← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ومن باب من ليس له ولد وله أخوات قال أبو داود: حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا أبو بكر، عَن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله يستفتونك في الكلالة ما الكلالة قال تجزيك آية الصيف، قلت لأبي إسحاق هو من مات ولم يدع ولداً ولا والداً قال كذلك ظنوا أنه كذلك. قال الشيخ: وقد روي أن الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ عن هذا هو عمر بن الخطاب ﵁ ويشبه أن يكون والله أعلم إنما لم يفته عن مسألته ووكل الأمر في ذلك إلى بيان الآية اعتماداً على علمه وفقهه ليتوصل إلى معرفتها بالاجتهاد الذى هو طريق التبين ولو كان السائل غيره ممن ليس له مثل علمه وفهمه لأشبه أن لا يفتصر في مسألته على الإشارة إلى ما أجمل في الآ ية من الحكم دون البيان الشافي في التسمية له والنص عليه والله أعلم. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقرأ هذه الآية فإذا صار إلى قوله ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦] قال اللهم من بينت له فإن عمر لم يتبين. واختلفوا في الكلالة من هو فقال أكثر الصحابة من لا ولد له ولا والد. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ فيه اختلاف فروي أنه قال الكلالة من لا ولد له ولا والد مثل قول سائر الصحابة. وروي عنه أنه قال الكلالة من لا ولد له، ويقال إن هذا آخر قوليه. حدثنا محمد بن هاشم حدثنا الدبري عن عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أوصى عند موته فقال الكلالة كما قلت، قال ابن عباس وما قلت قال من لا ولد له.

стр. 1087

وأنبأنا بن الأعرابي حدثنا سعدان حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن الحسن قال سألت ابن عباس ﵁ فقال هو ما عدا الوالد والولد، قال قلت فإن الله يقول ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾ [النساء: ١٧٦] قال فغضب وانتهرني. قلت إنما أشكل هذا من قبل أن المسمى في الآية والمشروط فيها هو من لا ولد له وليس للوالد فيها ذكر. وقيل إن بيان الشرط الآخر الذي هو الوالد مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله وفيه أنزلت الآية، وكان ذلك من باب زيادة السنة على الكتاب وكان جابر يوم نزول الآية لا ولد له ولا والد، وقد ذكر أبو داود قصة جابر في هذا الباب قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا كثير بن هشام حدثنا هشام، يَعني الدستوائي، عَن أبي الزبير عن جابر، قال اشتكيت وعندي سبع أخوات فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فنفخ في وجهي فأفقت فقلت يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين، قال أحسن قلت الشطر، قال أحسن، ثم خرج وتركني، فقال يا جابر ألا أراك ميتاً من وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين، قال وكان جابر يقول أنزل في هذه الآية ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] . قال الشيخ: روي أن عبد الله بن حرام أبا جابر قتل يوم أحد ونزلت آية الكلالة في آخر عمر النبي ﷺ ويقال أنه آخر ما نزل من القرآن فكان جابر يوم نزول الآية لا ولد له ولا والد فصار شأنه بيانا لمراد الآية فهذا قول بعض العلماء في بيان معنى الكلالة. قلت وفيه وجه آخر وهو أشبه بمعنى الحديث وذلك أن النبي ﷺ قال السائل

стр. 1088

عن الكلالة تجزيك آية الصيف فوقعت الإحالة منه على الآية في بيان معنى الكلالة فوجب أن يكون ذلك مستنبطاً من نفس الآية دون غيرها. ووجه ذلك وتحريره أن الولد والوالد اسمان مشتقان من الولادة فكل واحد منهما يتعلق بالآخر ويتعدى إليه من طريق الدلالة فكل من انتظمه اسم الولادة من أعلى وأسفل فإنه قد يحتمل أن يدعى ولداً فالوالد يسمى ولداً لأنه قد وَلَد والمولود يسمى ولداً لأنه قد وُلِد. وهذا كالذرية وهو اسم مشتق من ذرأ الله الخلق فالولد ذرية لأنهم ذرئوا أي خلقوا والأب ذرية لأن الولد ذرىء منه ويدل على صحة ذلك قوله ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ [يّس: ٤١] يريد والله أعلم نوحاً ومن معه فجعل الآباء ذرية كالأولاد لصدور الاسمين معاً عن الذرء، وفي لغة العرب توسع وانبساط ويقع ذلك فيها من وجوه منها الاشتقاق والتركيب ومنها المجاز والتشبيه ومنها الاستعارة والتقريب إلى وجوه غيرها وكل ذلك بيان وأدلتها مستعملة حيثما وجدت. فعلى هذا قد يصح أن يكون المراد بقوله ﴿إن امرؤ هلك ليس لم ولد﴾ [النساء: ١٧٦] أي ولادة في الطرفين من أعلى وأسفل، وهو معنى قول الصحابة وعامة الفقهاء أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد. واسم الكلالة في اللغة مشتقة من تكلل النسب وذلك أن الإخوة إنما يتكللون الميت من جوانبه ويلقونه من نواحيه والولد والوالد إنما يأتيانه من تلقاء النسب ويجتمعان معه في نصابه وعموده. وأما قوله تجزيك آية الصيف فإن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين احداهما في الشتاء وهي الآية التي نزلت في سورة النساء وفيها إجمال وإبهام لا يكاد

стр. 1089

يتبين هذا المعنى من ظاهرها ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي في آخر سورة النساء وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء فأحال السائل عليها ليستبين المراد بالكلالة المذكورة فيها والله أعلم. وقد أفردت مسألة في الكلالة وتفسيره وأودعتها من الشرح والبيان أكثر من هذا وهو من غريب العلم ونادره وفيما أوردناه ههنا كفاية إن شاء الله . ومن باب ما جاء في الصلب قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة حدثنا علي بن مُسهر عن الأعمش، عَن أبي قيس الأودي عن هزيل بن شُرَحبيل الأودي قال جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت لأب وأم فقالا لابنته النصف وللأخت من الأب والأم النصف ولم يورثا ابنة الابن شيئاً وأت ابن مسعود فإنه سيتابعنا فأتاه الرجل فسأله وأخبره بقولهما، فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، ولكني أقضي فيها بقضاء النبي ﷺ لابنته النصف ولابنة الابن سهم تكملة الثلثين وما بقي فللأخت من الأب والأم. قال الشيخ: في هذا بيان أن الأخوات مع البنات عصبة وهو قول جماعة الصحابة والتابعين وعامة فقهاء الأمصار إلاّ ابن عباس ﵁ فإنه قد خالف عامة الصحابة في ذلك وكان يقول في رجل مات وترك ابنة وأختاً لأبيه وأمه إن النصف للابنة وليس للأخت شيء، وقيل له إن عمر بن الخطاب ﵁ قضى بخلاف ذلك جعل للأخت النصف وللابنة النصف فقال أهم اعلم أم الله، يريد قوله سبحانه ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: ١٧٦] فإنما جعل للأخت الميراث بشرط عدم الولد.

