← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

قلت وقد روينا أن أبا بكر ﵁ استأذن رسول الله ﷺ فيما يسقط من الازار فرخص له في ذلك وقال لست منهم، وكان السبب في ذلك ما علمه من نقاء سره وأنه لا يقصد به الخيلاء والكبر، وكان رجلاً نحيفا قليل اللحم وكان لا يستمسك إزاره إذا شده على حقوه فإذا سقط إزاره جره فرخص له رسول الله ﷺ في ذلك وعذره. ومن باب في الكبر قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن سلمان الأغر، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال الله سبحانه الكبرياء ردائي والعظمة ازاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار. قال الشيخ: معنى هذا الكلام أن الكبرياء والعظمة صفتان لله سبحانه اختص بهما لا يشركه أحد فيهما ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما، لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل، وضرب الرداء والإزار مثلاً في ذلك يقول والله أعلم كما لا يشرك الإنسان في ردائه وإزاره أحد، فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو بكر، يَعني ابن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردلة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان. قال الشيخ: هذا يتأول على وجهين أحدهما أن يكون أراد به كبر الكفر والشرك، ألا ترى أنه قد قابله في نقيضه بالإيمان، فقال لا يدخل النار من كان

стр. 1192

في قلبه مثقال خردلة من إيمان. والوجه آخر أن الله تعالى إذا أراد أن يدخله الجنة نزع ما في قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر ولا غل في قلبه كقوله سبحانه ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ . وقوله لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان، معناه أن لا يدخلها دخول تخليد وتأبيد والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب حدثنا هشام حدثنا محمد، عَن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ وكان رجلاً جميلاً فقال يا رسول الله إني رجل حبب إليّ الجمال وأعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد. إما قال بشراك نعلي وإما قال بشسعي أفمن الكبر ذلك، قال لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس. قال الشيخ: قوله ولكن الكبر من بطر الحق، معناه لكن الكبر كبر من بطر الحق فأضمر كقوله تعالى ولكن البر من آمن بالله أي لكن البّر بّر من آمن بالله. وقوله غمط معناه ازرى بالناس واستخفهم، يقال غمط وغمص بمعنى واحد، وفيه لغة أخرى غَمَط وعَمَص مفتوحة الميم. ومن باب قدر موضع الإزار قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عَن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أُزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه. قال الشيخ: قوله فهو في النار يتأول على وجهين أحدهما أن ما دون الكعبين

стр. 1193

من قدم صاحبه في النار عقوبة له على فعله. والوجه الآخر أن يكون معناه أن صنيعه ذلك وفعله الذي فعله في النار على معنى أنه معدود ومحسوب من أفعال أهل النار والله أعلم. ومن باب يدنين عليهن من جلابيبهن قال أبو داود: حدثنا أبو كامل حدثنا أبو عَوانة عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂ أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن وقالت لهن معروفاً، وقالت لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجور أو حجوز شك أبو كامل فشققنهن فاتخذنه خُمُراً. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح أنبأنا ابن وهب أخبرني قرة بن عبد الرحمن المعافري عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت يرحم الله نساء المهاجرات الأُول لما أنزل الله ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١] شققن أكنَف مروطهن فاختمرن بها. قال الشيخ: الحجور لا معنى له ههنا وإنما هو بالزاي معجمة هكذا حدثني عبد الله بن أحمد المسكي،، قال: حَدَّثنا علي بن عبد العزيز، عَن أبي عبيد عن عبد الرحمن بن مهدي، عَن أبي عَوانة وذكر الحديث. فقال عمدن إلى حَجَز أو حجوز مناطقهن فشققنهن، والحجز جمع الحجزة وأصل الحجزة موضع ملاث الإزار ثم قيل للإزار الحجزة، وأما الحجوز فهو جمع الحجز يقال احتجز الرجل بالإزار إذا شده على وسطه. وقولها الأكنف تريد الأستر والأصفق منها ومن هذا قيل للوعاء الذي يحرز فيه الشيء كِنْف والبناء الساتر لما وراءه كنيف، والمروط واحدها مرط

стр. 1194

وهو كساء يؤتزر به. ومن باب في قوله تعالى ﴿غير أولي الإربة﴾ [النور: ٣١] قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة ﵂ قالت كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الاربة فدخل عليه النبي ﷺ يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي ﷺ ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلنَّ عليكن هذا فحجبوه. قال الشيخ: قال أبو عبيده قوله تقبل بأربع، يَعني أربع عكن في بطنها فهي تقبل بهن، وقوله تدبر بثمان، يَعني أطراف هذه العكن الأربع وذلك أنها محيطة بالجنين حتى لحقت بالمتنين من مؤخرها من هذا الجانب أربعة أطراف، ومن الجانب الآخر مثلها فهذه ثمان. ومن باب في الاختمار قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن قال وحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن حبيب عن وهب مولى أبي أحمد عن أم سلمة أن النبي ﷺ دخل عليها وهي تختمر فقال ليّة لا ليَّتين. قال الشيخ: يشبه أن يكون إنما كره لها أن تلوي الخمار على رأسها ليتين لئلا يكون إذا تعصبت بخمارها صارت كالمتعمم من الرجال يلوي أطراف العمامة على رأسه، وهذا على معنى نهيه النساء عن لباس الرجال والرجال عن لباس النساء وقال لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.

стр. 1195

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا أنبأنا ابن وهب أخبرنا ابن لهيعة عن موسى بن جبير أن عبيد الله بن عباس حدثه عن خالد بن يزيد بن معاوية عن دحية بن خليفة الكلبي أنه قال أتي رسول الله ﷺ بقَباطي فأعطاني قُبطية منها، فقال اصدعها صِدعين فاقطع أحدهما قميصاً وأعط الآخر امرأتك تختمر به. قال الشيخ: القبطية مضمومة القاف الشقة أو الثوب من القباطي وهي ثياب تعمل بمصر؛ فأما القبطية بكسر القاف فهي منسوبة إلى قبط وهم جيل من الناس. وقوله اصدعها يريد شقها نصفين فكل شق منها صدع بكسر الصاد، والصدع مفتوحة الصاد مصدر صدعت الشيء إذا شققته واصدعه صدعاً. ومن باب إهاب الميتة قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وَعْلة عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ يقول إذا دبغ الاهاب فقد طهر. قال الشيخ: الإهاب الجلد ويجمع على الاهب وزعم قوم أن جلد ما لا يؤكل لا يسمى إهاباً، وذهبوا إلى أن الدباغ لا يعمل من الميتة إلاّ في الجنس المأكول اللحم، وهو قول الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأبي ثور. وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي إلى أن جلد الميتة مما يؤكل لحمه ومما لا يؤكل يطهر بالدباغ، إلاّ أن أبا حنيفة وأصحابه استثنوا منها جلد الخنزير واستثنى الشافعي مع الخنزير جلد الكلب، وكان مالك يكره الصلاة في جلود السباع وإن دبغت ويرىالانتفاع بها ويمتنع من بيعها، وعند الشافعي بيعها

