← Тараджим

Тараджим · id 144222

السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة

ابن حميد

Полный текст (1 350 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قال المحبّي: وكان عبد اللّطيف هذا فقيها مشتغلا، مشهور السّمعة، جريا في فصل الأمور، ورحل إلى مصر سنة ١٠١٥ وأخذ بها الحديث عن النّور الزّياديّ، وتفقّه بالشّيخ يحيى بن موسى الحجّاويّ، والشّيخ عبد الرّحمن ابن يوسف البهوتيّ، وأجازاه بالفتوى والتّدريس، وذكر له الحجّاوي في إجازته أنّه أفتى بالجامع الأزهر مرارا، وأفادا واستفاد ثمّ رجع سنة ١٧، وولي قضاء الحنابلة بمحكمة الكبرى أوّلا، ثمّ صار قاضي قضاة الحنابلة بمحكمة الباب (١)، وكانت وفاته سادس عشر شعبان سنة ١٠٣٦.- انتهى-. أقول: قول المحبّي في نسبه: «الأنصاريّ» محلّ نظر فإنّ المذكور من بني مفلح مؤلّف «الفروع» ولم يذكر أحد أنّهم من الأنصار، مع كثرتهم وكثرة ذكرهم في كتب التّواريخ، والله تعالى أعلم.

стр. 702

٣٦٨ - عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن بن أبي بكر بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد ابن عطيّة بن ظهيرة، السّراج، أبو السّعادات، القرشيّ، المخزوميّ، الماضي أخوه عبد الكريم. قال في «الضّوء»: ولد سنة ٨٢٦ باليمن وأمّه زبيديّة، ونشأ بها، ثمّ قدم مع أبيه لمكّة، وسمع من المقريزيّ، وأبي شعر، وأبي الفتح المراغي. وغيرهم، وأجاز له جماعة في سنة ٣٦. ومات سنة ٨٥٠ بمكّة ذكره ابن فهد في الظّهيريّين (١)./ ٣٦٩ - عبد اللّطيف بن عبد القادر بن عبد اللّطيف بن محمّد بن أحمد بن محمّد ابن محمّد بن عبد الرّحمن المولّد السّراج بن قاضي الحرمين المحيويّ الحسنيّ الفاسيّ المكّيّ، الماضي أبوه الآتي جدّه.

стр. 703

قاله في «الضّوء»: وقال: أمّه أمّ ولد، وهو ممّن سمع منّي بالمدينة، ومات وهو ابن تسع في شوّال سنة ٨٩١، وتأسّف عليه أبوه جدّا عوّضه الله خيرا. ٣٧٠ - عبد اللّطيف بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن محمّد بن عليّ بن عبد الرّحمن السّراج، أبو المكارم، ابن اللؤلؤي أبي الفتح بن أبي المكارم ابن أبي عبد الله الحسني الفاسيّ الأصل، المكّيّ، والد المحيويّ عبد القادري الماضي وحفيد عمّ والد التّقيّ الفاسي مؤرّخ مكّة المشرّفة وقاضي المالكيّة بها.

стр. 704

قال في «الضّوء»: ولد في شعبان سنة ٧٧٩ بمكّة ونشأ بها، فحفظ القرآن وتفقّه وسمع من النّشاوريّ، والجمال الأميوطيّ، وأبي العبّاس بن عبد الله المعطي، والشّهاب ابن ظهيرة، وأحمد بن حسن بن الزّين، والفخر القاياني، وابن صدّيق، والأنباسيّ، وابن النّاصح، في آخرين، وممّا سمعه على الأوّل «البلدانيّات للسّلفيّ» و «جزء ابن نجيد» وأجاز له البلقينيّ، والتّنوخيّ، وابن الملقّن، وأبو الخير بن العلائيّ، وأبو هريرة بن الذّهبيّ، وابن أبي المجد، والعراقيّ، والهيثميّ، وأحمد بن أقبرص، والسّويدائيّ، والحلّاويّ، وعبد الله بن خليل الحرستانيّ، ومريم الأذرعيّة، وخلق وخرّج له التّقيّ ابن فهد «مشيخة» (١) وكان أبوه مالكيّا فتحوّل هو حنبليّا، وولي إمامة

стр. 705

مقام الحنابلة بعد موت ابن عمّه النّور عليّ الآتي، ثمّ في قضائها سنة ٩ فكان أوّل حنبليّ ولي قضاء مكّة (١) واستمرّ فيه حتّى مات، مع كثرة أسفاره وغيبته عن مكّة، بل كان يستخلف من يختاره من أقربائه، غير أنّه عزل سنة، ولكن لم يولّ فيها عوضه، ثمّ أعيد، وأضيف إليه سنة ٤٧ قضاء المدينة النّبويّة، فصار قاضي الحرمين، وسافر بلاد الشّرق غير مرّة، واجتمع بالقان (٢) معين الدّين ابن شاه رخ بن تيمورلنك فيها. وكان يكرمه غاية الإكرام، ويسعفه بالعطايا والإنعام؛ لحسن اعتقاده فيه، ومزيد محبّته له، واقتفى ولده ألوغ بيك وغيره من أمراء تلك النّواحي وقضاتها وكبرائها طريقه في الإكرام والاعتقاد، فكان يرجع منه بالعطاء الوافر، فيسمح في إنفاقه في جهات الخير، بحيث سمعت وصفه بمزيد الإكرام والإطعام من غير واحد من ثقات شيوخنا فمن دونهم، ويقال: إنّه رجع من بعض سفراته بنحو عشرين ألف دينار فما استوفى

