← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [٥٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ يمنعُ العذابَ عنه. ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ يعني: أَلَهُمْ ﴿نَصِيبٌ﴾ أي: حَظٌّ. ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ وهذا على وجهِ الإنكار، يعني: ليسَ لهم من الملكِ شيءٌ، ولو كانَ لهم حظٌّ مما يُمْلَكُ ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾ أي: أحدًا منهم. ﴿نَقِيرًا﴾ لحسدِهِمْ وبخلِهم، والنقيرُ: هو النقطةُ التي تكونُ على ظهرِ النواةِ، ومنها تنبتُ النخلة، ويأتي تفسيرُ القِطْمير في سورةِ فاطر -إن شاء الله تعالى-. ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ أي: اليهودُ. ﴿النَّاسَ﴾ العربَ، والنبيَّ ﷺ . ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من النبوةِ والإسلامِ والتقدُّمِ عليهم، فقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ داودَ وسليمانَ ﴿الْكِتَابَ﴾ المنزلَ عليهما. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ النبوة. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ فلا يبعدُ أن يؤتي اللهُ محمدًا مثلَ ما آتاهم.

стр. 702

﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: اليهودِ. ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ بمحمدٍ ﷺ ، وهم عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ أي: أعرض. ﴿عَنْهُ﴾ ولم يؤمنْ به. ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: نارًا مُسَعَّرَةً يُعَذَّبون بها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ نُدْخِلُهم. ﴿نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ احترقَتْ. ﴿جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ بأنْ يعُاد ذلكَ الجلدُ بعينِهِ على صورةٍ أخرى. قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وأبو جعفرِ، ويعقوبُ، وقالونُ، وورشٌ من طريقِ الأصبهانيِّ، وابنُ عامرٍ: (نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) بإظهارِ التاءِ عندَ الجيم، والباقون: بالإدغام (١). ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: ليدومَ بهم ذوقُه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا﴾ شديدَ النِّقْمَةِ.

стр. 703

﴿حَكِيمًا﴾ يعاقِبُ على وَفْقِ حكمته. عنِ ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: قُرِئ عندَ عمرَ قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، فقال معاذٌ: عندي تفسيرُها: تبُدَّلُ في كلَّ ساعةٍ مئةَ مرة، فقال عمر: هكذا سمعتُها من رسولِ الله ﷺ (١). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبتدأ، خبرُه ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الأقذارِ. ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ كثيفًا، لا تنسخُهُ الشمسُ، ولا يُؤْذيهم بردٌ ولا حر. قرأ أبو عمرٍو: (الصَّالِحَات سنُدْخِلُهُمْ) بإدغام التاء في السين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قرأ أبو عمرٍو: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ باختلاسِ الحركةِ من طريقِ البغداديين، ورُوي عنهُ من طريق

стр. 704

العراقيين (١) وغيرِهم: بإسكان الراء، والباقون: يشبعون الحركةَ (٢). نزلت في عثمانَ بنِ طلحةَ الحَجَبِيِّ من بني عبدِ الدار، وكان سادنَ (٣) الكعبة، فلما دخلَ النبيُّ ﷺ مكةَ يومَ الفتح، أغلقَ بابَ الكعبة، وأبى أن يدفعَ له المفتاحَ ليدخلَ فيها، وقال: لو علمتُ أنه رسولُ الله، لم أمنعْه، فمدَّ عليٌّ يدَه وأخذَه منه، وفتح، فدخلَ رسولُ الله ﷺ ، وصلَّى ركعتين، فلما خرجَ، سأله العباسُ أن يعطى المفتاحَ، ويجمعَ له السقايةَ والسدانةَ، فأمر اللهُ أَنْ يُرَدَّ إليه، فأمر عليًّا بأن يردَّ المفتاحَ إلى عثمانَ، ويعتذر إليه، فكان ذلكَ سببًا لإسلامه، فلما ماتَ، دفعه إلى أخيهِ شيبةَ، فالمفتاحُ والسدانةُ في أولادِهِم إلى يومِ القيامة (٤). ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا﴾ أي: نعمَ الشيءُ الذي. ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وتقدَّمَ اختلافُ القراء في (نِعِمَّا) في سورةِ البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١]. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. قال ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ

стр. 705

عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ" (١). وقال ﷺ : "عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارِ، فَأَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي، فَالشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكُ لَمْ يَشْغَلْهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَالثَّلاَثة الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ مِنْ مَالِهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ" أخرجه الإمامُ أحمدُ ﵁ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ أي: الولاة. ﴿مِنْكُمْ﴾ إذا أمروا بطاعةِ اللهِ. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ اختلفتم أنتم وأمراءُ العدلِ. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمرِ دينِكم، والتنازُعُ: اختلافُ الآراءَ. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتابِه.

стр. 706

﴿وَالرَّسُولِ﴾ مدةَ حياتِه، وبعدَ وفاتِه إلى سُنَّتِهِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ﴾ أي: الردُّ إلى الكتابِ والسنَّةِ. ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ مآلًا وعاقبةً. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هو كعبُ بنُ الأشرفِ، سُمِّيَ به؛ لإفراطِه في الطغيانِ. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: بالطاغوت. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ لا غايةَ له، فلا يهتدون. نزلت في بشر المنافقِ ويهوديٍّ كان بينَهما حكومةٌ، فطلبَ المنافقُ الحكومةَ إلى ابنِ الأشرفِ، فطلبَ اليهوديُّ الحكومةَ إلى النبيِّ ﷺ ، فحكم ﷺ على المنافقِ، فلم يرضَ، فأتيا عمرَ ﵁، فقال اليهوديُّ: إن النبيَّ حكمَ لي، فلم يرضَ، قال عمرُ للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقتله عمرُ، فقال: هكذا أفعلُ بمن لم يرضَ بقضاءِ اللهِ وقضاءِ رسوله، فنزلت الآيةُ، وقال جبريل ﵇: "إن عمرَ فرقَ بينَ الحقِّ والباطلِ"، فسمِّي الفاروقَ (١).