стр. 1196

والانتفاع بها على جميع الوجوه جائز لأنها طاهرة، ومما يدل على أن اسم الاهاب يتناول جلد لا يؤكل لحمه كتناول جلد المأكول اللحم قول عائشة رضى الله عنها حين وصفت أباها ﵄ وحقن الدماء في أهبها تريد به الناس وقال ذو الرمة يصف كلبتين: لا يذخران من الإيغال باقية ... حتى تكاد يفرّى عنهما الأهب قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا: حَدَّثنا همام عن قتادة عن الحسن عن جَوْن بن قتادة عن سلمة بن المِّحبق أن رسول الله ﷺ جاء في غزوة تبوك على بيت فإذا قربة معلقة فسأل الماء فقالوا يا رسول الله إنها ميتة قال دباغها طهورها. قال الشيخ: وهذا يدل على بطلان قول من زعم أن إهاب الميتة إذا مسه الماء بعد الدباغ نجس وتبين له أنه طاهر كطهاره المذكى وأنه إذا بسط فصلى عليه أو خرز منه خف فصلى فيه جاز. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني عمرو، يَعني ابن الحارث عن كثير بن فرقد عن عبد الله بن مالك بن حذافة عن أمه العالية بنت سبيع عن ميمونة قالت مر على رسول الله ﷺ رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ لو أخذتم إهابها قالوا إنها ميتة، فقال رسول الله ﷺ يطهرها الماء والقرظ. قال الشيخ: القرظ شجر تدبغ به الأهب وهو لما فيه من القبض والعفوصة ينشف البلة ويذهب الرخاوة ويحصف الجلد ويصلحه ويطيبه فكل شيء عمل

стр. 1197

عمل القرظ كان حكمه في التطهير حكم القرظ. وذكره الماء مع القرظ قد يحتمل أن يكون أراد بذلك أن القرظ يخلط به حتى يستعمل في الجلد، ويحتمل أن يكون إنما أراد أن الجلد إذا خرج من الدباغ غسل بالماء حتى يزول عنه ما خالطه من وضر الدبغ ودرنه. وفيه حجة لمن ذهب إلى أن غير الماء لا يزيل النجاسة ولا يطهرها في حال من الأحوال. قال أبو داود: حدثنا مسدد بن مسرهد أن إسماعيل بن إبراهيم ويحيى بن سعيد حدثاهم المعنى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عَن أبي المليح بن أسامة عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع. قال الشيخ: قد يحتج بنهيه ﷺ عن ذلك من يرى أن الدباغ لا يعمل إلاّ في جلد ما يؤكل لحمه، وهو قول الأوزاعي وسائر من حكينا قولهم بَدِيا هكذا وتأويل الحديث عند غيرهم أن المنهي عنه أن يستعمل قبل الدباغ. وتأوله أصحاب الشافعي ومن ذهب مذهبه في أن الدباغ يطهر جلود السباع ولا يطهر شعورها على أنه إنما نهى عن استعمالها من أجل شعرها لأن جلود النمور والحمر ونحوهما إنما تستعمل مع بقاء الشعر عليها، وشعر الميتة نجس عندهم، وقد يكون النهي عنها أيضاً من أجل أنها مراكب أهل الشرف والخيلاء. وقد جاء النهي عن ركوب جلود النمر نصاً، وقد ذكره أبو داود في هذا الباب فأما إذا دبغ الجلد ونتف شعره فإنه طاهر على مذهبه ولا ينكر تخصيص العموم بدليل يوجبه. قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن

стр. 1198

بن أبي ليلى عن عبد الله بن عُكيم قال قدم علينا كتاب رسول الله ﷺ بأرض جُهينة وأنا غلام شاب أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عَصب. قال الشيخ: قد ذهب أحمد بن حنبل إلى ظاهر هذا الحديث وزعم أن الأخبار في الدباغ منسوخة به لأن في بعض الروايات أن عبد الله بن عكيم قال أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فكان التحريم آخر الأمرين. قال الشيخ: ومذهب عامة العلماء على جواز الدباغ والحكم بطهارة الإهاب إذا دبغ ووهنوا هذا الحديث لأن عبد الله بن عكيم لم يلق النبي ﷺ وإنما هو حكاية عن كتاب أتاهم فقد يحتمل لو ثبت الحديث أن يكون النهي إنما جاء عن الانتفاع به قبل الدباغ ولا يجوز أن يترك به الأخبار الصحيحة التي قد جاءت في الدباغ وأن يحمل على النسخ والله أعلم. ومن باب في النعال قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا إبراهيم بن طَهْمان، عَن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن ينتعل الرجل قائماً. قال الشيخ: يشبه أن يكون إنما نهى عن لبس النعل قائماً لأن لبسها قاعداً أسهل عليه وأمكن له وربما كان ذلك سبباً لانقلابه إذا لبسها قائماً فأمر بالقعود له والاستعانة باليد ليأمن غائلته والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن الأعرج، عَن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا يمشي أحدكم في النعل الواحدة

стр. 1199

لينتعلهما جميعاً أو ليحفهما جميعاً. قال الشيخ: وهذا قد يجمع أموراً منها أنه قد يشق عليه المشي على هذه الحال لأن وضع أحد القدمين منه على الحفاء إنما يكون مع التوقي والتهيب لأذى يصيبه أو حجر يصدمه ويكون وضعه القدم على خلاف ذلك من الاعتماد به والوضع له من غير محاشاة أو تقية فيختلف من أجل ذلك مشيه ويحتاج معه إلى أن ينتقل عن سجية المشي وعادته المعتادة فيه فلا يأمن عند ذلك العثار والعنت وقد يتصور فاعله عند الناس بصورة من إحدى رجليه أقصر من الأخرى ولا خفاء بقبح منظر هذا الفعل. وكل أمر يشتهره الناس ويرفعون إليه أبصارهم فهو مكروه مرغوب عنه. قلت: وقد يدخل في هذا المعتى كل لباس ينتفع به كالخفين وادخال اليد في الكمين والتردي بالرداء على المنكبين. فلو أرسله على إحدى المنكبين وعرَّى منه الجانب الآخر كان مكروهاَ على معنى الحديث ولو أخرج إحدى يديه من كمه وترك الأخرى داخل الكم الآخر كان كذلك في الكراهة والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال وليكن اليمنى أولهما تُنعل وآخرهما تُنزع. قال الشيخ: إذا كان معلوماً إن لبس الحذاء صيانة للرجل ووقاية لها فقد أعلم أن التبدية به لليمنى زيادة في كرامتها، وكذلك التبقية لها بعد خلع اليسرى وقد كان رسول الله ﷺ يبدأ في لبوسه وطهوره بميامنه ويقدمها على مياسره.

стр. 1200

ومن باب في الفُرُش قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد الهمداني حدثنا ابن وهب، عَن أبي هانىء، عَن أبي عبد الرحمن الحبلي عن جابر بن عبد الله قال ذكر رسول الله ﷺ الفرش فقال فراش للرجل وفراش للمرأة وفراش للضيف والرابع للشيطان. قال الشيخ: فيه دليل على أن المستحب في أدب السنة أن يبيت الرجل وحده على فراش وزوجته على فراش آخر ولو كان المستحب لهما أن يبيتا معاً على فراش واحد لكان لا يرخص له في اتخاذه فراشين لنفسه ولزوجته وهو إنما يحسن له مذهب الاقتصاد والاقتصار على أقل ما تدعو إليه الحاجة والله أعلم. ومن باب في اتخاذ الستور قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير حدثنا فضيل بن غزوان عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أتى فاطمة ﵍ فوجد على بابها سِتراً فلم يدخل. قال وقل ما كان يدخل إلاّ بدأ بها قال وجاء علي كرم الله وجهه فرآها مهتمة فقال مالك، قالت جاء النبي ﷺ إلي فلم يدخل فأتاه علي فقال يا رسول الله إن فاطمة ﵍ اشتد عليها أنك جئتها فلم تدخل عليها، فقال وما أنا والدنيا والرقْم، فذهب إلى فاطمة فأخبرها بقول رسول الله ﷺ فقالت قل لرسول الله ﷺ ما تأمرني به قال قل لها فلترسل به إلى بني فلان. قال الشيخ: أصل الرقم الكتابة قال الشاعر: سأرقم في الماء القَراح إليكم ... على بعد أن كان للماء راقم وقال فضيل بن غزوان كان ستراً موشى.

