Полный текст (1 377 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
للعيد وللإحرام الذي يقع الاغتسال فيه متقدماً لسببه ولو كان واجباً لكان متأخراً عن سببه كالاغتسال للجنابة والحيض والنفاس.
.قال أبو داود: حد، حَدَّثنا يزيد بن خالد بن موهب وعبد العزيز بن يحيى قالا: حَدَّثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إبراهيم، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل، عَن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا قال رسول الله ﷺ : من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس ثم صلى ما كتب الله له ثم أنصت إذا خرج إمامُه حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها، قال ويقول أبو هريرة وزيادة ثلاثة أيام ويقول إن الحسنة بعشر أمثالها.
قلت وقرانه بين غسل الجمعة وبين لبس أحسن ثيابه ومسه للطيب يدل على أن الغسل مستحب كاللباس والطيب. وقوله كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التى قبلها، يريد بذلك ما بين الساعة التي تصلى فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى لأنه لو كان المراد به ما بين الجمعتين على أن يكون الطرفان وهما يوما الجمعة غير داخلين في العدد لكان لا يحصل من عدد الحسوب له أكثر من ستة أيام.
ولو أراد ما بينهما على معنى إدخال الطرفين فيه بلغ العدد ثمانية فإذا ضمت إليها الثلاثة الأيام المزيدة التي ذكرها أبو هريرة صار جملتها إما أحد عشر يوماً على أحد الوجهين، وإما تسعة أيام على الوجه الآخر فدل أن المراد به ما قلنا على سبيل التكسير لليوم ليستقيم الأمرفي تكميل عدد العشرة.
وقد اختلف الفقهاء فيمن أقر لرجل بما بين درهم إلى عشرة دراهم. فقال أبو حنيفة يلزمه تسعة دراهم وقال أبو يوسف ومحمد يلزمه عشرة دراهم ويدخل فيه
стр. 107
الطرفان والواسطة، وقال أبو ثور لا يلزمه أكثر من ثمانية دراهم ويسقط الطرفان.
وهو قول زفر. وهذا أغلب وجوه ما يذهب إليه أصحاب الشافعي.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم الجراجرائي نا ابن المبارك عن الأوزاعي حدثني حسان بن عطية حدثنا الأشعث الصنعاني حدثنا أوس بن أوس الثقفي. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها.
قوله غسل واغتسل وبكر وابتكر اختلف الناس في معناهما فمنهم من ذهب إلى أنه من الكلام المظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين. وقال ألا تراه يقول في هذا الحديث ومشى ولم يركب ومعناهما واحد، وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد.
وقال بعضهم: قوله غسل معناه غسل الرأس خاصة وذلك لأن العرب لهم لِمم وشعور، وفي غسلها مؤونة فأفرد ذكر غسل الرأس من أجل ذلك.
وإلى هذا ذهب مكحول. وقوله واغتسل معناه غسل سائرالجسد. وزعم بعضهم أن قوله غسل معناه أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة ليكون أملك لنفسه وأحفظ في طريقه لبصره. قال ومن هذا قول العرب فحل غُسَلة إذا كان كثير الضراب.
وقوله بكر وابتكر زعم بعضهم أن معنى بكر أدرك باكورة الخطبة وهي أولها، ومعنى وابتكر قدم في الوقت. وقال ابن الأنباري معنى بكر تصدق قبل خروجه. وتأول في ذلك ما روي في الحديث من قوله باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها.
стр. 108
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سمي، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعه الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر.
قوله راح إلى الجمعة معناه قصدها وتوجه إليها مبكرا قبل الزوال وإنما تأولناه على هذا المعنى لأنه لا يجوز أن يبقى عليه بعد الزوال من وقت الجمعة خمس ساعات، وهذا جائز في الكلام أن يقال راح لكذا ولأن يفعل كذا بمعنى أنه قصد إيقاع فعله وقت الرواح كما يقال للقاصدين إلى الحج حجاج ولما يحجوا بعد، وللخارجين إلى الغزو غزاة ونحو ذلك من الكلام.
فأما حقيقة الرواح فإنما هي بعد الزوال يقال غدا الرجل في حاجته إذا خرج فيها صدر النهار وراح لها إذا كان ذلك في عجز النهار أو في الشطر الآخر منه. وأخبرني الحسن بن يحيى، عَن أبي بكر بن المنذر، قال كان مالك بن أنس يقول لا يكون الرواح إلاّ بعد الزوال، وهذه الأوقات كلها في ساعة واحدة.
قلت كأنه قسم اثساعة التي تحين فيها الرواح للجمعة أقساماً خمسة فسماها ساعات على معنى التشبيه والتقريب كما يقول القائل قعدت ساعة وتحدثت ساعة ونحوه يريد جزءاً من الزمان غير معلوم، وهذا على سعة مجاز الكلام وعادة الناس في الاستعمال.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر حدثنا زكريا
стр. 109
حدثنا مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيبب العنزي عن عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها حدثته أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت.
قلت قد يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء المختلفة الأحكام والمعاني ترتبها وتنزلها فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل على أنه كان يفعله ويأمر به استحباباً. ومعقول أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم فالاغتسال منه استظهار بالطهارة واستحباب للنظافة.
وأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه على غير الوجوب.
وقد روي، عَن أبي هُرَيْرَة عن النبي ﷺ قال: من غسل ميتاً فليغتسل.
وروي عن ابن المسيب والزهري معنى ذلك، وقال النخعي وأحمد وإسحاق يتوضأ غاسل الميت وروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا ليس على غاسل الميت غسل، وقال أحمد لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث.
وقال أبو داود حديث مصعب بن شيبة ضعيف ويشبه أن يكون من رأى الاغتسال منه إنما رأى ذلك لما لا يؤمن أن يصيب الغاسل من رشاش المغسول نضح وربما كانت على بدن الميت نجاسة فأما إذا علمت سلامته منها فلا يجب الاغتسال منه والله أعلم.
ومن باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة
قال أبو داود: حدثنا مسددحدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت كان الناس مهان أنفسهم فيروحون
стр. 110
إلي الجمعة بهيأتهم فقيل لهم لو أغتسلتم.
المهان جمع الماهن وهو الخادم يريد أنهم كاموا يتولون المهنة لأنفسهم في الزمان الأول حين لم يكن لهم خدم يكفونهم المهنة والأنسان إذا باشر العمل الشاق حمي بدنه وعرق سيما في البلد الحار فربما تكون منه الرائحة الكريهة فأمروا بالأغتسال تنظيفاً للبدن وقطعاً للرائحة.
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ : من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل.
قوله فبها قال الأصمعي معناه فبالسنة أخذ، وقوله ونعمت يريد ونعمت الخصلة ونعمت الفعلة أو نحو ذلك، وإنما ظهرت التاء التي هي علامة التأنيث لإظهار السنة أو الخصلة أو الفعلة، وفيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة وإن الغسل لها فضيلة لا فريضة.
ومن باب في الرجل يُسْلِم يؤمر بالغسل
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير العبدي حدثنا سفيان حدثنا الأغر عن خليفة بن حصين عن جده قيس بن عاصم قال أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام فأمرني أن اغتسل بماء وسدر.
