Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
أختك فلتركب ولتهد بدنة.
قال الشيخ: فأما قوله فلتصم ثلاثة أيام فإن الصيام بدل من الهدي خيرت فيه كما خير قاتل الصيد أن يفديه بمثله إذا كان له مثل وإن شاء قومه وأخرجه إلى المساكين وإن شاء صام بدل كل مد من الطعام يوماً وذلك قوله ﴿أو عدل ذلك صياماً﴾ [المائدة: ٩٥] والله أعلم.
وقد اختلف الناس فيمن نذر المشي إلى بيت الله فقال الشافعي يمشي إن أطاق المشي فإن عجز أراق دماً وركب.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يركب ويريق دماً سواء أطاق أو لم يطق.
ومن باب النذر فيما لا يملك .
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: حَدَّثنا حماد عن أيوب، عَن أبي قلابة عن ابن المهلب عن عمران بن حصين قال كانت العضباء لرجل من عقيل وكانت من سوابق الحاج قال فأسر فأتى به النبي ﷺ وهو في وثق والنبي ﷺ على حمار عليه قطيفة فقال يا محمد علام تأخذني وتأخذ سابقة الحاج قال نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف وكان ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي ﷺ قال وقد قال فيما قال وأنا مسلم أو قال قد أسلمت فلما مضى النبي ﷺ قال ابن عيسى ثم ناداه يا محمد يا محمد قال وكان النبي ﷺ رحيماً رفيقاً، فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال إني مسلم قال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم رجعت إلى حديث سليمان فقال يا محمد إني جائع فأطعمني إني ظمآن فاسقني، قال فقال النبي ﷺ هذه حاجتك أو قال هذه حاجته، قال فودي الرجل بعد بالرجلين قال وحبس رسول الله ﷺ العضباء
стр. 1052
لرحله، قال فأغار المشركون على سرح المدينة فذهبوا به وذهبوا بالعضباء، قال فلما ذهبوا به وأسروا امرأة أبي ذر، قال وكانوا إذا كانوا من الليل يريحون إبلهم فبم في أفنيتهم، قال فنوموا ليلة فقامت المرأة فجعلت لا تضع يدها على بعير إلاّ رغا حتى أتت العضباء، قال فأتت على ناقة دلول مجرَّشة.
قال ابن عيسى فلم ترغ فركبتها ثم جعلت لله عليها إن نجاها لتنحرنها، قال فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فأخبر النبي ﷺ بذلك فأرسل إليها فجيء بها وأخبر بنذرها، فقال بئس ما جزرتها أو جزيتها إن الله أنجاها عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم.
قال الشيخ: قوله أخذت بجريرة حلفائك ثقيف اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم هذا يدل على أنهم كانوا عاقدوا بني عقيل أن لا يعرضوا للمسلمين ولا أحد من حلفائهم فنقض حلفاؤهم العهد ولم ينكره بنو عقيل فأخذوا بجريرتهم.
وقال آخرون هذا رجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله؛ فإذا جاز أن يؤخذ بجريحة نفسه وهي كافرة جاز أن يؤخذ بجريرة غيره ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره.
ويحكى معنى هذا عن الشافعي، وفيه وجه ثالث وهو أن يكون في الكلام إضمار يريد أنك إنما أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك ثقيف فيفدى بك الأسراء الذين أسرهم ثقيف، ألا تراه يقول ففودي الرجل بعد بالرجلين.
وقوله إني مسلم ثم لم يخله النبي ﷺ مع ذلك لكنه رده إلى دار الكفر فإنه يتأول على أنه قد كان أطلعه الله سبحانه على كذبه وأعلمه أنه تكلم به على التقية
стр. 1053
دون الإخلاص، ألا تراه يقول له هذه حاجتك حين قال إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني، وليس هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ فإذا قال الكافر إني مسلم قبل منه إسلامه ووكلت سريرته إلى ربه وقد انقطع الوحي وانسد علم باب الغيب.
وقوله لو كنت قلت ذلك وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح يريد أنك لو تكلمت بكلمة الإسلام طائعاً راغباً فيه قبل الأسار أفلحت في الدنيا بالخلاص من الرق وأفلحت في الآخرة بالنجاة من النار.
وفيه دليل على أن المسلم إذا حاز الكافر ماله ثم ظفر به المسلمون فإنه يرد إلى صاحبه المسلم ولا يغنمه آخذه ولذلك قال النبي ﷺ لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم.
قوله مجرَّشة معناها الوطية المذللة، يقال فلان جرشته الأمور أي راضته وذللته.
وفي الحديث دليل على أن النهي عن أن تسافر المرأة إلاّ مع ذي محرم إنما جاء في الأسفار المباحة دون السفر الواجب اللازم لها بحق الدين.
ومن باب النذر في معصية
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقال هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مروه فليتكلم وليقعد وليستظل وليتم صومه.
قال الشيخ: قد تضمن نذره نوعين من طاعة ومعصية فأمره النبي ﷺ بالوفاء بما كان منهما طاعة وهو الصوم وأن يترك ما ليس بطاعة من القيام
стр. 1054
في الشمس وترك الكلام وترك الاستظلال بالظل وذلك لأن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه وليس في شيء منها قربة إلى الله سبحانه، وقد وضعت عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم.
فأما المشي إلى بيت الله فالنذر فيه لازم لأن ذلك من المقدور عليه ولم يزل الناس يحجون مشاة كما يحجون ركباناً، وقال سبحانه ﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧] .
فأما إذا تجاوز المشي والرحلة إلى أن يبلغ به الحفا والوجا وما أشبه ذلك فإنه خروج إلى المشقة التي تتعب الأبدان وربما أتلفتها فتخرج حينئذ عن أن تكون قربة وتنقلب النذور فيه معصية فلا يلزم الوفاء ولا يجب الكفارة فيه والله أعلم.
ومن باب ما يؤمر بوفائه من النذور
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد الله بن يزيد بن مقسم الثقفي من أهل الطائف، قال حدثتني سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كرده، قالت خرجت مع أبي في حجة رسول الله ﷺ فرأيت رسول الله ﷺ وسمعت الناس يقولون رسول الله فجعلت أبده بصري فدنا إليه أبي وهو على ناقة له معه درة كدرة للكتاب فسمعت الأعراب والناس يقولون الطبطبية الطبطبية، فقال أبي يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم قال رسول الله ﷺ هل بها من هذه الأوثان، قال لا، قال فأوف بما نذرت به لله.
قال الشيخ: قولها ابده بصري معناه اتبعه بصري وألزمه إياه لا أقطعه عنه
стр. 1055
يقال ابد فلان فلاناً بصره وأباده بصره بمعنى واحد.
والطبطبية حكاية وقع الأقدام.
وفيه دليل على أن من نذر طعاماً أو ذبحاً بمكة أو في غيره من البلدان لم يجز أن يجعله لفقراء غير أهل هذا المكان وهذا على مذهب الشافعي وأجازه غيره لغير أهل ذلك المكان.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة عن عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني قد نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال أوفي بنذرك.
قال الشيخ: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يتعلق بها النذور وأحسن حال أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب التي هي من نوافل الطاعات ولهذا أبيح ضرب الدف واستحب في النكاح لما فيه من الإشاعة بذكره والخروج به عن معنى السفاح الذي هو استسرار به واستتار عن الناس فيه والله أعلم.
ومما يشبه هذا المعنى قول النبي ﷺ لحسان حين استنشده وقال له كأنما
ينضح به وجوه القوم النبل وكذلك استنشاده عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهما.
ومن باب النذر عن الميت
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة
стр. 1056
استفتى رسول الله ﷺ فقال إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه فقال اقض عنها.