стр. 1201

ومن باب التصليب في الثوب قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى حدثنا عمران بن حِطان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصليب إلاّ قضبه. قال الشيخ: قوله قضبه معناه قطعه والقضب القطع، والتصليب ما كان على صورة الصليب. ومن باب في الصورة قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن مدرك، عَن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن عبد الله بن نُجَي عن أبيه عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جُنُب. قال الشيخ: قد فسرنا هذا فيما تقدم من الكتاب، وذكرنا عن بعض العلماء أنه قال إن الجنب في هذا الحديث هو الذي يترك الاغتسال من الجنابة ويتخذه عادة وأن الكلب إنما يكره إذا كان اتخذه صاحبه للهو ولعب لا لحاجة وضرورة كمن اتخذه لحراسة زرع أو غنم أو لقنيص وصيد. فأما الصورة فهو كل ما تصور من الحيوان سواء في ذلك الصورة المنصوبة القائمة التي لها أشخاص وما لا شخص له من المنقوشة في الجدر والمصورة فيها وفي الفرش والأنماط، وقد رخص بعض العلماء فيما كان منها في الأنماط التي توطأ وتداس بالأرجل. قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن يسار الأنصاري عن زيد بن خالد الجهني قال: قالت عائشة ﵂ خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وكنت أتحين قفوله فأخذت نمطاً

стр. 1202

كان لنا فسترته على العَرَض. فلما جاء استقبلته فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الحمد لله الذي أعزك وأكرمك. فنظر إلى البيت فرأى النمط فلم يرد عليّ شيئاً ورأيت الكراهية في وجهه فأتى النمط حتى هتكه ثم قال إن الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الحجارة واللبن. قالت فقطعته وسادتين وحشوتهما ليفاً فلم ينكر ذلك عليّ. قال الشيخ: العرض هو الخشبة المعترضة يسقف بها البيت ثم يوضع عليها أطراف الخشب الصغار يقال عرضت البيت تعريضاً. قال أبو داود: حدثنا أبو صالح أنبأنا أبو إسحاق عن يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبريل فقال لي أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلاّ أنه كان على الباب تماثيل وكان في البيت قِرام سِترٍ فيه تماثيل وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي على الباب أن يقطع فتصير كهيئة الشجرة ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن ومر بالكلبب فليخرج ففعل رسول الله ﷺ فإذا الكلب لحسن أو حسين ﵉ كانت تحت نَضَد لهم فأمر به فأخرج. قال الشيخ: النضد متاع البيت ينضد بعضبه على بعض أي يرفع بعضه فوق الآخر ومنه قول النابغة: فرفعته إلى السجفين فالنضد والمنبوذتان وسادظن لطيفتان وسميتا منبوذتين لخفتهما ينبذان ويطرحان للقعود عليهما. وفيه دليل على أن الصورة إذا غيرت بأن يقطع رأسها أو تحل أوصالها حتى تغير هيئتها عما كانت لم يكن بها بعد ذلك بأس.

стр. 1203

كتاب الترجل قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد حدثنا الجُريري عن عبد الله بن بريدة عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن كثير من الارفاه. قال الشيخ: معنى الارفاه الاستكثار من الزينة وأن لا يزال يهيء نفسه، وأصله من الرفه وهو أن ترد الإبل الماء كل يوم فإذا وردت يوماً ولم ترد يوماً فذلك الغب وقد أغبت فهي مغِبة فإذا جاوز ذلك صار ظمأ وأول الرِّبْع ولا يقال في الإظماء ثلث، ومنه أخذت الرفاهية وهي الخفض والدَّعة. كره رسول الله ﷺ الإفراط في التنعم والتدلك والدهن والترجيل في نحو ذلك من أمرالناس فأمر بالقصد في ذلك، وليس معناه ترك الطهاره والتنظيف فإن الطهارة والنظافة من الدين والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى أمامة عن عبد الله بن كعب بن مالك، عَن أبي أمامة قال: ذكر أصحاب رسول الله ﷺ يوماً عنده الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : ألا تسمعون ألا تسمعون إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان. قال أبو داود، يَعني التقحل. قال الشيخ: البذاذة سوء الهيئة والتجوز في الثياب ونحوهما، يقال رجل باذ الهيئة إذا كان رث الهيئة واللباس.

стр. 1204

ومن باب صلة الشعر قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حَدَّثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، قال محمد والواصلات، وقال عثمان والمتنمصات ثم اتفقا والمتفلِّجات للحسن المغيِّرات خلق الله. قال الشيخ: الواشمات من الوشم في اليد وكانت المرأة تغرز معصم يدها بإبرة أومسلة حتى تدميه ثم تحشوه بالكحل فيخضر يفعل ذلك بدارات ونقوش، يقال منه وشمت تشم فهي واشمة، والمستوشمة هي التي تسأل وتطلب أن يفعل ذلك بها، والواصلات هن اللواتي يصلن شعورهن بشعور غيرهن من النساء يردن بذلك طول الشعر يوهمن أن ذلك من أصل شعورهن فقد تكون المرأة زعراء قليلة الشعر أو يكون شعرها أصهب فتصل شعرها بشعر أسود فيكون ذلك زوراً وكذباً فنهى عنه، فأما القرامل فقد رخص فيها أهل العلم وذلك أن الغرور لا يقع بها لأن من نظر إليها لم يشك في أن ذلك مستعار، والمتنمصات من النمص وهو نتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش المنماص. والنامصة هي التي تنتف الشعر بالمنماص، والمتنمصة هي التي يفعل ذلك بها؛ والمتفلجات هن اللواتي يعالجن أسنانهن حتى يكون لها تحدد واشر يقال ثغر أفلج. ومن باب المرأة تتطيب للخروج قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم، عَن أبي هريرة قال لقِيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار

стр. 1205

فقال يا أمة الجبار جئت من المسجد، قالت نعم، قال وله تطيبت قالت نعم، قال إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقبل لامرأة صلاة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة. قال الشيخ: الاعصار غبار ترفعه الريح. ومن باب الخلوق الرجل قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأنا عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن عمار بن ياسر قال: قدمت على أهلي ليلاً وقد تشققت يداي فخلَّقوني بزعفران فغدوت على رسول الله ﷺ فسلمت عليه فلم يرد عليَّ السلام ولم يرحب بي وقال اذهب فاغسل هذا عنك فذهبت فغسلته ثم جئت فسلمت عليه فرد عليَّ ورحب بي وقال إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب. قال ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ. قال الشيخ: الردغ لطخ من بقية لون الزعفران والمتضمخ المتلطخ به. وفيه دلالة على أن الجنب الذي لا تحضره الملائكة هو الذي لم يتوضأ بعد الجنابة، قيل هو الذي لا يغتسل من الجنابة ويتخذه عادة له فهو في أكثر أوقاته جنب. ومن باب في تطويل الجمة قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا معاوية بن هشام وسفيان بن عقبة السُّوائي هو أخو قبيصة بن عقبة وحميد بن خوار عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب قلت أراه عن أبيه عن وائل بن حجر قال: أتيت النبي ﷺ ولي شعر

