﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ هم شهداءُ أُحُدٍ.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ سائرِ الصحابةِ، واللفظُ يعمُّ كلَّ صالحٍ وشهيدٍ، والله أعلم. قال ﷺ : "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١).
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: ما أحسنَ أولئكَ رفقاءَ في الجنةِ بأن يُستمتَعَ فيها برؤيتِهم وزيارتِهم والحضورِ معهم، وإن كانَ مقرُّهم في درجاتٍ عاليةٍ بالنسبةِ إلى غيرِهم، ومن فضلِ الله تعالى على غيرِهم أنَّه قد رُزِقَ الرِّضا بحالِه، وذهبَ عنه أن يعتقدَ أنه مفضولٌ؛ انتفاءً للحسرةِ في الجنةِ التي تختلفُ المراتبُ فيها على قَدْرِ الأعمالِ، وعلى قدرِ فضلِ اللهِ على مَنْ يشاء.
﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ .
[٧٠] ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إِلى ما للمطيعينَ من الأجرِ.
﴿الْفَضْلُ﴾ صفتُهُ.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبرُهُ.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بجزاءِ مَنْ أطاعَهُ، فإنَّهُ يعطيهم ما عَلِمَهُ لهم.
стр. 713
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ .
[٧١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تَيَقَّظوا لعدوِّكم، والحِذْرُ والحَذَرُ واحدٌ، وهو الاحترازُ.
﴿فَانْفِرُوا﴾ فاخرُجوا.
﴿ثُبَاتٍ﴾ سرايا متفرِّقينَ.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ كلُّكم مع نبيِّكم ﷺ ، وأصلُ النَّفْرِ: الانزعاجُ من الشيءِ أو إلى الشيءِ.
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾ .
[٧٢] ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ واللام في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لامُ القسم، والتبطئةُ: التأخُّرُ عن الأمر، والخطابُ لعسكرِ النبيِّ ﷺ . المعنى: وإن منكم؛ أي: عبدَ اللهِ بنَ أُبي وأصحابَه ليتأخَّرَنَّ عن الغزو تثَاقُلًا. قرأ أبو جعفرٍ: (لَيُبَطِّيَنَّ) بفتح الياء بغير همز، والباقون: بالهمز.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ قتلٌ أو هزيمةٌ.
﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بالقعودِ.
﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حاضرًا، فيصيبني ما أصابَهُمْ.
стр. 714
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾ .
[٧٣] ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ سلامةٌ وغنيمةٌ.
﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا المنافقُ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ.
﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ متصلٌ بقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ تقديره: فإن أصابتكم مصيبةٌ، قال: قد أنعمَ الله عليَّ إذ لم أكنْ معهم شهيدًا؛ كأن لم تكنْ بينَكم وبينَهم مودة؛ أي: معرفة. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ، ورويسٌ: (تَكُنْ) بالتاءِ، والباقون: بالتاء (١)، ولئن أصابكم فضلٌ من الله ليقولن:
﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ في تلكَ الغَزاةِ.
﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ آخذَ نصيبًا وافرًا من الغنيمةِ (فأفوزَ) نُصب على جوابِ التمنيِّ.
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾.
стр. 715
[٧٤] ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي: يشترونَ.
﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ومعناه: آمِنوا أيُّها المنافقونَ، وجاهِدوا في سبيلِ الله. وقيل: نزلَتْ في المؤمنين، فيكونُ معناه: فليقاتلْ في سبيلِ اللهِ الذين يختارونَ الأُخرى على الدنيا.
﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يُسْتَشْهَدْ.
﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ يظفرْ بعدوِّهِ.
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في كِلا الحالتين. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، وخلادٌ: (يَغْلِب فسَوْفَ) و (تَعْجَب فعَجَبٌ) وشبهَه حيثُ وقعَ بإدغامِ الباءِ في الفاء، والباقون: بالإظهار (١).
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾.
[٧٥] ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعةِ اللهِ، استفهامُ توبيخٍ على تركِ الجهادِ.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: وفي سبيل المستضعفين.
﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ﴾ بمكةَ، صَدَّهم المشركونَ عن الهجرة وآذَوْهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ .
[٧٧] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن القتالِ. نزلتْ في جماعةٍ من الصحابةِ كانوا يَلْقَوْنَ من المشركينَ بمكة أذًى كثيرًا قبلَ الهجرة، فقالوا: يا رسول الله! ائذنْ لنا في قتالِهم، فإنهم قد آذَوْنا، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ" (١).
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فلما هاجروا إلى المدينة، وأمرهم الله بقتالِ المشركينَ، شَقَّ ذلك على بعضِهم، قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ أي: فُرِض.
﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يعني: مشركي مكةَ.
﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: كخشيتِهم منَ اللهِ.
﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أكبرَ.
﴿خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الجهاد.
﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا.
﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إلى أن نجدَ من نستنصرُ به.
стр. 718
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أي: منفعتُها والاستمتاعُ بها.
﴿قَلِيلٌ﴾ سريعُ التَّقَضِّي.
﴿وَالْآخِرَةُ﴾ أي: وثوابُ الآخرةِ.
﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الشركَ.
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ هو ما في شقِّ النواةِ طولًا، وتقدمَ تفسيرُه. المعنى: لا يقعُ نقصٌ في شيءٍ من الحسناتِ ثَمَّ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وروحٌ: (يُظْلَمُوَن) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١).
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ .
[٧٨] ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: ينزلْ بكمُ الموتُ. نزلت في المنافقينَ الذين قالوا في قَتْلَى أُحد: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، فردَّ الله عليهم، وأخبرَ أنَّ الحذرَ لا ينُجي من القَدَرِ.
﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ حُصونٍ.
стр. 719
﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ مرتفعةٍ.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ أي: المنافقينَ ومَنْ جرى مجراهُمْ.
﴿حَسَنَةٌ﴾ خصبٌ وظفرٌ يومَ بدرٍ.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لنا.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ جَدْبٌ وهزيمة يومَ أُحُدٍ.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يا محمدُ؛ أي: بسبب شُؤْمِكَ، فقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿كُلٌّ﴾ الحسنة والسيئة.
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ بقضائه وقَدَرِهِ، ثم عَيَّرَهم بالجهلِ فقال:
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يعني: المنافقين.
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ والفقهُ لغةً: الفَهْمُ. وقف أبو عمرٍو، والكسائيُّ بخلافٍ عنه على الألف دونَ اللام من قوله (فَمَالِ هَؤُلاَءِ) (١)، و (مَالِ هذَا الكِتابِ) في سورةِ الكهفِ، و (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) في الفرقان، (فَمَالِ الَّذِينَ) في سألَ، ووقف الباقون (فمال) على اللام اتباعًا للخَطِّ، بخلافٍ عن الكسائيِّ، قالَ ابنُ عطية: ومنعه قومٌ جملةً؛ لأنها حرف جر، فهي بعضُ المجرور، وهذا كله بحسب ضرورةِ أو (٢) انقطاعِ نفسٍ، وأما أن يختارَ أحدٌ الوقفَ فيما ذكرناه ابتداءً، فلا، انتهى (٣).
[٩٠] ثم استثنى من القتل، لا من الموالاة، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ ينتسبونَ ويلتجئونَ بالحِلْفِ.
﴿إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عهدٌ، وهم قيل (١) قومُ هلالِ بنِ عويمرٍ الأسلميِّ، كان قد وادعَهُ النبيُّ ﷺ قبلَ خروجِه إلى مكةَ ألا يُعينَه ولا يُعينَ عليه، ومن وصلَ إلى هلالٍ من قومِه وغيرِهم فلهُ من الجوارِ مثل ما لهلالٍ.
﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ أي: يَتَّصلونَ بقومٍ جاؤوكم.
﴿حَصِرَتْ﴾ ضاقَتْ.