стр. 1090

وروي عنه أنه كان يقول وددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. قلت وجه ما ذهب إليه الصحابة من الكتاب مع بيان السنة التي رواها عبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين، أن الولد المذكور في الآية إنما هو الذكور من الأولاد دون الإناث وهو الذي يسبق إلى الأوهام ويقع في المعارف عندما يقرع السمع فقيل ولد فلان وإن كان الإناث أيضاً أولاداً في الحقيقة كالذكور. ويدل على ذلك قول الله سبحانه حكاية عن بعض الكفار ﴿لأوتين مالاً وولداً﴾ [مريم: ٧٧] وقوله تعالى ﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم﴾ [الممتحنة: ٣] وقوله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥] فكان معلوماً أن المراد بالولد في هذه الآي كلها الذكور دون الإناث إذ كان مشهوراً من مذاهب القوم أنهم لا يتكثرون بالبنات ولا يرون فيهن موضع نفع وعز، بل كان مذاهبهم وأدهن ودفنهن أحياء والتعفية لآثارهن. وجرى التخصيص في هذا الاسم كما جرى ذلك في اسم المال إكا أطلق في الكلام فإنما يختص عرفاً بالإبل دون سائر أنواع المال ومشهور في كلامهم أن يقال غدا مال فلان وراح يريدون سارحة الإبل والمواشي دون ما سواها من أصناف المال. وإذا ثبت أن المراد بالولد المذكور في قوله سبحانه ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: ١٧٦] الذكور من الأولاد دون الإناث لم يمنع الأخوات الميراث مع البنات. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن الفضل حدثنا عبد الله بن محمد بن

стр. 1091

عقيل عن جابر بن عبد الله قال خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف فجاءت المرأة بابنتين لها فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما كله فلم يدع لهما مالاً إلاّ أخذه فما ترى يا رسول الله فوالله لا تنكحان أبداً إلاّ ولهما مال، قال فنزلت سورة النساء ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] الآية، فقال رسول الله ﷺ ادعوا لي المرأة وصاحبها، فقال لعمهما أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك. قال الشيخ: قوله استفاء ما لهما معناه استرد واسترجع حقهما من الميراث فافتات به عليهما وأصله من الفيء وهو الرجوع، ومنه الفيء الذي يؤخذ من أموال الكفار إنما هو مال رده الله إلى المسلمين كان في أيدي الكفار. وقولها وهاتان ابنتا ثابت بن قيس قد قتل معك يوم أحد غلط من بعض الرواة وإنما هي امرأة سعد بن الربيع وابنتاه قتل سعد بأحد مع رسول الله ﷺ وبقي ثابت بن قيس بعد رسول الله ﷺ حتى شهد اليمامة في عهد أبي بكر الصديق. وكذلك رواه عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن ابن عقيل عن جابر. حدثناه أحمد بن سليمان البخاري حدثنا هلال بن العلاء بن هلال حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن ابن عقيل عن جابر، قال جاءت امرأة سعد بن الربيع مع ابنتي سعد فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قد قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً وقد أخذ عمهما كل شيء ترك أبوهما وذكر الحديث.

стр. 1092

ومن باب ميراث العصبة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ومخلد بن خالد وهذا حديث مخلد وهو أشبع، قال: حَدَّثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ اقسم المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت الفرائض فلأولى ذكر. قلت معنى أولى ههنا أقرب والولي القرب يريد أقرب العصبة إلى الميت كالأخ والعم فإن الأخ أقرب من العم، وكالعم وابن العم فالعم أقرب من ابن العم، وعلى هذا المعنى ولو كان قوله أولى بمعنى أحق لبقي الكلام مبهماً لا يستفاد منه بيان الحكم إذ كان لا يدرى من الأحق ممن ليس بأحق فعلم أن معناه أقرب النسب على ما فسرناه والله أعلم. ومن باب ميراث ذوي الأرحام قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب في آخرين قالوا حدثنا حماد عن بديل، يَعني ابن ميسرة عن علي بن أبي طلحة عن راشد بن سعد، عَن أبي عامر الهَوزني عن المقدام الكندي قال: قال رسول الله ﷺ أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك ديناً أو ضيعة فإليَّ ومن ترك مالاً فلورثته وأنا مولى من لا مولى له ارث ماله وافك عانه، والخال مولى من لا مولى له يرث ماله ويفك عانه. قال وحدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن بديل بإسناده نحوه، وقال والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه. قال أبو داود: حدثنا عبد السلام بن عتيق الدمشقي حدثنا محمد بن المبارك

стр. 1093

حدثنا إسماعيل بن عياش عن يزيد بن حجر عن صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ الخال وارث من لا وارث له يفك عُنِيَّه ويرث ماله. قال الشيخ: قوله يفك عانه يريد عانيه فحذف الياء والعاني الأسير. وكذلك قوله يفك عنيه إنما هو مصدر عنا الرجل يعنو عنواً وعنياً، وفيه لغة أخرى عنى، يَعني. ومعنى الاسار ههنا هو ما تتعلق به ذمته ويلزمه بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة. وبيان ذلك قوله في الحديث من رواية شعبة عن بديل بن ميسرة يعقل عنه ويرث ماله. والحديث حجة لمن ذهب إلى توريث ذوي الأرحام، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵄. وكان مالك والأوزاعي والشافعي لا يورثون ذوي الأرحام وهو قول زيد بن ثابت وتأول هؤلاء حديث المقدام على أنه طعمة أطعمها الخال عند عمد الوارث لا على أن يكون للخال ميراث راتب، ولكنه لما جعله يخلف الميت فيما يصير إليه من المال سماه وارثاً على سبيل المجاز كما قيل الصبر حيلة من لا حيلة له والجوع طعام من لا طعام له وما أشبه ذلك من الكلام. وقد روي أن النبي ﷺ أمر أن يدفع مال رجل لم يدع ولاء حميماً إلى رجل من أهل قريته. وروي أن رجلاً جاءه فقال عندي ميراث رجل من الأزد

стр. 1094

ولست أجد أزدياً أدفعه إليه، فقال له انطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه أو قال ادفعه إلى كُبْر خزاعة. وروي أن رجلاً جاءه وقال توفي ابن ابني قال لك السدس، فلما ولى دعاه وقال له خذ سدساً آخر وهو طعمة لك. وروي أن رجلاً مات ولم يدع وارثاً إلاّ غلاماً له كان أعتقه فجعل النبي ﷺ ميراثه له. وقد روى أبو داود هذه الأخبار كلها على وجوهها في هذا الباب وقالوا ومعلوم أن الخال لا يعقل ابن اخته فكذلك لا يكون وارثاً له فلو صح أحدهما لصح الآخر، وقال بعضهم إنما جاء ذلك خاصاً في خال يكون عصبة فيكون عاقلة كما يكون وارثاً والله أعلم. ومن باب ميراث ابن الملاعنة قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا محمد بن حرب عن عمرو بن رؤبة التغلبي عن عبد الواحد بن عبد الله النصري عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال المرأة تحرز ثلث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عنه. قال الشيخ: أما اللقيط فإنه في قول عامة الفقهاء حر وإذا كان حراً فلا ولاء عليه لأحد والميراث إنما يستحق بنسب أو ولاء وليس بين اللقيط وملتقطه واحد منهما، وكان إسحاق بن راهويه يقول ولا اللقيط لملتقطه ويحتج بحديث واثلة وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل وإذا لم يثبت الحديث لم يلزم القول به وكان ما ذهب إليه عامة العلماء أولى. وقال بعضهم لا يخلو اللقيط من أن يكون حراً فلا ولاء عليه أو يكون ابن