стр. 1206

طويل فلما رآني رسول الله ﷺ قال: ذُباب ذُباب، قال فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال إني لم أعنك وهذا أحسن. قال الشيخ: أخبرني أبو عمر، عَن أبي العباس أحمد بن يحيى قال الذباب الشؤم. ومن باب في الذؤابة قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأنا أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع وقال: وهو أن يحلق الصبي ويترك له ذؤابة. قال الشيخ: هكذا جاء تفسيره في الحديث وأصل القزع قطع السحاب المتفرقة شبه تفاريق الشعر في رأسه إذا حلق بعضه وأبقى بعضه بطخارير السحاب. ومن باب الأخذ من الشارب قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد، عَن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ الفطرة خمس أو خمس من الفطرة الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب. قال السيخ: معنى الفطرة ههنا السنة والاستحداد حلق العانة بالحديد. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك، عَن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ أمربإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى. قال الشيخ: إحفاء الشارب أن يوخذ منه حتى يحفى ويرق، وقد يكون أيضاً معناه الاستقصاء في أخذه من قولك أحفيت في المسألة إذا استقصيت فيها واعفاء اللحية توفيرها من قولك عفا النبت إذا طال ويقال عفا الشيء بمعنى كثر قال الله تعالى ﴿حتى عفوا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي كثروا والله أعلم.

стр. 1207

ومن باب الخضاب قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: حَدَّثنا ابن وهب أخبرنى ابن جريج، عَن أبي الزبير عن جابر قال: أُتي بأبي قُحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً فقال رسول الله ﷺ : غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد. قال الشيخ: الثغامة نبات له ثمر أبيض. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سعيد الجريري عن عبد الله بن بريدة، عَن أبي الأسود الدؤلى، عَن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم. قال الشيخ: يقال إن الكتم الوسمة ويشبه أن يكون إنما أراد به استعمال كل واحد منهما منفرداً عن غيره فإن الحناء إذا غل بالكتم جاء أسود، ويقال إن الكتم نوع آخر غير الوسمة. ومن باب الانتفاع بمداهن العاج قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جُحادة عن حميد الشامي عن سليمان المَنْبِهي عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال له: اشتر لفاطمة ﵍ قلادة من عصْب وسوارين من عاج. قال الشيخ: قال الأصمعي العاج الذبل وهو يقال عظم ظهر السلحفاة البحرية فأما العاج الذي تعرفه العامة فهو عظم أنياب الفيلة وهو ميتة لا يجوز استعماله والعصْب في هذا الحديث إن لم يكن هذه الثياب اليمانية فلست أدري ما هو وما أرى أن القلادة تكون منه.

стр. 1208

ومن باب خاتم الذهب قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا المعتمر قال: سمعت الركين بن الربيع يحدث عن القاسم بن حسان عن عبد الرحمن بن حرملة أن ابن مسعود ﵁ كان يقول كان رسول الله ﷺ يكره عشرة خلال. الصفرة، يَعني الخلوق وتغيير الشيب وجر الإزار والتختم بالذهب والتبرج بالزينة لغير محلها والضرب بالكعاب والرُّقى إلاّ بالمعوذات وعقد التمائم وعزل الماء لغير محله أو غير محله وفساد الصبي غير محرِّمه. قال الشيخ: أما كراهية الخلوق فإنما هي للرجال خاصة دون النساء وتغيير الشيب إنما يكره بالسواد دون الحمرة والصفرة، والتختم بالذهب محرم على الرجال والتبرج للزينة لغير محلها وهو أن تتزين المرأة لغير زوجها، وأصل التبرج أن تظهر المرأة محاسنها للرجال، يقال تبرجت المرأة، ومنه قوله ﵎ ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] . وأما عزل الماء لغير محله فقد سمعت في هذا الحديث عزل الماء عن محله وهو أن يعزل الرجل ماءه عن فرج المرأة وهو محل الماء، وإنما كره ذلك لأن فيه قطع النسل والمكروه منه ما كان من ذلك عن الحرائر بغير إذنهن، فأما المماليك فلا بأس بالعزل عنهن ولا إذن لهن مع أربابهن. وفساد الصبي هو أن يطأ المرأة المرضع فإذا حملت فسد لبنها وكان في ذلك فساد الصبي. وقوله غير محرمه معناه أنه قد كره ذلك ولم يبلغ في الكراهة حد التحريم. ومن باب خاتم الحديد قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة المعنى،

стр. 1209

أن زيد بن الحباب أخبرهم عن عبد الله بن مسلم أبي طيبة السَّلمي المروزي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من شَبَه فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال ما لي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه، فقال يا رسول الله من أي شيء اتخذه قال اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالاً. قال الشيخ: إنما قال في خاتم الشبه أجد منك ريح الأصنام لأن الأصنام كانت تتخذ من الشبه، وأما الحديد فقد قيل إنما كره ذلك من سهوكته وريحه ويقال معنى حلية أهل النار أنه زي بعض الكفار وهم أهل النار والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عاصم بن كليب، عَن أبي بردة عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ لي قل اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدي هداية الطريق، واذكر بالسداد تسديدك السهم، قال ونهاني أن أضع الخاتم في هذه أو هذه السبابة والوسطى شك عاصم ونهاني عن القَسِية والمِيثرة. قال الشيخ: قوله واذكر بالهدى هداية الطريق، معناه أن سالك الطريق والفلاة إنما يؤم سمت الطريق ولا يكاد يفارق الجادة ولا يعدل عنها يمنة ويسرة خوفاً من الضلال وبذلك يصيب الهداية وينال السلامة يقول إذا سألت الله الهدى فاخطر بقلبك هداية الطريق وسل الله الهدى والاستقامة كما تتحراه في هداية الطريق إذا سلكتها. وقوله واذكر بالسداد تسديدك السهم معناه أن الرامي إذا رمى غرضاً سدد بالسهم نحو الغرض، ولم يعدل عنه يميناً ولا شمالاً ليصيب الرمية فلا يطيش

стр. 1210

سهمه ولا يخفق سعيه يقول فاخطر المعنى بقلبك حين تسأل الله السداد ليكون ما تنويه من ذلك على شاكلة ما تستعمله في الرمي، وقد فسرنا القسية والميثرة فيما مضى من الكتاب. ومن باب ربط الأسنان بالذهب قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله الخزاعي المعني قالا: حَدَّثنا أبو الأشهب عن عبد الرحمن بن طرَفة أن جده عَرْفجة بن أسعد قُطع أنفه يوم الكُلاب فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن عليه فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفاً من ذهب. قال الشيخ: يوم الكلاب يوم معروف من أيام الجاهلية ووقعة مذكورة من وقائعهم، والورق مكسورة الراء الفضة، والورق بفتح الراء المال من الإبل والغنم. وفيه إباحة استعمال اليسير من الذهب للرجال عند الضرورة كربط الأسنان به وما جرى مجراه مما لا يجري غيره فيه مجراه. ومن باب في الذهب للنساء قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان بن يزيد العطار حدثنا يحيى أن محمود بن عمرو الأنصاري حدثه أن أسماء بنت يزيد بن السكن حدثته أن رسول الله ﷺ قال: أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها قلادة مثله من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصاً من ذهب جعل الله في أذنها مثله من النار يوم القيامة. قال الشيخ: الخرص الحلقة وهذا يتأول على وجهين: أحدهما أنه إنما قال ذلك

