Полный текст (1 377 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قوله لا يهيدنكم معناه لا يمنعنكم الأكل وأصل الهيد الزجر، يقال هدت الرجل أهيده هيداً إذا زجرته، ويقال في زجر الدواب يريد هِيْد هِيْد والساطع المرتفع وسطوعها ارتفاعها مصعداً قبل أن يعترض. ومعنى الأحمر ههنا أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة وذلك أن البياض إذا تتام طلوعه ظهرت أوائل الحمرة والعرب تشبه الصبح بالبلَق في الخيل لما فيه من بياض وحمرة، وقد جعله عمر بن أبي ربيعة شقرة فقال:
فلما تقضى الليل إلاّ أقله ...وكادت توالي نجمه تتغوّر
فما راعني إلاّ مناد تحملوا ...وقد لاح معروف من الصبح أشقر
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حصين بن نمير قال وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن إدريس المعنى عن حصين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت هذه الآية ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] قال أخذت عقالا أبيض وعقالا أسود ووضعتهما تحت وسادتي فنظرت فلم أتبين فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال إن وسادك إذاً لعريض طويل إنما هو الليل والنهار.
وقال عثمان إنما هو سواد الليل وبياض النهار. قوله إن وسادك إذاً لعريض فيه قولان أحدهما يريد أن نومك إذاً لكثير وكنى بالوساد عن النوم إذا كان النائم يتوسده أو يكون أراد أن ليلك إذا لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل والشرب حتى يتبين لك سواد العقال من بياضه.
والقول الآخر أنه كنى بالوساد عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوساد إذا نام والعرب تقول فلان عريض القفا إذا كانت فيه غباوة وغفلة.
стр. 422
وقد روي في هذا الحديث من طريق آخر أنه قال إنك عريض القفا والعرب تسمي بياض الصبح أول ما يبدو خيطاً قال النابغة:
فلما تبدت لنا سَدْفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا
ومن باب الرجل يسمع النداء والإناء على يده
قال أبو داود: حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد عن محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه.
قلت هذا على قوله إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم أو يكون معناه أن يسمع الأذان وهو يشك في الصبح مثل أن تكون السماء متغمة فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معه معدومة ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضاً، فأما إذا علم انفجار الصبح فلا حاجة به إلى أذان الصارخ لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
ومن باب وقت فطر الصائم
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع قال وحدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود المعنى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ إذا جاء الليل من هاهنا وذهب النهار من هاهنا. قال مسدد وغابت الشمس فقد أفطر الصائم.
قوله فقد أفطر الصائم معناه أنه قد صار في حكم المفطر وإن لم يأكل وقيل معناه أنه قد دخل في وقت الفطر وحان له أن يفطر كما قيل أصبح الرجل إذا
стр. 423
دخل في وقت الصبح وأمسى وأظهر كذلك. وفيه دليل على بطلان الوصال.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد حدثنا سليمان الشيباني. قال سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم فلما غربت الشمس قال يا بلال انزل فاجدح لنا فقال يا رسول الله لو أمسيت قال انزل فاجدح لنا قال يا رسول الله إن عليك نهاراً. قال انزل فاجدح لنا فجدح فشرب رسول الله ﷺ ثم قال إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم وأشار بأصبعه قبل المشرق.
قوله أجدح لنا الجدح أن يخاض السويق بالماء ويحرك حتى يستوي وكذلك اللبن ونحوه. والمجدح العود المجنح الرأس الذي يخاض به الأشربة ليرق ويستوي.
ومن باب الوصال
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال قالوا فإنك تواصل قال إني لست كهيئتكم أني أطعم وأسقى.
قلت الوصال من خصائص ما أبيح لرسول الله ﷺ وهو محظور على أمته ويشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يتخوف على الصائم من الضعف وسقوط القوة فيعجزوا عن الصيام المفروض وعن سائر الطاعلت أو يملوها إذا نالتهم المشقة فيكون سببا لترك الفريضة.
قوله إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى يحتمل معنيين أحدهما أني أعان على الصيام وأقوى عليه فيكون ذلك بمنزلة الطعام والشراب لكم. ويحتمل أن يكون قد يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يطعمهما فيكون ذلك خصيصا
стр. 424
كرامة لا يشركه فيها أحد من أصحابه والله أعلم.
ومن باب الغيبة للصائم
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم.
قوله لا يرفث يريد لا يفحش والرفث الخنا والفحش. وقوله فليقل إني صائم يتأول على وجهين أحدهما فليقل ذلك لصاحبه نطقا باللسان يرده بذلك عن نفسه. والوجه الآخر أن يقول ذلك في نفسه أي ليعلم أنه صائم فلا يخوض معه ولا يكافئه على شتمه لئلا يفسد صومه ولا يحبط أجر عمله.
ومن باب الاستنشاق للصائم
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله ﷺ بالغ في الاستنشاق إلاّ أن تكون صائماً.
فيه من الفقه أن وصول الماء إلى موضع الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله وعلى قياس ذلك كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو في غيره من حشو جوفه، وقد يستدل بذلك من يوجب الاستنشاق في الطهارة قالوا ولولا وجوبه لكان يطرحه عن الصائم أصلا احتياطاً على صومه فلما لم يفعل ذلك دل على أنه واجب لا يجوز تركه وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه.
стр. 425
ومن باب من أفطر قبل غروب الشمس
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن العلاء المعنى قالا: حَدَّثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أيى بكر قالت أفطرنا يوما في رمضان في غيم في عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس وقال أسامة قلت لهشام أمروا بالقضاء قال وبُدَّ من ذلك.
قلت اختلف في وجوب القضاء في مثل هذا فقال أكثر أهل العلم القضاء واجب عليه وقال إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر لا قضاء عليه ويمسك بقية النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس، وروي ذلك عن الحسن البصرى وشبهوه بمن أكل ناسيا في الصوم.
قلت الناسي لا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيا وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتيقن غيبوبة الشمس فالنسيان خطأ في الفعل وهذا خطأ في الوقت والزمان والتحرز منه ممكن.
ومن باب السواك للصائم
قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح حدثنا شريك (ح) وحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن عاصم بن عبيد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم زاد مسدد في حديثه ما لا أعُدُ ولا أُحصي.
قلت السواك مستحب للصائم والمفطر إلاّ أن قوما من العلماء كرهوا للصائم أن يستاك آخر النهار استبقاء لخلوف فمه، وإلى هذا ذهب الشافعى وهو قول الأوزاعي وروي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب عطاء ومجاهد.
стр. 426
ومن باب الصائم يحتجم
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن هشام، يَعني ابن أبي عبد الله عن يحيى عن ابن أبي كثير، عَن أبي قلابة، عَن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان عن رسول الله ﷺ قال: أفطر الحاجم والمحجوم.
قلت اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الحجامة تفطر الصائم قولا بظاهر الحديث، هذا قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقالا عليهما القضاء وليست عليهما الكفارة، وعن عطاء قال على من احتجم وهو صائم في شهر رمضان القضاء والكفارة.
وروي عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يحتجمون ليلا منهم ابن عمر وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك. وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم، وكان الأوزاعي يكره ذلك، وقال ابن المسيب والشعبي والنخعي إنما كرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف. وممن كان لا يرى بأسا بالحجامة للصائم سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وهو قول أصحاب الرأي.
