سفلْنَ، فهؤلاء المذكوراتُ محرَّماتٌ بالنسبِ بالاتفاق، وما بقيَ محرَّماتٌ بالسَّبَبِ، وهي: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وتحريمُ الرَّضاعِ كتحريمِ النسبِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ" (١)، ولا تثبتُ الحرمةُ بالرضاعِ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ إلا أن يرتضعَ (٢) قبلَ استكمالِ الحولين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فلو ارتضعَ بعدَهما بلحظةٍ، لم تثبتْ (٣)، وعددُ الرضاعِ المحرِّم عندَهما خمسُ رضعاتٍ متفرقاتٍ، وعندَ أبي حنيفةَ مدةُ الرضاعِ ثلاثون شهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وعند مالكٍ تحريمُ الرضاعِ في الحولينِ وما قارَبَهما، وعندَهما كثيرُ الرضاعِ وقليلُه محرِّمٌ.
﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فكلُّ مَنْ عقدَ النكاحَ على امرأةٍ حرمَتْ عليه أمهاتُها وجدّاتُها من الرضاعِ والنسبِ بنفسِ العقدِ بالاتفاق.
﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ جمع رَبيبة، وهي بنتُ المرأة؛ لأن زوجَ الأمِّ يُرَبِّيها غالبًا.
﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ جمعُ حِجْرٍ، والمرادُ: البيوتُ؛ لأنها بمثابة الولد في التربية غالبًا.
стр. 668
﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: جامعتموهن.
﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ في نكاح بناتِهِنَّ إذا فارقتموهُنَّ، أو مُتْنَ فلا تحرمُ الربيبةُ عليه إلا بالدخولِ بأُمِّها بالاتفاق.
﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ جمعُ حليلةٍ، والذَّكَرُ حليلٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ حلالٌ لصاحبه، يعني: أزواجُ أبنائكم.
﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أي: ظهوركم، فتحرمُ زوجةُ الابنِ على أبيه بمجرَّدِ العقدِ بالاتفاق، وقولُه: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليعلم أن حليلةَ المتبنَّى لا تحرُمُ على الذي تبناه بالاتفاق؛ لأن النبي ﷺ تزوَّجَ امرأةَ زيدٍ، وكان قد تَبَنَّاه، وكلُّ امرأةٍ تحرمُ بعقدِ النكاح فتحرمُ بالوطءِ في ملكِ اليمين، والوطءِ بشبهةِ النكاح، فيحرُمُ على الواطئ أمُّ الموطوءة وابنتُها، وتحرُمُ الموطوءةُ على أبي الواطئ وابنِهِ بالاتفاق.
واختلفَ الأئمةُ في إثباتِ تحريمِ المصاهرةِ بالزنا المحرَّمِ، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يثبتُ تحريمُ المصاهرةِ، فلا يحلُّ للرجلِ أن يتزوجَ امرأةً زنى بها ابنُه، أو أبوه، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يثبتُ التحريمُ.
واختلفوا في إثباتِ التحريمِ باللِّواطِ، فقال الثلاثةُ: لا يثبتُ التحريمُ، وقال أحمد: يثبته، فمن تَلَوَّطَ بغلامٍ، حرمَ على كلِّ واحدٍ منهما أمُّ الآخرِ وابنتُه.
واختلفوا في المخلوقة من ماءِ الزنا، هل يجوزُ لمن خُلقت من مائِه أنْ يتزوَّجَها؟ فقال الشافعي: يجوزُ، وقال الثلاثة: لا يجوز.
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ أي: وحرم عليكم الجمعُ.
стр. 669
﴿بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فلا يجوزُ للرجل الجمعُ بينَ الأُختينِ من نسبٍ أو رَضاع، ولا بينَ المرأةِ وعَمَّتِها، ولا بينها وبينَ خالتِها بالاتفاق؛ لقوله ﷺ : "لا تَجْمَعْ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (١).
