Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال نصحت العسل إذا خلصته من الشمع.
فمعنى نصيحة لله سبحانه صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته والنصيحة لكتاب الله الإيمان به والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه والنصيحة لأئمة المؤمنين أن يطيعهم في الحق وأن لا يرى الخروج عليهم بالسيف إذا جاروا والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم.
ومن باب تغيير الأسماء
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هشام بن سعيد الطالقاني أنبأنا محمد بن المهاجر حدثني عقيل بن شبيب، عَن أبي وهب الجشمي وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة.
قال الشيخ: إنما صار الحارث من أصدق الأسماء من أجل مطابقة الاسم معناه الذي اشتق منه وذلك أن معنى الحارث الكاسب يقال حرث الرجل إذا كسب واحتراث المال كسبه ومنه قول امرىء القيس:
ومن يحترث حرثي وحرثك يُهزل
وقال سبحانه ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾ [الشورى: ٢٠] .
وأما همام فهو من هممت بالشيء إذا أردته وليس من أحد إلاّ وهو يهتم بشيء وهو معنى الصدق الذي وصف به هذان الاسمان، وأقبحها حرب لما في الحرب
стр. 1122
من المكاره وفي مرة من البشاعة والمرارة، وكان ﷺ يحب الفأل الحسن والاسم الحسن.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس قال ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى النبي ﷺ حين ولد والنبي ﷺ في عباءة يهنأ بعيراً له وذكر الحديث.
قال الشيخ: قوله يهنأ معناه يطليه بالقطران ويعالجه به والهناء القطران.
ومن باب تغيير الاسم القبيح
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر حدثني بشير بن ميمون عن عمه أسامة بن اخدري أن رجلاً يقال له اصرم كان في النفر الذين أتوا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ما اسمك قال أنا أصرم قال بل أنت زرعة.
قال الشيخ: إنما غير اسم الأصرم لما فيه من معنى الصرم وهو القطيعة يقال صرمت الحبل إذا قطعته وصرمت النخلة إذا جذذت ثمرها.
قال أبو داود: وغير النبي ﷺ اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحُباب وشهاب وارض تسمى عفرة فسماها خضرة.
قال الشيخ: أما العاص فانما غيره كراهة لمعنى العصيان وإنما سمة المؤمن الطاعة والاستسلام، وعزيز إنما غيره لأن العزة لله سبحانه وشعار العبد الذلة والاستكانة وقد قال سبحانه عندما يقرع بعض أعدائه ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] وعتلة معناها الشدة والغلظة، ومنه قولهم رجل عتل أي شديد غليظ ومن صفة المؤمن اللين والسهولة، وقال ﷺ المؤمنون هينون، وشيطان اشتقاقه من الشطن وهو البعد من الخير، وهو اسم المارد الخبيث من الجن والانس،
стр. 1123
والحكم هو الحاكم الذي إذا حكم لم يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله سبحانه ومن أسمائه الحكم.
وغراب مأخوذ من الغرب وهو البعد. ثم هوحيوان خبيث الفعل خبيث الطعم وقد أباح رسول الله ﷺ قتله في الحل والحرم.
وحباب نوع من الحيات وقد روي أن الحباب اسم الشيطان فقيل أنه أراد به المارد الخبيث من شياطين الجن، وقيل إن نوعاً من الحيات يقال لها الشياطين ومن ذلك قوله ﵎ ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥] والشهاب شعلة من النار والنار عقوبة الله سبحانه وهي محرقة مهلكة.
وأما عفرة فهي نعت للأرض التي لا تنبت شيئاً أخذت من العفرة وهي لون الأرض فسماها خضرة على معنى التفاؤل لتخضر وتمرع.
قال أبو داود: حدثنا النفيلي أنبأنا زهير حدثنا منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن ربيع بن عميلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لا تسمين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح فانك تقول اثم هو فيقول لا إنما هن أربع فلا تزيدن عليّ.
قال الشيخ: قد بين النبي ﷺ المعنى في ذلك وذكر العلة التي من أجلها وقع النهي عن التسمية بها وذلك أنهم كانوا يقصدون بهذه الأسماء وبما في معانيها أما التبرك بها أو التفاؤل بحسن ألفاظها فحذرهم أن يفعلوه لئلا ينقلب عليهم ما قصدوه في هذه التسميات إلى الضد وذلك إذا سألوا، فقالوا اثم يسار اثم رباح فإذا قيل لا تطيروا بذلك وتشاءموا به واضمروا على الأياس من اليسر والرباح، فنهاهم عن السبب الذي يجلب لهم سوء الظن بالله سبحانه ويورثهم الأياس من خيره.
стр. 1124
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان بن عيينة، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك.
قال الشيخ: قوله أخنع معناه أوضع وأذل والخنوع الذلة والاستكانة.
وأخبرني أبو محمد عبد الله بن شبيب حدثنا زكريا المنقري حدثنا الأصمعي قال سمعت أعرابياً يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الخنوع والقنوع وما يغض طرف المرء ويغري به لئام الناس، فالخنوع الذل والقنوع المسألة.
ومنه قول الله تعالى ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] .
ومن باب الرجل يتكنى وليس له ولد
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأنا ثابت عن أنس قال كان رسول الله ﷺ يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى أبا عمير وكان له نُغر يلعب به فمات فدخل النبي ﷺ ذات يوم فرآه حزيناً فقال ما شأنه قالوا مات نغره فقال يا أبا عمير ما فعل النغير.
قال الشيخ: النغر طائر صغير ويجمع على النغران وأنشدني أبو عمر:
يحملن أوعية السلاف كأنما ... يحملنه بأكارع النغران
وفيه من الفقه أن صيد المدينة مباح، وفيه إباحة السجع في الكلام.
وفيه جواز الدعابة ما لم يكن آثماً. وفيه إباحة تصغير الأسماء. وفيه أنه كناه ولم يكن له ولد فلم يدخل في باب الكذب.
وقوله يلعب به أي يتلهى بحبسه وإمساكه.
стр. 1125
ومن باب الرجل يقول زعموا
قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الأوزاعي عن يحيى، عَن أبي قلابة قال: قال أبو مسعود لأبي عبد الله أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود ما سمعت النبي ﷺ يقول في زعموا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: بئس مطية الرجل زعموا.
قال الشيخ: أصل هذا أن الرجل إذا أراد الظعن في حاجة والمسير إلى بلد ركب مطيته وسار حتى يبلغ حاجته فشبه النبي ﷺ ما يقدمه الرجل أمام كلامه ويتوصل به إلى حاجته من قولهم زعموا بالمطية التي يتوصل بها إلى الموضع الذي يؤمه ويقصده، وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه وإنما هو شيء يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ فذم ﷺ من الحديث ما كان هذا سبيله وأمر بالثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك فلا يرويه حتى يكون معزياً إلى ثبت ومروياً عن ثقة وقد قيل الراوية أحد الكاذبين.