وتأول بعضهم الحديث فقال معنى أفطر الحاجم والمحجوم أي تعرضا للإفطار أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه من ذلك فيؤديه إلى أن يعجز عن الصوم. وأما الحاجم فلأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه من طعم الدم أو من بعض أجراحه إذا ضم شفتيه على قصب الملازم وهذا كما يقال للرجل يتعرض للمهالك قد هلك فلان وإن كان باقيا سالما. وإنما يراد به أنه قد أشرف على الهلاك وكقوله ﷺ من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين يريد أنه قد تعرض للذبح.
وقيل فيه وجه آخر وهو أنه مر بهما مساء فقال أفطر الحاجم والمحجوم كأنه
стр. 427
عذرهما بهذا القول إذ كانا قد أمسيا ودخلا في وقت الإفطار كما يقال أصبح الرجل وأمسى وأظهر إذا دخل في هذه الأوقات. وأحسبه قد روي في بعض الحديث.
وقال بعضهم هذا على التغليظ لهما والدعاء عليهما كقوله فيمن صبام الدهر لا صام ولا أفطر. فمعنى قوله أفطر الحاجم والمحجوم على هذا التأويل أي بطل صيامهما فكأنهما صارا مفطرين غير صائمين، وقيل أيضاً معناه حان لهما أن يفطرا كقولك حصد الزرع إذا حان أن يحصد واركب المهر إذا كان له أن يركب.
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم صائماً محرماً.
قلت وهذا يؤكد قول من رخص في الحجامة للصائم ورأى أن الحجامة لا تفسد الصوم.
وفيه دليل على أن الحجامة لا تضر المحرم مالم يقطع شعرا، وقد تأول حديث ابن عباس من ذهب إلى أن الحجامة تفطر الصائم، فقال إنما احتجم النبي ﷺ صائما محرما وهو مسافر لأنا لا نعلمه كان محرما وهو مقيم وللمسافر أن يفطر على ما شاء من طعام وجماع وحجامة وغيرها.
قلت وهذا التأويل غير صحيح لأنه قد أثبته حين احتجم صائما ولو كان يفسد صومه بالحجامة لكان يقال أنه أفطر بالحجامة كما يقال أفطر الصائم بشرب الماء وبأكل التمر وما أشبههما ولا يقال شرب ماء صائماً ولا أكل تمراً وهو صائم.
ومن باب الصائم يستقيء عامدا
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا هشام بن حسان
стр. 428
عن محمد بن سيرين، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض. قال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل يقول ليس من ذا شيء.
قلت يريد أن الحديث غير محفوظ قال أبو عيسى الترمذي سألت محمد بن إسماعيل البخاري عنه فلم يعرفه إلاّ من طريق عيسى بن يونس وقال ما أراه محفوظا. قال وروى يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن الحكم أن أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر الصائم.
قلت وذكر أبو داود أن حفص بن غياث رواه عن هشام كما رواه عيسى بن يونس.
قلت لا أعلم خلافا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه ولا في أن من استقاء عامدا أن عليه القضاء، ولكن اختلفوا في الكفارة فقال عامة أهل العلم ليس عليه غير القضاء وقال عطاء عليه القضاء والكفارة وحكي ذلك عن الأوزاعي وهو قول أبي ثور.
قلت وفي إسقاط أكثر العلماء الكفارة عن المستقيء عامداً دليل على أن لا كفارة على من أكل عامداً في نهار رمضان، إلاّ أن المستقيء عامدا مشبه بالآكل متعمدا ومن ذرعه القيء مشبه بالآكل ناسيا.
قلت ويدخل في معنى من ذرعه القيء كل ما غلب عليه الإنسان من دخول الذباب حلقه ودخول الماء جوفه إذا وقع في ماء غَمْر وما أشبه ذلك فإنه لا يفسد صومه شيء من ذلك.
ومن باب الصائم يحتلم نهارا
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل
стр. 429
من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم.
قلت هذا إن ثبت فمعناه من قاء غير عامد ولكن في إسناده رجل لا يعرف وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار، عَن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ إلاّ أن عبد الرحمن ضعفه أهل الحديث.
وقال أبو عيسى أخطأ فيه عبد الرحمن ورواه غير واحد عن زيد بن أسلم مرسل. اوعبد الرحمن ذاهب الحديث.
قلت حدثني محمد بن الحسين الزعفراني حدثنا ابن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول حديث بني زيد بن أسلم ثلاثتهم ليس بشيء.
ومن باب القبلة الصائم
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملك لإرْبه.
قلت هذا يروى على وجهين أرب مفتوحة الألف والراء وإرب مكسورة الألف ساكنة الراء ومعناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها يقال لفلان عند فلان وأرَب وإربه ومأربه أي حاجة والأرب أيضاً العضو.
واختلف الناس في جواز القبلة للصائم فكرهتها طائفة نهى عنها ابن عمر ويروى عن ابن مسعود أنه قال من فعل ذلك قضى يوما مكانه وعن ابن المسيب مثل ذلك. وقال ابن عباس يكره ذلك للشاب ويرخص فيه للشيخ.
стр. 430
وإلى هذا ذهب مالك بن أنس ورخص فيها عمر بن الخطاب وأبو هريرة وعائشة وعطاء والشعبي والحسن. وقال الشافعي لا بأس بها إذا لم يحرك منه شهوة، وكذلك قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقال الثوري لاتفطره والتنزه أحب إليّ.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا الليث (ح) وحدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث بن سعد عن بكير بن عبد الله عن عبد الملك بن سعيد عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ هشِشت فقبلت وأنا صائم قال فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم، قال أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم. قال عيسى بن حماد في حديثه قلت لا بأس به قال فمه.
قلت في هذا إثبات القياس والجمع بين الشيئين في الحكم الواحد لاجتماعهما في الشبه وذلك أن المضمضة بالماء ذريعة لنزوله إلى الحلق ووصوله إلى الجوف فيكون به فساد الصوم كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد للصوم. يقول فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته.
ومن باب من أصبح جنباً في شهر رمضنان
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك (ح) وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن عبد ربه بن سعيد، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم سلمة زوحي النبي ﷺ قالتا كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً.
قال عبد الله الأذرمي في حديثه في رمضان من جماع غير احتلام ثم يصوم.
стр. 431
قال أبو داود ما أقل من يقول هذه الكلمة، يَعني يصبح جنبا في رمضان وإنما الحديث أنه كان يصبح جنبا ًوهو صائم.
قلت قد أجمع عامة العلماء على أنه إذا أصبح جنبا في رمضان فإنه يتم صومه ويجزئه غير أن إبراهيم النخعي فرق بين أن يكون ذلك منه في الفرض وبين أن يكون في التطوع فقال يجزئه في التطوع ويقضي في الفريضة. وهذه اللفظة التي زادها الأذرمي إن ثبتت فهي حجة عليه من جهة النص وإلا فسائر الأخبار حجة عليه من جهة العموم وكان أبوهريرة يفتي بأن من أصبح جنبا فلا صوم له وكان يرويه عن رسول الله ﷺ فلما بلغه حديث عائشة وأم سلمة قال هما أعلم بذلك إنما أخبرنيه الفضل بن العباس عن النبي ﷺ فتكلم الناس في معنى ذلك فأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة في هذا أن يكون ذلك محمولا على النسخ وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرما على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الخطر المتقدم فيكون تأويل قول من أصبح جنبا فلا يصوم أي من جامع في الصوم بعد النوم فلا يجزئه صوم غده لأنه لا يصبح جنبا إلاّ وله أن يطأ قبل الفجر بطرفة عين فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن العباس على الأمرالأول ولم يعلم بالنسخ فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه. وقد روي عن ابن المسيب أنه قال رجع أبو هريرة عن فتياه فيمن أصبح جنبا أنه لا يصوم.
