← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

خلوق أوقال صفرة وعليه جبة فقال يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي فأنزل الله عليه الوحي فلما سري عنه قال أين السائل عن العمرة قال اغسل عنك أثر الخلوق أوقال أثر الصفرة واخلع الجبة عنك واصنع في عمرتك ما صنعت في حجتك. قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا أبوعوانة، عَن أبي بشر عن عطاء عن يعلى بن أمية بالقصة قال فيها اخلع جبتك فخلعها من رأسه. قلت فيه من الفقه أن من أحرم وعليه ثياب مخيطة من قميص وجبة ونحوهما لم يكن عليه تمزيقه وإنه إذا نزعه من رأسه لم يلزمه دم. وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال يشقه وعن الشعبي قال يمزق ثيابه. قلت وهذا خلاف السنة لأن النبي ﷺ أمره بخلع الجبة وخلعها الرجل من رأسه فلم يوجب عليه غرامة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال. وتمزيق الثوب تضيع له فهوغير جائز، وقد يتوهم من لا يمعن النظر أن أمره إياه بغسل أثر الخلوق والصفرة إنما كان من أجل أن المحرم لا يجوز له أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى أثره بعد الإحرام وليس هذا من أجل ذلك ولكن من قبل أن التضمخ بالزعفران حرام على الرجل في حُرْمه وحله. حدثنا ابن الأعرابي حدثنا موسى بن سهل الوشا حدثنا إسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال نهى رسول الله ﷺ أن يتزعفر الرجل. وفي الحديث دليل أن المحرم إذا لبس ناسيا فلا شيء عليه لأن الناسي في معنى الجاهل وذلك إن هذا الرجل كان حديث العهد بالإسلام جاهلا بأحكامه فعذره النبي ﷺ فلم يلزمه غرامة.

стр. 492

ومن باب ما يلبس المحرم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه سأل رجل النبي ﷺ ما يترك المحرم من الثياب قال لا يلبس القميص ولا البرنس ولا السراويل ولا العمامة ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلاّ أن لا يجد النعلين فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. قال وحدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمعنى هذا الحديث وزاد ولا تتنقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين. قلت قوله لا يلبس البرنس دليل على أن كل شيء غطى رأسه من معتاد اللباس كالعمامة والقلانس ونحوهما ومن نادره كالبرنس أو كالحمل يحمله على رأسه والمكتل يضعه فوقه فكل ما دخل في معناه فإن فيه الفدية. وفيه أن المحرم منهي عن الطيب في بدنه وفي لباسه وفي معناه الطيب في طعامه لأن بغية الناس في تطييب الطعام كبغيتهم في تطييب اللباس. وفيه أنه إذا لم يجد نعلين ووجد خفين قطعهما ولم يكن ذلك من جملة ما نهي عنه من تضييع المال لكنه مستثنى منه. وكل إتلاف من باب المصلحة فليس بتضييع. وليس في أمرالشريعة إلاّ الاتباع. وقد اختلف الناس في هذا فقال عطاء لا يقطعهما لأن في قطعهما فسادا، وكذلك قال أحمد بن حنبل وممن قال يقطع كما جاء في الحديث مالك وسفيان والشافعي وإسحاق. قلت أنا أتعجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف

стр. 493

سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس وليست هذه الزيادة فيه إنما رواها ابن عمر إلاّ أن الزيادات مقبولة. وقول عطاء إن قطعهما فساد يشبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعة فأما ما أذن فيه الرسول ﷺ فليس بفساد وهذا في الرجال دون النساء فأما النساء فإن حرمهن في الوجه والكفين. وإذا لبست المرأة القفازين فقد اختلفوا في ذلك هل يجب عليها شيء أم لا فذكر أكثر أهل العلم أنه لا شيء عليها وعللوا حديث ابن عمر بأن ذكر القفازين إنما هو من قول ابن عمر ليس عن النبي ﷺ وعلق الشافعي القول في ذلك، وقد قال في المرأة إذا اختضبت أنه لا شيء عليها فإن لفت على يديها خرقة لزمتها الفدية. واختلفوا فيه إذا قطع الخفين هل يلزمه دم أم لا، فقال بعضهم لا شيء عليه لأنه صار بذلك في معنى النعل، وقال آخرون يلزمه الدم لأنه لم يأذن له فيه إلاّ عند عدم النعل. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول السراويل لمن لا يجد الإزار والخف لمن لا يجد النعلين. قلت وفيه دليل على أنه إذا لم يجد الإزار فلبس السراويل لم يكن عليه شيء وإلى هذا ذهب عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وحكي ذلك عن الثوري. وقال مالك ليس له أن يلبس السراويل، وكذلك قال أبو حنيفة ويحكى عنه

стр. 494

أنه قال يفتق السراويل ويتزر به وقالوا هذا كما جاء في الخف أنه يقطع. قلت والأصل في المال أن تضيعه حرام والرخصة إذا جاءت في لبس السراويل فظاهرها اللبس المعتاد وستر العورة واجب وإذا فتق السراويل واتزر به لم تستتر العورة، وأما الخف فإنه لا يغطي عورة وإنما هو لباس رفق وزينة فلا يشتبهان ومرسل الإذن في لبس السراويل إباحة لا تقتضي غرامة. ومن باب المحرم يحمل السلاح قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن جعفر هوغندر أخبرنا شعبة، عَن أبي إسحاق قال سمعت البراء يقول لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية صالحهم على أن لا يدخلوها إلاّ بجلبان السلاح فسألته ما جلبان السلاح قال القراب بما فيه. هكذا جاء تفسير الجلبان في هذا الحديث ولم أسمع فيه من ثقة شيئا، وزعم بعضهم أنه إنما سمي جلبانا لجفائه وارتفاع شخصه، من قولهم رجل جلبان وامرأة جلبانة إذا كانت جسيمة صافية الخلق. قلت ويشبه أن يكون المعنى في مصالحتهم على أن لا يدخلوها إلاّ بالسيوف في القرب أنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن يخفروا الذمة فاشترط حمل السلاح في القرب معهم ولم يشترط شهر السلاح ليكون سمة للصلح وإمارة له. ومن باب المحرمة تغطي وجهها قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم أخبرنا يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عائشة قالت كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزنا كشفناه.

стр. 495

قلت قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى المحرمة عن النقاب، فأما سدل الثوب على وجهها من رأسها فقد رخص فيه غير واحد من الفقهاء ومنعوها أن تلف الثوب أو الخمار على وجهها أو تشد النقاب أو تتلثم أو تتبرقع. وممن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها عطاء ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق وهو قول محمد بن الحسن وقد علق الشافعي القول فيه. ومن باب المحرم يظلل قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن سلمة، عَن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته قالت حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. قلت فيه من الفقه أن للمحرم أن يستظل بالمظال نازلاً بالأرض وراكباً على ظهور الدواب ورخص فيه أكثر أهل العلم، إلاّ أن مالك بن أنس وأحمد بن حنبل كانا يكرهان للمحرم أن يستظل راكبا. وروى أحمد عن ابن عمر أنه رأى رجلا قد جعل على رحله عوداً له شعبتان وجعل عليه ثوبا يستظل به وهو محرم فقال له ابن عمر اضح للذي أحرمت له أي أبرز للشمس. وحدثنا ابن الأعرابي حدثنا إبراهيم بن حميد القاضي حدثنا الرياشي قال رأيت أحمد بن المعدل في الموقف في يوم شديد الحر وقد ضحى للشمس فقلت له يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول: ضحيت له كي أستظل بظله ... إذا الظل أمسى في القيامة قالصا

