Полный текст (1 377 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ومن باب الصلاة بمنى
قال أبو داود: حدثنا مسدد أن أبا معاوية بن يزيد وحفص بن غياث حدثاهم وحديث أبى معاوية أتم عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال صلى عثمان بمنى أربعا فقال عبد الله صليت مع النبي ﷺ ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين زاد حفص ومع عثمان ﵃ صدراً من إمارته ركعتين ثم أتمها. زاد من هنا، عَن أبي معاوية ثم تفرقت بكم الطرق، قال الأعمش وحدثني معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد الله صلى أربعا فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعا فقال الخلاف شر.
قلت لو كان المسافر لا يجوز له الإتمام كما لا يجوز له القصر لما يتابعوا عثمان عليه إذ لا يجوز على الملأ من الصحابة متابعته على الباطل فدل ذلك على أن من رأيهم جواز الإتمام وإن كان الاختيار عند كثير منهم القصر. ألا ترى أن عبد الله أتم الصلاة بعد ذلك واعتذر بقول الخلاف شر فلو كان الإتمام لا جواز له لكان الخلاف له خيراً لا شراً. وفي هذا دليل على ما قلناه إلاّ أنه قد روي عن إبراهيم أنه قال إنما صلى عثمان أربعا لأنه كان اتخذها وطنا، وعن الزهري أنه قال إنما فعل ذلك لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها.
قلت وكان من مذهب ابن عباس أن المسافر إذا قدم على أهل أو ماشية أتم الصلاة، وقال أحمد بن حنبل بمثل قول ابن عباس.
ومن باب القصر لأهل مكة
قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق حدثنا حارثة بن وهب الخزاعي قال صليت مع رسول الله ﷺ بمنى والناس أكثر ما كانوا
стр. 527
فصلى بنا ركعتين في حجة الوداع. قال أبو داود حارثة من خزاعة دارهم بمكة. حارثة بن وهب أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه.
قلت ليس في قوله فصلى بنا ركعتين دليل على أن المكي يقصر الصلاة بمنى لأن رسول الله ﷺ كان مسافرا بمنى فصلى صلاة المسافر ولعله لو سأل رسول الله ﷺ عن صلاته لأمره بالإتمام وقد يترك ﷺ بيان الأمور في بعض المواطن اقتصارا على ما تقدم من البيان السابق خصوصا في مثل هذا الأمرالذي هو من العلم الظاهر العام، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بهم فيقصر فإذا سلم التفت فقال أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سَفر.
وقد اختلف الناس في هذا فقال الشافعي يقصر الإمام والمسافرون معه ويقوم أهل مكة فيتمون لأنفسهم، وإليه ذهب سفيان وأحمد وهو قول أصحاب الرأي وقد روي ذلك عن عطاء ومجاهد والزهري، وذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أن الإمام إذا قصر قصروا معه وسواء في ذلك أهل مكة وغيرهم.
وحدثني إسماعيل بن محمد بن خشَك بن محرز حدثنا سلمة بن شبيب قال: قال الوليد بن مسلم وافيت مكة وعليها محمد بن إبراهيم وقد كتب إليه أن يقصر الصلاة بمنى وعرفة فقصر فرأيت سفيان الثوري قام فأعاد الصلاة وقام ابن جريج فبنى على صلاته فأتمها، قال الوليد ثم دخلت المدينة فلقيت مالك بن أنس فذكرت ذلك له وأخبرته بفعل الأمير وفعل سفيان وابن جريج، فقال أصاب الأمير وأخطأ ابن جريج ثم قدمت الشام فلقيت الأوزاعي فذكرت له ذلك فقال أصاب مالك وأصاب الأمير وأخطأ سفيان وابن جريج. قال ثم دخلت مصر فلقيت الشافعي فذكرت ذلك له فقال أخطأ الأمير وأخطأ مالك وأخطأ الأوزاعي
стр. 528
وأصاب سفيان وأصاب ابن جريج.
قلت أما ابن جريج فإنما بنى على صلاته لأن من مذهبه أن المفترض يجوز له أن يصلي خلف المتنفل وأعاد سفيان الصلاة لأنه لا يرى للمفترض أن يصلي خلف المتنفل. وكانت صلاة الأمير عنده نافلة حين قصرها وهو مقيم بمكة والياً عليها فاستأنف سفيان صلاته. وكذلك مذهب أصحاب الرأي في هذا.
ومن باب رمي الجمار
قال أبو داود: حدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه، عَن أبي البَدَّاح بن عاصم عن أبيه وهو عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر.
قلت أراد بيوم النفر هاهنا النفر الكبير وهذا رخصة رخصها رسول الله ﷺ للرعاء لأنهم مضطرون إلى حفظ أموالهم فلو أخذوا بالمقام والمبيت بمنى ضاعت أموالهم وليس حكم غيرهم في هذا كحكمهم.
وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمي فيه فكان مالك يقول يرمون يوم النحر وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذاك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه. وقال الشافعي نحواً من قول مالك، وقال بعضهم هم بالخيار إن شاؤوا قدموا وإن شاؤوا أخروا.
ومن باب الحلق والتقصير
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول
стр. 529
الله ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم ارحم المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين.
قلت كان أكثر من أحرم مع رسول الله ﷺ من الصحابة ليس معهم هدي وكان ﷺ قد ساق الهدي ومن كان معه هدي فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه فلما أمر من ليس معه هدي أن يحل وجدوا من ذلك في أنفسهم وأحبوا أن يأذن لهم في المقلم على إحرامهم حتى يكملوا الحج وكانت طاعة رسول الله ﷺ أولى بهم فلما لم يكن لهم بد من الاحلال كان القصر في نفوسهم أحب من الحلق فمالوا إلى القصر فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ منهم أخرهم في الدعاء وقدم عليهم من حلق وبادر إلى الطاعة وقصر بمن تهيبه وحاد عنه ثم جمعهم في الدعوة وعمهم بالرحمة.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذِبح فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال هاهنا أبو طلحة فدفعه إليه.
قلت فيه من السنة أن يبدأ في الحلاق بالشق الأيمن من الرأس ثم بالشق الأيسر وهو من باب ما كان يستحبه ﷺ من التيمن في كل شيء من طهوره ولباسه ونعله في نحو ذلك من الأمور.
وفيه أن شعر بني آدم طاهر فلا معنى لقول من زعم أن هذا خاص لرسول الله ولو لزم هذا في شعره للزم في منيه مثل ذلك فيقال إن مني سائر الناس
стр. 530
نجس فلما لم يفترق الأمور في ذلك عنده وجب أن لا يفترق كذلك في الشعر. والذبح مكسورة الذال ما يذبح من الغنم والذَبح الفعل.
قلت وفي قوله اللهم ارحم المحلقين وجه آخر وهو أن السنة فيمن لبد رأسه الحلق وإنما يجزىء القصر فيمن لم يلبد وكان رسول الله ﷺ قد لبد رأسه.
وروى عنه أنه قال من لبد رأسه فليحلق من طريق عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر، وروي ذلك أيضاً عن عمر بن الخطاب وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أصحاب الرأي إن قصر ولم يحلق أجزأه.
ومن باب العمرة
قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري، عَن أبي زائدة حدثنا ابن جريج ومحمد بن إسحاق عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلاّ ليقطع بذلك أمر أهل الشرك فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون إذا عفا الوبَر وبرأ الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر.