стр. 1095

أمة قوم فليس لملتقطه أن يسترقه. قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد وموسى بن عامر قالا: حَدَّثنا الوليد حدثنا ابن جابر حدثنا مكحول قال: جعل رسول الله ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. قال الشيخ: جعل ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها ظاهره أن جميع ماله لأمه في حياتها ولورثتها إن كانت أمه قد ماتت، وإلى هذا ذهب مكحول والشعبي وهو قول سفيان الثوري. وقال أحمد بن حنبل ترثه أمه وعصبة أمه، وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ قالا الأم عصبة من لا عصبة له. وقال مالك والشافعي إن كانت أمه مولاة كان ما فضل عن سهمها لمواليها وإن كانت عربية فإن ما بقي لبيت المال وهو قول الزهري. وقال أبو حنيفة وأصحابه ميراث ابن الملاعنة كميراث غيره فمن يموت ولا عصبة له فإن ترك أصحاب فرائض اعطوا فرضهم ويرد ما فضل عليهم على قدر سهامهم فإن يترك وارثاً ذا سهم وترك قرابات ليسوا بأصحاب فرائض فإنهم يرثون كما يرث ذوو الأرحام في غير باب ابن الملاعنة ولا يكون عصبة أمه عصبة له. ومن باب هل يرث المسلم الكافر قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ قال لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر. قال الشيخ: عموم هذا الحديث يوجب منع التوارث بين كل مسلم وكافر سواء

стр. 1096

كان الكافر على دين يقر عليه أو كان مرتداً يجب قتله. ومن لم يورث كافراً من مسلم لزمه أن لا يورث مسلماً من كافر. وقد اختلف الناس في هذا فقال إسحاق بن راهويه يرث المسلم الكافر ولا يرثه الكافر، وروي ذلك عن معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان. وقد حكي ذلك أيضاً عن إبراهيم النخعي وقالوا نرثهم ولا يرثوننا كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا، وقال عامة أهل العلم بخلاف ذلك. واختلفوا في ميراث المرتد فقال مالك بن أنس وابن أبى ليلى والشافعي ميراث المرتد فيء ولا يرثه أهله وكذلك قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن. وقال سفيان الثوري ماله التليد لورثته المسلمين وما اكتسبه وأصابه في ردته فهو فيء للمسلمين وهو قول أبي حنيفة. وقال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه ماله كله لورثته المسلمين، وقد روي ذلك عن علي كرم الله وجهه وعبد الله وهو قول الحسن البصري والشعبي وعمر بن عبد العزيز. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ لا يتوارث أهل ملتين شتى. قال الشيخ: عموم هذا الكلام يوجب أن لا يرث اليهودي النصراني ولا المجوسي اليهودي، وكذلك قال الزهري وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل. وقال أكثر أهل العلم الكفر كله ملة واحدة يرث بعضهم بعضاً، واحتجوا بقول الله سبحانه ﴿الذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ [الأنفال: ٧٣] وقد علق الشافعي القول

стр. 1097

في ذلك وغالب مذهبه أن ذلك كله سواء. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد، قال قلت يا رسول الله أين تنزل غداً في حجته قال وهل ترك لنا عقيل منزلاً. قال الشيخ: موضع استدلال أبي داود من هذا الحديث في أن المسلم لا يرث من الكافر أن عقيلاً لم يكن أسلم يوم وفاة علي بن أبي طالب فورثه وكان علي وجعفر ﵄ مسلمين فلم يرثاه، ولما ملك عقيل رباع عبد المطلب باعها فذلك معنى قوله وهل ترك عقيل منزلاً. ومن باب من أسلم على ميراث قال أبو داود: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب حدثنا موسى بن داود حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار، عَن أبي الشعثاء عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على قسم الإسلام. قال الشيخ: فيه أن أحكام الأموال والأنساب والأنكحة التي كانت في الجاهلية ماضية على ما وقع الحكم منهم فيها أيام الجاهلية لا يرد منها شيء في الإسلام وإن ما حدث من هذه الأحكام في الإسلام فإنه يستأنف فيه حكم الإسلام. ومن باب في الولاء قال أبو داود: حدثنا قتيبة قال قرىء على مالك وأنا حاضر قال مالك عرض عن نافع عن ابن عمر أن عائشة أم المؤمنين ﵂ أرادت أن تشتري جارية فتعتقها، فقال أهلها نبيعكها على أن ولاءها لنا فذكرت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1098

فقال لا يمنعك ذلك فإن الولاء لمن أعتق. قال وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله الولاء لمن أعطى الثمن ووَلِي النعمة. قال الشيخ: في حديث ابن عمر دليل على أن بيع المملوك بشرط العتق جائز. وقوله لا يمنعك ذلك معناه إبطال ما شرطوه من الولاء لغير المعتق. وفي قوله الولاء لمن أعطى الثمن وولي النعمة دليل على أن لا ولاء إلا لمعتق وذلك أن دخول الألف واللام في الاسم مع الإضافة يعطي السلب والإيجاب كقولك الدار لزيد والمال للورثة فيه إيجاب ملك الدار وإيجاب المال للورثة وقطعهما عن غيرهما، وإذا كان كذلك ففيه دليل على أن من أسلم على يدي رجل فانه لا يرثه ولا يكون له ولاؤه لأنه لم يعتقه. ومن باب الرجل يسلم على يدي الرجل قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد الرملي وهشام بن عمار الدمشقي قالا: حَدَّثنا يحيى وهو ابن حمزة عن عبد العزيز بن عمر قال سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري أنه قال يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين قال هو أولى الناس بمحياه ومماته. قال الشيخ: قد احتج به من يرى توريث الرجل ممن يسلم على يده من الكفار وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلاّ أنهم قد زادوا في ذلك شرطاً وهو أن يعاقده ويواليه فإن أسلم على يده ولم يعاقده ولم يواله فلا شيء له.

стр. 1099

وقال إسحاق بن راهويه كقول أبي حنيفة وأصحابه إلاّ أنه لم يذكر الموالاة. قلت ودلالة الحديث مبهمة وليس فيه أن يرثه إنما فيه أنه أولى الناس بمحياه ومماته، وقد يحتمل أن يكون ذلك في الميراث ويحتمل أنه يكون ذلك في رعي الذمام والايثار بالبر وما أشبههما من الأمور، وقد عارضه قوله ﷺ الولاء لمن أعتق، وقال أكثر الفقهاء لا يرثه وضعف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري هذا وقال: عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ والاتقان. ومن باب بيع الولاء قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته. قال الشيخ: قال ابن الأعرابي محمد بن زياد كانت العرب تبيع ولاء مواليها وتأخذ عليه المال وأنشد في ذلك: فباعوه مملوكاً وباعوه معتقاً ... فليس له حتى الممات خلاص فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك. قلت وهذا كالإجماع من أهل العلم؛ إلاّ أنه قد روي عن ميمونه أنها كانت وهبت ولاء مواليها من العباس أو من ابن عباس ﵄. قال الشيخ: وسمعت أبا الوليد حسان بن محمد يذكر أن الذي وهبته ميمونه من الولاء كان ولاء سابية. وولاء السابية قد اختلف فيه أهل العلم. ومن باب المولود يستهل ثم يموت قال أبو داود: حدثنا حسين بن معاذ حدثنا عبد الأعلى حدثنا محمد، يَعني ابن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا استهل المولود وُرِّث.

