لتأخُّرِها على الدار الأولى، كما سُميت الأولى دُنيا؛ لدنوِّها من الخلقِ الأولِ، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَعْقِلُونَ) بالخطاب، وقرأ الباقونَ: بالغيب (١).
...
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ولما قالَ أبو جهلٍ: إنَّا لا نكذِّبُكَ يا محمدُ، بل نكذِّبُ ما جئتَ به، نزلَ تسليةً له، ووعدًا ووعيدًا لهم:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ فيكَ، وفيما جئتَ به؛ من التكذيبِ؛ لأنَّهم إذا كذَّبوا ما جاءَ به، فقد كذبوه. قرأ نافع: (لَيُحْزِنُكَ) بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي، والباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الزاي (٢)، وكلُّ ما جاءَ في القرآنِ بعدَ العلمِ لفظةُ (إِنَّ)، فهي بفتحِ الهمزةِ إلَّا في موضعين:
أحدُهما: هنا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ والثاني:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ في سورةِ المنافقين، وإنما كانَ كذلكَ في هذينِ
стр. 950
الموضعينِ؛ لأنه يأتي بعدَهما لامُ الخبرِ، فلذا انكسرا.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: في الحقيقةِ؛ إذْ جحدُهم عنادٌ؛ أي: إنما يكذِّبونَ اللهَ بجحدِهم. قرأ نافعٌ، والكسائيُّ: (يُكْذِبُونَكَ) بسكونِ الكافِ وتخفيفِ الذالِ؛ من الإكذابِ، وهو أن يجدَه كاذبًا، وقرأ الباقونَ: بالتشديدِ؛ من التكذيبِ، وهو أن ينسبَه إلى الكذب، ويقولَ له: كذبت (١).
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالةِ على صدقِك ﴿يَجْحَدُونَ﴾.
...
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ثم آنسَهُ بقوله:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كَذَّبَهم قومُهم كما كَذَّبَكَ قومُكَ قريشٌ.
﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ الذي كُنَّا وعدْناهم به في قولنا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١]، وهذا تسليةٌ له.
﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ المتضمنةِ للنصرِ.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من أخبارهم ما تسكنُ بهِ نفسُك.
...
стр. 951
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] وكان ﷺ يكرهُ كفرَهم، ويحبُّ مجيءَ الآياتِ لِيُسلموا، فنزل:
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾ عَظُمَ وشقَّ عليكَ.
﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ عن الإسلامِ.
﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ﴾ تطلبَ.
﴿نَفَقًا﴾ سَرَبًا تستترُ فيه.
﴿فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا﴾ مصعدًا.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾ فتصعدَ فيه.
﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ فافعلْ، ثم عَرَّفَهُ تعالى أنه ليسَ بيدِه شيءٌ من أمرِهم فقالَ:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مشيئةَ قدرةٍ وقهرٍ.
﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ فآمَنوا كلُّهم، وهذا ردٌّ على القدريَّةِ المفوضةِ الذين يقولون: إن القدرةَ لا تقتضي أن يؤمنَ الكافرون، وإنَّ ما يأتيه الإنسانُ من جميعِ أفعالِه لا خلقَ لله فيه، تعالى اللهُ عن قولهم.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ليسَ المرادُ لا تكونَنَّ ممن يجهلُ أنَّ اللهَ لو شاءَ لجمعَهم على الهدى؛ إذ فيه إثباتُ الجهلِ لصفةٍ من صفاتِ الله، وذلك لا يجوزُ على الأنبياء، وإنما المقصودُ وعظُه ألَّا يتشبَّهَ في أمرِه بسماتِ الجاهلين.
стр. 952
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾
[٣٦] ثم أخبرَ أن حرصَه على هدايتِهم لا ينفعُ؛ لعدم سمعهم كالموتى بقولِه:
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ يعني: المؤمنينَ الذين يقبلونَ ما يسمعونَ فينتفعونَ به.
﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: الكفارَ.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ فيَجزيهم بأعمالِهم.
...
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: رؤساءَ قريشٍ.