قوله عفا الوبر معناه كثر واثمر نباته يقال عفا القوم إذا كثر عددهم، ومنه قول الله تعالى ﴿حتى عفوا﴾ [الأعراف: ٩٥] وكانوا لا يعتمرون في الأشهر الحرم حتى تنسلخ.
قال أبو داود: حدثنا أبو كامل حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن مهاجر، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن قال أخبرني رسول مروان الذي أرسل إلى أم معقل قال جاء أبو معقل حاجاً مع رسول الله ﷺ فلما قدم قالت أم معقل قد علمت أن عليَّ حجة فانطلقا يمشيان حتى دخلا على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن علي حجة وإن لأبي معقل بكراً فقال أبو معقل صدقت جعلته في سبيل الله
стр. 531
فقال رسول الله ﷺ أعطها فلتحج عليه فإنه في سبيل الله فأعطاها البكر فقالت يا رسول الله إني امرأة قد كبرت وسقمت فهل من عمل يجزىء عني من حجتي فقال عمرة في رمضان تجزء حجة.
قلت فيه من الففه جواز احباس الحيوان. وفيه أنه جعل الحج من السبيل، وقد اختلف الناس في ذلك، وكان ابن عباس لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاته في الحج وروي مثل ذلك عن ابن عمر، وكان أحمد وإسحاق يقولان يعطي من ذلك في الحج، وقال سفيان وأصحاب الرأي والشافعي لا تصرف الزكاة إلى الحج وسهم السبيل الغزاة والمجاهدون.
ومن باب الحائض تخرج بعد الإفاضة
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ ذكر صفيه بنت حُيَي فقيل إنها قد حاضت فقال رسول الله ﷺ لعلها حابستنا فقالوا يا رسول الله إنها قد أفاضت قال فلا إذاً.
قلت طواف الإفاضة هو الذي يدعي طواف الزيارة وهو الواجب الذي لا يتم الحج إلاّ به.
وفيه دليل على أن طواف الوداع ليس بواجب وأوجبوا على من تركه دما إلاّ الحائض فإنها إذا تركته لم يلزمها شيء. وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض وأنها لا تدخل المسجد ولا تقرب البيت.
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا أبو عَوانة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض، قال ليكن آخر عهدها
стр. 532
بالبيت، قال فقال الحارث كذلك أفتاني رسول الله ﷺ فقال عمر اربْتَ عن يديك سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ لكيما أخالف.
قوله اربت دعاء عليه كأنه يقول سقطت آرابه وهي جمع أرب وهو العضو. قلت وهذا على سبيل الاختيار في الحائض إذا كان في الزمان نفَس وفي الوقت مهلة. فأما إذا أعجلها السير كان لها أن تنفر من غير وداع بدليل خبر صفية، وممن قال أنه لا وداع على الحائض مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وهو قول أصحاب الرأي وكذلك قال سفيان.
ومن باب التحصيب
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت إنما نزل رسول الله ﷺ المحصب ليكون اسمح لخروجه.
قلت التحصيب إذا نفر الرجل من منى إلى مكة للتوديع أن يقيم بالشعب الذي يخرجه إلى الأبطح حتى يهجع بها من الليل ساعة ثم يدخل مكة وكان هذا شيئا يفعل ثم ترك.
ومن باب من قدم شيئا قبل شيء في حجه
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى يسألونه فجاء رجل فقال يا رسول الله إني لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال رسول الله ﷺ اذبح ولا حرج، وجاء آخر فقال يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج، قال فما سئل يومئذٍ عن شيء قدم أو أخر إلاّ قال اصنع ولا حرج.
стр. 533
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال خرجت مع النبي ﷺ حاجا فكان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول الله سعيت، يَعني قبل أن أطوف وأخرت شيئا أو قدمت شيئا فكان يقول لا حرج لا حرج إلاّ على رجل اقترض من عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حَرِج وهلَك.
قلت ظاهر هذا الحديث أنه إذا حلق رأسه قبل أن يذبح أو نحر قبل أن يرمي فلا شيء عليه، وإلى هذا ذهب مجاهد وطاوس وهو قول الشافعي وسواء عندهم فعله ناسيا أو متعمدا.
وقال أحمد وإسحاق فيمن فعل ذلك ساهيا فلا شيء عليه كأنه يرى أن حكم العامد خلاف ذلك ويدل على صحة ما ذهب إليه أحمد قوله في هذا الحديث إني لم أشعر فحلقت.
وذهب قوم إلى أنه إذا قدم شيئا أو أخره كان عليه دم. وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة وإليه ذهب مالك بن أنس.
وتأول بعض من ذهب إلى هذا القول من أصحاب الرأي. قوله ارم ولا حرج على أنه أراد رفع الحرج في الإثم دون الفدية، قال وقد يجوز أن يكون هذا السائل مفردا فلا يلزمه دم وإذا كان متطوعاً بالدم لم يلزمه في تقديمه وتأخيره شيء.
قلت قوله لا حرج ينتظم الأمرين جميعا الاثم والفدية لأنه كلام عام، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إما متمتعين أو قارنين على ما دلت عليه الأخبار والدم على القارن والمتمتع واجب. على أن السائل عن هذا الحكم لم يكن رجلا
стр. 534
واحداً فقط إنما كانوا جماعة ألا تراه يقول فمن قائل أخرت شيئا أو قدمت شيئا وهؤلاء لا يتفق أن يكونوا كلهم مفردين فكان هذا الاعتراض غير لازم.
وأما قوله سعيت قبل أن أطوف فيشبه أن يكون هذا السائل لما طاف طواف القدوم قرن به السعي، فلما طاف طواف الإفاضة لم يعد السعي فأفتاه بأن لا حرج لأن السعي الأول الذي قرنه بالطواف الأول قد أجزأه.
فأما إذا لم يكن سعى إلى أن أفاض فالواجب عليه أن يؤخر السعي عن الطواف لا يجزيه غير ذلك في قول عامة أهل العلم إلاّ في قول عطاء وحده فإنه قال يجزئه وهو قول كالشاذ لا اعتبار له.
قوله اقترض معناه اغتاب وأصله من القرض وهو القطع.
ومن باب حرم مكة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة قام رسول الله ﷺ فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنما أحلت لي ساعة من النهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلاّ لمنشد فقام عباس أو قال فقال يا رسول الله إلاّ الاذخر قال وزادنا فيه ابن المصفى عن الوليد فقام أبو شاة رجل من أهل اليمن فقال اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ اكتبوا لأبي شاة قلت للأوزاعي ما قوله اكتبوا لأبي شاة. قال هذه الخطبة.
قوله إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين. ثم قوله
стр. 535
وإنما أحلت لي ساعة من النهار يستدل بهما من يذهب إلى أن مكة فتحت عنوة لا صلحا. وتأول غيرهم قوله وإنما أحلت لي ساعة من النهار على معنى دخوله إياها من غير إحرام لأنه دخلها وعليه عمامة سوداء.
وقيل إنما أحلت له في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر وسائر ما حرم على الناس منه.
