Полный текст (1 377 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
لئن قدر عليه ليقطعن يده فأرسلني لأسأل فأتيت سمرة بن جندب فقال كان رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة.
قلت المثلة تعذيب المقتول بقطع أعضائه وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده وذلك مثل أن يجدع أنفه أو أذنه أو يفقأ عينه أو ما أشبه ذلك من أعضائه.
قلت وهذا إذا لم يكن الكافر فعل مثل ذلك بالمقتول المسلم فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به ولذلك قطع رسول الله ﷺ أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم وكانوا فعلوا ذلك برعاء رسول الله ﷺ وكذلك هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القتل فإنه يعاقب بمثله وقد قال تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ .
ومن باب قتل النساء
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا عمر بن المرقع بن صيفي بن رماح حدثني أبي عن جده رماح بن الربيع، قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال انظر علام اجتمع هؤلاء فجاء فقال على امرأة قتيل، فقال ما كانت هذه لتقاتل قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال قل لخالد لا تقتلن امرأة ولا عسيفا.
قلت فيه دليل على أن المرأة إذا قاتلت قتلت ألا ترى أنه جعل العلة في تحريم قتلها أنها لا تقاتل فإذا قاتلت دل على جواز قتلها.
والعسيف الأجير والتابع؛ واختلفوا في جواز قتله فقال الثوري لا يقتل العسيف وهو التابع. وقال الأوزاعي نحوا منه وقال لا يقتل الحراث إذا علم أنه ليس من المقاتلة، قال وكذلك لا يقتل صاحب الصومعة ولا شيخا فانيا ولا صغيرا
стр. 597
قال ويقتل الشاب المريض ويكف عن الأعمى. وقال الشافعي يقتل الفلاحون والشيوخ والأجراء حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية.
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا حجاج حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم.
قلت الشرخ هاهنا جمع شارخ وهو الحديث السن، يقال شارخ وشرخ كما قالوا راكب وركب وصاحب وصحب، يريد بهم الصبيان ومن لم يبلغ مبلغ الرجال. والشيوخ هاهنا المسان، فإذا قيل شرخ الشباب كان معناه أول الشباب قال حسان:
إن شرخ الشباب والشعر الأسود ... ما لم يعاصِ كان جنونا
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لم يقتل من نساء بني قريظة إلاّ امرأة إنها لعندي تحدث تضحك ظهرا وبطنا ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسيوف إذ هتف بها هاتف باسمها أين فلانه. قالت أنا، قلت وما شأنك قال حدثاً أحدثته، قال فانطلق بها فضربت عنقها فما أنسى عجبا منها أنها تضحك ظهرا وبطنا وقد علمت أنها تقتل.
قلت يقال إنها كانت شتمت النبي ﷺ وهو الحدث الذي أحدثته وفي ذلك دلالة على وجوب قتل من فعل ذلك. ويحكى عن مالك أنه كان لا يرى لمن سب النبي ﷺ توبة ويقبل توبة من ذكر الله سبحانه بسب أو شتم ويكف عنه.
стр. 598
وأخبرني بعض أهل العلم من أهل الأندلس أن هذه القضية جارية فيما بينهم وإن أمراءهم والقضاة يحكمون بها على من فعل ذلك، وربما بقي أسراء الروم في أيديهم فيطول مقامهم بينهم فيطلبون الخلاص بالموت فيجاهرون بشتم النبي ﷺ فعند ذلك لا ينهون أن يقتلوا، والغالب على بلاد الأندلس ونواحي المغرب رأي مالك.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه سأل النبي ﷺ عن الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال النبي ﷺ هم منهم.
يريد أنهم منهم في حكم الدين وإباحة الدم، وفيه بيان أن قتلهم في البيات وفي الحرب إذا لم يتميزوا من آبائهم وإذا لم يتوصلوا إلى الكبار إلاّ بالإتيان عليهم جائز. وأن النهي عن قتلهم منصرف إلى حال التمييز والتفرق فإن الإبقاء عليهم إنما هو من أجل أنهم فيء للمسلمين لا من جهة أنهم على حكم الإسلام.
ومن باب كراهية تحريق العدو بالنار
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عَن أبي الزناد عن محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمره على سرية قال فخرجت فيها، فقال إن وجدتم فلانا ًفأحرقوه بالنار فوليت فناداني فرجعت إليه، قال إن وجدتموه فاقتلوه ولا تحرقوه فانه لا يعذب في النار إلاّ رب النار.
قلت هذا إنما يكره إذا كان الكافر أسيرا قد ظفر به وحصل في الكف وقد أباح رسول الله ﷺ أن تضرم النار على الكفار في الحرب وقال لأسامة اغز على أُبنا صباحا وحرق. ورخص سفيان الثوري والشافعي في أن يرمي أهل
стр. 599
الحصون بالنيران إلاّ أنه يستحب أن لا يرموا بالنار ما داموا يطاقون إلاّ أن يخافوا من ناحيتهم الغلبة فيجوز حينئذ أن يقذفوا بالنار.
قال أبو داود: حدثنا أبو صالح حدثنا محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري، عَن أبي إسحاق الشيباني عن ابن سعد قال غير أبي صالح الحسن بن سعد عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، قال كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش قلت أو تعرش فقال النبي ﷺ من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال من حرق هذه قلنا نحن، قال أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلاّ رب النار.
الحمرة طائر قوله تفرش أو تعرش معناه ترفرف. والتفريش مأخوذ من فرش الجناح وبسطه والتعريش أن يرتفع فوقهما ويظلل عليهما، ومنه أخذ العريش يقال عرشت عريشا أعرُشُه واعرَشه.
وفيه دلالة على أن تحريق بيوت الزنابير مكروه. وأما النمل فالعذر فيه أقل وذلك أن ضرره قد يمكن أن يزال من غير إحراق. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال إن نبيا من الأنبياء نزل على قرية نمل فقرصته نملة فأمر بالنمل فأحرقت فأوحي إليه إلاّ نملة واحدة.
قلت والنمل على ضربين أحدهما مؤذ ضرار فدفع عاديته جائز. والضرب الآخر لا ضرر فيه وهو الطوال الأرجل لا يجوز قتله.
стр. 600
ومن باب الرجل يكري دابته
على النصف أو بالسهم أو ببعض غنيمة
قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدمشقي أبو النَّضر حدثنا محمد بن شعيب أخبرني أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عمرو بن عبد الله أنه حدثه عن واثلة بن الأسقع قال نادى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فخرجت في أهلي. فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله ﷺ فطفقت في المدينة أنادي إلاّ من يحمل رجلا له سهمه، قال فإذا شيخ من الأنصار قال لنا سهمه على أن نحمله عقبة وطعامه معنا قلت نعم قال فسر على بركة الله قال فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا فأصابني قلائص فسقتهن حتى أتيته فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله ثم قال سقهن مدبرات، ثم قال سقهن معبلات فقال ما أرى قلائصك إلاّ كراماً، فقلت إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال خذ قلائصك ابن أخي فغير سهمك أردنا.
قلت اختلف الناس في هذا فقال أحمد بن حنبل فيمن يعطي فرسه على النصف مما يغنمه في غزاته أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال الأوزاعي ما أراه إلاّ جائزا وكان مالك بن أنس يكرهه. وفي مذهب الشافعي لا يجوز أن يعطيه فرسا على سهم من الغنيمة فإن فعل فله أجر مثل ركوبه.
وقوله فغير سهمك أردنا يشبه أن يكون معناه إني لم أرد سهمك من الغنم إنما أردت مشاركتك في الأجر والثواب والله أعلم.
