← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فرخص فيه الزهري ومالك بن أنس، وقال أصحاب الرأي لا بأس به وكرهه قوم وروي عن ابن عمر أنه قال أرى الغازي يبيع غزوه وأرى هذا يفر من عدوه. وكرهه علقمة. وقال الشافعي لا يجوز أن يغزو بجعل فلو أخذه فعليه رده وعن النخعي أنه قال لا بأس بإعطائه وأكره أخذه للأجر. ومن باب الرجل يغزو وأبواه كارهان قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ قال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما. قلت الجهاد إذا كان الخارج فيه متطوعا فإن ذلك لا يجوز إلاّ بإذن الوالدين فأما إذا تعين عليه فرض الجهاد فلا حاجة به إلى إذنهما وإن منعاه من الخروج عصاهما وخرج في الجهاد. وهذا إذا كانا مسلمين فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه من الجهاد فرضاً كان أو نفلا وطاعتهما حينئذ معصية الله ومعونة للكفار وإنما عليه أن يبرهما ويطيعهما فيما ليس بمعصية. قلت ولا يخرج إلى الغزو إلاّ بإذن الغرماء إذا كان عليه لهم دين عاجل كما لا يخرج إلى الحج إلاّ بإذنهم فإن تعين عليه فرض الجهاد لم يعرج على الإذن. ومن باب النساء يغزون قال أبو داود: حدثنا عبد السلام بن مظهر حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار فيسقين الماء ويداوين الجرحى.

стр. 562

قلت في هذا الحديث دلالة على جواز الخروج بهن في الغزو لنوع من الرفق والخدمة، وقد روي عن النبي ﷺ في غير هذا الحديث أن نسوة خرجن معه فأمر بردهن. قلت يشبه أن يكون رده إياهن لأحد معنيين إما أن يكون في حال ليس بالمستظهر بالقوة والغلبة على العدو فخاف عليهن فردهن أو يكون الخارجات معه من حداثة السن والجمال بالموضع الذي يخاف فتنتهن. وقد اختلف الناس في النساء هل يسهم لهن من الغنيمة فقال عامة أهل العلم لا يسهم لهن كسهم الرجال، وقال ابن عباس يرضخ لهن وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال الشافعي. وقال مالك لا يسهم لهن ولا يرضخن بشيء. ومن باب الرجل بغزو يلتمس الأجر والغنيمة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا أسد بن موسى حدثنا معاوية بن صااح حدثني ضمرة أن ابن رغب الإيادي حدثه عن عبد الله بن حوالة الأزدي قال بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا فرجعنا فلم نغنم شيئاً وعرف الجهد في وجوهنا فقام فينا فقال اللهم لا تكلهم إليَّ فاضعف عنهم ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم ثم وضع يده على رأسي أوعلى هامتي ثم قال يابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك. البلابل الهموم والأحزان، وبلبلة الصدر وسواس الهموم واضطرابها فيه

стр. 563

وإنما أنذر به ﷺ أيام بني أمية وما حدث من الفتن في زمانهم والله أعلم. ومن باب الدعاء عند اللقاء قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا موسى بن يعقوب الزمَعي، عَن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : ثنتان لا تردان أو قل ما تردان عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضه بعضا. قوله يلحم معناه حين يشتبك الحرب ويلزم بعضهم بعضاً ويقال لحمت الرجل إذا قتلته ومن هذا قولهم كانت بين القوم ملحمة أي مقتلة. ومن باب فيمن سأل الله الشهادة قال أبو داود: حدثنا هشام بن خالد هو أبو مروان الدمشقي وابن المصفى قالا: حَدَّثنا بقية عن ابن ثوبان عن أبيه يرده إلى مكحول إلى مالك بن يخامر أن معاذ بن جبل حدثهم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد. الفواق ما بين الحلبتين وقيل ما هو بين الشُخبين. الشخبان ما يخرج من اللبن. ومن باب ما يكره من ألوان الخيل قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلم هو ابن عبد الرحمن، عَن أبي زرعة، عَن أبي هريرة قال كان النبي ﷺ يكره الشِكال في الخيل والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى بياض أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى.

стр. 564

قلت هكذا جاء التفسير من هذا الوجه وقد يفسر الشكال بأن يكون يد الفرس واحدى رجليه محجلة والرجل الأخرى مطلقة ولعله سقط من الحديث حرف والله أعلم. ومن باب ما يؤمر من القيام على الدواب والبهائم قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مهدي حدثنا ابن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر قال أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسرّ إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل قال فدخل حائطاً لرجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي ﷺ حن وذرَفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح ذِفراه فسكت وقال من رب هذا الجمل لمن هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال لي يا رسول الله قال أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه ويدئبه. قلت الهدف كل ما كان له شخص مرتفع من بناء وغيره وقد استهدف لك الشيء إذا قام وانتصب لك. والحائش جماعة النخل الصغار لا واحد له من لفظه والذفري من البعير مؤخر رأسه وهو الموضع الذي يعرق من قفاه. وقوله تدئبه يريد تكده وتتعبه. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثني محمد بن جعفرحدثنا شعبة عن حمزة الضبي سمعت أنس بن مالك قال كنا إذا نزلنا منزلاً لا نُسبح حتى تحل الرحال. يريد لا نصلي سبحة الضحى حتى تحط الرحال ويجم المطي. وكان بعض العلماء يستحب أن لا يطعم الراكب إذا نزل المنزل حتى يعلف الدابة.

стр. 565

وأنشدني بعضهم فيما يشبه هذا المعنى. حق المطية أن يبدا بحاجتها ... لا أطعم الضيف حتى أعلف الفرسا ومن باب تقليد الخيل الأوتار قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، قال فأرسل رسول الله ﷺ رسولا قال عبد الله بن أبي بكرحسبت أنه قال والناس في مبيتهم لا تُبقينَّ في رقبة بعير قلادة من وتر ولا قلادة إلاّ قطعت. قال وحدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هشام بن سعيد الطالقاني أخبرنا محمد بن المهاجر حدثني عقيل بن شبيب، عَن أبي وهب الجُشمي وكانت له صحبة قال قال رسول الله ﷺ : ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وإعجازها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار. قلت: أمره ﷺ بقطع قلائد الخيل يتأول على وجوه؛ قال مالك بن أنس أرى أن ذلك من أجل العين، وقال غيره إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس. وقال بعضهم إنما نهى عن تقليدها الأوتار لئلا تختنق بها عند شدة الركض، وقوله لا تقلدوها الأوتار يحتمل أن يكون أراد عين الوتر خاصة دون غيره من السيور والخيوط وغيرها، وقيل معناه لا تطلبوا عليها الأوتار والذحول ولا تركضوها في درك الثأر على ما كان من عاداتهم في الجاهلية.