واختلفَ الأئمةُ هل يجوزُ للرجلِ أن يتزوَّجَ امرأةً والرابعةُ من نسائِه في عِدَّتِهِ من طلاقٍ بائنٍ، أو يتزوَّجَ الأختَ وأختُها في عِدَّته من طلاقٍ بائنٍ، أو يتزوَّجَ بكلِّ واحدةٍ ممن يحرُمُ عليه الجمعُ بينها وبينَ الثانيةِ وهي في العِدَّة، فقالَ مالكٌ والشافعيُّ: يجوز، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لا يجوزُ.
وأما إذا كان الطلاقُ رجعيًّا، فلا يجوزُ باتفاقهم، وكذلك لو ملكَ أُختين لا يجوز له أن يجمعَ بينَهما في الوطء، فإذا وَطِىَ إحداهُما، لم يحلَّ له وطءُ الأخرى حتى يحرِّمَ الأولى على نفسِه بإخراجٍ عن ملكِه، أو تزويجٍ، بالاتفاق.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: لكنْ ما مضى في الجاهلية، فإنه معفوٌّ عنه؛ لأنهم كانوا يفعلونه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ
стр. 670
مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ .
[٢٤] ونزلَ في نساءٍ كُنَّ يُهاجرْنَ إلى رسولِ الله ﷺ ولهنَّ أزواجٌ، فيتزوَّجُهُنَّ بعضُ المسلمين، ثم يقدُمُ أزواجُهُنَّ مُهاجرينَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ عطفٌ على ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ يعني: الحرائرَ المزوَّجاتِ؛ لأن الزوجَ قد أحصنَهُنَّ، لا يحلُّ للغيرِ نكاحُهن قبلَ مفارقةِ الأزواجِ، ثم استثنى فقال:
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: السبايا اللواتي سُبين ولهنَّ أزواجٌ في دار الحرب، فيحلُّ لمالِكِهِنَّ وَطْؤُهُنَّ بعد الاستبراء؛ لأن بالسبي يرتفعُ النكاح بينَها وبينَ زوجها، بالاتفاق، وتقدَّم التنبيهُ على اختلافِ القراء في قوله: ﴿النِّسَاءِ إِلَّا﴾ عند قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢].
﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ؛ أي: كتبَ اللهُ ما حَرَّمَ عليكم كِتابًا، وفَرَضَهُ فَرْضًا.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (وَأُحِلَّ) بضم الألف وكسر الحاء؛ لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، وقرأ الباقون: بالنصب (١)؛ يعني: أَحَلَّ اللهُ لكم.
стр. 671
﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما سوى ذلكم الذي ذكرت من المحرمات.
﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ أي: تطلبوا النساءَ.
﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ أي: تنكحوا بصداقِكم، أو تشتروا بثمنٍ.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ متزوِّجينَ، وأصلُ الإحصانِ: الحفظُ، والمرادُ هنا: العِفَّةُ عن الوقوعِ في الحرامِ.
﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: زانِينَ، مأخوذٌ من سفحَ الماءَ وصَبَّهُ، وهو المنيُّ.
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي: فالذي انتفعتم به من النساء بالنكاح الصحيح.
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهُنَّ على الاستمتاع.
﴿فَرِيضَةً﴾ نصب على المصدر في موضع الحال.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾ بأن تهبَ المرأةُ جميعَ مهرِها أو بعضَه لزوجِها، أو يزيدُها الزوجُ على أكثرَ منه.
﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ المفروضةِ للزوجةِ.