﴿لَوْلَا﴾ هلَّا.
﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: مما اقترحوه.
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ تضطُّرهم إلى الإيمان؛ كنتق الجبل لبني إسرائيل. قرأ ابنُ كثير: (يُنْزِلَ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديد (١).
стр. 953
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما عليهم من إنزالها؛ لأنها لو نزلت ولم يؤمنوا، لأُهلكوا.
...
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ تدبُّ على وجهها.
﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ في الهواء، وقيدَ بالجناح؛ لنفيِ المجاز؛ لأنه يقالُ لغير الطائر: طارَ: إذا أسرعَ.
﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في كونها مرزوقةً مقدرًا (١) آجالُها.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما غفلْنا في اللوحِ المحفوظِ؛ لأن جميع الأشياء مكتوبةٌ فيه.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن عباس: "حَشْرُهَا مَوْتُها" (٢)، وقال أبو هريرةَ: "يحشرُ اللهُ تعالى الخلقَ كلَّهم يومَ القيامةِ البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكلَّ شيءٍ، فيؤخذُ للجَمَّاءِ من القَرْناءِ، ثمَّ يُقال: كوني تُرابًا، فحينئذ يتمنَّى الكافرُ أنْ لو كانَ تُرابًا" (٣).
...
стр. 954
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ مبتدأ، خبرُه:
﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ لا يسمعون خيرًا، ولا يقولونه.
﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ في الضلالاتِ.
﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ مبتدأٌ، خبرُه:
﴿يُضْلِلْهُ﴾ بخذلانِه.
﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بأنْ يرشدَه إلى الهدى.
...
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَرَأيْتكمْ) وَ (أَرَأَيْتُمْ) و (أَرَأَيْتَ) (أَفَرَأَيْتَ) بتسهيلِ الهمزةِ التي بعدَ الراء، وجعلِها بينَ الهمزةِ والألفِ تخفيفًا؛ لئلَّا يجتمعَ همزتان في فعلٍ مع اتصالِ الضميرِ به، وعن ورشٍ إبدالُها ألفًا، والكسائيُّ يُسقطها أصلًا حيثُ وقعَ، والباقونَ بتحقيقِها على الأصل، والتاءُ مفتوحةٌ مع الكافِ والهاءِ في الواحدِ والاثنينِ، وجمعِ المذكرِ والمؤنث، نحو: (أرأيتَكَ) (أرأيتكما) (١) (أرأيتكنَّ) (٢)، ولا محلَّ
стр. 955
للكافِ من الإعرابِ، ولا يجوزُ أن يكونَ مرفوعًا، تقديره: أرأيتُم أنفسَكم، وليس الغرضُ أن يَرَوْا أنفسَهم، إنما الغرضُ أن يروا غيرَهم، ومعنى أرأيتكُمْ: أخبروني، ومفعولُه محذوفٌ تقديرُه: أرأيتكمْ عبادَتَكُمُ الأصنامَ هل تنفعُكُم.
﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ عندَ الموتِ.
﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: القيامةُ.
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ في صرفِ العذابِ عنكم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ الأصنامَ تنفعُكم؟ وجوابُه محذوفٌ؛ أي: فادعوهُ.
...
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ .
[٤١] ثم أخبر أنهم لا يدعونَ سواهُ في الشدائدِ فقالَ:
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ بلْ تَخُصُّونَهُ بالدعاءِ.
﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ما تدعونَ إلى كشفِه.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ أن يتفضَّلَ عليهم، ولا يشاءُ في الآخرةِ.
﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وتتركونَ آلهتكُمْ في ذلكَ الوقتِ.
...
﴿مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي: بما جئتُ به، وكانوا قد استعجلوا العذابَ، فقال ﷺ :
﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذابِ.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ لا لي.
﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ من القضاءِ: الحكمِ؛ أي: يقضي القضاءَ الحقَّ. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ: (يَقُصُّ الْحَقَّ) بضمِّ القاف والصادِ المهملة مشدَّدًا؛ أي: يقولُ الحقَّ؛ لأنه في جميعِ المصاحفِ بغير ياء، ولأنه قالَ: (الحقَّ) ولم يقلْ: بالحق، وقرأ الباقون (يَقْضِ) بسكون القافِ وكسر الضادِ المعجمةِ (١)؛ من قضيتُ؛ أي: يحكمُ بالحقِّ؛ بدليل أنه قالَ:
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: الحاكمين، وحذفتِ الياءُ لاستثقالِ الألف واللامِ؛ كقوله: ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣]، ونحوها، وأثبتَ يعقوبُ الياءَ وقفًا. والقضاءُ شرعًا: هو الإلزامُ وفصلُ الحكوماتِ، ومنصبُ القضاءِ فرضُ كفايةٍ بالاتفاق، ويجبُ على من يصلُحُ له إذا طلبَ ولم يوجد غيرُه ممَّنْ يوثَقُ به الدخولُ فيهِ بغيرِ خلافٍ، قال الإمامُ أحمدُ: إلا أن يشغلَهُ عمَّا هو أهمَّ منه. ويُشترطُ في القاضي: العدالةُ والاجتهادُ عندَ الثلاثةِ، وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ قضاءُ الفاسقِ، ولا ينبغي أن يُوَلَّى، ويجوزُ تقليدُ الجاهلِ؛ لأنه يقدرُ على القضاءِ بالاستفتاءِ، والأَوْلى أن يكونَ عالمًا.
стр. 967
واختلفوا في صحَّةِ قضاءِ المرأةِ، فقال أبو حنيفةَ: يصحُّ قضاؤها فيما تُقْبَلُ فيه شهادتُها، وهو ما عدا الحدودَ والقصاصَ، وقال الثلاثةُ: لا يصحُّ قضاؤها مطلَقًا.
ويجوز القضاء على الغائبِ عندَ الثلاثةِ خلافًا لأبي حنيفةَ.
ويصحُّ التحكيمُ لمن يصلحُ للقضاء بالاتفاق، واختلفوا في حكمِه، فقال أحمد: ينفُذُ حتى في حدٍّ وقَوَدٍ، فهو كحاكم الإمامِ مطلقًا، وقال مالكٌ: حكمهُ ماضٍ في الأموالِ، فلو حكمَ بقتلٍ، أو اقتصَّ أو حدَّ أو لاعَنَ أُدِّبَ ومضى ما لم يكنْ جَوْرًا بَيِّنًا، قالَ الشافعيُّ: يصحُّ مطلقًا في غيرِ حَدٍّ للهِ تعالى، وقال أبو حنيفة مثلَهُ، لكنْ إذا رُفعَ إلى حاكمٍ آخرَ أمضاهُ إن وافقَ مذهبَهُ، وإن لم يُوافقْه أبطلَه، والحكمُ شرعًا: أمرٌ ونهيٌ يتضمَّن إلزامًا.
...
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذابِ.
﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان عندي ما استعجَلْتُم به من العذابِ عندي، لأنزلتهُ وتخلَّصْتُ منكم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: بالمشركينَ، وبوقتِ عقوبتِهم.
...
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.
стр. 968
[٥٩] ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ خزائنُه، جمعُ مِفْتَح بكسرِ الميم، وهو المفتاحُ، قال الكواشيُّ: وزعمَ بعضُهم أنه جمع مَفْتَحِ بفتحِ الميم، وهو المخزنُ، ومفاتحُ الغيبِ: الطرقُ الموصلةُ إلى علمهِ تشبيهًا بمفتاحِ الدارِ؛ لأن به يُفتح البابُ، فَيُتَوصَّلُ إلى ما فيها، والمرادُ: علمُ كلِّ ما غابَ؛ كقيامِ الساعةِ، ومتى يأتي المطرُ، وما تَغيضُ الأرحامُ، وما في غدٍ، والموتُ.
﴿لَا يَعْلَمُهَا﴾ أي: الطرقَ الموصلةَ إلى الغيبِ.
﴿إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ﴾ من المفاوِزِ والقِفارِ.