стр. 566

ومن باب ركوب الجلالة قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال نهى عن ركوب الجلالة. الجلالة الإبل التي تأكل العذرة، والجَلة البعر كره ﷺ ركوبها كما نهى عن أكل لحومها، ويقال إن الإبل إذا اجتلت أنتن روائحها إذا عرقت كما تنتن لحومها. ومن باب الرجل يسمي دابته قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري، عَن أبي الأحوص، عَن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن معاذ ﵁ قال كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له عُفَير. قلت: عفير تصغير أعفر يحذفون الألف في تصغيره كما حذفوه في تصغير أسود فقالوا سويد وكما قالوا عوير من أعور وكان القياس أن يقال في تصغير أعفر أعيفر كما قالوا أحيمر من أحمر وأصيفر من أصفر. وفيه أن الإرداف مباح إذا كانت الدابة تقوى على ذلك ولا يضربها الضرر البين، وتسمية الدواب شكل من أشكال العرب وعادة من عاداتها، وكذلك تسمية السلاح وأداة الحرب وكان سيفه ﷺ يسمى ذا الفقار ورايته العُقاب ودرعه ذات الفضول وبغلته دُلدُل وبعض أفراسه السكب وبعضها البحر. ومن باب النهي عن لعن البهيمة قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب، عَن أبي قلابة، عَن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ كان في سفر فسمع لعنة

стр. 567

فقال ما هذه قالوا هذه فلانة لعنت راحلتها فقال النبي ﷺ : ضعوا عنها فإنها ملعونه فوضعوا عنها قال عمران فكأني انظر إليها ناقة ورقاء. قلت زعم بعض أهل العلم أن النبي ﷺ إنما أمرهم بذك فيها لأنه قد استجيب لها الدعاء عليها باللعن واستدل على ذلك بقول فإنها ملعونه. وقد يحتمل أن يكون إنما فعل ذلك عقوبة لصاحبها لئلا تعود إلى مثل قولها ومعنى ضعوا عنها أي ضعوا رحلها وأعروها لئلا تركب. ومن باب وسم ادابة قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك، قال أتيت النبي ﷺ بأخ لي حين ولد ليحنكه فإذا هو في مربد يسِم غنماً أحسبه قال في آذانها. قلت في هذا دلالة على أن الأذن ليس من الوجه لأنه قد نهى ﷺ عن وسم الوجه وضربه. ومن باب كراهة الحمر تنزى على الخيل قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عَن أبي الخير عن ابن زُرير عن علي بن أبي طالب، قال: أحديت لرسول الله وص بغلة فركبها فقال عليّ لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه فقال رسول الله ﷺ إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. قلت: يشبه أن يكون المعنى في ذلك والله أعلم، إن الحمر إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل وقل عددها وانقطع نماؤها والخيل يحتاج إليها للركوب والركض والطلب وعليها يجاهد العدو وبها تحرز الغنائم ولحمها

стр. 568

مأكول ويسهم للفرس كما يسهم للفارس وليس للبغل شيء من هذه الفضائل فأحب ﷺ أن ينمو عدد الخيل ويكثر نسلها لما فيها من النفع والصلاح، ولكن قد يحتمل أن يكون حمل الخيل على الحمر جائزاً لأن الكراهة في هذا الحديث إنما جاءت في حمل الحمر على الخيل لئلا تشغل أرحامها بنجل الحمر فيقطعها ذلك عن نسل الخيل فإذا كانت الفحولة خيلاً والأمهات حمرا فقد يحتمل أن لا يكون داخلا في النهي إلاّ أن يتأول متأول أن المراد بالحديث صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر وكراهة اختلاط مائها بمائها لئلا يضيع طرقها ولئلا يكون منه الحيوان المركب من نوعين مختلفين فإن أكثر المركبات المتولدة بين جنسين من الحيوان أخبث طبعا من أصولها التي تتولد منها وأشد شراسة كالسِمع والعسبار ونحوهما، وكذلك البغل لما يعتريه من الشماس والحران والعضاض في نحوها من العيوب والآفات ثم هو حيوان عقيم ليس له نسل ولا نماء ولا يُذكي ولا يزكى. قلت وما أرى هذا الرأي طائلا فإن الله سبحانه قال ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] فذكر البغال وامتن علينا بها كامتنانه بالخيل والحمير وأفرد ذكرها بالاسم الخاص الموضوع لها ونبه على ما فيها من الأرب والمنفعة. والمكروه من الأشياء مذموم لا يستحق المدح ولا يقع بها الامتنان، وقد استعمل رسول الله ﷺ البغل واقتناه وركبه حضراً وسفراً وكان يوم حنين على بغلته حين رمى المشركين بالبحصباء وقال شاهت الوجوه فانهزموا ولو كان مكروهاً لم يقتنه ولم يستعمله والله أعلم. ومن باب الوقوف على الدابة قال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا ابن عياش عن يحيى بن

стр. 569

أبي عمرو الشيياني، عَن أبي مريم، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلاّ بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم. قلت قد ثبت عن النبي ﷺ أنه خطب على راحلته واقفا عليها فدل ذلك على أن الوقوف على ظهورها إذا كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول إلى الأرض مباح جائز، وأن النهي إنما انصرف في ذلك إلى الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه لكن بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعداً فيتعب الدابة ويضر بها من غير طائل. ومن باب الدابة تعرقب في الحرب قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني ابن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال أبو داود وهو يحيى بن عباد قال حدثني أبي الذي أرضعني وهو أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزاة غزاة مؤتة قال والله لكأني انظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل. قلت هذا يفعله الفارس في الحرب إذا أزهق وأيقن أنه مغلوب فينزل ويجالد العدو راجلا وإنما يعقر فرسه لئلا يظفر به العدو فيقوى به على قتال المسلمين. وقد اختلف الناس في الفرس يقف على صاحبه فيعقره لئلا يظفر به العدو فرخص فيه مالك بن أنس. وعن أبي حنيفة أنه قال إذا ظفر السسلمون بدواب ومواش فعجزوا عن حملها ذبحوها وحرقوا لحومها، وكره ذلك الأوزاعي

стр. 570

والشافعى وأحمد بن حنبل، واحتج الشافعي بحديث النبي ﷺ من قتل عصفوراً فما فوقه بغير حقه سأله الله تعالى عن قتله، واحتج بنهيه عن قتل الحيوان إلا لمأكله، قال وأما أن يعقر بالفارس من المشركين فله ذلك لأن ذلك أمر يجد به السبيل إلى قتل من أمر بقتله. وضعف أبو داود إسناد حديث جعفر وكره أيضاً عقر الدابة. ومن باب السبق قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا المعتمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن نبي الله ﷺ كان يضمر الخيل يسابق بها. قلت تضمير الخيل أن يعلف الحب والقضيم حتى تسمن وتقوى ثم تغشى بالجلال وتترك حتى تحمى فتعرق ولا تعلف إلاّ قوتا ًحتى تضمر ويذهب رهلها فيخف فإذا فعل ذلك بها فهي مضمرة ومن العرب من يطعمها اللحم واللبن في أيام التضمير. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وأن عبد الله ممن سابق بها. الأمد الغاية، قال النابغة: سبق الجواد إذا استولى على الأمد يريد أنه جعل غاية المضامير أبعد من غاية ما لم يضمر منها. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع،