ومن باب في حفظ المنطق
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود حدثنا ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج، عَن أبي هريرة عن رسول الله قال: لا يقولن أحدكم الكرم فإنما الكرم الرجل المسلم ولكن قولوا حدائق الأعناب.
قال الشيخ: إنما نهاهم عن تسمية هذه الشجرة كرماً لأن هذا الاسم عندهم مشتق من الكرم، والعرب يقول رجل كرم بمعنى كريم وقوم كرم أي كرام ومنه قول الشاعر:
فتنبو العين عن كرم عجاف
ثم تسكن الراء منه فيقال كرم فأشفق ﷺ أن يدعوهم حسن اسمها إلى شرب
стр. 1126
الخمر المتخذة من ثمرها فسلبها هذا الاسم وجعله صفة للمسلم الذي يتوقى شربها ويمنع نفسه الشهوة فيها عزة وتكرماً، وقد ذكرت هذا في كتاب غريب الحديث وأشبعت شرحه هناك.
ومن باب لا يقال خبثت نفسي
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب، عَن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي وليقل لقِست نفسي.
قال الشيخ: قوله لقست نفسي وخبثت معناهما واحد وإنما كره من ذلك لفظ الخبث وبشاعة الاسم منه وعلمهم الأدب في المنطق وأرشدهم إلى استعمال الحسن وهجران القبيح منه.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان بن سعيد حدثني عبد العزيز بن رفيع عن تميم الطائي عن عدي بن حاتم أن خطيباً خطب عند النبي ﷺ فقال من يطع الله ورسوله ومن يعصهما فقال قم أو قال اذهب فبئس الخطيب أنت.
قال الشيخ: إنما كره من ذلك الجمع بين الاسمين تحت حرفي الكناية لما فيه من التسوية.
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن منصور عن عبد الله بن بشار عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان.
قال الشيخ: فهذا قريب المعنى من الأول وذلك أن الواو حرف الجمع والتشريك وثم حرف النسق بشرط التراخي فأرشدهم إلى الأدب في تقديم
стр. 1127
مشيئة الله سبحانه على مشيئة من سواه.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سهيل بن صالح، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم.
قال الشيخ: معنى هذا الكلام أن لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول قد فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك من الكلام يقول ﷺ إذا فعل الرجل ذلك فهو أهلكهم وأسوأهم حالاً مما يلحقه من الإثم في عيبهم والازراء بهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه فيرى أن له فضلاً عليهم وأنه خير منهم فيهلك.
ومن باب في صلاة العتمة
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا سفيان عن ابن أبي لبيد، عَن أبي سلمة قال سمعت ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم الا وأنها العشاء ولكنهم يعتمون بالإبل.
قال الشيخ: قوله يعتمون معناه يؤخرون حلب الإبل ويسمون الصلاة باسم وقت الحلاب، ويقال فلان عاتم القرى إذا كان إذا نزل به الأضياف لم يعجل قراهم.
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس قال كان فزع بالمدينة فركب رسول الله ﷺ فرساً لأبي طلحة، فقال ما رأينا شيئاً أو ما رأينا من فزع وإن وجدناه لبحراً.
قال الشيخ: في هذا إباحة التوسع في الكلام وتشبيه الشيء بالشيء الذي له تعلق ببعض معانيه وإن لم يستوف أوصافه كلها.
стр. 1128
وقال إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي إنما شبه الفرس بالبحر لأنه أراد أن جريه كجري ماء البحر أو لأنه أراد أن جريه كجري ماء البحر أو لأنه يسبح في جريه كالبحر إذا ماج فعلا بعض مائه فوق بعض.
قلت: ويقال في نعوت الفرس بحر وحت وسكب إذا كان واسع الجري قاله الأصمعي.
ومن باب التشديد في الكذب
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود (ح) قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الأعمش، عَن أبي وائل عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة.
قال الشيخ: هذا تأويل قوله سبحانه ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ [الانفطار: ١٤] .
وأصل الفجور الميل عن الصدق والانحراف إلى الكذب، ومنه قول الاعرابي في عمر بن الخطاب ﵁.
أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما أن بها من نقَب ولا دبر
* اغفر له اللهم إن كان فجر *
يريد إن كان مال عن الصدق فيما قاله.
ومن باب في حسن الظن
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر
стр. 1129
عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدثته وقمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ : على رسلكما انها صفية بنت حيي، فقالا سبحان الله برسول الله، قال الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً أو قال شراً.
قال الشيخ: فيه من العلم استحباب أن يتحرز الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون ويخطر بالقلوب وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريب.
ويحكى عن الشافعي ﵀ في هذا أنه قال خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمره فيكفرا وإنما قال ذلك لهما شفقة عليهما لا على نفسه.
ومن باب من تشبع بما لم يُعط
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر أن امرأة قالت يا رسول الله إن لي جارة تعني ضرة فهل عليّ جناح إن تشبعت لها بما لم يعط زوحي قال المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.
قال الشيخ: العرب تسمي امرأة الرجل جارته وتدعو الزوجتين الضرتين جارتين وذلك لقرب أشخاصهما كالجارتين المتصاقبتين في الدارين تسكنانهما، ومن هذا قول الأعشى لامرأته:
أجارتنا بيني فإنك طالقة
ومن هذا النحو قول امرىء القيس:
стр. 1130
أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وقوله كلابس ثوبي زور يتأول على وجهين أحدهما أن الثوبين ههنا كأنه كناية عن حاله ومذهبه، وقد تكني العرب بالثوب عن حال لابسه وعن طريقه ومذهبه كقول الشاعر:
وإني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من ريبة أتقنع
والمعنى أن المتشبع بما لم يعط بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن.
والوجه الآخر ما يروى عن فلان أنه كان يكون في الحي الرجل له هيئة ونبل فإذا احتيج إلى شهادة زور شهد بها فلا يرد من أجل نبله وحسن ثوبيه فأضيف الشهادة إلى ثوبيه إذ كانا سبب جوازها ورواجها.
ومن باب في المزاج
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا شريك عن عاصم عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : يا ذا الأذنين.
قال الشيخ: كان مزح النبي ﷺ مزحاً لا يدخله الكذب والتزيد وكل إنسان له أذنان فهو صادق في وصفه إياه بذلك.
وقد يحتمل وجهاً آخر وهو أن لا يكون قصد بهذا القول المزاح وإنما معناه الحض والتنبيه على حسن الاستماع والتلقف لما يقوله ويعلمه إياه، وسماه ذا الأذنين إذ كان الاستماع إنما يكون بحاسة الأذن، وقد خلق الله تعالى له أذنين يسمع بكل واحدة منهما وجعلهما حجة عليه فلا يعذر معهما إن أغفل الاستماع له ولم يحسن الوعي له والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن ابن أبي ذئب عن عبد الله
стр. 1131
بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً جاداً.