ومن باب الأسير يوثق
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا
стр. 601
عبد الوارث حدثنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله عن جندب بن مكيث قال بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن غالب الليثي في سرية فكنت فيها وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي فأخذناه، فقال إنما جئت أريد الإسلام وإنما خرجت إلى رسول الله ﷺ فقلنا إن تك مسلما لم يضرك رباطنا يوما وليلة وإن تك غير ذلك نستوثق منك فشددناه وثاقا.
قوله فشنوا الغارة معناه بثوها من كل وجه؛ وأصل الشن الصب يقال شننت الماءإذا صببته صبا متفرقا، والشنان ما تفرق من الماء.
وفيه دلالة على جواز الاستيثاق من الأسير الكافر بالرباط والقيد والغل وما يدخل في معناها إن خيف انفلاته ولم يؤمن شره إن ترك مطلقا.
ومن باب الأسير ينال بضرب
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ ندب أصحابه فانطلق إلى بدر فأذاهم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج فأخذه أصحاب رسول الله ﷺ فجعلوا يسألونه اين أبو سفيان فيقول والله ما لي بشيء من أمره علم ولكن هذه قريش قد جاءت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف، فإذا قال لهم ذلك ضربوه فيقول دعوني أخبركم فإذا تركوه قال والله ما لي بأبي سفيان من علم ولكن هذه قريش قد أقبلت فيهم أبوجهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف قد أقبلوا والنبي ﷺ يصلي وهو يسمع ذلك فلما انصرف قال والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم هذه قريش قد أقبلت لتمنع
стр. 602
أبا سفيان، قال أنس قال رسول الله ﷺ هذا مصرع فلان غدا ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غدا ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غدا ووضع يده على الأرض، فقال والذي نفسي بيده ما جاوز أحد منهم عن موضع يد رسول الله ﷺ فأمر بهم رسول الله ﷺ فأخذ بأرجلهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر.
السحب الجر العنيف والقليب البئر التي لم تطو وإنما هي حفيرة قلب ترابها فسميت قليبا، والروايا الإبل التي يستقى عليها واحدتها راوية وأصل الراوية المزادة فقيل للبعير راوية لحملها المزادة.
وفيه دليل على جواز ضرب الأسير الكاقر إذا كان في ضربه طائل.
ومن باب الأسير يكره على الإسلام
قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة، عَن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال كانت المرأة تكون مقلاتاً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فأنزل الله ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] الآية.
قلت المقلات هي المرأة التي لا يعيش لها ولد وأصله من القلت وهو الهلاك قال الشاعر:
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الطير مقلات نزور
وفيه دليل على أن من انتقل من كفر وشرك إلى يهودية أو نصرانية قبل مجيء دين الإسلام فإنه يقر على ما كان انتقل إليه وكان سبيله أهل الكتاب في أخذ الجزية منه وجواز مناكحته واستباحة ذبيحته. فأما من انتقل عن شرك
стр. 603
إلى يهودية أو نصرانية بعد وقوع نسخ اليهودية وتبديل ملة النصرانية فإنه لا يقر على ذلك، وأما قوله سبحانه ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] فإن حكم الآية مقصور على ما نزلت فيه من قصة اليهود، فأما إكراه الكفار على دين الحق فواجب ولهذا قاتلناهم على أن يسلموا أو يؤدوا الجزية ويرضوا بحكم الدين عليهم.
ومن باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن المفضل حدثنا إسباط بن نصر قال زعم السدي عن مصعب بن سعد عن سعد، قال لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله الناس إلاّ أربعة أنفس وامرأتين فذكر منهم ابن أبي السرح قال وكان قد اختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى وقفه على النبي ﷺ فقال يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى. فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه، فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله، فقالوا ما ندري يا رسول الله ما في نفسك أفلا أومأت إلينا بعينك، قال أنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين.
قلت معنى خائنة الأعين أن يضمر بقلبه غير ما يظهره للناس فإذا كف بلسانه وأومأ بعينه إلى خلاف ذلك فقد خان. وكان ظهور تلك الخيانة من قبل عينيه فسميت خائنة الأعين، ومعنى الرشد هاهنا الفطنة لصواب الحكم في قتله.
وفيه دليل على أن ظاهر السكوت من رسول الله ﷺ في الشيء يراه يصنع بحضرته يحل محل الرضا به والتقرير له.
قلت عبد الله بن أبي السرح كان يكتب للنبي ﷺ فارتد عن الدين فلذلك
стр. 604
غلّظ عليه رسول الله ﷺ أكثر مما غلظ على غيره من المشركين.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه.
قلت في كون المغفر على رأسه دليل على جواز ترك الإحرام للخائف على نفسه إذا دخل مكة وعلى أن صاحب الحاجة إذا أراد دخول الحرم لم يلزمه الإحرام إذا لم يرد حجا أوعمرة، وكان ابن خطل بعثه رسول الله ﷺ في وجه مع رجل من الأنصار وأمر الأنصاري عليه، فلما كان ببعص الطريق وثب على الأنصاري فقتله وذهب بماله فلم ينفذ رسول الله ﷺ له الأمان وقتله بحق ما جناه في الإسلام.
وفيه دليل على أن الحرم لا يعصم من إقامة حكم واجب ولا يؤخره عن وقته.
ومن باب المن على الأسير بغير فداء
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي ﷺ وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم فأخذهم رسول الله ﷺ سلما فأعتقهم فأنزل الله تعالى ﴿وهوالذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة﴾ [الفتح: ٢٤] إلى آخر الآية.
قوله سلما، يَعني اسراء، يقال رجل سلَم أي أسير وقوم سلم الواحد والجماعة سواء قال الشاعر:
فاتقين مروان في القوم السلَم
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر
стр. 605
عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي ﷺ قال لأسارى بدر لو كان مطعم بن عدي حيا ثم حكمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له.
النتنى جمع النتن وهو المنتن، يقال نتن الشيء ينتن فهو نتن ويجمع على النتنى كما يقال زمن الرجل يزمن فهو زمن ويجمع على الزمنى.
وفيه دليل على جواز إطلاق الأسير والمن عليه من غير فداء.
قال أبو داود: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشى حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا شعبة عن أبى العبس، عَن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة.
قال أبو داود: حدثنا علي بن الحسين الرقي حدثني عبد الله بن جعفر الرقي أخبرني عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ لما أراد قتل عقبة بن أبي مُعَيط قال من للصبية قال النار.
قلت في هذه الأحاديث الثلاثة حديث جبير بن مطعم وحديث ابن عباس وحديث عبد الله بن مسعود دليل على أن الإمام مخير في الأسارى البالغين إن شاء من عليهم وأطلقهم من غير فداء وإن شاء فاداهم بمال معلوم وإن شاء قتلهم أي ذلك كان أصلح ومن أمر الدين وإعزاز الإسلام أوقع. وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد وهو قول الأوزاعي وسفيان الثوري.
стр. 606
وقال أصحاب الرأي إن شاء قتلهم وإن شاء فاداهم وإن شاء استرقهم ولا يمن عليهم فيطلقهم بغير عوض فيكون فيه تقوية للكفار وزيادة في عددهم.
وزعم بعضهم أن المن كان خاصا للنبي ﷺ دون غيره.
قلت التخصيص في أحكام الشريعة لا يكون إلاّ بدليل والنبي ﷺ إذا حكم بحكم في زمانه كان ذلك سنة وشريعة في سائر الأزمان وقد قال سبحانه ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] الآية. وهذا خطاب لجماعة الأمة كلهم ليس فيه تخصيص للنبي ﷺ وإنما كان فعله امتثالا للآية، وأما الذين اعتلوا به من تقوية الكفر فإن الإمام إذا رأى أن يعطي كافرا عطية يستميله بها إلى الإسلام كان ذلك جائزا وإن كان في ذلك تقوية لهم فكذلك هذا. وقد أعطى النبي ﷺ رجلا من الكفار غنما بين جبلين. حدثناه ابن الأعرابي حدثنا عبد الرحمن بن منصور الحارثي حدثنا عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد العذري عن مالك بن أنس، عَن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه، قال جاء رجل من العرب إلى رسول الله ﷺ فسأل شيئا بين جبلين فكتب له بها فأسلم ثم أتى قومه فقال لهم أسلموا فقد جئتكم من عند رجل يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة.