стр. 1100

قال الشيخ: قوله استهل معناه رفع صوته بأن يصرخ أو يبكي وكل من رفع صوته بشيء فقد استهل به. قلت ومعنى الاستهلال ههنا أن يوجد مع المولود أمارة الحياة فلو لم يتفق أن يكون منه الاستهلال وهو رفع الصوت وكان منه حركة أو عطاس أو تنفس أو بعض ما لا يكون ذلك إلاّ من حي فانه يورث لوجود ما فيه من دلالة الحياة. إلى هذا ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحسبه قول أبي حنيفة وأصحابه وقال مالك بن أنس لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل. وروي عن محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة أنهم قالوا لا يورث المولود حتى يستهل. ومن باب في الحِلْفِ قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عاصم الأحول قال سمعت أنس بن مالك يقول حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثاً. قال الشيخ: كان سفيان بن عيينة يقول معنى حالف آخى ولا حلف في الإسلام كما جاء في الحديث. ومن باب المرأة ترث من دية زوجها قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد قال كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول الدية للعاقلة لا ترث المرأه من دية زوجها حتى قال له الضحاك بن سفيان كتب إليّ رسول الله ﷺ أن أورث امرأة أشْيم

стр. 1101

الضبابي من دية زوجها فرجع عمر عنه. قال الشيخ: فيه من الفقه أن دية القتيل كسائر ماله يرثها من يرث تركته وإذا كان كذلك ففيه دليل على أن القتيل إذا عفا عن الدية كان عفوه جائزاً في ثلث ماله لأنه قد ملكه، وهذا إنما يجور في قتل الخطأ لأن الوصية بالدية إنما تقع للعاقلة الذين يغرمون الدية دون قتل العمد لأن الوصية فيه إنما تقع للقاتل ولا وصية لقاتل كالميراث. وإنما كان يذهب عمر ﵁ في قوله الأول إلى ظاهر القياس وذلك أن المقتول لا تجب ديته إلاّ بعد موته وإذا مات فقد بطل ملكه، فلما بلغته السنة ترك الرأي وصار إلى السنة، وكان مذهب عمر ﵁ أن الدية للعاقلة الذين يعقلون عنه إلى أن بلغه الخبر فانتهى إليه. كتاب الأدب ومن باب في الوقار قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه حدثنا عبد الله بن عباس ﵄ أن نبي الله ﷺ قال إن الهَدْي الصالح والسمْت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة. قال الشيخ: هدي الرجل حاله ومذهبه وكذلك سمته. وأصل السمت الطريق المنقاد والاقتصاد سلوك القصد في الأمر والدخول فيه برفق وعلى سبيل يمكن الدوام عليه كما روي أنه قال خير الأعمال أدومها وإن قل. يريد أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء صلوات الله عليهم ومن الخصال

стр. 1102

المعدودة من خصالهم وأنها جزء من أجزاء فضائلهم فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها، وليس معنى الحديث أن النبوه تتجزأ ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوة مكتسبة ولا مجتلبة بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله سبحانه وخصوصية لمن أراد إكرامه بها من عباده والله يعلم حيث يجعل رسالاته وقد انقطعت النبوة بموت محمد ﷺ . وفيه وجه آخر وهو أن يكون معنى النبوة ههنا ما جاءت به النبوة ودعت إليه الأنبياء صلوات الله عليهم. يريد أن هذه الخلال جزء من خمسة وعشرين جزءاً مما جاءت به النبوات ودعا إليه الأنبياء صلوات الله عليهم. وقد أمرنا باتباعهم في قوله ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩] . وقد يحتمل وجهاً آخر وهو أن من اجتمعت له هذه الخلال لقيه الناس بالتعظيم والتوقير وألبسه الله لباس التقوى الذي يلبسه أنبياؤه فكأنها جزء من النبوة والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ ما تعدون الصُّرَعَة فيكم قالوا الذي لا يصرعه الرجال، قال لا ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب. قال الشيخ: الصرعة مفتوحة الراء هو الذي يصرع الرجال ويغلبهم في الصراع ومثله رجل خدعة إذا كان خداعاً للناس ولعبة إذا كان كثير اللعب، فأما اللعبة ساكنة العين فهو اسم الشيء الذي يلعب به، واللعبة مكسورة اللام الحال والهيئة في اللعب كالجلسة والقعدة والركبة ونحوها.

стр. 1103

قال أبو داود: حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير بن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال استب رجلان عند النبي ﷺ فغضب أحدهما غضباً شديداً حتى يخيل إلي أن أنفه يتمزع من شدة غضبه، فقال النبي ﷺ إني لأعلم كلمة لوقالها لذهب عنه ما يجد من الغضب فقال ما هي يا رسول الله، قال يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الشيخ: قوله يتمزع أي يتشقق ويتقطع والمزعة القطعة من الشيء. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند، عَن أبي حرب بن أبي الأسود، عَن أبي ذر قال إن رسول الله ﷺ قال لنا إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع. قال الشيخ: القائم متهيىء للحركة والبطش والقاعد دونه في هذا المعنى والمضطجع ممنوع منهما، فيشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا تبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها فيما بعد والله أعلم. ومن باب حسن العشرة قال أبو داود: حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني حدثنا عبد الرزاق حدثنا بشر بن أبي رافع عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ المؤمن غِر كريم والفاجر خَب لئيم. قال الشيخ: معنى هذا الكلام أن المؤمن المحمود هو من كان طبعه وشيمته الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه وإن ذلك ليس منه جهلاً لكنه كرم وحسن خلق وإن الفاجر من كانت عادته الخب والدهاء والوغول في معرفة الشر وليس ذلك منه عقلاً لكنه خب ولؤم.

стр. 1104

قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة عن عائشة ﵂ أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ بئس أخو العشيرة، فلما دخل انبسط إليه رسول الله ﷺ وكلمه فلما خرج قلت يا رسول الله ﷺ لما استأذن قلت بئس أخو العشيرة، فلما دخل انبسطت إليه فقال رسول الله ﷺ يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش المتفحش. قال الشيخ: أصل الفحش زيادة الشيء على مقداره ومن هذا قول الفقهاء يصلي في الثوب الذي أصابه الدم إذا لم يكن فاحشاً أي كثيراً مجاوزاً للقدر الذي يتعافاه الناس فيما بينهم. يقول ﷺ إن استقبال المرء صاحبه بعيوبه افحاش والله لا يحب الفحش، ولكن الواجب أن يتأنى له ويرفق به ويكني في القول ويوري ولا يصرح. وفيه أن النبي ﷺ قد ذكره بالعيب الذي عرفه به قبل أن يدخل وهذا من النبي ﷺ لا يجري مجرى الغيبة، وإنما فيه تعريف الناس أمره وزجرهم عن مثل مذهبه، ولعله قد تجاهر بسوء فعاله ومذهبه ولا غيبة لمجاهر والله أعلم. ومن باب في الحياء قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن شعبة عن منصور عن رِبْعِيّ بنِ حِِرَاش عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت. قال الشيخ: معنى قوله النبوة الأولى أن الحياء لم يزل أمره ثابتاً واستعماله واجباً منذ زمان النبوة الأولى وأنه ما من نبي إلاّ وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه وأنه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم ولم يبدل فيما بدل منها؛ وذلك أنه أمر