قال الشيخ: معناه أن يأخذه على وجه الهزل وسبيل المزح ثم يحبسه عنه ولا يرده فيصير ذلك جداً.
ومن باب تعليم الخطب
قال أبو داود: حدثنا ابن السرح حدثنا ابن وهب عن عبد الله بن المسيب عن الضحاك بن شرحبيل، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال والناس لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.
قال الشيخ: صرف الكلام فضله وما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة ومن هذا سمي الفضل بين النقدين صرفاً.
وإنما كره رسول الله ﷺ ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع ولما يخالطه من الكذب والتزيد وأمر ﷺ أن يكون الكلام قصداً تلو الحاجة غير زائد عليها يوافق ظاهره باطنه وسره علنه.
ومن باب في الشعر
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام فقال رسول الله ﷺ : إن من البيان سحراً وإن من الشعر حُكْمًا.
قال الشيخ: اختلف الناس في هذا وفي تأويله فقال بعضهم وجهه أنه ذم التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه وتزويقه ليروق السامعين قوله ويستميل به قلوبهم فيحيل الشيء عن ظاهره ويزيله عن موضوعه إرادة التلبيس عليهم
стр. 1132
فيصير ذلك بمنزلة السحر الذي هو أو نوع منه تخييل لما لا حقيقة له وتوهيم لما ليس له محصول والسحر منه مذموم وكذلك المشبه به.
وقال آخرون بل القصد به مدح البيان والحث على تخير الألفاظ والتأنق في الكلام. واحتج لذلك بقوله إن من الشعر لحكماً وذلك ما لا ريب فيه أنه على طريق المدح له وكذلك مصراعه الذي بإزائه لأن عادة البيان غالباً أن القرينين نظماً لا يفترقان حكماً.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلاً طلب إليه حاجة كان يتعذر عليه إسعافه بها فرقق له الكلام فيها حتى استمال به قلبه فأنجزها له ثم قال هذا هو السحر الحلال.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا سعيد بن محمد حدثنا أبو تميلة حدثنا أبو جعفر النحوي عبد الله بن ثابت حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من البيان سحراً وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حُكْمًا، وإن من القول عيالاً.
فقال صعصعة بن صوحان صدق نبي الله ﷺ .
قال الشيخ: أما قوله إن من البيان سحراً فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق.
وأما قوله إن من العلم جهلاً فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهله ذلك.
وأما قوله إن من الشعر حُكْمًا فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس.
وأما قوله إن من القول عيالاً فعرض كلامك أوحديثك على من ليس
стр. 1133
من شأنه ولا يريده.
قلت هكذا رواه أبو داود من القول عيالاً ورواه غيره أن من القول عَيَلاً هكذا ذكره الأزهري عن المنذري.
قال حدثنا يعقوب بن إسحاق المخرمي حدثنا سعيد بن محمد الجرمي حدثنا أبو تميلة بإسناده، قال الأزهري قوله عيلاً من قولك علت الضالة أعيل عَيْلا وعَيَلا إذا لم تدر أي جهة تبغيها. قال أبوزيد كأنه لم يهتد لمن يطلب علمه فعرضه على من لا يريده.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان المصيصي لوين حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبراً في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله ﷺ وقال رسول الله ﷺ : إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله ﷺ .
قال الشيخ: قوله ما نافح معناه دافع، ومن هذا قولهم نفحت الرجل بالسيف إذا تناولته من بعد ونفحته الدابة إذا أصابته بحد حافرها.
ومن باب الرؤيا
قال أبو داود: حدثعا محمد بن كثير حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن عبد الله بن الصامت عن النبي ﷺ قال: رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
قال الشيخ: معنى هذا الكلام تحقيق أمرالرؤيا وتأكيده وإنما كانت جزءاً من أجزاء النبوة في الأنبياء صلوات الله عليهم دون غيرهم وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة.
стр. 1134
وأنبأنا ابن الأعرابي حدثنا ابن أبي ميسرة حدثنا الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي وقرأ قوله تعالى ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ [الصافات: ١٢٠] .
فأما تحديد أجزائها بالعدد المذكور فقد قال في ذلك بعض أهل العلم قولاً زعم أن رسول الله ﷺ بقي منذ بدء الوحي إلى أن مات ثلاثاً وعشرين سنة أقام بمكة منها ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر وهي نصف سنة فصارت هذه المدة جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
وقال بعض العلماء معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة.
وقال آخر معناه أنها جزء من أجزاء علم النبوة باق والنبوة غير باقية بعد رسول الله ﷺ وهو معنى قوله ﷺ ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن محمد، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب فأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً.
قال الشيخ: في اقتراب الزمان قولان أحدهما أنه قرب زمان الساعة ودنو وقتها.
والقول الآخر أن معنى اقتراب الزمان اعتداله واستواء الليل والنهار والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع ووقت اعتدال الليل والنهلر.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم أخبرنا يعلى بن عطاء عن وكيع
стр. 1135
بن عُدْس عن عمه أبي رزين قال: قال رسول الله ﷺ : الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت قال وأحسبه قال ولا يقصها إلاّ على وادٍّ أو ذي رأي.
قال الشيخ: معنى هذا الكلام حسن الارتياد لموضع الرؤيا واستعبارها العالم بها الموثوق برأيه وأمانته.
وقوله على رجل طائر مثل ومعناه أنها لا تستقر قرارها ما لم تعبر.
وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله لا يقصها إلاّ على وادٍ أو ذي رأي الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلاّ بما تحب وإن لم يكن عالماً بالعبارة ولم يعجل لك بما يغمك لا أن تعبيره يزيلها عما جعله الله عليه.
وأما ذو الرأي فمعناه ذو العلم بعبارتها فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها ولعله أن يكون في تفسيره موعظة تردعك عن قبيح أنت عليه أو تكون فيها بشرى فتشكر الله على النعمة فيها.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: من صور صورة عذبه الله بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها وليس بنافخ، ومن تحلّم كلف أن يعقد شعيرة ومن استمع إلى حديث قوم يفرون به منه صب في أذنه الآنك يوم القيامة.
قال الشيخ: قوله تحلم معناه تكذب بما لم يره في منامه يقال حلم الرجل يحملم إذا رأى حلماً. وحلم بالضم إذا صار حليماً وحلم الأديم بكسر اللام حلماً.
ومعنى عقد الشعيرة أنه يكلف ما لا يكون ليطول عذابه في النار. وذلك أن عقد ما بين طرفي الشعيرة غير ممكن.
والآنك الأسرب.