وفي أخذه في الفداء المال دليل على فساد قول من يقول أنه يفادي بالرجال ولا يفادي بالمال ويحكى نحو هذا القول عن مالك بن أنس.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة سبي هوازن قال: قال رسول الله ﷺ ردوا عليهم نساءهم وأبنائهم فمن مسَّك بشيء من هذا الفيء فإن له علينا به ست
стр. 607
فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا ثم دنا من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال يا أيها الناس أنه ليس لي من هذا الفيء ولا هذا ورفع أصبعيه إلاّ الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط فقام رجل في يده كُبّة من شعر فقال أخذت هذه لأصلح بها برذعة لي، فقال رسول الله ﷺ اما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك فقال أما إذا بلغت ما أرى فلا ارب لي فيها ونبذها.
قوله من مسَّك يريد أمسك، مسّكت بالشيء وأمسكته بمعنى واحد وفيه إضمار وهو الرد كأنه قال من أصاب شيئا من هذا الفيء فأمسكه ثم رده وقوله من أول شيء يفيئه الله علينا فإنه يريد الخمس الذي جعله الله له من الفيء وكان الخمس من الفيء لرسول الله ﷺ خاصة ينفق منه على أهله ويجعل الباقي في مصالح الدين وسد حاجة المسلمين، وذلك معنى قوله إلاّ الخمس والخمس مردود عليكم.
وقد استدل بعض أهل العلم بهذا على أن سهم النبي ﷺ ساقط بعد موته ومردود على شركائه المذكورين معه في الآية، وكذلك سهم ذي القربى وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال بعضهم هو للخليفة بعده يصرفه فيما كان رسول الله ﷺ يصرفه فيه أيام حياته.
وقال الشافعي هو موضوع في كل أمر حصن به الإسلام وأهله من سد ثغر وإعداد كراع وسلاح وما دعا إلى مصلحة فيه.
وفي قوله ادوا الخياط والمخيط دليل على أن قليل ما يغنم وكثيره مقسوم بين من شهد الوقعة ليس لأحد أن يستبد بشيء منه وإن قل إلاّ الطعام الذي قد وردت فيه الرخصة وهذا قول الشافعي.
стр. 608
وقال مالك إذا كان شيئا خفيفا فلا أرى به بأسا أن يرتفق به آخذه دون أصحابه.
ومن باب التفريق بين السبي
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن الحكم عن ميمون بن أبي شيبة عن علي ﵁ أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ عن ذلك فرد البيع. قال أبو داود ميمون لم يدرك علياً.
قلت لم يختلف أهل العلم في أن التفريق بين الولد الصغير وبين والدته غير جائز، إلاّ أنهم اختلفوا في الحد بين الصغير الذي لا يجوز معه التفريق وبين الكبير الذي يجوز معه. فقال أصحاب الرأي الحد في ذلك الاحتلام.
وقال الشافعي إذا بلغ سبعا أو ثمانياً. وقال الأوزاعي إذا استغنى عن أمه فقد خرج من الصغر. وقال مالك إذا ثغر. وقال أحمد لا يفرق بينهما بوجه وإن كبر الولد واحتلم.
قلت ويشبه أن يكون المعنى في التفريق عند أحمد قطيعة الرحم. وصلة الرحم واجبة مع الصغر والكبر. ولا يجوز عند أصحاب الرأي التفريق بين الأخوين إذا كان أحدهما صغيرا والاخر كبيرا فإن كانا صغيرين جاز.
وأما الشافعي فإنه يرى التفريق بين المحارم في البيع ويجعل المنع في ذلك مقصورا على الولد. ولا يختلف مذاهب العلماء في كراهة التفريق بين الجارية وولدها الصغير سواء كادت مسبية من بلاد الكفر أو كان الولد من زنا أو كان زوّجها أهلها في الإسلام فجاءت بولد ولا أعلمهم يختلفون في أن التفرقة بينهما في العتق جائز وذلك أن العتق لا يمنع من الحضانة كما يمنع منها البيع. والرهن
стр. 609
في ذلك بمعنى البيع.
واختلفوا في البيع إذا وقع على التفريق فقال أبو حنيفة هو ماض وإن كرهناه وغالب مذهب الشافعي أن البيع مردود. وقال أبو يوسف البيع مردود.
واحتجوا بخبر علي ﵁ هذا إلاّ أن إسناده غير متصل كما ذكره أبو داود.
ومن باب الرخصة في المدركات يفرق بينهن
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال خرجنا مع أبي بكر ﵁ وأمّره علينا رسول الله فغزونا فزارة فشننا الغارة ثم نظرت إلى عُنق من الناس فيه الذرية والنساء فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل فقاموا فجئت بهم إلى أبي بكر ﵁ فيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم معها ابنة لها من أحسن العرب فنفلني أبو بكر ﵁ ابنتها فقدمت المدينة فلقيني رسول الله ﷺ فقال لي يا سلمة هب لي المرأة، فقلت والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً فسكت حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك فقلت يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوباً وهي لك فبعث بها إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى ففداهم بتلك المرأة.
قوله عنق من الناس يريد جماعة منهم ومن هذا قوله تعالى ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء: ٤] أي جماعاتهم ولو كان المراد به الرقاب لقيل خاضعات والله أعلم.
والقشع الجلد وفيه لغتان، يقال قَشْع وقِشْع ومنه قولك قشعت الشيء إذا أخذت قشره والقشاعة ما أخذته من جلدة وجه الأرض. وفي قوله نفلني أبو بكر ابنتها دليل على أن النفل قبل الخمس.
стр. 610
وفيه دليل على جواز التفريق بين الأم وولدها الكبير خلاف ما ذهب إليه أحمد بن حنبل. وفي قوله ما كشفت لها ثوباً وسكوت النبي ﷺ وتركه الإنكار عليه دليل على أنهم كانوا يستبيحون إذ ذاك وطء الوثنيات وذلك قبل نزوله من الحديبية ولولا إقامة هذه الجارية على كفرها لما ردت إلى أهل مكة وهم كفار إذ ذاك.
ومن باب المال يصيبه العدو من المسلمين
ثم يدركه صاحبه في الغنيمة
قال أبو داود: حدثنا صالح بن سهيل حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن غلاماً لابن عمر ابق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله ﷺ إلى ابن عمر ولم يقسم.
قلت في هذا دليل على أن المشركين لا يحرزون على مسلم مالاً بوجه. وإن المسلمين إذا استنقذوا من أيديهم شيئا كان للمسلم وكان عليهم رده عليه ولا يغنمونه.
واختلفوا في هذا فقال الشافعي صاحب الشيء أحق به قسم أو لم يقسم وقال الأوزاعي والثوري إن أدركه صاحبه قبل أن يقسم فهو له وإن لم يدركه حتى قسم كان أحق به، وكذلك قال أبو حنيفة إلاّ أنه فرق بين المال يغلب عليه العدو وبين العبد يأبق فيأسره العدو فقال في المال مثل قول الأوزاعي، وقال في العبد مثل قول الشافعي.