стр. 1105

قد علم صوابه وبان فضله واتفقت العقول على حسنه وما كان هذا صفته لم يجز عليه النسخ والتبديل. وقوله فافعل ما شئت فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن يكون معناه الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر كأنه يقول إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت أي ما تدعوك إليه نفسك من القبيح، وإلى نحو من هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام رحمة الله عليه. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى معناه الوعيد كقوله تعالى ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] . وقال أبو إسحاق المروزي فقيه الشافعية معناه أن ينظر فإذا كان الشيء الذي يريد أن يفعله مما لا يستحى منه فافعله، يريد أن ما يستحى منه فلا يفعله. ومن باب حسن الخلق قال أبو داود: حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي حدثنا أبو كعب أيوب بن محمد السعدي حدثنا سليمان بن حبيب المحاربى، عَن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه. قال الشيخ: الزعيم الضامن والكفيل والزعامة الكفالة ومنه قول الله سبحانه ﴿وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢] والبيت ههنا القصر أخبرني أبو عمر أخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي، قال البيت القصر يقال هذا بيت فلان أي قصره. قال أبو داود: حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: حَدَّثنا وكيع عن سفيان عن معبد بن خالد عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ لا يدخل الجنة الجَوَّاظ ولا الجَعْظَرِي. قال والجواظ الغليظ الفظ. قال الشيخ: الجعظري فسره أبو زيد فقال هو الذي يتنفخ بما ليس عنده

стр. 1106

وهو إلى القصر ما هو، قال الأصمعي وهو الجمظار أيضاً، قال أبو زيد والجواظ الكثير اللحم المختال في مشيه. قلت وهو معنى ما جاء من تفسيره في الحديث أو قريب منه. ومن باب كراهية التمادح قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام قال جاء رجل فأثنى على عثمان ﵁ في وجهه فأخذ المقداد بن الأسود تراباً فحثا في وجهه وقال: قال رسول الله ﷺ إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب. قال الشيخ: المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه، فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيباً له في أمثاله وتحريضاً للناس على الاقتداء به في اشباهه فليس بمداح وإن كان قد صار مادحاً بما تكلم به من جميل القول فيه. وقد استعمل المقداد الحديث على ظاهره وحمله على وجهه في تناول عين التراب بيده وحثيه في وجه المادح. وقد يتأول أيضاً على وجه آخر وهو أن يكون معناه الخيبة والحرمان أي من تعرض لكم بالثناء والمدح فلا تعطوه واحرموه. كني بالتراب عن الحرمان كقولهم ما له غير التراب وما في يده غير التَيْرب، وكقوله ﷺ إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً، وكقوله وللعاهر الحجر ومثله كثير في الكلام. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر، يَعني ابن المفضل حدثنا أبو مسلمة سعيد

стр. 1107

بن يزيد، عَن أبي نضرة عن مطرف قال: قال أبي انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا أنت سيدنا، فقال السيد الله قلنا وافضلنا فضلاً وأعظمنا طَولاً، قال فقولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان. قال الشيخ: قوله السيد الله يريد أن السؤدد حقيقة لله وأن الخلق كلهم عبيد له، وإنما منعهم فيما نرى أن يدعوه سيداً مع قوله أنا سيد ولد آدم وقوله لبني قريظة قوموا إلى سيدكم يريد سعد بن معاذ من أجل أنهم قوم حديث عهدهم بالإسلام وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا وكان لهم رؤساء يعظمونهم وينقادون لأمرهم ويسمونهم السادات فعلمهم الثناء عليه وأرشدهم إلى الأدب في ذلك. فقال قولوا بقولكم. يريد قولوا بقول أهل دينكم وملتكم وادعوني نبياً ورسولاً كما سماني الله في كتابه فقال «يا أيها النبي، يا أيها الرسول» ولا تسموني سيداً كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم ولا تجعلوني مثلهم فإني لست كأحدهم إذ كانوا يَسُودونكم بأسباب الدنيا وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة فسموني نبياً ورسولاً. وقوله بعض قولكم فيه حذف واختصار ومعناه دعوا بعض قولكم واتركوه يريد بذلك الاقتصار في المقال. قال الشاعر: فبعض القول عاذلتي فإني ... سيكفيني التجارب وانتسابي وقوله لا يستجرينكم الشيطان، معناه لا يتخذنكم جَرِيّاً والجري الوكيل ويقال الأجير أيضاً.

стр. 1108

ومن باب في الرفق قال أبو داود: حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة ومحمد بن الصباح البزاز قالوا حدثنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة ﵂ عن البداوة فقالت كان رسول الله ﷺ يبدو إلى هذه التِّلاع وأنه أراد البداوة مرة فأرسل إليَّ ناقة مُحرَّمة من إبل الصدقة فقال لي يا عائشة ارفقي فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلاّ زانه ولا نزع من شيء قط إلاّ شانه. قال الشيخ: البداوة الخروج إلى البادية والمقام بها وفيها لغتان فتح الباء وكسرها والتلاع مجاري الماء من فوق إلى أسفل واحدتها تلعة. والمحرمة هي التي قد اقتضبت ركوبها لم تذلل ولم ترض، ومن هذا قولهم أعرابي محرم إذا كان أول ما يدخل المصر لم يخالط الناس ولم يجالسهم. ومن باب شكر المعروف قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا يشكر الله من لا يشكر الناس. قال الشيخ: هذا الكلام يتأول على وجهين أحدهما أن من كان طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله وترك الشكر له سبحانه. والوجه الاخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن الجراح حدثنا جرير عن الأعمش، عَن أبي

стр. 1109

سفيان عن جابر عن النبي ﷺ قال من أُبلي فذكره فقد شكره وإن كتمه فقد كفره. الإبلاء الانعام ويقال أبليت الرجل وأبليت عنده بلاء حسناً قال زهير: فأبلاهما خير البلاء الذي يبلوا ومن باب في التحلق قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن الأعمش حدثنا المسيب بن رافع عن تميم بن طَرفة عن جابر بن سمرة قال دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حِلَق فقال ما لي أراكم عِزينَ. قال الشيخ: قوله عزين يريد فرقاً مختلفين لا يجمعكم مجلس واحد. وواحد العزين عزة يقال عزة وعزون كما قالوا ثِبة وثبون، ويقال أيضاَ ثبات وهي الجماعات المتميزة بعضها عن بعض. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا قتادة حدثني أبو مجلز عن حذيفة أن رسول الله ﷺ لعن من جلس وسط الحلقة. قال الشيخ: هذا يتأول فيمن يأتي حلقة قوم فيتخطى رقابهم ويقعد وسطها ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس فلعن للأذى، وقد يكون في ذلك أنه إذا قعد وسط الحلقة حال بين الوجوه وحجب بعضهم من بعض فيتضررون بمكانه وبمقعده هناك. ومن باب من يؤمر أن يُجالس قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون أنبأنا ابن المبارك عن حيْوة بن شُريح عن سالم بن غَيلان عن الوليد بن قيس عن أبى سعيد أو، عَن أبي الهيثم، عَن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال لا تصاحب إلاّ مؤمناً ولا يأكل طعامك إلاّ تقي.