стр. 571

عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل. السبق بفتح الباء هو ما يجعل للسابق على سبقه من جعل أو نوال. فأما السبق بسكون الباء فهو مصدر سبقت الرجل أسبقه سبقاً، والرواية الصحيحة في هذا الحديث السبق مفتوحة الباء. يريدان الجعل والعطاء لا يستحق إلاّ في سباق الخيل والإبل وما في معناهما، وفي النصل وهو الرمي وذلك لأن هذه الأمور عدة في قتال العدو وفي وبذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد وتحريض عليه. ويدخل في معنى الخيل البغال والحمير لأنها كلها ذوات حوافر وقد يحتاج إلى سرعة سيرها ونجائها لأنها تحمل أثقال العساكر وتكون معها في المغازي. وأما السباق بالطير والزجل بالحمام وما يدخل في معناه مما ليس من عدة الحرب ولا من باب القوة على الجهاد فأخذ السبق عليه قمار محظور لا يجوز. ومن باب المحلل قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حصين بن نمير حدثنا سفيان بن حسين (ح) وحدثنا علي بن مسلم حدثنا عباد بن العوام أخبرنا سفيان بن حسين المعنى عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من أدخل فرسا بين فرسين، يَعني وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار. قلت الفرس الثالث الذي يدخل بينهما يسمى المحلل، ومعناه أنه يحلل للسابق ما يأخذه من السبق فيخرج به عقد التراهن عن معنى القمار الذي إنما هو مواضعة بين اثنين على مال يدور بينهما في الشقين فيكون كل واحد منهما إما غانما أو غارما، ومعنى المحلل ودخوله بين الفرسين المتسابقين هو لأن يكون أمارة

стр. 572

لقصدهما إلى الجري والركض لا إلى المال فيشبه حينئذ القمار وإذا كان فرس المحلل كفئا لفرسيهما يخافان أن يسبقهما فيحرز السبق اجتهدا في الركض وارتاضا به ومرنا عليه وإذا كان المحلل بليدا أو كؤودا مأموناً أن يسبق غير مخوف أن يتقدم فيحرز السبق لم يحصل به معنى التحليل وصار إدخاله بينهما لغوا لا معنى له وحصل الأمر على رهان بين فرسين لا محلل معهما وهو عين القمار المحرم. وصورة الرهان والمسابقة في الخيل أن يتسابق الرجلان بفرسيهما فيعمدا إلى فرس ثالث كفء لفرسيهما يدخلانه بينهما ويتواضعان على مال معلوم يكون للسابق منهما فمن سبق أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه ولم يكن على المحلل شيء. فإن سبقهما المحلل أحرز السبقين معاً. وإنما يحتاج إلى السحلل فيما كان الرهن فيه دائرا بين اثنين. فأما إذا سبق الأمير بين الخيل وجعل للسابق منهما جعلا أو قال الرجل لصاحبه إن سبقت فلانا فلك عشرة دراهم فهذا جائز من غير محلل والله أعلم. وفي الحديث دليل على أن التوصل إلى المباح بالذرائع جائز وأن ذلك ليس من باب الحيلة والتلجئة المكروهتين. ومن باب الجلب على الخيل في السباق قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل عن حميد الطويل عن الحسن عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال لا جلب ولا جنب. قلت هذا يفسر على أن الفرس لا يجلب عليه في السباق ولا يزجر الزجر الذي يزيد معه في شأوه وإنما يجب أن يركضا فرسيهما بتحريك اللجام وتعريكهما العنان

стр. 573

والاستحثاث بالسوط والمهماز وما في معناهما من غير إجلاب بالصوت، وقد قيل إن معناه أن يجمع قوم فيصطفوا وقوفا من الجانبين ويجلبوا فنهوا عن ذلك. وأما الجنب فيقال أنهم كانوا يجنبون الفرس حتى إذا قاربوا الأمد تحولوا عن المركوب الذي قد كده الركوب إلى الفرس الذي لم يركب فنهي عن ذلك. ومن باب في السيف يحلى قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير بن حازم حدثنا قتادة عن أنس قال كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة. قبيعة السيف هي التَومة التي فوق المقبض ويستدل به على جواز تحلية اللجام باليسير من الفضة وسقوط الزكاة عنه على مذهب من يسقط الزكاة عن الحلي. وقد قيل إنه لا يجوز ذلك لأنه من زينة الدابة، وإنما جاز ذلك في السيف لأنه من زينة الرجل وآلته فيقاس عليه المنطقة ونحوها من أداة الفارس دون أداة الفرس. ومن باب النهي عن السيف يتعاطى مسلولاً قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا قريش بن أنس حدثنا أشعث عن الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ نهى أن يقد السير بين إصبعين. قلت إنما نهى عن ذلك لئلا يعقر يده الحديد الذي يُقد السير به وهو شبيه بمعنى نهيه عن تعلطي السيف مسلولاً. ومن باب الرجل ينادى بالشعار قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان، عَن أبي إسحاق عن المهلب

стр. 574

بن أبي صفرة أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول: إن أبَيَّتم فيلكن شعاركم حّم لا ينصرون. قلت بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سأل أبا لعباس أحمد بن يحيى عنه فقال معناه الخبر ولو كان بمعنى الدعاء لكان مجزوماً أى لا ينصروا، وإنما هو اخبار كأنه قال والله لا ينصرون. وقد روي عن ابن عباس أنه قال حّم اسم من أسماء الله فكأنه حلف بالله أنهم لا ينصرون. ومن باب ما يقول الرجل إذا سافر قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا محمد بن عجلان حدثني سعيد المقبري، عَن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ إذا سافر قال: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال. اللهم اطو لنا الأرض وهون علينا السفر. قوله وعثاء السفر، معناه المشقة والشدة وأصله من الوعث وهو أرض فيها رمل تسوخ فيها الأرجل. ومعنى كآبة المنقلب أن ينقلب من سفره إلى أهله كئيباً حزيناً غير مقضي الحاجة أو منكوباً ذهب ماله أو أصابته آفة في سفره أو أن يرد على أهله فيجدهم مرضى أو يفقد بعضهم وما أشبه ذلك من المكروه. ومن باب الدعاء عند الوداع قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن عبد العزيز بن عمر عن إسماعيل بن جرير عن قزعة قال: قال لي ابن عمر هلم أودعك كما ودعني رسول الله ﷺ استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك. قلت الأمانة هاهنا أهله ومن يخلفه منهم وماله الذي يودعه ويستحفظه أمينه

стр. 575

ووكيله ومن في معناهما وجرى ذكر الدين مع الودائع لأن السفر موضع خوف وخطر وقد تصيبه فيه المشقة والتعب فيكون سببا لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين فدعا له بالمعونه والتوفيق. ومن باب ما يقول إذا نزل المنزل قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية حدثني صفوان حدثني شريح بن عبيد عن الزبير بن الوليد عن عبد الله بن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك ومن شر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك وأعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد. قوله ساكن البلد يريد به الجن الذين هم سكان الأرض. والبلد من الأرض ما كان مأوى للحيوان وإن لم يكن فيه بناء ومنازل ويحتمل أن يكون أراد بالوالد إبليس وما ولد الشياطين. ومن باب كراهية سير أول الليل قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن مسلم يعرف بابن أبي شعيب الحراني حدثنا زهير حدثنا أبو الزبير عن جابر قال رسول الله ﷺ : لا ترسلوا فواشيكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء فإن الشياطين تعيث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء. قال أبو داود: الفواشي ما يفشو من كل شيء. قلت الفواشي جمع الفاشية وهي ما يرسل من الدواب في الرعي ونحوه فينتشر ويفشو. وفحمة العشاء إقبال ظلمته شبه سواده بالفجر.

