← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ومن باب كراهية الرشوة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن، عَن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي. قال الشيخ: الراشي المعطي، والمرتشي الآخذ، وإنما يلحقهما العقوبة معاً إذا استويا في القصد والإرادة فرشا المعطي لينال به باطلاً ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلماً فإنه غير داخل في هذا الوعيد. وروي أن ابن مسعود أخذ في شيء وهو بأرض الحبشة فأعطى دينارين حتى خُلي سبيله. وروي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم. وكذلك الآخذ إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه اما على حق يلزمه اداؤه فلا يفعل ذلك حتى يُرشا أو عمل باطل يجب عليه تركه فلا يتركه حتى يصانع ويرشا. ومن باب كيف القضاء قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا شريك عن سماك عن حنش عن علي ﵇ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً فقلت يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء، فقال إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء، قال فما زلت قاضياً أو ما

стр. 1157

أشككت في قضاء بعد. قال الشيخ: فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب وذلك لأنه إذا منعه أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران حتى يسمع كلام الآخر فقد دل على أنه في الغائب الذي لم يحضره ولم يسمع قوله أولى بالمنع، وذلك لإمكان أن يكون معه حجة تبطل دعوى الحاضر. وممن ذهب إلى أن الحاكم لا يقضي على غائب شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وابن أبي ليلى. وقال مالك والشافعي يجوز القضاء على الغائب إذا تبين للحاكم أن فراره واستخفاءه إنما هو فرار من الحق ومعاندة للخصم. واحتج لهذه الطائفة بعضهم بخبر هند، وقوله ﵇ لها خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف؛ وقال إذا كان الخصم حاضر زمانه لا يحكم على أحدهما قبل أن يسمع من صاحبه لجواز أن يكون مع خصمه حجة يدفع بها بينته، فإذا كان الخصم غائباً لم يجز أن يترك استماع قول خصمه الحاضر إلاّ أنه يكتب في القضية أن الغائب على حقه إذا حضر وأقام بينته أو جاء بحجته وهو إذا فعل ذلك فقد استعمل معنى الخبر في استماع قول الخصم الآخر كاستماعه قول الأول. ولو ترك الحكم على الغائب لكان ذلك ذريعة إلى إبطال الحقوق. وقد حكم أصحاب الرأي على الغائب في مواضع. منها الحكم على الميت وعلى الطفل وقال في الرجل يودع الرجل وديعة ثم يغيب فإذا ادعت امرأته النفقة وقدمت المودَع إلى الحاكم قضى لها عليه بها. وقالوا إذا ادعى للشفيع على الغائب أنه باع عقاره وسلم واستوفى الثمن فإنه يقضى له بالشفعة وكل هذا حكم على الغائب.

стр. 1158

ومن باب قضاء القاضي إذا أخطأ قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار. قال الشيخ: قوله ألحن بحجته أي أفطن لها، واللحن مفتوحة الحاء الفطنة؛ يقال لحنت الشيء ألحن له لحَناً ولحن الرجل في كلامه لحناً بسكون الحاء. وفيه من الفقه وجوب الحكم بالظاهر وأن حكم الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وأنه متى أخطأ في حكمه فمضى كان ذلك في الظاهر فأما في الباطن وفي حكم الآخرة فإنه غير ماض. وفيه أنه لا يجوز للمقضي له بالشيء أخذه إذا علم أنه لا يحل له فيما بينه وبين الله، ألا تراه يقول فلا يأخذ منه شيئاً فإنما اقطع له قطعة من النار. وقد يدخل في هذا الأموال والدماء والفروج كان ذلك كله حق أخيه وقد حرم عليه أخذه. وقد أجمع العلماء في هذا في الدماء والأموال وإنما الخلاف في أحكام الفروج فقال أبو حنيفة إذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق وشهد لها شاهدان فقضى الحاكم بالتفرقة بينهما وقعت الفرقة فيما بينها وبين الله وإن كانا شاهدي زور، وجاز لكل واحد من الشاهدين أن ينكحها، وخالفه أصحابه في ذلك. قال وقد تعرض في هذا الباب أمور مما يختلف فيه اعتقاد القاضي وصاحب القضية المحكوم له بها كالرجل يذهب إلى أن الطلاق قبل النكاح لازم فيتزوج المرأة فيحكم له الحاكم بجواز النكاح فلا يسعه فيما بينه وبين الله المقام عليه ويلزمه نصف المهر بالعقد إذا

стр. 1159

حكم به الحاكم عليه. ولو أن رجلاً مات ابن أبيه وخلف أخاه لأبيه وأمه وخلف مالاً فقدم إلى قاض يقول بقول أبي بكر في توريث الجد والجد يرى رأي زيد لم يسعه أن يستبد بالمال دون الاخوة ولا يبيح له القاضي شيئاً هو في علمه أنه حرام عليه. وكذلك هذا فيمن لا يرى توريث ذوي الأرحام في نحو هذا من الأمور. قال أبو داود: حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قالت أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة إلاّ دعواهما، فقال النبي ﷺ فذكر مثله فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لك، فقال لهما النبي ﷺ : أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استَهَما ثم تحالا. قال الشيخ: قوله استهما معناه اقترعا والاستهام الاقتراع ومنه قوله تعالى ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ [الصافات: ٤١١] وفيه دليل على أن الصلح لا يصح إلاّ في الشيء المعلوم ولذلك أمرهما بالتوخي في مقدار الحق ثم لم يقنع فيه بالتوخي حتى ضم إليه القرعة، وذلك أن التوخي إنما هو أكثر الرأي وغالب الظن والقرعة نوع من البينة فهي أقوى من التوخي ثم أمرهما بعد ذلك بالتحليل ليكون تصادرهما عن تعين براءة وافتراقهما عن طيب نفس ورضى. وفيه دليل على أن التحليل إنما يصح فيما كان معلوم المقدار غير مجهول الكمية. ومن باب القاضي يقضي وهو غضبان قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أنه كتب إلى ابنه قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1160

لا يقضي الحاكم بين اثنين وهو غضبان. قال الشيخ: الغضب يغير العقل ويحيل الطباع عن الاعتدال فلذلك أمرالحاكم بالتوقف في الحكم ما دام به الغضب. فقياس ما كان في معناه من جوع مفرط وفزع مدهش ومرض موجع قياس الغضب في المنع من الحكم. ومن باب اجتهاد الرأي في القضاء قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر عن شعبة، عَن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله، قال فبسنة رسول الله ﷺ ، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله، قال اجتهد برأيي ولا آلو فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. قال الشيخ: قوله اجتهد برأيي يريد الاجتهاد في رد القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة ولم يرد الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه أو يخطر بباله عن غير أصل من كتاب أو سنة. وفي هذا إثبات القياس وإيجاب الحكم به. وفيه دليل على أنه ليس للحاكم أن يقلد غيره فيما يريد أن يحكم به وإن كان المقلد أعلم منه وافقه حتى يجتهد فيما يسمعه منه فإن وافق رأيه واجتهاده أمضاه وإلا توقف عنه لأن التقليد خارج من هذه الأقسام المذكورة في الحديث. وقوله لا آلو معناه لا أقصر في الاجتهاد ولا أترك بلوغ الوسع فيه.