واختلف الأئمة في الزيادة على الصَّداق المسمَّى بعدَ العقد، فقال أحمد: حكمُها حكمُ الأصل، تلحق به فيما يقرره وينصفه، وتُملك من حينها، واستدلَّ بهذه الآية، وقال أبو حنيفة: هي ثابتة إن دخل بها، أو مات عنها، فإن طلَّقها قبلَ الدخول، أو ماتتْ هي قبلَ الدخول والقبضِ، سقطت، وخالفه أبو يوسفَ، فقال كقول أحمد، وقال مالك: تستقرُّ بالدخول، وتتشطَّر بالطلاق قبلَه، فإن مات أحدُهما قبل القبض، سقطت؛
стр. 672
لأنها هبةٌ لم تُقبض حتى مات الواهبُ أو الموهوبُ له، وقال الشافعي: هي هبة مستأنفة، إن قبضتْها، لم تسقطْ بالطلاق قبلَ الدخول، ولا بعدَه، ولا بالموت، وإن لم تُقبض، فلا شيءَ لها مطلقًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فيما شرعَ من الأحكام. وأما تقديرُ الصَّداق فلا حدَّ لأكثره؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وكان صداق أزواج النبيِّ ﷺ خمسَ مئة درهمٍ، وبناتِه أربعَ مئةٍ، فيسنُّ أن يكونَ من أربعِ مئةٍ إلى خمسِ مئةٍ، وإن زادَه، فلا بأسَ، وإِن النجاشي أصدقَ أُمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ عن النبيِّ ﷺ أربعَ مئةِ دينارٍ.
واختلفَ الأئمةُ في أقلِّه، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: لا حدَّ لأقلِّه، فكلُّ ما جاز أن يكونَ ثمنًا، جاز أن يكون صَداقًا، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يتقدَّرُ بنصاب السرقة، واختلفا في قدره، فعندَ أبي حنيفةَ: عشرةُ دراهمَ، أو ما قيمتُه عشرةُ دراهمَ، وعند مالكٍ: ربعُ دينار من الذهب، أو ثلاثةُ دراهمَ من الوَرِق، أو عرضٌ يساوي أحدَهما.
واختلفوا في تعليم القرآن هل يجوز أن يكون صَداقًا؟ فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لا يجوزُ، وقال مالكٌ والشافعيُّ: يجوزُ.
واختلفوا في منافعِ الحر، فقال أبو حنيفة: لا يجوز أن تكونَ صداقًا، وقال الثلاثة: يجوزُ، إلا أن مالكًا يكرهُه.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
стр. 673
مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ فضلًا وسَعَةً.
﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائرَ.
﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قرأ الكسائيُّ (المُحْصِنَاتِ) و (مُحْصِنَاتٍ) بكسر الصاد حيثُ وقع، سوى (وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) في هذه السورة، وقرأ الباقون: بفتح جميعها، فالقراءة بكسر الصاد؛ أي: أَحْصَنَّ أنفسَهُنَّ بالحريَّة، وبالفتح؛ أي: أحصنَهُنَّ غيرهن من زوجٍ أو وليٍّ (١).
﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ إمائِكم.
﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المعنى: من لم يجدْ طولَ حرةٍ، فليتزوج أمةً مؤمنةً، وفيه دليل على أنه لا يجوز للحرِّ نكاحُ الأمةِ إلا بشرطين:
أحدُهما: ألَّا يجد طَوْلًا لنكاح حرة.
والثاني: أن يخاف على نفسِهِ العَنَتَ، وهو الزنا؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ وهو مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ.
وجَوَّزَ أبو حنيفةَ للحرِّ نكاحَ الأمة، إلا أن يكونَ في نكاحه أو عِدَّتِهِ
стр. 674
حُرَّةٌ، أما العبدُ فيجوزُ له نكاحُ الأمة، وإن كانَ في نكاحِه حُرَّةٌ أو أمةٌ عندَ الثلاثة، وعندَ أبي حنيفة لا يجوزُ إذا كان تحته حرَّةٌ، وفي الآية دليلٌ على أنه لا يجوز للمسلم نكاحُ الأمَةِ الكتابية؛ لأنه قال:
﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وإليه ذهبَ الأئمةُ الثلاثة، وجَوَّزَ أبو حنيفةَ للمسلمِ نكاحَ الأمةِ الكتابيةِ، واتفقوا على إباحةِ وطئها بملكِ اليمين، وتقدَّمَ الحكمُ في نكاح الوثنيات والمجوسيات (١) وغيرِهنَّ من أنواعِ المشركات في سورة البقرة.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ فاكتفوا بظاهرِ الإيمان؛ فإنه العالمُ بالسرائرِ، والمرادُ: تأنيسُهُمْ بنكاح الإماء، ومنعُهم عن الاستنكاف منه، ثم نفى التفاخر فقال:
﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ كلكم ولدُ اَدمَ، ودينُكم الإسلام؛ أي: هنَّ مثلُكم.
﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: مَواليهِنَّ.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهُنَّ.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غيرِ مطْلٍ.
﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عفائفَ بالنكاحِ.
﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: زانياتٍ جهرًا.
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أي: أحبابٍ يزنون بهنَّ في السرِّ.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي: زُوِّجْنَ. وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ،
стр. 675
وخلفٌ: (أَحْصَنَّ) بفتح الألف والصاد؛ أي: حَفِظْنَ فروجَهُنَّ (١).
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أي: زَنَيْنَ.
﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائرِ الأبكارِ إذا زنينَ.
﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: الحدِّ، فيُجلد الرقيقُ خمسينَ جلدة ولو لم يكنْ تزوَّجَ، ذكرًا كان أو أنثى، ولا يُرجَمُ بالاتفاق، وهل يُغَرَّبُ؟ قال الشافعي: يغرَّبُ نصفَ سنةٍ، وقال الثلاثة: لا يغرَّبُ. فإن كان بعضُه حرًّا، فقال أحمد: يجلَدُ ويغرَّبُ بحسابه.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: نكاح الأمة.
﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ أي: الزنا.
﴿مِنْكُمْ﴾ بغلبةِ الشهوةِ، وأصلُ العَنَتِ: الضيقُ والمشقَّةُ.
﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ عن النساء متعفِّفينَ.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نكاحِ الإماء؛ لئلا يخلقَ الولدُ رقيقًا.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن رَخَّصَ له.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿يريِدُ اَللَّهُ﴾ بما شرعَ من التحليل والتحريم.
стр. 676
﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يوضِّحَ لكم شرائعَ الإسلام.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾ يُرشدَكم.
﴿سُنَنَ﴾ شرائعَ.
﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء في تحريم الأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ، فإنها كانت محرمةً على مَنْ قبلكم.
﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يُوفِّقَكم للتوبة، ويتجاوزَ عنكم إن تبتم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده.
﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دَبَّرَ من أمورهم.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إن وقع منكم تقصيرٌ.
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ هم الزُّناةُ والكفارُ.
﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ عن الحقِّ.
﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ بإتيانِكم ما حُرِّمَ عليكم.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بنكاحِ الإماءِ واتِّبَاع الشريعةِ السمحةِ السهلةِ.
стр. 677
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ لا يصبرُ عن الشهوات، ولا يتحمَّلُ مَشاقَّ الطاعات.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أي: الحرامِ؛ كالقمارِ والسرقةِ ونحوِهما.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ استثناءٌ منقطعٌ، ولكنْ تكونُ تجارةً عن تراضٍ منكم غير منهي عنه. قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ: (تِجَارَةً) بالنصب على خبر كان؛ أي: إلا أن تكونَ الأموالُ تجارةً، وقرأ الباقون: بالرفع؛ أي: إلا أن تقعَ تجارة عن تراضٍ منكم؛ أي: بطيبةِ (١) نفسِ كلِّ واحدٍ منكم (٢)، ورُوي عن قنبلٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياء على (تَرَاضِي)، والتراضي عندَ الشافعيِّ وأحمدَ: الافتراقُ عن مجلسِ البيعِ بتمامِه، فلكلِّ واحدٍ منهما الخيارُ ما داما في المجلس، وعند أبي حنيفةَ ومالكٍ: هو رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه، فإذا وجبَ البيعُ
стр. 678
بينهما، فليس لأحدِهما الخيار، وإن كانا في المجلس، وخَصَّ التجارةَ بالذِّكْر؛ لأنها أغلبُ أسبابِ المكاسبِ.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾ أي: لا (١) تهلكوا.
﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بأكل الأموالِ بالباطل.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ يا أمةَ محمدٍ.
﴿رَحِيمًا﴾ لِما أمرَ بني إسرائيل بقتلِ الأنفس، ونهاكم عنه.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: ما حُرِّمَ قبلُ.
﴿عُدْوَانًا﴾ تجاوزًا للحد.
﴿وَظُلْمًا﴾ وهو وضعُ الشيءِ في غيرِ محلِّه.
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ أي: نُدخله.
﴿نَارًا﴾ ليحترقَ.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا عسرَ فيه.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾.
стр. 679
[٣١] ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الكبيرةُ: كلُّ ذنبٍ رَتَّبَ الشارعُ عليه حَدًّا، أو صَرَّحَ بالوعيد فيه، وعن النبيِّ ﷺ أنها سبعٌ: "الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَة، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والرِّبَا، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" (١)، وعن ابن عباس ﵄: "الكبائرُ إلى سبعِ مئةٍ أقربُ منها إلى سبعٍ" (٢).
﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ نغفرْ لكم صغائركم.
﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ هو الجنةُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (مَدْخَلًا) بفتح الميم، وهو موضعُ الدخول، وقرأ الباقون: بالضم، بمعنى: الإدخال (٣).
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ .
[٣٢] ونزل نهيًا عن التحاسُد: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى
стр. 680
بَعْضٍ﴾ من الأمور الدنيوية؛ كالجاه والمال، فلعلَّ عدمَه خيرٌ؛ أي: لا يحسدْ أحدٌ أحدًا على ما آتاه الله تعالى؛ فإنه:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ فلا يعاقَبُ أحدٌ إلا بعمله، ولا يُجازى أحد (١) إلا به، فنهى الله عن التمني؛ لما فيه من دواعي الحسد.
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: رزقه. قرأ ابن كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَسَلُوا الله) و (سَلْهُمْ) (فَسَلِ الَّذِينَ) وشبهَه إذا كان أمرًا مواجَهًا به، وقبلَ السينِ واو أو فاء: بغير همزٍ، ونقل حركة الهمز إلى السين، والباقون: بسكون السين مهموزًا (٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فهو يعلمُ ما يستحقُّه كلُّ إنسانٍ فيفضِّلُ عن علمٍ وتبيان. يسكتُ حمزةُ في (شَيْءٌ) و (شَيْءٍ) و (شَيْئًا) حيثُ وقعَ.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿وَلِكُلٍّ﴾ أي: لكلِّ مالٍ.
стр. 681
﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: وُرَّاثًا، جمعُ مولى، وهو من يواليك.
﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: ولكلِّ تركةٍ جعلنا ورّاثًا يلونها ويحرزونها.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: عاهدت أيديكم. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (عَقَدَتْ) بغير ألف (١)؛ أي: عقدَتْ لهم أيمانكم، والمعاقدةُ: المحالفة، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يتحالفون، فيكون للحليف السدسُ من مال الحليف، وكان ذلك ثابتًا في ابتداء الإسلام، فذلك قوله تعالى:
﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: حظَّهم من الميراث، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦].
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي: عالمًا، وهو تهديدٌ على من منعَ نصيبهم.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾.
стр. 682
[٣٤] ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ مسلَّطون على تأديبهنَّ.
﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ بتفضيلِ اللهِ.
﴿بَعْضَهُمْ﴾ أي: الرجالَ.
﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ على النساء؛ بكمالِ العقل، وحسنِ التدبير، ومزيدِ القوة في الأعمال والطاعات.
﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ في نكاحهنَّ؛ كالمهر والنفقة.