قال الشيخ: في هذا بيان أن النذور التي نذرها الميت وكفارات الأيمان التي لزمته قبل الموت مقضية من ماله كالديون اللازمة له، وهذا على مذهب الشافعي وأصحابه؛ وعند أبي حنيفة لا تقضى إلاّ أن يوصي بها.
ومن باب من مات وعليه الصيام
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه.
قال الشيخ: قوله صام عنه وليه يحتمل وجهين أحدهما مباشرة فعل الصيام وقد ذهب إليه قوم من أصحاب الحديث.
والوجه الآخر أن يكون معناه الكفارة فعبر بالصوم عنها إذ كانت بدلاً عنه وعلى هذا قول أكثر الفقهاء.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى عن عبيد الله حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر ﵄ أنه قال يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة، فقال له النبي ﷺ أوف بنذرك.
قال الشيخ: إذا كان النبي ﷺ يأمره بالوفاء فيما نذره في الجاهلية فقد دل على تعلق ذمته به.
وفيه دليل على أنه مؤاخذ بموانع الأحكام التي كانت مباديها في حال الكفر
стр. 1057
فلو حلف في الجاهلية وحنث في الإسلام لزمته الكفارة وهذا على أصل الشافعي ومذهبه، وعند أبي حنيفة لا تلزمه الكفارة بالحنث.
وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفرائض مأمورون بالطاعات.
وفيه دليل على أن الاعتكاف جائز بغير صوم لأنه إنما كان نذر اعتكاف ليلة والليل ليس بمحل للصوم.
كتاب العتق
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو بدر حدثني أبو عتبة حدثني سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم.
قال الشيخ: في هذا حجة لمن رأى بيع المكاتب جائزاً لأنه إذا كان عبداً فهو مملوك وإذا كان باقياً على أصل الملك لم يحدث لغيره فيه ملك كان غيرممنوع من بيعه، واحتج من أجاز بيعه بأنه لا خلاف أن أحكامه أحكام المماليك في شهاداته وجناياته والجناية عليه وفي ميراثه وحدوده وسهمه إن حضر القتال. وممن ذهب إلى إجازة بيعه إبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل وهو قول مالك بن أنس على نوع من الشرط فيه، وكان الشافعي يقول به في القديم ثم رجع أن بيعه غير جائز وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقال الأوزاعى يكره بيع المكاتب قبل عجزه للخدمة، وقال لا بأس أن يباع للعتق.
قلت كل ما أجاز بيعه فإنما أجازه على إثبات الكتابة له فيقوم المشتري مقام الذي كاتبه فيه أن يؤدي إليه عتق.
стр. 1058
فأما بيعه على أن يبطل كتابته وهو ماض فيها مؤد ما يجب عليه من نجومه فلا أعلم أحداً ذهب إليه إلاّ أن يعجز المكاتب عن اداء نجومه فيجوز عندئذ بيعه لأنه قد عاد رقيقاً كما كان قبل الكتابة.
وفي قوله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم دليل على أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي نجومه بكمالها لم يكن محكوماً بعتقه وإن ترك وفاء لأنه إذا مات وهو عبد لم يصر حراً بعد الموت ويأخذ المال سيده ويكون أولاده رقيقا له.
وقد روي هذا القول عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل.
واستدل بعضهم في ذلك بأن تلف المبيع قبل القبض يبطل حكم العقد والمكاتب مبيع تلف قبل أن يقبض فيملك نفسه ونزول يد السيد عنه.
وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا إذا ترك المكاتب وفاء بما بقي عليه من الكتابة عتق، وإن ترك زيادة كانت لولده الأحرار، وهو قول عطاء وطاوس والنخعي والحسن وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال مالك نحواً من ذلك.
وفيه دليل على أن ليس للمكاتب أن يكاتب عبده لأنه عبد وأداء الكتابة توجب الحرية والحرية توجب الولاء، وليس المكاتب ممن يثبت له الولاء لأن الولاء بمنزلة النسب، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه، وفي قوله الآخر يجوز له أن يكاتبه لأنه من باب المكاسب وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن نبهان مكاتب لأم سلمة، قال سمعت أم سلمة تقول: قال لها رسول الله ﷺ إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه.
стр. 1059
قال الشيخ: وهذا كالدلالة على أنه إذا مات وترك الوفاء بكتابته كان حراً.
وقد يتأول أيضاً على أنه أراد به الاحتياط في أمره لأنه بعرض أن يعتق في كل ساعة بأن يعجل نجومه إذا كان واجداً لها والله أعلم.
ومن باب بيع المكاتب إذا فسخت المكاتبة
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد وحدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قالا: حَدَّثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، فقالت لها عائشة ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا وقالوا إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ ابتاعي فأعتقى فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ﷺ فقال ما بال أناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط شرط الله أحق وأوثق.
قال الشيخ: في خبر بريرة دليل على أن بيع المكاتب جائز وذلك لأن رسول الله ﷺ قد أذن لعائشة في ابتياعها وهي إنما جاءتها للأداء ولتستعين بها في ذلك، ولا دلالة في الحديث على أنها كانت قد عجزت عن أداء نجومها.
وتأول الخبر من منع من بيع المكاتب على أن بريرة قد رضيت أن تباع وأن بيعها للعتق كان فسخاً للكتابة ولم يكن بيعها بيع مكاتبة.
وزعم بعضهم أنهم إنما باعوا نجوم كتابتها واستدل على ذلك بقول عائشة
стр. 1060
رضي الله عنها فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، وهذا لا يدل على جواز بيع نجوم الكتابة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن. ونجوم الكتابة غير مقبوضة وهي كالسلم لا يجوز بيعه، وإنما معنى قضاء الكتابة هو الثمن الذي يعطيهم على البيع عوضاً عن الرقبة.
والدليل عليه قوله ﷺ ابتاعي فأعتقي فدل أن الأمر قد استقر على البيع الذي هو العقد على الرقبة.
وقوله إنما الولاء لمن أعتق دليل على أنه لا ولاء لغير معتق وإن من أسلم على يدي رجل لم يكن له ولاؤه لأنه غير معتق. وكلمة إنما تعمل في الإيجاب والسلب جميعاً.
وقد توهم بعض الناس أن في قوله ابتاعي فأعتقي خلفاً لما اشترطوه على عائشة ورد الحديث من أجل ذلك، وقال إن رسول الله ﷺ لا يأمر بغرور الإنسان.
أخبرني أبو رجاء الغنوي حدثني أبي عن يحيى بن أكثم أنه كان يقول ذلك في هذا الحديث.
قلت وليس في الحديث شيء مما يشبه معنى الغرور والخلف وإنما فيه أن القوم كانوا قد رغبوا في بيعها فأجازه رسول الله ﷺ وأذن لعائشة في امضائه وكانوا جاهلين بحكم الدين في أن الولاء لا يكون إلاّ لمعتق وطمعوا أن يكون الولاء لهم بلا عتق، فلما عقدوا البيع وزال ملكهم عنها ثبت ملك رقبتها لعائشة فأعتقتها وصار الولاء لها لأن الولاء من حقوق العتق وتوابعه فلما تنازعوه قام رسول الله ﷺ فبين أن الولاء في قضية الشريعة إنما هو لمن أعتق وأن من شرط
стр. 1061
شرطاً لا يوافق حكم كتاب الله فهو باطل.
وقد روى من طريق عروة بن هشام في هذه القصة زيادة لم يتابع عليها ولم يذكرها أبو داود وهي أنه قال اشترطي لهم الولاء، وهذه اللفظة يقال إنها غير محفوظة ولو صحت تأولت على معنى أن لا تبالي بما يقولون ولا تعبئي بقولهم فإن الولاء لا يكون إلاّ لمعتق وليس ذلك على أن يشترطه لهم قولاً ويكون خلفاً لموعود شرط وإنما هو على المعنى الذي ذكرته من أنهم يحلّون، وقولهم ذلك لا يلتفت إليه إذا كان لغواً من الكلام خلفاً من القول.
