قلت: وخطّه ركيك جدّا لا يكاد يقرأ. عندي منه تبليغه على سماعات كتب حديثيّة.
٣٢٦ - عبد الرّحمن بن محمّد بن مفلح
، زين الدّين، الإمام بن الإمام.
صاحب «الفروع» أصغر أولاده، دأب واشتغل، وحفظ «المقنع» في الفقه، وكان شكلا، حسنا، بارعا، مترفّعا.
توفّي يوم الاثنين خامس جمادى الأولى سنة ٧٨٨ ودفن بالرّوضة قريبا من والده وجدّه. قاله في «الشّذرات».
٣٢٧ - عبد الرّحمن بن نصر الله بن أحمد بن محمّد
بن عمر، نور الدّين، ابن الجلال التّستريّ الأصل، البغداديّ ثمّ القاهريّ، أخو المحبّ أحمد
стр. 632
الماضي (١) وذاك الأكبر.
قال في «الضّوء»: ويعرف ب «ابن نصر الله».
ولد في جمادى الآخرة سنة ٧٧١ (٢) ببغداد، ونشأ بها فأخذ عن أبيه وأخيه وغيرهما، وانتقل سنة ٩٠ إلى القاهرة مع أبيه- وهو أصغر بنيه-، وسمع بها على المجد إسماعيل الحنفيّ «جامع التّرمذيّ» و «سنن النّسائيّ»، وعلى ابن حاتم «الشّفاء»، وعلى التّنوخيّ وغيرهم، وأجاز له ابن المحبّ وجماعة سنة ٨٦ في استدعاء بخطّ أخيه، وتكسّب أوّلا بالحرير ونحوه في حانوت على باب القصر، ثمّ بالشّهادة، ثمّ ترقّى حتّى ناب في القضاء عن ابن المغلي، ثمّ أخيه، ثمّ ولي قضاء صفد استقلالا، فأقام بها سبع سنين، ثمّ عزل واستمرّ على النّيابة عن أخيه بعد أن حجّ، وجاور، حتّى مات وذلك في يوم الجمعة تاسع شعبان سنة ٨٤٠ وقد أكمل ثلاثة عشر ولدا ولم يخلّف
стр. 633
أحدا، وكانت جنازته حافلة، ويقال: إنّه لم يكن محمودا في قضائه (١)، لكنّه كان فهما، ظريفا، حسن المودّة، كثير البشاشة، يستحضر كثيرا من الفقه، وهو ممّن أورده شيخنا في «تاريخه» - انتهى-.
أقول: في «الإنباء» إنّه حجّ سنة ٣٧، وجاور سنة ٨، ورجع إلى القاهرة سنة ٣٩، فأقام بها ينوب عن أخيه إلى أن مات (٢).
٣٢٨ - عبد الرّحمن بن يوسف بن أحمد بن سليمان
بن داود بن سليمان بن داود، الزّين، أبو الفرج، وأبو محمّد، ابن الجمال الدّمشقيّ الصّالحيّ.
قال في «الضّوء»: ويعرف ب «ابن قريج» - بالقاف والرّاء وبالجيم- مصغّرا، وب «ابن الطّحّان» وهو أكثر.
стр. 634
ولد في منتصف المحرّم سنة ٧٦٨ (١) بدمشق ونشأ بها، فحفظ القرآن واشتغل يسيرا، وسمع على الصّلاح بن أبي عمر «مسند الإمام أحمد» بتمامه فيما كان يذكر، والّذي وجد له في الطّبقة مسند ابن عمر وابن مسعود وابن عمرو (٢)، وكذا سمع عليه «مأخذ العلم» لابن فارس، وعلى زينب ابنة قاسم ابن عبد المجيد بن العجميّ «منتقى» فيه ثمانيّة عشر حديثا من «مشيخة الفخر» و «جزء» فيه خمسة عشر حديثا مخرّجة من «جزء الأنصاريّ» وكلاهما انتقاء البرزاليّ، وعلى المحبّ الصّامت الكثير، بل قرأ عليه بنفسه، وكذا سمع من إبراهيم بن أبي بكر بن عمر، والشّهاب بن العزّ، ورسلان الذّهبيّ، وابن أبي الهول/ الجزريّ وطائفة، وكان يذكر أنّه سمع على ابن أميلة «السّنن لأبي داود» و «جامع التّرمذيّ» و «عمل اليوم والليلة» لابن السّنّيّ، وعلى البدر محمّد ابن عليّ بن عيسى بن قوالنج «صحيح مسلم» ولكن لم يظفر بذلك، كما قال صاحبنا ابن فهد، واستقدم القاهرة فأسمع بها، ولم يلبث أن مات بعد أن تمرّض أيّاما يسيرة بعد صلاة العصر من يوم الاثنين سابع عشرى صفر سنة ٨٤٥ بقلعة الجبل، وصلّى عليه من الغد بباب المدرج في مشهد حافل ابن السّلطان وأركان الدّولة وخلق من العلماء والأخيار تقدّمهم شيخنا، ودفن بتربة طقتمش، وكان شيخا، لطيفا يستحضر كثيرا، ووصفه بعضهم بالإمام،
стр. 635
العالم، الصّالح.- انتهى-.
أقول: ووصفه الحافظ في «الإنباء» ب «المسند» وذكر كثيرا من مقروءاته ومسموعاته ومجازاته.