стр. 496

فوا أسفا إن كان سعيك باطلا ... ويا حسرتا إن كان حجك ناقصا قلت أحمد بن المعدل هذا بصري مالكي المذهب يعد من زهاد البصرة وعلمائها وأخوه عبد الصمد بن المعدل الشاعر. وفي الحديث دليل على جواز الوقوف على ظهور الدواب للحاجة تعرض ريثما تقضى وإن قوله لا تتخذوا ظهور الدواب مقاعد إنما هو أن يستوطن ظهورها لغير أرب في ذلك ولا حاجة إليه. ومن باب المحرم يحتجم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهومحرم. قلت لم يكره أكثر من كره من الفقهاء الحجامة للمحرم إلاّ من أجل قطع الشعر فإن احتجم في موضع لا شعر عليه فلا بأس به وإن قطع شعرا افتدى. وممن رخص في الحجامة للمحرم سفيان الثوري وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك لا يحتجم المحرم إلاّ من ضرورة لا بد منها. وكان الحسن يرى في الحجامة دما يهريقه. ومن باب هل يكتحل المحرم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن أيوب عن موسى عن نُبيه بن وهب، قال اشتكى عمر بن عبيد الله بن معمر عينيه فأرسل إلى أبان بن عثمان قال سفيان وهو أمير ما يصنع بهما فقال أضمدهما بالصبر فإني سمعت عثمان يحدث ذلك عن رسول الله ﷺ . قلت الصبر ليس بطيب ولذلك رخص له أن يتعالج به، فأن الكحل الذى

стр. 497

لا طيب فيه فلا بأس به للرجال. قال الشافعي وأنا له في النساء أشد كراهية مني له في الرجال ولا أعلم على واحد منهما الفدية. ورخص في الكحل للمحرم سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق، وكره الإثمد المحرمة سفيان وأحمد وإسحاق. ومن باب الاغتسال المحرم قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال ابن عباس يغسل المحرم رأسه، وقال المسور بن مخرمة لا يغسل فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب، قال فسلمت عليه فقال من هذا قلت أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم قال فوضع أبو أيوب يده على الثوب وطأطأ حتى بدا إلي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه أصبب قال فصب على رأسه ثم حرك أبو أيوب رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال هكذا رأيته يفعل ﷺ . قلت قد رخص للمحرم في غسل رأسه أكثر أهل العلم وكرهه مالك بن أنس وقال يغيب رأسه في الماء ولست أعلم فيه معنى إلاّ أن يكون قد خاف أنه إذا دلك رأسه بيديه انخص شيء من شعره فكره له ذلك من أجله. وأجمعوا أنه إذا احتلم كان عليه الاغتسال عاماً في جميع بدنه، فأما كراهته تغييب الرأس في الماء فلعله شبهه بتغطية الرأس بالثياب ونحوها ومن شبه الماء وما يفعله من مواراة بدن المنغمس فيه وتغطيته بالثياب لزمه أن يجيز للعريان

стр. 498

إذا انغمس في الماء فغمر عورته أن يصلي وهو في الماء بلا ثياب لأن الماء قد ستر عورته عن الأبصار وما أرى أن أحدا من الفقهاء يقول ذلك إلاّ أن بعض من لا يعبأ بقوله قد قال إن ذلك يجزيه، وقد استحب بعض أهل العلم للعريان إذا لم يجد ثوبا ًيصلي فيه أن يطلي موضع العورة من بدنه بالطين ويصلي. وقوله بين القرنين يريد العمودين اللذين يشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة. ومن باب المحرم يتزوج قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أخي بني عبد الدار أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى إبان بن عثمان يسأله وإبان يومئذ أمير الحاج وهما محرمان إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير وأردت أن تحضر ذلك فأنكر ذلك عليه إبان وقال سمعت أبي عثمان بن عفان يقول قال رسول الله ﷺ لا ينكح المحرم ولا ينكح. قلت وقد ذهب إلى ظاهر هذا الحديث مالك والشافعي ورأيا النكاح إذا عقد في الإحرام مفسوخا سواء عقده المرء لنفسه أوكان وليا فعقده لغيره. وقال أصحاب الرأي نكاح المحرم لنفسه وإنكاحه لغيره جائز واحتجوا في ذلك بخبر ابن عباس أن رسول الله ﷺ تروج ميمونة وهو محرم. وتأول بعضهم خبر عثمان على معنى أنه إخبار عن حال المحرم وأنه لاشتغاله بنسكه لا يتسع لعقد النكاح ولا يفرغ له. وقال بعضهم معنى لا ينكح أي لا يطأ ليس أنه لا يعقد. قلت الرواية الصحيحة لا ينكح المحرم بكسر الحاء على معنى النهي لا على حكاية الحال وقصة إبان في منعه عمر بن عبيد الله من العقد وإنكاره ذلك عليه وهو راوي

стр. 499

الحديث دليل على أن المعنى في ذلك العقد فأما أن المحرم مشغول بنسكه ممنوع من الوطء فهذا من العلم العام المفروغ من بيانه باتفاق الجماعة والعامة من أهل العلم. والخبر الخاص إنما يساق لعلم خاص ومعنى مستفاد لولا الخبر لم يعلم ولم يستقر فلا معنى لقصره على ما لا فائدة له. وعلم أن الظاهر من لفظ النكاح العقد في عرف الناس ولا شك أن قوله ولا ينكح عبارة عن التزويج بلا إشكال فكذلك لا ينكح عبارة عن العقد لأن المعطوف به لا يخالف معنى المعطوف عليه في حكم الظاهر. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن رجل عن سعيد بن المسيب قال وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهومحرم. قلت وقد ذكر سعيد بن المسيب أن ما حكاه ابن عباس من ذلك وهم وحديث يزيد بن الأصم وهو ابن أخي ميمونة يؤكد ذلك. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت تروجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف. قلت وميمونة أعلم بشأنها من غيرها وأخبرت بحالها وبكيفية الأمر في ذلك العقد وهو من أدل الدليل على وهم ابن عباس. وذهب الشافعي إلى أن المحرم إذا نكح فالعقد مفسوخ بلا طلقة.

стр. 500

وقال مالك يفسخ بطلقة لأن هذا نكاح مختلف فيه. فيزال الاختلاف بالطلاق احتياطا للفرج. ومن باب ما يقتل المحرم من الدواب قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه سئل النبي ﷺ عما يقتل المحرم من الدواب فقال خمس لا جناح في قتلهن على من قتلهن في الحل والحرم العقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور. قال وحدثنا علي بن بحر حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة فذكر الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور. وقال وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم أخبرنا يزيد بن أبي زياد حدثنا عبد الرحمن بن أبي نُعْم (١) ، البجلي، عَن أبي سعيد الخدرى أن النبي ﷺ سئل عما يقتل المحرم قال الحية والعقرب والفوسقة ويرمي الغراب ولا يقتله والكلب العقور والحدأة والسبع العادي. قلت اختلف أهل العلم فيما يقتله المحرم من الدواب فقال الشافعي إذا قتل المحرم شيئا من هذه الأعيان المذكورة في هذه الأخبار فلا شيء عليه وقاس عليها كل سبع ضار وكل شيء من الحيوان لا يؤكل لحمه لأن بعض هذه الأعيان سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة الهوام وإنما هو حيوان مستخبث اللحم غير مستطاب الأكل وتحريم الأكل يجمعهن كلهن فأعتبره وجعله دليل الحكم. وقال مالك نحوا من قول الشافعي إلاّ أنه قال لا يقتل المحرم الغراب الصغير.