стр. 707

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ . [٦١] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للتحاكُم. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يُعرضون عنك إعراضًا. قرأ الكسائيُّ، وهشامٌ، ورُويس: (قِيلَ) بإشمِام القافِ الضمَّ (١). ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿فَكَيْفَ﴾ يكونُ حالُهم. ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من قتلِ عمرَ للمنافق. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من التحاكُم إلى غيرِك، واتهامِكَ في الحكم. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي: يجيئونك يطلبونَ ديةَ المقتول، ثم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ بالمحاكمة إلى عمرَ. ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ في القولِ. ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ بين الخصمين، ولم نردْ مخالفتَكَ.

стр. 708

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ . [٦٣] ثم أومأَ تعالى إلى كذبِهم بقولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقِبْهم. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بينَ الناسِ ليتوبوا. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في الخلاء. ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ منهم ويؤثر فيهم، وهو التخويف بالله تعالى، وتوعدهم بالقتل إن لم يؤمنوا. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني: بتيسيره وقضائِه؛ أي: وما أرسلْنا رسولًا قَطُّ إلا لِيُطاع، وبطاعِتِه يُطاعُ اللهُ. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالتحاكُم إلى الطاغوت. ﴿جَاءُوكَ﴾ معتذرينَ. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من نفاقِهم. ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ يقبلُ توبةَ التائبينَ.

стр. 709

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ أي: فَوَرَبِّكَ، و (لا) مزيدةٌ لتوكيدِ القسمِ. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أي: يجعلوكَ حَكَمًا. ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلفَ، وأصلُ التشاجرِ: الاختلاط والتنازعُ. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيقًا. ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: لا تضيقُ صدورُهم بحكمِك. ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ ينقادوا. ﴿تَسْلِيمًا﴾ بطيبِ نفسٍ. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أَوْجَبْنا. ﴿عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما قُتِل بنو إسرائيلَ. ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ كما أَمَرْنا بني إسرائيلَ بالخروجِ من مصرَ. قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ: (أنِ اقْتُلُوا) بكسر النونِ على أصل التحريك، (أَوُ اخْرُجُوا) بضمِّ الواو للإتباع والتشبيه بواو الجمع في نحو ﴿وَلَا تَنْسَوُا

стр. 710

الْفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ بكسرهما، والباقون: بضمهما (١). ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: المكتوبَ عليهم. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (إِلَّا قَلِيلًا) بالنصبِ على أصلِ الاستثناء، وكذلك هو في مُصحفِ أهل الشام، وقرأ الباقون: بالرفع على ضمير الفاعل في قوله: (فعلوه) تقديره: إلا نفرٌ قليلٌ فعلوه (٢)، والقليلٌ جماعةٌ من الصحابة ﵃، منهم: عمر، وعمارُ بنُ ياسر، وعبدُ الله بنُ مسعود، وثابتُ بنُ قيسٍ، قالوا: واللهِ لو أمرَنا محمدٌ بذلكَ، لفعلنا، فقال ﷺ : "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي رِجَالًا، الإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي" (٣). ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ما يؤمرونَ به من طاعةِ الرسولِ. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجِلِهم وآجِلِهم ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تحقيقًا لإيمانِهم.

стр. 711

﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ . [٦٧] ﴿وَإِذًا﴾ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ تقديرُه: ماذا يكونُ لهم بعدَ التثبيت؟ فقال: وإذًا لو ثبتوا. ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثواب وافرًا؛ لأن (إذًا) جوابٌ وجزاء. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ . [٦٨] ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وَفَّقْناهم لازديادِ الخيراتِ. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ . [٦٩] ونزلَ في ثوبانَ مولى رسولِ الله ﷺ ، وكانَ شديدَ الحبِّ له حينَ قالَ للنبيِّ ﷺ : "إِنِّي أخشى أَلَّا أراكَ يومَ القيامةِ لِعُلُوِّ منزلتِكَ" (١): ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في أداءِ الفرائضِ ﴿وَالرَّسُولَ﴾ في السُّنَنِ. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أي: لا تفوتُهم رؤيةُ الأنبياءِ ومجالستُهم. ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ هم أفاضلُ الصحابةِ المبالِغينَ في الصِّدقِ.

стр. 712

﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ هم شهداءُ أُحُدٍ. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ سائرِ الصحابةِ، واللفظُ يعمُّ كلَّ صالحٍ وشهيدٍ، والله أعلم. قال ﷺ : "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١). ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: ما أحسنَ أولئكَ رفقاءَ في الجنةِ بأن يُستمتَعَ فيها برؤيتِهم وزيارتِهم والحضورِ معهم، وإن كانَ مقرُّهم في درجاتٍ عاليةٍ بالنسبةِ إلى غيرِهم، ومن فضلِ الله تعالى على غيرِهم أنَّه قد رُزِقَ الرِّضا بحالِه، وذهبَ عنه أن يعتقدَ أنه مفضولٌ؛ انتفاءً للحسرةِ في الجنةِ التي تختلفُ المراتبُ فيها على قَدْرِ الأعمالِ، وعلى قدرِ فضلِ اللهِ على مَنْ يشاء. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إِلى ما للمطيعينَ من الأجرِ. ﴿الْفَضْلُ﴾ صفتُهُ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبرُهُ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بجزاءِ مَنْ أطاعَهُ، فإنَّهُ يعطيهم ما عَلِمَهُ لهم.