قال: وحدّث ب «سنن أبي داود» وقطعة كبيرة من «المسند» - انتهى-.
قال النّجم ابن فهد في «معجمه»: واستدعاه الظّاهر أبو سعيد جقمق مع رفيقه شيخنا أحمد بن عبد الرّحمن ناظر الصّاحبة، وعلي بن محمّد بن بردس إلى القاهرة فقدموها يوم الاثنين خامس عشر محرّم سنة ٨٤٥.- انتهى-.
وأرّخ ولادته في «الإنباء» سنة ٦٤.
٣٢٩ - عبد الرّحمن بن يوسف بن عليّ
، زين الدّين [بن] القاضي جمال الدّين ابن الشّيخ نور الدّين، البهوتيّ المصريّ خاتمة المعمّرين، البركة، العمدة.
стр. 636
قال المحبّيّ: ولد بمصر وبها نشأ، وقرأ الكتب السّتّة وغيرها من كتب الحديث، وروى «المسلسل بالأوّليّة» عن الجمال يوسف بن القاضي زكريّا، وعلوم الحديث عن الشّمس الشّاميّ، صاحب السّيرة تلميذ السّيوطيّ، ومن مشايخه في فقه مذهبه والده، وجدّه، والتّقيّ الفتوحيّ صاحب «منتهى الإرادات» وأخوه عبد الرّحمن ابنا شيخ الإسلام الشّهاب أحمد بن النّجّار الفتوحيّ، والشّيخ شهاب الدّين الفتوحيّ الحنبليّ، وغيرهم، وفي فقه الإمام مالك الشّيخ زين الدّين الجيزيّ، والشّيخ أبو الفتح الدّميريّ شارح «المختصر» والشّيخ محمّد الفيشيّ، والشّيخ محمّد الحطّاب المالكيّون، وفي
стр. 637
فقه أبي حنيفة شمس الدّين البرهمتوشيّ، وأبو الفيض السّلميّ، وأمين الدّين ابن عبد العال، وعليّ بن غانم المقدسيّ الحنفيّون، وفي فقه الشّافعيّ الشّمس الخطيب الشّربينيّ، والشّمس العلقميّ شارح «الجامع الصّغير» والشّيخ وليّ الدّين الضّرير شارح «التّنبيه» في أربع مجلّدات. وعنه أخذ جمع منهم العلّامة الشّيخ منصور البهوتيّ، والحافظ عبد الباقي الدّمشقيّ الحنبليّان، وكان سنة ١٠٤٠ موجودا في الأحياء.
٣٣٠ - عبد الرّحيم بن أحمد بن محمّد بن أحمد
بن المحبّ عبد الله بن أحمد ابن محمّد/ بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرّحمن بن إسماعيل ابن منصور بن عبد الرّحمن، الزّين، السّعديّ، المقدسيّ الأصل، الصّالحيّ الذّهبيّ أبوه، الصّائغ أبوه بالدّهيشة من دمشق، ويعرف كسلفه ب «ابن المحبّ» وهو ابن أخ الشّمس محمّد بن أحمد الآتي، وجدّه هو عمّ الحافظ أبي بكر محمّد بن عبد الله بن أحمد بن المحبّ «الصّامت».
قاله في «الضّوء»: ثمّ قال: ولد في صفر سنة ٧٦٨ وسمع على الصّلاح ابن أبي عمر مسند النّساء من «مسند الإمام أحمد» وغالب مسند عائشة منه والفوت من أوّله، وعلى زينب ابنة قاسم بن العجميّ ما في «مشيخة الفخر» من جزء الأنصاري وغير ذلك عليها وعلى قريبيه المذكورين، وحدّث، سمع منه الفضلاء، ذكره شيخنا في «معجمه»، وقال: أجاز لنا سنة ٢٩.
стр. 638
قلت: ومات في سنة ٨٤٠، ودفن بمقبرة باب توما.
٣٣١ - عبد الرّحيم بن عليّ بن أحمد المعروف ب «البرادعيّ»
البعليّ الأصل، الدّمشقيّ، الصّالحيّ، قاضي الحنابلة بدمشق.
قال في «سلك الدّرر»: كان شيخا فاضلا، له في فقه مذهبه فضيلة، مع محاضرة، وحافظة حسنة، ولد بدمشق سنة ١١١٧ ونشأ بها وقرأ على والده وانتفع به، وأخذ عن الأستاذ الشّيخ عبد الغنيّ النّابلسيّ، وقرأ، وحصّل، وتولّى قضاء الحنابلة بالمحاكم مدّة سنين، يقضي بالأحكام، وكان لا يخلو من جرأة، وتكلّم، وعزل في زمان قاضي القضاة السّيّد إبراهيم إمام شيخ الإسلام المولى مصطفى لأمر كان، وبعد مدّة عاد له القضاء، ولم يزل على حالته إلى أن مات يوم الاثنين رابع ربيع الثّاني سنة ١١٩٤ ودفن بالرّوضة بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
стр. 639
٣٣٢ - عبد الرّزّاق بن محمّد بن عليّ بن سلّوم التّميميّ
، الذّكيّ، الأديب.