قلت هذا عند أكثر أهل العلم على الاستحباب لا على الإيجاب، وقال الشافعي إذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل فإن لم يفعل ولم يكن جنباً أجزأه أن يتوضأ ويصلي. وكان أحمد بن حنبل وأبو ثور يوجبان الاغتسال على الكافر إذا أسلم قولاً بظاهر الحديث قالوا ولا يخلو المشرك في أيام كفره من جماع أو احتلام
стр. 111
وهو لا يغتسل ولو اغتسل لم يصح منه ذلك لأن الاغتسال من الجنابة فرض من فروض الدين لا يجزيه إلاّ بعد الإيمان كالصلاة والزكاة ونحوهما.
وكان مالك يرى أن يغتسل الكافر إذا أسلم.
واختلفوا في المشرك يتوضأ في حال شركه ثم يسلم. فقال أصحاب الرأي له أن يصلي بالوضوء المتقدم في حال شركه، ولكنه لوكان تيمم ثم أسلم لم يكن له أن يصلي بذلك التيمم حتى يستأنف التيمم في الإسلام إن لم يكن واجداً للماء. والفرق بين الأمرين عندهم أن التيمم مفتقر إلى النية ونية العبادة لا تصح من مشرك والطهارة بالماء غير مفتقرة إلى النية فإذا وجدت من المشرك صحت في الحكم كما توجد من المسلم سواء.
وقال الشافعي إذا توضأ وهو مشرك أو تيمم ثم أسلم كان عليه إعادة الوضوء للصلاة بعد الإ سلام، وكذلك التيمم لا فرق بينهما ولكنه لو كان جنباً فاغتسل ثم أسلم فإن أصحابه قد اختلفوا في ذلك فمنهم من قال يجب عليه الاغتسال ثانياً كالوضوء سواء وهذا أشبه.
ومنهم من فرق بينهما فرأى عليه أن يتوضأ على كل حال ولم ير عليه الاغتسال فإن أسلم وقد علم أنه لم يكن أصابته جنابة قط في حال كفره فلا غسل عليه في قولهم جميعاً، وقول أحمد في الجمع بين إيجاب الاغتسال والوضوء عليه إذا أسلم أشبه بظاهر الحديث وأولى.
ومن باب المرأة تغسل ثوبها
الذي تلبسه في حيضتها
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير حدثنا إبراهيم بن نافع سمعت الحسن، يَعني ابن مسلم يذكر عن مجاهد قال قالت عائشة ما كان لإحدانا إلا ثوب
стр. 112
واحد فيه تحيض فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته به.
قولها قصعته بريقها معناه دلكته به ومنه قصع القملة إذا شدخها بين أظفاره فأما فصع الرطبة فهو بالفاء وهو أن يأخذها بين إصبعه فيغمزها أدنى غمز فتخرج الرطبة خالعة قشرها.
قال أبو داود: نا النفيلي حدثنا محمد بن سلمة حدثنا محمد بن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قال سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر لتصلي فيه. قال: تنظر فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء ولتنضح ما لم تر وتصلي فيه.
أصل القرص أن يقبض بأصبعه على الشيء ثم يغمز غمزاً جيداً، والنضح الرش وقد يكون أيضاً بمعنى الغسل والصب.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثني يحيى عن سفيان حدثني ثابت الحداد حدثني عدي بن دينار قال سمعت أم قيس بنت محصَن سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب فقال حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر.
قوله اغسليه بماء دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات لأنه إذا أمر بإزالتها بالماء فأزالها بغيره كان الأمر باقياً لم يمتثل، وإذا وجب ذلك عليه في الدم بالنص كان سائر النجاسات بمثابته لا فرق بينهما في القياس وإنما أمربحكه بالضلع ليتقلع المستجسد منه اللاصق بالثوب ثم تتبعه الماء ليزيل الأثر.
стр. 113
ومن باب الصلاة في شُعُر النساء
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا الأشعث عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شُعُرنا أو لُحفنا قال عبيد الله شك أبي.
الشعر جمع الشعار وهو الثوب الذي يستشعره الإنسان أي يجعله مما يلي بدنه والدثار ما يلبسه فوق الشعار.
ومن باب الرخصة فيه
قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح حدثنا سفيان، عَن أبي إسحاق الشيباني سمعه من عبد الله بن شداد يحدثه عن ميمونة أن النبي ﷺ صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي
حائض وهو يصلي وهوعليه.
قال: المرط ثوب يلبسه الرجال والنساء يكون إزاراً ويكون رداء، وقد يتخذ من صوف ويتخذ من خز وغيره.
ومن باب المني يصيب الثوب
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت كنت افرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه.
قلت في هذا دليل على أن المني طاهر ولوكان عينه نجساً لكان لا يطهر الثوب بفركه إذا يبس كالعذرة إذا يبست لم تطهر بالفرك. وممن كان يرى فرك المني ولا يأمر بغسله سعد بن أبي وقاص، وقال ابن عباس امسحه عنك بإذخرة أو خرقة ولا تغسله إن شئت إنما هو كالبزاق أو المخاط، وكذلك قال عطاء وقال الشافعي المني طاهر وقال أحمد يجزيه أن يفركه.
стр. 114
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد البصري حدثنا سليم بن أخضر حدثنا عمرو بن ميمون قال: سمعت سليمان بن يسار يقول سمعت عائشة تقول إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ قالت ثم أرى فيه بقعة أو بقعاً.
قلت هذا لا يخالف حديث الفرك وإنما هذا استحباب واستظهار بالنظافة كما قد يغسل الثوب من النخامة والمخاط ونحوه والحديثان إذا أمكن استعمالهما لم يجز أن يحملا على التناقض.
وقد ذهب إلى غسل المني من الثوب عمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب وقال مالك غسله من الثوب أمر واجب وإليه ذهب الثوري والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: المني نجس، إلاّ أنه قال: يجوز فرك اليابس منه بلا غسل للأثر فيه، وغسل الرطب.
ومن باب بول الصبي يصيب الثوب
قال أبو داود: حدثنا مسدد وأبو توبة المعنى قالا: حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس عن لبابة بنت الحارث قالت كان الحسين بن علي في حجر رسول الله ﷺ فبال عليه فقلت البس ثوبا آخر وأعطني إزارك حتى أغسله. قال: إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر.
قلت معنى النضح في هذا الموضع الغسل إلاّ أنه غسل بلا مرس ولا دلك وأصل النضح الصب، ومنه قيل للبعير الذي يستقى عليه الناضح فأما غسل بول
стр. 115
الجارية فهو غسل يستقصى فيه فيمرس باليد ويعصر بعده، وقد يكون النضح بمعنى الرش أيضاً.
وممن قال بظاهر هذا الحديث علي بن أبي طالب وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق قالوا ينضح بول الغلام ما لم يطعم، ويغسل بول الجارية وليس ذلك من أجل أن بول الغلام ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف الذي وقع في إزالته؛ وقالت طائفة يغسل بول الغلام والجارية معاً.
وإليه ذهب النخعي وأبو حنيفة وأصحابه وكذلك قال سفيان الثوري.
ومن باب الأرض يصيبها البول
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وابن عبدة في آخرين وهذا لفظ ابن عبدة، قال: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن سعيد، عَن أبي هريرة أن أعرابياً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فصلى ركعتين ثم قال اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فقال النبي ﷺ لقد تحجرت واسعاً ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد وأسرع الناس إليه فنهاهم النبي ﷺ وقال إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه سجلاً من ماء أو قال: ذنوباً من ماء.