стр. 501

وقال أصحاب الرأي يقتل الكلب وسائر ما جاء في الخبر وقاسوا عليها الذئب ولم يجعلوا على قاتله فدية وقالوا في السبع والنمر والفهد والخنزير عليه الجزاء إن قتلها إلاّ أن يكون قتد ابتدأه شيء منها فدفعه عن نفسه فقتله فلا شيء عليه. وقالوا في السبع إذا ابتدأه المحرم فعليه قيمته إلاّ أن تكون قيمته أكثر من دم فيكون عليه دم ولا يجاوزه. وكان سفيان بن عيينة يقول الكلب العقور هو كل سبع يعقر وقد دعا رسول الله ﷺ على عتبة بن أبي لهب فقال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فافترسه الأسد. قلت وفي خبر أبي سعيد الخدري ما يدل على صحة ذلك وهو قوله والسبع العادي فكل ما كان هذا الفعل نعتا له من أسد ونمر وفهد ونحوها فحكمه هذا الحكم. فأما الفويسقة فهى الفأرة وقيل سميت فويسقة لخروجها من حجرها على الناس واغتيالها إياهم في أموالهم بالفساد. وأصل الفسق الخروج ومن هذا سمي الخارج عن الطاعة فاسقا، ويقال فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت عنه. وقوله في حديث أبي سعيد الخدري ويرمي الغراب ولا يقتله يشبه أن يكون أراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب وهو الذي استثناه مالك من جملة الغربان، وكان عطاء يرى فيه الفدية ولم يتابعه على قوله أحد. وأخبرني أبو محمد الكراني عن الساجي قال: قال النخعي لا يقتل المحرم الفأرة وأراه قال فإن قتلها ففيها فدية. وأخبرني الحسن بن يحيى عن المنذر في كتاب الاختلاف بنحو منه إلاّ أنه لم يذكر الفدية.

стр. 502

قلت وهذا القول مخالف للنص خارج عن أقاويل أهل العلم. ومن باب لحم الصيد المحرم قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سليمان بن كثير عن حميد الطويل عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال وكان الحارث خليفة عثمان ﵁ على الطائف فصنع لعثمان طعاما وضع فيه الحجل واليعاقيب ولحوم الوحش فبعث إلى علي بن أبي طالب فجاءه الرسول وهو يخبط لأباعر له فجاء وهو ينفض من يديه فقالوا له كل قال اطعموه قوما حلالا فأنا حُرُم ثم قال علي ﵁ أنشد الله من كان ههنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله ﷺ أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله قالوا نعم. قلت يشبه أن يكون علي رضي الله قد علم أن الحارث إنما اتخذ هذا الطعام من أجل عثمان ولم يحضر معه من أصحابه فلم ير أن يأكله هو ولا أحد ممن بحضرته. فأما إذا لم يصد الطير والوحش من أجل المحرم فقد رخص كثير من العلماء في تناوله. ويدل على ذلك حديث جابر وقد ذكره أبو داود على أثره في هذا الباب. قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب الإسكندراني عن عمرو هو ابن أبي عمرو عن المطلب عن جابر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم. وممن هذا مذهبه عطاء بن أبي رباح ومالك والشافعي وأحمد، وقال مجاهد وسعيد بن جبير يأكل المحرم ما لم يصده إذا كان قد ذبحه حلال. وإلى نحو من هذا ذهب أصحاب الرأي قالوا لأنه الآن ليس بصيد.

стр. 503

وكان ابن عباس يحرم لحم الصيد على المحرمين في عامة الأحوال ويتلو قوله ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ [المائدة: ٩٦] ويقول الآية مبهمة. وإلى نحو من ذلك ذهب طاوس وكرهه سفيان الثوري وإسحاق. واليعاقيب ذكور الحجل والخبط أن يضرب ورق الشجر بعصا ونحوها ليتحات فيعلفه الإبل واسمه الخبط. ومن باب الفدية قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية عن خالد الواسطي هو ابن عبد الله الطحان عن خالد الحذاء، عَن أبي قلابة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية فقال قد آذاك هوام رأسك قال نعم. قال فقال النبي ﷺ احلق ثم أذبح شاة نسكاً أو صم ثلاثة أيام أو اطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين. قلت هذا إنما هو حكم من حلق رأسه لعذر من أذى يكون به وهو رخصة له فإذا فعل ذلك كان مخيراً بين الدم والصدقة والصيام. فأما من حلق رأسه عامداً لغير عذر فإن عليه دماً وهو قول الشافعي وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال مالك هو مخير إذا حلق لغير علة كهو إذا حلقه لعذر. وقال سفيان الثوري إذا تصدق بالبر أطعم ثلاثة أصوع بين ستة مساكين لكل واحد منهم نصف صاع فإن أطعم تمراً أو زبيباً أطعم صاعاً صاعاً. قلت هذا خلاف السنة وقد جاء في الحديث ذكر التمر مقدرا بنصف صاع كما ترى فلا معنى لخلافه وقد جاء ذكر الزبيب أيضاً من غير هذا الطريق بنحو هذا التقدير وذكره أبو داود.

стр. 504

قال أبو داود: حدثنا محمد بن منصور حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني أمان، يَعني ابن صالح عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة وذكر الحديث إلى أن قال: قال لي رسول الله ﷺ أحلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين فرقا من زبيب أو أنسك شاة قال فحلقت رأسي ثم نسكت. والفرَق ستة عشر رطلا وهو ثلاثة أصوع. أمره أن يقسمه بين ستة مساكين فهذا في الزبينب نص كما هو نص في التمر. وقال أصحاب الرأي نحوا من قول سفيان والحجة عليه وعليهم نص الحديث. قلت فإن حلقه ناسياً فإن الشافعي يوجب عليه الفدية كالعمد سواء، وهو قول أصحاب الرأي والثوري ولم يفرقوا بين عمده وخطأه لأنه إتلاف شيء له حرمة كالصيد. وقال الشافعي إن تطيب ناسيا فلا شيء عليه. وسوى أصحاب الرأي في الطيب بين عمده وخطأه ورأوا فيه الفدية كالحلق والصيد. وقال إسحاق بن راهويه لا شيء على من حلق رأسه. ومن باب هدي المحصر قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن حجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال سمعت الحجاج بن عمرو الأنصارى قال: قال رسول الله ﷺ من كسر أو عرج فقد حل وعليه من قابل. قال عكرمة فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا صدق. قلت في هذا الحديث حجة لمن رأى الاحصار بالمرض والعذر للمحرم

стр. 505

من غير حبس العدو وهو مذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقد روي ذلك عن عطاء وعروة والنخعي. وقال مالك والشافعي وأحمد واسحاق لا حصر إلاّ حصر العدو، وقد روى ذلك عن ابن عباس وروي معناه أيضاً عن ابن عمر وعلل بعضهم حديث الحجاج بن عمرو بأنه قد ثبت عن ابن عباس أنه قال لا حصر إلاّ حصر العدو فكيف يصدق الحجاج فيما رواه من أن الكسر حصر. وتأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة بنت الزبير. قالوا ولو كان الكسر عذرا لم يكن لاشتراطها معنى ولا كانت بها إلى ذلك حاجة. وأما قوله وعليه الحج من قابل فإنما هذا فيمن كان حجه عن فرض، فإنما المتطوع بالحج إذا أحصر فلا شيء عليه غير هدي الإحصار. وهذا على مذهب مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي عليه حجة وعمرة وهو قول النخعي. وعن مجاهد والنشعبي وعكرمة عليه حجة من قابل. قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن ميمون قال سمعت أبا حاضر الحميري يحدث عن ميمون بن مهران قال خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم فنحرت الهدي بمكاني ثم أحللت ثم رجعت فلما كان العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي فأتيت ابن عباس فسألته فقال ابدل الهدي فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء.