ومن باب عبيد المشركين
يلحقون بالمسلمين فيسلمون
قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني حدثنا محمد، يَعني ابن سلمة
стр. 611
عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن علي بن أبي طالب ﵁. قال خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ ، يَعني يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه مواليهم قالوا يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك وإنما خرجوا هرباً من الرق فقال ناس صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم فغضب رسول الله ﷺ وقال ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا وأبى أن يردهم وقال هم عتقاء الله.
قلت هذا أصل في أن من خرج من دار الكفر مسلماً وليس لأحد عليه يد قدرة فأنه حر وإنما يعتبر أمره بوقت الخروج منها إلى دار الإسلام. فأما الحالة المتقدمة فلا عبرة بها وحكمها مهدوم بما تجدد له من الملكة في الإسلام. فلو أن رجلا من الكفار خرج إلينا وفي يده عبد له فأسلما جميعا قبل أن يقدر عليهما كان الحر منهما حراً والعبد عبداً وملك السيد مستقر عليه كما كان، فلو أن العبد غلب على سيده في دار الحرب ثم خرجا إلينا مسلمين ويد العبد ثابتة على السيد كان السيد مملوكا والمملوك مالكا وعلى هذا القياس.
ومن باب إباحة الطعام في أرض العدو
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري حدثنا أنس بن عياض عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن جيشاً غنموا في زمان رسول الله ﷺ طعاما وعسلا فلم يؤخذ منهم الخمس.
قلت لا أعلم خلافاً بين الفقهاء في أن الطعام لا يخمس في جملة ما يخمس من الغنيمة وإن لواجده أكله ما دام الطعام في حد القلة وعلى قدر الحاجة وما دام صاحبه مقيما في دار الحرب وهو مخصوص من عموم الآية ببيان النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 612
كما خص منها السلب وسهم النبي ﷺ والصفي ورخص أكثر العلماء في علف الدواب ورأوه في معنى الطعلم للحاجة إليه. وقال الشافعي فإن أكل فوق الحاجة أدى ثمنه في المغنم، وكذلك إن شرب شيئا من الأشربة والأدوية التي لا تجرى مجرى الأقوات أو أطعم صقوره أو بزاته لحماً منه أدى قيمته في المغنم، وإنما يحل له قدر الحاجة حسب وليست يده على الطعام في دار الحرب يد ملك حقيقة وإنما له يد الارتفاق والانتفاع به قدر الحاجة وهذا على أحد قولي الشافعي.
ومن باب النهي عن النُهْبى
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير، يَعني ابن حازم عن يعلى بن حكيم، عَن أبي لبيد، قال كنا مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها فقام خطيباً فقال سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النهبي فردوا ما أخذوه فقسمه بينهم.
قلت النهبي اسم مبني على فعلى من النهب كالرغبى من الرغبة، وإنما نهي عن النهب، لأن الناهب إنما يأخذ ما يأخذه على قدر قوته لا على قدر استحقاقه فيؤدي ذلك إلى أن يأخذ بعضهم فوق حظه وأن يبخس بعضهم حقه وإنما لهم سهام معلومة للفرس سهمان وللراجل سهم، فإذا انتهبوا الغنيمة بطلت القسمة وعدمت التسوية.
ومن باب حمل الطعام من أرض العدو
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن ابن خُرشف الأزدي حدثه عن القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه حتى
стр. 613
إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا منه مُمْلأة.
واختلفوا فيما يخرج به المرء من الطعام من دار الحرب فقال سفيان يريد ما أخذ منه إلى الإمام، وكذا قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، وقال في موضع آخر. له أن يحمله لأنه إذا ملكه في دار الحرب فقد صار له فلا معنى لمنعه من الخروج به، وإلى هذا ذهب الأوزاعي إلاّ أنه قال لا يجوز له أن يبيعه إنما له الأكل فقط. فإن باعه وضع ثمنه في مغانم المسلمين.
وكان مالك بن أنس يرخص في القليل منه كاللحم والخبز ونحوهما. قال لا بأس أن يأكل في أهله وكذلك قال أحمد.
ومن باب بيع الطعام إذا فضل
عن الناس في أرض العدو
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المصفى حدثنا محمد بن المبارك عن يحيى بن حمزة قال حدثني أبو عبد العزيز شيخ من أهل الأردن عن عبادة بن نُسيّ عن عبد الرحمن بن غنم قال رابطنا مدينة قنسرين مع شرحبيل بن السمط فلما فتحها أصاب فيها غنماً وبقراً فقسم فينا طائفة منها وجعل بقيتها في المغنم. فلقيت معاذ بن جبل فحدثته فقال معاذ غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر فأصبنا فيها غنماً فقسم فينا رسول الله ﷺ طائفة وجعل بقيتها في المغنم.
قوله قسم فينا طائفة أي قدر الحاجة للطعام وقسم البقية بينهم على السهام. والأصل أن الغنيمة مخموسة ثم الباقي بعد ذلك مقسوم، إلاّ أن الضرورة لما دعت إلى إباحة الطعام للجيش والعلف لدوابهم صار قدر الكفاية منها مستثنى ببيان النبي ﷺ ومازاد على ذلك مردود إلى المغنم لا يجوز بيعه لآخذه والاستيثار بثمنه.
стр. 614
ومن باب الرجل ينتفع من الغنيمة بشيء
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور وعثمان بن أبي شيبة المعنى وأنا لحديثه أتقن قالا: حَدَّثنا أبومعاوية عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عَن أبي مرزوق مولى تجيب عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت الأنصاري أن النبي ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه.
قلت أما في حال الضرورة وقيام الحرب فلا أعلم بين أهل العلم اختلافاً في جواز استعمال سلاح العدو ودوابهم، فأما إذا انقضت الحرب فإن الواجب ردها في المغنم. فأما الثياب والخُرثيّ والأدوات فلا يجوز أن يستعمل شيء منها إلاّ أن يقول قائل الثياب أنه إذا احتاج إلى شيء منها حاجة ضرورة كان له أن يستعمله مثل أن يشتد البرد فيستدفي بثوب ويتقوى به على المقام في بلاد العدو مرصداً لقتالهم، وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال لا يلبس الثوب للبرد إلاّ أن يخاف الموت.
ومن باب الرخصة في السلاح
يقاتل به في المعركة
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا إبراهيم بن يوسف قال أبو داود وهو إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه، عَن أبي إسحاق قال حدثني أبو عبيدة عن أبيه قال مررت فإذا أبوجهل صريع قد ضربت رجله فقلت يا عدو الله يا أبا جهل قد أخزى الله الأخِر قال ولا أهابه عند ذلك فقال أبعد
стр. 615
من رجل قتله قومه فضربته بسيف غير طائف فلم يغن شيئا حتى سقط سيفه من يده فضربته حتى برد.
قوله أبعد من رجل هكذا رواه أبو داود وهو غلط إنما هو أعمد من رجل بالميم بعد العين وهي كلمة للعرب معناها كأنه يقول هل زاد على رجل قتله قومه يهون على نفسه ما حل به من الهلاك حكاها أبو عبيد، عَن أبي عبيدة معمر بن المثنى وأنشد لابن ميّادة:
وأعمد من قوم كفاهم أخوهم ... صِدام الأعادي حين قلت ينوبها
يقول هل زادنا على أن كفانا إخواننا. وقوله برد يريد مات واصل الكلمة من الثبوت يريد سكون الموت وعدم حركة الحياة، ومن ذلك قولهم برد لي على فلان حق أي ثبت. وقوله غير طائل أي غير ماض، وأصل الطائل النفع والعائدة يقال أتيت فلاناً فلم أر عنده طائلا. وفيه أنه قد استعمل سلاحه في قتله وانتفع به قبل القسم.
ومن باب عقوبة الغال
قال أبو داود: حدثنا النفيلي وسعيد بن منصور قالا: حَدَّثنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة قال دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتي برجل قد غل فسأل سالما عنه فقال سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه؛ قال فوجدنا في متاعه مصحفاً فسأل سالما عنه فقال بعه وتصدق بثمنه.