стр. 1161

ومن باب في الصلح قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال (ح) وحدثنا أحمد بن عبد الواحد الدمشقي حدثنا مروان، يَعني ابن محمد حدثنا سليمان بن بلال أو عبد العزيز بن محمد شك الشيخ عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الصلح جائز بين المسلمين زاد أحمد إلاّ صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، زاد سليمان بن داود وقال رسول الله ﷺ : المسلمون على شروطهم. قال الشيخ: الصلح يجري مجرى المعاوضات ولذلك لا يجوز إلاّ فيما أوجب المال ولا يجوز في دعوى القذف ولا على دعوى الزوجية وعلى مجهل ولا أن يصالحه من دين له على مال نسيه لأنه من باب الكال بالكال ولا يجوز الصلح في قول مالك على الأقرار، ولا يجوز في قول الشافعي على الإنكار. وجوزه أصحاب الرأي على الأقرار والإنكار معاً. ونوع آخر من الصلح وهو أن يصالحه في مال على بعضه نقداً وهذا من باب الحظ والإبراء وإن كان يدعي صلحاً. وقوله المسلمون على شروطهم فهذا في الشروط الجائزة في حق الدين دون الشروط الفاسدة وهذا من باب ما أمرالله تعالى من الوفاء بالعقود. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عبد الله بن كعب أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك فقال يا كعب، فقال لبيك يا رسول الله

стр. 1162

فأشار له بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب قد فعلت يا رسول الله قال النبي ﷺ : قم فاقضه. قال الشيخ: فيه من الفقه أن للقاضي أن يصلح بين الخصمين وأن الصلح إذا كان على وجه الحط والوضع من الحق يجب نقداً. وفيه جواز ملازمة الغريم واقتضاء الحق منه في المسجد. ومن باب في الشهادات قال أبو داود: حدثنا ابن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا أخبرنا ابن وهب قال أخبرني مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر أن أباه أخبره أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أخبره أن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره أن رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته أو يخبر بشهادته قبل أن يُسألها شك عبد الله بن أبي بكر ايتهما قال. قال الشيخ: أما الشهادة في الحق يدعيه الرجل قبل صاحبه فيخبر بها الشاهد قبل أن يسألها فإنه لا قرار لها ولا يجب تنجيز الحكم بها حتى يستشهده صاحب الحق فيقيمها عند الحاكم، وإنما هذا في الشهادة تكون عند الرجل ولا يعلم بها صاحب الحق فيخبره بها ولا يكتمه إياها. وقيل هذا في الأمانة والوديعة تكون لليتيم لا يعلم بمكانها غيره فيخبره بما يعلمه من ذلك، وقيل هذا مثل في سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد لا يمنعها ولا يؤخرها. وأما قوله ﷺ : يأتي أقوام فيحلفون ولا يستحلفون ويشهدون ولا يستشهدون

стр. 1163

فإنما هو إذا كان على المعنى الأول. وقيل أراد بها الشهادات التي يقطع بها على المغيب فيقال فلان في الجنة وفلان في النار. وفيه معنى التألي على الله تعالى ولذلك ذم وزجر عنه. ومن باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن راشد قال جلسنا لعبد الله بن عمر فخرج إلينا فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال. قال الشيخ: الردغة الوحل الشديد، ويقال ارتدغ الرجل إذا ارتطم في الوحل. وجاء في تفسير ردغة الخبال أنها عصارة أهل النار. ومن باب من ترد شهادته قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا محمد بن راشد حدثنا سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغِمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم. قال الشيخ: قال أبو عبيد لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما فرض الله على عباده وائتمنهم عليه فإنه قد سمى ذلك كله أمانة فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال: ٢٧] فمن ضيع شيئاً مما أمر الله أو ركب شيئاً مما نهاه الله عنه فليس بعدل لأنه قد لزمه اسم الخيانة.

стр. 1164

وأما ذو الغمر فهو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة فرد شهادته للتهمة. وقال أبو حنيفة شهادد على العدو مقبولة إذا كان عدلاً. والقانع السائل والمستطعم وأصل القنوع السؤال، ويقال إن القانع المنقطع إلى القوم لخدمتهم ويكون في حوائجهم كالأجير والوكيل ونحوه. ومعنى رد هذه الشهادة التهمة في جر النفع إلى نفسه لأن التابع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعاً فهي مردودة كمن شهد لرجل على شراء دار وهو شفيعها، وكمن حكم له على رجل بدين وهو مفلس فشهد للمفلس على رجل بدين ونحوه. ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن يرد شهادة الزوج لزوجته لأن ما بينهما من التهمة في جر النفع أكثر، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. والحديث أيضاً حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه لأنه يجر به النفع لما جبل عليه من حبه الميل إليه ولأنه يملك عليه ماله، وقد قال ﵇ لرجل أنت ومالك لأبيك، وذهب شريح إلى جواز شهادة الأب للابن وهو قول المزني وأبو ثور وأحسبه قول داود. ومن باب شهادة البدوي على أهل الأمصار قال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني أخبرنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد عن ابن الهاد عن محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار، عَن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية.

стр. 1165

قال الشيخ: يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصورعلمهم عما يحيلها ويغيرها على جهتها. وقال مالك لا تجوز شهادة البدوي على القروي لأن في الحضارة من يغنيه عن البدوي إلاّ أن يكون في بادية أوقرية. والذي يشهد بدوياً ويدع جيرته من أهل الحضر عندي مريب. وقال عامة العلماء شهادة البدوي إذا كان عدلاً يقيم الشهادة على وجهها جائزة. ومن باب الشهادة في الرضاع قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال حدثني عقبة بن الحارث وحدثنيه صاحب لي عنه وأنا لحديث صاحبي احفظ، قال تزوجت أم يحيى بنت أبي أهاب فدخلت علينا امرأة سوداء فزعمت أنها ارضعتنا جميعاً فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فأعرض عني فقلت يا رسول الله إنها لكاذبة، قال وما يدريك وقد قالت ما قالت دعها عنك. قال الشيخ: قوله وما يدريك تعليق منه القول في أمرها، وقوله دعها عنك إشارة منه بالكف عنها من طريق الورع لا من طريق الحكم، وليس في هذا دلالة على وجوب قبول قول المرأة الواحدة في هذا وفيما لا يطلع عليه الرجال من أمر النساء لأن من شرط الشاهد من كان من رجل أو امرأة أن يكون عدلاً وسبل الشهادات أن تقام عند الأئمة والحكام وإنما هذه امرأة جاءته فأخبرته بأمر هو من فعلها وهو بين مكذب لها ولم يكن هذا القول منها

стр. 1166

شهادة عند النبي ﷺ فتكون سبباً للحكم والاحتجاج به في إجازة شهادة المرأة الواحدة في هذه وفيما أشبهه من الباب ساقط. واختلف في عدد من تقبل شهادته من النساء في الرضاع. فقال ابن عباس شهادة المرأة الواحدة تقبل فيما لا يطلع عليه الرجال. وأجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال، وقد روي عن الشعبي والنخعي. وقال عطاء وقتادة لا تجوز في ذلك أقل من أربع نسوة وإليه ذهب الشافعي. وقال مالك تجوز شهادة امرأتين وهو قول ابن أبي ليلى وابن شبرمة. ومن باب شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر قال أبو داود: حدثنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم أخبرنا زكريا عن الشعبي أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدَقوقاء هذه ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ فأحلَفَهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصية الرجل وتركته فأمضى شهادتهما. قال الشيخ: فيه دليل على أن شهادة أهل الذمة مقبولة على وصية المسلم في السفر خاصة وممن روي عنه أنه قبلها في مثل هذه الحالة شريح وإبراهيم النخعي وهو قول الأوزاعي. وقال أحمد لا تقبل شهادتهم إلاّ في مثل هذا الموضع للضرورة. وقال الشافعي لا تقبل شهادة الذمي من جه لا على مسلم ولا على كافر وهو قول مالك. وقال أحمد لا تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض.