وكان المزني يتأوله فيقول قوله اشترطي لهم الولاء معناه اشترطي عليهم الولاء كما قال سبحانه ﴿أولئك لهم اللعنة﴾ [الرعد: ٢٥] بمعنى عليهم اللعنة.
وقوله ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله يريد أنها ليست من حكم كتاب الله تعالى وعلى موجب قضاياه ولم يرد أنها ليست في كتاب الله مذكوراً، ولكن الكتاب قد أمر بطاعة الرسول ﷺ واعلم أن سنته بيان له، وقد جعل الرسول ﷺ الولاء لمن أعتق فكان ذلك منصرفاً إلى الكتاب ومضافاً إليه على هذا المعنى والله أعلم.
وقد استدل الشافعي من هذا الحديث على أن بيع الرقبة بشرط العتق جائز وموضع هذا الدليل ليس بالبين في صريح لفظ الحديث وإنما هو مستنبط من حكمه، وذلك أن القوم لا يشترطون الولاء إلا وقد تقدمه شرط العتق فثبت أن هذا الشرط على هذا المعنى في العقد والله أعلم.
وفي قوله ﷺ من رواية الليث عن ابن شهاب عن عروة ابتاعي وأعتقي بيان
стр. 1062
هذا المعنى، وقد روي أيضاً صريحاً من طريق الأسود.
حدثناه إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الضبي حدثنا عفان حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود أن عائشة ﵂ أرادت أن تشتري بريرة تعتقها فاشترطوا ولاءها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال اشتريها وأعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الثمن.
قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂، قالت وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة ملاَحة وذكرت القصة في تزوج رسول الله ﷺ إياها.
قال الشيخ: قوله ملاحة، يقال جارية مليحة وملاحة وفعالة يجيء في النعوت بمعنى التوكيد، فإذا شدد كان أبلغ في التوكيد كقوله سبحانه ﴿ومكروا مكراً كباراً﴾ [نوح: ٢٢] . وقال الشماخ:
يا ظبية عطلاً حسانة الجيد
ومن باب العتق على شرط
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال كنت مملوكاً لأم سلمة فقالت اعتقك واشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشت فقال إن لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت فأعتقتنى واشترطت عليَّ.
قال الشيخ: هذا وعد عبر عنه باسم الشرط، وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد العتق لأنه شرط لا يلاقي ملكاً ومنافع الحر لا يملكها غيره
стр. 1063
إلاّ بإجازة أو ما في معناها.
وقد اختلفوا في هذا فكان ابن سيرين يثبت الشرط في مثل هذا، وسئل أحمد بن حنبل عنه، فقال يشتري هذه الخدمة من صاحبه الذي اشترط له قيل له تشترى بالدراهم قال نعم.
ومن باب من أعتق نصيباً له من مملوك
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا همام قال وحدثنا محمد بن كثير المعنى أنبأنا همام عن قتادة، عَن أبي المليح، قال أبو الوليد عن أبيه أن رجلاً أعتق شقصاً من غلام فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ليس لله شريك، زاد ابن كثير في حديثه فأجاز النبي ﷺ عتقه.
قال الشيخ: فيه دليل على أن المملوك يعتق كله إذا أعتق الشقص منه ولا يتوقف على عتق الشريك الآخر وأداء القيمة ولا على الاستسعاء، ألا تراه يقول فأجاز النبي ﷺ عتقه وقال ليس لله شريك فنفى أن يقارّ الملك العتق وأن يجتمعا في شخص واحد، وهذا إذا كان المعتق موسراً فإذا كان معسراً فإن الحكم بخلاف ذلك على ما ورد بيانه في السنة وسيجيء ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب ابن أبي ليلى وابن شبرمة وسفيان الثوري والشافعي في أظهر قوليه إلى أن العتق إذا وقع من أحد الشريكين في شقصه وكان موسراً سرى في كله وعتق العبد ثم غرم المعتق لشريكه قيمة نصفه ويكون الولاء كله للمعتق.
وقال مالك بن أنس نصيب الشريك لا يعتق حتى يقوم العبد على المعتق
стр. 1064
ويؤمر بأداء حصته من القيمة إليه فإذا أداها عتق العبد كله، وهو أحد قولي الشافعي القديم وهذا القول مبني على النظر للشريك والقول الأول مبني على النظر للعبد.
ويحكى عن الشافعي فيه قول ثالث وهو أن يكون العتق موقوفاً على الأداء وهذا مبني على النظر للشريك والعبد معاً.
وقال أبو حنيفة إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه وهو موسر فشريكه الذي لم يعتق بالخيار إن شاء أعتق كما أعتق وكان الولاء بينهما نصفين، وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته ورجع شريكه بما ضمن على العبد فاستسعاه فيه فإذا أداه عتق وكان الولاء كله للمعتق. وخالفه أصحابه وقالوا بمثل قول الثوري وسائر أهل العلم.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك، عَن أبي هريرة أن رجلاً أعتق شقصاً من غلام فأجاز النبي ﷺ عتقه وغرمه بقية ثمنه.
قال الشيخ: وهذا يبين لك أن العتق قد كمل له بإعتاق الشريك الأول نصيبه منه فلولا أنه قد استهلكه لم يكن لقوله وغرمه بقية ثمنه معنى لأن الغرم إنما يقع في الشيء المستهلك.
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان حدثنا قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك، عَن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ من أعتق شقصاً في مملوك فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه.
قال الشيخ: هذا الكلام لا يثبته أكثر أهل النقل مسنداً عن النبي ﷺ ويزعمون أنه من كلام قتادة.
стр. 1065
وأخبرني الحسن بن يحيى عن ابن المنذر فقال هذا الكلام من فتيا قتادة ليس من متن الحديث.
قال وحدثنا علي بن الحسين حدثنا المقري حدثنا همام عن عمارة عن النضر بن أنس عن رجل، عَن أبي هريرة أن رجلاً أعتق شريكاً له في مملوك فغرمه النبي ﷺ بقية ثمنه.
وكان قتادة يقول إن لم يكن له مال استسعى قال ابن المنذر وقد أخبر همام ان ذكر السعاية من قول قتادة، قال وألحق سعيد بن أبي عروبة الذي ميزه همام من قول قتادة فجعله متصلاً بالحديث.
قلت وقد تأول بعض الناس فقال معنى السعاية أن يُستسعى العبد لسيده أي يستخدم ولذلك قال غير مشقوق عليه أي لا يحمل فوق ما يلزمه من الخدمة بقدر ما فيه من الرق لا يطالب باكثر منه.
قال أبو داود: حدثنا على بن عبد الله حدثنا محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نَهيك، عَن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال من أعتق شِقصاً أو شقيصاً له في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال قوم العبد قيمة عدل ثم استُسعي لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه.
قال أبو داود ورواه يحيى بن سعيد وابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكرا فيه السعاية. ورواه يزيد بن زريع عن سعيد فذكر فيه السعاية. وقال محمد بن إسماعيل ورواه شعبة عن قتادة فلم يذكر السعاية.
قال الشيخ: اضطراب سعيد بن أبي عروبة في السعاية مرة يذكرها ومرة
стр. 1066
لا يذكرها فدل على أنها ليست من متن الحديث عنده وإنما هو من كلام قتادة وتفسيره على ما ذكره همام وبينه.
ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر ﵁ وقد ذكره أبو داود في هذا الباب الذي يليه.
ومن باب من رأى من لم يكن له مال لم يستسع
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال من أعتق شقصاً له في مملوك أقيم عليه قيمة العدل فأعطى شركاؤه حصصهم وأعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق.
