأمروه بالتصدُّق بدونِ الثلث، ويترك الباقي لولده، ويَرْفُق باليتيم كما يرفُقُ بولده. تلخيصه: يفعلُ بالميتِ كما يحبُّ أن يُفْعلَ به لو كان هو الميتَ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ .
[١٠] ونزل في الأوصياء الذين يأكلون ما لم يُبَحْ لهم من مالِ اليتيم، وهي تتناولُ كلَّ أَكْلٍ من أولياءِ السوءِ وقُضاتِه، وإن لم يكنْ وَصِيًّا (١):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ بغير حَقٍّ.
﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي: ملءَ بطونهم.
﴿نَارًا﴾ ما يجرُّ إلى النار، ويَؤُول إليها.
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ: بضم الياء؛ أي: (يُدْخَلُونَ نَارًا) مُسَعَّرَةً، وقرأ الباقون: بالفتح من صَلِيَ النارَ يَصْلاها: إذا حَلَّها وقاساها (٢).
стр. 652
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ .
[١١] ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أي: يأمرُكم، ويعهدُ إليكُم في شأن أولادكم إذا مِتُّمْ.
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إذا اجتمعَ مع الإناثِ بالاتفاق، وإلا فالذكرُ عصبةٌ منفردًا بالاتفاق، وفُضِّل الذكرُ على الأنثى في الميراث بجعلِ حظِّه مِثْلَي حَظِّ الأنثى؛ لأن الذكرَ في مَظِنَّةِ الحاجةِ أكثرَ من الأنثى، فإن كلَّ واحدٍ منهما في العادة يتزوَّجُ، ويكون له الولدُ، فالذكرُ يجبُ عليه نفقةُ امرأتِهِ وأولادِه، والمرأةُ يُنْفِقُ عليها زوجُها، ولا يلزمها نفقةُ أولادِها، وقد فضل الله الذكرَ على الأنثى في الميراثِ على وَفْقِ ذلك.
﴿فَإِن كُنَّ﴾ أي: المتروكاتُ.
﴿نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ أي: جماعةً.
﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ الميتُ بالاتفاق.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ الوارثة.
﴿وَاحِدَةً﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ (وَاحِدَةٌ) بالرفع على معنى: إن وقعتْ
стр. 653
واحدةٌ، وقرأ الباقون: بالنصب على خبر كان (١) ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ بالاتفاق.
﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: لأبوي الميت.
﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أرادَ: أن الأبَ والأمَّ يكون لكلِّ واحدٍ سدسُ الميراثِ عندَ وجود الولد، أو ولدِ الابن، بالاتفاق، والأبُ يكونُ صاحبَ فرضٍ.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ من جميع الميراث، إلا أن يكون مع الأبوين زوجٌ أو زوجةٌ، فللأم ثلثُ ما يبقى بالاتفاق.
﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ أي: اثنان فصاعدًا، ذكورًا أو إناثًا.
﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ والباقي للأب إن كان معها أبٌ، فالإخوة لا ميراثَ لهم مع الأب، ولكنهم يحجُبون الأمَّ من الثلثِ إلى السدس، سواءٌ كانوا أشقاءَ، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، بالاتفاق. قال قتادةُ: وإنما أخذهُ الأبُ دونَهم؛ لأنه يمونُهم، ويلي نكاحَهم والنفقةَ عليهم. قال ابنُ عطية: هذا في الأغلب (٢). وعن ابن عباسٍ: أن الإخوة يأخذون السدسَ الذي حجبوا الأمَّ عنه (٣). قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (فَلإِمِّهِ) بكسر الهمزة في الحرفين استثقالًا
стр. 654
للضمة بعدَ الكسرة، وقرأ الآخرون: بالضمِّ على الأصل (١).
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ الميتُ.
﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يُوصَى) بفتح الصاد على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكذلك الحرفُ الآتي، ووافق حفصٌ في الثاني، وقرأ الباقون: بكسر الصاد فيهما.
ثم حضَّ على تنفيذ وصايا الميت، وقضاء ديونه بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الذين يرثونكم.
﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ في الدِّينِ والدنيا والآخرة. المعنى: منكم من يَظُنَّ أن ابنَهُ أنفعُ له بأنْ يبادرَ إلى مصالحِهِ وقضاءِ ديونه، فيكونُ الأبُ أنفعَ، وبالعكس، وأنا العالمُ بمن أنفعُ لكم، وقد دبَّرْتُ أمرَكم على ما فيه المصلحةُ، فاتبعوه. ورُوي أنَّ الولدَ إِن كانَ أرفعَ درجةً في الجنة، رُفع إليه والداه (٢)، وإن كان الوالدُ أرفَع درجةً، رُفع إليه ولدُه؛ لتقرَّ بذلك أعينُهم.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: فرضَ الله الميراث فريضةً.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ أي: لم يَزَلْ.
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ .
[١٥] ثم خاطب الحكام فقال: ﴿وَاللَّاتِي﴾ مبتدأ.
﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: الزنا.
﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ وخبرُ اللاتي:
﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ من المسلمين، وفيه بيانُ أن الزنا لا يثبتُ إلا بأربعةٍ من الشهودِ، بالاتفاق، فيسألُهم الحاكمُ عن ماهيته، وكيفيته، ومكانه، وزمانه، والمزنيِّ بها، فإن بينوه وقالوا: رأيناه وَطِئَها كالميلِ في المكحلةِ، وعُدِّلوا سرًّا وجهرًا، حكم به بالاتفاق، ويُشترط عند أبي حنيفةَ ومالكٍ حضورُهم للشهادة مجتمعين غيرَ مفترقين، فإن افترقوا في الشهادة، كانوا قَذَفَةً.
قال أبو حنيفة: إلا أن يكونَ في مجلسٍ واحدٍ في ساعةٍ واحدةٍ. وعندَ الشافعيِّ: تصحُّ شهادتهم متفرقين؛ كما في سائر الحقوق؛ لإطلاق الآية.
وعند أحمدَ: يشترط مجيئُهم في مجلس واحد، سواءٌ جاؤوا متفرقين، أو مجتمعين، فإن جاء بعضُهم بعدَ أن قام الحاكم، أو شهد ثلاثةٌ وامتنع الرابعُ، أو لم يكمِلْها، فهم قذفةٌ، وعليهم الحد.
﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عليهنَّ بالزنا.
стр. 659
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ أي: احبسوهن.
﴿فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ أي: ملائكةُ الموت (١).
﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ طريقًا في النكاح المغني عن السفاح، ثم نُسخ ذلك بنزول الحدِّ، وهو في حقِّ البِكْر جَلْدُ مئةٍ، وفي حَقِّ الثيِّبِ الجلدُ، والرجمُ، ثم نُسخ الجلدُ، وبقي الرجمُ، واختلف الأئمةُ في تغريبِ البكرِ الحرِّ بعدَ الجلد، فقال أبو حنيفة: لا يُغرَّبُ إلا أن يرى الإمامُ ذلك مصلحةً، فيغربُه على قدرِ ما يرى، وقال مالك: يُغَرَّبُ الرجلُ دونَ المرأة وتغريبهُ أن ينفَى سنةً إلى غيرِ بلده، فيُحْبس فيه، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: يُجمع في حق الزانيينِ البكرينِ بينَ الجلدِ والتغريبِ سنةً إلى مسافةِ قصرٍ، وتُغَرَّبُ المرأةُ مع مَحْرَمٍ، فإن امتنعَ، لم يُجبر.
وأما ثبوتُ الزنا بالإقرار، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ لا يثبتُ حتى يقرَّ أربعَ مراتٍ، فأبو حنيفة يشترطُ أن يكونَ الإقرارُ في أربعةِ مجالسَ، وأحمدُ لا يشترطُ المجالس، فلو أقرَّ أربعًا في مجلس واحد، أو مجالسَ، ثبتَ عليه، وعندَ مالكٍ والشافعيِّ يثبتُ بإقراره مرةً واحدة، وإذا أقرَّ بالزنا ثم رجعَ عنه، قُبِلَ رجوعُه، وسقطَ الحدُّ عندَ الثلاثة، وقال مالكٌ: إن رجعَ بشبهةٍ يُعْذَرُ بها؛ كقوله: وطئتُ في نكاحٍ فاسدٍ ونحوِه، قُبِلَ وسقطَ عنه الحدُّ، وإن لم يرجعْ إلى شبهة، فعنه روايتان.
واختلفوا في اللوطيِّ، فقال أبو حنيفة: يُعَزَّرُ، ولا حدَّ عليه، خلافًا لصاحبيه، وقال مالكٌ: يجبُ على الفاعلِ والمفعولِ به الرجمُ، أحصنا أو لم يُحصنا، وعند الشافعيِّ وأحمدَ: حكمُه حكمُ الزاني على ما تقدَّم.