﴿صُدُورُهُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وأبو جعفرٍ، وقالونُ، وورشٌ، وهشامٌ: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) بإظهار التاء عند الصاد، والباقون: بالإدغام، وقرأ يعقوبُ: (حَصِرَةً) بالفتح والتنوين؛ أي: ضَيِّقَةً صدورُهم (٢).
﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: ضاقت قلوبُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم، وهم الذين عاهدوا النبيَّ ﷺ تلخيصُه: إن لم يأتوا بالإسلامِ كما ينبغي، فاقتلوهم، واجتنبوهم، إلا المتَّصفينَ بهذهِ الصفاتِ، فاتركوهم.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ لِحكَمٍ يعلَمُها.
﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ مع قومِهم، ولم يكفُّوا عنكم.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ولم يتعرَّضوا لكم.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ .
[٩٢] ونزل في عَيَّاشِ بنِ أبي (١) ربيعةَ أخي أبي جهلٍ من الأمِّ لما لقيَ حارثَ بنَ زيدٍ في طريقٍ، وكانَ قد أسلمَ، ولم يشعرْ به عياشٌ، فقتلَه:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ (٢) أي: ما ينبغي لمؤمنٍ.
﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ استثناءٌ منقطعٌ، معناه: لكنْ إن وقعَ خطأٌ، فتحريرُ رقبةٍ، والخطأُ: ما لم يتعمَّدِ الإنسانُ.
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ﴾ أي: فالواجبُ على القاتل عتقُ.
﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كفارةً باتفاقِ الأئمةِ إذا كان المقتول حُرًّا مسلمًا، فإن كان المقتولُ ذِمِّيًّا أو عبدًا، قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ: تجبُ الكفارةُ في قتلِه كوجوبِها في حقِّ الحرِّ المسلمِ، وقال مالكٌ: لا تجبُ بقتلِ عبدٍ ولا كافرٍ، فإن كانَ القتلُ عمدًا، فقال الشافعيُّ: تجبُ الكفارة، وقال الثلاثة: لا تجبُ، وإذا قتلَ الكافرُ مسلِمًا خطأً، فقال الشافعيُّ وأحمدُ:
стр. 732
تجبُ عليه الكفارة، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا كفارةَ عليه.
﴿وَدِيَةٌ﴾ هي المالُ المؤدَّى إلى مَجْنِيٍّ عليه، أو وليِّه بسببِ جنايةٍ (١).
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مُؤَدَّاةٌ.
﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ إلى وَرَثَةِ القتيلِ بدلَ النفسِ، والرقبةُ في مالِ القاتلِ، والديةُ على عاقلتِه، فإن لم يكن له ورثةٌ، فلبيتِ المال.
﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ يعفوا ويتركوا الديةَ.
﴿فَإِنْ كَانَ﴾ المقتولُ.
﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أي: حربٍ للمسلمين، لا عهدَ بينَكم وبينَهم.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ محكومٍ بإسلامِها، وإن كانتْ صغيرةً، ولا ديةَ فيه بالاتفاق؛ إذ لا وراثةَ بينَه وبينَ أهله؛ لأنهم كفارٌ محاربون.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ المقتول ذميًّا، أو معاهدًا.
﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ لأن حكمَهُ حكمُ المسلمِ بالاتفاق.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: لم (٢) يملكِ الرقبةَ، ولا يقدرُ على تحصيلِها.
﴿فَصِيَامُ﴾ أي: فعليه صيامُ.
﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: جعل اللهُ ذلكَ توبةً لقاتلِ الخطأ.
стр. 733
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن قتل ﴿حَكِيمًا﴾ فيما أمرَ في شأنه.
واعلمْ أن القتلَ على ثلاثةِ أقسامٍ:
عَمْدٌ محضٌ: وهو أن يقتلَه بما يغلبُ على الظنِّ موته به؛ كالسيفِ ونحوِه، ففيه القصاصُ بشروطِه، أو الديةُ بالاتفاقِ.