стр. 713

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ . [٧١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تَيَقَّظوا لعدوِّكم، والحِذْرُ والحَذَرُ واحدٌ، وهو الاحترازُ. ﴿فَانْفِرُوا﴾ فاخرُجوا. ﴿ثُبَاتٍ﴾ سرايا متفرِّقينَ. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ كلُّكم مع نبيِّكم ﷺ ، وأصلُ النَّفْرِ: الانزعاجُ من الشيءِ أو إلى الشيءِ. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ واللام في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لامُ القسم، والتبطئةُ: التأخُّرُ عن الأمر، والخطابُ لعسكرِ النبيِّ ﷺ . المعنى: وإن منكم؛ أي: عبدَ اللهِ بنَ أُبي وأصحابَه ليتأخَّرَنَّ عن الغزو تثَاقُلًا. قرأ أبو جعفرٍ: (لَيُبَطِّيَنَّ) بفتح الياء بغير همز، والباقون: بالهمز. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ قتلٌ أو هزيمةٌ. ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بالقعودِ. ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حاضرًا، فيصيبني ما أصابَهُمْ.

стр. 714

﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ سلامةٌ وغنيمةٌ. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا المنافقُ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ. ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ متصلٌ بقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ تقديره: فإن أصابتكم مصيبةٌ، قال: قد أنعمَ الله عليَّ إذ لم أكنْ معهم شهيدًا؛ كأن لم تكنْ بينَكم وبينَهم مودة؛ أي: معرفة. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ، ورويسٌ: (تَكُنْ) بالتاءِ، والباقون: بالتاء (١)، ولئن أصابكم فضلٌ من الله ليقولن: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ في تلكَ الغَزاةِ. ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ آخذَ نصيبًا وافرًا من الغنيمةِ (فأفوزَ) نُصب على جوابِ التمنيِّ. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾.

стр. 715

[٧٤] ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي: يشترونَ. ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ومعناه: آمِنوا أيُّها المنافقونَ، وجاهِدوا في سبيلِ الله. وقيل: نزلَتْ في المؤمنين، فيكونُ معناه: فليقاتلْ في سبيلِ اللهِ الذين يختارونَ الأُخرى على الدنيا. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يُسْتَشْهَدْ. ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ يظفرْ بعدوِّهِ. ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في كِلا الحالتين. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، وخلادٌ: (يَغْلِب فسَوْفَ) و (تَعْجَب فعَجَبٌ) وشبهَه حيثُ وقعَ بإدغامِ الباءِ في الفاء، والباقون: بالإظهار (١). ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. [٧٥] ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعةِ اللهِ، استفهامُ توبيخٍ على تركِ الجهادِ. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: وفي سبيل المستضعفين. ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ﴾ بمكةَ، صَدَّهم المشركونَ عن الهجرة وآذَوْهم.

стр. 716

﴿يَقُولُونَ﴾ داعِينَ. ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي مكةُ. ﴿الظَّالِمِ﴾ أي: التي ظلمَ. ﴿أَهْلُهَا﴾ بكفرِهم وصَدِّهم المسلمينَ عن الهجرةِ. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: ارزقنا مَنْ يتولى أمرَنا. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ينصرُنا على أعدائنا، فاستجابَ اللهُ دعاءَهم، فلما فُتحت مكةُ، ولَّى النبيُّ ﷺ عليهم عَتَّابَ بنَ أُسيد، فكان ينصفُ المظلومينَ من الظالمين. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ . [٧٦] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: طاعتِه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ الشيطانِ والأصنامِ. ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أيُّها المؤمنونَ. ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ جنودَه، وهم الكفارُ. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ مكرَه. ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ واهِنًا لا يثبتُ للحقِّ (١).

стр. 717

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن القتالِ. نزلتْ في جماعةٍ من الصحابةِ كانوا يَلْقَوْنَ من المشركينَ بمكة أذًى كثيرًا قبلَ الهجرة، فقالوا: يا رسول الله! ائذنْ لنا في قتالِهم، فإنهم قد آذَوْنا، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ" (١). ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فلما هاجروا إلى المدينة، وأمرهم الله بقتالِ المشركينَ، شَقَّ ذلك على بعضِهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ أي: فُرِض. ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يعني: مشركي مكةَ. ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: كخشيتِهم منَ اللهِ. ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أكبرَ. ﴿خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الجهاد. ﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا. ﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إلى أن نجدَ من نستنصرُ به.

стр. 718

﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أي: منفعتُها والاستمتاعُ بها. ﴿قَلِيلٌ﴾ سريعُ التَّقَضِّي. ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ أي: وثوابُ الآخرةِ. ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الشركَ. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ هو ما في شقِّ النواةِ طولًا، وتقدمَ تفسيرُه. المعنى: لا يقعُ نقصٌ في شيءٍ من الحسناتِ ثَمَّ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وروحٌ: (يُظْلَمُوَن) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١). ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: ينزلْ بكمُ الموتُ. نزلت في المنافقينَ الذين قالوا في قَتْلَى أُحد: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، فردَّ الله عليهم، وأخبرَ أنَّ الحذرَ لا ينُجي من القَدَرِ. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ حُصونٍ.