стр. 660
﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
[١٦] ﴿وَاللَّذَانِ﴾ أي: الرجلُ والمرأةُ. قرأ ابنُ كثيرٍ: (وَاللَّذَانِّ) و (اللَّذَيْنِ) و (هَاذَانِ) و (هَاذَيْنِ): مشدَّدَةَ النونِ للتأكيد (١).
﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ أي: الفاحشةَ.
﴿مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ عَيِّروهما باللسان. قال ابنُ عباسٍ: سُبُّوهُما، وقال: يُؤْذَى بالتعييرِ وضَرْبِ النِّعِال (٢)، ذكر في الأولى الحبس، وهنا الإيذاء، قالوا: لأنَّ الأُولى في النساء، وهذه في الرجال.
﴿فَإِنْ تَابَا﴾ من الفاحشة.
﴿وَأَصْلَحَا﴾ العملَ.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ لا تُؤْذوهما ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
وهذا كلُّه قبلَ نزولِ الحدود، فَنُسِخَتْ بالجلدِ والرَّجْمِ، فالجلدُ في القرآن، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والرجمُ في السنةِ وردَ به الحديثُ الصحيحُ عن النبي ﷺ أنه قَضَى به، ويأتي الكلام على الجلد والرجم، وحكمُه، واختلافُ الأئمة فيه في أول سورة النور إن شاء الله تعالى.
стр. 661
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ أي: قبولُ التوبةِ.
﴿عَلَى اللَّهِ﴾ أي: من الله.
﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ أي: جاهلين سفهًا. قالوا: وأجمعتِ (١) الصحابة أن كلَّ ما عُصِيَ اللهُ تعالى به فهو جهالةٌ، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، وكلُّ من عصى الله فهو جاهلٌ.
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: زمان قريب قبلَ مرضِ موته، قال ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" (٢).
﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تأكيدًا لقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يعلمُ إخلاصَ التائب، ولا يعاقبهُ.
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.
стр. 662
[١٨] ثم فسرَ القريبَ بقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ المعاصيَ.
﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: وقعَ في النَّزْعِ.
﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وهي حالةُ السوق؛ يعني: تسُاقُ رُوحُه، لا يُقبلُ من كافر إيمانٌ، ولا من عاصٍ توبةٌ.
﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ سَوَّى بينَ مُسَوِّفي التوبةِ إلى حضورِ الموت، وبينَ الكفار؛ تغليظًا.
﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا﴾ أي: هَيَّأْنا ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ .
[١٩] كانوا في الجاهليةِ وفي أولِ الإسلام إذا ماتَ الرجلُ وله امرأةٌ، جاء ابنُه من غيرِها، أو قريبُهُ من عَصبَةٍ، فألقى ثوبَه عليها، وقال: أنا أحقُّ بها، ثم إن شاءَ تزوَّجَها بصداقِها الأولِ، وإن شاءَ زوَّجَها غيرَهُ وأخذَ صداقَها، وإن شاءَ عَضَلَها؛ لتفتديَ بما ورثَتْ من زوجِها، وكان الزوجُ أيضًا يُضارُّ زوجَتَهُ إِذا كَرِهَها لتفتديَ منه، فنزل:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (١) قرأ حمزةُ،
стр. 663
والكسائيُّ، وخلفٌ: (كُرْهًا) بضمِّ الكاف، والباقون: بالفتح (١)، قال الفَرَّاءُ: الكَرْهُ بالفتح: ما أُكْرِهَ عليه، وبالضمِّ: ما كانَ من قِبَلِ نفسِه من المشَقَّةِ.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساءَ، ولا أن تمنعوهنَّ عما يحلُّ لهنَّ.
﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من الصَّداقِ وغيرِه.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: لا تعضلوهن لعلَّة من العِلل إلا لعلَّةِ إتيانهنَّ بالفاحشة (٢)، وهي النشوزُ، أو الزنا. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (مُبَيَّنَةٍ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها (٣).
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإجمال في القول، والمبيت، والنفقة.
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ المعنى: فإن كرهتموهنَّ، فاصبروا عليهنَّ، فلعلَّ كراهَتكم لهنَّ مع الصبرِ عليهنَّ يُحْدِثُ بينكم ولدًا صالحًا، أو ألفةً ومحبةً.