قوله لقد تحجرت واسعاً أصل الحجر المنع، ومنه الحجر على السفيه وهو منعه من التصرف في ماله وقبض يده عليه يقول له قد ضيعت من رحمة الله ما وسّعه ومنعت منها ما أباحه، والسجل الدلو الكبيرة وهي السجيلة أيضاً، والذنوب الدلو الكبيرة أيضاً.
وفي هذا دليل أن الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها
стр. 116
وأن غسالة النجاسات طاهرة ما لم يبن للنجاسة فيها لون أوريح ولو لم يكن ذلك الماء طاهراً لكان المصبوب منه على البول أكثر تنجيساً للمسجد من البول نفسه فدل ذلك على طهارته. وليس في خبر أبي هُرَيْرَة ولا في خبرمتصل ذكر لحفر المكان ولا لنقل التراب.
فأما حديث عبد الله بن معقل بن مقرن أن النبي ﷺ قال لهم: خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء، فإن أبا داود قد ذكره في هذا الباب وضعفه وقال هو مرسل وابن معقل لم يدرك النبي ﷺ .
قلت وإذا أصابت الأرض نجاسة ومطرت مطرا عاما كان ذلك مطهرا لها وكانت في معنى صب الذنوب وأكثر. وفي قوله إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين دليل على أن أمرالماء على التيسير والسعة في إزالة النجاسات به والله أعلم.
ومن باب في طهور الأرض إذا يبست
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر قال قال ابن عمر: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ وكنت فتى شابا عَزَبا وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يَرُشون شيثا من ذلك.
قوله كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد يتأول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد عابرة إذ لا يجوز أن تترك الكلاب وانتياب المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة ولم يكن على المسجد أبواب فتمنع من عبورها فيه.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة فروي، عَن أبي قلابة أنه قال: جفوف
стр. 117
الأرض طهورها وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: الشمس تزيل النجاسة عن الأرض إذا ذهب الأثر، وقال الشافعي وأحمد الأرض إذا أصابتها النجاسة لا يطهرها إلاّ الماء.
ومن باب الأذى يصيب الذيل
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت أم سلمة قال رسول الله ﷺ : يطهره ما بعده.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وأحمد بن يونس قالا: حَدَّثنا زهير حدثنا عبد الله بن عيسى عن موسى بن عبد الله بن يزيد أن امرأة من بني عبد الأشهل قالت قلت يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا، قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها. قالت قلت: بلى قال: فهذه بهذه.
قوله يطهره ما بعده كان الشافعي يقول إنما هو فيما جُر على ما كان يابسا لا يعلق بالثوب منه شيء، فأما إذا جر على رطب فلا يطهر إلاّ بالغسل.
وقال أحمد بن حنبل ليس معناه إذا أصابه بول ثم مر بعده على الأرض أنها تطهره ولكنه يمر بالمكان فيقذره ثم يمر بمكان أطيب منه فيكون هذا بذاك ليس على أنه يصيبه منه شيء.
وقال مالك: إن الأرض يطهر بعضها بعضا إنما هو أن يطأ الأرض القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة فإن بعضها يطهر بعضا فأن النجاسة مثل البول
стр. 118
ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد فإن ذلك لا يطهره إلاّ الغسل.
قلت وهذا إجماع الأمة وفي إسناد الحديثين مقال لأن الأول عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن وهي مجهولة لا يعرف حالها في الثقة والعدالة والحديث الآخر عن امرأة من بني عبد الأشهل والمجهول لا تقوم به الحجة في الحديث.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو المغيرة عن الأوزاعي قال أُنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا وطىء بنعله أحدكم الأذى فإن التراب له طهور.
قلت كان الأوزاعي يستعمل هذا الحديث على ظاهره وقال يجزئه أن يمسح القذر في نعله أو خفه بالتراب ويصلي فيه.
وذكر هذا الحديث في غير هذه الرواية عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد وروي مثله في جوازه عن عروة بن الزبير وكان النخعي يمسح النعل أو الخف يكون فيه السرقين عند طب المسجد ويصلي بالقوم.
وقال أبو ثور في الخف والنعل إذا مسحهما بالأرض حتى لا يجد له ريحا ولا أثرا رجوت أن يجزئه.
وقال الشافعي لا تطهر النجاسات إلاّ بالماء سواء كانت في ثوب أو حذاء.
ومن باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا أبو معمر حدثنا
стр. 119
عبد الوارث حدثتنا أم يونس بنت شداد قالت حدثتني حماتي أم جَحْدرٍ العامرية عن عائشة أن رسول الله ﷺ لبس كساء كان علينا من الليل فصلى الغداة ثم جلس فقال رجل يا رسول الله هذه لُمعة من دم فقبض رسول الله ﷺ على ما يليها فبعث بها إليّ مصرورة في يد الغلام فقال اغسلي هذه وأجفِّيها وارسلي به إليّ فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها فأحرتها إليه فجاء رسول الله ﷺ نصف النهار وهو عليه.
قولها فأحرتها معناه رددتها إليه يقال حار الشيء يحور بمعنى رجع ومنه قوله تعالى ﴿أنه ظن أن لن يحورا﴾ أي لا يبعث ولا يرجع إلينا في القيامة للحساب.
كتاب الصلاة
باب
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عَن أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل عليّ غيرُهن قال لا إلاّ أن تطوع قال وذكر له رسول الله ﷺ صيام شهر رمضان قال هل علي غيره قال لا إلاّ أن تطوع قال وذكر رسول الله ﷺ له الصدقة قال فهل علي غيرها قال لا إلاّ أن تطوع قال فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال رسول الله ﷺ أفلح إن صدق.
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عَن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عاص بهذا الحديث بإسناده وقال أفلح
стр. 120
وأبيه إن صدق دخل الجنة وأبيه إن صدق.
قوله عند ذكر الصلاة هل علي غيرهن فقال لا إلاّ أن تطوع دليل على أن الوتر غير مفروض ولا واجب وجوب حتم ولوكان فرضاً لكانت الصلوات المفروضة ستا لا خمسا وفيه بيان أن فرض صلاة الليل منسوخ.
وقوله أفلح وأبيه هذه كلمة جارية على ألسن العرب تستعملها كثيرا في خطابها تريد بها التوكيد. وقد نهى رسول الله ﷺ أن يحلف الرجل بأبيه فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي ويحتمل أن يكون جرى ذلك منه على عادة الكلام الجاري على الألسن وهو لا يقصد به القسم كلغو اليمين المعفوعنه قال الله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] الآية قالت عائشة هو قول الرجل في كلامه لا والله وبلى والله ونحو ذلك. وفيه وجه آخر وهو أن يكون النبي ﷺ ضمر فيه اسم الله كأنه قال لا ورب أبيه، وإنما نهاهم عن ذلك لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك في أيمانهم وإنما كان مذهبهم في ذلك مذهب التعظيم لآبائهم. ويحتمل أن يكون النهي إنما وقع عنه إذا كان ذلك منه على وجه التوقير له والتعظيم لحقه دون ما كان بخلافه، والعرب قد تطلق هذا اللفظ في كلامها على ضربين أحدهما على وجه التعظيم والاخر على سبيل التوكيد للكلام دون القسم قال ابن ميادة:
أظنت سفاهاً من سفاهة رأيها ... لأهجوها لما هجتنى محارب
فلا وأبيها إنني بعشيرتي ... ونفسي عن ذاك المقام لراغب
وليس يجوزأن يقسم بأب من يهجوه على سبيل الإعظام لحقه. وقال
стр. 121
آخر لعبيد الله بن عبد الله بن مسعود أحد الفقهاء السبعة:
لعمر أبي الواشين أيام نلتقي ... لما لا تلاقيها من الدهر أكثر
يعدون يوماً واحداً إن لقيتها ... وينسون ما كانت على النادي تهجر
وقال آخر:
لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم ...لقد كلفتني خطة لا أريدها
وفيه دليل على أن صلاة الجمعة فريضة، وفيه بيان أن صلاة العيد نافلة. وكان أبو سعيد الإصطخري يذهب إلى أن صلاة العيد من فرض الكفاية، وعامة أهل العلم على أنها نافلة.