ولد في بلد سيّدنا الزّبير سنة … ، وقرأ على مشايخها منهم والده، ثمّ رحل إلى بغداد فقرأ بها الفقه على الشّيخ الورع موسى (١) بن سميكة- تصغير سمكة-، وعلى أجلّاء بغداد في النّحو، والصّرف، والمعاني، والبيان، والمنطق، والأصول، وحصّل، ومهر، ثمّ رجع إلى بلده وقرأ الفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، والخطّأين، والهيئة، والهندسة، على والده
стр. 640
وغيره، فمهر في ذلك المهارة التّامّة بحيث اشتهر بذلك في عصره، وأقرّ له أهله فيها، وكان يتوقّد ذكاء، قلّ علم إلّا وله فيه يد، حتّى الأوفاق والزّايرجة والرّوحانيّات، لكنّه مائل إلى معاشرة الأمراء والأحداث، وله معهم مماجنات لا تليق، ولو تصوّن لكان نادرة عصره؛ لما حازه من الفنون المتداولة وغيرها، وقد سمعت رفقاءه في الطّلب من فضلاء بغداد ومنهم مفتيها العلّامة البارع السّيّد محمود الآلوسيّ يصفونه بشدّة الذّكاء البالغ، وكرم النّفس، وحسن العشرة، وحجّ سنة … من طريق البرّ فوصل إلى مكّة في شوّال، وحضر دروس علّامتها الشّيخ عبد الله سراج (١) في التّفسير والحديث فأورد عليه أوّل ما حضر سؤالا في الحديث فلم يستحضر الشّيخ الجواب، فأخذ الكرّاس من المحفظة وطالع فيه وأجابه، وكان قد سمع بوصوله ووصف له بقصر القامة، والتّوسّط في الملبوس، فلمّا رأى سؤاله متينا تفرّس فيه أنّه هو فقال: أأنت فلان؟ فقال: نعم، فلمّا ختم الشّيخ الدّرس قام إليه وحيّاه، وذهب به إلى بيته وأضافه ذلك اليوم، فجرت بينهما مباحثات دلّت الشّيخ على صدق ما وصف به من شدّة الذّكاء والاستحضار، وعزّ في عينه وأعين أقرانه، ومن الغد جاء تلامذة الشّيخ إلى المذكور في بيته للسّلام عليه، وسألوه واستفادوا منه، وعجزوا عن مجاراته/ في المباحثة، فسلّموا له، ثمّ قال لهم: إنّ الشّيخ ترك البارحة في تقريره في التّفسير وجها من علم الهندسة ممّا في الآية وهي قوله
стр. 641
تعالى (١): انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، فقالوا: وما هو؟ قال: إنّ الشّاخص ذا الثّلاث الشّعب لا ظلّ له، فقالوا: لم يذكر هذا أحد من المفسّرين. فقال: بلى. ذكره الجلال السّيوطيّ في «الإتقان» (٢) فذهب التّلامذة إلى الشّيخ عبد الله وأخبروه بما دار بينهم وبين المذكور، فتناول «الإتقان» فتصفّحه فلم يجد هذا فيه فقال لأحدهم: ارجع إليه وقل له: في أيّ موضع من «الإتقان»؟ فذهب فقال له: في النّوع الخامس والسّتين هكذا أخبرني بهذه الحكاية أحد التّلامذة، وهو الشّيخ علي كمال الطّائفيّ، وبالجملة فقد كان المذكور من أشدّ أهل زمانه ذكاء وفطنة، لو لم يخلد إلى البطالة، وشرح «سلّم العروج في المنازل والبروج» لشيخ شيخ شيخه الشّيخ محمّد بن عبد الرّحمن بن عفالق الأحسائيّ سمّاه «مرقاة السّلّم» (٣) وكان ينظم الشّعر، وسوّد مسوّدات شتّى لم يبيّض منها غير «شرح السّلّم» المذكور وحاز كتبا نفيسة كثيرة من جميع الفنون بحيث كان يشتري بعض التّركات جملة، وتولّى قضاء سوق الشّيوخ (٤) وخطابتها بعد أخيه المرحوم
стр. 642
الشّيخ عبد اللّطيف (١)، وصار له جاه تامّ عند الحكّام، وكلمة نافذة، وانفرد في تلك الجهة بالحلّ والعقد إلى أن توفّي فيها سنة ١٢٥٤ (٢).
٣٣٣ - عبد الصّادق بن محمّد الدّمشقيّ .
قال في «الضّوء»: كان من أصحاب التّقيّ بن المنجّى، ثمّ ولي قضاء طرابلس، وشكرت سيرته، ثمّ قدم دمشق وتزوّج ابنة السّلاويّ زوجة مخدومة التّقيّ، وسعى في قضاء دمشق.
стр. 643
ومات في المحرّم سنة ٨٠٦ شهيدا سقط عليه سقف بيت، ذكره شيخنا في «إنبائه».
٣٣٤ - عبد الصّمد بن إبراهيم بن خليل الخضريّ
، أبو أحمد القاضي، جمال الدّين محدّث بغداد، والمدرّس بالبشيريّة (١).
стр. 644
كان يحدّث ويملي «تفسير الرّسعنيّ» (٥) من حفظه، ويحضر الخلق
стр. 645
منهم المدرّسون والأكابر، وله ديوان شعر حسن، وخطب ووعظ، ومدح الشّيخ تقيّ الدّين الزّريرانيّ بقصائد، ورثاه، ورثى الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة (١).