стр. 506

قلت أما من لا يرى عليه القضاء في غير الفرض فانه لا يلزمه بدل الهدي ومن أوجبه فإنما يلزمه البدل لقوله ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] ومن نحر الهدي في الموضع الذي أحصر فيه وكان خارجا من الحرم فإن هديه لم يبلغ الكعبة فيلزمه إبداله وإبلاغه الكعبة. وفي الحدديث حجة لهذا القول. ومن باب دخول مكة قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا قدم مكة بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله. قلت دخول مكة ليلا جائز ودخولها نهارا أفضل استناناً بفعل رسول الله ﷺ وقد روي عن النبي ﷺ أنه دخلها ليلا عام اعتمر من الجعرانة فدل ذلك على جوازه. قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من كُدي من أعلى مكة ودخل في العمرة من كَدَاء. كُدَي وكداء ثنيتان وكداء ممدودة قال الشاعر: أنت ابن معتلج البطاح كديها وكداءها ومن باب رفع اليد إذا رأى البيت قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين أن محمد بن جعفر حدثهم، قال: حَدَّثنا شعبة قال سمعت أبا قزعة يحدث عن المهاجر المكي قال سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت يرفع يديه فقال ما كنت أرى أحدا يفعل هذا إلاّ اليهود قد حججنا مع

стр. 507

رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله. قلت قد اختلف الناس في هذا فكان ممن يرفع يديه إذا رأى البيت سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وضعف هؤلاء حديث جابر لأن مهاجراً راويه عندهم مجهول وذهبوا إلى حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال ترفع الأيدي في سبعة مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت وعلى الصفا والمروة والموقفين والجمرتين. وروي عن ابن عمر أنه كان يرفع اليدين عند رؤية البيت وعن ابن عباس مثل ذلك. ومن باب تقبيل الحجر قال أبو داود: حدثنا ابن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر ﵁ أنه جاء إلى الحجر فقبله، فقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. قلت فيه من العلم أن متابعة السنن واجبة وإن لم يوقف لها على علل معلومة وأسباب معقولة وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها إلاّ أن معلوماً في الجملة أن تقبيله الحجر إنما هو إكرام له واعظام لحقه وتبرك به وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض كما فضل بعض البقاع والبلدان وكما فضل بعض الليالي والأيام والشهور وباب هذا كله التسليم وهو أمرسائغ في العقول جائز فيها غير ممتنع ولا مستنكر. وقد روي في بعض الحديث أن الحجر يمين الله في الأرض والمعنى أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد فكان كالعهد تعقده الملوك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة، وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء فهذا كالتمثيل

стр. 508

بذلك والتشبيه به والله أعلم. ومن باب الطواف الواجب قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. قلت معنى طوافه على البعير أن يكون بحيث يراه الناس وأن يشاهدوه فيسألوه عن أمر دينهم ويأخذوا عنه مناسكهم فاحتاج إلى أن يشرف عليهم وقد روي في هذا المعنى عن جابر بن عبد الله. وفيه من الفقه جواز الطواف عن المحمول وإن كان مطيقا للمشي. وقد يستدل بهذا الحديث من يرى بول ما يؤكل لحمه طاهرا لأن البعير إذا بقي في المسجد المدة التي يقضى فيها الطواف لم يكد يخلو من أن يبول فيه فلو كان بوله ينجس المكان لنزه المسجد عن إدخاله فيه. والمحجن عود معقف الرأس مع الراكب يحرك به راحلته. ومن باب الاضطباع في الطواف قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن ابن جريج عن ابن يعلى عن يعلى قال طاف رسول الله ﷺ مضطبعا ببرد أخضر. قلت الاضطباع أن يدخل طرف رداءه تحت ضبعه والضبع العضد وكان رسول الله ﷺ وأصحابه جعلوا أطراف أرديتهم تحت اباطهم ثم ألقوها على الشق الأيسر من عواتقهم.

стр. 509

ومن باب الرمل قال أبو داود: حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أبو عاصم الغنوي، عَن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس يزعم قومك أن رسول الله ﷺ قد رمل بالبيت وإن ذلك سنة، قال صدقوا أو كذبوا قلت ما صدقوا وما كذبوا، قال صدقوا قد رمل رسول الله ﷺ وكذبوا ليس بسنه أن قريشا قالت زمن الحديبية دعوا محمداً وأصحابه حتى يموتوا موت النغف فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام فقدم رسول الله ﷺ والمشركون من قبل قُعيقعان فقال رسول الله ﷺ لأصحابه أرملوا بالبيت ثلاثا وليس بسنة، قلت يزعم قومك أن رسول الله ﷺ طاف بين الصفا والمروة على بعير وأن ذلك سنة قال صدقوا وكذبوا قلت ما صدقوا وما كذبوا، قال صدقوا قد طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على بعير وكذبوا ليست بسنة وكان الناس لا يدفعون عن رسول الله ﷺ ولا يضربون عنه فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه ولا تناله أيديهم. النغف دود يسقط من أنوف الدواب واحدتها نغفة يقال للرجل إذا استحقر واستضعف ما هو إلاّ نغفة. وقوله ليس بسنة معناه أنه أمر لم يسن فعله لكافة الأمة على معنى القربة كالسنن التي هي عبادات ولكنه شيء فعله رسول الله ﷺ لسبب خاص وهو أنه أراد أن يرى الكفار قوة أصحابه وكانوا يزعمون أن أصحاب محمد قد أوهنتهم حمى يثرب ووقذتهم فلم يبق فيهم طرق.

стр. 510

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الملك بن عمروحدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب وقد اطأ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله مع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ . قوله أطأ الله الإسلام إنما هو وطأ الله أي ثبته وأرساه والواو قد تبدل همزة. وفيه دليل على أن النبي ﷺ قد يسن الشيء لمعنى فيزول ذلك المعنى وتبقى السنة على حالها. وممن كان يرى الرمل سنة مؤكدة ويرى على من تركه دما سفيان الثوري، وقال عامة أهل العلم ليس على تاركه شيء. ومن باب الدعاء في الطواف قال أبو داود: حدثنا ابن السرح حدثنا سفيان، عَن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم يبلغ به النبي ﷺ قال الفضل أن رسول الله ﷺ قال يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل ونهار. قلت استدل به الشافعي على أن الصلاة جائزة بمكة في الأوقات المنهي فيها عن الصلاة في سائر البلدان. واحتج له أيضاً بحديث أبي ذر وقوله إلا بمكة فاستثناها من بين البقاع.