ومن باب في المواقيت
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني عبد الرحمن بن فلان بن أبي ربيعة عن حكيم بن حكيم عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبريل ﵇ عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك وصلى بي العصر حين كان ظله مثله وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين غاب الشفق وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل وصلى بي الفجر فأسفر ثم التفت إلي فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين.
قلت قوله وكانت قدر الشراك ليس قدر الشراك هذا على معنى التحديد
стр. 122
ولكن الزوال لا يستبان إلاّ بأقل ما يرى من الفيء، وأقله فيما يقدر هو ما بلغ قدر الشراك أو نحوه وليس هذا المقدار مما يتبين به الزوال في جميع البلدان إنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلدان التي ينتقل فيها الظل فإذا كان أطول يوم في السنة واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير لشيء من جوانبها ظل. وكل بلد يكون أقرب إلى وسط الأرض كان الظل فيه أقصر؛ وماكان من البلدان أبعد من واسطة الأرض وأقرب إلى طرفيها كان الظل فيه أطول.
وقد اعتمد الشافعي هذا الحديث وعول عليه في بيان مواقيت الصلاة إذ كان قد وقع به القصد إلى بيان أمر الصلاة في أول زمان الشرع.
وقد اختلف أهل العلم في القول بظاهره فقالت طائفة وعدل آخرون عن القول ببعض ما فيه إلى أحاديث أخر وإلى سنن سنها رسول الله ﷺ في بعض المواقيت لمّا هاجر إلى المدينة، قالوا وإنما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله ﷺ وسنذكر موضع الاختلاف منهم في ذلك. فمن قال بظاهر حديث ابن عباس وتوقيت أول صلاة الظهر وآخرها به مالك وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة آخر وقت الظهر إذا صار الظل قامتين. وقال ابن المبارك وإسحاق بن راهويه آخر وقت الظهر أول وقت العصر.
واحتج بعض من قاله بأن في بعض الروايات أنه صلى الظهر من اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر من اليوم الأول، وقد نسب هذا القول محمد بن جرير الطبري إلى مالك بن أنس وقال لو أن مصليين صليا أحدهما الظهر والآخر العصر في وقت واحد صحت صلاة كل واحد منهما.
قلت ومعنى هذا الكلام معقول أنه إنما أراد فراغه من صلاة الظهر اليوم الثاني
стр. 123
في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر من اليوم الأول وذلك أن هذا الحديث إنما سيق لبيان الأوقات وتحديد أوائلها وأواخرها دون بيان عدد الركعات وصفاتها وسائر أحكامها ألا ترى أنه يقول في آخره (الوقت فيما بين هذين الوقتين) فلو كان الأمر على قدره هو لألجأ من ذلك الاشكال في أمرالأوقات واحتيج من أجل ذلك إلى أن يعلم مقدار صلاة النبي ﷺ لتعلق الوقت بها فيزداد بقدرها في الوقت ويحتسب كميتها فيه. والصلاة لا تقدر بشيء معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص منه لأنها قد تطول في العادة وتقصر. وفي هذا بيان فساد ما ذهبوا إليه ومما يدل على صحة ما قلناه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال ووقت الظهر ما لم يحضر العصر، وهو حديث حسن ذكره أبو داود في هذا الباب.
واختلفوا في أول وقت العصر فقال بظاهر حديث ابن عباس مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال فمن صلى قبل ذلك لا تجزئه صلاته وخالفه صاحباه.
واختلفوا في آخر وقت العصر، فقال الشافعي آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر ولا به ضرورة على ظاهر هذا الحديث فأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشمس قبل أن يصلي منها ركعة على حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها.
وقال سفيان الثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله ما لم تصفر الشمس. وقال بعضهم ما لم تتغير الشمس.
стр. 124
وعن الأوزاعي نحو من ذلك ويشبه أن يكون هؤلاء ذهبوا إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال وقت العصر ما لم تصفر الشمس.
وأما المغرب فقد أجمع أهل العلم على أن أول وقتها غروب الشمس.
واختلفوا في آخر وقتها فقال مالك والأوزاعي والشافعي لا وقت للمغرب إلاّ وقت واحد قولاً بظاهر الحديث حديث ابن عباس وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق.
قلت وهذا أصح القولين للأخبار الثابتة وهي خبر أبي موسى الأشعري وبريدة الأسلمي وعبد الله بن عمرو. ولم يختلفوا في أن أول وقت العشاء الآخرة غيبوبة الشفق إلاّ أنهم اختلفوا في الشفق ما هو فقالت طائفة هو الحمرة، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول مكحول وطاوس وبه قال مالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق.
وروي، عَن أبي هريرة أنه قال: الشفق البياض. وعن عمر بن عبد العزيز مثله.
وإليه ذهب أبو حنيفة وهو قول الأوزاعي. وقد حكي عن الفراء أنه قال: الشفق الحمرة وأخبرني أبو عمر، عَن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: الشفق البياض وأنشد لأبي النجم:
حتى إذا الليل جلاه المجتلي ... بين سماطي شفق مُهَوَّل
يريد الصبح وقال بعضهم الشفق اسم للحمرة والبياض معاً إلاّ أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني وأبيض ليس بناصع، وإنما يعلم المراد منه بالأدلة لا بنفس اللفظ كالقُرء الذي يقع اسمه على الطهر والحيض معاً وكسائر نظائره من الأسماء المشتركة.
стр. 125
واختلفوا في آخر وقت العشاء الآخرة فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة أن أخر وقتها ثلث الليل، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي قولا بظاهر حديث ابن عباس. وقال الثوري وأصحاب الرأي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه آخر وقت العشاء إلى نصف الليل، وحجة هؤلاء حديث عبد الله بن عمرو قال ووقت العشاء إلى نصف الليل، وكان الشافعي يقول به إذ هو بالعراق وقد روي عن ابن عباس أنه قال لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وإليه ذهب عطاء وطاوس وعكرمة.
واختلفوا في آخر وقت الفجر فذهب الشافعي إلى ظاهر حديث ابن عباس وهو الإسفار، وذلك لأصحاب الرفاهية ومن لا عذر له وقال من صلى ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس لم تفته الصبح، وهذا في أصحاب العذر والضرورات وقال مالك وأحمد من صلى ركعة من الصبح وطلعت له الشمس أضاف إليها أخرى وقد أدرك الصبح فجعلوه مدركا للصلاة على ظاهر حديث أبي هريرة. وقال أصحاب الرأي من طلعت عليه الشمس وقد صلى ركعة من الفجر فسدت صلاته إلاّ أنهم قالوا فيمن صلى من العصر ركعة أو ركعتين فغربت الشمس قبل أن يتمها إن صلاته تامة.
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن قتادة سمع أبا أيوب عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال وقت الظهر ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس.