قال الشيخ: قوله وإلا فقد عتق عليه ما عتق يدل على أنه لا عاقبة وراء ذلك، وفيه سقوط السعاية وهو أثبت شيء روي من الحديث في هذا الباب.
قال أبو داود قال أيوب وروي هذا الحديث عن نافع فقال كان نافع ربما قال فقد عتق منه ما عتق وربما لم يقله.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن عمروعن سالم عن أبيه يبلغ به النبي ﷺ إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه فان كان موسراً يقوم عليه قيمة لا وَكس ولا شطط ثم يعتق.
قال الشيخ في قوله ثم يعتق حجة لمن ذهب إلى أن العتق لا يقع بنفس الكلام ولكنه بعد التقويم والأداء، وهو قول مالك بن أنس وربيعة بن عبد الرحمن.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن خالد، عَن أبي بشر العنبري، عَن أبي التَّلِب عن أبيه أن رجلاً أعتق نصيباً له في مملوك فلم يضمنه النبي ﷺ .
стр. 1067
قال الشيخ: هذا غير مخالف للأحاديث المتقدمة وذلك لأنه إذا كان معسراً لم يضمن وبقي الشقص مملوكاً كما كان.
ومن باب من ملك ذا رحم محرم
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حَدَّثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة فيما يحسب حماد قال: قال رسول الله ﷺ من ملك ذا رحم محرم فهو حر.
قال أبو داود لم يحدث هذا الحديث إلاّ حماد بن سلمة وقد شك فيه.
قال أبو داود: قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن شعبة عن قتادة عن جابر بن زيد والحسن مثله. قال أبو داود وشعبة احفظ من حماد بن سلمة.
قال الشيخ: قلت الذي أراد أبو داود من هذا أن الحديث ليس بمرفوع أو ليس بمتصل إنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ .
وقد اختلف الناس في هذا فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة وهو قول الحسن وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزبير والحكم وحماد وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان وأحمد وإسحاق.
وقال مالك بن أنس يعتق عليه الولد والوالد والإخوة ولا يعتق عليه غيرهم.
وقال الشافعي لا يعتق عليه إلاّ أولاده وآباؤه وأمهاته ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته.
وأما ذوو المحارم من الرضاعة فإنهم لا يعتقون في قول أكثر أهل العلم،
стр. 1068
وكان شريك بن عبد الله القاضي يعتقهم.
وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه واحتجوا بقوله لا يجزي ولد والده إلاّ أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه قالوا وإذا صح الشراء فقد ثبت الملك ولصاحب الملك التصرف، وحديث سمرة غير ثابت.
ومن باب في أمهات الأولاد
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قيس عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ فلما كان عمر ﵁ نهانا فانتهينا.
قال الشيخ: ذكر أبو داود في صدر هذا الباب حديثاً ليس إسناده بذاك.
، قال: حَدَّثنا النفيلي عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن خطاب بن صالح مولى الأنصار عن أمه عن سلامة بنت معقِل امرأة من قيس عيلان أن عمها قدم بها المدينة في الجاهلية فباعها من الحُبَاب بن عمرو فولدت له عبد الرحمن بن الحباب.
قال الشيخ:، يَعني ثم هلك فأرادوا بيعها فأمرهم النبي ﷺ بإعتاقها وعوضهم منها غلاماً.
وذهب عامة أهل العلم إلى أن بيع أم الولد فاسد وإنما روي الخلاف عن علي ﵁ فقط.
وعن ابن عباس ﵁ أنها تعتق في نصيب ولدها.
وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين أنه قال لأبي معشر
стр. 1069
إني اتهمكم في كثير مما تروون عن علي ﵁ لأني قال لي عبيدة بعث إليّ عليّ وإلى شريح يقول إني أبغض الاختلاف فاقضوا كما كنتم تقضون،، يَعني في أم الولد حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات صاحباي، قال فقتل علي ﵁ قبل أن يكون للناس جماعة حدثونا بذلك عن علي بن عبد العزيز، عَن أبي النعمان عن حماد.
قلت واختلاف الصحابة إذا ختم بالاتفاق وانقرض العصر عليه صار إجماعاً وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال نحن لا نورث ما تركنا صدقة.
وقد خلف ﷺ أم ولده مارية فلو كانت مالاً لبيعت وصار ثمنها صدقة.
وقد نهى ﷺ عن التفريق بين الأولاد والأمهات وفي بيعهن تفريق بينهن وبين أولادهن، ووحدنا حكم الأولاد وحكم أمهاتهم في الحرية والرق، وإذا كان ولدها من سيدها حراً دل على حرية الأم.
وقال بعض أهل العلم ويحتمل أن يكون هذا الفعل منهم في زمن النبي ﷺ وهو لا يشعر بذلك لأنه أمر يقع نادراً، وليست أمهات الأولاد كسائر الرقيق التي يتداولها الأملاك فيكثر بيعهن وشراؤهن فلا يخفى الأمر على العامة والخاصة في ذلك.
وقد يحتمل أن يكون ذلك مباحاً في العصر الأول ثم نهى النبي ﷺ عن ذلك قبل خروجه من الدنيا ولم يعلم به أبو بكر ﵁ لأن ذلك لم يحدث في أيامه لقصر مدتها ولاشتغاله بأمور الدين ومحاربة أهل الردة واستصلاح أهل الدعوة ثم بقي الأمر على ذلك في عصر عمر ﵁ مدة من الزمان، ثم نهى عنه عمر حين بلغه ذلك عن رسول الله ﷺ فانتهوا عنه والله أعلم.
стр. 1070
ومن باب في بيع المدبر
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء وإسماعيل بن أبي خالد عن سلمة بن كُهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دُبُر منه لم يكن له غيره فأمره النبي ﷺ فبيع بسبعمائة أو تسعمائة.
قال الشيخ: قد اختلف مذاهب الناس في بيع المدبر واختلف أقاويلهم في تأويل هذا الحديث، فأجاز الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه بيع المدبر على الأحوال كلها، وروي ذلك عن مجاهد وطاوس.
وكان الحسن يرى بيعه إذا احتاج صاحبه إليه، وكان مالك يجيز بيع الورثة إذا كان على الميت دين يحيط برقبته ولا يكون للميت مال غيره.
وكان الليث بن سعد يكره بيع المدبر ويجيز بيعه إذا أعتقه الذي ابتاعه. وكان ابن سيرين يقول لا يباع إلاّ من نفسه.
ومنع من بيع المدبر سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والزهري وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وإليه ذهب سفيان والأوزاعي.
وتأول بعض أهل العلم الحديث في بيع المدبر على التدبير المعلق، قال وهو أن يقول لمملوكه إن مت من مرضي هذا فأنت حر، قال وإذا كان كذلك جاز بيعه، قال وأما إذا قال أنت حر بموتي أو بعد موتي فقد صار المملوك مدبراً على الإطلاق ولا يجوز بيعه.
قلت ليس في الحديث بيان ما ذكره من تعليق التدبير، وإنما جاء الحديث ببيع المدبر. واسم التدبير إذا أطلق كان على هذا المعنى لا على غيره.
стр. 1071
وقد باعه رسول الله ﷺ فكان ظاهره جواز بيع المدبر؛ والمدبر هو من أعتق عن دبر.
ولم يختلفوا في أن عتق المدبر من الثلث فكان سبيله سبيل الوصايا وللموصي أن يعود فيما أوصى به وإن كان سبيله سبيل العتق بالصفة فهو أولى بالجواز ما لم يوجد الصفة المعلق بها العتق والله أعلم.
ومن باب فيمن أعتق عبيداً له لم يبلغوا الثلث
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب، عَن أبي قلابة، عَن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال له قولاً شديداً ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأَرَقَّ أربعة.