стр. 1110

قال الشيخ: هذا إنما جاء في طعام الدعوة دون طعام الحاج وذلك أن الله سبحانه قال ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ [الإنسان: ٨] ومعلوم أن أسراهم كانوا كفاراً غير مؤمنين ولا أتقياء. وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته فان المطاعمة توقع الالفة والمودة في القلوب يقول لا تؤالف من ليس من أهل التقوى والورع ولا تتخذه جليساً تطاعمه وتنادمه. قال أبو داود: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا جعفر، يَعني ابن برقان عن يزيد بن الأصم، عَن أبي هريرة يرفعه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. قال الشيخ: معنى الحديث الاخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها الأجساد التي هي ملابستها على ما روي في الحديث ان الله خلق الأرواح قبل الأجساد بكذا كذا عاماً فأعلم النبي ﷺ أنها خلقت أول ما خلقت على قسمين من ائتلاف أو اختلاف كالجنود المجندة إذا تقابلت وتواجهت. ومعنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة في مبدأ الكون والخلقة كما روي في حديث عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الملك إذا أراد أن ينفخ الروح في النسمة قال يا رب أسعيد أم شقي، أكافر أم مؤمن. يقول ﷺ إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما جعلت عليه من التشاكل أو التنافر في بدء الخلقة ولذلك ترى البَر الخير يحب شكله ويحن إلى قربه وينفر عن ضده، وكذلك الرَّهِق الفاجر يألف شِكله ويستحسن فعله وينحرف عن ضده.

стр. 1111

وفي هذا دليل على أن الأرواح ليست بأعراض وأنها كانت موجودة قبل الأجساد وأنها تبقى بعد فناء الأجساد ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ أرواح الشهداء في صور طير خضر تَعلق من ثمر الجنة. ومن باب في كراهية المراء قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد عن قائد السائب قال أتيت النبي ﷺ فجعلوا يثنون عليّ ويذكرونني فقال رسول الله ﷺ أنا أعلمكم، يَعني به فقلت صدقت بأبي وأمي كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا تُداري ولا تُماري. قال الشيخ: قوله لا تداري، يَعني لا تخالف ولا تمانع، وأصل الدرء الدفع يصفه ﷺ بحسن الخلق والسهولة في المعاملة. وقوله لا تماري يريد المراء والخصومة. ومن باب الهدي في الكلام قال أبو داود: حدثنا أبو توبة قال زعم الوليد عن الأوزاعي عن قُرة عن الزهري، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم. قال الشيخ: قوله أجذم معناه المنقطع الأبتر الذي لا نظام له وفسره أبوعبيد فقال الأجذم المقطوع اليد. وقال ابن قتيبة الأجذم بمعنى المجذوم في قوله ﷺ من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم.

стр. 1112

ومن باب جلوس الرجل قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا: حَدَّثنا عبد الله بن حسان العنبري حدثتني جدتاي صفية ودُحيبة ابنتا عليبة وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة وكانت جدة أبيهما أنها أخبرتهما أنها رأت النبي ﷺ وهو قاعد القرفصاء وذكر الحديث. القرفصاء جلسة المحتبي وليس هو الذي يحتبي بثوبه لكنه الذي يحتبي بيديه. ومن باب التناجي قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن شقيق عن الأعمش عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ لا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. قال الشيخ: إنما يحزنه ذلك لأحد معنيين إحداهما أنه ربما يتوهم أن نجواهما إنما هو لتبييت رأي فيه أو دسيس غائلة له. والمعنى الآخر أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة وهو محزن صاحبه. وسمعت ابن أبي هريرة يحكي، عَن أبي عبيد بن حرب أنه قال هذا في السفر وفي الموضع الذي لا يأمن الرجل فيه صاحبه على نفسه. فأما في الحضر وبين ظهراني العمارة فلا بأس به والله أعلم. ومن باب إذا قام من مجلسه ثم رجع قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، عَن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله تِرة.

стр. 1113

قال الشيخ: أصل الترة النقص ومعناها ههنا التبعة يقال وترت الرجل ترة على وزن وعدته عدة، ومنه قول الله سبحانه ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥] . وقد روي في هذا الحديث من طريق آخر ما من قوم يقومون عن مجلس لا يذكرون الله إلاّ قاموا عن مثل جيفه وكان لهم حسرة. ومن باب في الحذر قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا نوح بن يزيد بن سيار المؤدب حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثنيه ابن إسحاق عن عيسى بن معمر عن عبد الله بن عمر بن الفغواء الخزاعي عن أبيه قال دعاني رسول الله ﷺ وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال التمس صاحباً قال فجاءني عمرو بن أمية الضمري فقال بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحباً قلت أجل قال فأنا لك صاحب، قال فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال إذا هبطت بلاد قومه فاحذره فإنه قد قال القائل أخوك البكري فلا تأمنه وذكر القصة إلى أن قال فشددت على بعيري حتى خرجت أوضعه حتى إذا كنت بالأصافر إذا هو يعارضني في رهط قال وأوضعت فسبقته. قال الشيخ: الإيضاع الاسراع في السير، وقوله أخوك البكري فلا تأمنه مثل مشهور للعرب. وفيه إثبات الحذر واستعمال سوء الظن وأن ذلك إذا كان على وجه طلب السلامة من شر الناس لم يأثم به صاحبه ولم يحرج فيه. قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال لا يلدغ المؤمن

стр. 1114

من جحر واحد مرتين. قال الشيخ: هذا يروى على وجهين من الإعراب أحدهما بضم الغين على مذهب الخبر ومعناه أن المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى وهو لا يفطن بذلك ولا يشعر به. وقيل أنه اراد به الخداع في أمر الاخرة دون أمر الدنيا. والوجه الآخر أن يكون الرواية بكسر الغين على مذهب النهي يقول لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه أو شر وهو لا يشعر وليكن متيقظاً حذراً، وهذا قد يصلح أن يكون في أمر الدنيا والآخرة معاً والله أعلم. ومن باب في هدي الرجل قال أبو داود: حدثنا حسين بن معاذ حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد الجريري، عَن أبي الطفيل قال رأيت رسول الله ﷺ قلت كيف رأيته قال كان أبيض مليحاً إذا مشى كأنما يهوي في صَبُوب. قال الشيخ: الصبوب إذا فتحت الصاد كان اسماً لما يصب على الإنسان من ماء ونحوه ومما جاء على وزسنه الطهور والغسول والفطور لما يفطر. ومن رواه الصبوب بضم الصاد على أنه جمع الصبب وهو ما انحدر من الأرض فقد خالف القياس لأن باب فعل لا يجمع على فعول وإنما يجمع على أفعال كسبب وأسباب وقتب وأقتاب، وقد جاء في أكثر الروايات كأنه يمشي في صبب وهو المحفوط. وقوله يهوي معناه ينزل ويتدلى وذلك مشية القوي من الرجال يقال هوى