قلت وقد يتأول ذلك أيضاً على وجه آخر من حيث لا يقع فيه النسخ وهو أن يكون معناه من أصبح مجامعا فلا صوم له والشيء قد يسمى بسم غيره إذا
стр. 432
كان مآله في العاقبة إليه.
ومن باب كفارة من أتى أهله في شهر رمضان
قال أبو داود: حدثنا مسدد ومحمد بن عيسى المعنى قالا: حَدَّثنا سفيان بن عيينة قال مسدد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عَن أبي هريرة قال أتي رجل النبي ﷺ فقال هلكت، فقال ما شأنك قال وقعت على امرأتي في رمضان، قال فهل تجد ما تعتق رقبة قال لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا، قال فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا قال لا، قال اجلس فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر قال تصدق به، فقال يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا قال فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت ثناياه قال فأطعمه إياهم.
قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي حدثنا ابن أبي فديك حدثنا هشام بن سعد عن ابن شهاب، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عَن أبي هريرة بهذا الحديث وقال فأتى بعَرق قدر خمسة عشر صاعا وقال فيه كله أنت وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله.
قلت في هذا الحديث من الفقه أن على المجامع متعمدا في نهار شهر رمضان القضاء والكفارة وهو قول عوام أهل العلم غير سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة فإنهم قالوا عليه القضاء ولا كفارة. ويشبه أن يكون حديث أبي هريرة لم يبلغهم. وفيه أنه من قدر على عتق الرقبة لم يجزئه الصيام ولا الإطعام لأن البيان خرج فيه مرتبا فقدم العتق ثم نسق عليه الصيام ثم الإطعام كما رأيت ذلك في كفارة الظهار وهو قول أكثر العلماء إلا أن مالك بن أنس زعم أنه مخير بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام.
стр. 433
وحكي عنه أنه قال الإطعام أحب إلي من العتق. وفيه دلالة من جهة الظاهر أن كفارة الإطعام مد واحد لكل مسكين لأن خمسة عشر صاعا إذا قسمت بين ستين لم يخص كل واحد منهم أكثر من مد وإلى هذا ذهب مالك والشافعي.
وقال أصحاب الرأي يطعم كل مسكين نصف صاع. وفي قوله وصم يوماً واستغفر الله بيان أن صوم ذلك اليوم الذي هو القضاء لا يدخل في صيام الشهرين الذي هو الكفارة وهو مذهب عامة أهل العلم غير الأوزاعي فإنه قال يدخل صوم ذلك اليوم في صيام الشهرين قال فإن كفر بالعتق أو بالإطعام صام يوما مكانه.
قلت وفي أمره الرجل بالكفارة لما كان منه من الجنابة دليل على أن على المرأة كفارة مثلها لأن الشريعة قد سوت بين الناس في الأحكام إلاّ في مواضع قام عليه دليل التخصيص وإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت بجماع متعمد كما وجب على الرجل وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء وهذا مذهب أكثر العلماء.
وقال الشافعي يجزيهما كفارة واحدة وهي على الرجل دونها. وكذلك قال الأوزاعي إلاّ أنه قال إن كانت الكفارة بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين.
واحتجوا لهذا القول بأن قول الرجل أصبت أهلي سؤال عن حكمه وحكمها لأن الإصابة معناها أنه واقعها وجامعها، وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه ومنها معاً ثم أجاب النبي ﷺ عن المسألة فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل ولم يعرض لها بذكر دل أنه لا شيء عليها وأنها مجزئة في الأمرين معاً ألا ترى أنه بعث اُنيساً إلى المرأة التي رميت بالزنا وقال إن اعترفت فارجمها فلم يهمل حكمها لغيبتها عن حضرته فدل هذا على أنه لورأى عليها كفارة لألزمها ذلك
стр. 434
ولم يسكت عنها.
قلت وهذا غير لازم وذلك أن هذا حكاية حال لا عموم لها، وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر من مرض أو سفر أو تكون مكرهة أو ناسية لصومها أو نحو ذلك من الأمور، وإذا كان كذلك لم يكن ما ذكروه حجة يلزم الحكم بها.
واحتجوا أيضاً في هذا بحرف لا أزال أسمعهم يروونه في هذا الحديث وهو قوله هلكت وأهلكت، قالوا فدل قوله وأهلكت على مشاركة المرأة إياه في الجنابة لأن الإهلاك يقتضي الهلاك ضرورة كما القطع يقتضي الانقطاع.
قلت وهذه اللفظة غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، وإنما ذكروا قوله هلكت حسب. غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف فيه وهو غير محفوظ والمعلى ليس بذاك في الحفظ والاتقان، وفي هذه القصة من رواية عائشة لفظة تدل على صحة ما ذهبنا إليه وقد ذكرها أبو داود في هذا الباب.
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه أنه سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول أتى رجل النبي ﷺ في المسجد في رمضان فقال يا رسول الله احترقت فسأله النبي ﷺ ما شأنك قال أصبت أهلي قال تصدق، قال والله ما لي شيء وما أقدر عليه، قال اجلس فجلس فبينما هو على ذلك إذ أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام فقال رسول الله ﷺ أين المحترق آنفاً فقام الرجل فقال رسول ﷺ تصدق بهذا
стр. 435
فقال يا رسول الله أعلى غيرنا فوالله إنا لجياع ما لنا شيء قال كلوه.
قلت قوله احترقت يدل على أنه المحترق بالجنابة دون غيره وهذا بإزاء قوله هلكت في حديث أبي هريرة. وقد اختلف الناس في تأويل قوله كله وأطعمه أهلك فقال الزهري هذا خاص لذلك الرجل ولو أن رجلاً فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير.
قلت وهذا من الزهري دعوى لم يحضر عليها برهاناً ولا ذكر فيها شاهداً، وقال غيره هذا منسوخ ولم يذكر في نسخه خبراً يعلم به صحة قوله وأحسن ما سمعت فيه قول أبي يعقوب البويطي، وذلك أنه قال رجل وجبت عليه الرقبة فلم يكن عنده ما يشتري به رقبة فقيل له صم فلم يطق الصوم فقيل له اطعم ستين مسكينا فلم يجد ما يطعم فأمر له النبي ﷺ بطعام ليتصدق به فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج منه وقد قال النبي ﷺ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى فلم ير له أن يتصدق على غيره ويترك عياله فلما نقص من ذلك بقدر ما أطعم أهله لقوت يومهم صار طعاما لايكفي ستين مسكيناً فسقطت عنه الكفارة في ذلك الوقت فكانت في ذمته إلى أن يجدها وصار كالمفلس يمهل ويؤجل وليس في الحديث أنه قال لا كفارة عليك.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الكفارة لا تلزم الفقير واحتج بظاهر الحديث.
وأما العَرَق فهو المكتل وأصله السفيفة تنسج من الخوص قبل أن يجعل منها زنبيل فسمي الزنبيل عرقاً لذلك قاله أبوعييد وغيره. وقوله ما بين لابتيها يريد حرتي المدينة واحدة لابة وجمعها لوب.