стр. 706

سنة حتّى أنفذها، وكان خيّرا، ديّنا، محمود السّيرة، ذا شيبة نيّرة، ووقار، ضخما، محبّبا للخاصّة والعامّة، مفيدا من أحوال ملوك الشّرق ونحوهم/ ما امتاز على غيره فيه بمشاهدته، حدّث باليسير، أجاز لي، وتزوّج بأخرة ابنة للعلاء حفيد الجلال البلقينيّ واستولدها، لكن انقطع نسله منها، وله حكاية في (عبد العزيز بن عليّ)، وذكره المقريزيّ في «عقوده». ومات بعد تعلّله بالإسهال، ورمي الدّم ضحى يوم الاثنين سابع شوّال سنة ٨٥٣ بمكّة، وصلّى عليه بعد صلاة الظّهر، ودفن بالمعلاة عند أسلافه. - انتهى-. قال النّجم ابن فهد في ترجمته من «معجمه» وكان القضاء باسمه في غيبته، وكان نائبا عنه أخوه محيي الدّين عبد القادر، ثمّ ابنه أبو الفتح محمّد ابن عبد القادر، ثمّ ابن أخيه أيضا موسى بن محمّد.- انتهى-. قلت: أمّا محيي الدّين عبد القادر وابنه أبو الفتح فقد تقدّما، وأمّا موسى ابن محمّد فلم أظفر له بترجمة، واستقرّ بعده في القضاء عزّ الدّين محمّد ابن أحمد بن سعيد المقدسيّ كما سيأتي في ترجمته، وفي الإمامة في المقام الحنبليّ ولده المحيويّ عبد القادر وعمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة، وباشرها بالنّيابة عنه إلى بلوغه القاضي المذكور، وانظر ما مرّ في ترجمة ابنه عبد القادر أن أباه لم يخلّف له شيئا مع هذا المحصول الجزيل، فكأنّه ما كان يمسك شيئا ﵀.

стр. 707

٣٧١ - عبد اللّطيف بن محمّد بن عليّ بن سلّوم التّميميّ [النّجديّ] . ولد في بلد سيّدنا الزّبير على رأس القرن ظنّا، ونشأ بها، فقرأ القرآن والعلم، وحفظ مختصرات، ودأب في الطّلب، وأكثر اشتغاله بالفقه حتّى مهر فيه، وقرأ على والده في الفقه والفرائض، وعلى شيخ ذلك العصر الشّيخ إبراهيم ابن جديد وغيرهما، ثمّ تحوّل مع والده إلى سوق الشّيوخ، وهي على شاطئ الفرات، وحكّامها مع تلك الجهات بنو المنتفق المشهورون، فطلبوا من والده أن يعينهم على المذكور ليتولّى قضاءها وخطابتها، فامتنعا، ولم يزالوا بهما حتّى حلف شيخ المنتفق إن لم يتولّ عبد اللّطيف لأوّلينّ فلانا، لرجل غير صالح للقضاء، ولا للإمامة، فرأى أنّ الأمر متعيّن عليه، لئلا تضيع الأحكام بتولية أهل الجهل والظّلم، فرضي وباشره بعفّة، وديانة، وصيانة، وتثبّت، وتأنّ في الأحكام، ومراجعة والده فيما أشكل عليه، وباشر الإمامة والخطابة والتّدريس والوعظ على الوجه الأحسن، وكان محبّبا إلى النّاس الخاصّ والعامّ، مكرّما عند الحكّام، لا يردّ له شفاعة، ولا يثلم له جاه، لحسن أخلاقه، وورعه، وعفافه، وعبادته، وجريه على نهج السّلف الصّالح في اتّباع السنن النّبويّة، وحجّ مرارا آخرها سنة ٤٦ فوقع في مكّة ذلك الوباء العظيم، وخرج من مكّة على طريق الشّرق والوباء مع الحجّاج لم يكفّ عنهم فلمّا وصلوا إلى البرود خارج مكّة جمعهم الشّيخ وصلّى بهم ركعتين، ووعظهم

стр. 708

وبكى وأبكى، ودعا الله برفعه، فرفعه الله من ساعته، ثمّ وصل بلده سالما فوقع فيها الوباء فأصيب ومات شهيدا بالطّاعون سنة ١٢٤٧، ودفن خارج سوق الشّيوخ عند والده./ ٣٧٢ - عبد الله بن إبراهيم بن أحمد، الجمال الحرّانيّ الأصل الحلبيّ.