стр. 664
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ .
[٢٠] ونزل فيمنْ كان إذا رأى امرأةً فأعجبَتْهُ، قذفَ التي تحتَهُ؛ ليستبدِلَها بها.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ وأرادَ بالزوجِ: الزوجةَ، ولم يكن من قبلِها نشوزٌ ولا فاحشةٌ.
﴿وَآتَيْتُمْ﴾ أعطيتم.
﴿إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ مالًا كثيرًا صَداقًا.
﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ أي: القنطار.
﴿شَيْئًا﴾ ثم بَشَّعَ الأخذَ فقال:
﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ استفهامُ نهيٍ وتوبيخٍ.
﴿بُهْتَانًا﴾ هو أن يَبْهَتَها بأمرٍ قبيحٍ يقذِفُها به.
﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ تقديرُه: تُصيبون في أَخْذِه بهتانًا وإثمًا.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ .
[٢١] ثم استفهم منكرًا فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كناية عن الجِماع، والإفضاءُ: الوصول إلى الشيء من غير واسطة.
стр. 665
﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ عهدًا وثيقًا، وهو حقُّ الصحبة والممازجة.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ .
[٢٢] ونزل نهيًا عن نكاحِ نساءِ الآباء ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناء منقطع، معناه: لكنْ ما قد سَلَفَ؛ أي: مضى في الجاهلية، فإنه معفوٌّ عنه. وتقدَّم اختلافُ القراء في حكم الهمزتين من كلمتين في سورة البقرة عند تفسير قوله: ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، وكذلك اختلافهم في قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في الموضعين، ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِن﴾ [الشعراء: ١٨٧] و ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٤٠] وشبهه حيثُ وقعَ.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: نكاحَ زوجةِ الأبِ.
﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ أقبحَ المعاصي.
﴿وَمَقْتًا﴾ أي: بغضًا؛ لأنه يووِثُ بغضَ الله تعالى، والمقتُ: أشدُّ البغضِ، وكانوا يسمونه: نكاحَ المقتِ، وإذا وُلد لرجلٍ من امرأةِ أبيهِ يقالُ للمولود: المَقْتِيُّ.
﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ قَبُحَ طريقًا، فتحرُمُ زوجةُ الأبِ على ابنِه بمجرَّدِ العَقْد، بالاتقاق.
سفلْنَ، فهؤلاء المذكوراتُ محرَّماتٌ بالنسبِ بالاتفاق، وما بقيَ محرَّماتٌ بالسَّبَبِ، وهي: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وتحريمُ الرَّضاعِ كتحريمِ النسبِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ" (١)، ولا تثبتُ الحرمةُ بالرضاعِ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ إلا أن يرتضعَ (٢) قبلَ استكمالِ الحولين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فلو ارتضعَ بعدَهما بلحظةٍ، لم تثبتْ (٣)، وعددُ الرضاعِ المحرِّم عندَهما خمسُ رضعاتٍ متفرقاتٍ، وعندَ أبي حنيفةَ مدةُ الرضاعِ ثلاثون شهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وعند مالكٍ تحريمُ الرضاعِ في الحولينِ وما قارَبَهما، وعندَهما كثيرُ الرضاعِ وقليلُه محرِّمٌ.
﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فكلُّ مَنْ عقدَ النكاحَ على امرأةٍ حرمَتْ عليه أمهاتُها وجدّاتُها من الرضاعِ والنسبِ بنفسِ العقدِ بالاتفاق.
﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ جمع رَبيبة، وهي بنتُ المرأة؛ لأن زوجَ الأمِّ يُرَبِّيها غالبًا.
﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ جمعُ حِجْرٍ، والمرادُ: البيوتُ؛ لأنها بمثابة الولد في التربية غالبًا.
стр. 668
﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: جامعتموهن.
﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ في نكاح بناتِهِنَّ إذا فارقتموهُنَّ، أو مُتْنَ فلا تحرمُ الربيبةُ عليه إلا بالدخولِ بأُمِّها بالاتفاق.
﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ جمعُ حليلةٍ، والذَّكَرُ حليلٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ حلالٌ لصاحبه، يعني: أزواجُ أبنائكم.
﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أي: ظهوركم، فتحرمُ زوجةُ الابنِ على أبيه بمجرَّدِ العقدِ بالاتفاق، وقولُه: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليعلم أن حليلةَ المتبنَّى لا تحرُمُ على الذي تبناه بالاتفاق؛ لأن النبي ﷺ تزوَّجَ امرأةَ زيدٍ، وكان قد تَبَنَّاه، وكلُّ امرأةٍ تحرمُ بعقدِ النكاح فتحرمُ بالوطءِ في ملكِ اليمين، والوطءِ بشبهةِ النكاح، فيحرُمُ على الواطئ أمُّ الموطوءة وابنتُها، وتحرُمُ الموطوءةُ على أبي الواطئ وابنِهِ بالاتفاق.
واختلفَ الأئمةُ في إثباتِ تحريمِ المصاهرةِ بالزنا المحرَّمِ، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يثبتُ تحريمُ المصاهرةِ، فلا يحلُّ للرجلِ أن يتزوجَ امرأةً زنى بها ابنُه، أو أبوه، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يثبتُ التحريمُ.
واختلفوا في إثباتِ التحريمِ باللِّواطِ، فقال الثلاثةُ: لا يثبتُ التحريمُ، وقال أحمد: يثبته، فمن تَلَوَّطَ بغلامٍ، حرمَ على كلِّ واحدٍ منهما أمُّ الآخرِ وابنتُه.
واختلفوا في المخلوقة من ماءِ الزنا، هل يجوزُ لمن خُلقت من مائِه أنْ يتزوَّجَها؟ فقال الشافعي: يجوزُ، وقال الثلاثة: لا يجوز.
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ أي: وحرم عليكم الجمعُ.
стр. 669
﴿بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فلا يجوزُ للرجل الجمعُ بينَ الأُختينِ من نسبٍ أو رَضاع، ولا بينَ المرأةِ وعَمَّتِها، ولا بينها وبينَ خالتِها بالاتفاق؛ لقوله ﷺ : "لا تَجْمَعْ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (١).
واختلفَ الأئمةُ هل يجوزُ للرجلِ أن يتزوَّجَ امرأةً والرابعةُ من نسائِه في عِدَّتِهِ من طلاقٍ بائنٍ، أو يتزوَّجَ الأختَ وأختُها في عِدَّته من طلاقٍ بائنٍ، أو يتزوَّجَ بكلِّ واحدةٍ ممن يحرُمُ عليه الجمعُ بينها وبينَ الثانيةِ وهي في العِدَّة، فقالَ مالكٌ والشافعيُّ: يجوز، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لا يجوزُ.
وأما إذا كان الطلاقُ رجعيًّا، فلا يجوزُ باتفاقهم، وكذلك لو ملكَ أُختين لا يجوز له أن يجمعَ بينَهما في الوطء، فإذا وَطِىَ إحداهُما، لم يحلَّ له وطءُ الأخرى حتى يحرِّمَ الأولى على نفسِه بإخراجٍ عن ملكِه، أو تزويجٍ، بالاتفاق.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: لكنْ ما مضى في الجاهلية، فإنه معفوٌّ عنه؛ لأنهم كانوا يفعلونه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ
стр. 670
مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ .
[٢٤] ونزلَ في نساءٍ كُنَّ يُهاجرْنَ إلى رسولِ الله ﷺ ولهنَّ أزواجٌ، فيتزوَّجُهُنَّ بعضُ المسلمين، ثم يقدُمُ أزواجُهُنَّ مُهاجرينَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ عطفٌ على ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ يعني: الحرائرَ المزوَّجاتِ؛ لأن الزوجَ قد أحصنَهُنَّ، لا يحلُّ للغيرِ نكاحُهن قبلَ مفارقةِ الأزواجِ، ثم استثنى فقال:
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: السبايا اللواتي سُبين ولهنَّ أزواجٌ في دار الحرب، فيحلُّ لمالِكِهِنَّ وَطْؤُهُنَّ بعد الاستبراء؛ لأن بالسبي يرتفعُ النكاح بينَها وبينَ زوجها، بالاتفاق، وتقدَّم التنبيهُ على اختلافِ القراء في قوله: ﴿النِّسَاءِ إِلَّا﴾ عند قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢].
﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ؛ أي: كتبَ اللهُ ما حَرَّمَ عليكم كِتابًا، وفَرَضَهُ فَرْضًا.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (وَأُحِلَّ) بضم الألف وكسر الحاء؛ لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، وقرأ الباقون: بالنصب (١)؛ يعني: أَحَلَّ اللهُ لكم.