قوله فور الشفق بقية حمرة الشمس في الأفق. وسمي فورا لفورانه وسطوعه
стр. 126
وروي أيضاً ثور الشفق وهو ثوران حمرته.
ومن باب في وقت صلاة النبي ص
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد بن عمرو قال سألنا جابرا عن وقت صلاة رسول الله ﷺ فقال: كان يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس بيضاء حية والمغرب إذا غربت الشمس والعشاء إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا أخر والصبح بغَلَس.
قوله والشمس حية يفنببر على وجهين أحدهما أن حياتها شدة وهجها وبقاء حرها لم ينكسر منه شيء والوجه الآخر أن حياتها صفاء لونها لم يدخلها التغير.
ومن باب وقت الظهر
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حَدَّثنا عباد بن عباد حدثنا محمد بن عمرو عن سعيد بن الحارث الأنصاري عن جابر بن عبد الله: قال كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ فآخذ قبضة من الحصباء لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر.
قلت فيه من الفقه تعجيل صلاة الظهر. وفيه أنه لا يجوز السجود إلاّ على الجبهة ولو جاز السجود على ثوب هو لابسه أو الاقتصار من السجود على الأرنبة دون الجبهة لم يكن يحتاج إلى هذا الصنيع، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبيدة بن حميد، عَن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق عن كثير بن مدرك عن الأسود أن عبد الله بن مسعود قال كان قدر صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام.
стр. 127
قلت وهذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان ولا يستوي في جميع المدن والأمصار لأن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر. وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول ولذلك ظلال الشتاء تراها أبداً أطول من ظلال الصيف في كل مكان. وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثانى. ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء ويشبه أن يكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام.
وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام أو خمسة وشيء وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء. فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون ساتر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي أن الليث حدثهم عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم.
معنى الإبراد في هذا الحديث انكسار شدة حر الظهيرة وقال محمد بن كعب القرظي نحن نكون في السفر فإذا فات الأفياء وهبت الأرواح قالوا أبردتم فالرواح. قلت ومن تأول على بردى النهار فقد خرج عن جملة قول الأمة.
стр. 128
وقد اختلف العلماء في تأخير صلاة الظهر في الصيف والإبراد بها فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى تأخيرها والإبراد بها في الصيف. وإليه ذهب أصحاب الرأي، وقال الشافعي تعجيلها أولى إلاّ أن يكون امام جماعة ينتابه الناس من بعد فإنه يبرد بها في الصيف عند شدة الحر، وأما من صلاها وحده أو صلاها بجماعة بفناء بيته لا يحضره إلاّ من بحضرته فإنه يصليها في أول وقتها لأنه لا أذى عليهم في حرها. ولا يؤخر في الشتاء بحال.
وقوله عليه الصلاه والسلام فيح جهنم معناه سطوع حرها وانتشاره وأصله في كلامهم السعة والانتشار. ومنه قولهم في الغادة فيحي فياح، ومكان أفيح أي واسع، وأرض فيحاء أي واسعة ومعنى الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن شدة الحر في الصيف من وهج حر جهنم في الحقيقة. وروي أن الله تعالى أذن لجهنم في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء فأشد ما تجدونه من الحر في الصيف فهو من نفسها وأشد ما ترونه من البرد في الشتاء فهو منها.
والوجه الاخر أن هذا الكلام إنما خرج مخرج التشبيه والتقريب أي كأنه نار جهنم في الحر فاحذروها واجتنبوا ضررها.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن جابر بن سَمُرة أن بلالاً كان يؤذن للظهر إذا دحضت الشمس.
قوله دحضت معناه زالت وأصل الدحض الزلق يقال دحضت رجله أي زلت عن موضعها وأدحضت حجة فلان أي أزالتها وأبطلتها.
стр. 129
ومن باب وقت العصر
قال أبو داود: حدثنا القعنبي قال قرأت على مالك عن ابن شهاب قال عروة ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر.
قوله قبل أن تظهر معنى الظهور ههنا الصعود يقال ظهرت على الشيء إذا علوته ومنه قول الله تعالى ﴿ومعارج عليها يظهرون﴾ [الزخرف: ٣٣] .
قلت وحجرة عائشة ضيقة الرقعة والشمس تقلص عنها سريعاً فلا يكون مصلياً العصر قبل أن تصعد الشمس عنها إلاّ وقد بكر بها.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر فقام يصلي العصر فلما فرغ من صلا ته ذكرنا تعجيل الصلاة أو ذكرها فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكرالله فيها إلا قليلا.
قوله كانت بين قرنى الشيطان إختلفوا في تأويله على وجوه فقال قائل معناه مقارنه الشيطان للشمس عند دنوها للغروب على معنى ما روي أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك.
وقيل معنى قرن الشيطان قوته من قولك أنا مقرن لهذا الأمرأي مطيق له قوي عليه وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأزمان الثلاثة، وقيل قرنه حزبه وأصحابه
стр. 130
الذين يعبدون الشمس يقال هؤلاء قرن أي نشوء جاؤوا بعد قرن مضى.
وقيل إن هذا تمثيل وتشبيه وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتزيينه ذلك في قلوبهم وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها فكأنهم لما دافعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها وتدفعه بأرواقها.
وفيه وجه خامس قاله بعض أهل العلم وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه وهما جانبا رأسه فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له. وقرنا الرأس فوداه وجانباه وسمي ذو القرنين وذلك أنه ضرب على جانبي رأسه فلقب به.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله.
قلت معنى وتر أي نقص أو سلب فبقي وتراً فرداً بلا أهل ولا مال يريد فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله.
ومن باب وقت عشاء الآخرة
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان الحمصى حدثنا أبي حدثنا جرير عن راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكوني أنه سمع معاذ بن جبل يقول بقينا رسول الله ﷺ في صلاة العتمة فتأخر حتى ظن الظان أنه ليس بخارج والقائل منا يقول صلى فانا لكذلك حتى خرج النبي ﷺ فقالوا له كما قالوا فقال اعتموا هذه الصلاة فإنكم قد فُضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم.
قوله بقينا النبي ﷺ معناه انتظرنا يقال بقيت الرجل أبقيه إذا انتظرته.
стр. 131
وقوله اعتموا هذه الصلاة يريد أخروها، يقال فلان عاتم القرى إذا لم يقدم العجالة لأضيافه.
وقد روى ابن عمر أن النبي ﷺ نهى أن تسمى هذه الصلاة العتمة، وقال: لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنهم يعتمون بحلاب الإبل أي يؤخرونه.
وكان ابن عمر إذا سمع رجلاً يقول العتمة صاح وغضب وقال إنما هو العشاء.
ومن باب وقت الصبح
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت انْ كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء متلَفِّعات بمُروطهن ما يعرفن من الغلس.
والغلس اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل والغبش قريب منه إلاّ أنه دونه.
والمروط أكسية تلبس والتلفع بالثوب الاشتمال به. وهو حجة لمن رأى التغليس بالفجر وهو الثابت من فعل أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم. وبه قال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال الثوري وأصحاب الرأى: الإسفار بها أفضل.
قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا سفيان عن ابن عجلان عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال قال رسول الله ﷺ : اصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجركم أو أعظم للأجر.