стр. 1136
ومن باب التثاؤب
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقول هاه هاه فإنما ذلكم من الشيطان يضحك منه.
قال الشيخ: معنى حب العطاس وحمده وكراهة التثاؤب وذمه أن العطاس إنما يكون مع أنفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات. وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من المطعم والاجتزاء باليسير منه، والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه وعند استرخائه للنوم وميله إلى الكسل فصار العطاس محموداً لأنه يعين على الطاعات والتثاؤب مذموماً لأنه يثبطه عن الخيرات وقضاء الواجبات.
ومن باب تشميت العاطس
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان حدثنا سليمان التيمي عن أنس قال: عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما وترك الاخر فقيل يا رسول الله رجلان عطسا فشمت أحدهما وتركت الاخر، فقال إن هذا حمد الله وإن هذا لم يحمد الله.
قال الشيخ: يقال شمت وسمت بمعنى واحد وهو أن يدعو للعاطس بالرحمة وفيه بيان أن تشميت من لم يحمد الله غير واجب.
وحكي عن الأوزاعي أنه عطس رجل بحضرته فلم يحمد الله، فقال له الأوزاعي كيف تقول إذا عطست، فقال أقول الحمد لله فقال له يرحمك الله وانما أراد
стр. 1137
بذلك أن يستخرج منه الحمد ليستحق التشميت.
ومن باب ينبطح على بطنه
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن يحيى ابن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن يعيش بن طخفة بن قيس الغفاري قال كان أبي من أصحاب الصفة فقال رسول الله ﷺ : انطلقوا بنا إلى بيت عائشة فانطلقنا فقال يا عائشة أطعمينا فجاءت بجشيشة فأكلنا، ثم قال يا عائشة أطعمينا فجاءت بحيسة مثل القطا فأكلنا وذكر الحديث.
قال الشيخ: الحيس أخلاط من تمر وسمن وسويق وإقط يجمع فيؤكل والجشيشة ما يجش من الحب فيطبخ، والجش طحن خفيف وهو ما كان فوق الدقيق، وفيها لغة أخرى وهي الدشيشة، فأما الجذيذة فهي السويق.
ومن باب النوم على سطح ليس له ستر
قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا سالم بن نوح عن عمر بن جابر الحنفي عن وعلة بن عبد الرحمن بن وثاب عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : من بات على ظهر بيت ليس عليه حَجاً فقد برئت منه الذمة.
قال الشيخ: هذا الحرف يروى بفتح الحاء وكسرها، ومعناه معنى الستر والحجاب فمن قال الحجا بكسر الحاء شبهه بالحجا الذي هو بمعنى العقل وذلك أن العقل يمنع الإنسان من الردى والفساد ويحفظه من التعرض للهلاك فشبه الستر الذي يكون على السطح المانع للإنسان من التردي والسقوط بالعقل المانع له من أفعال السوء المؤدية له إلى الردى والهلاك.
стр. 1138
ومن رواه بفتح الحاء ذهب إلى الطرف والناحية، واحجاء الشيء نواحيه واحدها حجا مقصور.
ومن باب النوم على طهارة
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأنا عاصم بن بهدلة عن شهر بن حوشب، عَن أبي ظبية عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يبيت على ذكر طاهراً فيتعارّ من الليل فيسأل الله خيراً من الدنيا والاخرة إلاّ أعطاه إياه.
قال الشيخ: قوله يتعار معناه يستيقظ من النوم، وأصل التعار السهر والتقلب على الفراش، يقال إن التعار لا يكون إلاّ مع كلام وصوت وهو مأخوذ من عِرار الظليم.
ومن باب ما يقول عند النوم
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا المعتمر قال سمعت منصور بن الحارث عن سعد بن عبيدة قال حدثني البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلاّ إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فإن مُت مت على الفطرة.
قال الشيخ: الفطرة ههنا فطرة الدين والإسلام وقد تكون الفطرة أيضاً بمعنى السنة وهي ما جاء في الحديث أن عشراً من الفطرة فذكر منها المضمضة والاستنشاق مع سائر الخصال.
стр. 1139
قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي حدثنا يحيى بن حسان حدثنا يحيى بن حمزة عن ثور عن خالد بن معدان، عَن أبي الأزهر الأنماري أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال بسم الله وضعت جنبي اللهم اغفر لي ذنبي واخسأ شيطاني وفكَّ رهاني واجعلني في الندى الأعلى.
قال أبو داود: رواه أبو همام الأهوازي عن ثور فقال أبو زهير الأنماري.
قال الشيخ: الندى القوم المجتمعون في مجلس ومثله النادي ويجمع على الأندية.
قال الراجز:
إني إذا ما القوم كانوا أندية
يريد بالندى الأعلى الملأ الأعلى من الملائكة.
ومن باب في التسبيح عند النوم
قال أبو داود: حدثنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجُريري، عَن أبي الورد بن ثمامة قال: قال علي كرم الله وجهه وذكر فاطمة ﵍ أنها جرت بالرحى حتى أثرت بيدها واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها وقمَّت البيت حتى اغبرت ثيابها وأوقدت في القدر حتى دكنت ثيابها وأصابها من ذلك ضُر. وساق الحديث إلى أن قال: فأتى رسول الله ﷺ ونحن في لِفاعنا وذكرت الحديث.
قال الشيخ: قوله قمت البيت معناه كنسته ومن ذلك سميت الكناسة قماماً واللفاع اللحطف وهو كل ما يتلفع به من كساء ونحو ذلك.
ومعنى التلفع الاشتمال بالثوب.
ومن باب ما يقول إذا أصبح
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي
стр. 1140
عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: من قال حين يصبح وحين يمسي اللهم أنت ربي لا إله إلاّ أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت. فمات من يومه أو من ليلته دخل الجنة.
قال الشيخ: قوله أبوء بنعمتك معناه الاعتراف بالنعمة والإقرار بها وأبوء بذنبي معناه الإقرار بها أيضاً كالأول، ولكن فيه معنى ليس في الأول تقول العرب باء فلان بذنبه إذا احتمله كرهاً لا يستطيع دفعه عن نفسه.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عَن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فأسحر يقول سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه علينا اللهم صاحِبْنا فأفضل علينا عائذاً بالله من النار.
قال الشيخ: قوله سمع سامع معناه شهد شاهد وحقيقته ليسمع السامع وليشهد الشاهد على حمدنا لله سبحانه على نعمه وحسن بلائه.
وقوله عائذاً بالله يحتمل وجهين أحدهما أن يريد أنا عائذ بالله، والوجه الآخر أن يريد متعوذاً بالله كما يقال مستجار بالله بوضع الفاعل مكان المفعول كقولهم سر كاتم وماء دافق بمعنى مدفوق ومسكوب.