стр. 1211

في الزمان الأول، ثم نسخ وأبيح للنساء التحلي بالذهب، ققد ثبت أنه ﷺ قام على المنبر وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير، فقال هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها. والوجه الآخر أن هذا الوعيد إنما جاء فيمن لا يؤدي زكاة الذهب دون من أداها والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا إسماعيل حدثنا خالد عن ميمون القنَّاد، عَن أبي قلابة عن معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله ﷺ نهى عن ركوب النِّمار وعن لُبس الذهب إلاّ مقطعاً. قال الشيخ: أراد بالمقطع الشيء اليسير نحو الشنف والخاتم للنساء وكره من ذلك الكثير الذي هو عادة أهل السرف وزينة أهل الخيلاء والكبر. واليسير هو ما لا يجب فيه الزكاة، ويشبه أن يكون إنما كره استعمال الكثير منه لأن صاحبه ربما ضن بإخراج الزكاه منه فيأثم ويحرج وليس جنس الدهب بمحرم عليهن كما حرم على الرجال قليله وكثيره. كتاب الطب ومن باب الرجل يتداوى قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شَريك قال: أتيت رسول الله ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير فسلمت ثم قعدت فجاءت الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا يا رسول الله نتداوى قال تداووا فإن الله لم يضع داء الا وضع له دواء غير داء واحد الهرم.

стр. 1212

قال الشيخ: في الحديث إثبات الطب والعلاج وأن التداوي مباح غير مكروه كما ذهب إليه بعض الناس. وفيه أنه جعل الهرم داء وإنما هو ضعف الكبر وليس من الأدواء التي هي أسقام عارضة للأبدان من قبل اختلاف الطبائع وتغير الأمزجة، وإنما شبهه بالداء لأنه جالب للتلف كالأدواء التي قد يتعقبها الموت والهلاك وهذا كقول النمر بن تولب: ودعوت ربي بالسلامة جاهداً...... ليصحني فإذا السلامة داء يريد أن العمر لما طال به أداه إلى الهرم فصار بمنزلة المريض الذي قد أدنفه الداء وأضعف قواه وكقول حميد بن ثور الهذلي: أرى بصري قد رابني بعد صحة ...وحسبك داء أن تصح وتسلما وحدثنى إبراهيم بن عبد الرحمن العنبري حدثنا ابن أبي قماش حدثنا ابن عائشة عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : لو لم يكن لابن آدم إلاّ السلامة والصحة لكان كفى بهما داء قاضياً. ومن باب الكي قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت عن مطرف عن عمران بن حصين قال: نهى رسول الله ﷺ عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا. قال أبو داود: حدثنا موسى حدثنا حماد، عَن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ من رميته.

стр. 1213

قال الشيخ: إنما كوى ﷺ سعدا ليرقأ عن جرحه الدم وخاف عليه أن ينزف فيهلك والكي مستعمل في هذا الباب وهو من العلاج الذي تعرفه الخاصة وأكثر العامة والعرب تستعمل الكي كثيراً فيما يعرض لها من الأدواء وتقول في أمثالها آخر الدواء الكي، وقال شاعرهم في ذلك وهو مما يتمثل به إذا كويت كية فأنضج ... تشف بها الداء ولا تُلهوج فالكي داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه المذكور في حديث أسامة بن شريك الذي رويناه في الباب الأول. وأما حديث عمران بن حصين في النهى عن الكي فقد يحتمل وجوهاً: أحدها أن يكون من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره ويقولون آخر الدواء الكي ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك فنهاهم عن ذلك إذا كان على هذا الوجه، وأباح لهم استعماله على معنى التوكل على الله سبحانه وطلب الشفاء والترجي للبرء بما يحدث الله من صنعه فيه ويجلبه من الشفاء على أثره فيكون الكي والدواء سبباً لا علة، وهذا أمر قد تكثر فيه شكوك الناس وتخطىء فيه ظنونهم وأوهامهم فما أكثر ما تسمعهم يقولون لو أقام فلان بأرضه وبلده لم يهلك ولو شرب الدواء لم يسقم ونحو ذلك من تجريد إضافة الأمور إلى الأسباب وتعليق الحوادث بها دون تسليط القضاء عليها وتغليب المقادير فيها فتكون الأسباب أمارات لتلك الكوائن لا موجبات لها وقد بين الله ﷻ ذلك في كتابه حيث قال ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء: ٨٧] وقال تعالى حكاية عن الكفار ﴿وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزَّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك

стр. 1214

حسرة في قلوبهم﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآية. وسلك الحكماء في هذا طريق الصواب وقيدوا كلامهم في مثله، قال أبو ذؤيب يذكر ابناً له هلك يدعى نبيشة: يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت ... نبيشة والكهان يكذب قيلها ولوأنني استودعته الشمس لارتقت ... إليه المنايا عينها ورسولها يريد بالكهان الأطباء، والعرب تدعو الأطباء كهاناً وكل من يتعاطى علماً مغيباً فهو عندهم كاهن، وقال رؤبة في كلمة له: * ولو توقى لوقاه الواقي * ثم خشي أن يكون قد فوض فتداركه فقال على أثره: * وكيف يوقي ما الملاقى لاقى * ومثل هذا في كلامهم كثير وفيه وجه آخر وهو أن يكون معنى نهيه عن الكي هو أن يفعله احترازاً عن الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البلية وذلك مكروه وإنما أبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة ودعاء الضرورة إليه، ألا ترى أنه إنما كوى سعداً حين خاف عليه الهلاك من النزف. وقد يحتمل أن يكون إنما نهى عمران خاصة عن الكي في علة بعينها لعلمه أنه لا ينجع، ألا تراه يقول فما أفلحنا ولا أنجحنا، وقد كان به الناصور فلعله إنما نهاه عن استعمال الكي في موضعه من البدن والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظوراً والكي في بعض الأعضاء يعظم خطره وليس كذلك في بعض الأعضاء فيشبه أن يكون النهي منصرفاً إلى النوع المخوف منه والله أعلم. ومن باب النُّشْرة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق حدثنا عَقيل بن مَعقل قال سمعت وهب بن منبه يحدث عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1215

عن النشرة فقال: هو من عمل الشيطان. قال الشيخ: النشرة ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن به مس الجن وقيل سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه أي يحل عنه ما خامره من الداء. وحدثني أبو محمد الكُراني حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا زكريا بن يحيى المنقري حدثنا الأصمعي حدثنا الحكم بن عطية عن الحسن قال: النشرة من السحر، قال وأنشدنا الأصمعي من قول جرير: أدعوك دعوة ملهوف كأن به ...مساً من الجن أو ريحاً من النشر ومن باب شرب الترياق قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقاً أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي. قال الشيخ: ليس شرب الترياق مكروهاً من أجل أن التداوي محظور، وقد أباح رسول الله ﷺ التداوى والعلاج في عدة أحاديث ولكن من أجل ما يقع فيه من لحوم الأفاعي وهي محرمة، والترياق أنواع فإذا لم يكن فيه لحوم الأفاعى فلا بأس بتناوله والله أعلم. والتميمة يقال إنها خرزة كانوا يتعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات. واعتقاد هذا الرأي جهل وضلال إذ لا مانع ولا دافع غير الله سبحانه ولا يدخل في هذا التعوذ بالقرآن والتبرك والاستشفاء به لأنه كلام الله سبحانه والاستعاذة