قلت وظاهر هذا الحديث يدل على أن قدر خمسة عشر صاعاً كاف للكفارة
стр. 436
عن شخص واحد لكل مسكين مد، وقد جعله الشافعي أصلا لمذهبه في أكثر المواضع التي يجب فيها الإطعام إلاّ أنه قد روي في خبر سلمة بن صخر وأوس بن الصامت في كفارة الظهار أنه قال في أحدهما أطعم ستين مسكيناً وسقا ًوالوسق ستون صاعا، وفي الخبر الآخر أنه أتي بعرق. وفسره محمد بن إسحاق بن يسار في روايته ثلاثين صاعا، وإسناد الحديثين لا بأس به وإن كان حديث أبي هريرة أشهر رجالا فالاحتياط أن لا يقتصر على المد الواحد لأن من الجائز أن يكون العرق الذي أتي به النبي ﷺ المقدر بخمسة عشر صاعا قاصرا في الحكم عن مبلغ تمام الواجب عليه مع أمره إياه أن يتصدق به ويكون تمام الكفارة باقيا عليه إلى أن يؤديه عند اتساعه لوجوده كمن يكون عليه لرجل ستون درهماً فيأتيه بخمسة عشر درهما فيقال لصاحب الحق خذه ولا يكون في ذلك إسقاط ما وراءه من حقه ولا براءة ذمته منه.
ومن باب من أكل وشرب ناسيا
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن أيوب وحبيب وهشام عن محمد بن سيرين، عَن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم قال الله أطعمك وسقاك.
قوله الله أطعمك وسقاك فيه دليل على أن لا قضاء على المفطر ناسياً وذلك أن النسيان من باب الضرورة والضرورات من فعل الله سبحانه ليست من فعل العباد ولذلك أضاف الفعل إلى الله .
وإلى إسقاط القضاء والكفارة عن الناس ذهب عامة أهل العلم غير مالك بن أنس وربيعة بن أبي عبد الرحمن. فأما إذا وطئ زوجته ناسيا في نهار الصوم
стр. 437
فقد اختلف العلماء في ذلك فقال الثوري وأصحاب الرأي والشافعي وإسحاق مثل قولهم فيمن أكل أو شرب ناسياً، وإليه ذهب الحسن ومجاهد، وقال عطاء والأوزاعي ومالك والليث بن سعد عليه القضاء، وقال أحمد عليه القضاء والكفارة واحتج بأن النبي ﷺ لم يسأل الذي وقع على أهله أنسيت أم عمدت.
قلت معناه في هذا اقتضاء العموم من الفعل. والعموم إنما يقتضي من القول دون الفعل. وإنما جاء الحديث بذكر حال وحكاية فعل فلا يجوز وقوعه على العمد والنسيان معاً فبطل أن يكون له عموم. ومن مذهب أبي عبد الله أنه إذا أكل ناسيا لم يفسد صومه لأن الأكل لم يحصل منه على وجه المعصية فكذلك إذا جامع ناسيا. فأما المتعمد لذلك فقد حصل منه الفعل على وجه المعصية فلذلك وجبت عليه الكفارة.
ومن باب تأخير قضاء رمضان
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع عائشة تقول إن كان ليكون عليّ تعني الصوم من رمضان فما استطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان.
قولها فما استطيع أن أقضيه إنما هولاشتغالها بقضاء حق رسول الله ﷺ وتوفير الحظ في عشرته.
وفيه دلالة على أن من أخر القضاء إلى أن يدخل شهر رمضان من قابل وهو مستطيع له غير عاجز عنه فإن عليه الكفارة ولولا ذلك لم يكن في ذكرها شعبان وحصرها موضع القضاء فيه فائدة من بين سائر الشهور.
стр. 438
وممن ذهب إلى إيجاب الكفارة على من أخر القضاء إلى أن يدركه شهر رمضان من قابل أبو هريرة وابن عباس وهو قول عطاء والقاسم بن محمد والزهري.
وإليه ذهب مالك وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقال الحسن والنخعي يقضي وليس عليه فدية، وإليه ذهب أصحاب الرأي. وقال سعيد بن جبير وقتادة يطعم ولا يقضي.
ومن باب من مات وعليه صيام
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.
قلت هذا فيمن لزمه فرض الصوم إما نذراً وإما قضاء عن رمضان فائت مثل أن يكون مسافراً فيقدم وأمكنه القضاء ففرط فيه حتى مات أو يكون مريضاً فيبرأ ولا يقضي.
وإلى ظاهر هذا الحديث ذهب أحمد وإسحاق وقالا يصوم عنه وليه، وهو قول أهل الظاهر. وتأوله بعض أهل العلم فقال معناه أن يطعم عنه وليه فإذا فعل ذلك فكأنه قد صام عنه وسمي الإطعام صياما على سبيل المجاز والاتساع إذ كان الطعام قد ينوب عنه، وقد قال سبحانه ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ [المائدة: ٩٥] فدل على أنهما يتناوبان.
وذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يجوز صيام أحد عن أحد وهو قول أصحاب الرأي وقاسوه على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التي لا مدخل للمال فيها واتفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر في المرض أو السفر ثم لم يفرط في القضاء
стр. 439
حتى مات فإنه لا شيء عليه ولا يجب الإطعام عنه. غير قتادة فإنه قال يطعم عنه وقد حكي ذلك أيضاً عن طاوس.
ومن باب الصوم في السفر
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: حَدَّثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي قال يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر قال صم إن شئت وافطر إن شئت.
قلت هذا نص في إثبات الخيار في السفر بين الصوم والإفطار. وفيه بيان جواز صوم الفرض للمسافر إذا صامه، وهو قول عامة أهل العلم إلاّ ما روي عن ابن عمر أنه قال: إن صام في السفر قضى في الحضر. وقد روي عن ابن عباس أنه قال لا يجزئه، وذهب إلى هذا من المتأخرين داود بن علي، ثم اختلف أهل العلم بعد هذا في فضل الأمرين منهما.
فقالت طائفة أفضل الأمرين الفطر، وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه. وقال أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص أفضل الأمرين الصوم في السفر وبه قال التخعي وسعيد بن جبير وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي.
وقالت فرقة ثالثة أفضل الأمرين أيسرهما على المرء لقوله ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بك العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] فإن كان الصوم عليه أيسر صامه وإن كان الفطر أيسر فليفطر وإليه ذهب مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ووهب بن بيان المعنى قالا: حَدَّثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد أنه حدثه عن قزعة قال أتيت أبا سعيد
стр. 440
الخدري وهو مكثور عليه فانتظرت خلوته فلما خلا سألته عن صيام رمضان في السفر فقال خرجنا مع رسول الله ﷺ في رمضان عام الفتح فكان رسول الله ﷺ يصوم ونصوم حتى بلغ منزلاً من المنازل فقال إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأصبحنا منا الصائم ومبنا المفطر قال ثم سرنا فنزنا منزلاً فقال إنكم تُصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا فكانت عزيمة من رسول الله ﷺ . قال أبو سعيد لقد رأيتني أصوم مع النبي ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك.
قلت وزعم بعض أهل العلم أنه اذا أنشأ السفر في رمضان لم يجز له أن يفطر واحتج بقوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] وفي هذا الحديث دلالة على غلط هذا القائل، ومعنى الآية شهود الشهر كله. وهم شهد بعضه ولم يشهد كله فإنه لم يشهد الشهر.
ومن باب اختيار الفطر
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسى حدثنا شعبة عن محمد بن عبد الرحمن، يَعني ابن سعد بن زرارة عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يُظَلل عليه والزحام عليه قال ليس البر الصيام في السفر.
قلت هذا كلام خرج على سبب فهو مقصور على من كان في مثل حاله كأنه قال ليس من البر أن يصوم المسافر إذا كان الصوم يؤديه إلى مثل هذه الحال بدليل صيام النبي ﷺ في سفره عام الفتح وبدليل خبر حمزة الأسلمي وتخييره بين الصوم والإفطار ولو لم يكن الصوم براً لم يخيره فيه والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا أبو هلال الراسبي حدثنبا ابن سوادة
стр. 441
القشيري عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب إخوة بني قشير قال أغارت علي خيل لرسول الله ﷺ قال فانتهيت أو قال فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل فقال اجلس فأصب من طعامنا هذا، قلت إني صائم فقال اجلس احدثك عن الصلاة وعن الصيام إن الله وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى والله لقد قالهما جميعا أو أحدهما فلهف نفسي أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله ﷺ .
قلت قد يجسع نظم الكلام أشياء ذات عدد منسوقة في الذكر مفترقة في الحكم وذلك أن الشطر الموضوع من الصلاة يسقط لا إلى قضاء والصوم يسقط في السفر ترخيصا للمسافر ثم يلزمه القضاء إذا أقام. والحامل والمرضع تفطران إبقاء على الولد ثم تقضيان وتطعمان من أجل أن إفطارهما كان من أجل غير أنفسهما.
وممن أوجب على الحامل والمرضع مع القضاء الإطعام مجاهد والشافعي وأحمد وقال مالك الحبلى تقضي ولا تكفر لأنها بمنزلة المريض والمرضع تقضي وتكفر وقال الحسن وعطاء تقضيان ولا تطعمان كالمريض وهو قول الأوزاعي والثوري وإليه ذهب أصحاب الرأي.
ومن باب متى يفطر الصانم إذا خرج
قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا عبد الله بن يحيى حدثني سعيد بن أبي أيوب والليث بن سعد حدثني يزيد بن أبي حبيب أن كليب بن ذُهل الحضرمي أخبره عن عبيد بن جبر قال كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع ثم قرب غداءه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة قال اقترب قلت ألست ترى البيوت، قال أبو بصرة
стр. 442
أترغب عن سنة رسول الله ﷺ فأكل.
قلت فيه حجة لمن رأى للمقيم الصائم إذا سافر من يومه أن يفطر وهوقول الشعبي وإليه ذهب أحمد بن حنبل.
وعن الحسن أنه قال يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج.
وقال إسحاق بن راهويه إذا وضع رجله في الرحل فله أن يفطر، وحكاه عن أنس بن مالك وشبهوه بمن أصبح صائما ثم مرض في يومه فان له أن يفطر من أجل المرض قالوا وكذلك من أصبح صائما ثم سافر لأن كل واحد من الأمرين سبب للرخصة حدث بعد مضي شيء من النهار.
قلت السفر لا يشبه المرض لأن السفر من فعله وهو الذي ينشئه باختياره والمرض شيء يحدث عليه لا باختياره فهو يعذر فيه ولا يعذر في السفر الذي هو فعل نفسه ولوكان في الصلاة فمرض كان له أن يصلي قاعداً ولو سافر وهو مصل لم يكن له أن يقصر.
وقال أصحاب الرأي لا يفطر إذا سافر يومه ذلك وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وروي ذلك عن النخعي ومكحول والزهري. قلت وهذا أحوط الأمرين والإقامة إذا اختلط حكمها بحكم السفر غلب حكم المقام.
ومن باب مسيرة ما يفطر فيه
قال أبو داود: حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث، يَعني ابن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عَن أبي الخير عن منصور الكلبي أن دحية بن خليفة خرج من قريته من دمشق إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط وذلك ثلاثة أميال في رمضان ثم إنه أفطر وأفطر معه أناس وكره آخرون أن يفطروا فلما رجع إلى قريته قال
стр. 443
والله لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه إن قوما رغبوا عن هدى رسول الله ﷺ وأصحابه يقول ذلك للذين صاموا ثم قال عند ذلك اللهم اقبضني إليك.
قلت في هذا حجة لمن لم يحد السفر الذي يترخص فيه الافطار بحد معلوم ولكن يراعي الاسم ويعتمد الظاهر واحسبه قول داود وأهل الظاهر. فأما الفقهاء فإنهم لا يرون الإفطار إلاّ في السفر الذي يجوز فيه القصر وهو عند أهل العراق ثلاثة أيام وعند أهل الحجاز ليلتان أو نحوهما وليس الحديث بالقوي وفي إسناده رجل ليس بالمشهور، ثم أن دحية لم يذكر فيه أن رسول الله ﷺ أفطر في قصير السفر إنما قال إن قوما رغبوا عن هدى رسول الله ﷺ ولعلهم إنما رغبوا عن قبول الرخصة في الافطار أصلا. وقد يحتمل أن يكون دحية إنما صار في ذلك إلى ظاهر اسم السفر، وقد خالفه غير واحد من الصحابة فكان ابن عمر وابن عباس لا يريان القصر والإفطار في أقل من أربعةُ برد وهما أفقه من دحية وأعلم بالسنة.
ومن باب صوم يوم الفطر والنحر
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب وهذا حديثه قالا: حَدَّثنا سفيان عن الزهري، عَن أبي عبيدة قال شهدت العيد مع عمر ﵁ فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم قال أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم، وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم.
قوله أما يوم الفطر ففطركم من صيامكم يدل على أنه من نذر صوم ذلك اليوم لم يلزمه صيامه ولا قضاؤه لأن هذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيه،
стр. 444
وقد وسم هذا اليوم بيوم الفطر والفطر مضاد للصوم ففى إجازة صومه إبطال لمعنى اسمه.
وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن الصيام لا يجوز في هذين اليومين غير أن أهل العراق ذهبوا إلى أنه لو نذر صومهما لزمه قضاؤه والنذر إنما يلزم في الطاعة دون المعصية وصيام هذين اليومين معصية لنهي النبي ﷺ عنه فالنذر لا ينعقد فيه ولا يصح كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها.
ومن باب صيام أيام التشريق
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا وهيب حدثنا موسى بن علي (ح) وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن موسى بن علي والأخبار في حديث وهب، قال سمعت أبي أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الاسلام وهي أيام أكل وشرب.
قلت وهذا أيضاً كالتعليل في وجوب الإفطار فيها وأنها مستحقة لهذا المعنى فلا يجوز صيامها ابتداء تطوعا ولانذرا ولا عن صوم التمتع إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر وهو قول على ﵁ والحسن وعطاء وغالب مذهب الشافعي.
وقال مالك والأوزاعي وإسحاق يصوم المتمتع أيام التشريق إذا فاتته الثلاث في العشر وروى ذلك عن ابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير ﵃.
ومن باب صوم تطوع الدهر
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبى قتادة أن رجلا أتي النبي ﷺ فقال
стр. 445
يا رسول الله كيف تصوم فغضب رسول الله ﷺ من قوله فلما رأى ذلك عمر ﵁ قال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول فلم يزل عمر يرددها حتى سكن من غضب رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله قال لا صام ولا أفطر، قال يا رسول الله كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما قال أو يطيق ذلك أحد، قال يا رسول الله كيف بمن يصوم يوما ويفطر يوما قال ذاك صيام داود، قال يا رسول الله فكيف بمن يصوم يوما ويفطر يومين قال وددت أنى أطقت ذلك تم قال رسول الله ﷺ ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله.
قلت يشبه أن يكون غضب النبي ﷺ من مسألته إياه عن صومه كراهة أن يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه ثم يعجز عنه فعلا أو يسأمه ويمله بقلبه فيكون صياما عن غير نية وإخلاص وقد كان ﷺ يواصل وهو محرَّم على أمته وقد كان رسول الله ﷺ يترك بعض النوافل خوفا من أن يفرض على أمته إذا فعلوه اقتداء به كما ترك القيام في شهر رمضان بعد أن قام بهم ليلة أو ليلتين ثم لم يخرح إليهم وقال لهم إنه لم يخف علي مكانكم ولكني خفت أن يكتب عليكم ثم لا تقومون أو كما قال.
وقوله لا صام ولا أفطر معناه لم يصم ولم يفطر؛ وقد يوضع لا بمعنى لم كقوله تعالى ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١] أي لم يصدق ولم يصلي وقد يحتمل أن يكون معناه الدعاء
стр. 446
عليه كراهة لصنعه وزجرا له عن ذلك ويشبه أن يكون الذي نهى عنه من صوم الدهر هو أن يسرد الصيام أيام السنة كلها لا يفطر فيها الأيام المنهي عن صيامها وقد سرد الصوم دهره أبو طلحة الأنصاري وكان لا يفطر في سفر ولا حضر فلم يعبه رسول الله ﷺ ولا نهاه عن ذلك.
وقوله وددت أني أطقت ذلك يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عى ذلك للحقوق التى تلزمه لنسائه لأن ذلك يخل بحظوظهن منه لا لضعف جبلته عى احتمال الصيام أو قلة صبره عن الطعام في هذه المدة والله أعلم.
ومن باب صوم أشهر الحرم
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد الجريري، عَن أبي السليل عن مُجيبة الباهلية عن أبيها أوعمها أنه أتى رسول الله ﷺ ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته فقال يا رسول الله أما تعرفني قال ومن أنت قال أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة، قال ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلاّ بليل فقال رسول الله ﷺ لم عذبت نفسك، ثم قال صم شهر الصبر ويوما من كل شهر، قال زدني فإن بي قوة، قال صم يومين، قال زدني قال صم ثلاثة أيام، قال زدني قال صم من الحُرم وأترك، صم من الحرم وأترك، صم من الحرم وأترك. وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها.
قلت شهر الصبر هو شهر رمضان، وأصل الصبر الحبس فسمي الصيام صبرا لما فيه من حبس النفس عن الطعام ومنعها عن وطء النساء وغشيانهن في نهار الشهر.
وقوله صم من الحرم فإن الحرم أربعة أشهر وهي التي ذكرها الله في كتابه
стр. 447
فقال ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦] وهي شهر رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، وقيل لأعرابي يتفقه كم الأشهر الحرم قال أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد.
ومن باب صوم يوم عرفة
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري حدثنا عكرمة قال كنا عند أبي هريرة في بيته فحدثنا أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة.
قلت هذا نهي استحباب لا نهي إيجاب، وإنما نهى المحرم عن ذلك خوفا عليه أن يضعف عن الدعاء والابتهال في ذلك المقام، فأما من وجد قوة ولا يخاف معها ضعفا فصوم ذلك اليوم أفضل له إن شاء الله، وقد قال ﷺ صيام يوم عرفة يكفر سنتين سنة قبلها وسنة بعدها.
وقد اختلف الناس في صيام الحاج يوم عرفة فروي عن عثمان بن أبي العاص وابن الزبير أنهما كانا يصومانه وقال أحمد بن حنبل إن قدر على أن يصوم صام وإن أفطر فذلك يوم يحتاج فيه إلى قوة. وكان إسحاق يستحب صومه للحاج وكان عطاء يقول أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف، وكان مالك وسفيان يختاران الإفطار للحاج، وكذلك الشافعي وروي عن ابن عمر أنه قال لم يصمه النبي ﷺ ولا أبوبكر ولا عمر ولا عثمان ولا أصومه أنا.
ومن باب صوم عاشوراء ومن قال هو اليوم التاسع
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب أن إسماعيل بن أمية حدثه أنه سمع أبا غطفان يقول سمعت عبد الله
стр. 448
بن عباس يقول حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله أنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله ﷺ فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ .
قلت هذا من قول رسول الله ﷺ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون أراد بذلك مخالفة اليهود وقد روي ذلك في بعض الحديث والوجه الآخر أن يكون قد أثبت عاشوراء على ما كانوا يثبتونه من الوقت ووصله بيوم قبله كأنه كره أن يصوم يوما فردا لا يوصل بصيام قبله ولا بعده كما نهى أن يصام يوم الجمعة لا يوصل بالخميس ولا بالسبت.
وفيه وجه آخر وهو أن بعض أهل اللغة زعم أن اسم عاشوراء مأخوذ من أعشار أوراد الإبل والعشر عندهم تسعة أيام وذلك أنهم كانوا يحسبون في الإظماء يوم الورود فإذا وردوا يوما وأقاموا في الرعي يومين ثم أوردوا اليوم الثالث قالوا وردنا أربعا وإنما هو اليوم الثالث في الإظماء وإذا أقاموا في الرعي ثلاثا ووردوا اليوم الرابع قالوا وردنا خمسا وعلى هذا الحساب فعاشوراء على هذا القياس إنما هو اليوم اتاسع. وكان ابن عباس يقول يوم عاشوراء هو اليوم التاسع حدثناه ابن السماك حدثنا إبراهيم بن الوليد الحشاش حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس.
ومن باب فضل صيامه
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه ان أسلم أتت النبي ﷺ فقال صمتم يومكم قالوا لا قال فأتموا يومكم واقضوه.
стр. 449
قلت هذا منه ﷺ استحباب وليس بايجاب وذلك أن لأوقات الطاعات أذمة ترعى ولا تهمل فأحب النبي ﷺ أن يرشدهم إلى ما فيه الفضل والحظ لئلا يغفلوه عند مصادفتهم وقته، وقد صار هذا أصلا في مذاهب العلماء في مواضع مخصوصة.
قال أصحاب الرأي إذا قدم المسافر في بعض نهار الصوم أمسك عن الأكل بقية يومه.
وقال الشافعي فيمن لا يجد ماء ولا ترابا أو كان محبوسا في حش أو مصلوبا على خشبة أنه يصلي على حسب ما يمكنه مراعاة لحرمة الوقت وعليه الإعادة إذا قدر على الطهارة والصلاة.
قلت وقد يحتج أصحاب الرأي بهذا الحديث في جواز تأخير نية صيام الفرض عن أول وقته إلاّ أن قوله ﷺ واقضوه يفسد هذا الاستدلال.
ومن باب النية في الصيام
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن ابن شهابة عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن حفصة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال من يُجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له.
قلت معنى الإجماع أحكام النية والعزيمة، يقال أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد.
وفي بيان أن تأخرت نيته للصوم عن أول وقته فإن صومه فاسد.
وفيه دليل على أن تقديم نية الشهر كله في أول ليلة منه لا يجزئه عن الشهر
стр. 450
كله لأن صيام كل يوم من الشهر صيام منفرد بنفسه متميز عن غيره فإذا لم ينوه في الثاني قبل فجره، وفي الثالث كذلك حصل صيام ذلك اليوم صياما لم يجمع له قبل فجره فبطل وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر، وإليه ذهب الحسن البصري وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل.
وقال أصحاب الرأي إذا نوى الفرض قبل زوال الشمس أجرأه، وقالوا في صوم النذر والكفاره والقضاء إن عليه تقديم النية قبل الفجر. وقال إسحاق إذا قدم للشهر النية أول ليلة أجزأه للشهر كله وإن لم يجدد النية كل ليلة. وقد زعم بعضهم أن هذا الحديث غير مسند لأن سفيان ومعمرا قد وقفاه عنى حفصة.
قلت وهذا لا يضر لأن عبد الله بن عمرو بن حزم قد أسنده وزيادات الثقات مقبولة.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنا سفيان (ح) وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا وكيع جميعا عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤنين قالت كان النبي إذا دخل عليَّ قال هل عندكم طعام فإذا قلنا لا قال فإني صائم زاد وكيع فدخل علينا يوما آخر فقلنا يا رسول الله اهدي لنا حَيس فحبسناه لك قال ادنيه قال طلحة فأصبح صائما وأفطر.
قلت فيه نوعان من الفقه أحدهما جواز تأخير نية الصوم عن أول النهار إذا كان متطوعا به ولم يذكر في الحديث إيجاب القضاء، وكان غير واحد من الصحابة يفعل ذلك منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو الدردراء وأبو أيوب الأنصاري وبه قال الشافعي وأحمد.
وكان ابن عمر لايصوم تطوعا حتى يجمع من الليل، وقال جابر بن زيد
стр. 451
لا يجزئه في التطوع حتى يبيت النية، وقال مالك في صوم لا أحب أن يصوم أحد إلاّ أن يكون قد نوى الصيام من الليل.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن أم هانىء قالت لما كان يوم فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله ﷺ وأم هانىء عن يمينه قالت فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه ثم ناوله أم هانىء فشربت منه فقالت يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة فقال لها كنت تقضين شيئا فقالت لا قال فلا يضرك إن كان تطوعا.
قلت في هذا بيان أن القضاء غير واجب عليه إذا أفطر في تطوع وهو قول ابن عباس وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال أصحاب الرأي يلزمه القضاء إذا أفطر، وقال مالك بن أنس إذا أفطر من غير علة يلزمه القضاء.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن زُميل مولى عروة عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت اهدي لي ولحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا ثم دخل رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله إنا أهديت لنا هدية فاشتهيناها فافطرنا فقال رسول الله ﷺ لا عليكما صوما مكانه يوما آخر.
قلت قد جاء في هذا الحديث إيجاب القضاء إلاّ أن الحديث إسناده ضعيف وزميل مجهول، والمشهور من هذا الحديث رواية ابن جريج عن الزهري عن عروة، قال ابن جريج قلت للزهري اسمعته من عروة قال لا إنما أخبرنيه رجل
стр. 452
بباب عبد الملك بن مروان فيشبه أن يكون ذلك الرجل هو زميل. هذا ولو ثبت الحديث أشبه أن يكون إنما أمرهما بذلك استحبابا لأن بدل الشيء في أكثر أحكام الأصول يحل محل أصله وهو في الأصل مخير فكذلك في البدل.
ومن باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش، عَن أبي صالح، عَن أبي سعيد قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده فقالت يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال وصفوان عنده قال فسأله عما قالت، فقال يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها، قال فقال لو كانت سورة واحدة لكفت الناس. وأما قولها يفطرني فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب ولا أصبر فقال رسول الله ﷺ يومئذ لا تصوم امرأة إلاّ بإذن زوجها، وأما قولها إني لا أصلي حتى تطلع الشمس فانا أهل بيت قد عرف لنا ذلك ولا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال فإذا استيقظ فصل.
قلت في هذا الحديث من الفقه أن منافع المتعة والعشرة من الزوجة مملوكة للزوج في عامة الأحوال وإن حقها في نفسها محصور في وقت دون وقت.
وفيه أن للزوج أن يضربها ضربا غير مبرح إذا امتنعت عليه من إيفاء الحق واجمال العشرة. وفيه دليل على أنها لو أحرمت بالحج كان له منعها وحصرها لأن حقه عليها معجل وحق الحج متراخ. وإلى هذا ذهب عطاء بن أبي رباح ولم يختلف العلماء في أن له منعها من حج التطوع.
стр. 453
وقوله فإذا استيقظت فصل ثم تركه التعنيف له في ذلك أمرعجيب من لطف الله سبحانه بعباده ومن لطف نبيه ورفقه بأمته ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع واستيلاء العادة فصار كالشيء المعجز عنه وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه فعذر فيه ولم يؤنب عليه ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه ويبعثه من المنام فيتمادى به النوم حتى تطلع الشمس دون أن يكون ذلك منه في عامة الأوقات فإنه قد يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه ولا يراعي مثل هذا من حاله ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك مع زوال العذر بوقوع التنبيه والإيقاظ ممن يحضره ويشاهده والله أعلم.
ومن باب الاعتكاف
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد بن ثابت، عَن أبي رافع، عَن أبي ابن كعب أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ولم يعتكف عاما فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة.
قلت فيه من الفقه أن النوافل المعتادة تقضى إذا فاتت كما تقضى الفرائض ومن هذا قضاء رسول الله ﷺ بعد العصر الركعتين اللتين فاتتاه لقدوم الوفد عليه واشتغاله بهم.
وفيه مستدل لمن أجاز الاعتكاف بغير صوم ينشئه له وذلك أن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر لأن الوقت مستحق له.
وقد اختلف الناس في هذا فقال الحسن البصري إن اعتكف من غير صيام
стр. 454
أجزأه، وإليه ذهب الشافعي وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا إن شاء صام وإن شاء أفطر، وقال الأوزاعي ومالك لا اعتكاف إلاّ بصوم وهو مذهب أصحاب الرأي وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وهو قول سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ويعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه قالت وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان قالت فأمر ببنائه فضرب فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب، قالت وأمر غيري من أزواج النبي ﷺ ببنائه فضرب فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال ما هذا آلبرَّ تردن آلبر تردن قالت فأمر ببنائه فقوض وأمربأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول من، يَعني من شوال.
قلت فيه من الفقه أن المعتكف يبتدىء اعتكافه أول النهار ويدخل في معتكفه بعد أن يصلي الفجر، وإليه ذهب الأوزاعي وبه قال أبو ثور.
وقال مالك والشافعي وأحمد يدخل في الاعتكاف قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر بعينه وهو مذهب أصحاب الرأي.
وفيه دليل على أن الاعتكاف إذا لم يكن نذرا كان للمعتكف أن يخرج منه أي وقت شاء، وفيه إباحة ترك عمل البر إذا كان نافلة لآفة يخاف معها حبوط الأجر.
стр. 455
قلت وفي الحديث دليل على جواز اعتكاف النساء وعلى أنه ليس للمرأة أن تعتكف إلاّ بإذن زوجها وعلى أن للزوج أن يمنعها من ذلك بعد الإذن فيه.
وقال مالك ليس له ذلك وقال الشافعي له أن يمنعها من ذلك بعد الإذن، وفيه كالدلالة على أن اعتكاف المرأة في بيتها جائز. وقد حكي جوازه، عَن أبي حنيفة؛ فأما الرجل فلم يختلفوا أن اعتكلفه في بيته غير جائز وإنما شرع الاعتكاف في المساجد. وكان حذيفة بن اليمان يقول لا يكون الاعتكاف إلاّ في المساجد الثلاثة مسجد مكة والمدينة وبيت المقدس. وقال عطاء لا يعتكف إلاّ في مسجد مكة والمدينة، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لا يجوز أن يعتكف إلاّ في الجامع، وكذلك قال الزهري والحكم وحماد.
وقال سعيد بن جبير وأبو قلابة والنخعي يعتكف في مساجد القبائل وهو قول أصحاب الرأي وإليه ذهب مالك والشافعي.
ومن باب المعتكف يدخل البيت للحاجة
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلاّ لحاجة الإنسان.
قلت فيه بيان أن المعتكف لا يدخل بيته إلاّ لغائط أو بول فإن دخله لغيرهما من طعام وشراب فسد اعتكافه.
وقد اختلف الناس في ذلك فقال أبو ثور لا يخرج إلاّ لحاجة الوضوء الذي لا بد له منه. وقال إسحاق بن راهويه لا يخرج إلاّ لغائط أو بول غير أنه فرق
стр. 456
بين الواجب من الاعتكاف والتطوع، وقال في الواجب لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة وفي التطوع يشترط ذلك حين يبتدىء. وقال الأوزاعي لا يكون في الاعتكاف شرط. وقال أصحاب الرأي ليس ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد لحاجة ما خلا الجمعة والغائط والبول، فأما ما سوى ذلك من عيادة مريض وشهود جنازة فلا يخرج له.
وقال مالك والشافعي لا يخرج المعتكف في عيادة مريض ولا شهود جنازة وهو قول عطاء ومجاهد وقالت طائفة للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض ويشهد الجنازة روي ذلك عن علي ﵁ وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي.
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن هشام بن عروه عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة فأغسل رأسه. قال مسدد فارجّله وأنا حائض.
قلت فيه من الفقه أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلاّ لغائط أو بول، وفيه أن ترجيل الشعر يجوز للمعتكف وفي معناه حلق الرأس وتلقيم الأظفار وتنظيف البدن من الشعث والدرن.
وفيه أن بدن الحائض طاهر غير نجس، وفيه أن من حلف لا يدخل بيتا فأدخل رأسه فيه وسائر بدنه خارج لم يحنث.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد شبّويه المروزي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها
стр. 457
في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ على رسلكما أنها صفية بنت حُيي قالا سبحان الله يا رسول الله، قال إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو شرا.
قلت حكي لنا عن الشافعي أنه قال كان ذلك منه ﷺ شفقة عليهما لأنهما لو ظنا به ظن سوء كفرا فبادر إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا.
قلت وفيه أنه خرج من المسجد معها ليبلغها منزلها وفي هذا حجة لمن رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان معروف.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا عبد السلام بن حرب أخبرنا الليث بن أبى سليم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قال النفيلي قالت كان النبي ﷺ يعود المريض وهومعتكف فيمر كما هو فلا يعرج يسأل عنه. قال وحدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن عبد الرحمن، يَعني ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلاّ لما لا بد منه ولا اعتكاف إلاّ بصوم ولا اعتكاف إلاّ في مسجد جامع.
قلت قولها السنة إن كانت أرادت بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا فهي نصوص لا يجوز خلافها وإن كانت أرادت به الفتيا على معاني ما عقَلت من السنة فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور، والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر، على أن أبا داود قد ذكر على أثر هذا الحديث أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه إنها قالت السنة فدل ذلك على احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها وليس برواية عن النبي ﷺ ويشبه
стр. 458
أن يكون أرادت بقولها لا يعود مريضا أي لا يخرج من معتكفه قاصدا عيادته وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأله غير معرج عليه كما ذكرته عن النبي ﷺ في حديب القاسم بن محمد.
وقولها لا يمس امرأة تريد الجماع وهذا لا خلاف فيه أنه إذا جامع امرأته فقد بطل اعتكافه. وأما المباشرة فقد اختلف الناس فيها فقال عطاء والشافعي إن باشر أو قبل لم يفسد اعتكافه وإن أنزل. وقال مالك يفسده وكذلك قال أصحاب الرأي.
وقولها لا اعتكاف إلاّ بصوم قد ذكرنا الاختلاف في ذلك وقولها لا اعتكاف إلاّ في مسجد جامع فقد يحتمل أن يكون معناه نفي الفضيلة والكمال وإنما يكره الاعتكاف في غير الجامع لمن نذر اعتكافا من جمعة لئلا تفوته صلاة الجمعة فأما من كان اعتكافه دون ذلك فلا بأس به والجامع وغيره سواء في ذلك والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا أبو داود حدثنا عبد الله بن بديل يعنى ابن ورقاء الليثي عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوماً عند الكعبة فسأل النبي ﷺ فقال اعتكف وصم.
قلت فيه من الفقه أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق حكم الإسلام كان معمولا به.
وفيه دليل على أن من حلف في كفره ثم أسلم فحنث أن الكفارة واجبة عليه وهذا على مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة لا تلزمه الكفارة لأن الإسلام قد جب ما قبله.
стр. 459
قلت إذا جاز إيلاؤه في حال الكفر وما كان مأخوذا بحكمه في الإسلام فكذلك سائر إيمانه.
وفيه أيضاً دليل على وقوع ظهار الذمي ووجوب الكفارة عليه فيها والله أعلم.
كتاب المناسك
قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حَدَّثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري، عَن أبي سنان عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة قال بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع.
قلت لا خلاف بين العلماء في أن الحج لا يتكرر وجوبه إلاّ أن هذا الإجماع إنما حصل منهم بدليل، فأما نفس اللفظ فقد كان موهما التكرار ومن أجله عرض هذا السؤال وذلك أن الحج في اللغة قصد فيه تكرار ومن ذلك قول الشاعر:
يحجون سب الزِّبرقان المزعفرا
يريد أنهم يقصدونه في أمورهم ويختلفون إليه في حاجاتهم مرة بعد أخرى إذ كان سيداً لهم ورئيسا فيهم وقد استدلوا بهذا المعنى في إيجاب العمرة وقالوا إذا كان الحج قصدا فيه تكرار فإن معناه لا يتحقق إلاّ بوجوب العمرة لأن القصد في الحج إنما هو مرة واحدة لا يتكرر.
وفي الحديت دليل على أن المسلم إذا حج مرة ثم ارتد ثم أسلم أنه لا إعادة عليه للحج.
وقد اختلف العلماء في الأمر الواحد من قبل الشارع هل يوجب التكرار أم لا على وجهين فقال بعضهم نفس الأمر يوجب التكرار وذهبوا إلى معنى
стр. 460
اقتضاء العموم منه، وقال الآخرون لا يوجبه ويقع الخلاص منه والخروح من عهدته باستعماله مرة واحدة لأنه إذا قيل له أفعلت ما أمرت به فقال نعم كان صادقاً وإلى هذا ذهب أكثر الناس.
ومن باب المرأة تحج بغير محرم
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلاّ ومعها رجل ذو حرمة منها.
قلت في هذا بيان أن المرأة لا يلزمها الحج إذا لم تجد رجلا ذا محرم يخرج معها وإلى هذا ذهب النخعي والحسن البصري وهو قول أصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال مالك تخرج مع جماعة من النساء.
وقال الشافعي تخرج مع امرأة حرة مسلمة ثقة من النساء.
قلت المرأة الحرة المسلمة الثقة التي وصفها الشافعي لا تكون رجلا ذا حرمة منها وقد حظر النبي ﷺ عليها أن تسافر إلاّ ومعها رجل ذو محرم منها فإباحة الخروج لها في سفر الحج مع عدم الشريطة التي أثبتها النبي ﷺ خلاف السنة فإذا كان خروجها مع غير ذي محرم معصية لم يجز إلزامها الحج وهو طاعة بأمر يؤدي إلى معصية.
وعامة أصحاب الشافعي يحتجون في هذا بما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الاستطاعة فقال الزاد والراحلة قالوا فوجب إذا قدرت المرأة على هذه الاستطاعة أن يلزمها الحج ويتأولون خبر النهي على الأسفار التي هي متطوعة بها دون السفر الواجب.
следующие страницы →