стр. 576

ومن باب الرجل يسافر وحده قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب. قلت معناه والله أعلم أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان أو هو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه فقيل على هذا إن فاعله شيطان، ويقال إن اسم الشيطان مشتق من الشطون وهو البعد والنزوح، يقال بئر شطون إذا كانت بعيدة المهوى فيحتمل على هذا أن يكون المراد أن الممعن في الأرض وحده مضاه للشيطان في فعله وتشبه اسمه وكذلك الاثنان ليس معهما ثالث فإذا صاروا ثلاثة فهم ركب أي جماعة وصحب، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في رجل سافر وحده أرأيتم إن مات من اسأل عنه. قلت المنفرد وحده في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه ولا عنده من يوصي إليه في ماله ويحمل تركته إلى أهله ويرد خبره عليهم ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ منها. ومن باب القوم يسافرون يؤمر أحدهم قال أبو داود: حدثنا علي بن بحر بن بري حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا محمد بن عجلان عن نافع، عَن أبي سلمة، عَن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم. قلت إنما أمر بذلك ليكون أمرهم جميعا ولا يتفرق بهم الرأي ولا يقع بينهم

стр. 577

خلاف فيعنتوا. وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكما رجلا بينهما في قضية فقضى بالحق فقد نفذ حكمه. ومن باب دعاء المشركين قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه. قال كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيراً. وقال إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين واعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فاعلمهم أنهم يكونوا مثل أعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي كان يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلاّ أن يجاهدوا في المسلمين فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فان أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم. قلت في هذا الحديث عدة أحكام منها دعاء المشركين قبل القتال، وظاهر الحديث يدل على أن لا يقاتلوا إلاّ بعد الدعاء. وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك بن أنس لا يقاتلون حتى يدعوا أو يؤذَنوا.

стр. 578

وقال الحسن البصري يجوز أن يقاتلوا قبل أن يدعوا قد بلغتهم الدعوة. وكذلك قال الثوري وأصحاب الرأى، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. واحتج الشافعي في ذلك بقتل ابن الحقيق. فأما من لم تبلغه الدعوة ممن بعدت داره ونأى محله فإنه لا يقاتل حتى يدعى فإن قتل منهم أحد قبل الدعوة وجبت فيه الكفارة والدية وفي وجوب الدية اختلاف بين أهل العلم. وأما قوله فأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين فإن المهاجرين كانوا أقواماً من قبائل مختلفة تركوا أوطانهم وهجروها في الله واختاروا المدينة داراً ووطناً ولم يكن لهم أو لأكثرهم بها زرع ولا ضرع فكان رسول الله ﷺ ينفق عليهم مما أفاء الله عليه أيام حياته ولم يكن للأعراب وسكان البدو في ذلك حظ إلاّ من قاتل منهم فإن شهد الوقعة أخذ سهمه وانصرف إلى أهله فكان فيهم. وقوله وعليهم ما على المهاجرين أي من الجهاد والنفير أي وقت دعوا إليه لا يتخلفون. والأعراب من أجاب منهم وقاتل أخذ سهمه ومن لم يخرج في البعث فلا شيء له من الفيء ولا عتب عليه ما دام في أهل الجهاد كفاية. وقوله إن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فظاهره يوجب قبول الجزية من كل مشرك كتابي أو غير كتابي من عبدة الشمس والنيران والأوثان إذا أذعنوا لها وأعطوها، وإلى هذا ذهب الأوزاعي. ومذهب مالك قريب منه. وحكي عنه أنه قال تقبل من كل مشرك إلاّ المرتد، وقال الشافعي لا تقبل الجزية إلاّ من أهل الكتاب وسواء كانوا عرباً أو عجما وتقبل من المجوس ولا تقبل من مشرك غيرهم.

стр. 579

وقال أبو حنيفة تقبل من كل مشرك من العجم ولا تقبل من مشركي العرب. قلت لم يثبت عن النبي ﷺ أنه حارب أعجميا قط ولا بعث إليهم جيشا، وإنما كانت عامة حروبه مع العرب، وكذلك بعوثه وسراياه فلا يجوز أن يصرف هذا الخطاب عن العرب إلى غيرهم. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم وعبيد الله بن موسى عن حسن بن صالح عن خالد بن الفِزْر حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخا فانياً ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين. قلت نهيه عن قتل النساء والصبيان يتأول على وجهين: أحدهما أن يكون ذلك بعد الأسار نهى عن قتلهم لأنهم غنيمة للمسلمين. والوجه الآخر أن يكون ذلك عاماً قبل الأسار، وبعده نهى أن يقصدوا بالقتل وهم متميزون عن المقاتلة فأما وهم مختلطون بهم لا يوصل إليهم إلاّ بقتلهم فإنهم لا يحاشون. والمرأة إنما لا تقتل إذا لم تكن تقاتل فإن قاتلت قتلت وعلى هذا مذهب أكثر الفقهاء. وقال الشافعي الصبي الذي يقاتل يجوز قتله وكذلك قال الأوزاعي وأحمد. واختلفوا في الرهبان فقال مالك وأهل الرأي لا يجوز قتلهم. وقال الشافعي يقتلون إلاّ أن يسلموا ويؤدوا الجزية. قال أصحاب الرأي لا يقتل شيخ ولا زمن ولا أعمى. وقال الشافعي هؤلاء كلهم يقتلون. ومن باب الحرق في بلاد العدو قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر أن

стр. 580

رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فأنزل الله تعالى ﴿ما قطعتم من لينة﴾ [الحشر: ٥] الآية. واختلف العلماء في تأويل ما فعل رسول الله ﷺ من ذلك، فقال بعضهم إنما أمر بقطع النخيل لأنه كان مقابل القوم فأمر بقطعها ليتسع المكان له، وكره هذا القائل قطع الشجر واحتج بنهي أبي بكر عن ذلك، وإلى هذا المعنى ذهب الأوزاعي، وقال الأوزاعي لا بأس بقطع الشجر وتحريقها في بلاد المشركين وبهدم دورهم وكذلك قال مالك. وقال أصحاب الرأي لا بأس به وكذاك قال إسحاق. وكره أحمد تخريب العامر إلاّ من حاجة إلى ذلك. قال الشافعي ولعل أبا بكر إنما أمرهم أن يكفوا عن أن يقطعوا شجراً مثمراً لأنه سمع النبي ﷺ يخبر أن بلاد الشام يفتح على المسلمين فأراد بقاءها عليهم. ومن باب ابن السبيل يأكل من الثمرة ويشرب من اللبن إذا مر به قال أبو داود: حدثنا عياش بن الوليد الرقام حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب أن نبي الله ﷺ قال: إذا أتي أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجابه فليستأذنه وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل. قلت هذا في المضطر الذي لا يجد طعاماً وهو يخاف على نفسه التلف فإذا كان كذلك جاز له أن يفعل هذا الصنيع. وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن هذا شيء قد ملكه النبي ﷺ إياه فهو له مباح لا يلزمه له قيمة.