стр. 719

﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ مرتفعةٍ. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ أي: المنافقينَ ومَنْ جرى مجراهُمْ. ﴿حَسَنَةٌ﴾ خصبٌ وظفرٌ يومَ بدرٍ. ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لنا. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ جَدْبٌ وهزيمة يومَ أُحُدٍ. ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يا محمدُ؛ أي: بسبب شُؤْمِكَ، فقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿كُلٌّ﴾ الحسنة والسيئة. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ بقضائه وقَدَرِهِ، ثم عَيَّرَهم بالجهلِ فقال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يعني: المنافقين. ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ والفقهُ لغةً: الفَهْمُ. وقف أبو عمرٍو، والكسائيُّ بخلافٍ عنه على الألف دونَ اللام من قوله (فَمَالِ هَؤُلاَءِ) (١)، و (مَالِ هذَا الكِتابِ) في سورةِ الكهفِ، و (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) في الفرقان، (فَمَالِ الَّذِينَ) في سألَ، ووقف الباقون (فمال) على اللام اتباعًا للخَطِّ، بخلافٍ عن الكسائيِّ، قالَ ابنُ عطية: ومنعه قومٌ جملةً؛ لأنها حرف جر، فهي بعضُ المجرور، وهذا كله بحسب ضرورةِ أو (٢) انقطاعِ نفسٍ، وأما أن يختارَ أحدٌ الوقفَ فيما ذكرناه ابتداءً، فلا، انتهى (٣).

стр. 720

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ . [٧٩] ثم خاطب النبيَّ ﷺ ، والمرادُ غيرُه فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾ يا إنسانُ. ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾ خيرٍ ونعمةٍ. ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ تفضُّلًا. ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ بَلِيَّةٍ. ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبِك؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وتعلَّق القدريَّةُ بظاهرِ هذه الآيةِ، فقالوا: نفى الله السيئةَ عن نفِسه، ونسبهَا إلى العبدِ، ولا متعلّقَ لهم فيه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ غيرَ أن الحسنةَ إحسانٌ وامتحانٌ، والسيئة مجازاةٌ وانتقامٌ. عن عائشةَ ﵂ قالت: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ نَصَبٌ وَلاَ وَصَبٌ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا الْعَبْدُ، وَحَتَّى انْقِطَاعُ شِسْعِ نَعْلِهِ، إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللهُ أَكْثَرُ" (١).

стр. 721

﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمدُ. ﴿لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ حالٌ مؤكِّدَةٌ، أي: ذا رسالةٍ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على رسالتِك وصدقِك. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ فيما أَمَرَ به. ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ كانَ ﷺ يقولُ: "مَنْ أَطَاعَنِي، فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ أَحَبَّنِي، فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ"، فقال بعضُ اليهود: ما يريدُ محمدٌ إلا أنْ يُتَّخَذَ رَبًّا، فنزلتِ الآية (١). ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرضَ عن طاعِته. ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظًا ورقيبًا، بلْ كِلْ أمورَهُم إلى الله، قيل: نُسخ هذا بآيةِ السيف.

стр. 722

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ . [٨١] ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني: المنافقينَ، يُظهرونَ أنهم يطيعونَكَ. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خرجوا. ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ﴾ أي: دَبَّرَ ليلًا. ﴿طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ (بَيَّت طائِفَةٌ) بسكونِ التاء وإدغامِها في الطاء، والباقون: بإظهار التاءِ مفتوحةً (١). المعنى: جماعةُ المنافقينَ تُظهر في حضورِكَ خِلافَ ما تُضْمِرُ، وتقولُ في غَيْبَتِكَ قولًا. ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ في مجلسِك. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾ يُثْبِتُ في صحائِفِهم للمجازاةِ. ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ يُزَوِّرونَ. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تُعاقِبْهم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: اتَّخِذهُ وكيلًا، فهو كافيكَ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ناصِرًا.

стр. 723

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ . [٨٢] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ يتأمَّلون القرآنَ؛ أي: لو اعتبروا القرآن، لتيقنوا أنه من عندِ الله؛ لعدمِ تناقضِه. ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ تناقُضًا. ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ . [٨٣] ونزل فيمن كان يُفْشي ما يسمعُ؛ ليضعفَ قلوبَ المؤمنينَ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني: المنافقينَ. ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ من الفتحِ والغنيمةِ. ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ القتلِ والهزيمةِ. ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أَفْشَوْهُ. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي: الخبرَ. ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ أي: لو لم يحدِّثوا به حتى يكونَ النبيُّ ﷺ هو الذي يحدّثُ به. ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أصحابِ الرأيِ من الصحابةِ.

стр. 724

﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستخرجونَه، وهم العلماءُ؛ أي: لوردُّوا ما يسمعونَ من الخبرِ إلى هؤلاء، لعلموا ما يُفْشى فيُفشى، وما يُكْتَمُ فيكتمُ. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلامِ. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالقرآنِ. ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ أي: لضللتم باتباعِه. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منكم، والمرادُ: الذين اهتدَوْا قبلَ مجيءِ النبيِّ ﷺ ؛ كزيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَة بنِ نَوْفَلٍ، أو: إلَّا اتِّباعًا قليلًا. ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ . [٨٤] وكان النبيُّ ﷺ وعدَ أبا سفيان بعدَ حربِ أُحُدٍ موسمَ بدرٍ الصُّغرى في ذي القعدةِ، فلما بلغَ الميعاد، دعا الناسَ إلى الخروج، فكرهَهُ بعضُهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ (١) أي: قاتلِ المشركينَ، وانصرِ المستضعفينَ بمكَّةَ، ولو وحدَكَ؛ فإنَّكَ موعودٌ بالنصرِ. ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حُثَّهم على الجهاد، فخرجَ رسولُ الله ﷺ في سبعينَ راكبًا، فكفاهُمُ اللهُ لقتالَ، فقال جل ذكرُه: ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ أي: لعلَ اللهَ ﴿أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ﴾ صولةَ وحربَ.