﴿وَالْبَحْرِ﴾ من القرى والأمصارِ خَصَّهما بالذكر لأنهما أعظمُ المخلوقاتِ المجاورةِ للبشرِ.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ يريدُ: ساقطةٍ وثابتةٍ.
﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ مبالغةً في إحاطةِ علمِه بالجزئيات.
﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ من الحباتِ المعروفةِ.
﴿فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ بطونِها.
﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ قال ابنُ عباسٍ: "الرَّطْبُ الماءُ، واليابسُ الباديةُ" (١).
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: في اللوحِ المحفوظِ ليعتبرَ الملائكةُ بذلكَ، لا أنه سبحانه كتبَ ذلكَ لنسيانٍ يلحقُه، تعالى عن ذلكَ المعنى، ما من شيءٍ من الأشياءِ إلا وهو يعلمُه حيثُما كان.
...
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ .
[٧٥] ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: كما أريناهُ البصيرةَ في دينه، والحقَّ في خلافِ قومِه، نُريهِ.
﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلقَهما وخلقَ ما فيهما الدَّالِّ على الربوبيةِ والوحدانيةِ، رُوي أنه رأى جميعَ السمواتِ والأرضِ وما فيهما حتى العرش، وأسفل السفل، فرأى عاصيًا، فدعا عليه فهلك، ثم آخرَ فدعا عليه فهلك، ثم آخرَ فدعا عليه فهلكَ، ثم آخر فأراد أن يدعوَ عليه، فقال تعالى: أنت مُستجابُ الدعوةِ، فلم تدعُوَنَّ على عبادي، فإنما أنا من أعبدي علي ثلاثِ خلالٍ (١): إما أن يتوبَ إليِّ فأتوبَ عليه، وإما أن أُخرجَ منه نسمةً تعبدني، وإما أن يُبعثَ إليَّ، فإن شئتُ عفوتُ عته، وإن شئتُ عاقبته (٢).
﴿وَلِيَكُونَ﴾ عطفٌ على المعنى، معناه: نريهِ ملكوتَ السماواتَ والأرضِ؛ ليستدلَّ به.
﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ من الموقنين، الموقنُ: العالمُ بالشيء عِلْمًا لا يمكنُ أن يطرأَ له فيه شكٌ.
...
стр. 980
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ .
[٧٦] ﴿فَلَمَّا جَنَّ﴾ أي: أظلمَ.
﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفٌ، وورشٌ، وابنُ ذكوانَ: (رأى كَوْكَبًا) و (رَأَى أَيْدِيَهُمْ) وشبهَه بإمالةِ الراءِ والهمزةِ حيثُ وقع، وافقَهم أبو عمروٍ في إمالةِ الهمزةِ فقط، ورُوي عن السوسيِّ أربعةُ أوجه: فتحُ الراءِ والهمزة وكسرُهما، وفتحُ الراء وكسرُ الهمزة، وعكسُه، ورُوي عن أبي بكر وجهان: كسرُ الراءِ وفتحُ الهمزة، وكسرهما، وروُي عن حمزةَ: كسرُ الراءِ وفتحُ الهمزة، والباقون: بفتحهما وكذلك (رَأَى الشَّمْسَ)، و (رَأَى الَّذِينَ) في النحل، و (رَأَى المُجْرِمُونَ) في الكهف، و (رَأَى الْمُؤْمِنُونَ) في الأحزاب (١).