стр. 1216

به ترجع إلى الاستعاذة بالله سبحانه، ويقال بل التميمة قلادة تعلق فيها العُود قال أبو ذؤيب: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع وقال آخر: بلاد بها عق الشباب تميمتي ... وأول أرض مس جلدي ترابها وقد قيل إن المكروه من العوذ هو ما كان بغير لسان العرب فلا يفهم معناه ولعله قد يكون فيه سحر أو نحوه من المحظور والله أعلم. ومن باب الأدوية المكروهة قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا محمد بن بشر حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد، عَن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث. قال الشيخ: الدواء الخبيث قد يكون خبثه من وجهين أحدهما خبث النجاسة وهو أن يدخله المحرم كالخمر ونحوها من لحوم الحيوان غير مأكولة اللحم، وقد يصف الأطباء بعض الأبوال وعذرة بعض الحيوان لبعض العلل وهي كلها خبيثة نجسة وتناولها محرم إلاّ ما خصته السنة من أبوال الإبل فقد رخص فيها رسول الله ﷺ لنفر من عرينة وعُكْل. وسبيل السنن أن يقر كل شيء منها في موضعه وأن لا يضرب بعضها ببعض؛ وقد يكون خبث الدواء أيضاً من جهة الطعم والمذاق ولا ينكر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع ولنكرة النفس إياه، والغالب أن طعوم الأدوية كريهة، ولكن بعضها أيسر احتمالاً وأقل كراهة. قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن ابن أبي ذئب عن سعيد

стр. 1217

بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيباً سأل رسول الله ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي ﷺ عن قتلها. قال الشيخ: في هذا دليل على أن الضفدع محرم الأكل وأنه غير داخل في ما أبيح من دواب الماء فكل منهي عن قتله من الحيوان فإنما هو لأحد أمرين اما لحرمته في نفسه كالآدمي وإما لتحريم لحمه كالصرد والهدهد ونحوهما وإذا كان الضفدع ليس بمحترم كالآدمى كان النهي فيه منصرفاً إلى الوجه الاخر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذبح الحيوان إلاّ لمأكله. قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل ذكرَ طارقَ بن سويد أو سويد بن طارق سأل رسول الله ﷺ عن الخمر فنهاه، ثم سأله فنهاه فقال له يا نبي الله إنها دواء، فقال النبي ﷺ : لا ولكنها داء. قال الشيخ: قوله لا ولكنها داء إنما سماها داء لما في شربها من الإثم، وقد تستعمل لفظة الداء في الآفات والعيوب ومساوي الأخلاق، وإذا تبايعوا الحيوان قالوا برئت من كل داء يريدون العيب، وقال رسول الله ﷺ لبني ساعدة: من سيدكم قالوا جد بن قيس وإنا لنُزِنُّه بشيء من البخل، فقال وأي داء أدوى من البخل والبخل إنما هو طبع أو خلق وقد سماه داء، وقال دب إليكم داء الأمم قبلكم البغي والحسد، فنرى أن قوله في الخمر أنها داء أي لما فيها من الإثم فنقلها ﷺ عن أمر الدنيا إلى أمر الآخرة وحولها من طب الطبيعة إلى طب الشريعة ومعلوم أنها من جهة الطب دواء في بعض الأسقام، وفيها مصحة للبدن وهذا كقوله ﵊ حين سئل عن الرقوب، فقال هو الذي لم

стр. 1218

يمت له ولد، ومعلوم أن الرقوب في كلام العرب هو الذى لا يعيش له ولد، وكقوله ما تعدون الصُّرَعة فيكم، قال الذي يغلب الرجال، قال بل الذي يملك نفسه عند الغضب، وكقوله من تعدون المفلس فيكم، فقالوا الذي لا مال له، فقال بل المفلس الذي يأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا فيؤخذ من حسناته لهم ويؤخذ من سيئاتهم فيلقى عليه فيطرح في النار. فكل هذا انما هو على معنى ضرب المثل وتحويله عن أمر الدنيا إلى معنى الاخرة وكذلك تسمية الخمر داء إنما هو في حق الدين وحرمة الشريعة لما يلحق شاربها من الإثم وإن لم يكن داء في البدن ولا سقماً في الجسم. وفي الحديث بيان أنه لا يجوز التداوي بالخمر وهو قول أكثر الفقهاء، وقد أباح التداوي بها عند الضرورة بعضهم، واحتج في ذلك بإباحة رسول الله ﷺ للعرنيين التداوي بأبوال الإبل وهي محرمة إلاّ أنها لما كانت مما يستشفى بها في بعض العلل رخص لهم في تناولها. قلت وقد فرق رسول الله ﷺ بين الأمرين اللذين جمعهما هذا القائل فنص على أحدهما بالحظر وهو الخمر، وعلى الآخر بالإباحة وهو بول الإبل. والجمع بين ما فرقه النص غير جائز. وأيضاً فإن الناس كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها ويشغفون بها ويبتغون لذتها، فلما حرمت صعب عليهم تركها والنزوع عنها فغلظ الأمر فيها بإيجاب العقوبة على متناوليها ليرتدعوا عنها وليكفوا عن شربها وحسم الباب في تحريمها على الوجوه كلها شرباً وتداوياً لئلا يستبيحوها بعلة التساقم والتمارض، وهذا المعنى مأمون في أبوال الإبل لانحسام الدواعي ولما على الطباع من المؤنة في تناولها ولما في النفوس من استقذارها والنكرة لها

стр. 1219

فقياس أحدهما على الآخر لا يصح ولا يستقيم والله أعلم. ومن باب العجوة قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا سفيان عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد عن سعد قال: مرضت مرضاً فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي، وقال: إنك رجل مفؤود فائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليَلُدَّك بهن. قال الشيخ: المفؤود هو الذي أصيبب فؤاده كما قالوا لمن أصيب رأسه مرؤوس ولمن أصيب بطنه مبطون، ويقال إن الفؤاد غشاء القلب والقلب حبته وسويداؤه. ويشبه أن يكون سعد في هذه العلة مصدوراً إلاّ أنه قد كنى بالفؤاد عن الصدر إذا كان الصدر محلاً للفؤاد ومركزاً له، وقد يوصف التمر لبعض علل الصدر. قوله فليجأهن بنواهن يريد ليرضهن والوجيئة حساء يتخذ من التمر والدقيق فيتحساه المريض. وأما قوله فليلدك بهن فإنه من اللدود وهو ما يسقاه الإنسان في أحد جانبي الفم وأخذ من اللديدين وهما جانبا الوادي. ومن باب العِلاق قال أبو داود: حدثنا مسدد وحامد بن يحيى قالا: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أم قيس بنت محصن قالت: دخلتُ على رسول الله ﷺ بابن لي قد أعلقتُ عليه من العُذْرة، فقال على ما تدغَرن أولادكن بهذا العلاق عليكن بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب يُسعط