وقد سأل بعض الملحدين عن هذا فقال لم كان حبس الفيل في زمان الجاهلية عنها ومنعه منها ومن الإفساد والإلحاد فيها ولم يمنع الحجاج بن يوسف في زمان الإسلام عنها وقد نصب المنجنيق على الكعبة وأضرمها بالنار وسفك فيها الدم الحرام وقتل عبد الله بن الزبير وأصحابه في المسجد وكيف لم يحبس عنها القرامطة وقد سلبوا الكعبة ونزعوا حليتها وقلعوا الحجر وقتلوا العالم من الحاج وخيار المسلمين بحضرة الكعبة. فأجاب عن مسألته بعض العلماء بأن حبس الفيل عنها في الجاهلية كان علما لنبوة رسول الله ﷺ وتنويها بذكر آبائه إذ كانوا عمار البيت وسكان الوادي فكان ذلك الصنيع ارهاصاً للنبوة وحجة عليهم في إثباتها فلو لم يقع الحبس عنها والذب عن حريمها لكان في ذلك أمران أحدهما فناء أهل الحرم وهم الآباء والأسلاف لعامة المسلمين ولكافة من قام به الدين، والآخر أن الله سبحانه أراد أن يقيم به الحجة عليهم في إثبات نبوة رسوله ﷺ وأن يجعله مقدمة لكونها وظهورها فيهم فكان مولد رسول الله ﷺ عامئذ وكانوا قوماً عرباً أهل جاهلية ليست لهم بصيرة في العلم ولا تقدمة في الحكمة وإنما كانوا يعرفون من الأمور ما كان دركه من جهة الحس والمشاهدة فلو لم يجر الأمر في ذلك على الوجه الذي جرى لم يكن يبقى في أيديهم شيء من دلائل النبوة تقوم به الحجة عليهم في ذلك الزمان
стр. 536
فأما وقد أظهر الله الدين ورفع أعلامه وشرح أدلته وأكثر أنصاره فلم يكن ما حدث عليها من ذلك الصنيع أمراً يضر بالدين أو يقدح في بصائر المسلمين وإنما كان ما حدث منه امتحاناً من الله سبحانه لعباده ليبلو في ذلك صبرهم واجتهادهم ولينيلهم من كرامته ومغفرته ما هو أهل التفضيل به والله يفعل ما يشاء وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
وقوله لا يعضد شجرها معناه لا يقطع والعضد القطع قلت وسواء في ذلك ما غرسه الآدميون وما نبت من غير غرس وتنبيت لأن العموم يسترسل على ذلك كله وهو ظاهر مذهب الشافعي، وسمعت أصحاب أبي حنيفة يفرقون بين ما ينبت من الشجر في الحرم وبين ما ينبته الآدميون ويجعلون النهي مصروفا إلى ما أنبته الله تعالى دون غيره.
ويحكى عن مالك أنه قال لا شيء على من قطع شيئا من شجر الحرم وهو قول داود وأهل الظاهر وأما الشافعي فإنه يرى فيه الفدية.
وقوله لا ينفر صيدها معناه لا يتعرض له بالاصطياد ولا يهاج فينفر.
وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال معناه أن يكون الصيد رابضا في ظل الشجرة فلا ينفره الرجل ليقعد فيستظل مكانه وقوله لا تحل لقطتها إلاّ لمنشد فإن المنشد هو المعرف تقول نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها.
وقد اختلف الناس في حكم ضالة الحرم فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا فرق بينها وبين ضالة الحل. وكان عبد الرحمن بن مهدي يذهب إلى التفرقة بينها وبين ضالة سائر البقاع ويقول ليس لواجدها منها غير التعريف أبدا ولا يملكها بحال ولا يستنفقها ولا يتصدق بها حتى يظفر بصاحبها، وكان يحتج
стр. 537
بقوله لا تحل لقطتها إلاّ لمنشد، ويحكى عن الشافعي نحو من هذا القول.
وفي الحديث دليل على أن كتاب العلم وتدوين أحاديث الرسول ﷺ وتخليدها في الصحف جائز وقد رويت الكراهة في ذلك عن بعض السلف.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس في هذه القصة قال ولا يختلي خلاها.
قلت الخلاء الحشيش ومنه سميت المخلاة، وكان الشافعي يقول لا يحتش من الحرم، فأما الرعي فلا بأس به وتفصيل ذلك على مذهبه أن ينظر إلى الحشيش فإن كان يستخلف إذا قطع كان جائزاً قطعه، وكذلك القضيب من أغصان الشجر وإن كان لا يستخلف لم يجز وفيه ما يقصه. ويكره على مذهبه إخراج شيء من أحجار مكة ومن جميع أجزاء أرضها وتربتها لتعلق حرمة الحرم بها إلاّ إخراج ماء زمزم فإنه غير مكروه لما فيه من التبرك والتشفي.
وقال أبوحنيفة ومحمد بن الحسن لا يحتش ولا يرعى وقول أبي يوسف قريب من قول الشافعي.
قلت فأما الشوك فلا بأس بقطعه لما فيه من الضرر وعدم النفع ولا بأس بأن ينتفع بحطام الشجر وما بلي منه والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أمه عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله ألا نبني لك بيتا أو بناء يظلك من الشمس فقال لا إنما هو مُناخ من سبق إليه.
قلت قد يحتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها ولا يرى بيعها وعقد
стр. 538
الإجارة عليها جائز وقد قيل إن هذا خاص للنبي ﷺ وللمهاجرين من أهل مكة فأنها دار تركوها لله تعالى فلم ير أن يعودوا فيها فيتخذوها وطنا أو يبنوا فيها بناء والله أعلم.
ومن باب في إتيان المدينة
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيب، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى.
قلت هذا في النذر ينذر الإنسان أن يصلي في بعض المساجد فإن شاء وفى به وإن شاء صلى في غيره إلاّ أن يكون نذر الصلاة في واحد من هذه المساجد فإن الوفاء يلزمه بما نذره فيها، وإنما خص هذه المساجد بذلك لأنها مساجد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وقد أمرنا بالاقتداء بهم.
وقال بعض أهل العلم لا يصح الاعتكاف إلاّ في واحد من هذه المساجد الثلاثة وعليه تأول الخبر.
ومن باب في تحريم المدينة
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي ﵁ قال ما كتبنا عن رسول الله ﷺ إلاّ القرآن وما في هذه الصحيفة قال رسول الله ﷺ المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف. ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف ومن والى
стр. 539
قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف.
عائر وثور جبلان وزعم بعض العلماء أن أهل المدينة لا يعرفون بالمدينة جبلا يقال له ثور، وإنما ثور بمكة فيرون أن الحديث إنما أصله ما بين عائر إلى أحد، وأما تحريمه المدينة فإنما هو في تعظيم حرمتها دون تحريم صيدها وشجرها.
وقد اختلف الناس في صيد المدينة وشجرها فقال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء لا جزاء على من اصطاد في المدينة صيدا واحتجوا بحديث أنس وبقوله ﷺ يا أبا عمير ما فعل النغير والنغر صيد فلو كان صيد المدينة حراماً لم يجز اصطياده ولا إمساكه في المدينة كهو بمكة، وكان ابن ذئب يرى الجزاء على من قتل صيدا من صيد المدينة أو قطع شجرة من شجرها.
وروي أن سعدا وزيد بن ثابت وأبا هريرة كانوا يرون صيد المدينة حراماً فأما إيجاب الجزاء فلا يصح عن أحد منهم.
وكان الشافعي يذهب في القديم إلى أن من اصطاد في المدينة صيدا أخذ سلبه وروى فيه أثرا عن سعيد وقال في الجديد بخلافه.
وقال ابن نافع سئل مالك عن قطع السدر وما جاء فيه من النهي فقال إنما نهى عن قطع سدر المدينة لئلا توحش وليبقى فيها شجرها فيستأنس بذلك ويستظل بها من هاجر إليها.