стр. 1167

وقال أصحاب الرأي شهادة بعضهم على بعض جائزة والكفر كله ملة واحدة. وقال آخرون شهادة اليهودي على اليهودي جائزة ولا تجوز على النصراني والمجوسي لأنها ملل مختلفة ولا تجوز شهادة أهل ملة على ملة أخرى. هذا قول الشعبي وابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه، وحكي ذلك عن الزهري قال وذلك للعداوة التي ذكرها الله بين هذه الفرق. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن أبي القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بَدَّاء فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوَّصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبنا قال فنزلت فيهم ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ الآية [المائدة: ١٠٦] . قال الشيخ: فيه حجة لمن رأى رد اليمين على المدعي والآية محكمة لم تنسخ في قول عائشة والحسن البصري وعمرو بن شرحبيل، وقالوا المائدة آخر ما نزل من القرآن لم ينسخ منها شيء؛ وتأول من ذهب إلى خلاف هذا القول الآيه على الوصية دون الشهادة لأن نزول الآية إنما كان في الوصية، وتميم الدارى وصاحبه عدي بن بداء إنما كانا وصيين لا شاهدين والشهود لا يحلفون، وقد حلفهما رسول الله ﷺ وإنما عبر بالشهادة عن الأمانة التي تحملاها وهو معنى قوله تعالى ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ [المائدة: ١٠٦] أي أمانة الله، وقالوا معنى قوله ﴿أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ٠٦ ١] أي من غير قبيلتكم وذلك أن الغالب في الوصية أن الموصي يشهد

стр. 1168

أقربائه وعشيرته دون الأجانب والأباعد، ومنهم من زعم أن الآية منسوخة والقول الأول أصح والله أعلم. ومن باب إذا علم الحاكم صدق شهادة الواحد يجوز له أن يقضي به قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس أن الحكم بن نافع حدثهم قال أخبرنا شعيب عن الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرساً من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله ﷺ المشى وابطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه الفرس ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ فقال إن كنت مبتاعاً هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال أو ليس قد ابتعته منك، قال الأعرابي لا والله ما بعتكه فقال النبي ﷺ بلى قد ابتعته منك فطفق الأعرابي يقول هلم شهيداً فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال بم تشهد فقال بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين. قال الشيخ: هذا حديث يضعه كثير من الناس غير موضعه وقد تذرع به قوم من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عنده بالصدق على كل شىء ادعاه، وإنما وجه الحديث ومعناه أن النبي ﷺ إنما حكم على الأعرابي بعلمه إذ كان النبي ﷺ صادقاً باراً في قوله وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد لقوله والاستظهار بها على خصمه فصارت في التقدير شهادته له وتصديقه إياه على قوله كشهادة رجلين في سائر القضايا.

стр. 1169

ومن باب القضاء باليمين والشاهد قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي أن زيد بن الحباب حدثهم، قال: حَدَّثنا سيف المكي قال عثمان عن سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. قال الشيخ: يريد أنه قضى للمدعي بيمينه مع شاهد واحد كأنه أقام اليمين مقام شاهد آخر فصار كالشاهدين. وهذا خاص في الأموال دون غيرها لأن الراوي وقفه عليها، والخاص لا يتعدى به محله ولا يقاس عليه غيره واقتضاء العموم منه غير جائز لأنه حكاية فعل والفعل لا عموم له فوجب صرفه إلى أمر خاص فلما قال الراوي هو في الأموال كان مقصوراً عليه. وقد رأى الحكم باليمين مع الشاهد الواحد أجلة الصحابة وأكثر التابعين. وفقهاء الأمصار، وأباه أصحاب الرأي وابن أبي ليلى، وقد حكي ذلك أيضاً عن النخعي والشعبي. واحتج بعضهم في ذلك بقوله ﵇ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وهذا ليس بمخالف لحديث اليمين مع الشاهد، وإنما هو في اليمين إذا كان مجرداً وهذه يمين مقرونه ببينة فكل واحد منهما غير الأخرى فإذا تباين محلاهما جاز أن يختلف حكماهما. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا عمار بن شعيث بن عبد الله بن الزُّبَيب العنبري حدثني أبي قال سمعت جدي الزبيب يقول بعث رسول الله ﷺ جيشاً إلى بني العنبر فأخذوهم برُكْبة من ناحية الطائف فاستاقوهم إلى نبي الله ﷺ فركبت فسبقتهم إلى النبي ﷺ فقلت السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله

стр. 1170

وبركاته أتانا جندك فأخذونا وقد كنا أسلمنا وخضرمنا آذان النعم فلما قدم بَلْعنبر قال لي نبي الله ﷺ هل لكم بينة على أنكم أسلمتم قبل ان تؤخذوا في هذه الأيام، قلت نعم قال من بينتك قلت سمره رجل من بني العنبر ورجل آخر سماه له فشهد الرجل وأبى سمرة أن يشهد، فقال نبي الله ﷺ قد أبى أن يشهد لك فتحلف مع شاهدك الآخر فقلت نعم فاستحلفني فحلفت بالله لقد أسلمنا يوم كذا وكذا وخضرمنا آذان النعم فقال النبي ﷺ اذهبوا فقاسموهم أنصاف الأموال ولا تمسوا ذراريهم لولا أن الله تعالى لا يحب ضلالة العمل ما رزيناكم عِقالاً. قال الزبيب فدعتني أمي فقالت هذا الرجل أخذ زِربيتي فانصرفت إلى نبي الله، يَعني فأخبرته فقال لي احبسه فأخذت بتلبيبه وقمت معه مكاننا ثم نظر إلينا نبي الله ﷺ قائمين، فقال ما تريد بأسيرك فأرسلته من يدي فقام نبي الله ﷺ فقال للرجل رد على هذا زِربية أمه التي أخذت منها قال يا نبي الله إنها خرجت من يدي قال فاختلع نبي الله ﷺ سيف الرجل فأعطانيه فقال للرجل اذهب فزده آصعا من طعام، قال فزادني آصعا من شعير. قال الشيخ: قوله خضرمنا آذان النعم أي قطعنا أطراف آذانها وكان ذلك في الأموال علامة بين من أسلم وبين من لم يسلم. والمخضرمون قوم أدركوا الجاهلية وبقوا إلى أن أسلموا ويقال إن أصل الخضرمة خلط الشيء بالشيء. وضلالة العمل بطلانه وذهاب نفعه ويقال ضل اللبن في الماء إذا بطل وتلف. وقوله ما رزيناكم عقالاً اللغة الفصيحة ما رزأناكم بالهمز يريد ما أصبنا من أموالكم عقالاً، ويقال ما رزأته زبالاً أي ما أصبت منه ما تحمله نملة، والزربية الطنفسة.