стр. 1220

من العُذْرة ويلد من ذات الجنب. قال الشيخ: هكذا يقول المحدثون أعلقت عليه وإنما هو أعلقت عنه، قال الأصمعي الاعلاق أن ترفع العذرة باليد والعذرة وجع يهيج في الحلق، وقد ذكره أبو عبيد في كتابه ولم يفسره ومعنى أعلقت عنه دفعت عنه العذرة بالأصبع. ونحوها قاله ابن الأعرابي. ومن باب الغَيْل قال أبو داود: حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا محمد بن مهاجر عن أبيه عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقتلوا أولادكم سراً فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه. قال الشيخ: أصل الغيل أن يجامع الرجل المرأة وهي مرضع، يقال منه أغال الرجل أغيل والولد مُغال ومغيل ومنه قول امرىء القيس: فألهيتها عن ذي تمائم مُغَيل وقوله يدعثره عن فرسه معناه يصرعه ويسقطه، وأصله في الكلام الهدم، يقال في البناء قد تدعثر إذا تهدم وسقط يقول ﷺ : إن المرضع إذا جومعت فحملت فسد لبنها ونهك الولد إذا اغتذى بذلك اللبن فيبقى ضاوياً فإذا صار رجلاً فركب الخيل فركضها أدركه ضعف الغيل فزال وسقط عن متونها فكان ذلك كالقتل له إلاّ أنه سر لا يرى ولا يشعر به. ومن باب تعليق التمائم قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن

стр. 1221

عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن زينب امرأة عبد الله عن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك قالت، قلت لم تقول هذا والله لقد كانت عيني تقذف فكنت اختلف إلى فلان اليهودي يرقيني فإذا رقاني سكنت، قال عبد الله إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقاها كف عنها إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: اذْهب الباس ربَّ الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلاّ شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً. قال الشيخ: التولة يقال أنه ضرب من السحر؛ قال الأصمعي وهو الذي يحبب المرأة إلى زوجها، فأما الرقى فالمنهي عنه هو ما كان منها بغير لسان العرب فلا يدرى ما هو ولعله قد يدخله سحراً أوكفراً، فأما إذا كان مفهوم المعنى وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به والله أعلم. ومن باب الرُّقى قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن مالك بن مِغْول عن حصين عن الشعبي عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: لا رقية إلاّ من عين أو حُمة. قال الشيخ: الحمة سم ذوات السموم وقد تسمى إبرة العقرب والزنبور حمة وذلك لأنها مجرى السم وليس في هذا نفي جواز الرقية في غيرهما من الأمراض والأوجاع لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه رقى بعض أصحابه من وجع كان به وقال للشفاء علمي حفصة رقية النملة، وإنما معناه أنه لا رقية أولى وأنفع من رقية العين والسم وهذا كما قيل لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار.

стр. 1222

قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي حدثنا علي بن مُسهر حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن صالح بن كيسان، عَن أبي بكر بن سليمان، عَن أبي حثمة عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة ﵂، فقال لي ألا تعلمين هذه رُقية النملة كما علمتيها الكتابة. قال الشيخ: النملة قروح تخرج في الجنبين، ويقال إنها تخرج أيضاً في غير الجنب ترقى فتذهب بإذن الله ، وفي الحديث دليل على أن تعليم الكتابة للنساء غير مكروه. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثني عمر بن حكيم قال حدثتني الرَّباب قالت سمعت سهل بن حنيف يقول مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه فخرجت محموماً فنمي ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: مروا أبا ثابت يتعوذ قالت فقلت يا سيدي والرقْية صالحة قال لا رقية إلاّ في نفس أو حمة أو لدغة. قال الشيخ: النفس العين، وفيه بيان جواز أن يقول الرجل لرئيسه من الآدميين يا سيدي. قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي حدثنا الليث عن زياد بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد، عَن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اشتكى منكم شيئاً فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حُوبَنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ.

стр. 1223

قال الشيخ: الحوب الإثم ومنه قول الله تعالى ﴿إنه كان حوباً كبيراً﴾ [النساء: ٢] وهو الحوبة أيضاً مفتوحة الحاء مع إدخال الهاء. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عَوانة، عَن أبي بشر، عَن أبي المتوكل، عَن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رهطاً من أصحاب النبي ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها فنزلوا بحي من أحياء العرب، فقال بعضهم إن سيدنا لدغ فهل عند أحد منكم شيء ينفع صاحبنا، فقال رجل من القوم نعم والله إني لأرقي ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا ما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلاً فجعلوا له قطيعاً من الشاه فأتاه فقرأ عليه أم الكتاب ويتفل حتى برأ كأنما أنشط من عقال قال فأوفاهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقالوا اقتسموا فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنستأمره فغدوا على رسول الله ﷺ فذكروا له فقال رسول الله ﷺ من أين علمتم أنها رقية أحسنتم اقتسموا واضربوا لي معكم بسهم. قال الشيخ: قوله أنشط من عقال أي حل من عقال، يقال نشطت الشيء إذا شددته. وأنشطته بالألف إذا حللته. وفيه دليل على أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن جائز. ومن باب النهي عن إتيان الكاهن قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن حكيم الأثرم، عَن أبي تميمة، عَن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل الله على محمد. قال الشيخ: الكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور،

стр. 1224

فمنهم من كان يزعم أن له رؤيا من الجن وتابعة تلقي إليه الأخبار. ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه، وكان منهم من يسمى عرافاً وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة وتتهم المرأة بالزنية فيعرف من صاحبها ونحو ذلك من الأمور. ومنهم من كان يسمي المنجم كاهناً فالحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم والرجوع إلى قولهم وتصديقهم على ما يدعونه من هذه الأمور. ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهناً وربما دعوه أيضاً عرافاً وقال أبو ذؤيب: يقولون لي لوكان بالرمل لم يمت ... نبيشة والكهان تكذب قيلها وقال آخر: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني فهذا غير داخل في النهي وإنما هو مغالطة في الأسماء وقد أثبت رسول الله ﷺ الّطب وأباح العلاج والتداوي. وقد تقدم ذكره فيما مضى من أبواب الكتاب. قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومسدد المعنى قالا: حَدَّثنا يحيى عن عبيد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر. قال الشيخ: علم النجوم المنهى عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان كأخبارهم بأوقات هبوب

стр. 1225

الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد وتغير الأسعار وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكبواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها ويدعون لها تأثيراً في السفليات وأنها تتصرف على أحكامها وتجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم استأثر الله سبحانه به لا يعلم الغيب أحد سواه. فأما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والحس الذي يعرف به الزوال ويعلم به جهة القبلة فإنه غير داخل فيما نهي عنه. وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئاً بأكثر من أن الظل ما دام متناقصاً فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصح دركه من جهة المشاهدة، إلاّ أن أهل هذه الصناعة قد دبروه بما اتخذوا له من الالة التي يستغنى الناظر فيها عن مراعاة مدته ومرا صدته. وأما ما يستدل به من جهة النجوم على جهة القبلة فإنما هي كواكب أرصدها أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة ويشاهدوها في حال الغيبة عنها فكان إدراكهم الدلالة عنها بالمعاينة وادراكنا لذلك بقبولنا لخبرهم إذ كانوا غير متهمين في دينهم ولا مقصرين في معرفتهم. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل

стр. 1226

تدرون ما قال ربكم، قالوا الله ورسول أعلم قال: قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مُطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مُطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب. قال الشيخ: قوله في أثر سماء أي في أثر مطر، والعرب تسمي المطر سماء لأنه نزل منها قال الشاعر: إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا والنوء واحد الأنواء وهي الكواكب الثمانية والعشرون التي هي منازل القمر كانوا يزعمون أن القمر إذا نزل بعض تلك الكواكب مطروا فأبطل ﷺ قولهم وجعل سقوط المطر من فعل الله سبحانه دون فعل غيره. ومن باب الخط وزجر الطير قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا عوف حدثنا حيان بن العلاء حدثنا قَطَن بن قَبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: العيافة والطَّيرَه والطرق من الجبت. قال الشيخ: قد فسره أبو عبيد فقال العيافة زجر الطير يقال منه عفت الطير أعيفها عيافة، قال ويقال في غير هذا عافت الطير تعيف عيفاً إذا كانت تحوم على الماء وعاف الرجل الطعام يعافه عيافاً وذلك إذا كرهه. قال وأما الطرق فإنه الضرب بالحصى ومنه قول لبيد: لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع قال واصل الطرق الضرب، ومنه سميت مطرقة الصائغ والحداد لأنه يطرق بها أي يضرب بها.