ومن باب ما يقول إذا هاجت الريح
قال أبو داود: حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا رأى ناشئاً
стр. 1141
في أفق السماء ترك العمل وإن كان في صلاة ثم يقول اللهم إني أعوذ بك من شرها، فإن مطرت قال اللهم صيباً هنيئاً.
قال الشيخ: الصيب ما سال من المطر وجرى، وأصله من صاب يصوب إذا نزل قال الله تعالى ﴿أو كصيبٍ من السماء﴾ [البقرة: ١٩] ووزنه فيعل من الصوب.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد بن زياد عن حابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : اقلوا الخروج بعد هدأة الرَّجل.
قال الشيخ: هدأة الرجل يريد به انقطاع الأرجل عن المشي في الطريق ليلاً وأصل الهدوء السكون.
ومن باب المولود
قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن ابن جريج عن أبيه عن أم حميد عن عائشة ﵂ قالت قال لي رسول الله ﷺ : هل رئي أو كلمة غيرها فيكم المغّرَّبون، قلت وما المغربون قال: الذين يشترك فيهم الجن.
قال الشيخ: إنما سموا مغربين لانقطاعهم عن أصولهم وبعد مناسبتهم وأصل الغرب البعد، ومنه قيل عنقاء مغرب أي جائية من بعد، ومنه سمي الغريب غريباً وذلك لبعده عن أهله وانقطاعه عن وطنه فسمي هؤلاء الذين اشترك فيهم الجن مغربين لما وجد فيهم من شبه الغرباء بمداخلة من ليس من جنسهم ولا على طباعهم وشكلهم.
стр. 1142
ومن باب في رد الوسوسة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل عن أبيه، عَن أبي هريرة قال جاءه أناس من أصحابه قالوا يا رسول الله نجد في أنفسنا الشيء نعظم أن نتكلم به أو الكلام به قال أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان.
قال الشيخ: قوله ذاك صريح الإيمان، معناه أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم والتصديق به حتى يصير ذلك وسوسة لا يتمكن في قلوبكم ولا تطمئن إليه أنفسكم وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله فكيف يكون إيماناً صريحاً، وقد روي في حديث آخر أنهم لما شكوا إليه ذلك قال الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة.
قال أبو داود: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من تولى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف.
قال الشيخ: قوله بغير إذن مواليه ليس بشرط في جواز أن يفعل ذلك أو يستبيحه إذا أذن مواليه في ذلك، وإنما معناه أنه ليس له أن يوالي غير مواليه بحال ولا يجوز له أن يخونهم في نفسه وأن يقطع حقوقهم من ولائه مستسراً له يقول فليستأذنهم إذا سولت له نفسه فعل هذا الصنيع فإنهم إذا علموا ذلك منعوه ولم يأذنوا له فيه فلا يمكنه حينئذ أن يوالي غيرهم وأن يحول ولاءه إلى قوم سواهم، وإنما لا يجوز ذلك لأن الولاء لحمة كلحمة النسب لا ينتقل بحال
стр. 1143
كما لا ينتقل النسب إلاّ ما جاء في أن الولاء للكبر وهذا ليس فيه نقل للولاء عن أصله إنما هو تنزيل وترتيب له فيما بين ورثة المعتق وتقديم الأقرب منه على الأبعد.
ومن باب التفاخر
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمذاني أنبأنا ابن وهب عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله قد أذهب عنكم عُبِيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب.
قال الشيخ: العبية الكبر والنخوة وأصله من العب وهو الثقل يقال عُبِية وعِبية بضم العين وكسرها.
وقوله مؤمن تقي وفاجر شقي معناه أن الناس رجلان مؤمن تقي وهو الخير الفاضل وإن لم يكن حسيباً في قومه وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفاً رفيعاً.
ومن باب في العصبية
قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي رُدِّي فهو ينزع بذنبه ورفعه من رواية سفيان عن سماك.
قال الشيخ: معناه أنه قد وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار ينزع بذنبه ولا يقدر على خلاصه.
стр. 1144
ومن باب الرجل يحب الرجل يخبره
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ثور حدثني حبيب بن عبيد عن المقدام بن معديكرب عن النبي ﷺ قال: إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه.
قال الشيخ: معناه الحث على التودد والتألف وذلك أنه إذا أخبره بأنه يحبه استمال بذلك قلبه واجتلب به وده.
وفيه أنه إذا علم أنه محب له وواد قبل نصحه ولم يرد عليه قوله في عيب إن أخبره به عن نفسه أو سقطة إن كانت منه فإذا لم يعلم ذلك منه لم يؤمن أن يسوء ظنه فيه فلا يقبل قوله ويحمل ذلك منه على العداوة والشنآن والله أعلم.
ومن باب المشورة
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا شيبان عن عبد الملك بن عمير، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : المستشار مؤتمن.
قال الشيخ: فيه دليل على أن الإشارة غير واجبه على المستشار إذا استشير.
وفيه دليل على أن عليه الاجتهاد في الصلاح وأنه لا غرامة عليه إذا وقعت الإشارة خطأ.
ومن باب الدال على الخير
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن الأعمش، عَن أبي عمرو الشيباني، عَن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني أبدع بي فأحملني قال لا أجد ما أحملك عليه ولكن ائت فلاناً لعله يحملك فأتاه فحمله فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فقال رسول الله ﷺ من دل على خير فله
стр. 1145
مثل أجر فاعله.
قال الشيخ: قوله ابدع بي معناه إنقطع بي ويقال أبدعت الركاب إذا كلت وانقطعت.
ومن باب في بر الوالدين
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان حدثني سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يجزي ولد والده إلاّ أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه.
قال الشيخ: قوله فيعتقه ليس معناه استئناف العتق فيه بعد الملك لأن العلماء قد أجمعوا على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال، وإنما وجهه أنه إذا اشتراه فدخل في ملكه عتق عليه فلما كان الشراء سبباً لعتقه أضيف العتق إلى عقد الشراء إذا كان تولد منه ووقوعه به، وإنما صار هذا جزاء له وأداء لحقه لأن العتق أفضل ما ينعم به أحد على أحد لأنه يخلصه بذلك من الرق ويجبر منه النقص الذي فيه ويكمل فيه أحكام الأحرار في الأملاك والأنكحة وجواز الشهاده ونحوها من الأمور.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : لا يسأل رجل مولاه من فضل هو عنده فيمنعه إياه إلاّ دعي له يوم القيامة فضله الذي منع شجاعاً أقرع.
قال الشيخ: الشجاع الحية والأقرع الذي انحسر الشعر عن رأسه من كثرة سمه.
стр. 1146
ومن باب فضل من عال يتامى
قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية، عَن أبي مالك الأشجعي عن ابن حُدير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها، قال، يَعني الذكور ادخله الله الجنة.