قلت وإلى هذا ذهب الثورى وأصحاب الرأي. وقد احتج من رأى التغليس بفعل رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄. وقال يحيى بن آدم لا يحتاج مع قول رسول الله ﷺ إلى قول وإنما كان يقال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 132
وأبي بكر وعمر ليعلم أن النبي ﷺ مات وهو عليها. واحتجوا أيضاً بخبر بشر بن أبي مسعود الأنصاري عن أبيه أن رسول الله ﷺ غلس بالصبح ثم أسفر مرة ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله وهو حديث صحيح الإسناد. وقد ذكره أبو داود في باب قبل هذا.
قال حدثنا محمد بن سلمه المرادي حدثنا ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره عن عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبيه. وتأولوا حديث رافع بن خديج على أنه إنما أراد بالإصباح والإسفار أن يصليها بعد الفجر الثاني وجعلوا مخرج الكلام فيه على مذهب مطابقة اللفظِ اللفظَ وزعموا أنه قد يحتمل أن أولئك القوم لما أمروا بتعجيل الصلوات جعلوا يصلونها مابين الفجر الأول والفجر الثاني طلبا للأجر في تعجيلها فقيل لهم صلوها بعد الفجر الثاني وأصبحوا إذا كنتم تريدون به الأجر فإن ذلك أعظم لأجوركم.
فإن قيل كيف يستقيم هذا ومعلوم أن الصلاة إذا لم يكن لها جواز لم يكن فيها أجر. قيل أما الصلاة فلا جواز لها ولكن أجرهم فيما نووه ثابت كقوله ﷺ : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ألا تراه قد بطل حكمه ولم يبطل أجره، وقيل إن الأمر بالاسفار إنما جاء في الليالي المقمرة وذلك أن الصبح لا يتبين فيها جيدا فأمرهم بزيادة التبيين استظهارا باليقين في الصلاة.
ومن باب المحافظة على الوقت
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون أخبرنا خالد (هو ابن عبيد الله الطحان الواسطي) عن داود بن أبي هند، عَن أبي حرب بن أبي الأسود عن عبد الله بن فضالة عن أبيه قال علمني رسول الله ﷺ فكان فيما علمني (وحافظ على
стр. 133
الصلوات الخمس) . قال قلت إن هذه ساعات لي فيها أشغال فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته أجزأ عني فقال حافظ على العصرين وما كانت من لغتنا فقلت وما العصران قال صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها.
يريد بالعصرين صلاة العصر وصلاة الصبح والعرب قد تحمل أحد الاسمين على الآخر فتجمع بينهما في التسمية طلبا للتخفيف كقولهم سنة العمرين لأبي بكر وعمر ﵄. والأسودين يريدون التمر والماء والأصل في العصرين عند العرب الليل والنهار قال حميد بن ثور:
ولن يلبث العصران يوم وليلةٌ ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
فيشبه أن يكون إنما قيل لهاتين الصلاتين العصران لأنهما تقعان في طرفي العصرين وهما الليل والنهار.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن حرب الواسطي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحى قال زعم أبو محمد أن الوتر واجب فقال عيادة بن الصامت كذب أبو محمد أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وجاء بهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهدٌ أن يغفر له. ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
قوله كذب أبو محمد يريد أخطأ أبو محمد لم يرد به تعمد الكذب الذى هو ضد الصدق لأن الكذب إنما يجري في الأ خبار. وأبو محمد هذا إنما افتى فتيا ورأى رأيا فأخطأ فيما افتى به وهو رجل من الأنصار له صحبة والكذب عليه
стр. 134
في الأخبار غير جائز والعرب تضع الكذب موضع الخطأ في كلامها فتقول كذب سمعي وكذب بصري أي زل ولم يدرك ما رأى وما سمع ولم يحط به قال الأخطل:
كذبتك عينُك أم رأيت بواسط ... ملس الظلام من الرطب خيالا
ومن هذا قول النبي ﷺ للرجل الذى وصف له العسل صدق الله وكذب بطن أخيك. وإنما أنكر عبادة أن يكون الوتر واجبا وجوب فرض كالصلوات الخمس دون أن يكون واجبا في السنة ولذلك استشهد بالصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة.
ومن باب إذا أخر الصلاة عن الوقت
قال أبو داود: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن دُحَيم حدثنا الوليد حدثني حسان هو ابن عطية عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون الأودي قال قدم علينا معاذ بن جبل اليمن رسولُ رسول الله ﷺ إلينا قال فسمعب تكبيره مع الفجر رجل أجش الصوت، قال فألقيت عليه محبتي فما فارقته حتى دفنته بالشام ميتا ثم نظرت إلى أفقه الناس بعده فأتيت ابن مسعود فلزمته حتى مات فقال قال رسول الله ﷺ كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها. قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله قال: صل الصلاة لميقاتها واجعل صلاتك معهم سُبحةً.
قوله أجش الصوت هو الذي في صوته جُشة وهي شدة الصوت وفيها غنة، والسبحة ما يصليه المرء نافلة من الصلوات ومن ذلك سبحة الضحى.
стр. 135
وفي الحديث من الفقه أن تعجيل الصلوات في أول أوقاتها أفضل وأن تأخيرها بسبب الجماعة غير جائز، وفيه أن إعادة الصلاة الواحدة مرة بعد أخرى في اليوم الواحد إذا كان لها سبب جائزة وإنما جاء النهي عن أن يصلي صلاة واحدة مرتين في يوم واحد إذا لم يكن لها سبب.
وفيه أن فرضه هو الأولى منهما وأن الأخرى نافلة، وفيه أنه قد أمربالصلاة مع أئمة الجَور حذرا من وقوع الفرقة وشق عصا الأئمة.
ومن باب من نام عن صلاة أو نسيها
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر فسار ليلة حتى أدركنا الكرى عرَّس وقال لبلال اكلأ لنا الليل فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلالاً، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم النشمس فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا ففزع رسول الله ﷺ فقال: يا بلال فقال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ النبي ﷺ وأمر بلالا فأقام لهم الصلاة وصلى بهم الصبح فلما قضى الصلاة قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] .
الكرى النوم وقوله عرس معناه نزل للنوم والاستراحة. والتعريس النزول لغير إقامة، وقوله فزع رسول الله معناه انتبه من نومه يقال أفزعت الرجل من نومه ففزع أي انبهته فانتبه.
стр. 136
وفي الحديث من الفقه أنهم لم يصلوا في مكانهم ذلك عندما استيقظوا حتى اقتادوا رواحلهم ثم توضؤوا ثم أقام بلال وصلى بهم. وقد اختلف الناس في معنى ذلك وتأويله، فقال بعضهم إنما فعل ذلك لترتفع الشمس فلا تكون صلاتهم في الوقت المنهي عن الصلاة فيه وذلك أول ما تبزغ الشمس قالوا والفوائت لا تقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وعلى هذا مذهب أصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه تقضى الفوائت في كل وقت نهي عن الصلاة فيه أولم ينه عنها. وإنما نهى عن الصلاة في تلك الأوقات إذا كانت تطوعا وابتداء من قبل الاختيار دون الواجبات فإنها تقضى الفوائت فيها إذا ذكرت أي وقت كان. وروي معنى ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ وهو قول النخعي والشعبي وحمادة وتأولوا أو من تأول منهم القصة في قود الرواحل وتأخير الصلاة على أنه أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابته الغفلة فيه والنسيان.
وقد روي هذا المعنى في هذا الحديث من طريق أبان العطار.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب، عَن أبي هُرَيْرَة وذكر القصة قال فقال رسول الله ﷺ : تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة وقال فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى.