стр. 646
توفّي سنة ٧٦٥ في بغداد، ودفن بمقبرة الإمام أحمد ﵁. قاله في «الشّذرات» وهي عبارة الزّين بن رجب في «طبقاته» في ترجمة شيخ المترجم الزّريرانيّ. وقال: توفّي في رمضان، وقال: عبد الصّمد بن خليل ولم يذكر إبراهيم وإنّما ذكره الحافظ ابن حجر في «الدّرر» فلعلّه أصحّفيكون ابن رجب نسبه إلى جدّه.
٣٣٥ - عبد العزيز بن عبد الرّحمن بن عدوان
بن رزين الرّزينيّ الحنظليّ.
стр. 649
قال الشّيخ محمّد بن فيروز: هو من أهل أثيفية ويقال: أثيثية بالثّاء المثلّثة (١) قرية من قرى الوشم، قدم علينا في حياة والدي، واسمه عدوان
стр. 650
فحوّلته إلى عبد العزيز، فكان هو اسمه، وقرأ على الوالد في «مختصر المقنع» من أوّله إلى كتاب الصّلاة، وحين رأيت جودة فهمه، وتوقّد قريحته، أشرت إلى الوالد أن ينقله إلى «المنتهى» فنقله، وقرأ منه إلى باب الشّروط في البيع، ثمّ توفّى الله الوالد فكمّله على الفقير، وقرأ النّحو، والصّرف وعلوم البلاغة، والعروض، والقوافي، والفرائض، والحساب، وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، والمنطق، على الفقير وبرع في ذلك كلّه، وله تآليف منها رسالة في
стр. 651
الوقف ردّ بها على مبتدع العارض (٢)، وله نظم في التّوحيد على نهج السّلف أوّله (٣):
* بربّ البرايا أستعين وأبتدي *
стр. 652
وله شعر حسن، منه قصيدة رثى بها الوالد مطلعها:
دع ذكر ميّة مع جاراتها العرب … كذا البكاء على حيّ من العرب
وسافر صحبتي إلى مكّة المشرّفة ثمّ إلى المدينة المنوّرة وبعد ما خرجنا منها ابتدأ به المرض فتوفّي في الطّريق عند واد يقال له: النّظيم في ٢٥ صفر سنة ١١٧٩، وصلّى عليه الفقير ولقّنه رحمه الله تعالى.
стр. 653
٣٣٦ - عبد العزيز بن عليّ بن أبي العزّ
بن عبد العزيز بن عبد المحمود العزّ البكريّ، التّيميّ، القرشيّ، البغداديّ، ثمّ المقدسيّ، القاضي. قال في «الضّوء»: ويعرف بالعزّ المقدسيّ والبغداديّ.
ولد قبيل سنة ٧٧٠ ببغداد، ونشأ بها فحفظ القرآن، وتلا بالرّوايات، وتفقّه على شيوخها، وسمع في سنة ٩٠ من العماد محمّد بن عبد الرّحمن بن عبد المحمود السّهرورديّ شيخ العراق، ثمّ بعد سنين من ولده أحمد،
стр. 654
وكلاهما ممّن يروي عن السّراج القزويني (١)، وتعانى عمل المواعيد، وقدم ١١٩/ دمشق في سنة ٩٥/، وسكنها وكذا سكن بيت المقدس زمنا، وولي قضاء الحنابلة، وقام إذ ذاك على الشّهاب الباعونيّ وهو خطيب الأقصى، فلمّا ولي الباعونيّ قضاء الشّام سنة ١٢ فرّ العزّ إلى بغداد صحبة الرّكب العراقيّ بعد ما حجّ، وولي قضاءها ودام فيه ثلاث سنين، ثمّ صرف، وعاد إلى دمشق، ثمّ إلى بيت المقدس، فلمّا دخله الهرويّ وقع بينهما شيء فتحوّل العزّ بأهله إلى القاهرة، وقرّره المؤيّد في تدريس الحنابلة بجامعه حين كمل، وكان ممّن قام على الهرويّ حتّى عزل، بل هو والعزّ القمنّي من أكبر المؤلّبين عليه عند العامّة، وبلغنا عنهما حكايات في ذلك لا تستنكر من دهاء صاحب التّرجمة، ثمّ نقل العزّ إلى قضاء الشّام فباشره مدّة، ثمّ رجع إلى القاهرة بعد موت المؤيّد فاستقر في قضائها، بعد صرف المحبّ بن نصر الله البغداديّ؛ لكون السّلطان وغيره من أعيان دولته كانوا يعرفونه من دمشق، ويرون منه ما يظهره من التّقشّف الزّائد كحمل طبق الخبز إلى الفرن ونحوه، ثمّ صرف سنة ٣١ بالمحبّ حيث انعكس على العزّ الأمر الّذي دبّره لاستمراره، وسقط في يده،
стр. 655
وسعى في العود لدمشق فأجيب واستمرّ فيه إلى أن مات كما قاله شيخنا في «رفع الإصر» ولكنّه قال في «إنبائه» مات بها منفصلا عن القضاء، وبه جزم غيره، وكان ذلك في مستهلّ ذي الحجّة سنة ٨٤٦، ودفن بمقبرة باب كيسان.