وشِبْهُ عمدٍ: وهو أن يقصدَ الجنايةَ بما لا يقتُلُ غالبًا؛ كالحجرِ والعصا ونحوِهما، ففيهِ الديةُ دونَ القصاصِ عندَ الثلاثةِ، ومالكٌ ﵀ لا يرى شبهَ العمد، ولا يقولُ به في شيء، وإنما القتلُ عندَه عمدٌ أو خطأٌ، لا غيرُ، فإذا أصابَه بما لا يقتلُ غالبًا، فماتَ، فعندَه يجبُ فيه القصاصُ.
وخطأ: وهو أن يرمي شخصًا يظنُّه صيدًا أو حربيًّا، فإذا هو مسلمٌ، ففيه الديةُ، ولا قصاصَ فيه بالاتفاق.
وأما قدرُ ديةِ الحرِّ المسلمِ، فعند أبي حنيفةَ مئةٌ من الإبل، فالمغلَّظَةُ: وهي التي بسببِ العمدِ المحضِ وشبهِ العمدِ تجبُ أرباعًا: خمسًا وعشرينَ بنتَ مخاضٍ، وهي التي طعنَتْ في السنة الثانية، وخمسًا وعشرين بنتَ لَبونٍ، وهي التي طعنت في السنةِ الثالثة، وخمسًا وعشرين حِقَّةً، وهي التي طعنتْ في السنةِ الرابعة، وخمسًا وعشرين جَذَعَةً، وهي التي طعنت في السنة الخامسة، والمخفَّفَةُ: وهي التي بسبب قتلِ الخطأ تجبُ أخماسًا: عشرينَ ابنَ مخاضٍ، ومثلُها بناتُ مخاض، وبناتُ لَبون، وحقاقٌ، وجذعٌ، أو ألفُ دينار، أو عشرةُ آلافِ درهم، كلُّ عشرةٍ وزنُ سبعةِ مثاقيلَ.
وديةُ العمدِ المحضِ في مال القاتل مؤجَّلَةٌ في ثلاثِ سنينَ، وديةُ شبهِ العمدِ والخطأ على العاقلةِ مؤجلةٌ كذلك.
وعند مالكٍ إن كان الجاني من أهل البادية، فالدية مئةٌ من الإبل تجبُ
стр. 734
في العمدِ أرباعًا، وفي الخطأ أخماسًا، كقول أبي حنيفةَ، إلا أنه جعلَ في الأخماسِ مكانَ ابنِ مخاضٍ ابنَ لبونٍ، والديةُ في التغليظ عندَه تجبُ أثلاثًا: ثلاثينَ حقةً، وثلاثين جذعةً، وأربعينَ خلفةً، وهي التي في بطونها أولادها غيرَ محدودةٍ أسنانُها، والتغليظُ عنده في قتلِ أحدِ الوالدين ولدَه على وجهٍ تقارنه الشبهةُ، وإن كانَ من أهلِ الذَّهَبِ، وهم أهلُ مصرَ والشامِ والمغربِ، فهي ألفُ دينارٍ، وإن كان من أهلِ الوَرِقِ، وهم أهلُ العراقِ وفارسَ وخراسانَ، فهي اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ، وديةُ العمدِ على القاتلِ في ماله مؤجَّلَةٌ في ثلاثِ سنينَ كقولِ أبي حنيفة، وقيل: حَالَّةٌ، وديةُ الخطأ على العاقلةِ مؤجَّلَةٌ كذلك.
وعندَ الشافعيِّ مئةُ بعيرٍ مثلثةٌ في العمدِ وشبهِه؛ كقولِ مالكٍ في التغليظ، وفي الخطأ مخمسةٌ كقول مالكٍ، فلو عُدمَتْ، فالقديمُ من مذهبه ألفُ دينارٍ، أو اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ، والجديدُ قيمتُها بنقدِ بلدِه، وديةُ العمدِ على الجاني معجَّلَةٌ، وشبهِ العمدِ والخطأ على العاقلةِ مؤجَّلَةٌ.