стр. 709

قال في «الضّوء»: كان يذكر أنّه من ذريّة الشّرف بن عصرون، وأنّه شافعيّ الأصل، ثمّ تحوّل حنبليا، وولي قضاء الحنابلة بحلب مرّة بعد أخرى كأنظاره. قال العلاء بن خطيب النّاصريّة: وكان حسن السّيرة، ديّنا، عاقلا، ولي القضاء، ثمّ صرف، ثمّ أعيد مرارا، ثمّ صرف قبل موته بعشرة أشهر. ومات في شعبان سنة ٨٢١ عن نحو ٦٦ سنة، ودفن بتربة الباريني والأذرعيني خارج باب المقام من حلب. ذكره شيخنا. ٣٧٣ - عبد الله بن أحمد بن عبد الرّحمن بن محمّد بن عيّاش بن حامد بن خلف [(خليف؟)]، جمال الدّين المعروف ب «ابن النّاصح» وهو لقب عبد الرّحمن. قاله في «الشّذرات».

стр. 710

وقال: سمع على الفخر ابن البخاريّ، وحدّث، وكان رجلا صالحا، مباركا، يتعانى التّجارة، ثمّ ترك، ولازم الجامع نحو السّتين سنة. توفّي سنة ٧٥٧. ٣٧٤ - عبد الله بن أحمد بن عبد الله العسكريّ - بضمّ العين- الصّالحيّ. قال ابن طولون في «سكردانه»: الشّيخ، الفاضل، جمال الدّين، أبو محمّد بن الشيخ الصّالح أبي حفص، حفظ القرآن واشتغل يسيرا، ورغب في

стр. 711

فنّ الحديث فسمع على الشّهاب ابن زيد، والبدر محمّد بن محمّد بن نبهان، وأكثر من غالب مشايخي، وخصوصا شيخي القاضي ناصر الدّين ابن زريق، وأجاز له أبو العبّاس بن الشّريفة، وأبو عبد الله بن جوارش، وأبو الحسن الدّويليبيّ، وأبو عبد الله بن الصّفيّ، وأبو العبّاس الإصطنبوليّ وغيرهم، ثمّ تصدّر لإقراء القرآن بمدرسة الشّيخ أبي عمر، ثمّ دخل في مباشرة أوقافها، ثمّ في مباشرة جهات القاضي ناصر الدّين الصّفديّ ناظر الخواصّ الشّريفة، وسلك مسالك الأداء، وأقبل على طلب الدّنيا، ولذلك أشغل ولده شمس الدّين محمّدا على مذهب أبي حنيفة، وعدل عن مذهبه، ونسب إلى محبّة الشّباب له، وعليه قرأت جانبا من القرآن، وأجاز غير ما مرّة، وأنشدنا مقاطيع لغيره. وتوفّي بقريته عساكر يوم الجمعة ثامن عشر ذي الحجّة سنة ٩٠٨، ونقل إلى الصّالحيّة يوم السّبت وغسّل وصلّى عليه بها، ودفن بمقبرة الشّيخ أبي عمر خارج الحوّاقة بالسّفح. ٣٧٥ - عبد الله بن أحمد بن محمّد بن عضيب النّاصريّ التّميميّ نسبا، النّجديّ مولدا وموطنا.

стр. 712

ولد سنة ( … ) (١) في قرية من قرى وادي سدير من بلدان نجد، ونشأ بها، وقرأ على علّامة نجد والمشار إليه في ذلك الوقت أحمد بن محمّد القصيّر، وعلى غيره، فمهر في الفقه والفرائض مهارة كلّيّة، وشارك في بقيّة الفنون لعدم من يحقّقها في تلك الجهات، فصار يتتبّع الغرباء من سائر الأجناس، ويقرأ على من وجد أيّ فنّ عنده حتّى يستفيده منه، حتّى إنّي رأيته كتب «شرح التّهذيب في المنطق» وكتب/ عليه هوامش تدلّ على أنّه قرأ فيه، ولكن كان جلّ اهتمامه وقراءته وإقرائه للفقه، لقلّة رغبة أهل تلك الجهة في غيره ثمّ ارتحل إلى قرية من قرى القصيم تسمّى المذنب (٢) بوزن منبر فبنى فيها

стр. 713

مسجدا، وحفر فيها بئرا أوقفها، فصادف أنّ ماءها أعذب ماء في البلدة، ببركة نيّته، فصارت مورد أهل البلد للشّرب إلى الآن، وكان يحفرها بنفسه لقلّة ذات يده، ويشارط الصّبيان يرفعون التّراب كلّ زنبيل بتمرة، فكان يضع التّمر عنده في أسفل البئر وكلّما ملأ زنبيلا ترابا وضع عليه تمرة، فجذبه الصّبيان وأخذوا التّمرة، وهكذا، فاتّفق أنّ التّمرة سقطت من الزّنبيل ولم يدر، فحين رآه الصّبيان لا تمرة فيه كبّوه (١) عليه في البئر. والحاصل: أنّه قاسى فقرا وشدّة إلى