стр. 581

وذهب أكثر الفقهاء إلى أن قيمته لازمة له يؤديها إليه إذا قدر عليها لأن النبي ﷺ قال لا يحل مال امرىء مسلم إلاّ بطيبة نفس منه. قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة، عَن أبي بشر عن عباد بن شرحبيل قال أصابتني سنة فدخلت حائطا من حيطان المدينة ففركت سنبلاً فأكلت وحملت في ثوبي فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي فأتيت رسول الله ﷺ فقال له ما علّمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً أو قال ساغبا وأمره فرد عليّ ثوبي وأعطاني وسقا أو نصف وسق من طعام. السنة المجاعة تصيب الناس والساغب الجائع؛ وفيه أنه ﷺ عذره بالجهل حين حمل الطعام فلام صاحب الحائط إن لم يطعمه إذ كان جائعاً. ومن باب من قال لا يحلب قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمرأن رسول الله ﷺ قال: لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتثل طعامه فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتَهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلاّ بإذنه. المشربة كالعرقة يرفع فيها المتاع والشيء. وقوله ينتثل معناه يستخرج ويقال لما يخرج من تراب البئر إذا حفرت نثيل ومن هذا قولهم نثل الرجل كنانته إذا صبها على الأرض فأخرج ما فيها من النبل. وفي هذا إثبات القياس والحكم للشيء بحكم نظيره. وفيه دليل على أن الشاة المبيعة إذا كان لها لبن مقدور على حلبه فإن للبن حصة من الثمن. وهذا يؤيد

стр. 582

خبر المصراة ويثبت حكمها في تقويم اللبن. وفيه دليل على أن السارق إذا سرق من الطعام ما يبلغ قيمته ربع دينار قطع. واللبن وغيره من رطب الطعام ويابسه في ذلك سواء إذا أخذه من حرز. ومن باب في الطاعة قال أبو داود: حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن زبيد عن سعد بن عبيدة، عَن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث جيشا وأمرعليهم رجلا وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأجج ناراً وأمرهم أن يقتحموا فيها فأبى قوم أن يدخلوها فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال لو دخلوها لم يزالوا فيها وقال لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف. قلت هذه القصة وما ذكر فيها من شأن النار والوقوخفيها يدل على أن المراد به طاعة الولاة وأنها لا تجب إلاّ في المعروف كالخروج في البعث إذا أمر به الولاة والنفوذ لهم في الأمور التي هي طاعات ومعاون للمسلمين ومصالح لهم. فأما ما كان فيها معصية كقتل النفس المحرمة وما أشبهه فلا طاعة لهم في ذلك. وقد يفسر قوله لا طاعة في معصية الله تفسيراً آخر وهو أن الطاعة لا تسلم لصاحبها ولا تخلص إذا كانت مشوبة بالمعصية، وإنما تصح الطاعات مع اجتناب المعاصي. ومن باب كراهية تمني لقاء العدو قال أبو داود: حدثنا محبوب بن موسى أبو صالح أخبرنا أبو إسحاق الفزاري

стр. 583

عن موسى بن عقبة عن سالم أبي النَّضر مولى عمر بن عبيد الله بن معمر وكان كاتبا له، قال كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، قال يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال اللهم منزل الكتاب مجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم. قلت معنى ظلال السيوف الدنو من القرن حتى يعلوه ظل سيفه لا يولي عنه ولا يفر منه وكل شيء دنا منك فقد أظلك كقول الشاعر: ورنَّقت المنية فهي ظل ... على الأقران دانية الجَناح ومن باب ما يدعى عند اللقاء قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي أخبرني أبي حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك قال كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل. قوله أحول معناه احتال قال ابن الأنباري الحَول معناه في كلام العرب الحيلة، يقال ما للرجل حول وماله محالة، قال ومنه قولك لا حول ولا قوة إلاّ بالله أي لا حيلة في دفع سوء ولا قوة في درك خير إلاّ بالله. وفيه وجه آخر وهو أن يكون معناه المنع والدفع، من قولك حال بين الشيئين إذا منع أحدهما عن الآخر يقول لا أمنع ولا أدفع إلاّ بك. ومن باب دعاء المشركين قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس

стр. 584

أن النبي ﷺ كان يغير عند صلاة الصبح وكان يستمع فإذا سمع أذاناً أمسك وإلا أغار. قلت فيه من الفقه ان إظهار شعار الإسلام في القتال وعند شن الغارة يحقن به الدم وليس كذلك حال السلامة والطمأنينة التي يتسع فيها معرفة الأمور على حقائقها واستيفاء الشروط اللازمة فيها. وفيه دليل على أن قتال الكفار من غير احداث الدعوة جائز، وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم في ذلك في باب قبل هذا. وقال الشافعي في هذا الحديث إنما كان رسول الله ﷺ لا يغير حتى يصبح ليس لتحريم الغارة ليلاً أو نهارا ولا غارين وفي كل حال ولكنه على أن يكون يبصر من معه كيف يغيرون احتياطاً أن يؤتوا من كمين ومن حيث لا يشعرون وقد يختلط أهل الحرب إذا غاروا ليلا فيقتل بعض المسلمين بعضا. قلت وقد أغار رسول الله على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم على الماء تسقى، وقد ذكره أبو داود في هذا الباب. وقال لأسامة أغر على أُبْنا صباحا وحرق فدل على إباحة البيات والإيقاع بهم وهم غارون. وقال سلمة بن الأكوع أمّرعلينا رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ فغزونا ناسا من المشركين فبيتناهم نقتلهم وكان شعارنا تلك الليلة امِتْ امت. ومن باب المكر في الحرب قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها وكان يقول الحرب خَدعة.

стр. 585

قوله ورى بغيرها التورية أن يريد إنسان الشيء فيظهر غيره. وقوله الحرب خدعة معناه إباحة الخداع في الحرب وإن كان محظورا في غيرها من الأمور، وهذا الحرف يروى على ثلاثة أوجه خَدْعة بفتح الخاء وسكون الدال، وخُدْعة بضم الخاء وسكون الدال، وخُدَعة الخاء مضمومة والدال منصوبة وأصوبها خَدْعة بفتح الخاء. أخبرني أبو رجاء الغنوي، عَن أبي العباس أحمد بن يحيى، قال خدعة بفتح الخاء بلغنا أنها لغة النبي ﷺ . قلت معنى الخدعة أنها هي مرة واحدة أي إذا خُدع المقاتل مرة واحدة لم يكن له إقالة، ومن قال خُدْعة أراد الاسم كما يقال هذه لعبة، ومن قال خُدَعة بفتح الدال كان معناه أنها تخدع الرجال وتمنيهم ثم لا تفي لهم كما يقال رجل لعبه إذا كان كثير التلعب بالأشياء. ومن باب لزوم الساقة قال أبو داود: حدثنا الحسن بن شَوكر حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، عَن أبي الزبير أن جابر بن عبد الله حدثهم قال كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم. قوله يزجي أي يسوق بهم، يقال أزجيت المطية إذا حثثتها في السوق. ومن باب على ما يقاتل المشركون قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حَدَّثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش، عَن أبي ظبيان حدثنا أسامة بن زيد قال بعثنا رسول الله ﷺ سرية إلى الحُرَقات فنذروا بنا فهر وا فأدركنا رجلاً فلما غشيناه