وقوله من آوى محدثا فعليه لعنة الله فإنه يروى على وجهين محدثا مكسورة الدال وهو صاحب الحدث وجانيه، ومحدثا مفتوحة الدال وهو الأمرالمحدث والعمل المبتدع الذي لم تجر به سنة ولم يتقدم به عمل.
стр. 540
وقوله لا يقبل منه عدل ولا صرف فإنه يقال في تفسير العدل أنه الفريضة والصرف النافلة. ومعنى العدل هو الواجب الذي لا بد منه ومعنى الصرف الربح والزيادة ومنه صرف الدراهم والدنانير والنوافل زيادات على الأصول فلذلك سميت صرفاً.
وقوله يسعى بها أدناهم فمعناه أن يحاصر الإمام قوما من الكفار فيعطي بعض أهل عسكر المسلمين أمانا ًلبعض الكفار فإن أمانه ماض وإن كان المجير عبداً وهو أدناهم وأقلهم. وهذا خاص في أمان بعض الكفار دون جماعتهم ولا يجوز لمسلم أن يعطي أماناً عاماً لجماعة الكفار فإن فعل ذلك لم يجز أمانه لأن ذلك يؤدي إلى تعطيل الجهاد أصلا وذلك غير جائز.
وقوله فمن أخفر مسلما يريد نقض العهد يقال خفرت الرجل إذا أمنته وأخفرته بالألف إذا نقضت عهده.
وقوله من والى قوما بغير إذن مواليه فإن ظاهره يوهم أنه شرط وليس معناه معنى الشرط حتى يجوز له أن يوالي غير مواليه إذا أذنوا له في ذلك وإنما هو بمعنى التوكيد لتحريمه والتنبيه على بطلانه والإرشاد إلى السبب فيه وذلك أنه إذا استأذن أولياءه في موالاة غيرهم منعوه من ذلك، وإذا استبد به دونهم خفي أمره عليهم فربما ساغ له ما تعاطاه من ذلك فإذا تطاول الوقت وامتد به الزمان عرف من لاء من انتقل إليهم فيكون ذلك سببا لبطلان حق مواليه فهذا وجه ما ذكر من إذنهم.
قال أبو داود: حدثنا حامد بن يحيى حدثنا عبد الله بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي عن أبيه عن عروة بن الزبير قال أقبلنا مع رسول الله ﷺ من لية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله ﷺ في طرف القرن
стр. 541
الأسود حذوها فاستقبل نخبا ببصره ووقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال إن صيد وجٍّ وعِضاهه حَرَم مُحَرم لله وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيف.
قلت القرن جبيل صغير ورابية تشرف على وهدة. وَوَجٍّ ذكروا أنه من ناحية الطائف ونخب أراه جبلا أو موضعا ولست أحقه والعضاه من الشجر ما كان له شوك ويقال للواحدة منه عضة على وزن عوة ويقال عضة وعضاه كما قالوا شفة وشفاه. ولست أعلم لتحريمه وجهاً معنى إلاّ أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم وفي مدة محصورة ثم نسخ. ويدل على ذلك قول وذلك قبل نزول الطائف وحصاره ثقيف ثم عاد الأمر فيه إلى الإباحة كساتر بلاد الحل. ومعلوم أن عسكر رسول الله ﷺ إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا أهلها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيد ومرفق فدل ذلك على أنها حل مباح وليس يحضرني في هذا وجه غير ما ذكرته إلاّ شيء يروى عن كعب الأحبار لا يعجبني أن أحكيه وأعظم أن أقوله وهو كلام لا يصح في دين ولا نظر والله أعلم.
стр. 542
كتاب الضحايا
قال أبو داود: حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا بشر عن عبد الله بن عون عن عامر بن أبي رملة قال أنبأنا مخنف بن سليم قال ونحن وقوف مع رسول الله ﷺ بعرفات فقال يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة أتدرون ما العتيرة هذه التي تقول الناس الرجبية. قال أبو داود العتيرة منسوخة.
قلت العتيرة تفسيرها في الحديث أنها شاة تذبح في رجب وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث ويليق بحكم التدين، فأما العتيرة التي كان يعترها أهل الجاهلية فهي الذبيحة تذبح للصنم فيصب دمها على رأسه، والعتر بمعنى الذبح ومنه قول الحارث بن حلزة:
عننا باطلا وظلما كما تعتر عن حجرة الربيض الظباء
أي تذبح واختلفوا في وجوب الأضحية فقال أكثر أهل العلم إنها ليست بواجبة ولكنها مندوب إليها.
وقال أبو حنيفة هي واجبة وحكاه عن إبراهيم، وقال محمد بن الحسن هي واجبة على المياسير.
قلت هذا الحديث ضعيف المخرج وأبو رملة مجهول.
стр. 543
ومن باب الرجل يأخذ من شعره
وهو يريد أن يضحي
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا محمد بن عمرو حدثنا عمرو بن مسلم الليثي قال سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت أم سلمة تقول قال رسول الله ﷺ من كان له ذِبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي.
قلت الذِبح بكسر الذال الضحية التي يذبحها المضحي. واختلف العلماء في القول بظاهر هذا الخبر فكان سعيد بن المسيب يقول به ويمنع المضحي من أخذ أظفاره وشعره أيام العشر من ذي الحجة، وكذلك قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن وإليه ذهب أحمد وإسحاق.
وكان مالك والشافعي يريان ذلك على الندب والاستحباب. ورخص أصحاب الرأي في ذلك.
قلت وفي حديث عائشة دليل على أن ذلك ليس على الوجوب وهو قولها فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي ثم قلدتها ثم بعث بها ثم لم يحرم عليه شيء كان أحله الله له حتى نحر الهدي.
وأجمعوا أنه لا يحرم عليه اللباس والطيب كما يحرمان على المحرم فدل ذلك على سبيل الندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب.
ومن باب ما يستحب من الضحايا
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب حدثني حياة حدثني أبو صخر عن ابن قسيط عن عروة عن الزبير عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد فأتي به
стр. 544
فضحى به، قال فقال يا عائشة هلمي المدية ثم قال أشحثيها بحجر ففعلت فأخذها وأخذ الكبش فأضجعه وذبحه وقال بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به.
قوله يطأ في سواد يريد أن أظلافه ومواضع البروك منه وما أحاط بملاحظ عينيه من وجهه أسود وسائر بدنه أبيض. وقوله أشحثيها إنما هو اشحذيها والثاء والذال قريبا المخرج. وفي قوله تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد دليل على أن الشاة الواحدة تجزىء عن الرجل وأهله وإن كثروا وروي، عَن أبي هريرة وابن عمر أنهما كانا يفعلان ذلك وأجازه مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة.
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا عيسى حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عَن أبي عياش عن جابر بن عبد الله قال ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجبين فلما وجههما قال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله الله أكبر ثم ذبح.
الأملح من الكباش هو الذي في خلال صوفه الأبيض طاقات سود.
وقوله موجبين يريد منزوعي الأنثيين والوجاء الخصاء يقال وجأت الدابة فهي موجوءة إذا خصيتها.
وفي هذا دليل على أن الخصي في الضحايا غير مكروه، وقد كرهه بعض أهل العلم لنقص العضو وهذا نقص ليس بعيب لأن الخصاء يفيد اللحم طيبا وينفي
стр. 545
منه الزهومة وسوء الرائحة.
قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين حدثنا حفص عن جعفرعن أبيه، عَن أبي سعيد قال كان رسول الله ﷺ يضحي بكبش أقرن فحيل ينظر في سواد ويأكل في سواد ويمشي في سواد.
قلت الفحيل الكريم المختار للفحلة، فان الفحل فهو عام في الذكور منها وقالوا في ذكورة النخل فحال فرقا بينه وبين سائر الفحول من الحيوان.
ومن باب ما يجوز من السن في الضحايا
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا منصور عن الشعبي عن البراء قال خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة فقال من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني فقال رسول الله ﷺ تلك شاة لحم قال فإن عندي عناقا جذعة وهي خير من شاتي فهل تجزي عني قال نعم ولن تجزي عن أحد بعدك.
في هذا بيان أن الجذع من المعز لا تجزي عن أحد ولا خلاف أن الثني من المعز جائز.
وقال أكثر أهل العلم إن الجذع من الضأن يجزي غير أن بعضهم اشترط أن يكون عظيماً.
وحكي عن الزهري أنه قال لا يجزي من الضأن إلاّ الثني فصاعدا كالإبل والبقر.
وفيه من الفقه أن من ذبح قبل الصلاة لم يجزه عن الأضحية.
واختلفوا في وقت الذبح فقال كثير من أهل العلم لا يذبح حتى يصلي الإمام
стр. 546
ومنهم من شرط انصرافه بعد الصلاة ومنهم من قال حتى ينحر الإمام.
وقال الشافعي وقت الأضحى قدر ما يدخل الإمام في الصلاة حين تحل الصلاة وذلك إذا نورت الشمس فيصلي ركعتين ثم يخطب خطبتين خفيفتين فإذا مضى من النهار مثل هذا الوقت حل الذبح. وأجمعوا أنه لا يجوز الذبح قبل طلوع الشمس.
وقد استدل بعض من يوجب الأضحية بقوله تجزىء عنك ولن تجزىء عن أحد بعدك. قلت وهذا لا يدل على ما قاله لأن أحكام الأصول مراعاة في إبدالها فرضاً كانت أو نفلا وإنما هو على الندب كما كان الأصل على الندب، ومعناه أنها تجزىء عنك إن أردت الأضحية ونويت الأجر فيها.
ومن باب ما يكره من الضحايا
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن عن عبيد بن فيروز قال سألنا البراء بن عازب ما لا يجوز في الأضاحي فقال قال رسول الله ﷺ : اربع لا يجزي في الأضاحي العوراء بين عورها والمريضة بين مرضها والعرجاء بين ظلعها والكسير التي لا تنقى.
قوله لا تنقى أي لا نِقيَ لها وهو المخ، وفيه دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه ألا تراه يقول بين عورها وبين مرضها وبين ظلعها فالقليل منه غير بين فكان معفواً عنه.
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى عن ثور حدثني أبو حميد الرُعيني أخبرني يزيد ذو مُضَر قال أتيت عتبة بن عبد السلمي فسألته فقال نهى رسول الله ﷺ عن المُصَفّرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء. فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو سماخها والمستأصلة قرنها من أصله والبخقاء التي
стр. 547
تبخق عينها والمشيِّعة التي لا تتبع الغنم عجفاً وضعفاً والكسراء الكسير.
قال الشيخ إنما سميت الشاة التي استؤصلت أذنها مصفرة لأن الأذن إذا زالت صفِر مكانها أى خلا والمشيعة هي التي لا تلحق الغنم لضعفها وهزالها فهي تشيعها من ورائها وبَخْق العين فقؤها.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق عن شريح بن النعمان، وكان رجل صدق عن علي ﵁ قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مُدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء، قال زهير فقلت لأبي إسحاق أذكر عضباء قال لا قلت فما المقابلة قال يقطع طرف الأذن، قلت فما المدابرة قال يقطع مؤخر الأذن قلت فما الشرقاء قال يشق الأذن قلت فما الخرقاء قال تخرق أذنها السمة.
قلت تفسير هذه الحروف عند أهل اللغة كنحو مما ذكر في الحديث، والعضب كسر القرن وكبش أعضب ونعجة عضباء. وقوله نستشرف العين والأذن معناه الصحة والعظم ويقال أذن شُرافية. قال أبو عبيد قال الأصمعي الشرقاء من الغنم المشقوقة الأذنين والخرقاء أن يكون في الأذن ثقب مستدير والمقابلة أن يقطع من مقدم أذنها شيء ثم يترك معلقا كأنه زنمة والمدابرة أن يفعل ذلك بمؤخر الأذن من الشاة.
واختلف العلماء في مقادير هذه العيوب وما يجوز منها في الضحايا وما لا يجوز فقال مالك إذا كان القطع قليلا والشق لم يضر فإن كثر لم يجز.
وقال أصحاب الرأي إذا بقي أكثر من النصف من الأذن والذنب والعين أجزأ.
وقال إسحاق بن راهويه إذا كان الثلث فما دونه أجزأ وإن كان أكثر من الثلث لم يجزه.
стр. 548
واختلفوا في المكسورة القرن فأجازها مالك والشافعي وكذلك قال أصحاب الرأي، وقال إبراهيم النخعي إن كان قرنها الداخل صحيحا فلا بأس، يَعني المشاش.
ومن باب حبس لحوم الأضاحي
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت سمعت عائشة تقول دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقي قالت فلما كان بعد ذلك قيل يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويجملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله ﷺ وما ذاك أو كما قال قالوا يا رسول الله نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفّتْ فكلوا وتصدقوا وادّخروا.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد الحذاء، عَن أبي المليح عن نُبيشة قال: قال رسول الله ﷺ : إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا واتجروا الأوان هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله.
قول دف ناس معناه أقبلوا من البادية والدف سير سريع يقارب فيه بين الخطو يقال دف الرجل دفيفا وهم دافة أي جماعة يدفون وإنما أراد قوماً أقحمتهم السنة وأقدمتهم الجماعة يقول إنما حرمت عليكم الإدخار فوق ثلاث لتواسوهم وتتصدقوا عليهم فأما وقد جاء الله بالسعة فادخروا وما بدا لكم.
وقوله واتجروا أصله ايتجروا على وزن افتعلوا يريد الصدقة التي يبتغي أجبرها وثوابها، ثم قيل اتجروا كما قيل اتخذت الشيء وأصله أيتخذته وهو من الأخذ
стр. 549
كهو من الأجر وليس من باب التجارة لأن البيع في الضحايا فاسد إنما تؤكل ويتصدق منها.
وقوله هذه الأيام أيام أكل وشرب فيه دليل على أن صوم أيام التشريق غير جائز لأنه قد وسمها بالأكل والشرب كما وسم يوم العيد بالفطر ثم لم يجز صيامه فكذلك أيام التشريق. وسواء كان ذلك تطوعاً من الصائم أو سيراً أوصامها الحاج عن التمتع. وقوله يجملون الودك معناه يذيبونه قال لبيد:
* واشتوى ليلة ريح واجتمل *
ومن هذا قيل فلان جميل الوجه يريدون به الحسن والنضارة كأنه دهين صقيل.
كتاب الجهاد
ومن باب سكنى البدو
قال أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبى سعيد الخدري أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن الهجرة فقال ويحك إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل قال نعم، قال فهل تؤدي صدقتها قال: نعم قال فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يَتِرك من عملك شيئا.