وكان فقيها، متقشّفا، طارحا للتّكلّف في ملبسه ومركبه، بحيث يردف عبده معه على بغلته، ويتعاطى شراء حوائجه بنفسه ماشيا، وتنقل عنه أشياء مضحكة، توسّع في حكايتها كحمله السّمك في كمّه وهو في قرطاس وحضوره كذلك للتّدريس، وغفلته عن ذلك بحيث ضرب القطّ على كمّه فانتثر ما فيه، كلّ ذلك؛ لكثرة دهائه ومكره وحيله، وكونه عجبا في بني آدم، ولكنّه لمّا أكثر من ذلك علم صنيعه عنه، وهان على الأعين بسببه.
وقد اختصر «المغني» لابن قدامة في أربع مجلّدات، وضمّ إليه مسائل من «المنتقى» لابن تيميّة وغيره سمّاه: «الخلاصة» وشرح الخرقيّ في مجلّدين، واختصر «الطّوفيّ» في الأصول، وعمل «عمدة النّاسك في معرفة المناسك» و «مسلك البررة في معرفة القراءات العشرة» و «بديع المعاني في علم البيان والمعاني» و «جنّة السّائرين الأبرار وجنّة المتوكّلين الأخيار» يشتمل على تفسير آيات الصّبر والتّوكّل في مجلّد، و «القمر المنير في أحاديث البشير النّذير» و «شرح الجرجانيّة» (١) وغير ذلك، وكان رقيقا معتدل القامة، ذا لحية
стр. 656
بيضاء كبيرة خفيّ الصّوت، كثير التّأنّي والتّأمل في كلامه. وذكره شيخنا في «إنبائه» وكتاب «القضاة»، وكذا المقريزي، وحكى في ترجمته أنّه اجتمع أعيان مكّة بالأبطح سنة ١٠ وفيهم هذا، والسّراج عبد اللطيف بن أبي الفتح الفاسيّ وهما حنبليّان فأنشد السّراج مخاطبا للعزّ: /
إن كنت خنتك في الهوى … فحشرت محشر حنبلي
ألحى حليق الذّقن من … توف السّبال مكحّل
وكان العزّ يومئذ كذلك، فأجابه بقوله:
أتانا طالب من أرض فاس … يجادل بالدّليل وبالقياس
وما فاس ببلدته ولكن … فسا يفسو فساء فهو فاسي
- انتهى-.
قال في «الشّذرات»: قال العليميّ: ولي قضاء بيت المقدس سنة ٨٠٤، ولم يعلم أنّ حنبليّا قبله ولي المقدس، وطالت مدّته نحو عشرين سنة، ويقال له: قاضي الأقاليم؛ لأنّه ولي قضاء بغداد والشّام والقدس ومصر، إلى أن قال: وتوفّي بالشّام، وحضر جنازته القضاة وبعض أركان الدّولة، ودفن عند والده. ومن تصانيفه «شرح الشّاطبيّة» - انتهى-. وذكر صاحب «كشف الظّنون» (١) من تصانيفه أيضا «الفنون الجليّة في معرفة حديث خير البريّة» وخطّه حسن نيّر، عندي من تبليغه على سنن الدّارقطني لمّا قرأت عليه.
стр. 657
٣٣٧ - عبد العزيز بن هاشولا .
ذكره ابن رجب في ترجمة صفيّ الدّين عبد المؤمن (١)، وأنّه من أصحابه وحفظ كتابه في الفقه والأصول، ووعظ ببغداد في الثّوالث، ونظم الشّعر وكان حسنا. توفّي بالطّاعون في بغداد.
٣٣٨ - عبد الغنيّ بن الحسن بن محمّد بن عبد القادر
بن الحافظ، الشّرف أبي الحسين علي بن الفقيه التّقي أبي عبد الله محمّد أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن أبي الرّجال عيسى بن أحمد بن عليّ بن محمّد بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصّادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁، هكذا ساق نسبه الحافظ النّجم بن فهد في «معجمه» زين الدّين بن التّقيّ بن الشّرف الهاشمي الحسيني اليونيني البعليّ.
стр. 658
قال في «الضّوء»: ولد سنة ٧٨٣ ببعلبكّ، ونشأ بها، فقرأ القرآن عند الفقيه طلحة، و «المقنع» و «الملحة» وغيرهما عند القطب اليونيني، وبه تفقّه، وسمع «الصّحيح» بكماله خلا من قوله: «ولزوجك عليك حقّ» في سنة ٩٠ على محمّد بن عليّ بن أحمد اليونينيّ، ومحمّد بن محمّد بن إبراهيم بن مظفّر الحسينيّ، ومحمّد بن محمّد بن أحمد الجردي، وبكماله بعد ذلك في سنة ٩٥ على الزّين عبد الرّحمن بن الرّغبوب، وحدّث، سمع منه الفضلاء، لقيته ببعلبكّ ذهابا وإيابا فقرأت عليه «فضل الرّميّ للقراب» وشيئا من «الصّحيح» وكان خيّرا، ساكنا، وقورا، بهيّا، من بيت علم ورواية، باشر فيبلده تدريس بعض مدارسها وإمامتها … قريبا من السّتّين.
٣٣٩ - عبد الغنيّ بن محمّد بن عبد الرّحمن القاهريّ
، الحريريّ العقّاد الماضي ابنه عبد الرّحمن.