رُوي أن إبراهيمَ ﵇ ولد في زمنِ نمرودَ بنِ كنعانَ بن سنحاريب بن كوش بن سام بنِ نوح، وهو أولُ من وضعَ التاجَ على رأسِه، ودعا الناسَ إلى عبادته، حُكي أنه رأى له منجِّموه أن مولودًا يولد له في سنةِ كذا في عملِه يكونُ خرابُ الملكِ على يديه، فجعل يتتبع الحبالى، ويُوكِّلُ بهنَّ حُرّاسًا، فمن وضعتْ أنثى تُركت، ومن وضعت ذكرًا حُمل إلى الملكِ فذبحه، وإنَّ أمَّ إبراهيم حملتْ به، واسمها يُوَنَّا، وقيلَ غيرُ ذلك، وكانت شابةً قويةً، فسترتْ حملَها، فلما قربَتْ ولادتُها بعثت تارح أبا إبراهيم إلى سفر، فمضى إليه، ثم خرجت هي إلى غار، فولدت فيه إبراهيمَ وتركَتْه في الغار، وكان مولدُه ﵇ بكوثى، من إقليم بابل، من أرضِ العراقِ
стр. 981
على أرجحِ الأقوال، في ليلةِ الجمعةِ ليلة عاشوراءَ لمضيِّ ألفٍ وإحدى وثمانين سنةً من الطوفانِ، وكان الطوفانُ بعدَ هبوط آدمِ بألفين ومئتين واثنتين وأربعين سنة، وبين مولد إبراهيم ﵇ والهجرةِ النبويةِ المحمدية على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلامِ ألفانٌ وثمانُ مئةٍ وثلاثٌ وتسعون سنةً على اختيار المؤرخين، والاختلافُ في ذلك كثير، وتقدَّمَ ذكرُ وفاتِه وقدرُ عمرِه ومحلُّ قبرِه في سورة البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [الآية: ١٢٤]، وكانت تفتقدُه في الغارِ، فتجده يغتذي بأن يمصَّ أصابعَه فيخرجُ منها عسلٌ وسمنٌ ونحوُ هذا، وكان يشبُّ شبابًا لا تشبُّهُ الغلمانُ، يومُه كالشهر، وشهرُه كالسنة، ولم يمكثْ في الغار إلَّا خمسةَ عشرَ شهرًا، وتكلَّم فقالَ لأمِّهِ يومًا: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن ربُّ أبي؟ قالت: نمرود قال: فمن ربُّ نمرود؟ قالت له: اسكتْ، فسكتَ فرجعَتْ إلى زوجِها، فقالت له: أرأيتَ الغلامَ الذي كنا نتحدَّثُ به أنه يغيرُ دينَ أهلِ الأرض؟ فإنه ابنُك، ثم أخبرتْه بأمره ومكانِه، فأتاه ونظرَهُ وفرَح به، فقال له إبراهيم: يا أبتاهُ! من ربي؟ فقالَ: أمك، قال: من ربُّ أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربُّكَ؟ قال: النمرود، قال: فمن ربُّ النمرود؟ فلطمَه لطمةً، وقال له: اسكتْ، فذلكَ قولُه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، ثم إن إبراهيمَ قال لأمه يومًا: أخرجيني من الغارِ، فأخرجَتْه عشيًّا، فلما خرجَ نظرَ وتفكَّر في خلقِ السمواتِ والأرض، ثم قال: إن الذي خلقني ورزقَني ويطعمُني ويسقيني لَرَبِّي، ما لي إلهٌ غيرهُ، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبًا، قيل: إنه الزُّهرة، وقيلَ: المشتري (١).
стр. 982
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ثم أتبعَهُ بصرَهُ ينظرُ إليه.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب سَئِمَه.
﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: لا أحبُّ ربًّا لا يدوم، وهذا يدلُّ على إعمالِ عقلِه وعلمِه؛ إذِ الآفلُ لا يجوز أن يكون إلهًا.
...
﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ .
[٧٧] ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ طالِعًا أولَ طلوعِه.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فأَتبعَهُ بصرَهُ.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ سئمَه ورجعَ بفكره متوجِّهًا إلى ربه، و ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أي: يثبتْني على الهدى.
﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ استعجز نفسَه، واستعاذ بربه في دركِ الحقِّ؛ لأن الهدايةَ والتوفيقَ بيده سبحانه.
...
﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ .
[٧٨] ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا﴾ أي: الطالعُ.
﴿رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ من الكواكبِ والقمر.
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ سَئِمَها وتوجَّه إلى ربِّه بقلبٍ سليم، ووَجَّهَ وجهَه للحقِّ
стр. 983
بالصدقِ واليقين، و ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ من الأجرام المحدثَةِ.