وقوله لن يَتِرك معناه لن ينقصك ومن هذا قوله تعالى ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥] والمعنى أنك قد تدرك بالنسبة أجر المهاجر وإن أقمت من وراء البحار وسكنت أقصى الأرض.
стр. 550
وفيه دلالة على أن الهجرة إنما كان وجوبها على من أطاقها دون من لا يقدر عليها.
قال أبو داود: حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبى شيبة قالا: حَدَّثنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه قال سألت عائشة عن البداوه فقالت كان رسول الله ﷺ يبدو إلى هذه التِلاع وأنه أراد البداوة مرة فأرسل إلى ناقة مُحرّمة من إبل الصدقة فقال لي يا عائشة ارفقي فإن الرفق لم يكن في شيء إلاّ زانه ولا نزع من شىء قط إلاّ شانه.
البداوة الخروج إلى البدو والمقام به وفيه لغتان البداوة بفتح الباء والبداوة بكسرها. والناقة المحرمة هي التى لم تركب ولم تذلل فهي غير وطيئة ويقال أعرابي مُحرَّم إذا كان جلفا لم يخالط أهل الحضر. والتلاع جمع تَلعة وهي ما ارتفع من الأرض وغلظ وكان ما سفل منها مسيلاً لمائها.
ومن باب هل انقطعت الهجرة
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا.
قال وحدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى عن جرير عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
قلت كانت الهجرة في أول الإسلام مندوباً إليها غير مفروضة وذلك قوله ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة﴾ [النساء: ١٠٠] نزل حين اشتد أذى المشركين على المسلمين عند انتقال رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمروا
стр. 551
بالانتقال إلى حضرته ليكونوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا إن حزبهم أمر وليتعلموا منه أمر دينهم ويتفقهوا فيه وكان عظم الخوف في ذلك الزمان من قريش وهم أهل مكة فلما فتحت مكة ونخعت بالطاعة زال ذلك المعنى وارتفع وجوب الهجرة وعاد الأمر فيها إلى الندب والاستحباب فهما هجرتان فالمنطقة منهما هي الفرض والباقية هي الندب فهذا وجه الجمع بين الحديثين على أن بين الإسنادين ما بينهما إسناد حديث ابن عباس متصل صحيح واسناد حديث معاوية فيه مقال.
وقوله إذا استنفرتم فانفروا فيه إيجاب النفير والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة وهذا إذا كان فيمن بإزاء العدو كفاية فإن لم يكن فيهم كفاية فهو فرض على المقيمين المطيقين للجهاد والاختيار للمطيق له مع وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد. قال الله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥] .
وقد روي عن ابن عباس أنه قال ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ [التوبة: ٤١] نسخه قوله ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: ٢١٢] الآية.
ومن باب سكنى الشام
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم تقذَرهم نفسُ الله وتحشرهم النار مع القردة والخنازير.
стр. 552
قوله ستكون هجرة بعد هجرة معنى الهجرة الثانية الهجرة إلى الشام يرغب في المقام بها وهي مهاجر إبراهيم صلوات الله عليه. وقوله تقذرهم نفس الله تأويله أن الله يكره خروجهم إليها ومقامهم بها فلا يوفقهم لذلك فصاروا بالرد وترك القبول في معنى الشيء الذي تقذره نفس الإنسان فلا تقبله. وذكر النفس هاهنا مجاز واتساع في الكلام وهذا شبيه بمعنى قوله ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ [التوبة: ٤٦] .
ومن باب دوام الجهاد
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قتادة عن مطرف عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناواهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال.
قلت فيه بيان أن الجهاد لا ينقطع أبدا وإذا كان معقولا لأن الأئمة كلهم لا يتفق أن يكونوا عدلا فقد دل هذا على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب كهو مع أهل العدل وإن جورهم لا يسقط طاعتهم في الجهاد وفيما أشبه ذلك من المعروف. وقوله ناواهم يريد ناهضهم للقتال وأصله من ناء ينوء إذا نهض والمناوأة مهموزة مفاعلة منه.
ومن باب القفل في سبيل الله
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المصفى حدثنا علي بن عياش عن الليث بن سعد حدثنا حيوة عن ابن شُفي عن شُفي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال قفلة كغزوة.
قلت هذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون أراد به القفول عن الغزو والرجوع
стр. 553
إلى الوطن يقول إن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله كأجره في إقباله إلى الجهاد وذلك لأن تجهيز الغازي يضر بأهله وفي قفوله إليهم إزالة الضرر عنهم واستجمام للنفس واستعداد بالقوة للعود، والوجه الآخر أن يكون أراد بذلك التعقيب وهو رجوعه ثانيا في الوجه الذي جاء منه منصرفا وإن لم يلق عدوا ولم يشهد قتالا وقد يفعل ذلك الجيش إذا انصرفوا من مغزاتهم وذلك لأحد أمرين أحدهما أن العدو إذا رأوهم قد انصرفوا عن ساحتهم أمنوهم فخرجوا من مكامنهم فإذا قفل الجيش إلى دار العدو نالوا الفرصة منهم فأغاروا عليهم. والوجه الاخر أنهم إذا انصرفوا من مغزاتهم ظاهرين لم يأمنوا أن يقفو العدو أثرهم فيوقعوا بهم وهم غادون فربما استظهر الجيش أو بعضهم بالرجوع على أدراجهم بغضون الطريق فإن كان من العدو طلب كانوا مستعدين للقائهم وإلا فقد سلموا واحرزوا ما معهم من الغنيمة.
ومن باب ركوب البحر
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا إسماعيل بن زكريا عن مطرف عن بشر أبي عبد الله عن بشير بن مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ لا تركب البحر إلاّ حاجاً أو معتمراً وغازياً في سبيل الله فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً.
قلت في هذا دليل على أن من لم يجد طريقا إلى الحج غير البحر فإن عليه أن يركبه وقال غير واحد من العلماء إن عليه ركوب البحر إذا لم يكن له طريق غيره.
стр. 554
وقال الشافعي لا يتبين لي أن ذلك يلزمه وقد ضعفوا إسناد هذا الحديث.
وقوله إن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا تأويله تفخيم أمرالبحر وتهويل شأنه، وذلك لأن الآفة تسرع إلى راكبه ولا يؤمن الهلاك في ملابسة النار ومداخلتها والدنو منها.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن بكار حدثنا مروان حدثنا هلال بن ميمون الرملى عن يعلى بن شداد عن أم حِرام عن النبي ﷺ قال المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد والغريق له أجر شهيدين.
المائد هو الذى يدار برأسه من ريح البحر وصيده يقال ماد الرجل يميد إذا مال وغصن مياد إذا كان يتثنى ويتأود من لينه ومن ذلك قوله سبحانه ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [لقمان: ١٠] .
قال أبو داود: حدثنا عبد السلام بن عتيق الدمشقي حدثنا أبو مسهر حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا الأوزاعي حدثني سليمان بن حبيب، عَن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ قال ثلاثة كلهم ضامن على الله رجل خرج غازياً في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة. ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله. ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله .
قلت قوله ضامن على الله معناه مضمون فاعل بمعنى مفعول كقوله سبحانه ﴿في عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١] أي مرضية وقوله ﴿من ماء دافق﴾ [الطلاق: ٦] أي مدفوق ومثله في الكلام كثير. وقوله ثلاثة كلهم ضامن يريد به كل واحد منهم وأنشدني أبو عمر، عَن أبي العباس في كل بمعنى الواحد.