قال الشيخ: في هذا بيان أن حكم عتق البتات في المرض الذي يموت به المعتق حكم الوصايا وإن ذلك من ثلث ماله.
وفيه إثبات القرعة في تمييز العتق الشائع في الأعيان وجمعه في بعض دون بعض.
وقوله فجزأهم ثلاثة أجزاء يريد أنه جزأهم على عبرة القيم دون عدد الرؤوس إلاّ أن القيم قد تساوت فيهم فخرج عدد الرؤوس على مساواة القيم وعبيد أهل الحجاز إنما هم الزنوج والحبش والقيم قد تتساوى فيها غالباً أو تتقارب.
وتفريق العتق في أجزاء العبيد يؤدي إلى الضرر في الملاك والمماليك معاً وجمع العتق يرفع الضرر وينفي سوء المشاركة. وأما الاستسعاء فقد ذكرنا فيما تقدم أن الحديث فيه غير صحيح فجمع الحرية به متعذر غير متيسر.
стр. 1072
وقد اعترض على هذا قوم فقالوا في هذا ظلم للعبيد لأن السيد إنما قصد إيقاع العتق عليهم جميعاً، فلما منع حق الورثة من استغراقهم وجب أن يقع الجائز منه شائعاً فيهم لينال كل واحد منهم حصته منه كما لو وهبهم ولا مال له غيرهم وكما لو كان أوصى بهم فإن الهبة والوصية قد تصح في الجزء في كل واحد منهم.
قلت هذا قياس ترده السنة، وإذا قال صاحب الشريعة قولاً وحكم بحكم لم يجز الاعتراض عليه برأي ولا مقابلة بأصل آخر ويجب تقريره على حاله واتخاذه أصلاً في بابه. والوصايا والهبات مخالفة للعتق لأن الورثة لا يتضررون بوقوع الهبة والوصية شائعين في العبد ويتضررون بوقوع العتق شائعاً، وأمرالعتق مبني على التغليب والتكميل إذا وجد إليه السبيل وحكم الدين قد منع من إكمال في جماعتهم فأكمل لمن خرجت له القرعة منهم.
قال الشافعي وهذا الحديث أصل في جواز الوصية في المرض بالثلث للأجانب لأن عتقه إياهم في معنى الوصية لهم وهم أجانب، قال وكانت العرب لا تستعبد من بينها وبينه نسب تريد بهذا أن الوصية للأقربين منسوخة بآية الميراث.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فقال بظاهر الحديث مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقد روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يعتق من كل واحد منهم الثلث ويستسعى في ثلثيه للورثة ويتق، ويروى ذلك عن الشعبي والنخعي، وعلى هذا القياس إذا اعتق في المرض الذي مات فيه عبداً لم يكن له مال غيره فإنه يعتق منه الثلث ويكون ثلثاه رقيقا للورثة في قول مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة وأصحابه يعتق ثلثه ويستسعى في ثلثيه للورثة ويعتق.
стр. 1073
وتأول بعضهم الحديث على أنه إنما أراد بالتجزئة إفراز حصة الورثة من حصة العبيد دون تجزئة الأعيان وهذا تأويل فاسد.
وقد أخبر عمران بن حصين في هذا الحديث أنه أعتق اثنين منهم وأرق أربعة فصرح بوقوع القسمة في الأعيان دون الأجزاء ولو أراد الأجزاء لقال فأعتق الثلث وأرق الثلثين وما أشبه ذلك من الكلام والله أعلم.
وفي قوله فاعتق اثنين بيان صحة وقوع العتق لهما والرق لمن عداهما.
وفي قول من يرى استسعاء كل واحد منهما في ثلثي قيمته ترك للأمرين معاً لأنه لا يعتق أحداً منهم ولا يرقّه وفي ذلك مخالفة للحديث على وجهه، وقد جاء بيان ما قلناه صريحاً من رواية الحسن عن عمران بن حصين.
حدثناه إبراهيم بن فراس حدثنا أحمد بن علي بن سهل حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب، وأيوب عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين وقتادة وحميد وسماك بن حرب عن الحسن عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته وليس له مال غيرهم فأقرع رسول الله ﷺ بينهم فأعتق اثنين ورد أربعة في الرق.
قوله ورد أربعة في الرق يبطل كل تأويل يتأول بخلاف ظاهر الحديث.
قال ابن فراس قوله عن سعيد بن المسيب هو مرسل عن النبي ﷺ وحديث أيوب عن ابن سيرين غريب والمشهور عن الحسن.
ومن باب من أعتق عبداً وله مال
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة والليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن الأشجع عن نافع عن عبد الله
стр. 1074
بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أعتق عبداً وله مال فمال العبد له إلاّ أن يشترط السيد.
قال الشيخ: الأصل أن مال العبد لسيده كما أن رقبته له وإنما أضيف إليه المال مجازاً على معنى أنه يتولى حفظه ويتصرف فيه بإذن سيده كما قيل غنم الراعي وصبيان المعلم، والعبد لا يملك في قول أكثر العلماء، وقد قال مالك إذا ملكه سيده ملك.
وحكي ذلك أيضاً عن الحسن البصري ولا أعلم خلافاً في أنه لا يرث، وإذا كان أصح وجوه الملك وأقواها الميراث وهو لا يملكه بلا خلاف فما عداه أولى بذلك.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال من باع عبداً وله مال فمال للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع فجعل المال مردوداً على البائع إلاّ أن يبتاعه المشتري كما يبتاع رقبته فيكون عبداً ومالاً معلوماً بثمن معلوم، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ما قاله في مال العبد المعتق متأولاً على وجه الندب والاستحباب لأن يسمح به للعبد إذ كان العتق منه إنعاماً عليه ومعروفاً اصطنعه إليه فندب إلى مسامحته فيما في يده من المال ليكون إتماماً للصنيعة ورباً للنعمة التي أسداها إليه، وقد جرى من عادة السادة أن يحسنوا إلى مماليكهم إذا أرادوا إعتاقهم وأن يرضخوا لهم فكان أقرب ذلك أن يتجافى له عما في يده والله أعلم.
وحكى حمدان بن سهل عن إبراهيم النخعي أنه كان يرى المال للعبد إذا أعتقه السيد، وإليه كان يذهب حمدان قولاً بظاهر الحديث.
ومن باب عتق ولد الزنا
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا جرير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ولد الزنا شر الثلاثة.
стр. 1075
قال الشيخ: اختلف الناس في تأويل هذا الكلام فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما جاء في رجل بعينه كان موسوماً بالشر، وقال بعضهم إنما صار ولد الزنا شراً من والديه لأن الحد قد يقام عليهما فيكون العقوبة تمحيصاً لهما؛ وهذا في علم الله لا يدري ما يصنع به وما يفعل في ذنوبه.
وأنبأنا أبو هاشم حدثنا الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الكريم قال كان أبو ولد الزنا يكثر أن يمر بالنبي ﷺ فيقولون هو رجل سوء يا رسول الله فيقول ﷺ : هو شر الثلاثة، يَعني الأب فحول الناس الولد شر الثلاثة، وكان ابن عمر ﵁ إذا قيل ولد الزنا شر الثلاثة قال بل هو خير الثلاث.
قلت هذا الذي تأوله عبد الكريم أمر مظنون لا يدرى صحته والذي جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة إنما هو ولد الزنا شر الثلاثة فهو على ما قاله رسول الله ﷺ .
وقد قال بعض أهل العلم أنه شر الثلاثة أصلاً وعنصراً ونسباً ومولوداً وذلك لأنه خلق من ماء الزاني والزانية وهو ماء خبيث.
وقد روي في بعض الحديث العرق دساس فلا يؤمن أن يؤثر ذلك الخبث فيه ويدب في عروقه فيحمله على الشر ويدعوه إلى الخبث، وقد قال سبحانه في قصة مريم ﴿ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً﴾ [مريم: ٢٨] فقضوا بفساد الأصل على فساد الفرع.
وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ في قوله تعالى ﴿ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس﴾ [الأعراف: ١٧٩] أنه قال ولد الزنا مما ذرىء لجهنم.
وعن سعيد بن جبير أنه قال ولد الزنا ذرىء لجهنم.
وكان مالك لا يجيز شهادة ولد الزنا على الزنا خاصة دون غيره من الشهادات للتهمة.
стр. 1076
وروى بعض من احتج له في ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه قال ودت الزانية أن النساء كلهن زنين.
وحكى ابن المنذر، عَن أبي حنيفة رصي الله عنه في كتاب الاختلاف أن من ابتاع غلاماً فوجده ابن زنا كان له أن يرده بالعيب.
فأما قول ابن عمر أنه خير الثلاثة فإنما وجهه أنه لا إثم له في الذنب الذي باشره والده فهو خير منهما لبراءته من ذنبهما والله أعلم.
ومن باب في ثواب العتق
قال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد الرملي حدثنا ضمرة عن ابن أبي عبلة عن العَريف بن الديلمي عن واثلة بن الأسقع قال أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب، يَعني النار بالقتل، فقال اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار.
قال الشيخ: كان بعض أهل العلم يستحب أن لا يكون العبد المعتق خصياً لئلا يكون ناقص العضو ليكون معتقه قد نال الموعود في عتق أعضائه كلها من النار بإعتاقه إياه من الرق في الدنيا.
كتاب الوصايا
ومن باب ما يؤمر به من الوصية
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرىء مسلم
стр. 1077
له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عنده.
قال الشيخ: قوله ما حق امرىء مسلم معناه ما حقه من جهة الحزم والاحتياط إلاّ أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه فإنه لا يدري متى توافيه منيته فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك.
وفيه دليل على أن الوصية غير واجبة وهو قول عامة الفقهاء، وقد ذهب بعض التابعين إلى إيجابها وهو قول داود.
وفيه أن الوصية إنما تستحب لمن له مال يريد أن يوصي فيه دون من ليس له فضل مال، وهذا في الوصية التي هو متبرع بها من نحو صدقة وبر وصلة دون الديون والمظالم التي يلزمه الخروج عنها، فإن من عليه ديناً أو قبله تبعة لأحد من الناس فالواجب عليه أن يوصي فيه وأن يتقدم إلى أوليائه فيه، لأن أداء الأمانة فرض واجب عليه.
قال أبو داود: حدثنا مسدد ومحمد بن العلاء قالا: حَدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش، عَن أبي وائل عن مسروق عن عائشة ﵂، قالت ما ترك رسول الله ﷺ ديناراً ولا درهماً ولا بعيراً ولا شاة ولا أوصى بشيء.
قال الشيخ: قولها ولا أوصى بشيء تريد وصية المال خاصة لأن الإنسان إنما يوصي في مال سبيله أن يكون موروثا وهو ﷺ لم يترك شيئاً يورث فيوصي فيه، وقد أوصى بأمور منها ما روي أنه كان عامة وصيته عند الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم.
وقال ابن عباس ﵁ أوصى رسول الله ﷺ عند موته اخرجوا اليهود عن جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم.
стр. 1078
ومن باب ما يجوز للموصي في ماله
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف قالا: حَدَّثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال مرض سعد مرضاً اشفى منه، قال ابن أبي خلف بمكة فعاده رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلاّ ابنة لي أفأتصدق بالثلثين، قال لا، قال فبالشطر قال لا، قال فبالثلث، قال الثلث والثلث كثير إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة إلاّ أجرت فيها حتى اللقمة ترفعها إلي في امرأتك، قلت يا رسول الله أتخلّف عن هجرتي قال ان تُخلَّف بعدي فتعمل عملاً تريد به وجه الله ﵎ لا تزداد به إلاّ رفعة ودرجة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون، ثم قال اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة.
قال الشيخ: قوله وليس يرثني إلاّ ابنة لي يريد أنه ليس يرثني ذو سهم إلاّ ابنة دون من يرثه بالتعصيب لأن سعداً رجل من قريش من زهرة وفى عصبته كثرة.
وفي ذلك دليل على أن لمن مات وقد خلف من الورثة من يستوعب جميع ماله أن يوصي بالثلث منه.
وقد زعم بعض أهل العلم أن الثلث إنما هو لمن ليس له وارث يستوفي تركته.
وفي قوله الثلث كثير دليل على أنه لا يجوز مجاوزته ولا أن يوصي بأكثر من الثلث سواء كان له ورثة أو لم يكن.
وقد زعم قوم أنه إذا لم يكن له ورثة وضع جميع ماله حيث شاء، وإليه
стр. 1079
ذهب إسحاق بن راهويه، وروي ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وقد اختلف أهل العلم في جواز الوصية بالثلث فذهب بعضهم إلى أن قوله والثلث كثير منعاً من الوصية به وأن الواجب أن يقصر عنه وأن لا يبلغ بوصيته تمام الثلث.
وروي عن ابن عباس أنه قال الثلث جنف والربع جنف.
وعن الحسن البصري أنه قال يوصي بالثلث أو الخمس أو الربع.
وقال إسحاق بن راهويه السنة في الربع لما قال النبي ﷺ والثلث كثير إلاّ أن يكون رجلاً يعرف في ماله شبهات فعليه استغراق الثلث.
وقال الشافعي إذا ترك ورثته أغنياء لم يكره له أن يستوعب الثلث فإذا لم يدعهم أغنياء اخترت له أن لا يستوعبه.
وقوله عالة يتكففون الناس يريد فقراء يسألون الصدقة، يقال رجل عائل أي فقير وقوم عالة والفعل منه عال يعيل إذا افتقر.
ومعنى يتكففون يسألون الصدقة بأكفهم.
وقوله أتخلف عن هجرتي معناه خوف الموت بمكة وهي دار تركوها لله وهاجروا إلى المدينة فلم يحبوا أن تكون مناياهم فيها.
ومن باب كراهية الإضرار في الوصية
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عمارة بن القعقاع، عَن أبي زرعة عمرو بن جرير، عَن أبي هريرة قال: قال رجل للنبي ﷺ يا رسول الله أى الصدقة أفضل؛ قال ان تصدق وأنت صحيح حريص تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا ولفلان
стр. 1080
كذا وقد كان لفلان.
قال الشيخ: فيه من الفقه أن للصحيح أن يضع ماله حيث شاء من المباح وله أن يشح به على من لا يلزمه فرضه.
وفيه المنع من الإضرار في الوصية عند الموت.
وفي قوله وقد كان لفلان دليل على أنه إذا أضر في الوصية كان للورثة أن يبطلوها لأنه حينئذ مالهم، ألا تراه يقول وقد كان لفلان يريد به الوارث والله أعلم.
ومن باب الوصية للوارث
قال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال سمعت أبا أمامة، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث.
قال الشيخ: قوله أعطى كل ذي حق حقه إشارة إلى آية المواريث وكانت الوصية قبل نزول الآية واجبة للأقربين وهو قوله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين﴾ [البقرة: ١٨] ثم نسخت بآية الميراث.
وإنما تبطل الوصية للوارث في قول أكثر أهل العلم من أجل حقوق سائر الورثة فإذا أجازوها جازت كما إذا أجازوا الزيادة على الثلث للأجنبي جاز.
وذهب بعضهم إلى أن الوصية للوارث لا تجوز بحال وإن أجازها سائر الورثة لأن المنع منها إنما لحق الشرع فلو جوزناها لكنا قد استعملنا الحكم المنسوخ وذلك غير جائز كما أن الوصية للقاتل غير جائزة وإن أجازها الورثة.