стр. 586

قال لا إله إلاّ الله فضربناه حتى قتلناه فذكرته للنبي ﷺ فقال من لك بلا إلّه إلاّ الله يوم القيامة فقلت يا رسول الله إنما قالها مخافة السلاح، قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا. من لك بلا إلّه إلاّ الله يوم القيامة فما زال يقولها حتى وددت أني لم أسلم إلاّ يومئذٍ. فيه من الفقه أن الكافر إذا تكلم بالشهادة وإن لم يصف الأيمان وجب الكف عنه والوقوف عن قتله سواء كان بعد القدرة عليه أو قبلها. وفي قوله هلا شققت عن قلبه دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر وإن السرائر موكولة إلى الله سبحانه. وفيه أنه لم يُلزمه مع إنكاره عليه الدية، ويشبه أن يكون المعنى فيه أن أصل دماء الكفار الإباحة، وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذا من القتل لا مصدقا به فقتله على أنه كافر مباح الدم فلم تلزمه الدية إذ كان في الأصل مأمورا بقتاله والخطأ عن المجتهد موضوع. ويحتمل أن يكون قد تأول فيه قول الله ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا﴾ [غافر: ٨٥] وقوله في قصة فرعون ﴿الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ [يونس: ٩١] فلم يخلصهم إظهار الإيمان عند الضرورة والارهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عطاء بن زيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن المقداد بن الأسود أنه أخبره أنه قال يا رسول الله أرأيت أن لقيت رجلا من الكفار يقاتلني فضرب إحدى

стр. 587

يدي بالسيف ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله افأقتله يا رسول الله بعد أن قالها، قال رسول الله ﷺ لا تقتله فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي، قال رسول الله ﷺ لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال. قلت الخوارج ومن يذهب مذاهبهم في التكفير بالكبائر يتأولونه على أنه بمنزلته في الكفر. وهذا تأويل فاسد وإنما وجهه أنه جعله بمنزلته في إباحة الدم لأن الكافر قبل أن يسلم مباح الدم بحق الدين فإذا أسلم فقتله قاتل فإن قاتله مباح الدم بحق القصاص. قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله قال بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، قال فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا يا رسول الله لِمَ قال لا ترايا ناراهما. قلت إنما أمر لهم بنصف العقل ولم يكمل لهم الدية بعد علمه بإسلامهم لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره فسقط حصة جنايته من الدية. وأما اعتصامهم بالسجود فإنه لا يمحص الدلالة على قبول الدين لأن ذلك قد يكون منهم في تعظيم السادة والرؤساء فعذروا لوجود الشبه.

стр. 588

وفيه دليل على أنه إذا كان أسيرا في أيديهم فأمكنه الخلاص والانقلاب منهم لم يحل له المقام معهم وإن حلفوه فحلف لهم أن لا يخرج كان الواجب أن يخرج إلاّ أنه إن كان مكرها على اليمين لم تلزمه الكفارة، وإن كان غير مكره كانت عليه الكفارة عن يمينه. وعلى الوجهين جميعا فعليه الاحتيال للخلاص، وقد قال رسول الله ﷺ من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه. وقوله لا ترايا ناراهما فيه وجوه أحدها معناه لا يستوي حكماهما قاله بعض أهل العلم. وقال بعضهم معناه أن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها. وفيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر من مدة أربعة أيام. وفيه وجه ثالث ذكره بعض أهل اللغة قال معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله والعرب تقول (ما نار بعيرك أي ما سمته) ومن هذا قولهم (نارها نجارها) يريدون أن ميسمها يدل على كومها وعتقها ومنه قول الشاعر: حتى سقوا آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار يريد أنهم يعرفون الكرام منها بسماتها فيقدمونها في السقي على اللئام. ومن باب التولي من الزحف قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا يزيد بن أبي زياد أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ قال فجاض الناس جيضة فكنت فيمن جاض فلما فررنا

стр. 589

قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب فقلنا ندخل المدينة فنثبت فيها ونذهب فلا يرانا أحد، قال فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ فإن كان لنا توبة أقمنا وإن كان غير ذلك ذهبنا قال فجلسنا لرسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا نحن الفرارون فأقبل إلينا فقال لا بل أنتم العكَّارون قال فدنونا فقبلنا يده فقال أنا فئة المسلمين. يقال جاض الرجل إذا حاد عن طريقه أو انصرف عن وجهه إلى جهة أخرى. وقوله أنتم العكارون، يريد أنتم العائدون إلى القتال والعاطفون عليه، يقال عَكَرت على الشيء إذا عطفت عليه وانصرفت إليه بعد الذهاب عنه. وأخبرني ابن الزيبقي حدثنا الكديمي عن الأصمعي؛ قال رأيت أعرابيا يفلي ثيابه فيقتل البراغيث ويترك القمل فقلت لم تصنع هذا قال اقتل الفرسان ثم أعكر على الرجَّالة. وقوله ﷺ إنا فئة المسلمين يمهد بذلك عذرهم وهو تأويل قوله أو متحيزا إلى فئة. ومن باب حكم الجاسوس إذا كان مسلما قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عمرو وحدثه حسن بن محمد بن علي أخبره عبيد الله بن أبي رافع وكان كاتباً لعلي بن أبي طالب، قال سمعت علياً يقول بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا هلمي الكتاب فقالت ما عندي من كتاب قلت لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي ﷺ فإذا هو

стр. 590

من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال ما هذا يا حاطب فقال يا رسول الله لا تعجل عليَّ فإني كنت امرءاً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها وإن قريشا لهم بها قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك أن اتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي والله ما كان بي كفر ولا ارتداد، فقال رسول الله ﷺ صدقكم فقال عمر ﵁ دعني اضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. قلت في هذا الحديث من الفقه إن حكم المتأول في استباحة المحظور عليه خلاف حكم المتعمد لاستحلاله من غير تأويل. وفيه أنه إذا تعاطى شيئا من المحظور وادعى أمراً مما يحتمله التأويل كان القول قوله في ذلك وإن كان غالب الظن بخلافه، ألا ترى أن الأمر لما احتمل وأمكن أن يكون كما قال حاطب وأمكن أن يكون كما قاله عمر ﵁ استعمل رسول الله ﷺ حسن الظن في أمره وقبل ما ادعاه في قوله. وفيه دليل على أن الجاسوس إذا كان مسلما لم يقتل. واختلفوا فيما يفعل به من العقوبة فقال أصحاب الرأي في المسلم إذا كتب إلى العدو ودله على عورات المسلمين يوجع عقوبة ويطال حبسه. وقال الأوزاعي إن كان مسلما عاقبه الإمام عقوبة منكلة وغربه إلى بعض الآفاق في وثاق وإن كان ذميا فقد نقض عهده. وقال مالك لم أسمع فيه شيئا وأرى فيه اجتهاد الإمام. وقال الشافعي إذا كان هذا من الرجل ذي الهيئة بجهالة كما كان من حاطب بجهالة وكان غير متهم