وعندَ أحمدَ مئةٌ من الإبلِ، أو مئتا بقرةٍ، أو ألفا شاةٍ، أو ألفُ مثقالٍ ذهبًا، أو اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ فضةً، فهذه الخمسُ أصول في الدية، إذا أحضرَ (١) مَنْ عليه الديةُ شيئًا منها، لزمَ قبولُه، وتجبُ الإبلُ في العمدِ وشبهِه أرباعًا، وفي الخطأ أخماسًا كقولِ أبي حنيفةَ، ويؤخذ في البقر النصفُ مُسِنَّاتٌ، وهي التي لها سنتانِ، والنصفُ أَتْبِعَةٌ، وهي التي لها سنةٌ، وفي الغنم النصفُ ثَنايا، وهي التي لها سنةٌ، والنصفُ جذعَةٌ، وهي التي لها ستة أشهر، ولا تعتبرُ القيمةُ في شيء من ذلك بعدَ أن يكون سليمًا من العيب، وديةُ العمدِ المحضِ في مال الجاني حالَّةٌ، وشبهِ العمدِ والخطأ
стр. 735
على عاقلتِه في ثلاثِ سنينَ، وديةُ المرأةِ نصفُ دية الرجل باتفاقهم.
واختلفوا في ديةِ الذمِّيِّ والمجوسيِّ، فقال أبو حنيفةَ: هي كديةِ المسلم سواء، وقال مالكٌ وأحمدُ: ديةُ الذميِّ نصفُ ديةِ المسلم، والمجوسيِّ ثمانُ مئةِ درهمٍ، وقال الشافعيُّ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ ثلثُ ديةِ مسلمٍ، والمجوسيِّ ثلثا عُشْرِ دية (١) مسلمٍ، وديات نسائِهم نصفُ دياتِ رجالِهم بالاتفاق.
وديةُ العبدِ والأمةِ قيمتُهما بالغةً ما بلغَتْ عندَ الثلاثة، وقال أبو حنيفةَ: من قتلَ عبدًا خَطَأً، فعليه قيمتُه، لا يُزاد على عشرةِ آلافٍ إلا عشرةٌ، وفي الأمةِ خمسةُ آلافٍ إلا عشرةً، وإن كانَ أقلَّ من ذلك، فعليه قيمتُه، وخالفه أبو يوسفَ، فوافق الجماعةَ.
واختلفوا في العاقلة، فقال الثلاثة: هم العصبة قَرُبوا أو بَعُدوا، ومنهم الأصولُ والفروعُ، وقال الشافعيُّ: هم عصبته إلا الأصلَ والفرعَ، يقدَّمُ الأقربُ فالأقربُ.
ولا عقلَ على الصبيانِ والنساءِ بالاتفاقِ.
فإن فُقِدَ العاقلُ، عقلَ بيتُ المالِ عن المسلمِ، فإن فُقِدَ، فكلُّ الديةِ على الجاني بالاتفاق.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ .
[٩٣] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بأنْ يقصدَ قتلَه بنيتِهِ وفعلِه مع علمِه بإيمانِه.
стр. 736
﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ نزلَتْ في مِقْيَسِ بنِ صبابةَ، وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النجار، ولم يظهرْ قاتلُه، فأمرَهُم رسولُ الله ﷺ أن يدفعوا إليه ديتَهُ، فدفعوا إليه، ثم حملَ على مسلمٍ فقتلَه، ورجعَ إلى مكةَ مرتدًّا (١).
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ طردَهُ عن الرحمةِ.
﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
واختلِفَ في قبولِ توبةِ القاتلِ، فجماعةٌ على أن لا تقبلَ توبتُه، والذي عليه الجمهورُ، وهو مذهبُ أهل السنَّةِ: أنَّ قاتلَ المسلمِ عمدًا توبتُه مقبولةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ولقوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢)، ويحملون الآيةَ على من قَتَلَ مؤمنًا مستحِلًا لقتله ولم يتبْ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.