روي أن سعدَ بنَ الربيعِ أحدَ نُقباءِ الأنصار نَشَزَتْ عليه امرأتُه حبيبةُ بنتُ زيدِ بنِ أبي زهير، فلطمَها، فانطلقَ بها أبوها إلى رسول الله ﷺ ، فشكا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لِيُقْتَصَّ مِنْهُ"، فنزلت، فقال: "أَرَدْنَا أَمْرًا، وَأَرَادَ اللهُ أَمْرًا، وَالَّذِي أَرَادَ اللهُ خَيْرٌ" (١).
وعنه ﷺ أنه قال: "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (٢).
وابنُ كثيرٍ: (حَسَنَةٌ) بالرفع، والباقون: بالنصب (١)، وقرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (يُضَعِّفْهَا) بالتشديد مع حذفِ الألف في جميع القرآن (٢)، وقرأ الباقون: بالإثبات والتخفيف، وحذفت النون من (تَكُ) تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال.
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من عندِه على سبيل التفضُّل.
﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يقدِّرُ قدرَهُ غيرُ الله تعالى؛ لكثرتِهِ.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿فَكَيْفَ﴾ يصنعُ الكفارُ.
﴿إِذَا جِئْنَا﴾ المعنى: كيف يصنعونَ وقتَ مجيئنا.
﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ عليها، وهو نبيُّها.
﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمدُ.
﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ المذكورينَ.
стр. 689
﴿شَهِيدًا﴾ شاهدًا على جميع الأمم.
ولما بلغَ ابنُ مسعودٍ في قراءتِهِ على النبيِّ ﷺ من أولِ السورةِ إلى هنا، بكى، وقال: "حَسْبُكَ" (١).
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يومَ القيامةِ.
﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ المعنى: يودُّون أن دُفنوا فَتُسَوَّى بهم الأرضُ كالموتى، وأصلُ التسويةِ: المعادلةُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ (تَسَّوَى) بفتح التاء وتشديد السين على معنى: تَتَسَّوى، فأُدغمت التاءُ الثانية في السين، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتح التاء وتخفيف السين على حذف إحدى التاءين؛ كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفسٌ إِلَّا بِإِذنِه﴾ [هود: ١٠٥] وقرؤوا بإِمالة الواو، وقرأ الباقون: بضم التاء وتخفيف السين على المجهول (٢).
стр. 690
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أي: يودون أن يُدفنوا، وأَنَّهم لم يكونوا كَتَموا أمرَ محمدٍ ﷺ ولا نَعْتهُ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: لا تصلوا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ (سُكَارَى) بالإمالة، بخلافٍ عنه (١)، واتفقَ الأئمةُ على أن السكرانَ الذي يُمَيِّزُ مُكَلَّفٌ، وكذا من لا يميز عندَ الثلاثة، خلافًا لمالكٍ، والمراد: السكرُ من الخمرِ عندَ الأكثر.
سببُ نزولها: أن عبدَ الرحمنِ بن عوفٍ صنعَ طعامًا، وجمعَ عليه جماعةً من الصحابة، فأكلوا وشربوا الخمرَ قبلَ تحريِمها، فأخذَتْ منهم، فقدَّموا واحدًا منهم، فصلَّى بهم المغربَ، فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبدُ ما تعبدون، بحذفِ (لا) إلى آخرها، فصاروا يجتنبون السكرَ وقتَ الصلاة حتى نزلَ تحريمُ الخمر (٢).
стр. 691
﴿وَلَا جُنُبًا﴾ نصبٌ على الحال، يستوي فيه الواحدُ والجمعُ، والذكرُ والأنثى، وأصلُ الجنابةِ: البعد، وسُمِّي جُنبًا؛ لأنه يجتنبُ موضعَ الصلاة.
﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مجتازي سبيلٍ.
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ أي: لا تقربوا الصلاةَ في حالِ سكرٍ ولا جنابةٍ إلا في حالِ السفرِ عُبورًا في المسجدِ، وذلك إذا لم يجد الماء، وتيمم، وقيل معناهُ: لا تقربوا المسجدَ وأنتمْ جنبٌ إلا مجتازينَ فيه للخروجِ منه.