стр. 714

هذا الحدّ، ولم يمنعه ذلك عن التّعلّم والتّعليم والنّسخ وفعل الخير، ثمّ إنّ أمير عنيزة وكبار أهلها رغبوا في استجلابه إلى بلدهم فركبوا إليه وأتوا به فأوقف بعض النّاس الرّاغبين في الخير بيته ليدرّس فيه الشّيخ، فنشر العلم في عنيزة وحثّ النّاس على التّعلّم، ورغّبهم فيه، وأعان الطّلبة بماله وبكتبه وبما يقدر عليه من ورق وورق، وصار يشير على كلّ منهم بكتابة كتاب في الفقه- غالبا- ويبتدئ له، ويساعده عليه، كما رأيت جملة من الكتب كذلك، واشتغل عليه خلق من أهل عنيزة منهم الشّيخ صالح بن عبد الله الصّائغ، ومنهم الشّيخ عبد الله بن أحمد بن إسماعيل، والشّيخ حميدان بن تركي، وأخوه الشّيخ منصور، والشّيخ محمّد بن إبراهيم أبا الخيل، والشّيخ سليمان بن عبد الله بن زامل، قاضي عنيزة وخطيبها، والشّيخ محمّد بن عليّ بن زامل المسمّى «أبو شامة» وخلق سواهم، فانتفعوا به وراج للفقه سوق نافعة وكثرت كتبه وتواجد منها غريبها، ونفع الله به نفعا ظاهرا، واتّفق عقيب وصوله إلى عنيزة أن حدثت فتنة بين الأمير (١) وبين بعض عشيرته فغضب الشّيخ من ذلك، وأراد الخروج منها، وقال للأمير: أجئت بي للفتن؟ فترضّاه الأمير وأكابر بلده بكلّ ممكن وقالوا: كنّا أمواتا فأحيانا الله بك ونحن محتاجون لعلمك وتعليمك فكيف تفارقنا؟! فرأى أنّ الأمر متعيّن عليه، فانتقل إلى قرية متّصلة بها تسمّى الضّبط

стр. 715

- بالتّحريك- فبنى له فيها مسجدا ودارا، وأعانه عليهما أهل القرية واشترى بها أرضا وصار يتعيّش من زراعتها مواظبا على التّدريس من بكرة النّهار إلى ضحوة، وبعد الظّهر إلى قرب العصر، وبعد العصر، وبين العشائين، يقرأ- غالبا- إما تفسير البغويّ أو ابن كثير، أو حديثا، أو وعظا، وبعد العشاء في ليالي الشّتاء يقرأ درس فرائض، أو السّيرة النّبويّة (١)./ ١٣٩/

стр. 716

وأخبرني بعض الطّلبة الّذين أدركتهم عن بعض تلامذته. قال: كنت إذا خرجت من بيتي للدّرس أشرع في قراءة بعض محفوظاتي فكنت أقرأ «الرّحبيّة» أو «الجزريّة» في طريقي إلى أن أصل إلى قرية الشّيخ، وكان ذا همّة في العلم عليّة، وقوّة عليه قويّة، تزداد رغبته في العلم كلّما طعن في السّنّ، ولا يضجر من كثرة الدّروس والمباحثة والمذاكرة والمراجعة، كثير الإدمان على النّسخ، فكتب بخطّه المتوسّط في الحسن الفائق في الضّبط ما لا يحصى كثرة من كتب التّفسير والحديث وكتب الفقه الكبار وغيرها بحيث إنّي لم أر ولم أسمع منذ أعصار بمن يضاهيه أو يقاربه في كثرة ما كتب، فممّا رأيته بخطّه بعد تفرّق كتبه وتشتّتها في البلدان القريبة والبعيدة «تفسير البغويّ» و «الإتقان» و «القاموس» و «قواعد ابن رجب» و «الغاية» و «شرح الإقناع» و «متنه» و «شرح المنتهى» للشّيخ منصور و «متنه» عدّة نسخ، و «حاشية الإقناع» و «حاشية المنتهى» وغير ذلك سوى الرّسائل، والمجاميع، والتّآليف الصّغار، هذا الّذي رأيته وهو قليل من كثير، وأوّل ما رأيته بخطّه سنة ١٠٩٣، ولعلّ له شيئا قبله فأظنّ ولادته فيحدود سنة ١٠٧٥، وتوفّي سنة ١١٦١ في القرية المذكورة وقبره يزار إلى الآن في مقبرتها لشهرته هناك، وبركة آثاره وعلومه، وكان قد أوصى اثنين من أخصّاء تلامذته بأبيات منها في حفظي قوله: أقيما على قبري إذا دفنتما … ورشّيتما بالماء تربا مسنّما ونادى على رأسي بتلقين حجّتي … ولا تنسيا ذكري إذا ما ختمتما