قلت أما تأديبه عقوبة في نفسه على سوء فعله فلا أعلم بين أهل العلم فيه خلافا وأما عقوبته في ماله فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال الحسن البصري يحرق
стр. 616
من ماله إلاّ أن يكون حيوانا أو مصحفا وقال الأوزاعي يحرق متاعه وكذلك قال أحمد وإسحاق قالوا ولا يحرق ما غل لأنه حق الغانمين يرد عليهم فإن استهلكه غرم قيمته.
وقال الأوزاعي يحرق متاعه الذي غزا به وسرجه وأكافه ولا يحرق دابته ولا نفقته إن كانت معه ولا سلاحه ولا ثيابه التي عليه.
وقال الشافعي لا يحرق رحله ولا يعاقب الرجل في ماله إنما يعاقب في بدنه جعل الله الحدود على الأبدان لا على الأموال، وإلى هذا ذهب مالك ولا أراه إلاّ قول أصحاب الرأي، ويشبه أن يكون الحديث عندهم معناه الزجر والوعيد لا الإيجاب والله أعلم.
ومن باب السلب يعطي القاتل
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح، عَن أبي محمد مولى أبي قتادة، عَن أبي قتادة أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في عام حنين قال فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، قال فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه فأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أرسلني فلحقت عمر بن الخطاب ﵁ فقلت له ما بال الناس، قال أمر الله ثم إن الناس رجعوا وجلس رسول الله ﷺ فقال من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه، قال فقمت ثم قلت من يشهد لي ثم جلست ثم قال الثانية من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه، قال فقمت ثم قلت من يشهد لي ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة فقال رسول الله ﷺ ما لك يا أبا قتادة
стр. 617
فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من
القوم صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه، فقال أبو بكر الصديق لاها الله إذاً يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ صدق فأعطه إياه، قال أبو قتادة فأعطانيه فبعت الدرع فابتعت به مَخْرِفاً في بني سلمة وأنه لأول مال تأثلته في الإسلام.
قلت حبل العاتق وصلة ما بين العنق والكاهل. وقوله لاها الله إذاً هكذا يروى والصواب لا هآ الله ذا بغير ألف قبل الذال، ومعناه في كلامهم لا والله يجعلون الهاء مكان الواو ومعناه لا والله لا يكون ذا. والمخرف بفتح الميم البستان يريد حائط نخل منه الثمر، فأما المخرف بكسر الميم فالوعاء الذي يخترف فيه الثمر.
وقوله تأثلته معناه تملكته فجعلته أصل مال واثلة كل شيء أصله ويقال تأثل ملك فلان إذا كثر.
وفيه من الفقه أن السلب لا يخمس وأنه يجعل للقاتل قبل أن يقسم الغنيمة وسواء كان الإمام قاله ونادى به قبل الوقعة أو لم يفعل ذلك وسواء بارز القاتل المقتول أو لم يبارزه لأن هذا القول من رسول الله ﷺ حكم شرع كقوله للفارس سهمان وللراجل سهم، فسواء قاله الإمام يوم الحرب أو لم يقله فإن الحكم به ماض والعمل به واجب.
وقد اختلف الناس في السلب فقال قوم السلب للقاتل سواء قتل القتيل مقبلا أو مدبراً بارزه أو لم يبارزه نادى به الإمام أو لم يناد كانت الحرب قائمة أو لا وعلى أي جهة قتل فالسلب لقاتله على ظاهر الحديث وهو قول جماعة
стр. 618
من أصحاب الحديث وإليه ذهب أبو ثور.
وقال الشافعي إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل والحرب قائمة والمشرك مقبل غير مدبر لأنه عطية أعطاها إياه لإبلائه في الحرب. فأما من أجهز على جريح فلا معنى لتخصيصه بالعطاء من غير إبلاء كان منه وسواء عنده بارز أو لم يبارز نادى الإمام به أو لم يناد.
وقال أحمد إنما يعطى السلب من بارز فقتل قِرنه دون من لم يبارز.
وقال مالك لا يكون السلب له إلاّ بإذن الإمام ولا يكون ذلك من الإمام إلاّ على وجه الاجتهاد.
وعن أبي حنيفة أنه قال إذا قتل الرجل وأخذ سلبه فإنه لا ينبغي للإمام أن ينفله إياه لأنه صار في الغنيمة. وعن يعقوب أنه قال إذا قال الإمام من قتل قتيلا فله سلبه ومن أسر أسيرا فله سلبه فهو جائز وهذا هو النفل. فأن إذا لم ينفله الإمام فلا نفل.
واختلفوا فيما يستحقه القاتل من السلب فقال الأوزاعي له فرسه الذي قاتل عليه وسلاحه وسرجه ومنطقته وخاتمه وما كان في سرجه وسلاحه من حلية ولا يكون له الهميان فإن كان مع العلج دراهم أو دنانير ليس مما يتزين به لحربه فلا شيء له من ذلك وهومغنم للجيش.
وقال الشافعي للقاتل كل ثوب عليه وكل سلاح ومنطقة وفرسه الذي هوراكبه أوممسكه، فأما التاج والاسوار من الذهب والفضة وما ليس من آلة الحرب فقد علق القول فيها، وقال إن ذهب ذاهب إلى أنها من سلبه كان مذهباً وإن ذهب إلى خلافه كان وجهاً.
стр. 619
وقال أحمد بن حنبل في المنطقة فيها الذهب والفضة هي من السلب وقال في الفرس ليس من سلبه، وسئل عن السيف فقال لا أدري وقيل للأوزاعي يسلبون حتى يتركوا عراة فقال ابعد الله عورتهم. وكره الثوري أن يتركوا عراة.
ومن باب الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا الوليد بن مسلم حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مَدَديّ من أهل اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه إياه فاتخذم كهيئة الدرق ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يفري بالمسلمين فقعد له المدديّ خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ السلب قال عوف فأتيته فقلت يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل، قال بلى ولكني استكثرته قلت لتردنه عليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ فأبى أن يرد عليه، قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله ﷺ يا خالد ما حملك على ما صنعت قال يا رسول الله استكثرته، فقال رسول الله ﷺ يا خالد رد عليه ما أخذت منه، قال عوف فقلت دونك يا خالد ألم اف لك فقال رسول الله ﷺ وما ذاك، قال فأخبرته فغضب رسول الله ﷺ فقال يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركون لي امرائي لكم ِصفوة أمرهم وعليهم كدره.
стр. 620
قوله يفري بالمسلمين معناه شدة النكاية فيهم، يقال فلان يفري الفري إذا كان يبالغ في الأمر، وأصل الفري القطع. وقوله لأعرفنكها يريد لأجازينك بها حتى تعرف صنيعك، قال الفراء العرب تقول للرجل إذا أساء إليه رجل لأعرفن لك عن هذا أي لأجازينك عليه، تقول هذا لمن تتوعده قد علمت ما علمت وعرفت ما صنعت، ومعناه سأجازيك عليه لا أنك تقصد إلى أن تعرفه أنك قد علمت فقط، ومنه قول الله ﴿عرف بعضه واعرض عن بعض﴾ [التحريم: ٣] قراءة الكسائي بالتخفيف. وقد روي ذلك أيضاً عن عاصم في إحدى الروايتين، قال ومعنى عرف جازى قال ومثله قوله ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ [البقرة: ١٩٧] وتأويله يعلمه الله فيجازي عليه.