стр. 659
قال في «الضّوء»: شيخ مبارك، حفظ القرآن و «العمدة» وكان يتكسّب بصناعة الحرير، وسمع على الشّرف المناويّ وغيره، سمعت منه وهو بمنزلي أشياء من نظمه على طريقة العوامّ.
ومات في ذي القعدة سنة ٨٨٧ عن ثمانين سنة.
٣٤٠ - عبد الغنيّ بن محمّد بن عمر بن مفلح الصّالحيّ
القاضي زين الدّين.
стр. 660
قال ابن طولون في «السّكردان»: نشأ نشأة حسنة، وحفظ القرآن، واشتغل، ثمّ أعرض عن ذلك، وسمع على جدّه النّظام عمر بن مفلح كثيرا من الأجزاء، وغالب الصّحيحين، وأجاز له جماعة منهم: أبو عبد الله بن جوارش، وأبو العبّاس بن زيد، وقريبه البرهان بن مفلح، أجاز لنا شفاها، وأنشدنا لنفسه أو لغيره عدّة مقاطيع.
توفّي في ذي القعدة سنة ٩١٤، ودفن بالرّوضة بالسّفح./
стр. 661
٣٤١ - عبد القادر الثّاني (١) بن إبراهيم بن محمّد
بن إبراهيم بن عبد الله بن يوسف الصّلاح بن الزّكيّ الأرمويّ الأصل الدّمشقيّ، الصّالحيّ، سبط الشّهاب أحمد بن السّيف محمّد بن أحمد بن أبي عمر.
قاله في «الضّوء»، وقال: ولد سنة ٧٣٠، وأحضر على جدّه لأمّه، وزينب بنت الكمال، والمزّيّ، والبرزاليّ، ومحمّد بن أحمد بن تمّام، وأبي بكر محمّد بن الرّضيّ، ومحمّد بن يوسف ابن دولة، ومحمّد بن الزّهراء الغسولي، ومحمّد ابن أبي بكر بن أحمد بن عبد الدّائم، وأحمد بن محمّد بن حازم المقدسيّ في آخرين، منهم زينب ابنة بن الخبّاز، وستّ العرب ابنة أحمد بن البدر عليّ المقدسيّة، وحبيبة ابنة العزّ إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر، وسمع على أختها فاطمة بنت العزّ، وممّا سمعه عليها «نسخة أبي مسهر» و «جزء أيّوب» و «المبعث» لهشام بن عمّار (٢)، وممّا حضره على بنت
стр. 662
الكمال موافقاتها، وعلى جميع من ذكر إلّا ابن الرّضي، وابن حازم، وستّ العرب، مع تتمّة أربعة وعشرين شيخا «جزء ابن عرفة» وحدّث بالكثير، قرأ عليه شيخنا، وابن موسى المراكشي، وسمع رفيقه الموفّق الآبيّ، والشّهاب بن زيد، وعمّر، وتفرّد.
ومات سنة ٨٢٤، وكان من بيت خير وصلاح وعلم، وذكره المقريزيّ في «عقوده».
٣٤٢ - عبد القادر بن الشّهاب أحمد بن أبي بكر
بن أحمد بن عليّ الزّين الحمويّ الحلبيّ الماضي أبوه، والآتي ابنه، وأخوه المحبّ محمّد.
قاله في «الضّوء» قال: ويعرف ب «ابن الرّسّام» ممّن ولي كتابة السّرّ بحلب ونظر جيشها وجواليها، وصاهر العلم البلقينيّ على ابنته، وكان مخمولا في حركاته يتحمّل الدّيون الكثيرة، ولا يحصل على طائل في ولايته.
مات بحماة سنة ٨٦٧ بعد أخيه.
стр. 663
٣٤٣ - عبد القادر بن أبي بكر بن عليّ
بن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الحقّ المقدسيّ، الصّالحيّ، أخو خديجة، وابن عمّ عليّ بن غازي الآتيين.
قال في «الضّوء»: ويعرف ب «الكوريّ» بضمّ الكاف، وراء مهملة، ولد سنة ٧٦٣. وذكر أنّه سمع من المحبّ الصّامت «صحيح البخاريّ» فكتب عنه بعض أصحابنا.
ومات قبل الخمسين ظنّا.- انتهى-.
وسمّى ابن فهد جدّه سعيد بن خطّاب بن عبد الملك، وقال: أنشدني في ربيع الأوّل سنة ٨٣٧ بسفح قاسيون مطلع قصيدة أبي حيان (١) في مدح الإمام البخاريّ:
أسامع أخبار النّبيّ لك البشرى … لقد سدت في الدّنيا وقد فزت في الأخرى
стр. 664
٣٤٤ - عبد القادر بن أبي بكر بن عليّ بن أبي بكر
، وباقي نسبه في أخيه محمّد ابن الزّين البكريّ البلبيسيّ الأصل، المحلّيّ، القاهريّ، والد سعد الدّين محمّد الآتي.