стр. 717

وعند فراق الرّوح للجسم لقّنا … شهادة «أن لا» لا تلحّا فأسأما وفي اللّيلة الغرّاء اقرآ لي فإنّني … أفاخر جيراني بما قد قرأتما وأوصيكما بالقبر خوف انطماسه … وباللّحد عن ضيق وأن يتهدّما إلخ، وتفرّقت كتبه شذر مذر (١) على كثرتها وضبطها، فإنّه كان شديد الحرص على الكتب، كثير الشّراء والنّسخ لها، والإرسال في طلبها من البلدان، وإن كان الطّريق مخوفا أرسل فارسا من فرسان الأمير يأتي بها له، فينسخ الكتاب ويرسله إلى صاحبه، هكذا همّته ورغبته لا يصرفه عن ذلك صارف، ويبذل فيها الأثمان الجليلة مع فقره، وصار المسافرون من أهل البلد إلى الشّام وبغداد وغيرهما يتقصّدون شراء الكتب له ويهدونها إليه، فلا يكون عنده تحفة أعظم منها حتّى جمع من الكتب الجليلة العزيزة شيئا عظيما، وكان له/ كتابات على كلّ كتبه، وأجاب على مسائل عديدة بأجوبة سديدة، وألّف رسالة في تحريم الدّخان، ووقع بينه وبين الشّيخ عبد الوهّاب بن الشّيخ سليمان بن عليّ منازعة في حديث «البركة في ثلاث» خلط البرّ بالشّعير، فقال: أحدهما: للبيت لا للبيع، وطال بينهما النّزاع، وزاد الشّيخ

стр. 718

عبد الوهّاب (١) على المترجم في الكلام فأرسلا سؤالا إلى مفتي الحنابلة بدمشق وعلّامتهم الشّيخ محمّد أبي المواهب (٢) وارتضيا ما يقول، فأجاب بتصويب الشّيخ المترجم وتأييد قوله، فعند ذلك أنشأ أبياتا يذكر فيها ما سبق للشّيخ عبد الوهّاب من الحدّة في الكلام، لا تحضرني الآن (٣).

стр. 719

قلت: ويؤيّد قول القائل بالتّقييد حديث قبيصة عند ابن ماجه (١)، وإن كان إسناده ضعيفا كما في «بلوغ المرام» فإنّ فيه التّقييد بكونه للبيع. - انتهى-. ٣٧٦ - عبد الله بن أحمد بن محمّد بن عيسى ، جمال الدّين الشّهاب السّنباطيّ الأصل القاهريّ. الماضي أبوه.

стр. 720

قال في «الضّوء» ويعرف ب «ابن عيسى» كان صامتا، حسنا، منجمعا عن النّاس، باشر في تربة يلبغا (٦) وغيرها، وعرض عليه العزّ الحنبليّ النّيابة غير مرّة فامتنع واعتذر بعدم الأهليّة، ولذا كان يرجّحه في العقل على أبيه. مات في صفر سنة ٨٨٢. ٣٧٧ - عبد الله بن أحمد بن عيسى المرداويّ، المقدسيّ . قال في «كشف الظّنون»: له «شرح الملحة» ألّفه سنة ٨٤٧.- انتهى-. أقول: أظنّه السّنباطيّ المتقدّم، وقوله: المرداويّ سهو والله أعلم.

стр. 721

٣٧٨ - عبد الله بن أحمد المعروف كأسلافه ب «الجعفريّ» والنّابلسيّ، السّيّد، الفاضل الأديب، الفرضيّ، الكامل، نقيب الأشراف بنابلس. أخذ العلم عن أفاضل كرام، وكان له قدم راسخ في العبادة، واجتهاد في الإفادة. وكانت وفاته آخر سنة ١١٢٠ قاله في «سلك الدّرر».

стр. 722

٣٧٩ - عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن زهرة - بفتح الزّاي وآخره هاء- الحمصيّ، جمال الدّين، الإمام العلّامة. قال في «الشّذرات»: قرأ «الفروع» على ابن مفلح وله عليه «حاشية» لطيفة، وقرأ «تجريد العناية» على مؤلّفه القاضي علاء الدّين ابن اللّحّام، و «الأصول» له أيضا وأخذ عن عمّه القاضي شمس الدّين، وعلماء دمشق، وكان من أكابر الفضلاء. وتوفّي سنة ٨٦٨ وقد ناف على المائة.- انتهى-. وقال النّجم ابن فهد في «معجمه»: ولد قبيل الثّمانين وسبعمائة بحمص

стр. 723

ونشأ وبها سمع من إبراهيم بن فرعون سنة ٨٥ قطعة (١) من آخر «صحيح البخاري» وحدّث بها، قرأتها عليه. مات- لعلّه- قبل السّتّين- انتهى-. فعلى هذا لم يتجاوز الثّمانين، والله تعالى أعلم. ٣٨٠ - عبد الله بن أيّوب بن يوسف بن محمّد بن عبد الملك بن يوسف بن محمّد ابن قدامة المقدسيّ، أبو محمّد، تقيّ الدّين.