وفي الحديث من الفقه أن الفرس من السلب؛ وأن السلب ما كان قليلا أو كثيرا فإنه للقاتل لا يخمس، ألا ترى أنه أمر خالدا برده عليه مع استكثاره إياه، وإنما كان رده إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه القاتل نوعا من التكبر على معروف وردعاً له وزجرا لئلا يتجرأ الناس على الأئمة ولئلا يتسرعوا إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد مجتهداً في صنيعه ذلك إذ كان قد استكثر السلب فأمضى له رسول الله ﷺ اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة بعد أن كان خطأه في رأيه الأول والأمر الخاص مغمور بالعام واليسير من الضرر محتمل للكثير من النفع والصلاح، ويشبه أن يكون النبي قد عوض المددي من الخمس الذي هوله وترضى خالدا بالنصح عنه وتسليم الحكم له في السلب.
وفيه دليل على أن نسخ الشيء قبل الفعل جائز، ألا ترى أن النبي ﷺ أمره بإمساكه قبل أن يرده فكان في ذاك نسخ لحكمه الأول.
стр. 621
والصفوة مكسورة الصاد خلاصة الشيء وما صفا منه. إذا أثبت الهاء قلت صفوة بكسر الصاد وإذا حذفتها قلت صفو بفتحها.
ومن باب من جاء بعد الغنيمة لا سهم له
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري أن عنبسة بن سعيد أخبره أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص أن رسول الله بعث أبان بن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قِبل نجد فقدم أبان وأصحابه على رسول الله ﷺ إن بخيبر بعد أن فتحها وإن حزم خيلهم ليف؛ فقال أبان أقسم لنا يا رسول الله قال أبوهريرة فقلت لا تقسم لهم يا رسول الله فقال أبان أنت بها يا وَبْر تحدر علينا من رأس ضال فقال النبي ﷺ أجلس يا أبان ولم يقسم لهم.
قوله أنت بها فيه اختصار واضمار ومعناه أنت المتكلم بهذه الكلمة. وكان ابن عمر يرمي فإذا أصاب الخصل قال أنا بها أي أنا الفائز بالإصابة، والوبر دويبة في قد السنور أو نحوه، وضال يقال أنه جبل أو موضع يريد بهذا الكلام تصغير شأنه وتوهين أمره.
وفيه من الفقه أن الغنيمة لمن شهد الوقعة دون من لحقهم بعد إحرازها.
وقال أبو حنيفة من لحق الجيش بعد أخذ الغنيمة قبل قسمها في دار الحرب فهو شريك الغانمين. وقال الشافعي الغنيمة لمن حضر الوقعة أو كان ردأً لهم فأما من لم يحضرها فلا شيء له منها وهوقول مالك وأحمد. وكان الشافعي يقول إن مات قبل القتال فلا شيء له ولا لورثته، وإن مات بعد القتال وقبل القسم
стр. 622
كان سهمه لورثته. وكان الأوزاعي يقول إذا أدرب قاصداً في سبيل الله أسهم له شهد القتال أو لم يشهد. وقوله أدرب يريد دخل الدرب.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا يزيد، عَن أبي بردة، عَن أبي موسى قال قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا أو قال فأعطانا منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلاّ لمن شهد معه إلاّ أصحاب سفينتنا جعفر وأصحابه أسهم له معهم.
قلت يشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أعطاهم من الخمس الذي هو حقه دون حقوق من شهد الوقعة وقد روي أن النبي ﷺ أعطى أبا موسى وأصحابه بإذن أهل الحديبية ولم يتخلف عن خيبر أحد من أهل الحديبية.
قال أبو داود: حدثنا محبوب بن موسى الأنطاكي أبو صالح حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن كليب بن وائل عن هانىء بن قيس عن حبيب بن أبي مليكة عن ابن عمر قال إن رسول الله ﷺ قام، يَعني يوم بدر فقال إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله وإني أبايع له فضرب له رسول الله ﷺ بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره.
قلت هذا خاص لعثمان ﵁ لأنه كان ممرض ابنة رسول الله ﷺ وهومعنى قوله حاجة الله وحاجة رسوله يريد بذلك حاجة عثمان في حق الله وحق رسوله وهذا كقوله سبحانه ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [الشعراء: ٢٧] وإنما هو رسول الله إليهم، ومن احتج بهذا في وجوب القسم لمن لحق الجيش قبل القسم فهو غير مصيب وذلك أن عثمان ﵁ كان بالمدينة وهذا القائل لا يقسم لمن كان في المصر فلا موضع لاستدلاله فيه.
стр. 623
ومن باب المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عَن أبي سفيان عن جابر قال كنت أميح أصحابي الماء يوم بدر.
المائح هو الذي ينزل إلى أسفل البئر فيملأ الدلو ويرفعها إلى الماتح وهو الذي ينزع الدلو.
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا زيد بن الحباب حدثنا رافع بن سلمة بن زياد حدثني حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر سادس ست نسوة فبلغ رسول الله ﷺ فبعث إلينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال مع من خرجتن وبإذن من خرجتن فقلنا يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقي السويق فقال قمن به. حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال، قال فقلت لها يا جدة وما كان ذلك قالت تمراً.
قلت قد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن النساء والعبيد والصبيان لا يسهم لهم. وإنما يرضخ لهم، إلاّ أن الأوزاعي قال يسهم لهن وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث واسناده ضعيف لا تقوم الحجة بمثله، وقد قيل أيضاً إن المرأة إذا كانت تقاتل أسهم لها، وكذلك المراهق إذا قوي على القتال أسهم له.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يرضخ للنساء من الغنيمة، وإنما يرضخ لهن من خمس الخمس سهم النبي ﷺ وقد روي في هذا الحديث أنها قالت أسهم لنا تمرا والتمر طعام وليس الطعام كسائر الأموال.
وقال مالك بن أنس لا يسهم للنساء ولا يرضخ لهن شيئا.
стр. 624
ومن باب سهمان الخيل
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو معاوية حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه.
قلت قوله سهما له اللام في هذه الإضافة لام التمليك. وقوله وسهمين لفرسه عطف على الكلام الأول، إلاّ أن اللام فيه لام التسبيب. وتحرير الكلام أنه أعطى الفارس ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لأجل فرسه أي لغنائه في الحرب ولما يلزمه من مؤونته إذ كان معلوماً أن مؤنة الفرس متضاعفة على مؤنة صاحبه فضوعف له العرض من أجله، وهذا قول عامة العلماء إلاّ أن أبا حنيفة قال للفارس سهمان، وحكي أنه قال لا أفضل بهيمة على مسلم وخالفه صاحباه فكانا مع جماعة العلماء.
قلت وقد روى هذا الحديث من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فقال فيه للفارس سهمان وللراجل سهم وعبيد الله احفظ من عبد الله وأثبت باتقان أهل الحديث كلهم.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري. قال سمعت أبي يعقوب بن مجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري قال وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن، قال شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض ما بال الناس قالوا أوحي إلى رسول الله ﷺ فخرجنا نوجف فوجدنا النبي ﷺ واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم ﴿انا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١]
стр. 625
فقال رجل يا رسول الله أفتح هو، قال نعم والذي نفس محمد بيده أنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما.
قال أبو داود وحديث أبي معاوية أصح والعمل عليه. قال والوهم في حديث مجمع أنه قال كان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس وإنما كانوا مائتي فارس.
قوله يهزون أي يحركون رواحلهم، والهز كالضغط للشيء وشدة الاعتماد عليه والايجاف الركض والإسراع يقال وجف البعير وجيفاً فأوجفه راكبه إيجافاً.
ومن باب النفل
قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا، قال فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله عليهم قالت المشيخة كنا ردءاً لكم لو انهزمتم فئتم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى فأبى الفتيان وقالوا جعله الله ﷺ لنا فأنزل الله سبحانه ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ إلى قوله ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون﴾ [الأنفال: ١-٥] يقول فكان ذلك خيرا لهم فكذلك أيضاً فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم.