стр. 1081
ومن باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم
قال أبو داود: حدثنا حميد بن مسعدة أن خالد بن الحارث حدثهم، قال: حَدَّثنا حسين، يَعني المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم قال فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مباذر ولا متأثل.
قال الشيخ: قوله غير متأثل أي غير متخذ منه أصل مال واثلة الشيء أصله.
ووجه إباحته الأكل من مال اليتيم أن يكون ذلك على معنى ما يستحقه من العمل فيه والاستصلاح له وأن يأخذ منه بالمعروف على قدر مثل عمله.
وقد اختلف الناس في الأكل من مال اليتيم فروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال يأكل منه الوصي إذا كان يقوم عليه، وإليه ذهب أحمد بن حنبل.
وقال الحسن والنخعي يأكل ولا يقضي، وقال عبيدة السلماني وسعيد بن جبير ومجاهد يأكل ويؤديه إليه إذا كبر وهو قول الأوزاعي.
ومن باب متى ينقطع اليتم
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن محمد المديني حدثنا عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم عن أبيه عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش أنه سمع شيوخا من بني عمرو بن عوف ومن خاله عبد الله بن أبي أحمد قال: قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حفظت عن رسول الله ﷺ قال: لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل.
قال الشيخ: ظاهر هذا القول يوجب انقطاع أحكام اليتم عنه بالاحتلام
стр. 1082
وحدوث أحكام البالغين له فيكون للمحتلم أن يبيع ويشتري ويتصرف في ماله ويعقد النكاح لنفسه وإن كانت امرأة فلا تزوج إلاّ بإذنها.
ولكن المحتلم إذا لم يكن رشيداً لم يفك الحجر عنه وقد يحظر الشيء بشيئين فلا يرتفع بارتفاع أحدهما مع بقاء السبب الآخر وقد أمر الله تعالى بالحجر على السفيه فقال ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ [النساء: ٥] وقال ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف، فكان معنى الضعيف راجعاً إلى الصغير، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ لأن السفه اسم ذم ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسب والقلم مرفوع عن غير البالغ فالجرح والذم مرفوعان عنه؛ وقال سبحانه ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦] فشرط في دفع المال إليهم شيئين الاحتلام والرشد. والحكم إذا كان وجوبه معلقاً بشيئين لم يجب إلاّ بورودهما معاً.
وقوله لا صمات يوم إلى الليل وكان أهل الجاهلية من نسكهم الصمات، وكان الواحد منهم يعتكف اليوم والليلة فيصمت ولا ينطق فنهوا عن ذلك وأمروا بالذكر والنطق بالخير.
ومن باب الدليل على أن الكفن من جميع المال
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن الأعمش، عَن أبي وائل عن خباب، قال مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يكن له إلاّ نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجله خرج رأسه، فقال ﷺ غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الاذخر.
стр. 1083
قال الشيخ: قلت فيه دلالة على أن الكفن من رأس المال وأنه إذا استغرق الكفن جميع المال كان الميت أولى به من الورثة.
ومن باب الرجل يهب الهبة ثم يوصى له بها أو يرثها
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة وأنها ماتت وتركت تلك الوليدة، قال قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث. قالت وأنها ماتت وعليها صوم شهر أفيجزي أو يقضي عنها أن أصوم عنها، قال: نعم.
قال الشيخ: الوليدة الجارية المملوكة ومعنى الصدقة ههنا العطية وإنما جرى عليها اسم الصدقة لأنها بر وصلة فيها أجر فحلت محل الصدقة.
وفيه دليل على أن من تصدق على فقير بشيء فاشتراه منه بعد أن قبضه إياه فإن البيع جائز وإن كان يستحب له أن لا يرجعه إلى ملكه بعد أن أخرجه بمعنى الصدقة.
وقولها أصوم عنها يحتمل أن يكون أرادت الكفارة عنها فيحل محل الصوم ويحتمل أن يكون أرادت الصيام المعروف.
وقد ذهب إلى جواز الصوم عن الميت بعض أهل العلم، وذهب أكثر العلماء إلى أن عمل البدن لا يقع فيه النيابة كما لا يقع فيه الصلوات.
ومن باب الصدقة عن الميت
قال أبو داود: حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا ابن وهب عن سليمان، يَعني ابن بلال عن العلاء بن عبد الرحمن أراه عن أبيه، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1084
إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلاّ من ثلاثة أشياء من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.
قال الشيخ: فيه دليل على أن الصوم والصلاة وما دخل في معناهما من عمل الأبدان لا تجري فيها النيابة.
وقد يستدل به من يذهب إلى أن من حج عن ميت فإن الحج في الحقيقة يكون للحاج دون المحجوج عنه وإنما يلحقه الدعاء ويكون له الأجر في المال الذي أعطى ان كان حج عنه بمال.
كتاب الفرائض
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة ماضية أو فريضة عادلة.
قال الشيخ: في هذا حث على تعلم الفرائض وتحريض عليه وتقديم تعلمه.
والآية المحكمة هي كتاب الله واشترط فيها الاحكام لأن من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به وإنما يعمل بناسخه.
والسنة القائمة هي الثابتة بما جاء عنه ﷺ من السنن المروية، وأما قوله أو فريضة عادلة فإنه يحتمل وجهين من التأويل أحدهما أن يكون من العدل في القسمة فيكون معدله على السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنة.
стр. 1085
والوجه الآخر أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة ومن معانيهما فتكون هذه الفريضة تعدل بما أخذ عن الكتاب والسنة إذ كانت في معنى ما أخذ عنهما نصاً.
وقد اختلف الصحابة في مسائل من الفرائض وتناظروا فيها وتحروا تعديلها فاعتبروها بالنصوص كمسألة الزوج والأبوين.
حدثنا إبراهيم بن فراس حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ حدثنا موسى بن محمد بن حبان البصري حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الأصفهاني عن عكرمة قال أرسل ابن عباس ﵄ إلى زيد بن ثابت فسأله عن امرأة تركت زوجها وأبويها، قال للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي، فقال تجده في كتاب الله أو تقوله برأيك، قال أقوله برأيي لا أفضل أماً على أب.
قلت فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه وهو قوله تعالى ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: ١١] فلما وجد نصيب الأم الثلث وكان باقي المال وهو الثلثان للأب قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب الزوج على كل المال إذ لم يكن مع الوالدين ابن أو ذو سهم فقسمه بينهما على ثلاثة أسهم للأم سهم والباقي وهو سهمان للأب، وكان هذا أعدل في القسمة من أن يعطي الأم من النصف الباقي ثلث جميع المال وللأب ما بقي وهو السدس فيفضلها عليه فيكون لها وهي مفضولة في أصل المورث أكثر مما للأب وهو المقدم والمفضل في الأصل، وذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث على الأم وبخس الأب حقه برده إلى السدس فترك قوله عليه وصار عامة الفقهاء إلى قول زيد.
стр. 1086
ومن باب من ليس له ولد وله أخوات
قال أبو داود: حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا أبو بكر، عَن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله يستفتونك في الكلالة ما الكلالة قال تجزيك آية الصيف، قلت لأبي إسحاق هو من مات ولم يدع ولداً ولا والداً قال كذلك ظنوا أنه كذلك.
قال الشيخ: وقد روي أن الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ عن هذا هو عمر بن الخطاب ﵁ ويشبه أن يكون والله أعلم إنما لم يفته عن مسألته ووكل الأمر في ذلك إلى بيان الآية اعتماداً على علمه وفقهه ليتوصل إلى معرفتها بالاجتهاد الذى هو طريق التبين ولو كان السائل غيره ممن ليس له مثل علمه وفهمه لأشبه أن لا يفتصر في مسألته على الإشارة إلى ما أجمل في الآ ية من الحكم دون البيان الشافي في التسمية له والنص عليه والله أعلم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقرأ هذه الآية فإذا صار إلى قوله ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦] قال اللهم من بينت له فإن عمر لم يتبين.