стр. 1227

قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن الحجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونه عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك. قال الشيخ: صورة الخط ما قاله ابن الأعرابي ذكره أبو عمر، عَن أبي العباس أحمد بن يحيى عنه، قال يقعد الحازي ويأمر غلاماً له بين يديه فيخط خطوطاً على رمل أو تراب ويكون ذلك منه في خفة وعجلة كي لا يدركها العدّ والإحصاء ثم يأمره فيمحها خطين خطين ابني عيان اسرعا البيان فإن كان آخر ما بقى منها خطين فهو آية النجاح وإن بقي خط واحد فهو الخيبة والحرمان. وأما قوله فمن وافق خطه فذلك فقد يحتمل أن يكون معناه الزجر عنه إذا كان من بعده لا يوافق خطه ولا ينال حظه من الصواب لأن ذلك إنما كان آية لذلك النبي فليس لمن بعده أن يتعاطاه طمعاً في نيله والله أعلم. وقد ذكرنا هذا المعنى أو نحوه فيما مضى من هذا الكتاب. ومن باب الطيرة قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن سلمة بن كُهيل عن عيسى بن عاصم عن زِر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: الطيرة شرك وما منا إلاّ ولكن الله يذهبه بالتوكل. قال الشيخ: قوله وما منا إلاّ معناه إلاّ من يعتريه التطير وسبق إلى قلبه الكراهة فيه فحذف اختصاراً للكلام واعتماداً على فهم السامع، وقال محمد بن إسماعيل كان سليمان بن حرب ينكر هذا ويقول هذا الحرف ليس من قول

стр. 1228

رسول الله وكأنه قول ابن مسعود ﵁. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي قالا: حَدَّثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيُجْربها، قال فمن أعدى الأول قال معمر، قال الزهري فحدثني رجل، عَن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يوردن مُمرض على مُصح، ققال فراجعه الرجل فقال أليس قد حدثتنا أن النبي ﷺ قال: لا عدوى ولا صفر ولا هامة، قال لم أحدثكموه، قال الزهري قال أبو سلمة قد حدث به وما سمعت أبا هريرة نسي حديثاً قط غيره. قال الشيخ: قوله لا عدوى يريد أن شيئاً لا يعدي شيئاً حتى يكون الضرر من قبله وإنما هو تقدير الله جل وعز وسابق قضائه فيه ولذلك قال فمن أعدى الأول. يقول إن أول بعير جرب من الإبل لم يكن قبله بعير أجرب فيعديه وإنما كان أول ما ظهر الجرب في أول بعير منها بقضاء الله وقدره فكذلك ما ظهر منه في سائر الإبل بعد. وأما الصفر فقد ذكره أبو عبيد في كتابه، وحكي عن رؤبة بن العجاج أنه سئل عن الصفر فقال هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس قال وهي أعدى من الجرب، قال أبو عبيد فأبطل النبي ﷺ أنها تعدي قال، وقال غيره في الصفر أنه تأخيرهم المحرم إلى صفر في تحريمه. قال وأما الهامة فإن العرب كانت تقول إن عظام الموتى تصير هامة فتطير أبطل النبي ﷺ ذلك من قولهم.

стр. 1229

قلت وتطير العامة اليوم من صوت الهامة ميراث ذلك الرأي وهو من باب الطيرة المنهي عنها. وأما قوله لا يوردن مُمرض على مُصح قال الممرض الذي مرضت ماشيته والمصح هو صاحب الصحاح منها، كما قيل رجل مضعف إذا كانت دوابه ضعافاً، ومقوٍ إذا كانت أقوياء، وليس المعنى في النهي عن هذا الصنيع من أن المرضى تعدي الصحاح، ولكن الصحاح إذا مرضت بإذن الله وتقديره وقع في نفس صاحبه أن ذلك إنما كان من قبل العدوى فيفتنه ذلك ويشككه في أمره فأمر باجتنابه والمباعدة عنه لهذا المعنى. وقد يحتمل أن يكون ذلك من قبل الماء والمرعى فتستوبله الماشية فإذا شاركها في ذلك الماء الوارد عليها أصابه مثل ذلك الداء والقوم بجهلهم يسمونه عدوى وإنما هو فعل الله ﵎ بتأثير الطبيعة على سبيل التوسط في ذلك والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرْقي أن سعيد بن الحكم حدثهم أنبأنا يحيى بن أيوب حدثني ابن عجلان حدثني القعقاع بن حكيم وعبيد الله بن مقسم وزيد بن أسلم، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا غُولَ. قال الشيخ: قوله لا غول ليس معناه نفي الغول عيناً وإبطالها كوناً، وإنما فيه إبطال ما يتحدثون عنها من تغولها واختلاف تلونها في الصور المختلفة واضلالها الناس عن الطريق وساسر ما يحكون عنها مما لا يعلم له حقيقة. يقول لا تصدقوا بذلك ولا تخافوها فإنها لا تقدر عل شيء من ذلك إلاّ بإذن الله ، ويقال إن الغيلان سحرة الجن تسحر الناس وتفتنهم بالإضلال

стр. 1230

عن الطريق والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: لا عدوى ولا طِيَرة ويعجبني الفأل الصالح. والفأل الصالح الكلمة الحسنة. قال الشيخ: قد أعلم النبي ﷺ أن الفأل إنما هو أن يسمع الإنسان الكلمة الحسنة فيفأل بها أي يتبرك بها ويتأولها على المعنى الذي يطابق اسمها وأن الطيرة بخلافها وإنما أخذت من اسم الطير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطير إذا كانوا في سفر أو مسير، ومنهم من كان يتطير بسنوحها فيصدهم ذلك عن المسير ويردهم عن بلوغ ما يمموه من مقاصدهم فأبطل ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها من ناحية حسن الظن بالله. وأخبرني الكراني حدثنا عبد الله بن شبيب حدثني المنقري حدثنا الأصمعي قال سألت ابن عون عن الفأل، قال هو أن تكون مريضاً فتسمع يا سالم أو تكون طالباً فتسمع يا واجد. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى أن الحضرمي بن لاحق حدثه عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا هامة ولا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار. قال الشيخ: معنى الطيرة التشاؤم وهو مصدر التطير، يقال تطير الرجنل طيرة كما قالوا تخيرت الشيء خيرة ولم يجىء من المصادر على هذا القياس غيرهما
следующие страницы →