стр. 1171

وفي الحديث استعمال اليمين مع الشاهد في غير الأموال إلاّ أن إسناده ليس بذاك. وقد يحتمل أيضاً أن يكون اليمين قد قصد بها ههنا الأموال لأن الإسلام يعصم المال كما يحقن الدم. وقد ذهب قوم من العلماء إلى إيجاب اليمين مع البينة العادلة. كان شريح والشعبي والنخعي يرون أن يستحلف الرجل مع بينته، واستحلف شريح رجلاً فكأنه تأبى لليمين فقال بئس ما تثني على شهودي وهو قول سوار بن عبد الله القاضي. وقال إسحاق إذا استراب الحاكم أوجب ذلك. ومن باب الرجلين يدعيان شيئاً وليس بينهما بينة قال أبو داود: حدثنا محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده أبي موسى الأشعري أن رجلين ادعيا بعيراً أو دابة إلى النبي ﷺ ليس لواحد منهما بينة فجعله النبي ﷺ بينهما. قال الشيخ: يشبه أن يكون هذا البعير أو الدابة كان في أيديهما معاً فجعله النبي ﷺ بينهما لاستوائهما في الملك باليد ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانه لو كان الشيء في يد غيره. قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام عن قتادة بمعنى إسناده أن رجلين ادعيا بعيراً على عهد النبي ﷺ فبعث كل واحد منهما شاهدين فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين. قال الشيخ: وهذا مروي بالإسناد الأول، إلاّ أن الحديث المتقدم أنه لم يكن لواحد منهما بينة وفي هذا إن كل واحد منهما قد جاء بشاهدين فاحتمل

стр. 1172

أن يكون القصة واحدة، إلاّ أن الشهادات لما تعارضت تساقطت فصارا كمن لا بينة له وحكم لهما بالشيء نصفين بينهما لاستوائهما في اليد. ويحتمل أن يكون البعير في يد غيرهما، فلما أقام كل واحد منهما شاهدين على دعواه نزع الشيء من يد المدعى عليه ودفع إليهما. وقد اختلف العلماء في الشيء يكون في يدي الرجل فيتداعاه اثنان ويقيم كل واحد منهما بينة فقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة صار له. وكان الشافعي يقول به قديماً ثم قال في الجديد فيه قولان أحدهما يقضي به بينهما نصفين وبه قال أصحاب الرأي وسفيان الثوري. والقول الآخر يقرع بينهما وأيهما خرج سهمه حلف لقد شهد شهوده بحق ثم يقضي له به. وقال مالك لا أحكم به لواحد منهما إذا كان في يد غيرهما، وحكي عنه أنه قال هو لأعدلهما شهوداً وأشهرهما بالصلاح. وقال الأوزاعي يؤخذ بأكثر البينتين عدداً، وحكي عن الشعبي أنه قال هو بينهما على حصص الشهود. قال أبو داود: حدثنا محمد بن منهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن خِلاس عن أبى رافع، عَن أبي هريرة أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي ﷺ ليس لواحد منهمإ بينة، فقال النبي ﷺ استهما على اليمين ما كان أحبا ذلك أو كرها. قال الشيخ: معنى الاستهام هنا الاقتراع يريدا أنهما يقترعان فأيهما خرجت

стр. 1173

له القرعة حلف وأخذ ما ادعاه، وروي ما يشبه هذا عن علي ﵁ قال حنش بن المعتمر أتي علي ببغل وجد في السوق يُباع، فقال رجل هذا بغلي لم ابع ولم أهب ونزع على قال بخمسة يشهدون، قال وجاء آخر يدعيه يزعم أنه بغله وجاء بشاهدين، فقال علي ﵁ إن فيه قضاءً وصلحاً وسوف أبين لكم ذلك كله، أما صلحه أن يباع البغل فيقسم ثمنه على سبعة أسهم لهذا خمسة ولهذا اثنان، وإن لم يصطلحوا إلاّ القضاء فإنه يحلف أحد الخصمين أنه بغله ما باعه ولا وهبه فإن تشاححتما أيكم يحلف أقرعنا بينكما على الحلف فأيكما قرع حلف قال فقضى بهذا وأنا شاهد. ومن باب الرجل يحلف على علمه فيما غاب عنه قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي عن أبيه قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله ﷺ فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق فقال النبي ﷺ للحضرمي ألك بينة قال لا، قال فلك يمينه، قال يا رسول الله أنه فاجر ليس يبالي ما حلف ليس يتورع من شيء، فقال ليس لك منه إلاّ ذلك. قال الشيخ: فيه من الفقه أن المدعى عليه يبرأ باليمين من دعوى صاحبه، وفيه أن يمين الفاجر كيمين البر في الحكم. وفيه دليل على سقوط التباعة فيما يجري بين الخصمين من التشاجر والتنازع إذا ادعى على الآخر الظلم والاستحلال ما لم يعلم خلافه.

стр. 1174

ومن باب الحبس في الدين وغيره قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى حدثنا عبد الله بن المبارك عن وَبْر بن أبي دُليلة عن محمد بن ميمون عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال ليُّ الواجد يُحِل عرضه وعقوبته. قال ابن المبارك يحل عرضه أي يغلظ له، وعقوبته يحبس له. قال الشيخ: في الحديث دليل على أن المعسر لا حبس عليه لأنه إنما أباح حبسه إذا كان واجداً والمعدم غير واجد فلا حبس عليه. وقد اختلف الناس في هذا فكان شريح يرى حبس الملي والمعدم، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال مالك لا حبس على معسر إنما حظه الإنظار. ومذهب الشافعي ان من كان ظاهر حاله العسر فلا يحبس، ومن كان ظاهر حاله اليسار حبس إذا امتنع من أداء الحق. ومن أصحابه من يدعي فيه زيادة شرط وقد بينه. قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ حبس رجلاً في تهمة. قال الشيخ: فيه دليل على أن الحبس على ضربين حبس عقوبة وحبس استظهار. فالعقوبة لا تكون إلاّ في واجب. وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به عما وراءه. وقد روي أنه حبس رجلاً في تهمة ساعة من نهار ثم خلى سبيله. ومن باب القضاء قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة عن بشير

стр. 1175

بن كعب العدوي، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا تدارأتم في طريق فاجعلوه سبعة أذرع. قال الشيخ: هذا في الطرق الشارعة والسلُك النافذة التي كثر فيها المارة أمر بتوسعتها لئلا تضيق عن الحمولة دون الأزقة الروابع التي لا تنفذ ودون الطرق التي يدخل منها القوم إلى بيوتهم إذا اقتسم الشركاء بينهم ربعا وأحرزوا حصصهم وتركوا بينهم طريقاً يدخلون منه إليها. ويشبه أن يكون هذا على معنى الارفاق والاستصلاح دون الحصر والتحديد. قال أبو داود: حدثنا مسدد وابن أبي خلف قالا: حَدَّثنا سفيان عن الزهري قال: قال رسول الله ﷺ إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه. فنكَسوا فقال مالي أراكم قد أعرضتم لألقينها بين أكتافكم. قال الشيخ: عامة العلماء يذهبون في تأويله إلى أنه ليس بإيجاب يحمل عليه الناس من جهة الحكم، وإنما هو من باب المعروف وحسن الجوار، إلاّ أحمد بن حنبل فإنه رآه على الوجوب وقال على الحكام أن يقضوا به على الجار ويمضوه عليه إن امتنع منه. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود العتَكي حدثنا حماد حدثنا واصل مولى أبي عيينة، قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي يحدث عن سمرة بن جندب أنه كانت له عَضدُ من نخل في حائط رجل من الأنصار قال ومع الرجل أهله قال فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه فطلب إليه يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال فهبه له ولك كذا وكذا أمراً رغبه فيه فأبى