واختلفوا في الكلالة من هو فقال أكثر الصحابة من لا ولد له ولا والد. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ فيه اختلاف فروي أنه قال الكلالة من لا ولد له ولا والد مثل قول سائر الصحابة.
وروي عنه أنه قال الكلالة من لا ولد له، ويقال إن هذا آخر قوليه.
حدثنا محمد بن هاشم حدثنا الدبري عن عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أوصى عند موته فقال الكلالة كما قلت، قال ابن عباس وما قلت قال من لا ولد له.
стр. 1087
وأنبأنا بن الأعرابي حدثنا سعدان حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن الحسن قال سألت ابن عباس ﵁ فقال هو ما عدا الوالد والولد، قال قلت فإن الله يقول ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾ [النساء: ١٧٦] قال فغضب وانتهرني.
قلت إنما أشكل هذا من قبل أن المسمى في الآية والمشروط فيها هو من لا ولد له وليس للوالد فيها ذكر. وقيل إن بيان الشرط الآخر الذي هو الوالد مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله وفيه أنزلت الآية، وكان ذلك من باب زيادة السنة على الكتاب وكان جابر يوم نزول الآية لا ولد له ولا والد، وقد ذكر أبو داود قصة جابر في هذا الباب قال:
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا كثير بن هشام حدثنا هشام، يَعني الدستوائي، عَن أبي الزبير عن جابر، قال اشتكيت وعندي سبع أخوات فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فنفخ في وجهي فأفقت فقلت يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين، قال أحسن قلت الشطر، قال أحسن، ثم خرج وتركني، فقال يا جابر ألا أراك ميتاً من وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين، قال وكان جابر يقول أنزل في هذه الآية ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] .
قال الشيخ: روي أن عبد الله بن حرام أبا جابر قتل يوم أحد ونزلت آية الكلالة في آخر عمر النبي ﷺ ويقال أنه آخر ما نزل من القرآن فكان جابر يوم نزول الآية لا ولد له ولا والد فصار شأنه بيانا لمراد الآية فهذا قول بعض العلماء في بيان معنى الكلالة.
قلت وفيه وجه آخر وهو أشبه بمعنى الحديث وذلك أن النبي ﷺ قال السائل
стр. 1088
عن الكلالة تجزيك آية الصيف فوقعت الإحالة منه على الآية في بيان معنى الكلالة فوجب أن يكون ذلك مستنبطاً من نفس الآية دون غيرها.
ووجه ذلك وتحريره أن الولد والوالد اسمان مشتقان من الولادة فكل واحد منهما يتعلق بالآخر ويتعدى إليه من طريق الدلالة فكل من انتظمه اسم الولادة من أعلى وأسفل فإنه قد يحتمل أن يدعى ولداً فالوالد يسمى ولداً لأنه قد وَلَد والمولود يسمى ولداً لأنه قد وُلِد.
وهذا كالذرية وهو اسم مشتق من ذرأ الله الخلق فالولد ذرية لأنهم ذرئوا أي خلقوا والأب ذرية لأن الولد ذرىء منه ويدل على صحة ذلك قوله ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ [يّس: ٤١] يريد والله أعلم نوحاً ومن معه فجعل الآباء ذرية كالأولاد لصدور الاسمين معاً عن الذرء، وفي لغة العرب توسع وانبساط ويقع ذلك فيها من وجوه منها الاشتقاق والتركيب ومنها المجاز والتشبيه ومنها الاستعارة والتقريب إلى وجوه غيرها وكل ذلك بيان وأدلتها مستعملة حيثما وجدت. فعلى هذا قد يصح أن يكون المراد بقوله ﴿إن امرؤ هلك ليس لم ولد﴾ [النساء: ١٧٦] أي ولادة في الطرفين من أعلى وأسفل، وهو معنى قول الصحابة وعامة الفقهاء أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد.
واسم الكلالة في اللغة مشتقة من تكلل النسب وذلك أن الإخوة إنما يتكللون الميت من جوانبه ويلقونه من نواحيه والولد والوالد إنما يأتيانه من تلقاء النسب ويجتمعان معه في نصابه وعموده.
وأما قوله تجزيك آية الصيف فإن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين احداهما في الشتاء وهي الآية التي نزلت في سورة النساء وفيها إجمال وإبهام لا يكاد
стр. 1089
يتبين هذا المعنى من ظاهرها ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي في آخر سورة النساء وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء فأحال السائل عليها ليستبين المراد بالكلالة المذكورة فيها والله أعلم.
وقد أفردت مسألة في الكلالة وتفسيره وأودعتها من الشرح والبيان أكثر من هذا وهو من غريب العلم ونادره وفيما أوردناه ههنا كفاية إن شاء الله .
ومن باب ما جاء في الصلب
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة حدثنا علي بن مُسهر عن الأعمش، عَن أبي قيس الأودي عن هزيل بن شُرَحبيل الأودي قال جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت لأب وأم فقالا لابنته النصف وللأخت من الأب والأم النصف ولم يورثا ابنة الابن شيئاً وأت ابن مسعود فإنه سيتابعنا فأتاه الرجل فسأله وأخبره بقولهما، فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، ولكني أقضي فيها بقضاء النبي ﷺ لابنته النصف ولابنة الابن سهم تكملة الثلثين وما بقي فللأخت من الأب والأم.
قال الشيخ: في هذا بيان أن الأخوات مع البنات عصبة وهو قول جماعة الصحابة والتابعين وعامة فقهاء الأمصار إلاّ ابن عباس ﵁ فإنه قد خالف عامة الصحابة في ذلك وكان يقول في رجل مات وترك ابنة وأختاً لأبيه وأمه إن النصف للابنة وليس للأخت شيء، وقيل له إن عمر بن الخطاب ﵁ قضى بخلاف ذلك جعل للأخت النصف وللابنة النصف فقال أهم اعلم أم الله، يريد قوله سبحانه ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: ١٧٦] فإنما جعل للأخت الميراث بشرط عدم الولد.
стр. 1090
وروي عنه أنه كان يقول وددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.
قلت وجه ما ذهب إليه الصحابة من الكتاب مع بيان السنة التي رواها عبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين، أن الولد المذكور في الآية إنما هو الذكور من الأولاد دون الإناث وهو الذي يسبق إلى الأوهام ويقع في المعارف عندما يقرع السمع فقيل ولد فلان وإن كان الإناث أيضاً أولاداً في الحقيقة كالذكور.
ويدل على ذلك قول الله سبحانه حكاية عن بعض الكفار ﴿لأوتين مالاً وولداً﴾ [مريم: ٧٧] وقوله تعالى ﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم﴾ [الممتحنة: ٣] وقوله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥] فكان معلوماً أن المراد بالولد في هذه الآي كلها الذكور دون الإناث إذ كان مشهوراً من مذاهب القوم أنهم لا يتكثرون بالبنات ولا يرون فيهن موضع نفع وعز، بل كان مذاهبهم وأدهن ودفنهن أحياء والتعفية لآثارهن.
وجرى التخصيص في هذا الاسم كما جرى ذلك في اسم المال إكا أطلق في الكلام فإنما يختص عرفاً بالإبل دون سائر أنواع المال ومشهور في كلامهم أن يقال غدا مال فلان وراح يريدون سارحة الإبل والمواشي دون ما سواها من أصناف المال.
وإذا ثبت أن المراد بالولد المذكور في قوله سبحانه ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: ١٧٦] الذكور من الأولاد دون الإناث لم يمنع الأخوات الميراث مع البنات.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن الفضل حدثنا عبد الله بن محمد بن
следующие страницы →