стр. 725

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد كفى بتخلفِ أبي سفيانَ عن الخروج إلى بدرٍ الصغرى تلكَ السنةَ. ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ صولةً وأعظمُ سلطانًا من قريشٍ. ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ عقوبةً، وهو تقريعٌ وتهديدٌ لمن لم يتبعْه. ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ هي الإصلاحُ بينَ الناسِ. ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ وهو ثوابُ الشفاعةِ. ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ هيَ المشيُ بالنميمةِ بينَ الناسِ. ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: نصيبٌ من وِزْرِها، والكِفْل: الضِّعْفُ من الشيء، واشتقاقُه من الكَفَلِ؛ لمشقَّةِ الركوبِ عليه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ مجازِيًّا. ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ إذا قال: السلامُ عليكم، فقلْ: وعليكُمُ السلامُ ورحمةُ اللهِ، وإذا قال: السلامُ عليكم ورحمةُ الله، فقلْ: وعليكم السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه، وإذا قال: السلامُ عليكم

стр. 726

ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، فَرُدَّ مثلَها، قال ابنُ عباس ﵄: "انتهى السلامُ إلى البركةِ" (١). ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: رُدُّوا مثلَها. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ محاسبًا على السلام وغيره، والسلامُ سنةٌ على الكِفاية مرغَّبٌ فيها، وإذا سلَّم واحدٌ من الجماعةٍ، أجزأَهم، بالاتفاق، والردُّ فرضٌ على الكفايةِ عندَ الثلاثةِ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّ ردَّ السلامِ من الفروضِ المتعيِّنَةِ، قالَ: والسلامُ خِلافُ الردِّ، لأنَّ الابتداءَ به تطوُّع، وردَّه فَريضةٌ، فإذا ردَّ واحدٌ من جماعةٍ، سقطَ عن الباقينَ باتفاقهم. ويحرمُ بداءةُ أهلِ الذمَّةِ بالسَّلامِ عندَ مالكٍ والشافعيِّ، وعندَ أبي حنيفةَ يُكْرَه؛ لما فيه منْ تعظيمِهم، فإنْ سلَّمَ على ذميٍّ جاهلًا أو ناسيًا، ثم علمَ، فمذهبُ مالكٍ لا يستقيلُه، واختارَ ابنُ عطيةَ المالكيُّ أن يستقيلَه سلامَه، ومذهبُ الشافعيِّ يقولُ: استرجَعْتُ سلامي تحقيرًا له، ومذهبُ أحمدَ يُسَنُّ قولُه: رُدَّ عَلَيَّ سلامي، وإذا سَلَّم ذميٌّ على مسلمٍ، فعندَ أحمدَ وأبي حنيفةَ يقولُ في الرد: وعليكم، وعندَ الشافعيِّ يقول: وعليكَ، وعند مالكٍ يقول: عليكَ، بغير واو، واختارَ بعضُ أصحابه السِّلام بكسرِ السين؛ يعني به الحجارةَ. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللامُ في (ليجمعنكم) لامُ القسم، تقديره: اللهُ واللهِ ليحشرنَّكُم.

стр. 727

﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: القيامِ من القبورِ إلى الحسابِ. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكَّ في ذلك اليوم (١). ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا حديثَ أصدقُ من حديثِ الله؛ لأنه سبحانه منزَّهٌ عن الكذب. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ورويسٌ بخلاف عنه: (أَصْدَقُ) و (يَصْدِفونَ) و (تَصْدِيَةً) و (تَصْدِيق) و (فَاصْدَعْ) بإشمام الصاد الزاي حيثُ وقعَ، والباقون بالصادِ الخالصةِ (٢). ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾ . [٨٨] ونزل فيمن أسلمَ، ثم ندمَ، ثم ارتدَّ: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين. ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي: اختلفْتُم فافترقْتُم فرقتينِ، ولم تقطعوا جميعًا بكفرِهم. ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ نَكَّسَهُمْ وردَّهم إلى الكفرِ، وأصلُ الركْسِ: ردُّ الشيءِ مقلوبًا. ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ بسببِ كسبِهم، وهو ارتدادُهم عن الإسلام. ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أتطلبون هدايةَ مَنْ أضلَّ اللهُ. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عن الهدى.

стр. 728

﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الحقِّ. ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ . [٨٩] ﴿وَدُّوا﴾ تمنوا؛ يعني: أولئكَ الذين (١) رَجَعوا عن الدين. ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ﴾ عطفٌ على ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿سَوَاءً﴾ أي: مستوينَ أنتمْ وهُمْ في الكفرِ. ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وإنْ أظهروا الإيمانَ. ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هجرةً للهِ ورسوله، لا لأغراضِ الدنيا. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرَضُوا عن الإيمانِ والهجرةِ. ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أُسارى، ومنهُ يُقال للأسير: أَخيذٌ. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحلِّ والحرمِ. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: لا تقبلوا منهم ولايةً ونصرةً. ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾.