стр. 1115

الشيء يهوي إذا نزل من فوق إلى أسفل وهوى يهوي بمعنى صعد، وإنما يختلفان في المصدر فيقال هَوى هوياً بفتح الهاء إذا نزل وهُوياً بضمها إذا صعد. أنشدني أبو رجاء الغنوي قال أنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى. والدلو في اصعادها عجل الهوي ومن باب الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا الليث، عَن أبي الزبير عن جابر قال نهى رسول الله ﷺ أن يرفع إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب أراه عن سعيد بن المسيب عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى النبي ﷺ مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. قال الشيخ: يشبه أن يكون إنما نهى عن ذلك من أجل انكشاف العورة إذ كان لباسهم الازر دون السراويلات. والغالب أن ازرهم غير سابغة والمستلقي إذا رفع إحدى رجليه على الأخرى مع ضيق الإزار لم يسلم أن ينكشف شيء من فخذه والفخذ عورة، فأما إذا كان الإزار سابغاً أو كان لابسه عن التكشف متوقياً فلا بأس به وهو وجه الجمع بين الخبرين والله أعلم. ومن باب في القتات قال أبو داود: حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حَدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ لا يدخل الجنة قتات. قال الشيخ: القتات النمام وهو للقساس أيضاً، والنميمة نقل الحديث على وجه

стр. 1116

التضرية بين المرء وصاحبه. قلت وإذا كان الناقل لما يسمعه آثماً فالكاذب القائل ما لم يسمعه أشد إثماً وأسوأ حالاً. ومن باب الانتصار قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا ابن عون حدثني علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد امرأة أبيه عن عائشة ﵂ أن زينب بنت جش أقبلت تقحم لعائشة ﵂ فنهاها رسول الله ﷺ فأبت فقال لعائشة سبيها فسبتها فغلبتها. قال الشيخ: قولها تقحم معناه تعرض لشتمها وتتدخل عليها، ومنه قولهم فلان يتقحم في الأمور إذا كان يقع فيها من غير تثبت ولا روية. وفيه من العلم إباحة الانتصار بالقول ممن سبك من غير عدوان في الجواب. ومن باب الحسد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة فإذا هو يصلي صلاة خفيفة ذفيفة وذكر الحديث. قال الشيخ: والذفيفة الخفيفة يقال رجل خفيف ذفيف وخفاف ذفاف بمعنى واحد. ومن باب الرجل يدعو على من ظلمه قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا سفيان عن حبيب

стр. 1117

عن عطاء عن عائشة ﵂ أنها سُرق لها شيء فجعلت تدعو عليه فقال لها رسول الله ﷺ لا تسبخي عنه. قال الشيخ: قوله لا تسبخي معناه لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه، ومن هذا سبائخ القطن وهي القطع المتطايرة عن الندف، وقال أعرابي في كلامه الحمد لله على تسبيخ العروق وإساغة الريق. ومن باب النهي عن التهاجر قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. قال الشيخ: قوله لا تدابروا معناه التهاجر والتصارم مأخوذ من تولية الرجل دبره أخاه إذا رآه وإعراضه عنه. وقال مؤرخ قوله ولا تدابروا معناه آسوا ولا تستأثروا واحتج بقول الأعشى: ومستدبر بالذي عنده ... عن العاذلات وارشادها وقال بعضهم إنما قيل للمستاثر مستدبر لأنه يولي أصحابه إذا استأثر بشيء دونهم. وأما الهجران أكثر من ذلك فإنما جاء ذلك في هجران الرجل أخاه في عتب وموجدة أو لنبوة تكون منه فرخص له في مدة ثلاث لقلتها وجعل ما وراءها تحت الحظر. فأما هجران الولد الوالد والزوج الزوجة ومن كان في معناهما فلا يضيق أكثر من ثلاث وقد هجر رسول الله ﷺ نساءه شهرا.

стр. 1118

ومن باب الظن قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولاتحسسوا. قال الشيخ: قوله إياكم والظن يريد إياكم وسوء الظن وتحقيقه دون مبادىء الظنون التي لا تملك. وقوله لا تجسسوا معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوا أخبارهم، والتحسس بالحاء طلب الخبر ومنه قوله سبحانه ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ [يوسف: ٨٧] ويقال تجسست الخبر وتحسست بمعنى واحد. ومن باب اصلاح ذات البين قال أبو داود: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي حدثنا أبو الأسود عن نافع يعنى ابن يزيد عن ابن الهاد أن عبد الوهاب بن أبي بكر حدثه عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت ما سمعت رسول الله ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلاّ في ثلاث كان رسول الله ﷺ يقول لا أعده كذباً الرجل يصلح بين الناس ويقول القول لا يريد به إلاّ الإصلاح والرجل يقول في الحرب والرجل يحدث امرأنه والمرأة تحدث زوجها. قال الشيخ: هذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصدق طلباً للسلامة ودفعاً للضرر عن نفسه، وقد رخص في بعض الأحوال في اليسير من الفساد لما يؤمل فيه من الصلاح. والكذب في الإصلاح بين اثنين هو أن ينمي من أحدهما إلى صاحبه خيراً أو يبلغه جميلاً وإن لم يكن سمعه منه ولا كان إذناً له فيه يريد بذلك الإصلاح. والكذب في الحرب هو أن يظهر

стр. 1119

من نفسه قوة ويتحدث بما يشحذ به بصيرة أصحابه ويقوي منتهم ويكيد به عدوهم في نحو ذلك من الأمور. وقد روي عن النبي وص أنه قال الحرب خدعة وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كثيرا ما يقول في حروبه صدق الله ورسوله فيتوهم أصحابه أنه يحدث عن رسول الله ﷺ وكان يقول إنما أنا رجل محارب. فأما كذب الرجل زوجته فهو أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه يستديم بذلك محبتها ويستصلح به خلقها. ومن باب كراهية الغناء والزمر قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله الغداني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع قال سمع ابن عمر ﵁ مزماراً فوضع اصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق، فقال يا نافع هل تسمع شيئاً قال فقلت لا، قال فرفع اصبعيه من أذنيه وقال إذ كنت مع النبي ﷺ فسمع مثل هذا صنع مثل هذا. قال الشيخ: المزمار الذي سمعه ابن عمر ﵁ هو صفارة الرعاة، وقد جاء ذلك مذكوراً في هذا الحديث من غير هذه الرواية، وهذا وإن كان مكروهاً فقد دل هذا الصنع على أنه ليس في غلظ الحرمة كسائر الزمور والمزاهر والملاهي التي يستعملها أهل الخلاعة والمجون ولو كان كذلك لأشبه أن لا يقتصر في ذلك على سد المسامع فقط دون أن يبلغ فيه من النكير مبلغ الردع والتنكيل والله أعلم.

стр. 1120

ومن باب اللعب بالبنات قال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا عمارة بن غزية أن محمد بن إبراهيم حدثه، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قالت قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر. وذكر الحديث. قال الشيخ: السهوة عن الأصمعي كالصفة تكون بين يدي البيت، وقال غيره السهوة شبيهة بالرف والطاق يوضع فيه الشيء. ومن باب الأرجوحة قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا محمد، يَعني ابن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن قال قالت عائشة ﵂ قدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج قالت فوالله إني لعلى أرجوحة بين عذقين فجاءتني أمي فأنزلتني ولي جميمة وذكر الحديث. قال الشيخ: تريد بالعذقين نخلتين، والعذق بفتح العين النخلة؛ العذق بكسرها الكباسة والجميمة تصغير الجمة من الشعر. ومن باب النصيحة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ إن الدين النصيحة إن الدين النصيحنة، إن الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم. قال الشيخ: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وليس