قاله في «الضّوء»، وقال: ولد سلخ ذي القعدة سنة ٧٩٦، واعتنى به أخوه محمّد فأحضره في الثّانية على العراقيّ والهيثميّ، وابن أبي المجد، والتّنوخيّ، وسمع بنفسه على الشّرف بن الكويك، ومحمّد بن قاسم السّيوطيّ، وغيرهما كشيخنا، واشتغل بالمباشرة، فلمّا مات صهره زوج أخته ولي كتابة العليق عوضه، فأقام فيها حتّى مات عقب أخيه المشار إليه بيومين، في حادي عشر شعبان سنة ٨٤٦، وجدّد المسجد/ الّذي بحارة بهاء الدّين، وابتنى له دارا حسنة بجواره، ورتّب سبعا أوّل النّهار وآخره بجامع الحاكم، رأيته غير مرّة.
٣٤٥ - عبد القادر بن عبد الله بن العفيف
، زين الدّين، الإمام، العالم.
توفّي بنابلس في ذي الحجّة سنة ٨٧٨. قاله في «الشّذرات».
стр. 665
٣٤٦ - عبد القادر بن عبد اللّطيف- الأصغر
- بن أبي الفتح محمّد بن أحمد بن أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن عبد الرّحمن بن محمّد بن عليّ بن عبد الرّحمن بن سعيد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن عليّ بن حمود بن ميمون بن إبراهيم بن عليّ بن عبد الله بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁. هكذا ساق نسبه النّجم بن فهد في «معجمه».
стр. 666
قال في «الضّوء» محيي الدّين أبو صالح بن السّراج الحسنيّ الفاسيّ الأصل، المكّيّ الآتي أبوه وولده، وأمّه أمّ ولد لأبيه حبشيّة، وهو قاضي الحرمين.
ولد في مغرب ليلة الثّلاثاء سادس عشر رمضان سنة ٨٤٢، ومات أبوه وهو ابن إحدى عشرة سنة، ولم يخلّف له شيئا بحيث لم يجدوا شيئا للحجّ به في تلك السّنة، ونشأ بها فحفظ القرآن، وصلّى به التّراويح، وجانبا من «المحرّر» لابن عبد الهادي و «الشّاطبيّة» و «الكافية» لابن الحاجب و «مختصره الأصليّ» و «التّلخيص» وسمع على أبي الفتح المراغي «صحيح البخاريّ» وغيره، وعلى الشّهاب الزّفتاويّ «المسلسل» و «جزء أبي الجهم» بفوت في آخره و «جزء أيّوب» وغيرها، وعلى التّقيّ ابن فهد «ختم مسند عبد» وأجاز له سنة ٤٣ وبعدها خلق منهم أبوه- أي أبو التّقيّ بن فهد- وزينب ابنة اليافعيّ، وشيخنا، ومستمليه الزّين رضوان، والزّين الزّركشيّ، وابن الفرات، وسارة ابنة ابن جماعة، والمحبّ محمّد بن يحيى الحنبليّ، والعلاء بن بردس، والشّهاب ابن ناظر الصّاحبيّة، وأبو جعفر بن العجميّ، والمحبّ الطّبريّ، والبدر بن
стр. 667
العليف، والعينيّ، وابن الدّيريّ، والسّيّد صفيّ الدّين، وأخوه عفيف الدّين، وأبو المعالي محمّد بن عليّ الصّالحيّ، وابن أبي النّائب، واشتغل بالقراءات والفقه، والأصلين، والعربيّة، والمعاني وغيرها، فتلا لأبي عمرو ونافع وابن كثير على الشّمس محمّد بن شرف الدّين الشّشتريّ المدنيّ، وجمعا للسّبع على المقرئ عمر الحمويّ النّجّار نزيل مكّة، وأخذ الفقه عن العزّ الكنانيّ بالقاهرة، والعلاء المرداويّ، واشتدّت ملازمته له حتّى قرأ عليه غير تصنيف، والتّقيّ الجراعيّ، في مجاورتهما بمكّة سنة ٨٥، والعربيّة على الشّمنّيّ وجماعة، والأصول على الأمين الأقصرائي، والتّقيّ الحصنيّ، وغيرهما، أوّل ما دخل القاهرة صحبة الحاجّ في أوائل سنة ٥٨ فولّي بها إمامة مقام الحنبليّ بالمسجد الحرام عوضا عن والده، فباشرها يوم السّبت خامس جمادى الأولى منها، ثمّ دخلها أيضا سنة اثنتين وستّين وأقام بها إلى أن ولي قضاء الحنابلة بمكّة بعد منتصف شوّال من السّنة الّتي تليها بعناية الأمين الأقصرائيّ، ودخل مكّة صحبة أمير الحاجّ المصريّ وهو لابس الخلعة في صبيحة يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة منها، وقرأ توقيعه، ثمّ أضيف/ إليها سنة ٦٥ قضاء المدينة النّبويّة، ومشى حاله بعد مصاهرة البرهان ابن ظهيرة تزوّج بأخته بحيث قيل فيه من أبيات:
ولا تخشى القلى منهم بوجه … فقد وافتك سيّدة الجميع
ودرّس بالبنجاليّة (١) وغيرها كتدريس خير بك، وأخذ عنه الفضلاء في
стр. 668