стр. 737
[٩٤] ونزل في أسامةَ بنِ زيدٍ لما وُجِّهَ في سريَّةٍ، فسمعَ رجلًا يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، السلامُ عليكم، فقتلَهُ واستاقَ غنمَهُ، ورجعَ إلى النبيِّ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ (١) سافرتُم للجهادِ.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ تأمَّلُوا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَتَثَبَّتُوا) في الحرفين؛ من الثباتِ والتأَنِّي، وقرأ الباقون: [بالياء والنون من التبيُّن، وهو التأمُّلُ (٢).
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ وهو تحية الإسلام. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ: (السَّلَمَ) بغير ألفٍ، وهو المفاداةُ، وهو قولُ لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ الله. وقرأ الباقونَ] (٣) بالأول (٤)؛ أي: إذا رأيتم أَمارةً ظاهرةً على إسلامِ شخصٍ، فلا تقتلوه، ولا تقولوا:
﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ إنما تفعلُ هذا تقيَّةَّ لحفظِ مالك ونفسِكَ. قرأ أبو جعفر بخلافٍ عنه (مُوْمِنًا) بإسكانِ الواو بغير همز (٥).
стр. 738
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ منافِعَها.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: غنائمُ.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تكتمون إيمانَكم من المشركين.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالهدايةِ وإظهارِ الإسلام، ورُويَ أنه ﷺ قال: "أَقَتَلْتُمُوهُ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ؟ "، ووجَدَ عليه، فقالَ أسامة: استغفرْ لي يا رسولَ الله، فقال: "فكيفَ بِلا إلهَ إلا الله؟ " مرارًا، قال أسامة: فوددْتُ أَني لم أكنْ أسلمتُ إلا يومَئِذٍ" (١). قرأ أبو عمرو: (كَذَلِك كنْتُمْ) بإدغام الكاف في الكاف.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمنًا خطأً، كرَّرها تأكيدًا وزجرًا عن الإقدامِ على القتل.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ عالمًا به، فلا تُقدموا على القتلِ، واحتاطوا فيه.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ .
[٩٥] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن الجهادِ. نزلتْ في فضلِ
стр. 739
الجهادِ والحثِّ عليه، فلما سمعَ ابنُ أمِّ مكتومٍ -وكانَ أَعمى- النبيَّ ﷺ يُمليها على زيدِ بنِ ثابتٍ قال: "يا رسولَ اللهِ! لو استطعتُ الجهادَ لجاهدْتُ" فنزل:
﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) أي: المرض؛ من عمًى وغيرِه. قرأ نافعٌ وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ (غَيْرَ) بنصبِ الراء؛ أي: إلا أولي الضرر، وقرأ الباقون: برفع الراء على نعتِ (القاعِدون) (٢)، يريدُ: لا يستوي القاعدونَ الذين هم غيرُ أولي الضرر.
﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ من قعدَ عن الجهاد من غيرِ عذرٍ.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ للعذرِ.
﴿دَرَجَةً﴾ فضيلةً؛ لأن المجاهدَ مباشِرٌ مع النية، والقاعدَ له نيةٌ، ولكن لم يباشرْ، فنزلوا عنهم بدرجةٍ.
﴿وَكُلًّا﴾ من الفريقين.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وهي الجنةُ.
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ مطلقًا.
стр. 740
﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ بعذرٍ وغيرِه.
﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: أَجَرَهم أجرًا عظيمًا.
﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ .
[٩٦] ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ نصبٌ بدلٌ من ﴿أجرًا﴾.
﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ عطفٌ على درجات.
عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" فعجبَ بها أبو سعيدٍ، قال: أَعِدْها عليَّ يا رسولَ اللهِ، ففعلَ، قالَ رسول الله ﷺ : "وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا الْعَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" فقال: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ" (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما (٢) عساه يفرطُ منهم.
﴿رَحِيمًا﴾ بما وعدَ لهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا