← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بين الواجب من الاعتكاف والتطوع، وقال في الواجب لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة وفي التطوع يشترط ذلك حين يبتدىء. وقال الأوزاعي لا يكون في الاعتكاف شرط. وقال أصحاب الرأي ليس ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد لحاجة ما خلا الجمعة والغائط والبول، فأما ما سوى ذلك من عيادة مريض وشهود جنازة فلا يخرج له. وقال مالك والشافعي لا يخرج المعتكف في عيادة مريض ولا شهود جنازة وهو قول عطاء ومجاهد وقالت طائفة للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض ويشهد الجنازة روي ذلك عن علي ﵁ وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن هشام بن عروه عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة فأغسل رأسه. قال مسدد فارجّله وأنا حائض. قلت فيه من الفقه أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلاّ لغائط أو بول، وفيه أن ترجيل الشعر يجوز للمعتكف وفي معناه حلق الرأس وتلقيم الأظفار وتنظيف البدن من الشعث والدرن. وفيه أن بدن الحائض طاهر غير نجس، وفيه أن من حلف لا يدخل بيتا فأدخل رأسه فيه وسائر بدنه خارج لم يحنث. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد شبّويه المروزي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها

стр. 457

في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ على رسلكما أنها صفية بنت حُيي قالا سبحان الله يا رسول الله، قال إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو شرا. قلت حكي لنا عن الشافعي أنه قال كان ذلك منه ﷺ شفقة عليهما لأنهما لو ظنا به ظن سوء كفرا فبادر إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا. قلت وفيه أنه خرج من المسجد معها ليبلغها منزلها وفي هذا حجة لمن رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان معروف. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا عبد السلام بن حرب أخبرنا الليث بن أبى سليم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قال النفيلي قالت كان النبي ﷺ يعود المريض وهومعتكف فيمر كما هو فلا يعرج يسأل عنه. قال وحدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن عبد الرحمن، يَعني ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلاّ لما لا بد منه ولا اعتكاف إلاّ بصوم ولا اعتكاف إلاّ في مسجد جامع. قلت قولها السنة إن كانت أرادت بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا فهي نصوص لا يجوز خلافها وإن كانت أرادت به الفتيا على معاني ما عقَلت من السنة فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور، والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر، على أن أبا داود قد ذكر على أثر هذا الحديث أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه إنها قالت السنة فدل ذلك على احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها وليس برواية عن النبي ﷺ ويشبه

стр. 458

أن يكون أرادت بقولها لا يعود مريضا أي لا يخرج من معتكفه قاصدا عيادته وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأله غير معرج عليه كما ذكرته عن النبي ﷺ في حديب القاسم بن محمد. وقولها لا يمس امرأة تريد الجماع وهذا لا خلاف فيه أنه إذا جامع امرأته فقد بطل اعتكافه. وأما المباشرة فقد اختلف الناس فيها فقال عطاء والشافعي إن باشر أو قبل لم يفسد اعتكافه وإن أنزل. وقال مالك يفسده وكذلك قال أصحاب الرأي. وقولها لا اعتكاف إلاّ بصوم قد ذكرنا الاختلاف في ذلك وقولها لا اعتكاف إلاّ في مسجد جامع فقد يحتمل أن يكون معناه نفي الفضيلة والكمال وإنما يكره الاعتكاف في غير الجامع لمن نذر اعتكافا من جمعة لئلا تفوته صلاة الجمعة فأما من كان اعتكافه دون ذلك فلا بأس به والجامع وغيره سواء في ذلك والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا أبو داود حدثنا عبد الله بن بديل يعنى ابن ورقاء الليثي عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوماً عند الكعبة فسأل النبي ﷺ فقال اعتكف وصم. قلت فيه من الفقه أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق حكم الإسلام كان معمولا به. وفيه دليل على أن من حلف في كفره ثم أسلم فحنث أن الكفارة واجبة عليه وهذا على مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة لا تلزمه الكفارة لأن الإسلام قد جب ما قبله.

стр. 459

قلت إذا جاز إيلاؤه في حال الكفر وما كان مأخوذا بحكمه في الإسلام فكذلك سائر إيمانه. وفيه أيضاً دليل على وقوع ظهار الذمي ووجوب الكفارة عليه فيها والله أعلم. كتاب المناسك قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حَدَّثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري، عَن أبي سنان عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة قال بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع. قلت لا خلاف بين العلماء في أن الحج لا يتكرر وجوبه إلاّ أن هذا الإجماع إنما حصل منهم بدليل، فأما نفس اللفظ فقد كان موهما التكرار ومن أجله عرض هذا السؤال وذلك أن الحج في اللغة قصد فيه تكرار ومن ذلك قول الشاعر: يحجون سب الزِّبرقان المزعفرا يريد أنهم يقصدونه في أمورهم ويختلفون إليه في حاجاتهم مرة بعد أخرى إذ كان سيداً لهم ورئيسا فيهم وقد استدلوا بهذا المعنى في إيجاب العمرة وقالوا إذا كان الحج قصدا فيه تكرار فإن معناه لا يتحقق إلاّ بوجوب العمرة لأن القصد في الحج إنما هو مرة واحدة لا يتكرر. وفي الحديت دليل على أن المسلم إذا حج مرة ثم ارتد ثم أسلم أنه لا إعادة عليه للحج. وقد اختلف العلماء في الأمر الواحد من قبل الشارع هل يوجب التكرار أم لا على وجهين فقال بعضهم نفس الأمر يوجب التكرار وذهبوا إلى معنى

стр. 460

اقتضاء العموم منه، وقال الآخرون لا يوجبه ويقع الخلاص منه والخروح من عهدته باستعماله مرة واحدة لأنه إذا قيل له أفعلت ما أمرت به فقال نعم كان صادقاً وإلى هذا ذهب أكثر الناس. ومن باب المرأة تحج بغير محرم قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلاّ ومعها رجل ذو حرمة منها. قلت في هذا بيان أن المرأة لا يلزمها الحج إذا لم تجد رجلا ذا محرم يخرج معها وإلى هذا ذهب النخعي والحسن البصري وهو قول أصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال مالك تخرج مع جماعة من النساء. وقال الشافعي تخرج مع امرأة حرة مسلمة ثقة من النساء. قلت المرأة الحرة المسلمة الثقة التي وصفها الشافعي لا تكون رجلا ذا حرمة منها وقد حظر النبي ﷺ عليها أن تسافر إلاّ ومعها رجل ذو محرم منها فإباحة الخروج لها في سفر الحج مع عدم الشريطة التي أثبتها النبي ﷺ خلاف السنة فإذا كان خروجها مع غير ذي محرم معصية لم يجز إلزامها الحج وهو طاعة بأمر يؤدي إلى معصية. وعامة أصحاب الشافعي يحتجون في هذا بما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الاستطاعة فقال الزاد والراحلة قالوا فوجب إذا قدرت المرأة على هذه الاستطاعة أن يلزمها الحج ويتأولون خبر النهي على الأسفار التي هي متطوعة بها دون السفر الواجب.

стр. 461

قلت وهذا الحديث إنما رواه إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر. وإبراهيم الخوزى متروك الحديث، وقد روي ذلك من طريق الحسن مرسلاً والحجة عند الشافعي لا تقوم بالمراسيل. وشبهها أصحابه بالكافرة تسلم في دار الحرب في أنها تهاجر إلى دار الإسلام بلا محرم وكذلك الأسيرة المسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار قالوا والمعنى في ذلك أنه سفر واجب عليها فكذلك الحج. قلت ولوكانوا سواء لكان يجوز لها أن تحج وحدها ليس معها أحد من رجل ذي محرم أو امرأة ثقة فلما لم يبح لها في الحج أن تخرج وحدها إلاّ مع امرأة حرة ثقه مسلمة دل على الفرق بين الأمرين. ومن باب لا صرورة قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة أبو خالد، يَعني سليمان بن حبان الأحمر عن ابن جريج عن عمر عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لا صرورة في الإسلام. قلت الصرورة تفسر تفسيرين أحدهما أن الصرورة هو الرجل الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى ومنه قول النابغة. لو أنها عرضت لأشمطَ راهبٍ ... عبد الإله صرورةٍ متلبد والوجه الاخر أن الصرورة هو الرجل الذي لم يحج فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج حتى لا يكون صرورة في الإسلام وقد يستدل به من يزعم أن الصرورة لا يجوز له أن يحج عن غيره

стр. 462

وتقدير الكلام عنده أن الصرورة إذا شرع في الحج عن غيره صار الحج عنه وانقلب عن فرضه ليحصل معنى النفي فلا يكون صرورة، وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك والثوري حجه على ما نواه وإليه ذهب أصحاب الرأي، وقد روي ذلك عن الحسن البصري وعطاء والنخعي. ومن باب الصبي يحج قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ بالروحاء فلقي ركباً فسلم عليهم فقال من القوم فقالوا المسلمون فقالوا ومن أنتم قال: رسول الله ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي فأخرجته من محفَّتها فقالت يا رسول الله هل لهذا حج قال نعم ولك أجر. قلت إنما كان له من ناحية الفضيلة دون أن يكون ذلك محسوباً عن فرضه لو بقي حتى يبلغ ويدرك مدرك الرجال. وهذا كالصلاة يؤمر بها إذا أطاقها وهي غير واجبة عليه وجوب فرض ولكن يكتب له أجرها تفضيلا من الله ويكتب لمن يأمره بها ومن شده إليها أجر. فإذا كان له حج فقد علم أن من سنته أن يوقف به في المواقف ويطاف به حول البيت محمولا إن لم يطق المشي وكذلك السعي بين الصفا والمروة في نحوها من أعمال الحج. وفي معناه المجنون إذا كان مأيوساً من إفاقته. وفي ذلك دليل على أن حجه إدا فسد أو دخله نقص فإن جبرانه واجب عليه كالكبير وإن اصطاد صيدا لزمه الفداء كما يلزم الكبير.

стр. 463

وفي وجوب هذه الغرامات عليه في ماله كما يلزمه لو أتلف مالا لإنسان فيكون غرمه في ماله أو وجوبها على وليه إذ كان هو الحامل له على الحج والنائب عنه في ذلك نظر وفيه اختلاف بين الفقهاء، وقال بعض أهل العراق لا يحج بالصبي الصغير والسنة أولى ما اتبع. ومن باب المواقيت قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس وعن ابن طاوس عن أبيه قالا وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن وقال أحدهما ولأهل لليمن يلملم قال فهن لهم ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة وقد كان من دون ذلك. قال ابن طاوس من حيث أنشأ قال وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها. قلت معنى التحديد في هذه المواقيت أن لا تتعدى ولا تتجاوز إلا باستصحاب الإحرام وقد أجمعوا أنه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات محرماً أجزأه وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة فإنها إنما ضربت حداً لئلا تقدم الصلاة عليها. وفي الحديث بيان أن المدني إذا جاء من الشام على طريق الجحفة فإنه يحرم من الجحفة ويصير كأنه شامي وإذا أتى اليماني على ذى الحليفة أحرم منه وصار كأنه إنما جاء من المدينة. وفيه أن من كان منزله وراء هذه المواقيت مما يلي مكة فإنه يحرم من منزله الذي هو وطنه، وفيه أن ميقات أهل مكة في الحج خاصة مكة. والمستحب للمكي أن يحرم قبل أن يخرج إلى الصحراء إذا بلغ طرف البلد أحرم قبل أن يصحر

стр. 464

فأما إذا أراد العمرة فإنه لا يحرم لها من جوف مكة لكنه يخرج إلى أدنى الحل فيحرم منه ألا ترى أن النبي ﷺ أمرعبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة فيعمرها من التنعيم. وفي قوله ممن كان يريد الحج والعمرة بيان أن الإحرام من هذه المواقيت إنما يجب على من كان عند مروره بها قاصدا حجا أو عمرة دون من لم يرد شيئا منهما فلو أن مدنيا مر بذي الحليفة وهولا يريد حجا ولا عمرة فسار حتى قرب من الحرم فأراد الحج أو العمرة فإنه يحرم من حيث حضرته النية ولا يجب عليه دم كما يجب على من خرج من بيته يريد الحج والعمرة فطوى الميقات وأحرم بعدما جاوزه. وذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق إلى أن عليه دماً إن لم يرجع إلى الميقات ودلالة الحديث توجب أن لا دم عليه. قال أبو داود: حدثنا هشام بن بهرام المدائني حدثنا المعافى بن عمران عن أفلح عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عِرْق. قال وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع، حَدَّثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس قال وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق. قلت الحديث في العقيق أثبت منه في ذات عرق والصحيح منه أن عمر بن الخطاب وقتها لأهل العراق بعد أن فتحت العراق وكان ذلك في التقدير على موازاة قرن لأهل نجد، وكان الشافعي يستحب أن يحرم أهل العراق من العقيق

стр. 465

فإن أحرموا من ذات عرق أجزأهم وقد تابع الناس في ذلك عمر بن الخطاب إلى زماننا هذا. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبى فديك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يُحَنِّس عن يحيى بن أبي سفيان الأخنس عن جدته حكيمة عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول من أهل بحجة أو عمره من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة شك عبد الله أيتهما قال. قلت في هذا جواز تقديم الإحرام على الميقات من المكان البعيد مع الترغيب فيه وقد فعله غير واحد من الصحابة وكره ذلك جماعة أنكر عمر بن الخطاب على عمران بن الحصين إحرامه من البصرة وكرهه الحسن البصرى وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس. وقال أحمد بن حنبل وجه العمل المواقيت وكذلك قال إسحاق قلت يشبه أن يكون عمر إنما كره ذلك شفقا أن يعرض للمحرم إذا بعدت مسافته آفة تفسد إحرامه ورأى أن ذلك في قصير المسافة أسلم. ومن باب الحائض تهل بالحج قال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر حدثنا مروان بن شجاع عن خصيف عن عكرمة ومجاهد عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال النفساء والحائض إذا أتتا على الوقت تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت. قلت فيه من العلم استحباب التشبه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال والاقتداء بأفعالهم طمعا في درك مراتبهم ورجاء لمشاركتهم في نيل المثوبة،

стр. 466

ومعلوم أن اغتسال الحائض والنفساء قبل أوان الطهر لا يطهرهما ولا يخرجهما عن حكم الحدث وإنما هو لفضيلة المكان والوقت. ومن هذا الباب أمرالنبي ﷺ الأسلميين أن يمسكوا بقية نهار عاشوراء عن الطعام وكذلك القادم في بعض نهار الصوم يمسك بقية نهاره في مذاهب الفقهاء. والعادم الماء والتراب والمصلوب على الخشبة والمحبوس في الحش والمكان القذر يصلون على حسب الطاقة عند بعضهم ولا يجزئهم وعليهم الإعادة عند الإمكان وهذا باب غريب من العلم. وفي أمره ﷺ الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. وفيه دليل على أن المحدث إذا أحرم أجزأه إحرامه وفيه بيان أن الطواف لا يجوز إلاّ طاهرا وهو قول عامة أهل العلم إلاّ أنه قد حكي، عَن أبي حنيفة أنه قال إذا طاف جنبا وانصرف من مكة لم يلزمه الإعادة ويجبره بدم وعند الشافعي أن الطواف لا يجزئه إلاّ بما يجزىء به الصلاة من الطهارة وستر العورة فإن ترك شيئا منهما أعاد. ومن باب الطيب عند الإحرام قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم. قلت وبيص المسك بريقه يقال وبص الشيء وبصّ أيضاً بصيصاً إذا برق وفيه من الفقه أن للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه بطيب يبقى أثره عليه بعد الإحرام وإن بقاءه بعد الإحرام لا يضره ولا يوجب عليه فدية وهو مذهب

стр. 467

أكثر الصحابة. روي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يفعل ذلك وأن ابن عباس رئي محرما وعلى رأسه مثل الرُب من الغالية. وقال مسلم بن صُبيح رأيت ابن الزبير وهو محرم وفي رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ عنه رأس مال وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك بن أنس يكره الطيب للمحرم. وقال أبو حنيفة أن تطيب بما يبقى أثره بعد الإحرام كانت عليه الفدية وشبهوه باللباس يستصحب الإحرام والحديث حجة على من كره ذلك. ومما يفرق به بين الطيب واللباس أن سبيل الطيب الاستهلاك وسبيل الثياب الاستبقاء ولذلك صار إذا حلف أن لا يتطيب وعلى بدنه طيب لا يحنث مع ترك إزالته ولو حلف لا يلبس وعليه ثياب لزمه نزعه عن نفسه وإلا حنث. ومن باب في التلبيد قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال سمعت النبي ﷺ يهل ملبّداً. قلت تلبيد الشعر قد يكون بالصمغ وقد يكون بالعسل وإنما يفعل ذلك بالشعر ليجتمع ويتلبد فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا يقع فيه الدبيب. ومن باب الهدي قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا محمد بن سلمة حدثنا محمد بن إسحاق قال قال عبد الله بن نجيح حدثني مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أهدي عام الحديبية في هدايا رسول الله ﷺ جملا كان لأبي جهل في رأسه بُرة من فضة يغيظ بذلك المشركين.

стр. 468

قلت فيه من الفقه أن الذكران في الهدي جائزة وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يكره ذلك في الإبل ويرى أن يهدي الإناث منها. وفيه دليل على جواز استعمال اليسير من الفضة في لجم المراكب من الخيل وغيرها، وفى معناه لو كتبت بغلة بحلقة فضة أو نحوها جاز. والبره حلقة تجعل في أنف البعير وتجمع على البرين. وقوله يغيظ بذلك المشركين معناه أن هذا الجمل كان معروفاً بأبي جهل فحازه النبي ﷺ في سلبه فكان يغيظهم أن يروه في يده وصاحبه قتيل سليب. ومن باب هدي البقر قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، قال: حَدَّثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن. قلت البقرة تجزي عن سبعة كالبدنة من الإبل، وفيه بيان جواز شركة الجماعة في الذبيحة الواحدة. وممن أجاز ذلك عطاء وطاوس وسفيان الثوري والشافعي. وقال مالك بن أنس لا يشتركون في شيء من الهدي والبدن والنسك. وعن أبي حنيفة أنه قال إن كانوا كلهم يريدون النسك فجائز وإن كان بعضهم يريد النسك وبعضهم اللحم لم يجز وعند الشافعي يجوز على الوجهين معاً. وفيه دليل على أن القارن لا يلزمه أكثر من شاة وذلك أن أزواج النبي ﷺ كن قارنات بدليل قوله لعائشة طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك، ولقولها إن نسائك ينصرفن بحج وعمرة وانصرف بحج. وحكي عن الشعبي أنه

стр. 469

قال على القارن بدنه. وزعم داود أنه لا شيء على القارن وإنما فر بذلك عن القياس وذلك أن أكثر أهل العلم قاسوا دم القران على دم المتعة إذ هو منصوص عليه ولم يكن عنده في القارن نص فأبطله. قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر التمري وأبو الوليد الطيالسي قالا: حَدَّثنا شعبة عن قتادة قال أبو الوليد قال سمعت أبا حسان عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنته فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم أتى براحلته فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج. قلت الإشعار أن يطعن في سنامها بمبضع أو نحو ذلك حتى يسيل دمها فيكون ذلك علَماً أنها بدنه ومنه الشعار في الحروب وهو العلامة التي يعرف بها الرجل صاحبه ويميز بذلك بينه وبين عدوه. وفيه بيان أن الإشعار ليس من جملة ما نهي عنه من المثلة ولا أعلم أحدا من أهل العلم أنكر الإشعار غير أبي حنيفة وخالفه صاحباه وقالا في ذلك بقول عامة أهل العلم، وإنما المثلة أن يقطع عضو من البهيمة يراد به التعذيب أو تبان قطعة منها للأكل كما كانوا يفعلون ذلك من قطعهم أسنمة الإبل واليات الشاء يبينونها والبهيمة حية فتعذب بذلك، وإنما سبيل الإشعار سبيل ما أبيح من الكي والتبزيغ والتوديج في البهائم وسبيل الختان والفصاد والحجامة في الآدميين؛ وإذا جاز الكي واللدغ بالميسم ليعرف بذلك ملك صاحبه جاز الإشعار ليعلم أنه بدنه نسك فتتميز من سائر الإبل وتصان فلا يعرض لها حتى تبلغ المحل وكيف

стр. 470

يجوز أن يكون الإشعار من باب المثلة وقد نهى رسول الله ﷺ عن المثلة وأشعر بدنه عام حج وهو متأخر. وفيه أيضاً من السنة التقليد وهو في الإبل كالإجماع من أهل العلم. وفيه أن الإشعار من الشق الأيمن وهو السنة، وقد اختلفوا في ذلك فذهب الشافعي وأحمد بن حنبل إلى أن الاشعار في الشق الأيمن. وقال مالك يشعر في الشق الأيسر وروي ذلك عن ابن عمر. قلت ويشبه أن يكون هذا من المباح لأن المراد به التشهير والإعلام فبأيهما حصل هذا المعنى جاز والله أعلم. وقال الشافعي يشعر البقر كالإبل. وقال مالك تشعر إن كانت لها أسنمة وإلا فلا. وقوله سلت الدم بيده أي أماطه بأصبعه وأصل السلت القطع، ويقال سلت الله أنف فلان أي جدعه. وقوله استوت على البيداء أي علت فوق البيداء. وقال الخليل أتينا أبا ربيعة الأعرابي وهو فوق سطح فلما رآنا قال استووا يريد اصعدوا. قال أبو داود: حدثنا هناد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن رسول الله ﷺ أهدي غنماً مقلدة. فيه من الفقه أن الغنم قد يقع عليها اسم الهدي، وزعم بعضهم أن الغنم لا ينطلق عليها اسم الهدي، وفيه أن الغنم يقلد وبه قال عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه. وقال أصحاب الرأي لا يقلد الغنم وكذلك قال مالك.

стр. 471

ومن باب من بعث بهديه وأقام قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا ابن عون عن القاسم بن محمد وعن إبراهيم زعم أنه سمعه منهما ولم يحفظ حديث هذا من حديث هذا ولا حديث هذا من حديث هذا قالا قالت أم المؤمنين بعث رسول الله ﷺ بالهدي وأنا فتلت قلائدها بيدي من عهن كان عندنا ثم أصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الرجل من أهله. قلت وممن قال بظاهر الحديث فلم ير الرجل يكون بتقليد الهدي محرما حتى يحرم مالك والشافعي، وقال سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق إذا أراد الحج وقلد فقد وجب عليه. وقال أصحاب الرأي إذا ساق الهدي ثم قلده فقد وجب عليه الإحرام فإن لم تكن له نية فهو بالخيار بين حجة أو عمرة، وروي عن ابن عمر أنه كان يقول إذا قلد هديه فقد أحرم وكذلك قال عطاء، والعهن الصوف المصبوغ ألواناً. ومن باب ركوب البدن قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنه فقال اركبها، فقال إنها بدنه قال اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة. قال وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير، قال سألت جابر بن عبد الله عن ركوب الهدي فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً. قلت اختلف الناس في ركوب البدن فقال أحمد وإسحاق له أن يركبها ولم

стр. 472

يشترطا منه حاجة إليها. وقال مالك لا بأس أن يركبها ركوباً غير فادح. وقال الشافعي يركبها إذا اضطر إليها وله أن يحمل المُعْيى والمضطر على هديه وكأنه ذهب إلى حديث جابر. ومن تقدم ذكره ذهبوا إلى حديث أبي هريرة. وقال أصحاب الرأي ليس له أن يركبها وإن فعل ذلك لضرورة ونقصها الركوب شيئاً ضمن ما نقصها وتصدق به وكذلك قال الثوري. ومن باب الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن هشام عن أبيه عن ناجية الأسلمي أن رسول الله ﷺ بعث معه بهدي وقال إن عطب منها شيء فانحره ثم أصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس. قلت إنما أمره بأن يصبغ نعله في دمه ليعلم المار به أنه هدى فيتجنبه إذا لم يكن محتاجاً ولم يكن مضطراً إلى أكله. وفي قوله خل بينه وبين الناس دلالة على أنه لايحرم على أحد أن يأكل منه إذا احتاج إليه وإنما حظر على سائقه أن يأكل دونهم. وقال مالك بن أنس فإن أكل منها شيئاً كان عليه البدل. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث، عَن أبي التيَّاح عن موسى بن سلمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله ﷺ فلاناً الأسلمي وبعث معه بثماني عشرة بدنه فقال أرأيت أن أُزحف عليّ منها شيء قال تنحرها ثم تصبغ نعلها في دمها ثم اضربها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك أو قال أهل رفقتك. قوله ازحف معناه أعيى وكلَّ يقال زحف البعير إذا جر فِرسِنه على الأرض

стр. 473

من الإعياء وازحفه السير إذا جهده فبلغ هذه الحال. وقوله لا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك يشبه أن يكون معناه حرم عليه ذلك وعلى أصحابه ليحسم عنهم باب التهمة فلا يعتلوا بأن بعضها قد زحف فينحروه إذا قرموا إلى اللحم فيأكلوه واله أعلم. قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا عيسى بن ثور عن راشد بن سعد عن عبد الله بن عامر بن يحيى عن عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ قال إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ويوم القر قال وقرب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ فلما وجبت جنوبها، قال فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها قال قلت ما قال، قال من شاء اقتطع. قلت يوم القر هو اليوم الذي يلي يوم النحر وإنما سمى يوم القر لأن الناس يقرون فيه بمنى. وذلك لأنهم قد فرغوا من طواف الإفاضة والنحر فاستراحوا وقروا. وقوله يزدلفن معناه يقتربن من قولك زلف الشيء إذا قرب، ومنه قوله تعالى ﴿وازلفنا ثم الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤] ومعناه والله أعلم القرب والدنو من الهلاك، وإنما سميت المزدلفة لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات. وقوله وجبت جنوبها معناه زهقت أنفسها فسقطت على جنوبها، وأصل الوجوب السقوط. وفي قوله من شاء اقتطع دليل على جواز هبة المشاع. وفيه دلالة على جواز أخذ النثار في عقد الإملاك وأنه ليس من باب النهبى، وإنما هو من باب الإباحة وقد كره ذلك بعض العلماء خوفاً أن يدخل فيما نهى عنه من النهبى.

стр. 474

ومن باب كيف تنحر البدن قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون أخبرنا سفيان عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁ قال أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها وأمرني أن لا أعطى الجزار منها شيئاً وقال نحن نعطيه من عندنا. قلت قوله أمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئا أي لا يعطي على معنى الأجره شيئاً منها، فأما أن يتصدق به عليه فلا بأس به، والدليل على هذا قوله نعطيه من عندنا أي أجرة عمله وبهذا قال أكثر أهل العلم. وروي عن الحسن البصري أنه قال لا بأس أن يعطي الجازر الجلد. وأما الأكل من لحوم الهدي فما كان منها واجباً لم يحل أكل شيء منه وهو مثل الدم الذي يجب في جزاء الصيد وإفساد الحج ودم المتعة والقران وكذلك ما كان نذراً أوجبه المرء على نفسه وما كان تطوعا كالضحايا والهدايا فله أن يأكل منه ويهدي ويتصدق وهذا كله على مذهب الشافعي. وقال مالك يؤكل من الهدي الذي ساقه لفساد حجه ولفوات الحج ومن هدي المتمتع ومن الهدي كله الأفدية الأذى وجزاء الصيد وما نذره للمساكين. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا يؤكل من النذر ولا من جزاء الصيد ويؤكل ما سوى ذلك، وروي ذلك عن ابن عمر، وعند أصحاب الرأى يأكل من هدي المتعة وهدي القران وهدي التطوع لا يأكل مما سواهما. ومن باب الاشتراط في الحج قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن

стр. 475

خباب عن عكرمة عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إني أريد الحج أَشتَرِطُ قال نعم قالت فكيف أقول. قال قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث حبستني. قلت قد اختلف الناس في هذا المعنى وفي إثبات الاشتراط في الحج فذهب بعضهم إلى أنه خاص لها، وقال يشبه أن يكون بها مرض أو حال كان غالب ظنها أنها تعوقها عن إتمام الحج فقدمت الاشتراط وأذن لها النبي ﷺ في ذلك كما أذن لأصحابه في رفض الحج وليس ذلك لغيرهم، قال هذا القائل وسواء قدم المحرم الشرط أو لم يشترط فإنه لا يحل به عامة المحرمين. وأثبت بعضهم معنى هذا الشرط واستدل بهذا الحديث على أن الإحصار لا يقع إلاّ بعدوّ مانع، وأما المرض وسائر العوائق فلا يقع بها الإحلال قال ولو كان يقع به الاحلال لما احتاجت إلى هذا الشرط. وممن قال لا حصر إلاّ حصر العدو ابن عباس، وروي معناه عن ابن عمر، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأي لا فرق بين العدو والمرض في أن الإحصار واقع بهما. وقال سفيان الثوري الإحصار بالكسر والمرض والخوف. قلت وفي قوله ومحلي من الأرض حيث حبستني دليل على أن المحصر يحل حيث يحبس وينحر هديه هناك حرما كان أو حلاً وكذلك فعل رسول الله ﷺ عام الحديبية حين أحصر نحر هديه وحل. وقال أصحاب الرأي دم الإحصار لا يراق إلاّ في الحرم يقيم المحصر على إحرامه ويبعث بالهدي ويواعدهم يوماً يقدر فيه بلوغ الهدي المنسك فإذا كان ذلك الوقت حل.