стр. 511

وذهب بعضهم إلى تخصيص ركعتي الطواف من بين الصلوات، وقال إذا كان الطواف بالبيت غير محظور في شيء من الأوقات وكان من سنة الطواف أن تصلى الركعتان بعد فقد عقل أن هذا النوع من الصلاة غير منهي عنه. وقد تأول بعضهم الصلاة في هذا الحديث على معنى الدعاء ويشبه أن يكون هذا معنى الحديث، عَن أبي داود ويدل على ذلك ترجمته الباب بالدعاء في الطواف. ومن باب الطواف بين الصفا والمروة قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال قلت لعائشة زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ حديث السن أرأيت قول الله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعاتر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] فما أرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما قالت عائشة كلا لو كان كما تقول كانت «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلّون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الآية. قال أبو سليمان قد أعلمت عائشة السبب في نزول الآية بنفي الحرج وأن المعنى في ذلك لم ينصرف إلى نفس الفعل لكن إلى محل الفعل، وذلك أنهم كانوا يعبدون في تلك البقعة الأصنام فتحرجوا أن يتخذوها متعبداً لله تعالى، والأنصاب إن كان هذا اللفظ محفوظا جمع النصب وهو ما ينصب من الأصنام فيعبد من دون الله تعالى إلاّ أن في أكثر الروايات الأنصار، وكانت عائشة ترى أن السعي بين الصفا والمروة فرض، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد

стр. 512

بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وروي عن ابن عباس أنه قال السعي بين الصفا والمروة تطوع وكذلك قال ابن سيرين وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وقال سفيان من تركه فعليه دم وقال أصحاب الرأي أن تركه ناسيا جبر بدم. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهبشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة ونقص، قالوا حدثنا حاتم بن إسماعيل أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله وساق الحديث الطويل في قصة حج النبي ﷺ فالتقطت منه مواضع الحاجة إلى التفسير والتأويل وتركت سائره اختصارا وكراهة للتطويل قال إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في العاشرة. أن رسول الله ﷺ حج فخرج رسول الله ﷺ وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع قال اغتسلي واستثفري بثوب واحرمي فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك قال جابر لسنا ننوي إلاّ الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فركع ركعتين ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن ثم خرج من الباب إلى الصفا. فلما دنا منه قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليها حتى رأى

стр. 513

البيت وكبر الله ووحده وقال لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهوعلى كل شيء قدير، لا إله إلاّ الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك. وقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة فذكر سعيه بينهما حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي فقام سراقة بن جعشم فقال يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد فشبك رسول الله ﷺ أصابعه في الأخرى ثم قال دخلت العمرة في الحج هكذا مرتين لا بل لأبد أبد لا بل لأبد أبد، قال وقدم علي ﵁ من اليمن ببدن النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ ماذا قلت حين فرضت الحج، قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ قال فإن معي الهدي فلا تحلل وساق الحديث إلى أن قال فأتى رسول الله ﷺ عرفة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس فقال إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلاّ أن كل شيء من أمرالجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه دماؤنا قال عثمان دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن ان لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح وساق الحديث إلى أن قال، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر

стр. 514

ثم أقام فصلى العصر لم يصل بينهما شيئاً ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا فدفع وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رجله ويقول بيده اليمنى السكينة أيها الناس السكينة كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى يصعد حتى أتى المزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين قال عثمان ولم يسبح بينهما شيئا. قالوا ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه فاستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلله فلم يزل واقفا حتى أسفر جداً ثم دفع قبل أن تطلع الشمس حتى إذا أتى محسراً فحرك قليلا ثم سلك الطريق حتى أتى الجمرة ورماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم انصرف إلى المنحر فنحر بيده ثلاثا وستين وأمرعليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنه ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم أفاض وذكر بقية الحديث. قوله مكث رسول الله ﷺ تسع سنين ثم أذن في العاشرة فيه دليل على أن فرض الحج ليس على الفور والتعجيل وأنه أمر يدخله المهلة ويجوز تأخيره عن أول وقت وجوبه، ولو كان الأمر به على الفور لم يجز له ﷺ تركه للحج طول هذه المدة وقد كان ظاهراً بالمدينة يمكنه الخروج غير مصدود عنه إلاّ في بعض الأوقات فلم يفعل ذلك إلاّ في السنة العاشرة.

стр. 515

وفي قوله لأسماء وهي نفساء لم تتعل من نفاسها اغتسلي واستثفري دليل على أن من سنة المحرم الاغتسال، وإن الحائض إذا أرادت الإحرام اغتسلت له كالطاهر. ومعلوم أن الاغتسال لا يصح من النفساء ولكن أمرها أن تفعل ذلك اقتداء بالطواهر أو تشبها بهن. والتشكل بأشكال العبادات ممن لا تصح منه العبادة موجود في مواضع من الأصول وقد أمر ﷺ الأسلميين بصوم بقية النهار من يوم عاشوراء وكانوا مفطرين صدر ذلك اليوم، والصبي مأمور بالصلاة وهي غير لازمة وقد يصلي المصلوب على الخشبة والمحبوس في الحش أو نحوه وإذا قدر على الصلاة أعادها. والاستثفار أن تحتجز بثوب وتشده على موضع الدم ليمنع السيلان وهومشبه بثفر الدابة، والقصواء اسم ناقته وسميت قصواء لما قطع من أذنها، يقال قصوت الناقة فهي مقصوة وقصواء وكان القياس أن يقال في الذكر أقصى فلم يقولوه وإنما جاء في نعت المؤنث خاصا. وفي قوله لما قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] نبدأ بما بدأ الله به دليل على أنه قد اعتبر تقديم المبدأ بذكره في التلاوة فقدمه وأن الظاهر في حق الكلام أن المبدوء بذكره مقدم في الحكم على ما بعده. وفيه دليل على أن الطائف إذا بدأ بالمروة على الصفا كان ذلك الشوط ملغى غير معتد به.

стр. 516

وقوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة إنما هو استطابة لنفوس أصحابه لئلا يجدوا في أنفسهم أنه يأمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه. وفيه بيان جواز الأمرين جميعا وأنه لولا ما سبق من سوقه الهدي لحل معهم إلاّ أن السنة فيمن ساق الهدي أن لا ينحره إلاّ بمنى، وقد تقدم الكلام في هذا الباب وهل كان ذلك فسخا لإحرامهم في الحج أو كان الإحرام وقع مبهما على انتظار القضاء ونزول الوحي فيه فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. وقول سراقة ألعامنا هذا أم للأبد يدل على وجوب العمرة ولولا وجوب أصله لما توهموا أنه يتكرر ولم يحتاجوا إلى المسألة عنه. وقوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قد تقدم ذكره وقلنا أن المراد به دخولها في وقت الحج، وكانت قريش لا تعتمر إلاّ في أشهر الحج وقيل دخل أفعالها في اجزاء أفعال الحج فاتحدتا في العمل فلا يطوف القارن أكثر من طواف واحد لهما وكذلك السعي كما لا يحرم لهما إلاّ إحراماً واحداً. وقوله في وضع دماء الجاهلية ورباهم فإنما بدأ في ذلك بأهل بيته ليعلم أنه حكم عام في جماعة أهل الدين ليس لأحد فيه ترفيه ولا ترخيص. وفيه دليل على أن الإسلام يلقى الماضي من أحكام الكفر بالعفو والباقي بالرد وهو باب كبير من العلم وقد أشبعت بيانه في كتاب البيوع. وقوله استحللتم فروجهن بكلمة الله فيه وجوه أحسنها أن المراد به قوله ﴿فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وقوله إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن معناه أن لا يأذن