стр. 1176

فقال أنت مُضار فقال رسول الله ﷺ للأنصاري اذهب فاقلع نخله. قال الشيخ: رواه أبو داود عُضداً وإنما هو عضيد من نخيل يريد نخلا لم تنسق ولم تطل، قال الأصمعي إذا صار للنخلة جذعة يتناول منه المتناول فتلك النخلة العضيد وجمعه عضيدات. وفيه من العلم أنه أمر بإزالة الضرر عنه وليس في هذا الخبر أنه قلع نخله. ويشبه أن يكون أنه إنما قال ذلك ليردعه به عن الأضرار. قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا الليث عن الزهري عن عروة أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلاً خاصم الزبير في شِراج الحرة التي يسقون بها فقال الأنصاري سرح الماء فأبى عليه الزبير، فقال النبي ﷺ للزبير اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، قال فغضب الأنصاري فقال يا رسول الله إن كان ابن عمتك. فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر، فقال الزبير فوالله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥] . قال الشيخ: شراج الحرة مجاري الماء الذي يسيل منها واحده شَرْج، ومنه قول الشاعر يصف دلواً: قد سقطت في قصة من شرج ... ثم استقلت مثل شدق العلج وفيه من الفقه أن أصل المياه الأودية والسيول التي لا تملك منابعها ولم تستنبط بحفر وعمل الإباحه وأن الناس شرع سواء في الارتفاق بها، وأن من سبق إلى شيء منها فأحرزه كان أحق به من غيره.

стр. 1177

وفيه دليل على أن أهل الشرب الأعلى مقدمون على من هو أسفل لسبقه إليه وأنه ليس للأعلى أن يحبسه عن الأسفل إذا أخذ حاجته منه. فأما إذا كان أصل منبع الماء ملك لقوم وهم فيه شركاء أو كانت أيديهم عليه معاً فإن الأعلى والأسفل فيه سواء، فإن اصطلحوا على أن يكون نوباً بينهم فهو على ما تراضوا به وإن تشاحوا اقترعوا فمن خرجت له القرعة كان مبدوءاً به. وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فذهب بعضهم إلى أن القول الأول إنما كان من رسول الله ﷺ على وجه المشورة للزبير وعلى سبيل المسألة في أن يطيب نفساً لجاره الأنصاري دون أن يكون ذلك منه حكماً عليه، فلما خالفه الأنصاري حكم عليه بالواجب من حكم الدين. وذهب بعضهم إلى أنه قد كفر حين ظن برسول الله ﷺ المحاباة للزبير إذ كان ابن عمته وإن ذلك القول منه كان ارتداداً عن الدين، وإذا ارتد عن الإسلام زال ملكه وكان فيئاً فصرفه رسول الله ﷺ إلى الزبير إذ كان له أن يضع الفيء حيث أراه الله تعالى. وفيه مسند لمن رأى جواز نسخ الشيء قبل العمل به. كتاب العلم ومن باب فضل العلم قال أبو داود: حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا عبد الله بن داود قال سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة يحدث عن داود بن جميل عن كثير بن قيس قال كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فجاءه رجل فقال با أبا الدرداء إني

стр. 1178

جئتك من مدينة الرسول ﷺ لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ ما جئت لحاجة، قال فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وأن العلماء ورثة الأنبياء؛ وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر. قال الشيخ: قوله إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم يتأول على وجوه أحدها أن يكون وضعها الأجنحة بمعنى التواضع والخشوع تعظيماً لحقه وتوقيراً لعلمه كقوله تعالى ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [الإسراء: ٢٤] وقيل وضع الجناح معناه الكف عن الطيران للنزول عنده كقوله ما من قوم يذكرون الله إلاّ حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة. وقيل معناه بسط الجناح وفرشها لطالب العلم لتحمله عليها فتبلغه حيث يؤمه ويقصده من البقاع في طلبه ومعناه المعونه وتيسير الننبعي له في طلب العلم والله أعلم. وقيل في قوله وتستغفر له الحيتان في جوف الماء إن الله قد قيض للحيتان وغيرها من أنواع الحيوان بالعلم على ألسنة العلماء أنواعاً من المنافع والمصالح والارفاق فهم الذين بينوا الحكم فيها فيما يحل ويحرم منها وارشدوا إلى المصلحة في بابها وأوصوا بالإحسان إليها ونفي الضرر عنها فألهمها الله الاستغفار للعلماء مجازاة على حسن صنيعهم بها وشفقتهم عليها.

стр. 1179

ومن باب كتابة العلم قال أبو داود: حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حَدَّثنا يحيى عن عبيد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال كنت اكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا تكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك إلى رسول الله ﷺ فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حق. قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي أخبرنا أبو أحمد حدثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث فأمر إنساناً فيكتبه، فقال له زيد إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه. قال الشيخ: يشبه أن يكون النهي متقدماً وآخر الأمرين الإباحة، وقد قيل أنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارىء فأما أن يكون نفس الكتاب محظوراً وتقييد العلم بالخط منهياً عنه فلا. وقد أمر رسول الله ﷺ أمته بالتبليغ وقال ليبلغ الشاهد الغائب فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ ولم يؤمن ذهاب العلم وأن يسقط أكثر الحديث فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، وللنسبان من طبع أكثر البشر والحفظ غير مأمون عليه الغلط، وقد قال ﷺ لرجل شكى إليه سوء الحفظ استعن بيمينك، وقال اكتبوها لأبى شاه خطبة خطبها فاستكتبها وقد كتب رسول الله ﷺ كتباً في الصدقات والمعاقل والديات أو كتبت عنه فعمل بها

стр. 1180

الأمة وتناقلتها الرواة ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم والله أعلم. ومن باب كراهية منع العلم قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا علي بن الحكم عن عطاء، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة. قال الشيخ: الممسك عن الكلام مُمَثَّل بمن ألجم نفسه كما يقال التقى ملجم وكقول الناس كلم فلان فلاناً فاحتج عليه بحجة ألجمته أي أسكتته. والمعنى أن الملجم لسانه عن قول الحق والاخبار عن العلم والاظهار له يعاقب في الآخرة بلجام من نار. وخرج هذا على معنى مشاكلة العقوبة الذنب كقوله تعالى ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥] . قال وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ويتعين عليه فرضه كمن رأى كافراً يريد الإسلام يقول علموني ما الإسلام وما الدين. وكمن يرى رجلاً حديث العهد بالإسلام لا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها يقول علموني كيف أصلي. وكمن جاء مستفتياً في حلال أو حرام يقول افتوني وارشدوني فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجواب عما سألوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك آثماً مستحقاً للوعيد والعقوبة وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها.