واختلفَ الأئمةُ فيه، فأباح الشافعيُّ وأحمدُ المرورَ فيه، ومنع منه أبو حنيفةَ ومالكٌ، وقال أبو حنيفةَ: إنِ احتاجَ إلى ذلك تَيَمَّمَ، ودخلَ، وأما اللبثُ فيه، فلا يجوزُ عند الثلاثة، وعندَ أحمد إذا توضأ جازَ له اللبثُ، فلو تعذَّرَ، واحتاجَ إليه، جازَ من غير تيممٍ، ويتيممُ لأجل لبثهِ للغسل.
وحكمُ الخلافِ في الحائضِ والنفساءِ كالجنبِ في ذلك، إلا أن الشافعيَّ لا يُبيح للحائض دخولَ المسجد إلا إذا أَمِنَتْ تلويثَهُ، وأحمدُ لا يبيح للحائض والنفساء اللبثَ فيه إذا توضَّأَتا إلا بعد انقطاعِ دَمِهما.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مرضًا يضرُّهُ مَسُّ الماء، أو يُخشى منه زيادةُ الألم، أو تطاولُه.
واختلف الأئمة فيمن بعضُ بدنه صحيحٌ، والبعضُ جريحٌ، فقال أبو حنيفةَ: الاعتبارُ بالأكثر، فإن كان هو الصحيحَ، غسله فقط، وسقطَ حكم الجريح إلا أنه يُستحبُّ مسحُه، وإن كان الأكثرُ جريحًا، اقتصرَ على التيمم، وسقطَ الغسلُ، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: يغسلُ الصحيحَ، ويتيمم للجريح، وقال مالكٌ: يغسل الصحيحَ، ويمسح الجريحَ، ولا يتيمم.
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ طويلًا كان السفرُ أو قضيرًا، فيتيمم عندَ فقدِ الماء،
стр. 692
ولا إعادةَ عليه، بالاتفاق، وأما إذا لم يكن مريضًا، ولا في سفر، لكنه عدمَ الماءَ في موضعٍ لا يعدمُ فيه غالبًا؛ كقريةٍ انقطعَ ماؤها، فإنه يصلِّي بالتيمم، ثم يعيدُ عند الشافعيِّ، وعند مالكٍ وأحمدَ لا إعادةَ عليه، وعندَ أبي حنيفةَ يؤخِّرُ الصلاة حتى يجدَ الماءَ.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: الحَدَثِ، والغائِطُ: المكان (١) المُطْمَئِنُّ من الأرضِ، وكانت عادةُ العربِ إتيانَ الغائطِ للحدث، فكنى به عن الحدث. وتقدَّم اختلافُ القراء في حكم الهمزتين من كلمتين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وكذلك اختلافهم في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾.
﴿أوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (لَمَسْتُمْ) بغيرِ ألفٍ بعدَ اللام، وقرأ الباقون: بالألف (٢)، واللمسُ والملامسةُ واحدٌ، وهو عبارةٌ عن الجِماعِ عندَ بعضِهم، وقال بعضهم: هو التقاءُ البشرتين بِجماعٍ أو غيرِه.
واختلفَ الأئمةُ في نقضِ الوضوءِ بملاقاةِ بَشَرَتي الرجلِ والمرأةِ من غيرِ حائلٍ، فقال أبو حنيفةَ: لا ينتقضُ، وقال الشافعيُّ: ينتقضُ بلمسِ غيرِ المحارمِ، وقال مالكٌ وأحمدُ: إن كان اللمسُ بشهوةٍ، نقضَ، وإلَّا فلا.
وهل ينتقضُ وضوءُ الملموس؟ قال مالكٌ والشافعيُّ: حكمُه حكمُ
стр. 693
اللامسِ، وقال أحمدُ: لا ينتقض، ولو وجد منه شهوة، وأما الصغيرةُ، فلا ينقضُ (١) لمسُها بالاتفاق.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فلم تتمكَّنوا من استعمالِه إِذِ الممنوعُ عنه كالمفقودِ.