стр. 517

لأحد من الرجال يدخل فيتحدث إليهن. وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب لا يرون ذلك عيبا ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب وصارت النساء مقصورات نهى عن محادثتهن والقعود إليهن، وليس المراد بوطء الفرش هاهنا نفس الزنا لأن ذلك محرم على الوجوه كلها فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه ولو كان المراد به الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرح. وفيه من الفقه إن صلاتي الظهر والعصر تجمعان بأذان واحد وإقامتين وكذلك المغرب والعشاء تجمعان بالمزدلفة مثل ذلك. وفيه أن السنة أن يقف الإمام بالموقف إلى أن تغرب الشمس ثم يفيض. وقوله شنق لها معناه كفها بزمامها والحبال ما كان دون الجبال في الارتفاع واحدها حبل. وفيه أن الدفع من المزدلفة إنما هو قبل طلوع الشمس. وكان أهل الجاهلية يقفون بها حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير كيما نغير. وفيه أن التكبير عند رمي الجمار سنة وذلك أن التلبية تقطع عند رميها فيكون التكبير بدلا عنها. وفيه أن ذبح الرجل نسيكته بيده مستحب وقد قيل في نحر النبي ﷺ بيده ثلاثا وستين بدنة أنه إنما بلغ بها هذا العدد لأن سنه كان بلغ عامئذٍ ثلاثاً وستين لتكون لكل سنة بدنة والله أعلم.

стр. 518

ومن باب موضع الوقوف بعرفة قال أبو داود: حدثنا ابن نفيل حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد بن شيبان قال أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة في مكان يباعده عمرو عن الإمام فقال إني رسول رسول الله ﷺ إليكم فقال يقول لكم قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم. المشاعر المعالم وأصله من قولك شعرت بالشيء أي علمته وليت شعري ما فعل فلان أي ليت علمي بلغه وأحاط به يريد قفوا بعرفة خارج الحرم فإن إبراهيم هو الذي جعلها مشعرا وموقفا للحاج، وكان عامة العرب يقفون بعرفة وكان قريش من بينها تقف داخل الحرم وهم الذين كانوا يسمون أنفسهم الحمس وهم أهل الصلابة والشدة في الدين والتمسك به، والحماسة الشدة يقال رجل أحمس وقوم حمس. وكانوا يزعمون إنا لا نخرج من الحرم ولا نخليه فرد رسول الله ﷺ ذلك من فعلهم وأعلمهم أنه شيء قد أحدثوه من قبل أنفسهم وأن الذي أورث إبراهيم من سنته هو الوقوف بعرفة. واختلفوا فيمن وقف من عرفة ببطن عرنة فقال الشافعي لا يجزئه حجه. وقال مالك حجه صحيح وعليه دم. ومن باب الدفع من عرفة قال أبو داود: حدثنا وهب بن بيان حدثنا عبيدة حدثنا سليمان الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال أفاض رسول الله ﷺ من عرفة وعليه السكينة ثم أردف الفضل بن عباس وقال أيها الناس إن البر ليس

стр. 519

بإيجاف الخيل والبل فعليكم بالسكينة قال فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى. قوله أفاض معناه صدر راجعا إلى منى وأصل الفيض السيلان يقال فاض الماء إذا سال وأفضته إذا أسلته، والإيجاف الإسراع في السير يقال وجف الفرس وجيفا وأوجفه الفارس ايجافا قال الله تعالى (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦] . قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال سأل أسامة بن زيد وأنا جالس كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع قال كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص. العنق السير الوسيع والنص أرفع السير وهو من قولهم نصصت الحديث إذا رفعته إلى قائله ونسبته إليه ونصصت العروس إذا رفعتها فوق المنصة. والفجوة الفرجة بين المكانين، وفي هذا بيان أن السكينة والتؤدة المأمور بها إنما هي من أجل الرفق بالناس لئلا يتصادموا فإذا لم يكن زحام وكان في الموضع سعة سار كيف شاء. ومن باب الصلاة بجمع قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا. قلت هذا سنة النبي ﷺ في الجمع بين هاتين الصلاتين بالمزدلفة في وقت الآخرة منهما كما سن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة في وقت الأولى منهما ومعناه الرخصة والترفيه دون العزيمة إلاّ أن المستحب متابعة السنة والتمسك بها. واختلفوا فيمن فرق بين هاتين الصلاتين فصلى كل واحدة منهما في وقتها أو صلاهما قبل أن ينزل المزدلفة، فقال أكثر الفقهاء إن ذلك يجزئه على الكراهة

стр. 520

لفعله. وقال أصحاب الرأي إن صلاهما قبل أن يأتي جمعا كان عليه الإعادة وحكي نحو من هذا عن سفيان الثوري غير أنهم قالوا إن فرق بين الظهر والعصر أجزأه على الكراهة لفعله ولم يروا عليه الإعادة. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال وتوضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له الصلاة فقال الصلاة أمامك فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزل ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا. قلت قوله الصلاة أمامك يحتج به أصحاب الرأي فيما ذهبوا إليه من إيجاب الإعادة على من صلاها قبل أن يأتي المزدلفة، ومعناه عند من ذهب إلى خلاف مذهبهم الترخيص والترفيه دون العزيمة والإيجاب. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال وجمع بينهما بإقامة. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا شبابة عن ابن أبي ذئب في هذا الحديث وقال بإقامة لكل صلاة ولم يناد في الأولى ولم يسبح على أثر واحدة منهما. قال وحدثنا ابن كثير أخبرنا سفيان، عَن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك عن ابن عمر ﵄ قال صليتهما مع رسول الله ﷺ بإقامة واحدة. قلت اختلف الفقهاء في ذلك فقال الشافعي لا يؤذن ويصليهما بإقامتين وذلك أن الأذان إنما سن لصلاة الوقت. وصلاة المغرب لم تصل في وقتها فلا يؤذن لها

стр. 521

كما لا يؤذن للعصر بعرفة وكذلك قال إسحاق. وقال أصحاب الرأي يؤذن للأولى ويقام لها ثم يقام للأخرى بلا أذان، وقد روي هذا في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله في قصة الحج أنه فعلها بأذان واقامتين. وقال مالك يؤذن لكل صلاة ويقام لها فيصليان بأذانين واقامتين. وقال سفيان الثوري يجمعان بإقامة واحدة على حديث ابن عمر من رواية أبي إسحاق، وقال أحمد أيها فعلت أجزاك. ومن باب يتعجل من جمع قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثيرأخبرنا سفيان حدثني سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات وجعل يلطخ أفخاذنا ويقول أُبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. اللطخ الضرب الخفيف باليد يقال لطخه بيده لطخا. وهذا رخصة رخصها رسول الله ﷺ لضعفة أهله لئلا تصيبهم الحطمة وليس ذلك لغيرهم من الأقوياء وعلى الناس عامة أن يبيتوا بالمزدلفة وأن يقفوا بها حتى يدفعوا مع الإمام قبل أن تطلع الشمس من الغد. وفيه بيان أن الجمرة لا ترمى إلاّ بعد طلوع الشمس. وهذا في رمي الجمرة يوم النحر، فأما في سائر الأيام فإنه لا يرميها حتى تزول الشمس. قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله أخبرنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك

стр. 522

اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ ، يَعني عندها. قلت واختلفوا في رمي الجمرة قبل الفجر فأجازه الشافعي ما دام بعد نصف الليل الأول واحتج بحديث أم سلمة. وقال غيره إنما هذا رخصة خاصة لها فلا يجوز أن يرمي قبل الفجر. وقال أصحاب الرأي ومالك وأحمد بن حنبل يجوز أن يرمي بعد الفجر قبل طلوع الشمس ولا يجوز قبل ذلك. قلت والأفضل أن لا يرمي إلاّ بعد طلوع الشمس كما جاء في حديث ابن عباس. ومن باب يوم الحج الأكبر قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن محمد، عَن أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. قوله إن الزمان قد استدار كهيئته معنى هذا الكلام أن العرب في الجاهلية كانت قد بدلت أشهر الحرم وقدمت وأخرت أوقاتها من أجل النسيء الذي كانوا يفعلونه وهو ما ذكر الله سبحانه في كتابه فقال ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾ [التوبة: ٣٧] الآية. ومعنى النسيء تأخير رجب إلى شعبان والمحرم إلى صفر وأصله مأخوذ من نسأت الشيء إذا أخرته ومنه النسيئة في البيع، وكان من جملة ما يعتقدونه من الدين تعظيم هذه الأشهر الحرم فكانوا يتحرجون فيها عن القتال وعن سفك الدماء ويأمن بعضهم بعضا إلى أن تنصرم هذه الأشهر ويخرجوا إلى أشهر الحل فكان أكثرهم يتمسكون

стр. 523

بذلك ولا يستحلون القتال فيها، وكان قبائل منهم يستبيحونها فإذا قاتلوا في شهر حرام حرموا مكانه شهرا آخر من أشهر الحل ويقولون نسأنا الشهر واستمر ذلك بهم حتى اختلط ذلك عليهم وخرج حسابه من أيديهم فكانوا ربما يحجون في بعض السنين في شهر ويحجون من قابل في شهرغيره إلى أن كان العام الذي حج فيه رسول الله ﷺ فصادف حجهم شهر الحج المشروع وهو ذو الحجة فوقف بعرفة اليوم التاسع منه ثم خطبهم فأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى الأصل الذي وضع الله حساب الأشهر عليه يوم خلق السموات والأرض وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا تتغير أو تتبدل فيما يستأنف من الأيام فهذا تفسيره ومعناه. وقوله رجب مضر إنما أضاف الشهر إلى مضر لأنها كانت تشدد في تحريم رجب وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر القبائل من العرب فأضيف الشهر إليهم لهذا المعنى. وأما قوله الذي بين جمادى وشعبان فقد يحتمل أن يكون ذلك على معنى توكيد البيان كما قال في أسنان الصدقة فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر ومعلوم أن ابن اللبون لا يكون إلاّ ذكرا ويحتمل أن يكون إنما قال ذلك من أجل أنهم قد كانوا نسؤوا رجبا وحولوه عن موضعه وسموا به بعض الشهور الأخرفنحملوه اسمه فبين لهم أن رجبا هو الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا ما كانوا يسمونه على حساب النسيء. ومن باب من لم يدرك عرفة قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن إسماعيل حدثنا عامر أخبرني

стр. 524

عروة بن مُضرِّس الطائي قال أتيت النبي ﷺ بالموقف، يَعني بجَمْع فقلت جئت يا رسول الله من جبلي طيء أكللت مطيتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلاّ وقفت عليه فهل لى من حج قال رسول الله ﷺ من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه. قلت في هذا الحديث من الفقه أن من وقف بعرفات وقفة ما بين الزوال من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج. وقال أصحاب مالك النهار تبع الليل في الوقوف فمن لم يقف بعرفة حتى تغرب الشمس فقد فاته الحج وعليه حج من قابل، وروى عن الحسن أنه قال عليه هدي من الإبل وحجه تام. وقال أكثر الفقهاء من صدر من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم وحجه تام وكذلك قال عطاء وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي وأحمد. وقال مالك والشافعي فيمن دفع من عرفة قبل غروب الشمس ثم رجع إليها قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه. وقال أصحاب الرأي إذا رجع بعد غروب الشمس ووقف لم يسقط عنه الدم، وظاهر قوله من أدرك معنا هذه الصلاة شرط لا يصح الحج إلاّ بشهوده جمعا وقد قال به غير واحد من أعيان أهل العلم، قال علقمة والشعبي والنخعي إذا فاته جمع ولم يقف به فقد فاته الحج ويجعل إحرامه عمرة وممن تابعهم على ذلك ابو عبد الرحمن الشافعي وإليه ذهب محمد بن إسحاق بن خزيمة وأحسب محمد بن جرير الطبري أيضاً واحتجوا أو من احتج منهم بقوله سبحانه ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨] وهذا نص والأمر على الوجوب فتركه لا يجوز بوجه.

стр. 525

وقال أكثر الفقهاء إن فاته المبيت بالمزدلفة والوقوف بها أجزأه وعليه دم. وقوله فقد تم حجه يريد به معظم الحج وهو الوقوف بعوفه لأنه هو الذي يخاف عليه الفوات، فأما طواف الزيارة فلا يخسى فواته وهذا كقوله الحح عرفة أي معظم الحج هو الوقوف بعرفة. وقوله وقضى تفثه فإن التفث زعم الزجاج أن أهل اللغة لا يعرفونه إلا من التفسير قال وهو الأخذ من الشارب وتقليم الظفر والخروج من الاحرام إلى الإحلال وقال ابن الأعرابي في قوله ثم ليقضوا تفثهم أي قضاء حوائجهم من الحلق والتنظف. ومن باب يبيت بمكة ليالي منى قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا يحيى عن ابن جريج أخبرني جرير أو ابن جرير الشك من يحيى أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ يسأل ابن عمر قال إننا نتبايع بأموال الناس فيأتي أحدنا بمكبة فيبيت على المال فقال أما رسول الله ﷺ فقد بات بمنى وظل. قلت واختلف أهل العلم في المبيت بمكة ليالي منى لحاجة من حفظ مال ونحوه وكان ابن عباس يقول لا بأس إذا كان للرجل متاع بمكة يخشى عليه ان يأت عن منى. وقال أصحاب الرأي لا شيء على من كان بمكة أيام منى إذا رمى الجمرة وقد أساء. وقال الشافعي ليست الرخصة في هذا إلاّ لأهل السقاية ومن مذهبه أن في ليلة درهماً وفي ليلتين درهمين وفي ثلاث ليال دم. وكان مالك يرى عليه في ليلة واحدة دماً.