стр. 1181

وسئل الفضيل بن عياض عن قوله ﷺ طلب العلم فريضة على كل مسلم، فقال كل عمل كان عليلت فرضاً فطلب علمه عليك فرض،، وما لم يكن العمل به عليك فرضاً فليس طلب علمه عليك بواجب. ومن باب توقي الفتيا قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا عيسى عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية أن النبي ﷺ نهى عن الغَلوطات. قال الشيخ: وقد روي أنه نهى عن الأغلوطات، قال الأوزاعي هي شرار المسائل. والأغلوطات واحدها أغلوطة وزنها افعولة من الغلط كالأحموقة من الحُمق والأسطورة من السطر، فأما الغلوطات فواحدها غَلوطة اسم مبني من الغلط كالحلوبة والركوبة من الحلب والركوب. والمعنى أنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليُستزلوا بها ويستسقط رأيهم فيها. وفيه كراهية التعمق والتكلف كما لا حاجه للإنسان إليه من المسألة ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به. وقد روينا، عَن أبي بن كعب أن رجلاً سأله عن مسألة فيها غموض فقال هل كان هذا بعد قال لا فقال امهلني إلى أن يكون. وسأل رجل مالك بن أنس عن رجل شرب في الصلاة ناسياً فقال ولم لم يأكل ثم.، قال: حَدَّثنا الزهري عن علي بن حسين أن النبي ﷺ قال إن من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه. ومن باب نشر العلم قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني عمر بن سليمان من

стр. 1182

ولد عمر بن الخطاب عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: نضر الله امرأً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. قال الشيخ: قوله نضر الله معناه الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة يقال بتخفيف الضاد وتثقيلها وأجودهما التخفيف. وفي قوله رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه دليل على كراهة اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط والاستدلال لمعاني الكلام من طريق التفهم وفي ضمنه وجوب التفقه والحث على استنباط معاني الحديث واستخراج المكنون من سره. ومن باب الحديث عن بني إسرائيل قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثني علي بن مُسهر عن محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. قال الشيخ: ليس معناه إباحة الكذب في أخبار بني إسرائيل ورفع الحرج عمن نقل عنهم الكذب، ولكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ وإن لم يتحقق صحة ذلك بنقل الإسناد، وذلك لأنه أمر قد تعذر في اخبارهم لبعد المسافة وطول المدة ووقوع الفترة بين زماني النبوة. وفيه دليل على أن الحديث لا يجوز عن النبي ﷺ إلاّ بنقل الإسناد والتثبت فيه. وقد روى الدراوردي هذا الحديث عن محمد بن عمرو بزيادة لفظ دل بها على صحة هذا المعنى ليس في رواته علي بن مسهر الذي رواها أبو داود، عَن أبي هريرة

стр. 1183

قال: قال رسول الله ﷺ حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج حدثوا عني ولا تكذبوا علي. ومعلوم أن الكذب على بني إسر ائيل لا يجوز بحال فإنما أراد بقول وحدثوا عني ولا تكذبوا عليّ أي تحرزوا من الكذب عليّ بأن لا تحدثوا عني إلاّ بما يصح عندكم من جهة الإسناد الذي به يقع التحرز عن الكذب عليّ. ومن باب في القصص قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد حدثنا أبو مسهر حدثنا عباد بن عباد الخواص عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عمرو بن عبد الله السيباني عن عوف بن مالك الأشجعي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقص إلاّ أمير أو مأمور أو مختال. قال الشيخ: بلغني عن ابن سريج أنه كان يقول هذا في الخطبة وكان الأمراء يتلون الخطب فيعظون النلس ويذكرونهم فيها فأما المأمور فهو من يقيمه الإمام خطيباً فيعظ الناس ويقص عليهم. فأما المختال فهو الذي نصب لذلك نفسه من غير أن يؤمر له ويقص على الناس طلباً للرياسة فهو يرائي بذلك ويختال. وقد قيل إن المتكلمين على الناس ثلاثة أصناف مذكر، وواعظ، وقاص. فالمذكر الذي يذكر الناس آلاء الله ونعماءه ويبعثهم به على الشكر له. والواعظ يخوفهم بالله وينذرهم عقوبته فيردعهم به عن المعاصي. والقاص هو الذي يروي لهم أخبار الماضين ويسرد عليهم القصص فلا يأمن أن يزيد فيها أو ينقص. والمذكر والواعظ مأمون عليهما هذا المعنى.

стр. 1184

كتاب اللباس ومن باب ما يدعى إذا لبس جديداً قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن الجراح الآذني حدثنا أبو النَّضر حدثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص أن رسول الله ﷺ أتي بكسوة فيها خميصة صغيرة فقال من ترون أحق بهذه فسكت القوم فقال ائتوني بأم خالد فأتي بها فألبسها ثم قال أبْلي وأخلقي. قال الشيخ: الخميصة قال الأصمعي هي ثياب تكون من خز أو صوف معلمة. ومن باب لبس الشعر والصوف قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد الرملي وحسين بن علي قالا: حَدَّثنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂ قالت خرج رسول الله ﷺ وعليه مِرط مرحَّل من شعر أسود. قال الشيخ: المرط كساء يؤتزر به، قال أبو عبيدة المرط قد يكون من صوف ومن خز، والمرحل هو الذي فيه خطوط، ويقال إنما سمي مرحلاً لأن عليه تصاوير رحل وما يشبهه. ومن باب في الحرير قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن ابن عون قال سمعت أبا صالح يحدث عن علي ﵁ قال أهديت لرسول الله ﷺ حلة سُيَراء فأرسل إلي بها فلبستها فأتيته فرأيت الغضب في وجهه وقال إني لم أرسل بها إليك لتلبسها وأمرني فاطرتها بين نسائي.

стр. 1185

قال الشيخ: قوله حلة سيراء هي المضلعة بالحرير، وقوله فاطرتها بين نسائي يريد قسمتها بينهن بأن شققتها وجعلت لكل واحدة منهن سقة، يقال طار لفلان في القسمة سهم كذا أي طار له ووقع في حصته قال الشاعر: فما طار لي في القسم إلاّ ثمينها ومن باب في الكراهة قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القَسيِّ وعن لبس المعصفر وعن تختم الذهب وعن القراءة في الركوع. قال الشيخ: القسي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حره، ويقال إنها منسوبة إلى بلاد يقال لها القسي مفتوحة القاف مشددة السين، ويقال إنها القزية أبدلوا الزاي سيناً وإنما حرمت هذه الأشياء على الرجال دون النساء. وأما القراءة في الركوع فإنما نهي من أجل أن الركوع محل التسبيح والذكر بالتعظيم، وإنما محل القراءة القيام فكره أن يجمع بينهما في محل واحد ليكون كل واحد منهما في موضعه الخاص به والله أعلم. وقد كره للنساء أن يتختمن بالفضة لأن ذلك من زي الرجال فإذا لم يجدن ذهباً فليصفرنه بزعفران ونحوه. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد عن أنس بن مالك ﵁ أن ملك الروم أهدى إلى رسول الله ﷺ مُسْتقة من سندس فلبسها فكأني انظر إلى يديه تذبذبان ثم بعث بها إلى جعفر ﵁. قال الشيخ: قال الأصمعي المساتق فراء طوال الأكمام واحدتها مستقة، قال وأصلها