قال الشيخ: قوله لم يئدها معناه لم يدفنها حية وكانوا يدفنون البنات أحياء يقال منه وأد يئد وأداً ومنه قول الله سبحانه ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾ .
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا النهاس حدثني شداد أبو عمار عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة يريد السبابة والوسطى.
قال الشيخ: السفعاء هي التي تغير لونها إلى الكمودة والسواد من طول الإيمة وكأنه مأخوذ من سفع النار وهو أن يصيب لفحها شيئاً فيسود مكانه يريد بذلك أن هذه المرأة قد حبست نفسها على أولادها ولم تتزوج فتحتاج إلى أن تتزين وتصنع نفسها لزوجها.
ومن باب حق المملوك
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه، عَن أبي مسعود الأنصاري قال كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه فالتفت فإذا هو النبي ﷺ فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال أما لو لم تفعل للفعتك النار أو لمستك النار.
стр. 1147
قال الشيخ: قوله لفعتك معناه شملتك من نواحيك، ومنه قولهم تلفع الرجل بالثوب إذا اشتمل به.
ومن باب من خبب مملوكاً
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا زيد بن حباب عن عمار بن زريق عن عبد الله بن عيسى عن عكرمة عن يحيى بن يعمر، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من خبب زوجة امرىء أو مملوكه فليس منا.
قال الشيخ: قوله خبب يريد أفسد وخدع وأصله من الخب وهو الخداع ورجل خب ويقال فلان خب صب إذا كان فاسداً مفسداً.
ومن باب في الاستئذان
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً اطلع في بعض حجر النبي ﷺ فقام إليه رسول الله ﷺ بمشقص أو مشاقص قال فكأنى انظر إلى رسول الله ﷺ يختله ليطعنه.
قال الشيخ: المشقص نصل عريض، وقوله يختله معناه يراوده ويطلبه من حيث لا يشعر.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سهيل عن أبيه حدثنا أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فقد هدرت عينه.
قال الشيخ: في هذا بيان إبطال القود واسقاط الدية عنه، وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أهدرها وعن أبي هريرة مثل ذلك وإليه ذهب الشافعي
стр. 1148
وقال أبو حنيفة إذا فعل ذلك ضمن الجناية وذلك لأنه قد يمكنه أن يدفعه عن النظر والاطلاع عليه بالاحتجاب عنه وسد الخصاص والتقدم إليه بالكلام ونحوه فإذا لم يفعل ذلك وعمد إلى فقء عينه كان ضامناً لها وليس النظر بأكثر من الدخول عليه بنفسه وتأول الحديث على معنى التغليظ والوعيد.
وقد قال بعض من ذهب إلى الحديث إنما يكون له فقء عينه إذا كان قد زجره وتقدم إليه فلم ينصرف عنه، كاللص إنما يباح له قتاله ودفعه عن نفسه وإن أبى ذلك عليه إذا لم ينصرف عنه بدون ذلك.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن أبي سفيان أن عمرو بن عبيد الله بن صفوان أخبره عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه إلى رسول الله ﷺ بلبن وجداية وضغابيس وذكر حديثاً.
قال الشيخ: الجداية الصغير من الظباء يقال الذكر والأنثى جداية أنشدني أبو عمرو قال أنشدنا أبو العباس:
يريح بعد النفس المحفوز ... إراحة الجداية النفوز
والضغابيس صغار القثاء واحدها ضغبوس، ومنه قيل للرجل الضعيف ضغبوس تبشبيهاً له به.
ومن باب الرجل يستأذن بالدق
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه ذهب إلى النبي ﷺ في دين أبيه فدققت الباب فقال من هذا، قلت أنا قال أنا أنا كأنه كرهه.
стр. 1149
قال الشيخ: قوله أنا ليس بجواب لقوله من هذا لأن الجواب هو ما كان بياناً للمسألة.
وإنما تكون المكاني جواباً وبياناً عند المشاهدة لا مع المغايبة، وإنما كان قوله من هذا هو ما كان استكشافاً للابهام، فأجابه بقوله أنا فلم يزل الإبهام وكان وجه البيان أن يقول أنا جابر ليقع به التعريف ويزول معه الاشكال والابهام، وقد يكون ذلك من أجل تركه الاستئذان بالسلام والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا عباس العنبري حدثنا أسود بن عامر حدثنا حسن بن صالح عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر ﵄ أنه أتى النبي ﷺ وهو في مشربة له فقال السلام عليك يا رسول الله أيدخل عمر.
قال الشيخ: قد جمع الاستئذان بالسلام والإبانة عن الاسم والتعريف وهو كمال الاستئذان، والمشربة كالخزانة تكون للإنسان مرتفعة عن وجه الأرض.
ومن باب السلام على أهل الذمة
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز، يَعني ابن مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا وعليكم.
قال الشيخ: هكذا يرويه عامة المحدثين وعليكم بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه عليكم بحذف الواو وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردوداً عليهم وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين، والسام فسروه الموت.
ومن باب القيام
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم، عَن أبي
стр. 1150
أمامة بن سهل بن حنيف، عَن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أهل قريظة لما نزلوا على حكم سعد أرسل إليه النبي ﷺ فجاء على حمار أقمر فقال النبي ﷺ : قوموا إلى سيدكم أو إلى خيركم فجاء حتى قعد إلى رسول الله ﷺ .
قال الشيخ: فيه من العلم أن قول الرجل لصاحبه يا سيدي غير محظور إذا كان صاحبه خيراً فاضلاً وإنما جاءت الكراهة في تسويد الرجل الفاجر.
وفيه أن قيام المرؤوس للرئيس الفاضل وللولي العادل، وقيام المتعلم للعالم مستحب غير مكروه، وإنما جاءت الكراهة فيمن كان بخلاف أهل هذه الصفات.
ومعنى ما روي من قوله من أحب أن تستجم له الرجال صفوفاً هو أن يأمرهم بذلك ويلزمه إياهم على مذهب الكبر والنخوة.
وفيه دليل على أن من حكم رجلاً في حكومة بينه وبين غيره فرضيا بحكمه كان ما حكم به ماضياً عليهما إذا وافق الحق.
ومن باب في قبلة الجسد
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون أنبأنا خالد عن حصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير رجل من الأنصار قال بينما هو يحدث القوم وكان فيه مزاح بيننا يضحكهم فطعنه النبي ﷺ في خاصرته بعود فقال أصبرني فقال اصطبر، قال ان عليك قميصاً وليس عليّ قميص فرفع النبي ﷺ عن قميصه فاحتضه وجعل يقبل كشحه وقال إنما أردت هذا يا رسول الله.
قال الشيخ: قوله اصبرني يريد اقدني من نفسك، وقوله اصطبر معناه استقد قال هدبة بن خشرم:
فإن يك في أموالنا لم نضق بها ...ذرعاً وإن صبراً فنصبر للدهر
стр. 1151
يريد بالصبر القود وفيه حجة لمن رأى القصاص في الضربة بالسوط واللطمة بالكف ونحو ذلك مما لا يوقف له على حد معلوم ينتهى إليه.