стр. 591

أحببت أن يتجافى عنه وإن كان من غير ذي الهيئة كان للإمام تعزيره. وفي الحديث من الفقه أيضاً جواز النظر إلى ما ينكشف من النساء لإقامة حد أو إقامة شهادة في إثبات حق إلى ما أشبه ذلك من الأمور. وفيه دليل على أن من كفر مسلما أو نفقه على سبيل التأويل وكان من أهل الاجتهاد لم تلزمه عقوبة. ألا ترى أن عمر ﵁ قال دعني أضرب عنق هذا المنافق وهو مؤمن قد صدقه رسول الله ﷺ فيما ادعاه من ذلك ثم لم يعنف عمر فيما قاله. وذلك أن عمر لم يكن منه عدوان في هذا القول على ظاهر حكم الدين إذ كان المنافق هو الذي يظهر نصرة الدين في الظاهر ويبطن نصرة الكفار وكان هذا الصنيع من حاطب شبيها بأفعال المنافقين إلاّ أن رسول الله ﷺ قد أخبر أن الله تعالى قد غفر له ما كان منه من ذلك الصنيع وعفا عنه فزال عنه اسم النفاق والله أعلم. ومن باب الحكم في الجاسوس المستأمن قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله أن هاشم بن القاسم حدثهم عن عكرمة أخبرني إياس بن سلمة قال حدثني أبي قال غزوت مع رسول الله ﷺ هوازن قال فبينا نحن نتضحى وعامتنا مشاة وفينا ضعفة إذ جاء رجل على جمل أحمر فانتزع طلقا من حقو البعير فقيد به جمله، ثم جاء يتغدى مع القوم فلما رأى ضعفهم ورقة ظهرهم خرج يعدو إلى جمله فأطلقه ثم أناخه فقعد عليه ثم خرج يركضه وأتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء هي أمثل ظهر القوم، قال فخرجت أعدو فأدركته ورأس الناقة عند ورك الجمل وكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل

стр. 592

فأنخته فلما وضع ركبته بالأرض اخترطت سيفي فأضرب رأسه فنذر فجئت براحلته وما عليها أقوده، فقال رسول الله ﷺ من قتل الرجل فقالوا سلمة بن الأكوع قال له سلبه أجمع. قوله نتضحى معناه نتغدى والضحاء ممدود الغداء والطلق سير يقيد به البعير وحقوه مؤخره. وقوله نذر، معناه بان منه وسقط، وفيه إثبات السلب للقاتل وأنه لم يخمسه. ومن باب الخُيَلاء في الحرب قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل المعنى واحد قالا: حَدَّثنا أبان حدثنا يحيى عن محمد بن إبراهيم عن ابن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك، قال من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة وأما التي بغضها الله فالغيرة في غير ريبة وأن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل نفسه عند القتال واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي قال موسى والفخر. قلت معنى الاختيال في الصدقة أن يهزه أريحية السخاء فيعطيها طيبة نفسه بها من غير من ولا تصريد. واختيال الحرب أن يتقدم فيها بنشاط نفس وقوة جنان ولا يكبع ولا يجبن. ومن باب الرجل يستأسر قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب قال أخبرني عمر بن جارية الثقفي حليف بني زهرة، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال بعث رسول الله ﷺ عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت

стр. 593

فنفروا لهم هذيل قريب من مائة رجل رام؛ فلما أحس بهم عاصم لجؤوا إلى قَرْدَد فقالوا لهم انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا يقتل منكم أحد، فقال عاصم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة نفر ونزل إليهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها قال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء لأسوة فجرروه فأبى أن يصحبهم فقتلوه فلبث خبيب أسيرا حتى أجمعوا قتله فاستعار موسى يستحد بها فلما أخرجوه ليقتلوه قال لهم خبيب دعوني أركع ركعتين ثم قال والله لولا أن يحسبوا ما بي جزعا لزدت. القردد رابية مشرفة على وهدة قال الشاعر: متى ما تُررنا آخر الدهر تلقنا ... بقرقرةٍ ملساء ليست بقَرْدد وقوله يستحد بها أي يحلق شعر عانته والاستحداد مأخوذ من الحديد. وفيه من العلم أن المسلم يجالد العدو إذا أزهق ولا يستأسر له ما قدر على الامتناع منه، وإنما استحد خبيب خوفا أن تظهر عورته إذا صلبوه، ثم أنه من السنة فاستعمله متجهزا للموت. ومن باب في الكمين قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق قال سمعت البراء يحدث قال جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير وقال إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال فهزمهم الله قال فأنا والله رأيت النساء يسندن

стр. 594

على الجبل فقال أصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فقال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ قالوا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فأتوهم فصرفت وجوههم وأقبلوا منهزمين. قوله تخطفنا الطير معناه الهزيمة يقول إن رأيتمونا وقد أسرعنا مولين فأثبتوا أنتم ولا تبرحوا، والعرب تقول فلان ساكن الطير إذا كان ركيناً ثابت الجأش وقد طار طير فلان إذا طاش وخف قال لقيط الإيادي. هو الجلاء الذي يجتذ أصلكم ... إن طار طيركم يوماً وإن وقعا وقوله يسندن على الجبل معناه يصعدن فيه يقال سند الرجل في الجبل إذا صعد فيه، والسند ما ارتفع من الأرض، والسناد الطويلة من النوق. ومن باب الصفوف قال أبو داود: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ حين اصطففنا يوم بدر إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل واستبقوا نبلكم. قوله أكثبوكم معناه غشوكم وأصله من الكثب وهو القرب يقول إذا دنوا منكم فارموهم ولا ترموهم على بعد. ومن باب المبارزة قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا إسرائيل، عَن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي ﵁، قال تقدم عتبة بن ربيعة ومعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز فانتدب له شباب من الأنصار، فقال من أنتم فأخبروه فقال لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 595

قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحارث فأقبل حمزة إلى عتبة وأقبلت إلى شيبة واختلف بين عبيدة والوليد ضربتين فأثخن كل واحد منهما صاحبه ثم ملنا إلى الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة. قلت فيه من الفقه إباحة المبارزة في جهاد الكفار ولا أعلم اختلافا في جوازها إذا أذن الإمام فيها، وإنما اختلفوا فيها إذا لم تكن عن إذن من الإمام فكره سفيان الثوري وأحمد واسحاق أن يفعل ذلك إلاّ بإذن الإمام. وحكي ذلك أيضاً عن الأوزاعي. وقال مالك والشافعي لا بأس بها كانت بإذن الإمام أو بغير إذنه، وقد روي ذلك أيضاً عن الأوزاعي. قلت قد جمع هذا الحديث معنى جوازها بإذن الإمام وبغير إذنه، وذلك أن مبارزة حمزة وعلي ﵄ كانت بإذن النبي ﷺ ولم يذكر فيه إذن من النبي ﷺ للأنصاريين الذين خرجوا إلى عتبة وشيبة قبل على وحمزة ولا إنكار من النبي ﷺ عليهم في ذلك. وفي الحديث من الفقه أيضاً أن معونة المبارز جائزة إذا ضعف أو عجز عن قرنه ألا ترى أن عبيدة لما أثخن أعانه علي وحمزة في قتل الوليد. واختلفوا في ذلك فرخص فيه الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال الأوزاعي لا يعينونه عليه لأن المبارزة إنما تكون هكذا. ومن باب النهي عن المثلة قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن الهياج بن عمران أن عمران بن حصين أبق له غلام فجعل الله عليه