قلت النفل ما زاد من العطاء على القدر المستحق منه بالقسمة ومنه النافلة وهي الزيادة من الطاعة بعد الفرض وكان رسول الله ﷺ ينفل الجيوش والسرايا تحريضا على القتال وتعويضا لهم عما يصيبهم من المشقة والكآبة ويجعلهم أسوة
стр. 626
الجماعة في سهمان الغنيمة فيكون ما يخصهم به من النفل كالصلة والعطية المستأنفة ولا يفعل ذلك إلاّ بأهل الغناء في الحروب وأصحاب البلاء في الجهاد.
وقد اختلف مذاهب العلماء في هذا الباب وفي تأويل ما روي فيه من الأخبار فكان مالك بن أنس لا يرى النفل ويكره أن يقول الإمام من قاتل في موضع كذا، أو قتل من العدو عدداً فله كذا، أو يبعث سرية في وجه من الوجوه فيقول ما غنمتم من شيء فلكم نصفه، ويكره أن يقاتل الرجل ويسفك دم نفسه في مثل هذا، وأثبت الشافعي النفل، وقال به الأوزاعي وأحمد بن حنبل.
وقال الثوري إذا قال الإمام من جاء برأسٍ فله كذا، ومن أخذ شيثا فهو له ومن جاء بأسير فله كذا جاز.
ومن باب نفل السرية تخرج من العسكر
قال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا الوليد عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر، قال بعثنا رسول الله ﷺ في جيش قِبَل نجد وانبعث سرية من الجيش فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيراً، إثني عشر بعيراً ونفّل أهل السرية بعيرا بعيرا، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر ثلاثة عشر.
قلت في هذا من الفقه أن السرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة فإنها تكون مشتركة بينهم وبين الجيش لأنهم ردءٌ لهم.
واختلفوا في هذه الزيادة التي هي النفل من أين أعطاهم إياها فكان ابن المسيب يقول إنما ينفل الإمام من الخمس، يَعني سهم النبي ﷺ وهوخمس الخمس من الغنيمة وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو عبيد وذلك أن النبي ﷺ كان يضعه حيث أراه الله في مصالح أمر الدين ومعاون المسلمين.
стр. 627
قال الشافعي فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم وقل من بإزائهم من المسلمين نفل منه الإمام اتباعاً للسنة وإذا لم يكن ذلك لم ينفل.
وقال أبو عبيد الخمس مفوض إلى الإمام ينفل منه إن شاء، ومن ذلك قول النبي ﷺ ما لي مما أفاء الله عليكم إلاّ الخمس والخمس مردود عليكم.
وقال غيرهم إنما كان النبي ﷺ ينفلهم من الغنيمة التي يغنمونها كما نفل القاتل السلب من جملة الغنيمة.
قلت وعلى هذا دل أكثر ما روي من الأخبار في هذا الباب.
قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فخرجت معها فأصبنا نعماً كثيراً فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان؛ ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيراً بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعيراً بنفله.
قلت في هذا بيان واضح أن النفل إنما أعطاهم من جملة الغنيمة لا من الخمس الذي هو سهمه ونصيبه، وظاهر حديث ابن عمر أنه أعطاهم هذا النفل قبل الخمس كما نفلهم السلب قبل الخمس، وإلى هذا ذهب أبو ثور.
ومن باب من قال الخمس قبل النفل
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيلن عن يزيد بن يزيد بن جابر الشامي عن مكحول عن زياد بن جارية التميمي عن حبيب بن مسلمة الفهري أنه قال كان رسول الله ﷺ ينفل الثلث بعد الخمس.
стр. 628
قلت وفي هذا الحديث أنه أعطاهم ذلك بعد أن خمس الغنيمة فيشبه والله أعلم أن يكون الأمران معاً جائزين، وفيه أنه قد بلغ بالنفل الثلث.
وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مكحول والأوزاعي لا يجاوز بالنفل الثلث.
وقال الشافعي ليس في النفل حد لا يجاوز وإنما هو إلى اجتهاد الإمام.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان ومحمود بن خالد الدمشقيان المعنى قالا: حَدَّثنا مروان بن محمد حدثنا يحيى بن حمزة قال سمعت أبا وهب يقول سمعت مكحولا يقول كنت عبداً بمصر لامرأة من بني هذيل فأعتقتني فما خرجت من مصر وبها علم إلاّ حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلاّ حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلاّ حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها كل ذلك أسأل عن النفل فلم أجد أحداً يخبرني فيه بشيء حتى لقيت شيخاً يقال له زياد بن جارية التميمي فقلت له هل سمعت في النفل شيئا، قال نعم سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول شهدت النبي ﷺ نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة.
قلت: أخبرني الحسن بن يحيى عن ابن المنذر، وروي هذا الحديث ثم قال قد قيل أن النبي ﷺ إنما فرق بين البدأة والقفول حتى فضل إحدى العطيتين على الأخرى لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم لأنهم وهم داخلون انشط وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو وأجم، وهم عند القفول تضعف دوابهم وهم أشهى للرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم لطول عهدهم بهم وحبهم للرجوع إليهم فنرى أنه زادهم في القفول لهذه العلل.
قلت كلام ابن المنذر في هذا ليس بالبين لأن فحواه يوهم أن معنى الرجعة
стр. 629
هو القفول إلى أوطانهم، وليس هو معنى الحديث، والبدأة إنما هي ابتداء سفر الغزو إذا نهضت سرية من جملة العسكر فأوقعت بطائفة العدو. فما غنموا كان لهم منه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه. فإن قفلوا من الغزاة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث لأن نهوضهم بعد القفل أشق والخطر فيه أعظم.
ومن باب السرية ترد على أهل العسكر
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر حدثني هشيم عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم؛ يرد مُشدهم على مُضعفهم، ومتسريهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده.
قلت قوله تتكافأ دماؤهم معناه أن أحرار المسلمين دماؤهم متكافئة في وجوب القصلص والقود لبعضهم من بعض لا يفضل منهم شريف على وضيع. فإذا كان المقتول وضيعا وجب القصاص على قاتله. إن كان شريفا لم يسقط القود عنه شرفه، وإن كان القتيل شريفا لم يقتص له إلاّ من قاتله حسب.
وكان أهل الجاهلية لا يرضون في دم الرجل الشريف بالاستقادة من قاتله ولا يرونه بَوآءً به حتى يقتصوا من عدة من قبيلة القاتل فأبطل الإسلام حكم الجاهلية وجعل المسلمين على التكافؤ في دمائهم وإن كان بينهم تفاضل وتفاوت في معنى آخر.
стр. 630
وقوله يسعى بذمتهم أدناهم، يريد أن العبد ومن كان في معناه من الطبقة الدنيا كالنساء والضعفاء الذين لا جهاد عليهم إذا أجاروا كافراً أمضي جوارهم ولم تخفر ذمتهم.
وقوله ويجير عليهم أقصاهم معناه أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار إذا عقد للكافر عقداً لم يك لأحد منهم أن ينقضه وإن كان أقرب دارا من المعقود له.
قلت وهذا إذا كان العقد والذمة منه لبعض الكفار دون عامتهم فإنه لا يجوز له عقد الأمان لجماعتهم، وإنما الأمر في بذل الأمان وعقد الذمة للكافة منهم إلى الإمام على سبيل الاجتهاد وتحري المصلحة فيه دون غيره. ولوجعل لأفناء الناس ولآحادهم أن يعقدوا لعامة الكفار كلما شاؤوا صار ذلك ذريعة إلى إبطال الجهاد وذلك غير جائز.