وقد روي ذلك، عَن أبي بكر وعمر وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب كرم الله وجوههم ورضي عنهم.
وممن ذهب إليه شريح والشعب وبه قال ابن شبرمة، وقال الحسن وقتادة لا قصاص في اللطمة ونحوها وإليه ذهب أصحاب الرأي وهو قول مالك والشافعي.
ومن باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن حبيب بن الشهيد، عَن أبي مجلز عن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار.
قال الشيخ: قوله يمثل معناه يقوم وينتصب بين يديه وقد ذكرنا وجهه في الباب الذي قبله.
ومن باب إماطة الأذى عن الطريق
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر، عَن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة وذكر الحديث.
السلامي عظم فرس البعير ويجمع على السلاميات هذا أصله.
قال الشيخ: وليس المراد بهذا عظام الرجل خاصة ولكنه يراد به كل عظم ومفصل يعتمد في الحركة ويقع به القبض والبسط والله أعلم.
стр. 1152
ومن باب قتل الحيات
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر فإنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحَبَل.
قال الشيخ: فسره أبو عبيدة وحكي عن الأصمعي قال الطفية خوصة المقل وجمعها طفى، قال وأراه شبه الخطين اللذين على ظهره بخوصتين من خوص المقل قال، وقال غيره الأبتر القصير الذنب من الحيات.
ومعنى قوله يلتمسان البصر قيل فيه وجهان: أحدهما أنهما يخطفان البصر ويطمسانه وذلك لخاصية في طباعهما إذا وقع بصرهما على بصر الإنسان وقيل معناه أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش.
وقد روي في هذا الحديث من رواية أبي أمامة فإنهما يخطفان البصر ويطرحان ما في بطون النساء وهو يؤكد التفسير الأول.
ومن باب قتل الذر
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد.
قال الشيخ: يقال إن النهي إنما جاء في قتل النمل في نوع منه خاص وهو الكبار منها ذوات الأرجل الطوال وذلك أنها قليلة الأذى والضرر ونهى عن قتل النحلة لما فيها من المنفعة، فأما الهدهد والصرد فنهيه في قتلهما يدل على تحريم لحومهما، وذلك أن الحيوان إذا نهي عن قتله ولم يكن ذلك لحرمته ولا لضرر
стр. 1153
فيه كان ذلك لتحريم لحمه، ألا ترى أن رسول الله ﷺ قد نهى عن ذبح الحيوان إلاّ لمأكلة، ويقال إن الهدهد منتن اللحم فصار في معنى الجلالة المنهي عنها، وأما الصرد فإن العرب تتشاءم به وتتطير بصوته وشخصه، ويقال إنهم إنما كرهوا من اسمه معنى التصريد أنشدني بعض أصحابنا عن ابن الأنباري، عَن أبي العباس: غراب وظبي أعضب القرن باديا ...بصرم وصِردان العشي تصيح
ومن باب الختان
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا مروان، قال: حَدَّثنا محمد بن حسان حدثنا عبد الوهاب الكوفي عن عبد الملك بن عمير عن أم عطية الأنصارية أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ : لا تُنْهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل.
قال الشيخ: قوله لا تنهكي معناه لا تبالغي في الخفض والنهك المبالغة في الضرب والقطع والشتم وغير ذلك، وقد نهكته الحمى إذا بلغت منه وأضرت به.
ومن باب الرجل يسب الدهر
قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: يقول الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار.
قال الشيخ: تأويل هذا الكلام أن العرب إنما كانوا يسبون الدهر على أنه هو الملم بهم في المصائب والمكاره ويضيفون الفعل فيما ينالهم منها إليه ثم يسبون فاعلها فيكون مرجع السب في ذلك إلى الله سبحانه إذ هو الفاعل لها فقيل على ذلك لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي
стр. 1154
تضيفونها إلى الدهر.
وكان ابن داود ينكر رواية أصحاب الحديث هذا الحرف مضمومة ويقول لو كان كذلك لكان الدهر اسماً معدوداً من أسماء الله ، وكان يرويه وأنا الدهر أقلب الليل والنهار مفتوحة الراء على الظرف يقول أنا طول الدهر والزمان أقلب الليل والنهار. والمعنى الأول هو وجه الحديث.
كتاب القضاء
قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي أخبرنا فضيل بن سليمان حدثنا عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين.
قال الشيخ: معناه التحذير من طلب القضاء والحرص عليه يقول من تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح فليحذره وليتوقه.
وقوله بغير سكين يحتمل وجهين: أحدهما أن الذبح إنما يكون في ظاهر العرف بالسكين فعدل به ﵇ عن غير ظاهر العرف وصرفه عن سنن العادة إلى غيرها ليعلم أن الذي أراده بهذا القول إنما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه.
والوجه الآخر أن الذبح الوجيء الذي يقع به إزهاق الروح واراحة الذبيحة وخلاصها من طول الألم وشدته إنما يكون بالسكين لأنه يجهز عليه، وإذا ذبح بغير السكين كان ذبحه خنقاً وتعذيباً فضرب المثل في ذلك ليكون أبلغ
стр. 1155
في الحذر والوقوع فيه.
ومن باب القاضي يخطىء
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا عبد العزيز يعنى ابن محمد أخبرني يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن بُسر بن سعيد، عَن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر فحدثت به أبا بكر بن حزم فقال هكذا حدثني أبوسلمة، عَن أبي هريرة.
قال الشيخ: قوله إذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر إنما يؤجر المخطىء على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط. وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعاً لآلة الاجتهاد عارفاً بالأصول وبوجوه القياس. فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهومتكلف ولا يعذر بالخطأ في الحكم بل يخاف عليه أعظم الوزر بدليل حديث ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، أما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار.
وفيه من العلم ليس كل مجتهد مصيباً، ولو كان كل مجتهد مصيباً لم يكن لهذا التفسير معنى، وإنما يعطى هذا أن كل مجتهد معذور لا غير، وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه ولا مدخل فيها للتأويل. فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ وكان حكمه في ذلك مردوداً.
стр. 1156
ومن باب كراهية الرشوة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن، عَن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي.
قال الشيخ: الراشي المعطي، والمرتشي الآخذ، وإنما يلحقهما العقوبة معاً إذا استويا في القصد والإرادة فرشا المعطي لينال به باطلاً ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلماً فإنه غير داخل في هذا الوعيد.
وروي أن ابن مسعود أخذ في شيء وهو بأرض الحبشة فأعطى دينارين حتى خُلي سبيله. وروي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم.