...
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ .
[٧٩] ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ (وَجْهِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا إلى الحقِّ.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فنقلَه اللهُ من علمِ اليقين إلى عينِ اليقين.
...
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ .
[٨٠] ثم إن أباه ضمَّه إليه، فشبَّ شبابًا حسنًا، وروي أن القصةَ التي وقعتْ له في حال مراهقته، وأن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنامَ والشمسَ والقمرَ والكواكبَ، فأراد أن يُنبههم على الخطأ في دينهم، ويرشدَهم إلى الحقِّ من طريقِ النظرِ والاستدلال، فقاله على وجه الاستفهام والتوبيخِ لهم، وإقامةِ الحجةِ عليهم في عبادةِ الأصنامِ والكواكبِ؛ كأنه قالَ لهم: أهذا ربي بزعمكم؟! أو مثلُ هذا يكون ربًّا؟! ثم عرضَ إبراهيمُ ﵇
стр. 984
عليهم في حركتهِ وأفولهِ أمارة الحدوثِ، وأنه لا يصلحُ أن يكونَ ربًّا، ثم في أخرى أعظم منه، ثم في الشمسِ كذلك، فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المنيرات أنها لا تصلُحُ للربوبيةِ، فأصنامُكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أن يبينَ ذلكَ فيها، ولا زال ﷺ في جميعِ أحوالِه مجمِلًا مكمِّلًا حتى أكرمَه اللهُ تعالى بما أكرمَهُ من الآيات البيناتِ، والكراماتِ الباهرات، ثم ألبسَهُ خلعةَ الخلَّة، وجعلَهُ من أولي العزم من الرسل، وجعلَه أبا الأنبياء، وتاجَ الأصفياء، ونورَ أهلِ الأرضِ، وشرفَ أهل السماء، وكان أبوه آزرُ يصنعُ الأصنامَ ويعطيها له ليبيعَها، فكانَ إبراهيمُ يقول: مَنْ يشتري مَنْ يَضُرُّهُ ولا ينفعُه؟! فلا يشتريها أحدٌ، فإذا بارتْ عليه، ذهبَ بها إلى نهرٍ، فصوَّبَ فيه رؤوسَها، وقال لها (١): اشربي؛ استهزاءً بقومِه وما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومِهِ وأهلِ قريتِهِ.
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ خاصَمُوه في دينه.
﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ أتجادِلُونني في توحيدِ اللهِ.
﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ للتوحيدِ والحقِّ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (أَتُحَاجُّونِي) بتخفيف النون، بخلافٍ عن هشامٍ، والباقون: بتشديدِها إدغامًا لإحدى النونين في الأخرى، ومن خَفَّفَ حذفَ إحدى النونين تخفيفًا (٢)، وأثبت أبو عمروٍ، وأبو جعفرٍ الياءَ في: (هَدَانِي) وصلًا،
стр. 985
وأثبتها يعقوبُ في الحالين، وقرأ الكسائيُّ: (هَدَانِ) بالإمالة (١).
﴿وَلَا أَخَافُ مَا﴾ أي: الذي.
﴿تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أي: لا أخافُ معبوداتِكم؛ لأنها لا تضرُّ ولا تنفعُ، وذلك أنهم قالوا له: احذرِ الأصنامَ؛ فإنا نخافُ أن تمسَّكَ بسوءٍ من خَبَلٍ أو جنونٍ؛ لعيبِكَ إياها، فأجابهم بذلكَ.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: إلا أن يشاء أن يُلْحِقَني بشيء من المكروهِ بذنبٍ عملتُه، فتتمُّ مشيئتُه.
﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاطَ علمُه بكلِّ شيء.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفونَ الحقَّ من الباطلِ.
...
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ .
[٨١] ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ ولا يتعلقُ به ضررٌ.
﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ حجةً.
المعنى: لمَ تنُكرون عليَّ الأَمْنَ في محلِّه، ولا تنكرونَ على أنفسِكم الأمنَ في محلِّ العَطَبِ لأنكم تشركون باللهِ.