стр. 1186

بالفارسية مشته فعربت. قال الشيخ: ويشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس لأن نفس الفروة لا تكون سندساً. وقوله تذبذبان معناه تحركان وتضطربان يريد الكمين. قال أبو داود: حدثنا مخلد بن خالد حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين أن نبى الله ﷺ قال لا اركب الأُرجُوان ولا ألبس المعصفر ولا ألبس القميص المكفف بالحرير. قال الشيخ: الأرجوان الأحمر وأراه أراد به المياثر الححر وقد تتخذ من ديباج وحرير، وقد ورد فيه النهي لما في ذلك من السرف وليست من لباس الرجال. قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: حَدَّثنا شعية، عَن أبي إسحاق عن هُبيرة عن علي كرم الله وجهه قال نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب وعن لبس القَسِّي والمبثرة. قال الشيخ: إنما سميت هذه المراكب مياثر لوثارتها ولينها وكانت من مراكب العجم، والمكفف من الحرير ما اتخذ جيبه من حرير وكان لذيله وأكمامه كفاف منه. قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب أخبرنا المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس، عَن أبي الحصين الهيثم بن شفي، عَن أبي ريحانة قال نهى رسول الله ﷺ عن عشر عن الوشْر والوشم وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار وعن مكامعة المرأة المرأة وعن النهبى وركوب النمور ولبوس الخاتم إلاّ لذي سلطان. قال الشيخ: الوشر معالجة الأسنان بما يحددها تفعله المرأة المسنة تشبه بالشواب

стр. 1187

الحديثات السن، والوشم أن تغرز اليد بالإبرة ثم يحشى كحلاً أو غيره من خضرة أو سواد. وأما المكامعة فهي المضاجعة وروى أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال المكامعة مضاجعة العراة المجرمين، والمكاعمة تقبيل أفواه المحظورين، وأخذ الأول من الكميع، والكمع وهو الضجيج، والأخرى من الكعم وهو شد فم البعير لئلا يعض ولئلا ينبح وأنشدنا: هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح ونهيه عن ركوب النمور قد يكون لما فيه من الزينة والخيلاء ويكون لأنه غير مدبوغ لأنه إنما يراد لشعره والشعر لا يقبل الدباغ. ويشبه أن يكون إنما كره الخاتم لغير ذي سلطان لأنه يكون حينئذ زينة محضة لا لحاجة ولا لأرب غير الزينة والله أعلم. ومن باب الحرير للنساء قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عَن أبي أفلح الهمداني، عَن أبي رزين أنه سمع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول إن نبي الله ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال إن هذين حرام على ذكور أمتي. قال الشيخ: قوله إن هذين إشارة إلى جنسهما لا إلى عينهما فقط. ومن باب في الحمرة قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا هشام بن الغاز عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنية

стр. 1188

فالتفت إليّ وعليَّ رَيطة مضرجة بالعصفر قال ما هذه الريطة فعرفت ما كره فأتيت أهلي وهم يسجرون تنوراً فقذفتها فيه ثم أتيت من الغد فقال يا عبد الله ما فعلت الريطة فأخبرته، قال أفلا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس بها للنساء. قال الشيخ: المضرج الذي ليس صبغه بالمشبع العام وإنما هو لطخ علق به، ويقال تضرج الثوب إذا تلطخ بدم ونحوه، والريطة ملاءة ليست بلفقتين إنما هي نسج واحد. ومن باب الرخصة في ذلك قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة، عَن أبي إسحاق عن البراء قال كان رسول الله ﷺ له شعر يبلغ شحمة أذنيه ورأيته في حلة حمراء لم أر شيئاً أحسن منه. قال الشيخ: قد نهى رسول الله ﷺ الرجال عن لبس المعصفر وكره لهم الحمرة في اللباس فكان ذلك منصرفاً إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج فغير داخل في النهي. والحلل إنما هي برود اليمن حمر وصفر وخضر وما بين ذلك من الألوان وهي لا تصبغ بعد النسج ولكن يصبغ الغزل ثم يتخذ منه الحلل وهي العصب وسمي عصباً لأن غزله يعصب ثم يصبغ. ومن باب لبسة الصماء قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد، عَن أبي الزبير عن جابر قال نهى رسول الله ﷺ عن الصماء والاحتباء في ثوب واحد.

стр. 1189

قال الشيخ: قال الأصمعي اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوبه فيجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانباً فيخرج منه يده وربما اضطجع على هذه الحالة. قال أبو عبيد كأنه يذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه وأن يقيه بيديه ولا يقدر على ذلك بإدخاله إياهما في ثيابه فهذا كلام العرب. وأما تفسير الفقهاء فإنهم يقولون هو أن يشتمل الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره ويرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه، قال والفقهاء اعلم بالتأويل في هذا وذلك أصح في الكلام والله أعلم. وأما نهيه عن الاحتباء في ثوب واحد فإنه إنما يكره ذلك إذا لم يكن بين فرجه وبين السماء شيء يواريه، وقد روي هذا مفسراً في الحديث. ومن باب إسبال الازار قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى، عَن أبي غفار، عَن أبي تميمة الهُجيمي، عَن أبي جُري جابر بن سُليم، قال رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئاً إلاّ صدروا عنه، قلت من هذا قالوا رسول الله ﷺ قال قتلت عليك السلام يا رسول الله مرتين، قال لا تقل عليك السلام، عليك السلام تحية الميت، قل السلام عليك، وذكر الحديث بطوله. قال الشيخ: قوله عليك السلام تحية الميت يوهم أن السنة في تحية الميت أن يقال له عليك السلام كما يفعله كثير من العامة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل المقبرة، فقال السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، فقدم الدعاء على اسم المدعو له كهو في تحية الأحياء، وإنما قال ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة

стр. 1190

منهم في تحية الأموات إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء وهو مذكور في أشعارهم كقول الشاعر: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما وكقول الشماخ: عليك سلام من أديم وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق فالسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات بدليل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن مدرك، عَن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن خَرَشة بن الحر، عَن أبي ذر عن النبي ﷺ قال ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قلت من هم يا رسول الله قد خابوا وخسروا فأعادها ثلاثاً، قلت من هم خابوا وخسروا قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر. ورواه أبو داود من طريق الأعمش عن سليمان بن مُسهر عن خرشة بن الحر، عَن أبي ذر قال المنان الذي لا يعطي شيئاً إلاّ منَّه. قال الشيخ: إنما نهى عن الإسبال لما فيه من النخوة والكبر. والمنان يتأول على وجهين: أحدهما من المنة وهي إن وقعت في الصدقة أبطلت الأجر، وإن كانت في المعروف كدرت الصنيعة وأفسدتها. والوجه الآخر أن يراد بالمن النقص يريد بالنقص من الحق والخيانة في الوزن والكيل ونحوهما، ومن هذا قول الله سبحانه ﴿وإن لك لأجراً غير ممنون﴾ [القلم: ٣] أي غير منقوص. قالوا ومن ذلك سمي الموت منوناً لأنه ينقص الأعداد ويقطع الأعمار.