وكذلك الآخذ إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه اما على حق يلزمه اداؤه فلا يفعل ذلك حتى يُرشا أو عمل باطل يجب عليه تركه فلا يتركه حتى يصانع ويرشا.
ومن باب كيف القضاء
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا شريك عن سماك عن حنش عن علي ﵇ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً فقلت يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء، فقال إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء، قال فما زلت قاضياً أو ما
стр. 1157
أشككت في قضاء بعد.
قال الشيخ: فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب وذلك لأنه إذا منعه أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران حتى يسمع كلام الآخر فقد دل على أنه في الغائب الذي لم يحضره ولم يسمع قوله أولى بالمنع، وذلك لإمكان أن يكون معه حجة تبطل دعوى الحاضر.
وممن ذهب إلى أن الحاكم لا يقضي على غائب شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وابن أبي ليلى.
وقال مالك والشافعي يجوز القضاء على الغائب إذا تبين للحاكم أن فراره واستخفاءه إنما هو فرار من الحق ومعاندة للخصم.
واحتج لهذه الطائفة بعضهم بخبر هند، وقوله ﵇ لها خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف؛ وقال إذا كان الخصم حاضر زمانه لا يحكم على أحدهما قبل أن يسمع من صاحبه لجواز أن يكون مع خصمه حجة يدفع بها بينته، فإذا كان الخصم غائباً لم يجز أن يترك استماع قول خصمه الحاضر إلاّ أنه يكتب في القضية أن الغائب على حقه إذا حضر وأقام بينته أو جاء بحجته وهو إذا فعل ذلك فقد استعمل معنى الخبر في استماع قول الخصم الآخر كاستماعه قول الأول. ولو ترك الحكم على الغائب لكان ذلك ذريعة إلى إبطال الحقوق.
وقد حكم أصحاب الرأي على الغائب في مواضع. منها الحكم على الميت وعلى الطفل وقال في الرجل يودع الرجل وديعة ثم يغيب فإذا ادعت امرأته النفقة وقدمت المودَع إلى الحاكم قضى لها عليه بها. وقالوا إذا ادعى للشفيع على الغائب أنه باع عقاره وسلم واستوفى الثمن فإنه يقضى له بالشفعة وكل هذا حكم على الغائب.
стр. 1158
ومن باب قضاء القاضي إذا أخطأ
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار.
قال الشيخ: قوله ألحن بحجته أي أفطن لها، واللحن مفتوحة الحاء الفطنة؛ يقال لحنت الشيء ألحن له لحَناً ولحن الرجل في كلامه لحناً بسكون الحاء.
وفيه من الفقه وجوب الحكم بالظاهر وأن حكم الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وأنه متى أخطأ في حكمه فمضى كان ذلك في الظاهر فأما في الباطن وفي حكم الآخرة فإنه غير ماض.
وفيه أنه لا يجوز للمقضي له بالشيء أخذه إذا علم أنه لا يحل له فيما بينه وبين الله، ألا تراه يقول فلا يأخذ منه شيئاً فإنما اقطع له قطعة من النار. وقد يدخل في هذا الأموال والدماء والفروج كان ذلك كله حق أخيه وقد حرم عليه أخذه.
وقد أجمع العلماء في هذا في الدماء والأموال وإنما الخلاف في أحكام الفروج فقال أبو حنيفة إذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق وشهد لها شاهدان فقضى الحاكم بالتفرقة بينهما وقعت الفرقة فيما بينها وبين الله وإن كانا شاهدي زور، وجاز لكل واحد من الشاهدين أن ينكحها، وخالفه أصحابه في ذلك. قال وقد تعرض في هذا الباب أمور مما يختلف فيه اعتقاد القاضي وصاحب القضية المحكوم له بها كالرجل يذهب إلى أن الطلاق قبل النكاح لازم فيتزوج المرأة فيحكم له الحاكم بجواز النكاح فلا يسعه فيما بينه وبين الله المقام عليه ويلزمه نصف المهر بالعقد إذا
стр. 1159
حكم به الحاكم عليه. ولو أن رجلاً مات ابن أبيه وخلف أخاه لأبيه وأمه وخلف مالاً فقدم إلى قاض يقول بقول أبي بكر في توريث الجد والجد يرى رأي زيد لم يسعه أن يستبد بالمال دون الاخوة ولا يبيح له القاضي شيئاً هو في علمه أنه حرام عليه. وكذلك هذا فيمن لا يرى توريث ذوي الأرحام في نحو هذا من الأمور.
قال أبو داود: حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قالت أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة إلاّ دعواهما، فقال النبي ﷺ فذكر مثله فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لك، فقال لهما النبي ﷺ : أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استَهَما ثم تحالا.
قال الشيخ: قوله استهما معناه اقترعا والاستهام الاقتراع ومنه قوله تعالى ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ [الصافات: ٤١١] وفيه دليل على أن الصلح لا يصح إلاّ في الشيء المعلوم ولذلك أمرهما بالتوخي في مقدار الحق ثم لم يقنع فيه بالتوخي حتى ضم إليه القرعة، وذلك أن التوخي إنما هو أكثر الرأي وغالب الظن والقرعة نوع من البينة فهي أقوى من التوخي ثم أمرهما بعد ذلك بالتحليل ليكون تصادرهما عن تعين براءة وافتراقهما عن طيب نفس ورضى.
وفيه دليل على أن التحليل إنما يصح فيما كان معلوم المقدار غير مجهول الكمية.
ومن باب القاضي يقضي وهو غضبان
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أنه كتب إلى ابنه قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1160
لا يقضي الحاكم بين اثنين وهو غضبان.
قال الشيخ: الغضب يغير العقل ويحيل الطباع عن الاعتدال فلذلك أمرالحاكم بالتوقف في الحكم ما دام به الغضب. فقياس ما كان في معناه من جوع مفرط وفزع مدهش ومرض موجع قياس الغضب في المنع من الحكم.
ومن باب اجتهاد الرأي في القضاء
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر عن شعبة، عَن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله، قال فبسنة رسول الله ﷺ ، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله، قال اجتهد برأيي ولا آلو فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.
قال الشيخ: قوله اجتهد برأيي يريد الاجتهاد في رد القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة ولم يرد الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه أو يخطر بباله عن غير أصل من كتاب أو سنة. وفي هذا إثبات القياس وإيجاب الحكم به.
وفيه دليل على أنه ليس للحاكم أن يقلد غيره فيما يريد أن يحكم به وإن كان المقلد أعلم منه وافقه حتى يجتهد فيما يسمعه منه فإن وافق رأيه واجتهاده أمضاه وإلا توقف عنه لأن التقليد خارج من هذه الأقسام المذكورة في الحديث.
وقوله لا آلو معناه لا أقصر في الاجتهاد ولا أترك بلوغ الوسع فيه.
следующие страницы →