стр. 596

لئن قدر عليه ليقطعن يده فأرسلني لأسأل فأتيت سمرة بن جندب فقال كان رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. قلت المثلة تعذيب المقتول بقطع أعضائه وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده وذلك مثل أن يجدع أنفه أو أذنه أو يفقأ عينه أو ما أشبه ذلك من أعضائه. قلت وهذا إذا لم يكن الكافر فعل مثل ذلك بالمقتول المسلم فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به ولذلك قطع رسول الله ﷺ أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم وكانوا فعلوا ذلك برعاء رسول الله ﷺ وكذلك هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القتل فإنه يعاقب بمثله وقد قال تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ . ومن باب قتل النساء قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا عمر بن المرقع بن صيفي بن رماح حدثني أبي عن جده رماح بن الربيع، قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال انظر علام اجتمع هؤلاء فجاء فقال على امرأة قتيل، فقال ما كانت هذه لتقاتل قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال قل لخالد لا تقتلن امرأة ولا عسيفا. قلت فيه دليل على أن المرأة إذا قاتلت قتلت ألا ترى أنه جعل العلة في تحريم قتلها أنها لا تقاتل فإذا قاتلت دل على جواز قتلها. والعسيف الأجير والتابع؛ واختلفوا في جواز قتله فقال الثوري لا يقتل العسيف وهو التابع. وقال الأوزاعي نحوا منه وقال لا يقتل الحراث إذا علم أنه ليس من المقاتلة، قال وكذلك لا يقتل صاحب الصومعة ولا شيخا فانيا ولا صغيرا

стр. 597

قال ويقتل الشاب المريض ويكف عن الأعمى. وقال الشافعي يقتل الفلاحون والشيوخ والأجراء حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا حجاج حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم. قلت الشرخ هاهنا جمع شارخ وهو الحديث السن، يقال شارخ وشرخ كما قالوا راكب وركب وصاحب وصحب، يريد بهم الصبيان ومن لم يبلغ مبلغ الرجال. والشيوخ هاهنا المسان، فإذا قيل شرخ الشباب كان معناه أول الشباب قال حسان: إن شرخ الشباب والشعر الأسود ... ما لم يعاصِ كان جنونا قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لم يقتل من نساء بني قريظة إلاّ امرأة إنها لعندي تحدث تضحك ظهرا وبطنا ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسيوف إذ هتف بها هاتف باسمها أين فلانه. قالت أنا، قلت وما شأنك قال حدثاً أحدثته، قال فانطلق بها فضربت عنقها فما أنسى عجبا منها أنها تضحك ظهرا وبطنا وقد علمت أنها تقتل. قلت يقال إنها كانت شتمت النبي ﷺ وهو الحدث الذي أحدثته وفي ذلك دلالة على وجوب قتل من فعل ذلك. ويحكى عن مالك أنه كان لا يرى لمن سب النبي ﷺ توبة ويقبل توبة من ذكر الله سبحانه بسب أو شتم ويكف عنه.

стр. 598

وأخبرني بعض أهل العلم من أهل الأندلس أن هذه القضية جارية فيما بينهم وإن أمراءهم والقضاة يحكمون بها على من فعل ذلك، وربما بقي أسراء الروم في أيديهم فيطول مقامهم بينهم فيطلبون الخلاص بالموت فيجاهرون بشتم النبي ﷺ فعند ذلك لا ينهون أن يقتلوا، والغالب على بلاد الأندلس ونواحي المغرب رأي مالك. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه سأل النبي ﷺ عن الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال النبي ﷺ هم منهم. يريد أنهم منهم في حكم الدين وإباحة الدم، وفيه بيان أن قتلهم في البيات وفي الحرب إذا لم يتميزوا من آبائهم وإذا لم يتوصلوا إلى الكبار إلاّ بالإتيان عليهم جائز. وأن النهي عن قتلهم منصرف إلى حال التمييز والتفرق فإن الإبقاء عليهم إنما هو من أجل أنهم فيء للمسلمين لا من جهة أنهم على حكم الإسلام. ومن باب كراهية تحريق العدو بالنار قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عَن أبي الزناد عن محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمره على سرية قال فخرجت فيها، فقال إن وجدتم فلانا ًفأحرقوه بالنار فوليت فناداني فرجعت إليه، قال إن وجدتموه فاقتلوه ولا تحرقوه فانه لا يعذب في النار إلاّ رب النار. قلت هذا إنما يكره إذا كان الكافر أسيرا قد ظفر به وحصل في الكف وقد أباح رسول الله ﷺ أن تضرم النار على الكفار في الحرب وقال لأسامة اغز على أُبنا صباحا وحرق. ورخص سفيان الثوري والشافعي في أن يرمي أهل

стр. 599

الحصون بالنيران إلاّ أنه يستحب أن لا يرموا بالنار ما داموا يطاقون إلاّ أن يخافوا من ناحيتهم الغلبة فيجوز حينئذ أن يقذفوا بالنار. قال أبو داود: حدثنا أبو صالح حدثنا محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري، عَن أبي إسحاق الشيباني عن ابن سعد قال غير أبي صالح الحسن بن سعد عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، قال كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش قلت أو تعرش فقال النبي ﷺ من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال من حرق هذه قلنا نحن، قال أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلاّ رب النار. الحمرة طائر قوله تفرش أو تعرش معناه ترفرف. والتفريش مأخوذ من فرش الجناح وبسطه والتعريش أن يرتفع فوقهما ويظلل عليهما، ومنه أخذ العريش يقال عرشت عريشا أعرُشُه واعرَشه. وفيه دلالة على أن تحريق بيوت الزنابير مكروه. وأما النمل فالعذر فيه أقل وذلك أن ضرره قد يمكن أن يزال من غير إحراق. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال إن نبيا من الأنبياء نزل على قرية نمل فقرصته نملة فأمر بالنمل فأحرقت فأوحي إليه إلاّ نملة واحدة. قلت والنمل على ضربين أحدهما مؤذ ضرار فدفع عاديته جائز. والضرب الآخر لا ضرر فيه وهو الطوال الأرجل لا يجوز قتله.

стр. 600

ومن باب الرجل يكري دابته على النصف أو بالسهم أو ببعض غنيمة قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدمشقي أبو النَّضر حدثنا محمد بن شعيب أخبرني أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عمرو بن عبد الله أنه حدثه عن واثلة بن الأسقع قال نادى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فخرجت في أهلي. فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله ﷺ فطفقت في المدينة أنادي إلاّ من يحمل رجلا له سهمه، قال فإذا شيخ من الأنصار قال لنا سهمه على أن نحمله عقبة وطعامه معنا قلت نعم قال فسر على بركة الله قال فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا فأصابني قلائص فسقتهن حتى أتيته فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله ثم قال سقهن مدبرات، ثم قال سقهن معبلات فقال ما أرى قلائصك إلاّ كراماً، فقلت إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال خذ قلائصك ابن أخي فغير سهمك أردنا. قلت اختلف الناس في هذا فقال أحمد بن حنبل فيمن يعطي فرسه على النصف مما يغنمه في غزاته أرجو أن لا يكون به بأس. وقال الأوزاعي ما أراه إلاّ جائزا وكان مالك بن أنس يكرهه. وفي مذهب الشافعي لا يجوز أن يعطيه فرسا على سهم من الغنيمة فإن فعل فله أجر مثل ركوبه. وقوله فغير سهمك أردنا يشبه أن يكون معناه إني لم أرد سهمك من الغنم إنما أردت مشاركتك في الأجر والثواب والله أعلم. ومن باب الأسير يوثق قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا
следующие страницы →