стр. 724

قال في «الدّرر»: ذكره ابن رافع في «معجمه»، وقال: سمع من أبي الفرج بن أبي عمر، وعبد الرّحمن بن الزّين، والفخر بن البخاريّ وغيرهم، وكان يشتغل بالعلم، وينسخ، ويشهد، ويحضر المدارس، وفيه خير ودين وحدّث. توفّي سنة ٧٥٥. ٣٨١ - عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن محمّد بن أحمد بن القاضي التّقيّ أبي الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشّيخ أبي عمر، الجمال بن العماد المقدسيّ، الصّالحيّ، أخو ناصر الدّين محمّد، وستّ الفقهاء، ويعرف كسلفه ب «ابن زريق» بتقديم الزّاي، مصغّرا./ قاله في «الضّوء».

стр. 725

وقال: ولد في ذي القعدة سنة ٧٢٨ (١) بصالحيّة دمشق، واعتنى به عمّه الحافظ ناصر الدّين فأحضره على خليل بن إبراهيم المحافظي، والعلاء عليّ ابن عبد الرّحمن بن محمّد بن سليمان المقدسيّ، وإبراهيم بن أبي بكر بن السّلار، والشّمس محمّد بن محمّد بن عبد الله بن عوض وغيرهم، وأسمعه على أحمد بن إبراهيم بن يونس العدويّ، وعبد الرّحمن بن مجلّي، وناصر الدّين محمّد بن محمّد بن داود بن حمزة، ومحمّد بن الرّشيد عبد الرّحمن

стр. 726

المقدسيّين، ورسلان الذّهبيّ، والشّهاب بن العزّ، وفرج الشّرفيّ، وأبي هريرة ابن الذّهبيّ وخلق، وأجاز له جماعة، وحدّث، سمع منه الفضلاء، وناب في الحسبة بدمشق. مات في مستهلّ جمادى الآخرة سنة ٨٤٨.- انتهى-. قال ابن فهد: وناب في القضاء ومشايخه كثيرون يجمعهم مشيخته ومشيخة أخيه زين الدّين عبد الرّحمن تخريجي، وله نظم. ٣٨٢ - عبد الله بن خليل بن أبي الحسن بن ظاهر - بالمعجمة- بن محمّد بن خليل ابن عبد الرّحمن التّقيّ، أبو عبد الرّحمن الحرستانيّ، ثمّ الدّمشقيّ الصّالحيّ. قال في «الضّوء»: ولد سنة ١٧ أو سنة ١٨، وأسمع الكثير من الشّرف

стр. 727

الحافظ، وأبي بكر بن الرّضيّ، والمزّيّ، ومحمّد بن كامل، وابن تمّام، وابن طرخان، ومحمّد بن أبي بكر بن عبد الدّائم، وزينب ابنة الكمال وآخرين، وممّا سمعه على الأوّل: الأوّل والثّاني من «فوائد ابن سختام» و «جزء ابن فيل» وأجاز له الحجّار، وأبو بكر بن عنتر، وعبد الله بن أبي التّائب، والبندنيجي، وفارس بن أبي فارس، والبرزاليّ، والذّهبيّ، وعمر بن عبد العزيز بن هلال، والبرهان بن عمر الجعبريّ، وأحمد بن محمّد بن جبارة، وعبد الله بن محمّد ابن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة، وأبناء ابن القريشة، وأحمد بن شيبان بن حمزة، وزينب ابنة يحيى بن العزّ عبد السّلام، وأسماء بنت صصرى، وعائشة ابنة المسلم، وشرف خاتون ابنة الفاضليّ، وفاطمة ابنة عبد الرّحمن الدّبهيّ وطائفة، وحدّث، قرأ عليه شيخنا، وروى لنا عنه غير واحد منهم سبطته فاطمة ابنة خليل روت لنا عنه «الشّمائل النّبويّة» سماعا بسماعه لها على ثلاثين شيخا. مات سنة ٨٠٥ وتأخّرت سبطته إلى بعد السّبعين، وذكره المقريزيّ في «عقوده». ٣٨٣ - عبد الله بن داود الزّبيريّ . ولد في بلد سيّدنا الزّبير بقرب البصرة، وبها نشأ، فقرأ القرآن والعلم، ثمّ ارتحل إلى الأحساء للأخذ عن علّامتها الشّيخ محمّد بن فيروز، فلازمه

стр. 728

وأخذ عنه، وعن ولده الشّيخ عبد الوهّاب وغيرهما، حتّى تمهّر في الفقه والأصول والفرائض، والعربيّة، ثمّ رجع إلى بلده فدرّس فيها، وأفتى، وصنّف تصانيف منها «الصّواعق والرّعود في الرّدّ على ابن سعود» في مجلّد حافل (١) أجاد فيه/، و «مناسك الحجّ» مجلّد لطيف (٢) ورسالة في الرّبا والصّرف، وغير ذلك. توفّي سنة ١٢٢٥ في بلد الزّبير.

стр. 729

٣٨٤ - عبد الله بن زيد بن أبي بكر بن عمر بن محمود الحسنيّ الجراعيّ الصّالحيّ.