стр. 1191

قلت وقد روينا أن أبا بكر ﵁ استأذن رسول الله ﷺ فيما يسقط من الازار فرخص له في ذلك وقال لست منهم، وكان السبب في ذلك ما علمه من نقاء سره وأنه لا يقصد به الخيلاء والكبر، وكان رجلاً نحيفا قليل اللحم وكان لا يستمسك إزاره إذا شده على حقوه فإذا سقط إزاره جره فرخص له رسول الله ﷺ في ذلك وعذره. ومن باب في الكبر قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن سلمان الأغر، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال الله سبحانه الكبرياء ردائي والعظمة ازاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار. قال الشيخ: معنى هذا الكلام أن الكبرياء والعظمة صفتان لله سبحانه اختص بهما لا يشركه أحد فيهما ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما، لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل، وضرب الرداء والإزار مثلاً في ذلك يقول والله أعلم كما لا يشرك الإنسان في ردائه وإزاره أحد، فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو بكر، يَعني ابن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردلة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان. قال الشيخ: هذا يتأول على وجهين أحدهما أن يكون أراد به كبر الكفر والشرك، ألا ترى أنه قد قابله في نقيضه بالإيمان، فقال لا يدخل النار من كان

стр. 1192

في قلبه مثقال خردلة من إيمان. والوجه آخر أن الله تعالى إذا أراد أن يدخله الجنة نزع ما في قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر ولا غل في قلبه كقوله سبحانه ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ . وقوله لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان، معناه أن لا يدخلها دخول تخليد وتأبيد والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب حدثنا هشام حدثنا محمد، عَن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ وكان رجلاً جميلاً فقال يا رسول الله إني رجل حبب إليّ الجمال وأعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد. إما قال بشراك نعلي وإما قال بشسعي أفمن الكبر ذلك، قال لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس. قال الشيخ: قوله ولكن الكبر من بطر الحق، معناه لكن الكبر كبر من بطر الحق فأضمر كقوله تعالى ولكن البر من آمن بالله أي لكن البّر بّر من آمن بالله. وقوله غمط معناه ازرى بالناس واستخفهم، يقال غمط وغمص بمعنى واحد، وفيه لغة أخرى غَمَط وعَمَص مفتوحة الميم. ومن باب قدر موضع الإزار قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عَن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أُزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه. قال الشيخ: قوله فهو في النار يتأول على وجهين أحدهما أن ما دون الكعبين

стр. 1193

من قدم صاحبه في النار عقوبة له على فعله. والوجه الآخر أن يكون معناه أن صنيعه ذلك وفعله الذي فعله في النار على معنى أنه معدود ومحسوب من أفعال أهل النار والله أعلم. ومن باب يدنين عليهن من جلابيبهن قال أبو داود: حدثنا أبو كامل حدثنا أبو عَوانة عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂ أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن وقالت لهن معروفاً، وقالت لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجور أو حجوز شك أبو كامل فشققنهن فاتخذنه خُمُراً. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح أنبأنا ابن وهب أخبرني قرة بن عبد الرحمن المعافري عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت يرحم الله نساء المهاجرات الأُول لما أنزل الله ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١] شققن أكنَف مروطهن فاختمرن بها. قال الشيخ: الحجور لا معنى له ههنا وإنما هو بالزاي معجمة هكذا حدثني عبد الله بن أحمد المسكي،، قال: حَدَّثنا علي بن عبد العزيز، عَن أبي عبيد عن عبد الرحمن بن مهدي، عَن أبي عَوانة وذكر الحديث. فقال عمدن إلى حَجَز أو حجوز مناطقهن فشققنهن، والحجز جمع الحجزة وأصل الحجزة موضع ملاث الإزار ثم قيل للإزار الحجزة، وأما الحجوز فهو جمع الحجز يقال احتجز الرجل بالإزار إذا شده على وسطه. وقولها الأكنف تريد الأستر والأصفق منها ومن هذا قيل للوعاء الذي يحرز فيه الشيء كِنْف والبناء الساتر لما وراءه كنيف، والمروط واحدها مرط

стр. 1194

وهو كساء يؤتزر به. ومن باب في قوله تعالى ﴿غير أولي الإربة﴾ [النور: ٣١] قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة ﵂ قالت كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الاربة فدخل عليه النبي ﷺ يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي ﷺ ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلنَّ عليكن هذا فحجبوه. قال الشيخ: قال أبو عبيده قوله تقبل بأربع، يَعني أربع عكن في بطنها فهي تقبل بهن، وقوله تدبر بثمان، يَعني أطراف هذه العكن الأربع وذلك أنها محيطة بالجنين حتى لحقت بالمتنين من مؤخرها من هذا الجانب أربعة أطراف، ومن الجانب الآخر مثلها فهذه ثمان. ومن باب في الاختمار قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن قال وحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن حبيب عن وهب مولى أبي أحمد عن أم سلمة أن النبي ﷺ دخل عليها وهي تختمر فقال ليّة لا ليَّتين. قال الشيخ: يشبه أن يكون إنما كره لها أن تلوي الخمار على رأسها ليتين لئلا يكون إذا تعصبت بخمارها صارت كالمتعمم من الرجال يلوي أطراف العمامة على رأسه، وهذا على معنى نهيه النساء عن لباس الرجال والرجال عن لباس النساء وقال لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.

стр. 1195

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا أنبأنا ابن وهب أخبرنا ابن لهيعة عن موسى بن جبير أن عبيد الله بن عباس حدثه عن خالد بن يزيد بن معاوية عن دحية بن خليفة الكلبي أنه قال أتي رسول الله ﷺ بقَباطي فأعطاني قُبطية منها، فقال اصدعها صِدعين فاقطع أحدهما قميصاً وأعط الآخر امرأتك تختمر به. قال الشيخ: القبطية مضمومة القاف الشقة أو الثوب من القباطي وهي ثياب تعمل بمصر؛ فأما القبطية بكسر القاف فهي منسوبة إلى قبط وهم جيل من الناس. وقوله اصدعها يريد شقها نصفين فكل شق منها صدع بكسر الصاد، والصدع مفتوحة الصاد مصدر صدعت الشيء إذا شققته واصدعه صدعاً. ومن باب إهاب الميتة قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وَعْلة عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ يقول إذا دبغ الاهاب فقد طهر. قال الشيخ: الإهاب الجلد ويجمع على الاهب وزعم قوم أن جلد ما لا يؤكل لا يسمى إهاباً، وذهبوا إلى أن الدباغ لا يعمل من الميتة إلاّ في الجنس المأكول اللحم، وهو قول الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأبي ثور. وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي إلى أن جلد الميتة مما يؤكل لحمه ومما لا يؤكل يطهر بالدباغ، إلاّ أن أبا حنيفة وأصحابه استثنوا منها جلد الخنزير واستثنى الشافعي مع الخنزير جلد الكلب، وكان مالك يكره الصلاة في جلود السباع وإن دبغت ويرىالانتفاع بها ويمتنع من بيعها، وعند الشافعي بيعها
следующие страницы →