стр. 555
فكلهم لا بارك الله فيهم ...إذا جاء ألقى خده فتسمعا
يريد كل واحد منهم. وقوله ورجل دخل بيته بسلام يحتمل وجهين أحدهما أن يسلم إذا دخل منزله كما قال تعالى ﴿فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ [النور: ٦١] والوجه الاخر أن يكون أراد بدخول بيته بسلام أي لزم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب بذلك في العزلة ويأمره بالإقلال من الخلطة.
ومن باب من مات غازياً
قال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة وهوالحوطي حدثنا بقية بن الوليد عن ابن ثوبان عن أبيه يرده إلى مكحول إلى عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وأن له الجنة.
قوله فصل معناه خرج وقوله وقصه فرسه معناه صرعه فدق عنقه والوقْص الدق والكسر ونحوهما والهامة إحدى الهوام وهي ذوات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما.
ومن باب الحرس في سبيل الله
قال أبو داود: حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية، يَعني ابن سلام عن زيد، يَعني ابن سلام أنه سمع أبا سلام قال حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت صلاة الظهرعند رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس فقال يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت
стр. 556
على جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول الله ﷺ وقال تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله ثم قال من يحرسنا الليلة قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله ﷺ قال اركب فركب فرساً له وجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا يُغرن من قبلك الليلة فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال هل أحسستم فارسكم قالوا يا رسول الله ما أحسسناه فثوب بالصلاة فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى رسول الله ﷺ صلاته قال ابشروا فقد جاءكم فارسكم فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ فسلم فقال إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحداً فقال له رسول الله ﷺ هل نزلت الليلة قال لا إلاّ مصليا أو قاضيا حاجة، فقال له رسول الله ﷺ قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها.
قوله على بكرة أبيهم كلمة للعرب يريدون بها الكثرة والوفور في العدد، والظعن النساء واحدتها ظعينة وأصل الظعينة الراحلة التى تظعن وترتحل فقيل للمرأة ظعينة إذا كانت تظعن مع الزوج حيثما ظعن أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت وهذا من باب تسمية الشيء باسم سببه كما سموا المطر سماء إذا كان نزوله من السماء وكما سموا حافر الدابة أرضا لوقوعه على الأرض ومثل هذا كثير.
ومن باب الجرأة والجبن
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن الجراح عن عبد الله بن يزيد عن موسى
стр. 557
بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد العزيز بن مروان قال سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسون الله ﷺ يقول شر ما في رجل شح هالع وجُبن خالع.
أصل الهلع الجزع والهالع هاهنا ذو الهلع كقول النابغة [كليني لهم يا أميمةُ ناصب] أي ذو نصب ويقال إن الشح أشد من البخل ومعناه البخل يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه فإذا استخرج منه هلع وجزع منه. والجبن الخالع هو الشديد الذي يخلع فؤاده من شدقه.
ومن باب الرمي
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد الله بن المبارك حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني أبو سلام عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومُنبله وارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ليس من اللهو إلاّ ثلاث تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها.
قوله منبله هو الذي يناول الرامي النبل وقد يكون ذلك على وجهين أحدهما أن يقوم مع الرامي بجنبه أو خلفه ومعه عدد من النبل فيناوله واحداً بعد واحد والوجه الآخر أن يرد عليه النبل المرمي به.
وقد روي من طريق آخر والممد به وأي الأمرين فعل فهو ممد به والنبل السهام العربية وهي لطاف ليست بطوال كسهام النشاب والحسبان أصغر من النبل
стр. 558
وهي التي ترمي بها على القسي الكبار في مجار من خشب واحدتها حُسبانة. ويقال انبلت الرجل إذا أعطيته نبلا ورجل نابل إذا كان سلاحه النبل كما يقال رامح إذا كان ذا رمح. وقوله ليس من اللهو إلاّ ثلاث يريد ليس المباح من اللهو إلاّ ثلاث، وقد جاء معنى ذلك مفسرا في هذا الحديث من رواية أخرى.
حدثنا الأصم حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء أخبرنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلام عن ابن زيد ان عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ كل شيء يلهو به الرجل باطل إلاّ رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق.
قلت وفي هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة وإنما استثنى رسول الله ﷺ هذه الخلال من جملة ما حرم منها لأن كل واحدة منها إذا تأملتها وجدتها معينة على حق أو ذريعة إليه ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح والشد على الأقدام ونحوهما مما يرتاض به الإنسان فيتوقح بذلك بدنه ويتقوى به على مجالدة العدو.
فأما سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو كالنرد والشطرنج والمزاجلة بالحمام وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به في حق ولا يستجم به لدرك واجب فمحظور كله.
وقد رخص بعض العلماء في اللعب بالشطرنج وزعم أنه قد يتبصر به في أمر الحرب ومكيدة العدو، فأما من قامر به فهو فاسق ومن لعب به على غير قمار وحمله الولوع بذلك على تأخير الصلاة عن وقتها أو جرى على لسانه الخنا والفحش إذا عالج شيئا منه فهو ساقط المروءة مردود الشهادة.
стр. 559
ومن باب فيمن يغزو يلتمس الدنيا
قال أبو داود: حدثنا حياة بن شريح الحضرمي حدثنا بقية حدثني بحير عن خالد بن معدان، عَن أبي بحرية عن معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ أنه قال: الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخراً ورياءً وسمعةً وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكفاف.
قوله ياسر الشريك معناه الأخذ باليسر في الأمر والسهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما يقال رجل يسر إذا كان سهل الخلق وقوم أيسار.
ومن باب فضل الشهادة
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا عوف حدثتنا خنساء بنت معاوية الصُريمية قالت: حدثنا عمي قال قلت للنبي ﷺ من في الجنة. قال النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة.
قلت المولود هو الطفل الصغير والسقط ومن لم يدرك الحنث. والوئيد هو الموؤد أي المدفون في الأرض حياً وكانوا يئدون البنات، ومنهم من كان يئد البنين أيضاً عند المجاعة والضيق يصيبهم. ومن هذا قوله سبحانه ﴿وإذا الموؤدة سُئلت بأي ذنبٍ قُتلت﴾ [التكوير: ٩] .
ومن باب الجعائل في الغزو
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أنا أبو سلمة ح قال وحدثنا عمرو بن عثمان حدثنا محمد بن حرب المعنى وأنا لحديثه أتقن،
стр. 560
عَن أبي سلمة سليمان بن سليم عن يحيى بن جابر الطائي عن ابن أخي أبي أيوب الأنصاري، عَن أبي أيوب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ستفتح عليكم الأمصار وستكون جنود مجندة يقطع عليكم فيها بعوث يتكره الرجل منكم البعث فيها فيتخلص من قومه ثم يتصفح القبائل بعرض نفسه عليهم يقول من أكفيه بعث كذا من أكفيه بعث كذا الا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه.
قلت فيه دلالة على كراهة الجعائل وفيه دليل على أن عقد الإجارة على الجهاد غير جائز. وقد اختلف الناس في الأجير يحضر الوقعة هل يسهم له فقال الأوزاعي المستأجر على خدمة القوم لا سهم له وكذلك قال إسحاق بن راهويه، وقال سفيان الثوري يسهم له إذا غزا وقاتل، وقال مالك وأحمد يسهم له إذا شهد وكان مع الناس عند القتال.