стр. 526

ومن باب الصلاة بمنى قال أبو داود: حدثنا مسدد أن أبا معاوية بن يزيد وحفص بن غياث حدثاهم وحديث أبى معاوية أتم عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال صلى عثمان بمنى أربعا فقال عبد الله صليت مع النبي ﷺ ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين زاد حفص ومع عثمان ﵃ صدراً من إمارته ركعتين ثم أتمها. زاد من هنا، عَن أبي معاوية ثم تفرقت بكم الطرق، قال الأعمش وحدثني معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد الله صلى أربعا فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعا فقال الخلاف شر. قلت لو كان المسافر لا يجوز له الإتمام كما لا يجوز له القصر لما يتابعوا عثمان عليه إذ لا يجوز على الملأ من الصحابة متابعته على الباطل فدل ذلك على أن من رأيهم جواز الإتمام وإن كان الاختيار عند كثير منهم القصر. ألا ترى أن عبد الله أتم الصلاة بعد ذلك واعتذر بقول الخلاف شر فلو كان الإتمام لا جواز له لكان الخلاف له خيراً لا شراً. وفي هذا دليل على ما قلناه إلاّ أنه قد روي عن إبراهيم أنه قال إنما صلى عثمان أربعا لأنه كان اتخذها وطنا، وعن الزهري أنه قال إنما فعل ذلك لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها. قلت وكان من مذهب ابن عباس أن المسافر إذا قدم على أهل أو ماشية أتم الصلاة، وقال أحمد بن حنبل بمثل قول ابن عباس. ومن باب القصر لأهل مكة قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق حدثنا حارثة بن وهب الخزاعي قال صليت مع رسول الله ﷺ بمنى والناس أكثر ما كانوا

стр. 527

فصلى بنا ركعتين في حجة الوداع. قال أبو داود حارثة من خزاعة دارهم بمكة. حارثة بن وهب أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه. قلت ليس في قوله فصلى بنا ركعتين دليل على أن المكي يقصر الصلاة بمنى لأن رسول الله ﷺ كان مسافرا بمنى فصلى صلاة المسافر ولعله لو سأل رسول الله ﷺ عن صلاته لأمره بالإتمام وقد يترك ﷺ بيان الأمور في بعض المواطن اقتصارا على ما تقدم من البيان السابق خصوصا في مثل هذا الأمرالذي هو من العلم الظاهر العام، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بهم فيقصر فإذا سلم التفت فقال أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سَفر. وقد اختلف الناس في هذا فقال الشافعي يقصر الإمام والمسافرون معه ويقوم أهل مكة فيتمون لأنفسهم، وإليه ذهب سفيان وأحمد وهو قول أصحاب الرأي وقد روي ذلك عن عطاء ومجاهد والزهري، وذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أن الإمام إذا قصر قصروا معه وسواء في ذلك أهل مكة وغيرهم. وحدثني إسماعيل بن محمد بن خشَك بن محرز حدثنا سلمة بن شبيب قال: قال الوليد بن مسلم وافيت مكة وعليها محمد بن إبراهيم وقد كتب إليه أن يقصر الصلاة بمنى وعرفة فقصر فرأيت سفيان الثوري قام فأعاد الصلاة وقام ابن جريج فبنى على صلاته فأتمها، قال الوليد ثم دخلت المدينة فلقيت مالك بن أنس فذكرت ذلك له وأخبرته بفعل الأمير وفعل سفيان وابن جريج، فقال أصاب الأمير وأخطأ ابن جريج ثم قدمت الشام فلقيت الأوزاعي فذكرت له ذلك فقال أصاب مالك وأصاب الأمير وأخطأ سفيان وابن جريج. قال ثم دخلت مصر فلقيت الشافعي فذكرت ذلك له فقال أخطأ الأمير وأخطأ مالك وأخطأ الأوزاعي

стр. 528

وأصاب سفيان وأصاب ابن جريج. قلت أما ابن جريج فإنما بنى على صلاته لأن من مذهبه أن المفترض يجوز له أن يصلي خلف المتنفل وأعاد سفيان الصلاة لأنه لا يرى للمفترض أن يصلي خلف المتنفل. وكانت صلاة الأمير عنده نافلة حين قصرها وهو مقيم بمكة والياً عليها فاستأنف سفيان صلاته. وكذلك مذهب أصحاب الرأي في هذا. ومن باب رمي الجمار قال أبو داود: حدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه، عَن أبي البَدَّاح بن عاصم عن أبيه وهو عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر. قلت أراد بيوم النفر هاهنا النفر الكبير وهذا رخصة رخصها رسول الله ﷺ للرعاء لأنهم مضطرون إلى حفظ أموالهم فلو أخذوا بالمقام والمبيت بمنى ضاعت أموالهم وليس حكم غيرهم في هذا كحكمهم. وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمي فيه فكان مالك يقول يرمون يوم النحر وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذاك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه. وقال الشافعي نحواً من قول مالك، وقال بعضهم هم بالخيار إن شاؤوا قدموا وإن شاؤوا أخروا. ومن باب الحلق والتقصير قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول

стр. 529

الله ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم ارحم المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين. قلت كان أكثر من أحرم مع رسول الله ﷺ من الصحابة ليس معهم هدي وكان ﷺ قد ساق الهدي ومن كان معه هدي فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه فلما أمر من ليس معه هدي أن يحل وجدوا من ذلك في أنفسهم وأحبوا أن يأذن لهم في المقلم على إحرامهم حتى يكملوا الحج وكانت طاعة رسول الله ﷺ أولى بهم فلما لم يكن لهم بد من الاحلال كان القصر في نفوسهم أحب من الحلق فمالوا إلى القصر فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ منهم أخرهم في الدعاء وقدم عليهم من حلق وبادر إلى الطاعة وقصر بمن تهيبه وحاد عنه ثم جمعهم في الدعوة وعمهم بالرحمة. قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذِبح فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال هاهنا أبو طلحة فدفعه إليه. قلت فيه من السنة أن يبدأ في الحلاق بالشق الأيمن من الرأس ثم بالشق الأيسر وهو من باب ما كان يستحبه ﷺ من التيمن في كل شيء من طهوره ولباسه ونعله في نحو ذلك من الأمور. وفيه أن شعر بني آدم طاهر فلا معنى لقول من زعم أن هذا خاص لرسول الله ولو لزم هذا في شعره للزم في منيه مثل ذلك فيقال إن مني سائر الناس

стр. 530

نجس فلما لم يفترق الأمور في ذلك عنده وجب أن لا يفترق كذلك في الشعر. والذبح مكسورة الذال ما يذبح من الغنم والذَبح الفعل. قلت وفي قوله اللهم ارحم المحلقين وجه آخر وهو أن السنة فيمن لبد رأسه الحلق وإنما يجزىء القصر فيمن لم يلبد وكان رسول الله ﷺ قد لبد رأسه. وروى عنه أنه قال من لبد رأسه فليحلق من طريق عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر، وروي ذلك أيضاً عن عمر بن الخطاب وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أصحاب الرأي إن قصر ولم يحلق أجزأه. ومن باب العمرة قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري، عَن أبي زائدة حدثنا ابن جريج ومحمد بن إسحاق عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلاّ ليقطع بذلك أمر أهل الشرك فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون إذا عفا الوبَر وبرأ الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر. قوله عفا الوبر معناه كثر واثمر نباته يقال عفا القوم إذا كثر عددهم، ومنه قول الله تعالى ﴿حتى عفوا﴾ [الأعراف: ٩٥] وكانوا لا يعتمرون في الأشهر الحرم حتى تنسلخ. قال أبو داود: حدثنا أبو كامل حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن مهاجر، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن قال أخبرني رسول مروان الذي أرسل إلى أم معقل قال جاء أبو معقل حاجاً مع رسول الله ﷺ فلما قدم قالت أم معقل قد علمت أن عليَّ حجة فانطلقا يمشيان حتى دخلا على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن علي حجة وإن لأبي معقل بكراً فقال أبو معقل صدقت جعلته في سبيل الله
следующие страницы →