стр. 1121

يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال نصحت العسل إذا خلصته من الشمع. فمعنى نصيحة لله سبحانه صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته والنصيحة لكتاب الله الإيمان به والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه والنصيحة لأئمة المؤمنين أن يطيعهم في الحق وأن لا يرى الخروج عليهم بالسيف إذا جاروا والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم. ومن باب تغيير الأسماء قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هشام بن سعيد الطالقاني أنبأنا محمد بن المهاجر حدثني عقيل بن شبيب، عَن أبي وهب الجشمي وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة. قال الشيخ: إنما صار الحارث من أصدق الأسماء من أجل مطابقة الاسم معناه الذي اشتق منه وذلك أن معنى الحارث الكاسب يقال حرث الرجل إذا كسب واحتراث المال كسبه ومنه قول امرىء القيس: ومن يحترث حرثي وحرثك يُهزل وقال سبحانه ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾ [الشورى: ٢٠] . وأما همام فهو من هممت بالشيء إذا أردته وليس من أحد إلاّ وهو يهتم بشيء وهو معنى الصدق الذي وصف به هذان الاسمان، وأقبحها حرب لما في الحرب

стр. 1122

من المكاره وفي مرة من البشاعة والمرارة، وكان ﷺ يحب الفأل الحسن والاسم الحسن. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس قال ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى النبي ﷺ حين ولد والنبي ﷺ في عباءة يهنأ بعيراً له وذكر الحديث. قال الشيخ: قوله يهنأ معناه يطليه بالقطران ويعالجه به والهناء القطران. ومن باب تغيير الاسم القبيح قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر حدثني بشير بن ميمون عن عمه أسامة بن اخدري أن رجلاً يقال له اصرم كان في النفر الذين أتوا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ما اسمك قال أنا أصرم قال بل أنت زرعة. قال الشيخ: إنما غير اسم الأصرم لما فيه من معنى الصرم وهو القطيعة يقال صرمت الحبل إذا قطعته وصرمت النخلة إذا جذذت ثمرها. قال أبو داود: وغير النبي ﷺ اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحُباب وشهاب وارض تسمى عفرة فسماها خضرة. قال الشيخ: أما العاص فانما غيره كراهة لمعنى العصيان وإنما سمة المؤمن الطاعة والاستسلام، وعزيز إنما غيره لأن العزة لله سبحانه وشعار العبد الذلة والاستكانة وقد قال سبحانه عندما يقرع بعض أعدائه ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] وعتلة معناها الشدة والغلظة، ومنه قولهم رجل عتل أي شديد غليظ ومن صفة المؤمن اللين والسهولة، وقال ﷺ المؤمنون هينون، وشيطان اشتقاقه من الشطن وهو البعد من الخير، وهو اسم المارد الخبيث من الجن والانس،

стр. 1123

والحكم هو الحاكم الذي إذا حكم لم يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله سبحانه ومن أسمائه الحكم. وغراب مأخوذ من الغرب وهو البعد. ثم هوحيوان خبيث الفعل خبيث الطعم وقد أباح رسول الله ﷺ قتله في الحل والحرم. وحباب نوع من الحيات وقد روي أن الحباب اسم الشيطان فقيل أنه أراد به المارد الخبيث من شياطين الجن، وقيل إن نوعاً من الحيات يقال لها الشياطين ومن ذلك قوله ﵎ ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥] والشهاب شعلة من النار والنار عقوبة الله سبحانه وهي محرقة مهلكة. وأما عفرة فهي نعت للأرض التي لا تنبت شيئاً أخذت من العفرة وهي لون الأرض فسماها خضرة على معنى التفاؤل لتخضر وتمرع. قال أبو داود: حدثنا النفيلي أنبأنا زهير حدثنا منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن ربيع بن عميلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لا تسمين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح فانك تقول اثم هو فيقول لا إنما هن أربع فلا تزيدن عليّ. قال الشيخ: قد بين النبي ﷺ المعنى في ذلك وذكر العلة التي من أجلها وقع النهي عن التسمية بها وذلك أنهم كانوا يقصدون بهذه الأسماء وبما في معانيها أما التبرك بها أو التفاؤل بحسن ألفاظها فحذرهم أن يفعلوه لئلا ينقلب عليهم ما قصدوه في هذه التسميات إلى الضد وذلك إذا سألوا، فقالوا اثم يسار اثم رباح فإذا قيل لا تطيروا بذلك وتشاءموا به واضمروا على الأياس من اليسر والرباح، فنهاهم عن السبب الذي يجلب لهم سوء الظن بالله سبحانه ويورثهم الأياس من خيره.

стр. 1124

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان بن عيينة، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك. قال الشيخ: قوله أخنع معناه أوضع وأذل والخنوع الذلة والاستكانة. وأخبرني أبو محمد عبد الله بن شبيب حدثنا زكريا المنقري حدثنا الأصمعي قال سمعت أعرابياً يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الخنوع والقنوع وما يغض طرف المرء ويغري به لئام الناس، فالخنوع الذل والقنوع المسألة. ومنه قول الله تعالى ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] . ومن باب الرجل يتكنى وليس له ولد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأنا ثابت عن أنس قال كان رسول الله ﷺ يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى أبا عمير وكان له نُغر يلعب به فمات فدخل النبي ﷺ ذات يوم فرآه حزيناً فقال ما شأنه قالوا مات نغره فقال يا أبا عمير ما فعل النغير. قال الشيخ: النغر طائر صغير ويجمع على النغران وأنشدني أبو عمر: يحملن أوعية السلاف كأنما ... يحملنه بأكارع النغران وفيه من الفقه أن صيد المدينة مباح، وفيه إباحة السجع في الكلام. وفيه جواز الدعابة ما لم يكن آثماً. وفيه إباحة تصغير الأسماء. وفيه أنه كناه ولم يكن له ولد فلم يدخل في باب الكذب. وقوله يلعب به أي يتلهى بحبسه وإمساكه.

стр. 1125

ومن باب الرجل يقول زعموا قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الأوزاعي عن يحيى، عَن أبي قلابة قال: قال أبو مسعود لأبي عبد الله أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود ما سمعت النبي ﷺ يقول في زعموا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: بئس مطية الرجل زعموا. قال الشيخ: أصل هذا أن الرجل إذا أراد الظعن في حاجة والمسير إلى بلد ركب مطيته وسار حتى يبلغ حاجته فشبه النبي ﷺ ما يقدمه الرجل أمام كلامه ويتوصل به إلى حاجته من قولهم زعموا بالمطية التي يتوصل بها إلى الموضع الذي يؤمه ويقصده، وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه وإنما هو شيء يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ فذم ﷺ من الحديث ما كان هذا سبيله وأمر بالثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك فلا يرويه حتى يكون معزياً إلى ثبت ومروياً عن ثقة وقد قيل الراوية أحد الكاذبين. ومن باب في حفظ المنطق قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود حدثنا ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج، عَن أبي هريرة عن رسول الله قال: لا يقولن أحدكم الكرم فإنما الكرم الرجل المسلم ولكن قولوا حدائق الأعناب. قال الشيخ: إنما نهاهم عن تسمية هذه الشجرة كرماً لأن هذا الاسم عندهم مشتق من الكرم، والعرب يقول رجل كرم بمعنى كريم وقوم كرم أي كرام ومنه قول الشاعر: فتنبو العين عن كرم عجاف ثم تسكن الراء منه فيقال كرم فأشفق ﷺ أن يدعوهم حسن اسمها إلى شرب
следующие страницы →