الفقه والعربيّة والمعاني والبيان؛ لمزيد ذكائه، وتودّده، وحسن عشرته، وفنونه، وتواضعه، وجودة خطّه، وتوسّط نظمه ونثره، الّذي منه في إجازة:
«راش الله جناحه، وأطاش بالمجد جناحه»، وكثر استرواحه في الإقراء والتّواضع بحيث لم يحمده كثيرون في ذلك، وربّما استشعر ذلك فبالغ عند الغرباء في الاعتذار، وامتنع من عمل الخلع متمسّكا بأنّه غالبا حيلة وهي لا تجوز، ولم يحمد فضلاء مذهبه منه ذلك، وأقبل بأخرة على الذّكر والأوراد والتّلاوة الجيّدة بصوته الشّجيّ المنعش، حتّى ارتقى إلى غاية شريفة في الخير، سيّما وهو متوجّه في كلّ سنة إلى المدينة النّبويّة، ويقيم غالبا بها نصف سنة، وربّما أقام بها سنة كاملة، بل جمع بين المساجد الثّلاثة في عام واحد فإنّه توجّه في سنة ٨٦ إلى المدينة، ثمّ منها إلى الينبع، ثمّفي البرّ إلى القاهرة فأقام بها يومين أو ثلاثة مختفيا، ثمّ توجّه إلى بيت المقدس فزار، ثمّ رجع إلى بلده، وكثر اختصاص أولي الأصوات الليّنة ونحوهم به، وهو يزيد في الإحسان إليهم، مع حسن توجّه في التّلاوة والإنشاد، وجلد على السّهر والأذكار والأوراد، وخشوع عند الزّيارة، وخضوع في العبارة، وميل إلى الوفائيّة ونحوهم، وإلى التّنزّه والبروز إلى الفضاء والحدائق سيّما مسجد قباء، ومشهد حمزة، وإذا خرج يذهب معه بما يناسب المجد من المأكل والطّرف ونحوها، ولذا كثرت ديونه بحيث أخبرني أنّها تقارب ثلاثة آلاف دينار، وأنشأ بكلّ من الحرمين بيتا، وأسند الخواجا حسين بن قاوان وصيّته إليه في آخرين، ولم يسلم في كلّ من منتقد خصوصا وهو يتعالى غالبا عن الاجتماع مع جلّ رفاقته القضاة، حتّى لا يجلس في محلّ لا يرضاه، وقد رافقته في التّوجّه من
стр. 669
مكّة إلى المدينة سنة ٨٧ فحمدت مرافقته، وأفضاله وكثر اجتماعنا في الموضعين وزرنا جميعا كثيرا من مشاهد المدينة، كقباء والسّيّد حمزة والعوالي، وسمع منّي، بل كتبت عنه من نظمه، وعنده من تصانيفي عدّة، ولم يزل على طريقة مثلى، وسيرة حسنة وارتقاء إلى المعالي، إلى أن توفّاه الله تعالى يوم الخميس رابع عشر شعبان سنة ٨٩٧ بعد تعلّل نحو نصف شهر شهيدا بالإسهال، وصلّى عليه بعد عصره بالرّوضة، ودفن بالبقيع، ليلة الجمعة الموافق لليلة النّصف من شعبان عند قبر أمّه وأخته وتأسّفنا على فقده رحمه الله تعالى.- انتهى-.
قلت: أمّا امتناعه من خلع الحيلة، وقوله بعدم صحّته فهو الصّواب المعتمد في المذهب والله تعالى أعلم./
٣٤٧ - عبد القادر بن عليّ بن محمّد بن عبد القادر
بن عليّ بن محمّد الأكحل ابن شرشيق بن محمّد بن عبد العزير بن الشّيخ عبد القادر الجيليّ، الضّياء، أبو صالح، البغداديّ الأصل، القاهريّ.
قال في «الضّوء»: ولد سنة ٨٥٠، ومات أبوه وهو صغير فكفلته أمّه، وتدرّب بزوجها الزّين قاسم الحنفيّ، واشتغل، وسمع منّي ومن غيري كثيرا، ونسخ «مسند الفردوس» للدّيلميّ على ترتيب اختصاره لشيخنا، وتنزّل في الجهات وزاحم في الوثوب على الوظائف والتّحصيل، وراج أمره عند كثير من
стр. 670
الأتراك والمباشرين ونحوهم، سيّما تغري بردي القادريّ، وحصّل كتبا، وأعانه الزّين المذكور حتّى كمّل كرّاسة فيها تخريج «فتوح الغيب» لجدّه الشّيخ عبد القادر، وفي غير ذلك، وحجّ مرّتين الثّانية قبيل موته، ورجع مع الرّكب فلم يلبث أن تعلّل واستمرّ إلى أن انتحل وسقطت قوّته مع الإسهال المفرط، ومات- في حياة أمّه، وكان بارّا بها عوّضها الله الجنّة- ضحى يوم السّبت سادس عشر ذي القعدة سنة ٨٧٩، وأخّر إلى الغد فصلّي عليه بسبيل المؤمنين في مشهد حافل جدّا، ودفن بزاوية عديّ بن مسافر، محل سكنى بني عمّه بالقرافة.
٣٤٨ - عبد القادر المدعو محمّد بن العلاء
علي بن محمود السّلمانيّ ثمّ الحمويّ.
قال في «الضّوء»: ويعرف كأبيه ب «ابن المغلي». قال شيخنا في «إنبائه»: إنّه نبغ وحفظ «المحرّر» وغيره، ونشأ على طريقة حسنة.
ومات في نصف ذي القعدة سنة ٢٦ وقد راهق، وأسف عليه أبوه، ولم يكن له ولد غيره عوّضه الله خيرا.