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ اقصدوا.
﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ترابًا طاهِرًا، والتيمُّمُ من خصائصِ هذه الأمة، وهو مبيحٌ للمحدِثِ والجنبِ بالاتفاق.
واختلف الأئمةُ فيما يجوزُ به التيممُ، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يجوز بسائر أنواعِ الأرضِ؛ من ترابِها وحجرِها ورملِها ومَدَرِها وحَصَائِها، وما ينطبعُ؛ كالنُّورَةِ والجِصِّ والزِّرْنيخِ وغيرِها من طبقاتِ الأرضِ، وقالا: الصعيدُ: وجهُ الأرض، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: لا يجوزُ التيمم إلا بترابٍ طهورٍ له غبارٌ يعلَقُ باليد، فإن خالطه ذو غبار؛ كالجصِّ ونحوه لم يجزِ التيممُ به.
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ أي: فامسحوا وجوهَكم وأيديَكم منه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ واختلفوا في صفةِ التيمُّمِ، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ: يضربُ بيديه على الصعيدِ ضربتين: إحداهما للوجهِ، والأخرى لليدين إلى المرفقين، والاستيعابُ شرطٌ، حتى يخلل أصابعَهُ، وقال أحمدُ: السنةُ في التيمُّمِ أن ينويَ، ثم يسمِّيَ، ويضربَ بيديه مُفَرَّجَتي الأصابعِ ضربةً واحدةً على التراب، فيمسحَ وجهَهُ بباطنِ أصابعه، وكَفَّيه براحتيهِ، وخالفه القاضي من أصحابه، فوافقَ الجماعةَ.
стр. 694
ولا يصحُّ التيممُ لصلاةٍ إلا بعدَ دخولِ وقتها، ولا يجمعُ بينَ فريضتين بتيمُّم واحدٍ عند الثلاثةِ، وقال أبو حنيفة: التيممُ كالطهارةِ بالماء يجوزُ تقديمُه على وقتِ الصلاةِ، وأَن يصلِّي به ما شاءَ من الفرائض (١).
واتفقوا على أنه يجوزُ أن يصلِّي بتيمُّمٍ واحدٍ مع الفريضة ما شاء من النوافل، وأن يقرأَ القرآن إن كانَ جنبًا.
واختلفوا في طلبِ الماء هل هو شرط؟ فقال الثلاثة: هو شرطٌ، وقال أبو حنيفة: ليسَ بشرطٍ، فيجوزُ التيممُ قبلَ الطلب؛ لأنه عادمٌ حقيقة، إلا إذا غلب على ظنه أن بقربه ماءً، فلا يجوز ما لم يطلبْهُ.
واختلفوا فيمن عدمَ الماءَ والترابَ، فقال أحمد: يصلِّي، ولا إعادةَ عليه، وعن مالكٍ أربعُ روايات: إحداهنَّ كمذهب أحمدَ، والثانيةُ: لا يصلِّي حتى يجدَ الماءَ أو الصعيدَ، وهو مذهبُ أبي حنيفة، والثالثة: يصلِّي ويعيد، وهو مذهبُ الشافعي، والرابعة: لا يصلي، ولا إعادةَ عليه، وجزم به الشيخُ خليلٌ في "مختصره"، فقال: وتسقطُ صلاةٌ وقضاؤها بعدمِ ماءٍ وصعيدٍ (٢)، ونقل القرطبيُّ في "تفسيره" أن هذا الصحيحُ من مذهب مالك، ثم نَقَل عن أبي عمرَ بنِ عبدِ البرِّ إنكارَه (٣).
واتفقوا على أن النيةَ في التيمم واجبةُ.
واختلفوا في التسمية فيه، فقال أحمدُ: هي واجبةٌ، وتسقط سهوًا، وقال الثلاثةُ: هي غيرُ واجبةٍ.