قلت يشبه أن يكون معناه في ذلك أن الإجارة إذا عقدت على أن يجاهد عن المستأجر فإنه إذا صار جهاده لحضور الوقعة فرضاً عن نفسه بطل معنى الإجارة وصار الأجير واحداً من جملة من حضر الوقعة فإنه يعطى سهمه إلاّ أن حصة الأجرة لتلك المدة ساقطة عن المستأجر.
ومن باب الرخصة في أخذ الجعائل
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن الحسن المَصِيصي حدثنا حجاج، يَعني ابن محمد عن الليث بن سعد عن حياة بن شريح عن ابن شُفّي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي.
قلت في هذا ترغيب للجاعل ورخصة للمجعول له واختلف العلماء في ذلك
стр. 561
فرخص فيه الزهري ومالك بن أنس، وقال أصحاب الرأي لا بأس به وكرهه قوم وروي عن ابن عمر أنه قال أرى الغازي يبيع غزوه وأرى هذا يفر من عدوه.
وكرهه علقمة. وقال الشافعي لا يجوز أن يغزو بجعل فلو أخذه فعليه رده وعن النخعي أنه قال لا بأس بإعطائه وأكره أخذه للأجر.
ومن باب الرجل يغزو وأبواه كارهان
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ قال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما.
قلت الجهاد إذا كان الخارج فيه متطوعا فإن ذلك لا يجوز إلاّ بإذن الوالدين فأما إذا تعين عليه فرض الجهاد فلا حاجة به إلى إذنهما وإن منعاه من الخروج عصاهما وخرج في الجهاد. وهذا إذا كانا مسلمين فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه من الجهاد فرضاً كان أو نفلا وطاعتهما حينئذ معصية الله ومعونة للكفار وإنما عليه أن يبرهما ويطيعهما فيما ليس بمعصية.
قلت ولا يخرج إلى الغزو إلاّ بإذن الغرماء إذا كان عليه لهم دين عاجل كما لا يخرج إلى الحج إلاّ بإذنهم فإن تعين عليه فرض الجهاد لم يعرج على الإذن.
ومن باب النساء يغزون
قال أبو داود: حدثنا عبد السلام بن مظهر حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار فيسقين الماء ويداوين الجرحى.
стр. 562
قلت في هذا الحديث دلالة على جواز الخروج بهن في الغزو لنوع من الرفق والخدمة، وقد روي عن النبي ﷺ في غير هذا الحديث أن نسوة خرجن معه فأمر بردهن.
قلت يشبه أن يكون رده إياهن لأحد معنيين إما أن يكون في حال ليس بالمستظهر بالقوة والغلبة على العدو فخاف عليهن فردهن أو يكون الخارجات معه من حداثة السن والجمال بالموضع الذي يخاف فتنتهن.
وقد اختلف الناس في النساء هل يسهم لهن من الغنيمة فقال عامة أهل العلم لا يسهم لهن كسهم الرجال، وقال ابن عباس يرضخ لهن وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال الشافعي.
وقال مالك لا يسهم لهن ولا يرضخن بشيء.
ومن باب الرجل بغزو يلتمس الأجر والغنيمة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا أسد بن موسى حدثنا معاوية بن صااح حدثني ضمرة أن ابن رغب الإيادي حدثه عن عبد الله بن حوالة الأزدي قال بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا فرجعنا فلم نغنم شيئاً وعرف الجهد في وجوهنا فقام فينا فقال اللهم لا تكلهم إليَّ فاضعف عنهم ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم ثم وضع يده على رأسي أوعلى هامتي ثم قال يابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك.
البلابل الهموم والأحزان، وبلبلة الصدر وسواس الهموم واضطرابها فيه
стр. 563
وإنما أنذر به ﷺ أيام بني أمية وما حدث من الفتن في زمانهم والله أعلم.
ومن باب الدعاء عند اللقاء
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا موسى بن يعقوب الزمَعي، عَن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : ثنتان لا تردان أو قل ما تردان عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضه بعضا. قوله يلحم معناه حين يشتبك الحرب ويلزم بعضهم بعضاً ويقال لحمت الرجل إذا قتلته ومن هذا قولهم كانت بين القوم ملحمة أي مقتلة.
ومن باب فيمن سأل الله الشهادة
قال أبو داود: حدثنا هشام بن خالد هو أبو مروان الدمشقي وابن المصفى قالا: حَدَّثنا بقية عن ابن ثوبان عن أبيه يرده إلى مكحول إلى مالك بن يخامر أن معاذ بن جبل حدثهم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد.
الفواق ما بين الحلبتين وقيل ما هو بين الشُخبين. الشخبان ما يخرج من اللبن.
ومن باب ما يكره من ألوان الخيل
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلم هو ابن عبد الرحمن، عَن أبي زرعة، عَن أبي هريرة قال كان النبي ﷺ يكره الشِكال في الخيل والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى بياض أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى.
стр. 564
قلت هكذا جاء التفسير من هذا الوجه وقد يفسر الشكال بأن يكون يد الفرس واحدى رجليه محجلة والرجل الأخرى مطلقة ولعله سقط من الحديث حرف والله أعلم.
ومن باب ما يؤمر من القيام على الدواب والبهائم
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مهدي حدثنا ابن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر قال أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسرّ إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل قال فدخل حائطاً لرجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي ﷺ حن وذرَفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح ذِفراه فسكت وقال من رب هذا الجمل لمن هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال لي يا رسول الله قال أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه ويدئبه.
قلت الهدف كل ما كان له شخص مرتفع من بناء وغيره وقد استهدف لك الشيء إذا قام وانتصب لك. والحائش جماعة النخل الصغار لا واحد له من لفظه والذفري من البعير مؤخر رأسه وهو الموضع الذي يعرق من قفاه.
وقوله تدئبه يريد تكده وتتعبه.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثني محمد بن جعفرحدثنا شعبة عن حمزة الضبي سمعت أنس بن مالك قال كنا إذا نزلنا منزلاً لا نُسبح حتى تحل الرحال.
يريد لا نصلي سبحة الضحى حتى تحط الرحال ويجم المطي.
وكان بعض العلماء يستحب أن لا يطعم الراكب إذا نزل المنزل حتى يعلف الدابة.
стр. 565
وأنشدني بعضهم فيما يشبه هذا المعنى.
حق المطية أن يبدا بحاجتها ... لا أطعم الضيف حتى أعلف الفرسا
ومن باب تقليد الخيل الأوتار
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، قال فأرسل رسول الله ﷺ رسولا قال عبد الله بن أبي بكرحسبت أنه قال والناس في مبيتهم لا تُبقينَّ في رقبة بعير قلادة من وتر ولا قلادة إلاّ قطعت.
قال وحدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هشام بن سعيد الطالقاني أخبرنا محمد بن المهاجر حدثني عقيل بن شبيب، عَن أبي وهب الجُشمي وكانت له صحبة قال قال رسول الله ﷺ : ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وإعجازها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار.
قلت: أمره ﷺ بقطع قلائد الخيل يتأول على وجوه؛ قال مالك بن أنس أرى أن ذلك من أجل العين، وقال غيره إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس. وقال بعضهم إنما نهى عن تقليدها الأوتار لئلا تختنق بها عند شدة الركض، وقوله لا تقلدوها الأوتار يحتمل أن يكون أراد عين الوتر خاصة دون غيره من السيور والخيوط وغيرها، وقيل معناه لا تطلبوا عليها الأوتار والذحول ولا تركضوها في درك الثأر على ما كان من عاداتهم في الجاهلية.
следующие страницы →