стр. 730

قال ابن طولون في «سكردانه»: الشّيخ، الإمام، العالم، المفيد، البارع، الفصيح، جمال الدّين، أبو محمّد، وأبو موفّق ابن شهاب الدّين، وهو أخو العلّامة تقيّ الدّين أبي بكر، والشّيخ شهاب الدّين أحمد، المتقدّم ذكرهما، حفظ القرآن، واشتغل، وحصّل، وبرع، وتصدّر للإقراء بمدرسة الشّيخ أبي عمر، ثمّ تسبّب بالشّهادة مع ذلك ومهر فيها، حتّى صار أحد عدول دمشق المشار إليهم، وسمع على الشّهاب ابن زيد وغيره، وأجاز له خلق منهم صالح بن عمر البلقينيّ الشّافعيّ، ولازم المحلّيّ الشّافعيّ، ويحيى بن محمّد الأقصرائيّ الحنفيّ، ومحمّد بن محمّد البقسماطيّ، ومحمّد بن أبي بكر بن محبوب، ويوسف بن عبد الرّحمن الذّهبيّ الشّهير ب «ابن ناظر الصّاحبة» وأسعد بن عليّ ابن منجّى، وستّ القضاة بنت أبي بكر وخلقا سواهم، قرأت عليه غالب القرآن، وكتبت عنه ما قاله الشّهاب أبو العبّاس أحمد بن محمّد الحجازيّ ثمّ المصريّ الشّافعيّ. كان قاضي القضاة (١) صدر الدّين المناويّ

стр. 731

الشّافعي (١) بالقاهرة وكانت بضاعته في العربيّة مزجاة فجاءه يوما قاضي القضاة شمس الدّين الرّكراكي (٢) لأمر ما فتذاكرا إلى أن أتيا على ذكر شيء من النّحو، وكان الرّكراكيّ كثير الدّهاء، وبينهما في الباطن شيء، فكان ممّا قاله المناويّ ما زلت أسمع أنّ الباء لا تدخل على الفعل المضارع حتّى وجدت لدخولها شاهدا من كلام العرب، وهو قول الخنساء في أخيها صخر (٣): وما بيكون مثل أخي ولكن … أسلّي النّفس عنه بالتّأسّي

стр. 732

وأنشده بتقديم الباء على الياء، فقال له الرّكراكيّ: والله حسن يا سيّدي قاضي القضاة (١) كثّر الله فوائدكم، ثمّ دخل عليه جماعة من القضاة وطلبة العلم وغيرهم فقال له الرّكراكيّ: يا سيّدي قاضي القضاة (١) لا بأس بذكر تلك الفائدة للسّادة المخاديم- وقصد بذلك افتضاحه وهو لا يشعر- فتكلّم ابن المناويّ في المسألة وأنشد البيت كما تقدّم فأطرق القوم، فقال له الرّكراكيّ: يا سيّدي قاضي القضاة (١) لعلّه: «وما يبكون» من البكاء فتصحّف عليكم، فخجل لذلك خجلا شديدا، وحفظت عنه وسطّرت في الدّفاتر. تزوّج

стр. 733

المترجم ابنة لقريب له اسمه زكريّا، ثمّ بعد أن دخل بها تنافرا ففرّق بينهما فنزل عليه ليلا فقتله سنة ٨٩٦، ودفن بمقبرة الشّيخ أبي عمر بالسّفح.- انتهى-. أقول: حكيت هذه الحكاية يوما للشّريف عون بن أمير مكّة المشرّفة المرحوم الشّريف محمّد بن عون، وكان له تعلّق بعلم النّحو فلمّا أتممت الحكاية دخل عليه شخص يدّعي معرفة النّحو فغمزني الشّريف وسأل الشّخص عن هذا السّؤال فقال لعلّه مؤوّل مثل: * والله ما ليلى بنام صاحبه (١) * فضحكنا منه وخجل. ٣٨٥ - عبد الله بن عبد الرّحمن بن محمّد بن عيّاش النّاصح ، الصّالحيّ. قال في «الدّرر»: ولد سنة ٦٨١ وسمع من الفخر بن البخاريّ، والرّضيّ الطّبريّ، وحدّث، وكان يباشر أوقاف الحنابلة وكان به صمم. مات في ذي القعدة سنة ٧٥٧.

стр. 734

٣٨٦ - عبد الله بن عبد الرّحمن الملقّب- كأسلافه- (أبا بطين) بضمّ الباء بصيغة التّصغير.