قلت وذكر الأذان في هذه الرواية من طريق أبان عن معمر زيادة وليست في رواية يونس. وقد اختلف أهل العلم في الفوائت هل يؤذن لها أم لا؟ فقال
стр. 137
أحمد بن حنبل يؤذن للفائت ويقام له وإليه ذهب أصحاب الرأي.
واختلف قول الشافعي في ذلك فأظهر أقاويله إنه يقام للفوائت ولا يؤذن لها. وقال أبو داود روى هذا الخبر مالك وابن عيينة والأوزاعي عن عبد الرزاق عن معمر وابن إسحاق لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري هذا ولم يسنده منهم أحد إلاّ الأوزاعي وأبان العطار عن معمر.
قلت وروى هذا الحديث هشام عن الحسن عن عمران بن حصين فذكر فيه الأذان. ورواه أبو قتادة الأنصاري عن النبي ﷺ فذكر الأذان والإقامة والزيادات إذا صحت مقبولة والعمل بها واجب.
وقد يسأل عن هذا فيقال قد روي عن النبي ﷺ أنه قال تنام عيناي ولا ينام قلبي فكيف ذهب عن الوقت ولم يشعر به وقد تأول بعض أهل العلم على أن ذلك خاص في أمرالحدث وذلك أن النائم قد يكون منه الحدث وهو لا يشعر به وليس كذلك رسول الله ﷺ فإن قلبه لا ينام حتى لا يشعر بالحدث إذا كان منه.
وقد قيل إن ذلك من أجل أنه يوحى إليه في منامه فلا ينبغي لقلبه أن ينام، فأما معرفة الوقت واثبات رؤ ية الشمس طالعة فإن ذلك إنما يكون دركه ببصر العين دون القلب فليس فيه مخالفة للحديث الآخر والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن عبد الله بن رباح الأنصاري حدثنا أبو قتادة أن النبي ﷺ كان في سفر له فمال وملت معه فقال انظر فقلت هذا راكب هذان راكبان هؤلاء ثلاثة حتى صرنا سبعة فقال احفظوا علينا صلاتنا، يَعني الفجر فضرب على آذانهم فما أيقظهم إلاّ حر
стр. 138
الشمس فقاموا فساروا هُنيَّة ثم نزلوا فتوضؤوا وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر ثم صلوا الفجر وركبوا فقال بعضهم لبعض قد فرطنا في صلاتنا فقال النبي ﷺ : أنه لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت.
قلت قد ذكر الأذان في هذا الحديث كما ترى واسناده جيد فهو أولى.
وأما هذه اللفظة وهي قوله ومن الغد للوقت فلا أعلم أحدا من الفقهاء قال بها وجوباً ويشبه أن يكون الأمر به استحبابا ليحرز فضيلة الوقت في القضاء. وقوله ضرب على آذانهم كلمة فصيحة من كلام العرب معناه أنه حجب الصوت والحس عن أن يلجا آذانهم فينتبهوا ومن هذا قوله تعالى ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا﴾ [الكهف: ١١] .
قال أبو داود: حدثنا علي بن نصر حدثنا وهب بن جرير حدثنا الأسود بن شيبان حدثنا خالد بن سمير حدثنا أبو قتادة الأنصاري قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وذكر القصة قال فلم يوقظنا إلاّ الشمس طالعة فقمنا وهلين لصلاتنا فقال النبي ﷺ : رويدا رويدا حتى تقالت الشمس أو تعالت الشك مني قال رسول الله ﷺ من كان منكم يركع ركعتي الفجر فليركعها فركعوا ثم أمر رسول الله ﷺ أن ينادوا بالصلاة فنودي بها. فقام فصلى بنا فلما انصرف قال ألا إنا بحمد الله لم نكن في شيء من أمرالدنيا يشغلنا عن صلاتنا ولكن أرواحنا كانت بيد الله فأرسلها أنَّى شاء فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها.
قوله فقمنا وهلين يريد فزعين يقال وهل الرجل يوهل إذا فزع لشيء يصيبه
стр. 139
وقوله تقالت الشمس يريد استقلالها في السماء وارتفاعها إن كانت الرواية هكذا وهو في سائر الروايات تعالت ووزنه تفاعلت من العلو، وفى أمره ﷺ إياهم بركعتي الفجر قبل الفريضة دليل على أن قوله فليصلها إذا ذكرها ليس على معنى تضييق الوقت فيه وحصره بزمان الذكر حتى لا يعدوه بعينه ولكنه على أن يأتي بها على حسب الإمكان بشرط أن لا يغفلها ولا يتشاغل عنها بغيرها.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا همام عن قتادة عن أنس أن النبي ص قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلاّ ذلك.
قوله لا كفارة لها إلاّ ذلك يريد أنه لا يلزمه في تركها غرم أوكفارة من صدقة أو نحوها كما يلزمه في ترك الصوم في رمضان من غير عذر الكفارة وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئا من نسكه كفارة وجبران من دم وإطعام ونحوه.
وفيه دليل على أن أحدا لا يصلي عن أحد كما يحج عنه وكما يؤدي عنه الديون ونحوها وفيه دليل أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم ونحوه.
ومن باب في بناء المسجد
قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح أنا سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري، عَن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ما أمرت بتشييد المساجد. قال ابن عباس لتُزَخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى.
التشييد رفع البناء وتطويله وقوله لتُزَخرفُنَّها معناه لتزيننها، وأصل الزخرف الذهب يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل، والمعنى أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم يقول فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم
стр. 140
إذا طلبتم الدنيا بالدين وتركتم الإخلاص في العمل وصار أمركم إلى المراياة بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزيينها.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ومجاهد بن موسى وهو أتم قالا: حَدَّثنا يعقوب بن إبراهيم حدثني أبي عن صالح حدثنا نافع عن ابن عمر أن المسجد كان مبنيا على عهد رسول الله ﷺ باللبن وسقفه بالجريد وعمده خُشُب النخل وغيَّره عثمان وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة.
العمد السواري يقال عمود وعمد بفتح العين والمين وضمها والقصة شيء شبه الجص وليس به.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث، عَن أبي التيَّاح عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ أمر ببناء المسجد فأرسل إلى بني النجار فقال: ثامنوني بحائطكم فقالوا. والله لا نطلب ثمنه إلاّ إلى الله. قال أنس وكان فيه قبور المشركين فأمر بها رسول الله ﷺ فنُبشت وذكر الحديث.
قلت: فيه من الفقه أن المقابر إذا نبشت ونقل ترابها ولم يبق هناك نجاسة تخالط أرضها فإن الصلاة فيها جائزة وإنما نهى ﷺ عن الصلاة في المقبرة إذا كان قد خالط ترابها صديد الموتى ودماؤهم فإذا نقلت عنها زال ذلك الاسم وعاد حكم الأرض إلى الطهارة.
وفيه من العلم أنه أباح نبش قبور الكفار عند الحاجة إليه وقد روي عنه ﷺ أنه أمر أصحابه بنبش قبر أبي رغال في طريقه إلى الطائف وذكر لهم أنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه فأخرجوه. وفي أمره بنبش قبور المشركين بعدما جعل أربابها تلك البقعة لرسول الله ﷺ دليل على أن الأرض التى يدفن فيها
стр. 141
الميت باقية على ملك أوليائه. وكذلك ثيابه التي يكفن فيها وأن النباش سارق من حرز في ملك مالك ولوكان موضع القبر وكفن الميت مبقَّى على ملك الميت حتى ينقطع ملك الحي عنه من جميع الوجوه لم يكن يجوز نبشها واستباحتها بغير إذن مالكها.
وفيه دليل أن من لا حرمة لدمه في حياته فلا حرمة لعظامه بعد مماته، وقد قال ﷺ : كسر عظم المسلم ميتاً ككسره حياً فكان دلالته أن عظام الكفار بخلافه.
ومن باب المساجد تبنى في الدور
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطَّيب.
قلت في هذا حجة لمن رأى أن المكان لا يكون مسجدا حتى يسبّله صاحبه وحتى يصلي الناس فيه جماعة ولو كان الأمر يتم فيه بأن يجعله مسجدا بالتسمية فقط لكان مواضع تلك المساجد في بيوتهم خارجة عن أملاكهم فدل أنه لا يصح أن يكون مسجداً بنفس التسمية.
وفيه وجه آخر وهو أن الدور يراد بها المحال التي فيها الدور.
ومن باب الصلاة عند دخول المسجد
قال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم، عَن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين قبل أن يجلس.
قلت: فيه من الفقه أنه إذا دخل المسجد كان عليه أن يصلي ركعتين تحية
стр. 142
المسجد قبل أن يجلس وسواء كان ذلك في جمعة أو غيرها كان الإمام على المنبر أو لم يكن لأن النبي ﷺ عم ولم يخص.
وقد اختلف الناس في هذا فقال بظاهر الحديث الشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق وإليه ذهب الحسن البصري ومكحول وقالت طائفة إذا كان الإمام على المنبر جلس ولا يصلي. وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وأصحاب الرأي وهو قول مالك والثوري.
ومن باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر الجثمي حدثنا حيوة بن شريح قال: سمعت أبا الأسود يقول أخبرني أبو عبد الله مولى شداد أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا.
قوله ينشد معناه يطلب يقال نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها وفى رواية أخرى أنه قال لرجل كان ينشد ضالة في المسجد أيها الناشد غيرك الواجد ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من البيع والشراء ونحو ذلك من أمور معاملات الناس واقتضاء حقوقهم، وقد كره بعض السلف المسألة في المسجد. وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد.
ومن باب كراهية البزاق في المسجد
قال أبو داود: حدثنا يحيى بن الفضل السجستاني وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان بهذا الحديث وهذا لفظ يحيى بن الفضل حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن
стр. 143
الصامت قال أتينا جابر بن عبد الله وهو في مسجده فقال أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا وفي يده عُرجون ابن طاب فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة فأقبل عليها فحَتَّها بالعرجون ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا يبسُقن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبسُق عن يساره تحت رجله اليسرى فإن عجلت به مادرة فليقل بثوبه هكذا ووضع على فيه ثم دلكه أروني عبيراً فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخَلوق في راحته فأخذه رسول الله ﷺ ثم لطخ به على أثر النُخامة قال جابر ﵁ فمن هناك جعلتم الخَلوق في مساجدكم.
العرجون عود كباسة النخل وسمي عرجونا لانعراجه وهو انعطافه وابن طاب اسم لنوع من أنواع التمر منسوب إلى ابن طاب كما نسب سائر ألوان التمر فقيل لون ابن حبيق ولون كذا ولون كذا.
وقوله فإن الله قبل وجهه تأويله أن القبلة التي أمره الله عزو جل بالتوجه إليها للصلاة قبل وجهه فليصنها عن النخامة. وفيه إضمار وحذف واختصار كقوله تعالى ﴿وأشربوا في قلوبهم العجلس﴾ [البقرة: ٩٣] أي حب العجل وكقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهل القرية ومثله في الكلام كثير وإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما قيل بيت الله وكعبة الله في نحو ذلك من الكلام.
وفيه من الفقه أن النخامة طاهره ولولم تكن طاهرة لم يكن يأمر المصلي بأن يدلكها بثوبه ولا أعلم خلافا في أن البزاق طاهر إلاّ أن أبا محمد الكُدانى حدثني قال سمعت الساجي يقول كان إبراهيم النخعي يقول البزاق نجس.
стр. 144
ومن باب المشرك يدخل المسجد
قال أبو داود: حدثنا عيسى بن حماد حدثنا الليث عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال ايُّكم محمد ورسول الله ﷺ متكىء بين ظهرانَيْهم فقلنا هذا الأبيض المتكىء فقال له الرجل يا بن عبد المطلب فقال له النبي ﷺ قد أجبتك فقال يا محمد إني سائلك وساق الحديث.
قلت كل من استوى قاعداً على وطاء فهو متكىء والعامة لا تعرف المتكىء إلاّ من مال في قعوده معتمدا على أحد شقيه.
وفي الحديث من الفقه جواز دخول المشرك المسجد إذا كانت له فيه حاجة مثل أن يكون له غريم في المسجد لا يخرج إليه ومثل أن يحاكم إلى قاض وهو في المسجد فإنه يجوز له دخول المسجد لإثبات حقه في نحو ذلك من الأمور. وفي إدخاله المسجد جمله وعقله إياه فيه ثم لم يُهج ولم يمنع منه حجة لقول من زعم إن بول ما يؤكل لحمه من الحيوان طاهر. وقد زعم بعضهم أنه إنما قال له قد أجبتك ولم يستأنف له الجواب لأنه كره أن يدعوه باسم جده وأن ينسبه إليه إذ كان عبد المطلب جده كافرا غير مسلم وأحب أن يدعوه باسم النبوة والرسالة.
قلت وهذا وجه ولكن قد ثبت عنه ﷺ أنه قال يوم حنين حين حمل على الكفار فانهزموا:
أنا النبي لا كذب ...أبا بن عبد المطلب
وقال بعض أهل العلم في هذا إنه لم يذهب بهذا القول مذهب الانتساب إلى شرف
стр. 145
الآباء على سبيل الافتخار بهم ولكنه ذكرهم بذلك رؤيا كان رآها عبد المطلب له أيام حياته وكانت إحدى دلائل نبوته وكانت القصة فيها مشهورة عندهم فعرفهم شأنها وأذكرهم بها وخروج الأمرعلى الصدق فيها والله أعلم.
ومن باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن مجاهد عن عُبيد بن عمير، عَن أبي ذر قال. قال رسول الله ﷺ : جُعلت لي الأرض طهورا ومسجدا.
قوله جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا فيه إجمال وإبهام. وتفصيله في حديث حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا ولم يذكره أبو داود في هذا الباب واسناده جيد حدثونا به عن محمد بن يحيى حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة، عَن أبي مالك عن رِبْعِيّ بنِ حِِرَاش عن حذيفة.
وقد يحتج بظاهر خبر أبي ذر من يرى التيمم جائزا بجميع أجزاء الأرض من جص ونورة وزرنيخ ونحوها. وإليه ذهب أهل العراق. وقال الشافعي لا يجوز التيمم إلاّ بالتراب. قال والمفسر من الحديث يقضي على المجمل.
وإنما جاء قوله جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا على مذهب الامتنان على هذه الأمة بأن رخص لها في الطهور بالأرض والصلاة عليها في بقاعها. وكانت الأمم المتقدمة لا يصلون الا في كنائسهم وبيعهم وإنما سيق هذا الحديث لهذا المعنى. وبيان ما يجوز أن يتطهر به منها مما لا يجوز إنما هو في حديث حذيفة الذي ذكرناه.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد. قال ونا مسدد
следующие страницы →