стр. 729

[٩٠] ثم استثنى من القتل، لا من الموالاة، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ ينتسبونَ ويلتجئونَ بالحِلْفِ. ﴿إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عهدٌ، وهم قيل (١) قومُ هلالِ بنِ عويمرٍ الأسلميِّ، كان قد وادعَهُ النبيُّ ﷺ قبلَ خروجِه إلى مكةَ ألا يُعينَه ولا يُعينَ عليه، ومن وصلَ إلى هلالٍ من قومِه وغيرِهم فلهُ من الجوارِ مثل ما لهلالٍ. ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ أي: يَتَّصلونَ بقومٍ جاؤوكم. ﴿حَصِرَتْ﴾ ضاقَتْ. ﴿صُدُورُهُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وأبو جعفرٍ، وقالونُ، وورشٌ، وهشامٌ: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) بإظهار التاء عند الصاد، والباقون: بالإدغام، وقرأ يعقوبُ: (حَصِرَةً) بالفتح والتنوين؛ أي: ضَيِّقَةً صدورُهم (٢). ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: ضاقت قلوبُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم، وهم الذين عاهدوا النبيَّ ﷺ تلخيصُه: إن لم يأتوا بالإسلامِ كما ينبغي، فاقتلوهم، واجتنبوهم، إلا المتَّصفينَ بهذهِ الصفاتِ، فاتركوهم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ لِحكَمٍ يعلَمُها. ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ مع قومِهم، ولم يكفُّوا عنكم. ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ولم يتعرَّضوا لكم.

стр. 730

﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ الصلحَ والانقيادَ. ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ طريقًا بالقتل. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾ . [٩١] ونزل في أُسْدٍ وغَطفانَ ومَنْ جرى مجراهم حيثُ أظهروا الإيمانَ وهم غيرُ مؤمنين، فلما رجعوا إلى قومهم، كفروا: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ بقولهم لكم: آمَنَّا. ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ بكفرِهم عندَ عودِهم إليهم. ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾ دُعوا إلى الكفرِ و (١) إلى قتالكم. ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ عادُوا إلى الشِّركِ. ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ حتى يسيروا إلى مكةَ. ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: الصلحَ. ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عن قتالِكم. ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ تمكَّنْتُم من قتلِهم. ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ حجةً ظاهرةً بالقتل.

стр. 731

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ . [٩٢] ونزل في عَيَّاشِ بنِ أبي (١) ربيعةَ أخي أبي جهلٍ من الأمِّ لما لقيَ حارثَ بنَ زيدٍ في طريقٍ، وكانَ قد أسلمَ، ولم يشعرْ به عياشٌ، فقتلَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ (٢) أي: ما ينبغي لمؤمنٍ. ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ استثناءٌ منقطعٌ، معناه: لكنْ إن وقعَ خطأٌ، فتحريرُ رقبةٍ، والخطأُ: ما لم يتعمَّدِ الإنسانُ. ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ﴾ أي: فالواجبُ على القاتل عتقُ. ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كفارةً باتفاقِ الأئمةِ إذا كان المقتول حُرًّا مسلمًا، فإن كان المقتولُ ذِمِّيًّا أو عبدًا، قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ: تجبُ الكفارةُ في قتلِه كوجوبِها في حقِّ الحرِّ المسلمِ، وقال مالكٌ: لا تجبُ بقتلِ عبدٍ ولا كافرٍ، فإن كانَ القتلُ عمدًا، فقال الشافعيُّ: تجبُ الكفارة، وقال الثلاثة: لا تجبُ، وإذا قتلَ الكافرُ مسلِمًا خطأً، فقال الشافعيُّ وأحمدُ:

стр. 732

تجبُ عليه الكفارة، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا كفارةَ عليه. ﴿وَدِيَةٌ﴾ هي المالُ المؤدَّى إلى مَجْنِيٍّ عليه، أو وليِّه بسببِ جنايةٍ (١). ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مُؤَدَّاةٌ. ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ إلى وَرَثَةِ القتيلِ بدلَ النفسِ، والرقبةُ في مالِ القاتلِ، والديةُ على عاقلتِه، فإن لم يكن له ورثةٌ، فلبيتِ المال. ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ يعفوا ويتركوا الديةَ. ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ المقتولُ. ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أي: حربٍ للمسلمين، لا عهدَ بينَكم وبينَهم. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ محكومٍ بإسلامِها، وإن كانتْ صغيرةً، ولا ديةَ فيه بالاتفاق؛ إذ لا وراثةَ بينَه وبينَ أهله؛ لأنهم كفارٌ محاربون. ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ المقتول ذميًّا، أو معاهدًا. ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ لأن حكمَهُ حكمُ المسلمِ بالاتفاق. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: لم (٢) يملكِ الرقبةَ، ولا يقدرُ على تحصيلِها. ﴿فَصِيَامُ﴾ أي: فعليه صيامُ. ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: جعل اللهُ ذلكَ توبةً لقاتلِ الخطأ.