стр. 735

فقيه الدّيار النّجديّة في القرن الثّالث عشر بلا منازغ- ولوالد جدّه (١) مجموع في الفقه- شيخنا العلّامة الفهّامة. ولد في الرّوضة (٢) من قرى سدير

стр. 736

سنة ١١٩٤ وبها نشأ وقرأ على عالمها الشّيخ محمّد بن طراد الدّوسري (١) وكان قد ارتحل إلى الشّام، فقرأ فيه وأظنّه على السّفّاريني (٢) وطبقته، فلازمه شيخنا

стр. 737

المترجم ملازمة تامّة، مع ما جعل الله فيه من الفهم والذّكاء وبطء النّسيان، فمهر في الفقه، وفاق أهل عصره في إبّان شبيبته، ثمّ ارتحل إلى شقراء من

стр. 738

بلدان الوشم وقرأ على قاضيها الشّيخ عبد العزيز الحصيّن بالضّمّ- تصغير حصان- وهو أعلم منه بكثير، فصار القاضي يحيل عليه في كثير من القضايا، ثمّ أرسله أمير نجد تركي بن سعود (١) في سنة ١٢٤٨ إلى بلدنا عنيزة قاضيا عليها وعلى جميع بلدان القصيم على عادته في إرسال القضاة من عنده تشبّها بالسّلطان في إرساله القضاة من اصطنبول وبئست البدعة (٢) لعن الله من ابتدعها فإنّها في ممالك الدّولة مشتملة على قواصم جمّة نسأل الله رفعها فإنّه لا يعجزه شيء ولا يؤده، وكان أهل البلد كارهين لذلك ظنّا منهم أنّه كالقضاة السّابقين فلمّا رأوا علمه وعدله وسمته وعبادته أحبّوه، وقرأ عليه طلبتهم وكنت إذ ذاك صغيرا عن القراءة عليه عمري اثني عشر سنة، فأحضر مع بعض أقاربي للاستماع خلف الحلقة، ثمّ إنّه رجع إلى بلده، فلمّا قتل تركي وتولّى ولده فيصل وانجلت شدّتهم صار لأهل عنيزة نوع اختيار فرغبوا في المذكور أن يكون لهم قاضيا ومفتيا ومدرّسا وخطيبا وإماما، فركب أميرهم وجماعة معه

стр. 739

وجاءوا به وبعياله وتبعه كثير من أصهاره، فلمّا قدم عنيزة هرع أهلها للسّلام عليه وأقاموا له الضّيافة نحو شهر، وشرعوا في القراءة عليه فشرعت مع صغارهم في ذلك إلى أن أنعم الله وتفضّل فقرأت مع كبارهم «شرح المنتهى» مرارا، وفي صحيحيّ البخاريّ ومسلم، و «المنتقى» وقرأت وحدي «شرح مختصر التّحرير» في أصول الفقه و «شرح عقيدة السّفّارينيّ» الكبير، ومع الغير (١) في رسائل عقائد ك «الحمويّة» و «الواسطيّة» و «التّدمريّة» وكان يقرّر تقريرا حسنا، ويستحضر استحضارا عجيبا، فإذا قرّر مسألة يقول: هذي (٢) عبارة «المقنع» مثلا وزاد عليها «المنقّح» كذا ونقص منها كذا، وأبدل لفظة كذا بهذه، مع شدّة التّثبّت والتّأمّل إذا سئل عن مسألة واضحة لا تخفى على أدنى طلبته تأنّى في الجواب حتّى يظنّ الجاهل أنّه لا يعرفها، والحال أنّه يعرف من نقلها ومن رجّحها، ومن ضعّفها، ودليلها، وأمّا اطّلاعه على خلاف الأئمة الأربعة بل وغيرهم من السّلف والرّوايات والأقوال المذهبيّة فأمر عجيب، ما أعلم أنّي رأيت في خصوص هذا من يضاهيه، بل ولا من يقاربه. وكان جلدا على التّدريس، لا يملّ ولا يضجر، ولا يردّ طالبا في أيّ كتاب، كريما، سخيّا، يأتيه كثير من أهل سدير والوشم برسم القراءة عليه فيقوم بكفايتهم سنة أو أكثر أو أقلّ، ساكنا، وقورا، دائم الصّمت، قليل الكلام في كلّ شيء، كثير العبادة والتّهجّد، مواظبا على درسي وعظ، بعد العصر وبين العشائين في المسجد الجامع، قليل المجيء إلى النّاس، وكان في أيّام سعود وأخذه

стр. 740

الحرمين فيما بعد العشرين ولّاه قضاء الطّائف، فسمعت منهم الثّناء التّامّ عليه بحسن السّيرة ولطف المعاملة والإعراض عن أمورهم جملة، مع اقتداره على القتل فما دونه، ومع ذلك فلم يؤذ أحدا في نفس ولا عرض، ولا مال، وهكذا العفاف المحض في تلك الأيّام الّتي استأسدت فيها الثّعالب (١)، وقرأ عليه جماعة منهم في الحديث والتّفسير وعقائد السّلف، وقرأ هو على السّيّد حسين الجفري (٢) في النّحو، حتّى صار يقرأ ابن عقيل بلا توقّف، وكان حسن الصّوت بالقراءة، على قراءته هيبة، مرتّلة مجوّدة، يختار حتّى في الصّلاة ما كانت أكثر حروفا من القراءات السّبع، حسن الخطّ مضبوطة، كتب كتبا كثيرة، واختصر «بدائع الفوائد» في نحو نصفه (٣).
следующие страницы →