стр. 476

ومن باب إفراد الحج قال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. قلت لم تختلف الأمة في أن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة إلى الحج كلها جائزة غير أن طوائف العلماء اختلفوا في الأفضل منها، فقال مالك والشافعي الافراد أفضل. وقال أصحاب الرأي والثوري القران أفضل. وقال أحمد بن حنبل التمتع بالعمرة إلى الحج هو الأفضل. وكل من هذه الطوائف ذهب إلى حديث، وقد ذكر أبو داود تلك الأحاديث على اختلافها مجملا ومفسرا وعلى حسب ما وقع له من الرواية وسيأتي البيان على شرحها وكشف مواضع الاشكال منها في أماكنها إن شاء الله. غير أن جماعة من الجهال ونفراً من الملحدين طعنوا في أحاديث رسول الله ﷺ وفي أهل الرواية والنقل من أئمة الحديث وقالوا لم يحج النبي ﷺ بعد قيام الإسلام إلاّ حجة واحدة فكيف يجوز أن يكون في تلك الحجة مفردا وقارنا ومتمتعا وأفعال نسكها مختلفة وأحكامها غير متفقة وأسانيدها عند أهل الرواية ونقلة الأخبار جياد صحاح ثم قد وجد فيها هذا التناقض والاختلاف يريدون بذلك توهين الحديث والإزراء به وتصغير شأنه وضعف أمرحملته ورواته. قلت لو يسروا للتوفيق وأعينوا بحسن المعرفة لم ينكروا ذلك ولم يدفعوه وقد أنعم الشافعي بيان هذا المعنى في كتاب اخنلاف الحديث وجود الكلام فيه وفي اقتصاصه على كماله والوجيز المختصر من جوامع ما قاله فيه أن معلوماً في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به كجواز إضافته إلى الفاعل له

стр. 477

كقولك بني فلان داراً إذا أمرببنائها وضرب الأمير فلانا إذا أمر بضربه، وروي رجم رسول الله ﷺ ماعزاً وقطع سارق رداء صفوان، وإنما أمر برجمه ولم يشهده وأمر بقطع يد السارق ومثله كثير في الكلام، وكان أصحاب رسول الله ﷺ منهم المفرد ومنهم القارن والمتمتع وكل منهم يأخذ عنه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه فجاز أن يضاف كلها إلى رسول الله ﷺ على معنى أنه أمر بها وأذن فيها وكل قال صدقاً وروى حقا لا ينكره إلاّ من جهل وعاند والله الموفق. قلت وقد يحتمل ذلك وجها آخر وهو أن يكون بعضهم سمعه يقول لبيك بحج فحكى أنه أفردها وخفي عليه قوله وعمرة فلم يحك إلاّ ما سمع وهوعائشة، ووعى غيره الزيادة فرواها وهو أنس حين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لبيك بحج وعمرة ولا تنكر الزيادات في الأخبار كما لا تنكر في الشهادات وإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد نافيا لقول صاحبه فأما إذا كان مثبتا له وزائدا عليه فليس فيه تناقض ولا تدافع. وقد يحتمل أيضاً أن يكون الراوي سمع ذلك يقول على سبيل التعليم لغيره فيقول له لبيك بحجة وعمرة يلقنه ذلك، وأما من روى أنه تمتع بالعمرة إلى الحج فإنه قد أثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج وأثبت ما رواه أنس من العمرة والحج إلاّ أنه أفاد الزيادة في البيان والتمييز بين الفعلين بإيقاعهما في زمانين وهو ما روته حفصة روى عنها عبد الله بن عمر أنها قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك فقال إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر فثبت أنه كان هناك عمرة إلاّ أنه أدخل عليها الحج قبل أن يقضي

стр. 478

شيئا من عمل العمرة فصار في حكم القارن وهذه الروايات على اختلافها في الظاهر ليس فيها تكاذب ولا تهاتر والتوفيق بينهما ممكن وهو سهل الخروج غير متعذر والحمد لله. وقد روي في هذا عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ أحرم من ذي الحليفة إحراما موقوفا وخرج ينتظر القضاء فنزل عليه الوحي وهو على الصفا فأمررسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة وأمر من كان معه هدي أن يحج. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن هشام بن عروه عن أبيه عن عائشة أنها قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين هلال ذي الحجة فلما كان بذي الحليفة قال من شاء أن يهل بحج فليهل ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة قالت فكنت فيمن أهل بعمرة قال فلما كان في بعض الطريق حضت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال ما يبكيك قلت وددت أني لم أكن خرجت العام قال ارفضي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج فلما كان ليلة الصدر أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن فذهب بها إلى التنعيم أي فأهلت بعمرة. قلت احتج من رأى التمتع بقوله ﷺ لولا أني أهديت لأهللت بعمرة قال فالأفضل ما اختاره رسول الله ﷺ وما تمناه أن يفعله لو كان صادف وقته وزمانه، وقد يحتمل أن يكون معنى قوله لأهللت بعمرة أي لتفردت بعمرة أكون بها متمتعا يطيب بذلك نفوس أصحابه الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج فيكون دلالته حينئذ على معنى الجواز لا على معنى الاختيار.

стр. 479

وقوله ارفضي عمرتك اختلف الناس في معناه فقال بعضهم أتركيها وأخريها على القضاء. وقال الشافعي إنما أمرها أن تترك العمل للعمرة من الطواف والسعي لا أنها تترك العمرة أصلا وإنما أمرها أن تدخل الحج على العمرة فتكون قارنة. قلت وعلى هذا المذهب تكون عمرتها من التنعيم تطوعا لا عن واجب ولكن أراد أن تطيب بنفسها فاعمرها وكانت قتد سألته ذلك وقد روي ما يشبه هذا المعنى في حديث جابر. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث، عَن أبي الزبير عن جابر قال أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بالحج مفردا وأقبلت عائشة مهلة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عَرِكت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي قال فقلنا حِلَّ ماذا قال الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلاّ أربع ليال ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة فوجدها تبكي فقال ما شأنك فقالت شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا وبالمروة ثم قال قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا فقالت يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال فاذهب بها عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحَصبة.

стр. 480

قلت هذه القصة كلها تدل على صواب ما تأوله الشافعي من قوله ارفضي عمرتك وعلى أن عمرتها من التنعيم إنما هي تطوع أراد بذلك تطييب نفسها. وفيه دليل على أن الطواف الواحد والسعي الواحد يجزئان القارن عن حجه وعمرته. وقوله عركت معناه حاضت يقال عركت المرأة تعرك إذا حاضت وامرأة عارك، ونساء عوارك. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وذكرت القصة في حج رسول الله ﷺ وخروجها معه وساقت الحديث إلى أن قالت فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحداً. قلت هذا يؤكد معنى ما قلنا من إجزاء الطواف الواحد للقارن وهو مذهب عطاء ومجاهد والحسن وطاوس وبه قال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وعن الشعبي أن القارن يطوف طوافين وهو قول أصحاب الرأي وكذلك قال سفيان الثوري. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا حبيب، يَعني المعلم عن عطاء حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم يومئذ هدي إلاّ النبي ﷺ وطلحة وكان علي ﵁ قدم من اليمن ومعه الهدي فقال أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ وأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ثم يقصروا ويحلوا إلاّ من كان معه هدي فقالوا أننطلق إلى منى

стр. 481

وذكورنا تقطر فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت. قلت إنما أراد بهذا القول والله أعلم استطابة نفوسهم وذلك أنه كان يشق عليهم أن يحلوا ورسول الله ﷺ محرم ولم يعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ويتركوا الإيتساء به والكون معه على كل حال من أحواله فقال عند ذلك هذا القول لئلا يجدوا في أنفسهم من ذلك وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه وأمرهم به وأنه لولا أن سنة من ساق الهدي أن لا يحل حتى يبلغ الهدي محله لكان أسوتهم في الإحلال يطيب بذلك نفوسهم ويحمد به صنيعهم وفعلهم، وقد يستدل بهذا من هى أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة أن محمد بن جعفر حدثهم عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. قلت قول هذه عمرة استمتعنا بها يحتج به من يذهب إلى أن النبي ﷺ كان متمتعا وتأول من ذهب إلى خلافه على أنه أراد به من تمتع من أصحابه وقد كان فيهم المتمتع والقارن والمفرد وهذا كما يقول الرجل الرئيس في قومه فعلنا كذا وصنعنا كذا وهو لم يباشر بنفسه فعل شيء من ذلك وإنما هوحكاية عن فعل أصحابه يضيفها إلى نفسه على معنى أن أفعالهم صادرة عن رأيه ومنصرفة إلى إذنه. وقوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة مختلف في تأويله يتنازعه الفريقان موجبوها ونافوها فرضاً فممن قال إنها واجبة كوجوب الحج عمر وابن عمر وابن

стр. 482

عباس ﵃، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وإلى إيجابها ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد. وقال الثوري في العمرة سمعنا أنها واجبة. وقال أصحاب الرأي ليست العمرة واجبة. قلت فوجه الاستدلال من قوله دخلت العمرة في الحج لمن ليراها واجبة أن فرضها ساقط بالحج وهومعنى دخولها فيه ومن أوجبها يتأول على وجهين. أحدهما أن عمل العمرة قد دخل في عمل الحج فلا يرى على القارن أكثر من طواف واحد وسعي واحد كما لا يرى عليه أكثر من إحرام واحد. والوجه الآخر أنها قد دخلت في وقت الحج وشهوره، وكان أهل الجاهلية لا يعتمرون في أشهر الحج فأبطل رسول الله ﷺ ذلك بهذا القول. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني حيوة أخبرني أبو عيسى الخراساني عن عبد الله بن القاسم عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ أتى عمر بن الخطاب ﵁ فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمره قبل الحج. قلت في إسناد هذا الحديث مقال وقد اعتمر رسول الله ﷺ عمرتين قبل حجه والأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمرالمظنون وجواز ذلك إجماع من أهل العلم لم يذكر فيه خلاف، وقد يحتمل أن يكون النهي عنه اختيارا واستحباباً وأنه إنما أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين وأهمهما ووقته محصور. والعمرة ليس لها وقت موقوت وأيام السنة كلها تتسع لها، وقد قدم الله اسم الحج عليها

стр. 483

فقال ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] . قال أبو داود: حدثنا أبو سلمة موسى حدثنا حماد عن قتادة، عَن أبي الشيخ الهنائي هو خيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة أن معاوية بن أبي سفيان. قال يا أصحاب رسول الله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن كذا وعن ركوب جلود النمور قالوا نعم. قال فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة فقالوا أما هذا فلا فقال إنها معهن ولكنكم نسيتم. قلت جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأمة ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهي عنه ولم يوافق الصحابة معاوية على هذه الرواية ولم يساعدوه عليها، ويشبه أن يكون ذهب في ذلك إلى تأويل قوله حين أمر أصحابه في حجته بالإحلال فشق عليهم لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وكان قارناً. فيما دلت عليه هذه القصة فحمل معاوية هذا الكلام منه على النهي. وفيه وجه آخر وهو أنه قد روي عن عمر ﵁ أنه قال افصلوا بين الحج والعمرة فإنه أتم لحجكم وعمرتكم، ويشبه أن يكون ذلك على معنى الإرشاد وتحري الأجر ليكثر السعي والعمل ويتكرر القصد إلى البيت كما روي عن عثمان أنه سئل عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال إن أتم الحج والعمرة أن لا يكونا في أشهر الحج فلو أفردتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل. ومن باب القران قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل عن أنس بن مالك أنهم سمعوه يقول سمعت

стр. 484

رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا يقول لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا. قلت في هذا بيان أنه قرن بينهما في وقت واحد وفي حرم واحد وأنه لم يكن على معنى الإحرام بأحدهما وإدخال الأخرى عليها. قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين حدثنا حجاج حدثنا يونس، عَن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال كنت مع علي ﵁ حين أمره رسول الله ﷺ على اليمن قال فأصبت معه أواقي فلما قدم علي ﵁ من اليمن على رسول الله ﷺ قال وجدت فاطمة قد لبست ثياباً صببغا وقد نضحت البيت بنضوح فقالت ما لك فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحلوا، قال فقلت لها إني أهللت بإهلال رسول الله ﷺ قال فأتيت النبي ﷺ فقال لي كيف صنعت، قال قلت أهللت بإهلال النبي ﷺ قال فإني قد سقت الهدي وقرنت قال فقال لي انحر من البدن سبعا وستين أو ستا وستين وامسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين وامسك لي من كل بدنة منها بضعة. قلت وفي هذا صريح البيان أنه كان قارنا لأنه ﷺ أعلم بما كان نواه وقصده من ذلك. وفيه دليل على أن عقد الإحرام مبهما من غير تعيين جائز وأن صاحبه بالخيار إن شاء صرفه إلى الحج والعمرة معاً وإن شاء صرفه إلى أحدهما دون الآخر وأنه ليس كالصلاة التي لا تجزىء إلاّ بأن يعين مع العقد والإحرام. وقد استدل بعضهم بقوله وامسك لي من كل بدنة منها ببضعة على جواز أكل القارن والمتمتع

стр. 485

من لحم هديه وهو غير دال على ما قاله لأن سُبع بدنه يجزئه عن نسكه ويكون فيه جبران لنقصه فيحصل الأكل من حصة التطوع دون الواجب. قال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا شعيب بن إسحاق عن ابن جريج أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال قصرت عن النبي ﷺ بمشقص على المروة أو رأيته يقصر عنه على المروة بمشقص. قلت هذا صنيع من كان متمتعا وذلك أن المفرد والقارن لا يحلق رأسه ولا يقصر شعره إلاّ يوم النحر والمعتمر يقصره عند الفراغ من السعي وفي الروايات الصحيحة أنه لم يحلق ولم يقصر إلاّ يوم النحر بعد رمي الجمار وهي أولى. ويشبه أن يكون ما حكاه معاوية إنما هو في عمرة اعتمرها رسول الله ﷺ دون الحجة المشهورة له والمشقص نصل عريض. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت لرسول الله ﷺ ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك فقال إني لبدت رأسى وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر. قلت هذا يبين لك أنه قد كانت هناك عمرة ولكنه قد أدخل عليها حجة وصار بذلك قارنا، وهذه الأخبار كلها مؤتلفة غير مختلفة على الوجه الذي ذكرناه ورتبناها. ولم يختلف الناس في أن إدخال الحج على العمرة جائز ما لم يفتتح الطواف بالبيت للعمرة. واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فقال مالك والشافعي لا يدخل عمرة

стр. 486

على الحج، وقال أصحاب الرأي إذا أدخل العمرة على الحج صار قارناً. قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه. قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا قال لكم خاصة. قلت قد قيل إن الفسخ إنما وقع إلى العمرة لأنهم كانوا يحرمون العمرة في أشهر الحج ولا يستبيحونها فيها ففسخ رسول الله ﷺ الحج عليهم وأمرهم بالعمرة في زمان الحج ليزولوا عن سنة الجاهلية وليتمسكوا بما سن لهم في الإسلام، وقد بين النبي ﷺ أنه ليس لمن بعدهم ممن أحرم بالحج أن يفسخه وقد اتفق عوام أهل العلم على أنه إذا فسد حجه مضى فيه مع الفساد. واختلفوا فيمن أهل بحجتين فقال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه لا يلزمه إلاّ حجة واحدة. ومن حجتهم في ذلك أن المضي فيهما لا يلزم ولو فعله لم يصح بالإجماع. وقال أصحاب الرأي يرفض إحداهما إلى قابل ويمضي في الأخرى وعليه دم. قلت لو لزمتاه لم يكن له رفض إحداهما إلى قابل لأنه لا يكون في معنى الفسخ وقد أخبر النبي ﷺ أن فسخ الحج كان لهم خاصا دون من بعدهم. وقال سفيان يلزمه حجة وعمرة من عامه ويهريق دما ويحج من قابل، وحكى عن مالك أنه قال يصير قارناً وعليه دم ولا يلزمه على مذهب الشافعي شيء من عمرة ولا دم ولا قضاء من قابل. ومن باب الرجل يحج عن غيره قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن

стр. 487

يسار عن عبد الله بن عباس قال كان الفضل بن عباس رديف النبي ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم وذلك في حجة الوداع. قلت في هذا الحديث بيان جواز حج الإنسان عن غيره حيا وميتا وأنه ليس كالصلاة والصيام وسائر الأعمال البدنية التي لا تجري فيها النيابة وإلى هذا ذهب الشافعي. وكان مالك لا يرى ذلك وقال لا يجزئه إن فعل وهو الذي روى حديث ابن عباس، وكان يقول في الحج عن الميت إن لم يوص به الميت إن تصدق عنه وأعتق أحب إلي من أن يحج عنه. وكان إبراهيم النخعي وابن أبي ذئب يقولان لا يحج أحد عن أحد والحديث حجة على جماعتهم. قلت وفيه دليل على أن فرض الحج يلزم من استفاد مالا في حال كبره وزمانته إذا كان قادرا به على أن يأمر غيره فيحج عنه كما لو قدر على ذلك بنفسه. وقد يتأول بعضهم قولها إن فريضة الله أدركت أبي شيخا فقال معناه أنه أسلم وهو شيخ كبير. وفيه دليل على أن حج المرأة عن الرجل جائز. وقد منع ذلك بعض أهل العلم وزعم أن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلاّ رجل مثله وحكي عن مالك وعن أبي حنيفة أنهما قالا الزمن لا يلزمه فرض الحج إلاّ أن أبا حنيفة قال إن لزمه الفرض في حال الصحة ثم زمن لم يسقط عنه بالزمانة،

стр. 488

وقال مالك يسقط. واستدل الشافعي بخبر الخثعمية على وجوب الحج على المعضوب الزمن إذا وجد من يبذل له طاعته من ولده وولد ولده. ووجه ما استدل به من هذا الحديث أنها ذكرت وجوب فرض الحج على أبيها في حال الزمانة وهو قولها إن فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة ولا بد من تعلق وجوبه بأحد أمور أما بمال أو بقوة بدن أو وجود طاعة من ذي قوة وقد علمنا عجزه ببدنه ولم يجر للمال ذكر، وإنما جرى الذكر لطاعتها وبذلها نفسها عنه فدل أن الوجود تعلق به ومعلوم في اللسان أن يقال فلان مستطيع لأن يبني داره إذا كان يجد من يطيعه في ابتنائها كما إذا وجد مالا ينفقه في بنائها وكما لوقدر عليه بنفسه. قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهناد بن السري المعنى واحد قال إسحاق حدثنا عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال من شبرمة قال أخ لي أوقريب لي فقال احججت عن نفسك قال لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. قلت فيه من الفقه أن الصرورة لا يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، وفيه أن حج المرء عن غيره إذا كان قد حج عن نفسه جائز، وفيه أن من أهل بحجتين لم يلزمه إلاّ واحدة ولو كان لاجتماع وجوبهما مساغ في وقت واحد لأشبه أن يجمع عليه الأمرين فدل على أن الإحرام لا ينعقد إلاّ بواحدة. قلت وقد روي في حديث شبرمة هذا أنه قال له فاجعل هذه عن نفسك

стр. 489

ثم أحجج عن شبرمة هكذا حدثناه الأصم حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عَن أبي قلابة عن ابن عباس وذكر القصة وقال فيها فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة هكذا قال عن ابن عباس لم يذكر فيه النبي ﷺ وهذا يوجب أن يكون إحرامه عن شبرمة قد انقلب عن فرضه بنفسه، وقد اختلف الناس في هذا. فقال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه لا يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه وهو قول الأوزاعي. وقال أصحاب الرأي له أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، وقال الثوري نحوا من ذلك وهو قول مالك بن أنس. ومن باب كيف التلبية قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. قال وكان ابن عمر يزيد فيها لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل. قلت قوله إن الحمد والنعمة لك فيه وجهان كسر إن وفتحها وأجودهما الكسر أخبرني أبو عمر قال: قال أبو العباس أحمد بن يحيى من قال إن بكسر الألف فقد عم ومن قال أن بفتحها فقد خص والرغباء المسألة، وفيه لغتان يقال الرغباء مفتوحة الراء ممدودة والرغبى مضمومة الراء مقصورة. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي

стр. 490

ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو قال بالتلبية. قلت يحتج به من يرى التلبية واجبة وهو قول أبي حنيفة وقال من لم يلب لزمه دم ولا شيء عند الشافعي على من لم يلب. ومن باب متى يقطع التلبية قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع أخبرنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس أن النبي ﷺ لبى حتى رمى جمرة العقبة. قال وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا يحيى عن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال غدونا مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر. قلت ذهب عامة أهل العلم في هذا إلى حديث الفضل بن عباس دون حديث ابن عمر. وقالوا لا يزال يلبي حتى يرمي جمرة العقبة إلاّ أنهم اختلفوا فقال بعضهم يقطعها مع أول حصاة وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال الشافعي. وقال أحمد واسحاق يلبي حتى يرمي الجمرة ثم يقطعها. وقال مالك يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة فإذا راح إلى المسجد قطعها. وقال الحسن يلبي حتى يصلي الغداة من يوم عرفة فإذا صلى الغداة أمسك عنها. وكره مالك التلبية لغير المحرم ولم يكرهها غيره. ومن باب الرجل يحرم في ثيابه قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا همام سمعت عطاء أخبرنا صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وعليه أثر

стр. 491

خلوق أوقال صفرة وعليه جبة فقال يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي فأنزل الله عليه الوحي فلما سري عنه قال أين السائل عن العمرة قال اغسل عنك أثر الخلوق أوقال أثر الصفرة واخلع الجبة عنك واصنع في عمرتك ما صنعت في حجتك. قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا أبوعوانة، عَن أبي بشر عن عطاء عن يعلى بن أمية بالقصة قال فيها اخلع جبتك فخلعها من رأسه. قلت فيه من الفقه أن من أحرم وعليه ثياب مخيطة من قميص وجبة ونحوهما لم يكن عليه تمزيقه وإنه إذا نزعه من رأسه لم يلزمه دم. وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال يشقه وعن الشعبي قال يمزق ثيابه. قلت وهذا خلاف السنة لأن النبي ﷺ أمره بخلع الجبة وخلعها الرجل من رأسه فلم يوجب عليه غرامة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال. وتمزيق الثوب تضيع له فهوغير جائز، وقد يتوهم من لا يمعن النظر أن أمره إياه بغسل أثر الخلوق والصفرة إنما كان من أجل أن المحرم لا يجوز له أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى أثره بعد الإحرام وليس هذا من أجل ذلك ولكن من قبل أن التضمخ بالزعفران حرام على الرجل في حُرْمه وحله. حدثنا ابن الأعرابي حدثنا موسى بن سهل الوشا حدثنا إسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال نهى رسول الله ﷺ أن يتزعفر الرجل. وفي الحديث دليل أن المحرم إذا لبس ناسيا فلا شيء عليه لأن الناسي في معنى الجاهل وذلك إن هذا الرجل كان حديث العهد بالإسلام جاهلا بأحكامه فعذره النبي ﷺ فلم يلزمه غرامة.

стр. 492

ومن باب ما يلبس المحرم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه سأل رجل النبي ﷺ ما يترك المحرم من الثياب قال لا يلبس القميص ولا البرنس ولا السراويل ولا العمامة ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلاّ أن لا يجد النعلين فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. قال وحدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمعنى هذا الحديث وزاد ولا تتنقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين. قلت قوله لا يلبس البرنس دليل على أن كل شيء غطى رأسه من معتاد اللباس كالعمامة والقلانس ونحوهما ومن نادره كالبرنس أو كالحمل يحمله على رأسه والمكتل يضعه فوقه فكل ما دخل في معناه فإن فيه الفدية. وفيه أن المحرم منهي عن الطيب في بدنه وفي لباسه وفي معناه الطيب في طعامه لأن بغية الناس في تطييب الطعام كبغيتهم في تطييب اللباس. وفيه أنه إذا لم يجد نعلين ووجد خفين قطعهما ولم يكن ذلك من جملة ما نهي عنه من تضييع المال لكنه مستثنى منه. وكل إتلاف من باب المصلحة فليس بتضييع. وليس في أمرالشريعة إلاّ الاتباع. وقد اختلف الناس في هذا فقال عطاء لا يقطعهما لأن في قطعهما فسادا، وكذلك قال أحمد بن حنبل وممن قال يقطع كما جاء في الحديث مالك وسفيان والشافعي وإسحاق. قلت أنا أتعجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف

стр. 493

سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس وليست هذه الزيادة فيه إنما رواها ابن عمر إلاّ أن الزيادات مقبولة. وقول عطاء إن قطعهما فساد يشبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعة فأما ما أذن فيه الرسول ﷺ فليس بفساد وهذا في الرجال دون النساء فأما النساء فإن حرمهن في الوجه والكفين. وإذا لبست المرأة القفازين فقد اختلفوا في ذلك هل يجب عليها شيء أم لا فذكر أكثر أهل العلم أنه لا شيء عليها وعللوا حديث ابن عمر بأن ذكر القفازين إنما هو من قول ابن عمر ليس عن النبي ﷺ وعلق الشافعي القول في ذلك، وقد قال في المرأة إذا اختضبت أنه لا شيء عليها فإن لفت على يديها خرقة لزمتها الفدية. واختلفوا فيه إذا قطع الخفين هل يلزمه دم أم لا، فقال بعضهم لا شيء عليه لأنه صار بذلك في معنى النعل، وقال آخرون يلزمه الدم لأنه لم يأذن له فيه إلاّ عند عدم النعل. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول السراويل لمن لا يجد الإزار والخف لمن لا يجد النعلين. قلت وفيه دليل على أنه إذا لم يجد الإزار فلبس السراويل لم يكن عليه شيء وإلى هذا ذهب عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وحكي ذلك عن الثوري. وقال مالك ليس له أن يلبس السراويل، وكذلك قال أبو حنيفة ويحكى عنه

стр. 494

أنه قال يفتق السراويل ويتزر به وقالوا هذا كما جاء في الخف أنه يقطع. قلت والأصل في المال أن تضيعه حرام والرخصة إذا جاءت في لبس السراويل فظاهرها اللبس المعتاد وستر العورة واجب وإذا فتق السراويل واتزر به لم تستتر العورة، وأما الخف فإنه لا يغطي عورة وإنما هو لباس رفق وزينة فلا يشتبهان ومرسل الإذن في لبس السراويل إباحة لا تقتضي غرامة. ومن باب المحرم يحمل السلاح قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن جعفر هوغندر أخبرنا شعبة، عَن أبي إسحاق قال سمعت البراء يقول لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية صالحهم على أن لا يدخلوها إلاّ بجلبان السلاح فسألته ما جلبان السلاح قال القراب بما فيه. هكذا جاء تفسير الجلبان في هذا الحديث ولم أسمع فيه من ثقة شيئا، وزعم بعضهم أنه إنما سمي جلبانا لجفائه وارتفاع شخصه، من قولهم رجل جلبان وامرأة جلبانة إذا كانت جسيمة صافية الخلق. قلت ويشبه أن يكون المعنى في مصالحتهم على أن لا يدخلوها إلاّ بالسيوف في القرب أنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن يخفروا الذمة فاشترط حمل السلاح في القرب معهم ولم يشترط شهر السلاح ليكون سمة للصلح وإمارة له. ومن باب المحرمة تغطي وجهها قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم أخبرنا يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عائشة قالت كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزنا كشفناه.

стр. 495

قلت قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى المحرمة عن النقاب، فأما سدل الثوب على وجهها من رأسها فقد رخص فيه غير واحد من الفقهاء ومنعوها أن تلف الثوب أو الخمار على وجهها أو تشد النقاب أو تتلثم أو تتبرقع. وممن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها عطاء ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق وهو قول محمد بن الحسن وقد علق الشافعي القول فيه. ومن باب المحرم يظلل قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن سلمة، عَن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته قالت حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. قلت فيه من الفقه أن للمحرم أن يستظل بالمظال نازلاً بالأرض وراكباً على ظهور الدواب ورخص فيه أكثر أهل العلم، إلاّ أن مالك بن أنس وأحمد بن حنبل كانا يكرهان للمحرم أن يستظل راكبا. وروى أحمد عن ابن عمر أنه رأى رجلا قد جعل على رحله عوداً له شعبتان وجعل عليه ثوبا يستظل به وهو محرم فقال له ابن عمر اضح للذي أحرمت له أي أبرز للشمس. وحدثنا ابن الأعرابي حدثنا إبراهيم بن حميد القاضي حدثنا الرياشي قال رأيت أحمد بن المعدل في الموقف في يوم شديد الحر وقد ضحى للشمس فقلت له يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول: ضحيت له كي أستظل بظله ... إذا الظل أمسى في القيامة قالصا
следующие страницы →