стр. 733

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن قتل ﴿حَكِيمًا﴾ فيما أمرَ في شأنه. واعلمْ أن القتلَ على ثلاثةِ أقسامٍ: عَمْدٌ محضٌ: وهو أن يقتلَه بما يغلبُ على الظنِّ موته به؛ كالسيفِ ونحوِه، ففيه القصاصُ بشروطِه، أو الديةُ بالاتفاقِ. وشِبْهُ عمدٍ: وهو أن يقصدَ الجنايةَ بما لا يقتُلُ غالبًا؛ كالحجرِ والعصا ونحوِهما، ففيهِ الديةُ دونَ القصاصِ عندَ الثلاثةِ، ومالكٌ ﵀ لا يرى شبهَ العمد، ولا يقولُ به في شيء، وإنما القتلُ عندَه عمدٌ أو خطأٌ، لا غيرُ، فإذا أصابَه بما لا يقتلُ غالبًا، فماتَ، فعندَه يجبُ فيه القصاصُ. وخطأ: وهو أن يرمي شخصًا يظنُّه صيدًا أو حربيًّا، فإذا هو مسلمٌ، ففيه الديةُ، ولا قصاصَ فيه بالاتفاق. وأما قدرُ ديةِ الحرِّ المسلمِ، فعند أبي حنيفةَ مئةٌ من الإبل، فالمغلَّظَةُ: وهي التي بسببِ العمدِ المحضِ وشبهِ العمدِ تجبُ أرباعًا: خمسًا وعشرينَ بنتَ مخاضٍ، وهي التي طعنَتْ في السنة الثانية، وخمسًا وعشرين بنتَ لَبونٍ، وهي التي طعنت في السنةِ الثالثة، وخمسًا وعشرين حِقَّةً، وهي التي طعنتْ في السنةِ الرابعة، وخمسًا وعشرين جَذَعَةً، وهي التي طعنت في السنة الخامسة، والمخفَّفَةُ: وهي التي بسبب قتلِ الخطأ تجبُ أخماسًا: عشرينَ ابنَ مخاضٍ، ومثلُها بناتُ مخاض، وبناتُ لَبون، وحقاقٌ، وجذعٌ، أو ألفُ دينار، أو عشرةُ آلافِ درهم، كلُّ عشرةٍ وزنُ سبعةِ مثاقيلَ. وديةُ العمدِ المحضِ في مال القاتل مؤجَّلَةٌ في ثلاثِ سنينَ، وديةُ شبهِ العمدِ والخطأ على العاقلةِ مؤجلةٌ كذلك. وعند مالكٍ إن كان الجاني من أهل البادية، فالدية مئةٌ من الإبل تجبُ

стр. 734

في العمدِ أرباعًا، وفي الخطأ أخماسًا، كقول أبي حنيفةَ، إلا أنه جعلَ في الأخماسِ مكانَ ابنِ مخاضٍ ابنَ لبونٍ، والديةُ في التغليظ عندَه تجبُ أثلاثًا: ثلاثينَ حقةً، وثلاثين جذعةً، وأربعينَ خلفةً، وهي التي في بطونها أولادها غيرَ محدودةٍ أسنانُها، والتغليظُ عنده في قتلِ أحدِ الوالدين ولدَه على وجهٍ تقارنه الشبهةُ، وإن كانَ من أهلِ الذَّهَبِ، وهم أهلُ مصرَ والشامِ والمغربِ، فهي ألفُ دينارٍ، وإن كان من أهلِ الوَرِقِ، وهم أهلُ العراقِ وفارسَ وخراسانَ، فهي اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ، وديةُ العمدِ على القاتلِ في ماله مؤجَّلَةٌ في ثلاثِ سنينَ كقولِ أبي حنيفة، وقيل: حَالَّةٌ، وديةُ الخطأ على العاقلةِ مؤجَّلَةٌ كذلك. وعندَ الشافعيِّ مئةُ بعيرٍ مثلثةٌ في العمدِ وشبهِه؛ كقولِ مالكٍ في التغليظ، وفي الخطأ مخمسةٌ كقول مالكٍ، فلو عُدمَتْ، فالقديمُ من مذهبه ألفُ دينارٍ، أو اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ، والجديدُ قيمتُها بنقدِ بلدِه، وديةُ العمدِ على الجاني معجَّلَةٌ، وشبهِ العمدِ والخطأ على العاقلةِ مؤجَّلَةٌ. وعندَ أحمدَ مئةٌ من الإبلِ، أو مئتا بقرةٍ، أو ألفا شاةٍ، أو ألفُ مثقالٍ ذهبًا، أو اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ فضةً، فهذه الخمسُ أصول في الدية، إذا أحضرَ (١) مَنْ عليه الديةُ شيئًا منها، لزمَ قبولُه، وتجبُ الإبلُ في العمدِ وشبهِه أرباعًا، وفي الخطأ أخماسًا كقولِ أبي حنيفةَ، ويؤخذ في البقر النصفُ مُسِنَّاتٌ، وهي التي لها سنتانِ، والنصفُ أَتْبِعَةٌ، وهي التي لها سنةٌ، وفي الغنم النصفُ ثَنايا، وهي التي لها سنةٌ، والنصفُ جذعَةٌ، وهي التي لها ستة أشهر، ولا تعتبرُ القيمةُ في شيء من ذلك بعدَ أن يكون سليمًا من العيب، وديةُ العمدِ المحضِ في مال الجاني حالَّةٌ، وشبهِ العمدِ والخطأ

стр. 735

على عاقلتِه في ثلاثِ سنينَ، وديةُ المرأةِ نصفُ دية الرجل باتفاقهم. واختلفوا في ديةِ الذمِّيِّ والمجوسيِّ، فقال أبو حنيفةَ: هي كديةِ المسلم سواء، وقال مالكٌ وأحمدُ: ديةُ الذميِّ نصفُ ديةِ المسلم، والمجوسيِّ ثمانُ مئةِ درهمٍ، وقال الشافعيُّ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ ثلثُ ديةِ مسلمٍ، والمجوسيِّ ثلثا عُشْرِ دية (١) مسلمٍ، وديات نسائِهم نصفُ دياتِ رجالِهم بالاتفاق. وديةُ العبدِ والأمةِ قيمتُهما بالغةً ما بلغَتْ عندَ الثلاثة، وقال أبو حنيفةَ: من قتلَ عبدًا خَطَأً، فعليه قيمتُه، لا يُزاد على عشرةِ آلافٍ إلا عشرةٌ، وفي الأمةِ خمسةُ آلافٍ إلا عشرةً، وإن كانَ أقلَّ من ذلك، فعليه قيمتُه، وخالفه أبو يوسفَ، فوافق الجماعةَ. واختلفوا في العاقلة، فقال الثلاثة: هم العصبة قَرُبوا أو بَعُدوا، ومنهم الأصولُ والفروعُ، وقال الشافعيُّ: هم عصبته إلا الأصلَ والفرعَ، يقدَّمُ الأقربُ فالأقربُ. ولا عقلَ على الصبيانِ والنساءِ بالاتفاقِ. فإن فُقِدَ العاقلُ، عقلَ بيتُ المالِ عن المسلمِ، فإن فُقِدَ، فكلُّ الديةِ على الجاني بالاتفاق. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ . [٩٣] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بأنْ يقصدَ قتلَه بنيتِهِ وفعلِه مع علمِه بإيمانِه.

стр. 736

﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ نزلَتْ في مِقْيَسِ بنِ صبابةَ، وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النجار، ولم يظهرْ قاتلُه، فأمرَهُم رسولُ الله ﷺ أن يدفعوا إليه ديتَهُ، فدفعوا إليه، ثم حملَ على مسلمٍ فقتلَه، ورجعَ إلى مكةَ مرتدًّا (١). ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ طردَهُ عن الرحمةِ. ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. واختلِفَ في قبولِ توبةِ القاتلِ، فجماعةٌ على أن لا تقبلَ توبتُه، والذي عليه الجمهورُ، وهو مذهبُ أهل السنَّةِ: أنَّ قاتلَ المسلمِ عمدًا توبتُه مقبولةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ولقوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢)، ويحملون الآيةَ على من قَتَلَ مؤمنًا مستحِلًا لقتله ولم يتبْ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.

стр. 737

[٩٤] ونزل في أسامةَ بنِ زيدٍ لما وُجِّهَ في سريَّةٍ، فسمعَ رجلًا يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، السلامُ عليكم، فقتلَهُ واستاقَ غنمَهُ، ورجعَ إلى النبيِّ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ (١) سافرتُم للجهادِ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ تأمَّلُوا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَتَثَبَّتُوا) في الحرفين؛ من الثباتِ والتأَنِّي، وقرأ الباقون: [بالياء والنون من التبيُّن، وهو التأمُّلُ (٢). ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ وهو تحية الإسلام. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ: (السَّلَمَ) بغير ألفٍ، وهو المفاداةُ، وهو قولُ لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ الله. وقرأ الباقونَ] (٣) بالأول (٤)؛ أي: إذا رأيتم أَمارةً ظاهرةً على إسلامِ شخصٍ، فلا تقتلوه، ولا تقولوا: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ إنما تفعلُ هذا تقيَّةَّ لحفظِ مالك ونفسِكَ. قرأ أبو جعفر بخلافٍ عنه (مُوْمِنًا) بإسكانِ الواو بغير همز (٥).

стр. 738

﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ منافِعَها. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: غنائمُ. ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تكتمون إيمانَكم من المشركين. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالهدايةِ وإظهارِ الإسلام، ورُويَ أنه ﷺ قال: "أَقَتَلْتُمُوهُ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ؟ "، ووجَدَ عليه، فقالَ أسامة: استغفرْ لي يا رسولَ الله، فقال: "فكيفَ بِلا إلهَ إلا الله؟ " مرارًا، قال أسامة: فوددْتُ أَني لم أكنْ أسلمتُ إلا يومَئِذٍ" (١). قرأ أبو عمرو: (كَذَلِك كنْتُمْ) بإدغام الكاف في الكاف. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمنًا خطأً، كرَّرها تأكيدًا وزجرًا عن الإقدامِ على القتل. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ عالمًا به، فلا تُقدموا على القتلِ، واحتاطوا فيه. ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ . [٩٥] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن الجهادِ. نزلتْ في فضلِ

стр. 739

الجهادِ والحثِّ عليه، فلما سمعَ ابنُ أمِّ مكتومٍ -وكانَ أَعمى- النبيَّ ﷺ يُمليها على زيدِ بنِ ثابتٍ قال: "يا رسولَ اللهِ! لو استطعتُ الجهادَ لجاهدْتُ" فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) أي: المرض؛ من عمًى وغيرِه. قرأ نافعٌ وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ (غَيْرَ) بنصبِ الراء؛ أي: إلا أولي الضرر، وقرأ الباقون: برفع الراء على نعتِ (القاعِدون) (٢)، يريدُ: لا يستوي القاعدونَ الذين هم غيرُ أولي الضرر. ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ من قعدَ عن الجهاد من غيرِ عذرٍ. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ للعذرِ. ﴿دَرَجَةً﴾ فضيلةً؛ لأن المجاهدَ مباشِرٌ مع النية، والقاعدَ له نيةٌ، ولكن لم يباشرْ، فنزلوا عنهم بدرجةٍ. ﴿وَكُلًّا﴾ من الفريقين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وهي الجنةُ. ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ مطلقًا.

стр. 740

﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ بعذرٍ وغيرِه. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: أَجَرَهم أجرًا عظيمًا. ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ نصبٌ بدلٌ من ﴿أجرًا﴾. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ عطفٌ على درجات. عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" فعجبَ بها أبو سعيدٍ، قال: أَعِدْها عليَّ يا رسولَ اللهِ، ففعلَ، قالَ رسول الله ﷺ : "وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا الْعَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" فقال: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ" (١). ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما (٢) عساه يفرطُ منهم. ﴿رَحِيمًا﴾ بما وعدَ لهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا
следующие страницы →