وقوله وهم يد على من سواهم فإن معنى اليد المعاونة والمظاهرة إذا استنفروا وجب عليهم النفير وإذا استنجدوا انجدوا ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا والمُشِد المقوي والمضعف من كانت دوابه ضعافاً، وجاء في بعض الحديث المضعف أمير الرفقة. يريد أن الناس يسيرون بسير الضعيف لا يتقدمونه فيتخلف عنهم ويبقى بمضيعة والمتسري هو الذي يخرج في السرية، ومعناه أن يخرج الجيش فينيخوا بقرب دار العدو ثم ينفصل منهم سرية فيغنموا فإنهم يردون ما غنموه على الذين هم ردء لهم لا ينفردون به، فأما إذا كان خروج السرية من البلد فأنهم لا يردون على المقيمين في أوطانهم شيئا.
وقوله لا يقتل مؤمن بكافر فإنه قد دخل فيه كل كافر له عهد وذمة أو لا عهد له ولا ذمة.
стр. 631
وقوله ولا ذو عهد في عهده فإن العهد للكفار على ضربين، أحدهما عهد متأبد كمن حقن دمه للجزية، والآخر من كان له عهد إلى مدة فإذا انقضت تلك المدة عاد مباح الدم كما كان.
وقد تأوله من ذهب من الفقهاء إلى أن المسلم يقتل بالذمي على أن قوله ولا ذو عهد في عهده معطوف على قوله لا يقتل مؤمن بكافر ويقع في الكلام على مذهبه تقديم وتأخير فيصير كأنه قال لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال الشافعي لا يقتل مسلم بوجه من الوجوه بأحد من الكفار على ظاهر الحديث وعمومه قال وقوله لا يقتل مسلم بكافر كلام تام بنفسه، ثم قال على أثره ولا ذو عهد في عهده أي لا يقتل معاهد ما دام في عهده، قال وإنما احتيج إلى أن يجري ذكر المعاهد ويؤكد تحريم دمه هاهنا لأن قوله لا يقتل مؤمن بكافر قد يوهم ضعفاً وتوهينا لشأنه ويوقع شبهة في دمه فلا يؤمن أن يستباح إذا علم أن لا قود على قاتله فوكد تحريمه بإعادة البيان لئلا يعرض الاشكال في ذلك.
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال أغار عبد الرحمن بن عيينة على إيل رسول الله ﷺ فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل فجعلت وجهي قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات يا صباحاه ثم اتبعت القوم فجعلت ارمي واعقرهم وساق الحديث والقصة إلى أن قال ثم جئت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم عنه ذو قرد قال ونبي الله ﷺ في خمسمائة فأعطاني سهم الفارس والراجل.
стр. 632
قوله حلأتهم عنه معناه طردتهم عنه وأصله الهمز، يقال حلأت الرجل عن الماء إذا منعته الورود؛ ورجل محلأ أي مذود عن الماء مصدود عن وروده، ومنه قول الشاعر:
لحائِم حام حتى لا حراك به محلأ!!! ... عن سبيل الماء مطرود
وقوله أعطاني سهم الفارس والراجل فإنه يشبه أن يكون إنما أعطاه من الغنيمة سهم الراجل حسب. لأن سلمة كان راجلاً في ذلك اليوم وأعطاه الزيادة نفلاً لما كان من حسن بلاءه.
ومن باب يستجن بالإمام في العهد
قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إنما الإمام جنة يقاتل به.
قلت معناه أن الإمام هو الذي يعقد العهد والهدنة بين المسلمين وبين أهل الشرك فإذا رأى ذلك صلاحاً وهادنهم فقد وجب على المسلمين أن يجيزوا أمانه وأن لا يعرضوا لمن عقد لهم في نفس أومال، ومعنى الجنة العصمة والوقاية وليس لغير الإمام أن يجعل الأمة بأسرها من الكفار أماناً، وإنما معنى قوله ﷺ يسعى بذمتهم أدناهم أن يكون ذلك في الأفراد والآحاد أو في أهل حصن أو قلعة ونحوها. فأما أن يجوز ذلك في جيل وأمة منهم فلا يجوز. وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو عن بكير بن الأشج عن الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع أخبره أنه قال بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ فلما رأيته ألقي في قلبي الإسلام فقلت يا رسول الله والله إني لا أرجع إليهم أبداً فقال إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد
стр. 633
ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع قال فذهبت ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت.
قلت قوله لا أخيس بالعهد معناه لا أنقض العهد ولا أفسده من قولك خاس الشيء في الوعاء إذا فسد.
وفيه من الفقه أن العقد يرعى مع الكافر كما يرعى مع المسلم وأن الكافر إذا عقد لك عقد أمان فقد وجب عليك أن تؤمنه وأن لا تغتاله في دم ولا مال ولا منفعة.
وقوله لا أحبس البرد فقد يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابا والجواب لا يصل إلى المرسل إلاّ على لسان الرسول بعد انصرافه فصار كأنه عقد له العهد مدة مجيئه ورجوعه والله أعلم.
ومن باب ما يسير في العهد
نحو عدو ليقرب منهم فيغير بعد المدة عليهم
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة، عَن أبي الفيض عن سُليم بن عامر عن رجل من حمير، قال كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء فرجع معاوية.
الأمد الغاية، قال النابغة:
سبْق الجواد إذا استولى على الأمد
стр. 634
ومعنى قوله ينبذ إليهم على سواء أي يعلمهم أنه يريد أن يغذوهم وأن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع فيكون الفريقان في ذلك على السواء.
وفيه دليل على أن العهد الذي يقع بين المسلمين وبين العدو ليس بعقد لازم لا يجوز القتال قبل انقضاء مدته، ولكن لا يجوز أن يفعل ذلك إلاّ بعد الإعلام به والإنذار فيه، ويشبه أن يكون عمرو إنما كره مسير معاوية إلى ما يتاخم بلاد العدو والإقامة بقرب دارهم من أجل أنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة كالمشروط مع المدة المضروبة في أن لا يغزوهم فيها فيأمنونه على أنفسهم. فإذا كان مسيره إليهم في أيام الهدنة حتى ينيخ بقرب دارهم كان إيقاعه بهم قبل الوقت الذي يتوقعونه فكان ذلك داخلا عند عمرو في معنى الغدر.
ومن باب الرسل
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان، عَن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرّب أنه أتى عبد الله بن مسعود فقال ما بيني وبين أحد من العرب حِنة وإني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم فاستتابهم غير ابن النواحة فقال له سمعت رسول الله ﷺ يقول لولا أنك رسول لضربت عنقك فأنت اليوم لست برسول فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه بالسوق، ثم قال من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلاً بالسوق.
قوله حنة يريد الوتر والضغن واللغة الفصيحة احنة بالهمز قال الشاعر:
إذا كان في نفس ابن عمك احنة...... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها
ويقال فلان مواحن لفلان إذا كان مضمراً له على عداوة، ويشبه أن يكون
стр. 635
مذهب ابن مسعود في قتله من غير استتابة أنه رأى قول النبي ﷺ لولا أنك رسول لضربت عنقك حكما منه بقتله لولا علة الرسالة، فلما ظفر به وقد ارتفعت العلة أمضاه فيه ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين.
وفيه حجة لمذهب مالك في قتل المستسر بالكفر وترك استابته ومعلوم أن هؤلاء لا يمكنهم إظهار الكفر بالكوفة في مسجدهم وهي دار الإسلام، وإنما كانوا يستبطنون الكفر ويسرون الإيمان بمسيلمة فاطلع على ذلك منهم حارثة فرفعهم إلى عبد الله وهو وال عليها فاستتاب قوما منهم وحقن بالتوبة دماءهم ولعلهم قد كانت داخلتهم شبهة في أمر مسيلمة ثم تبينوا الحق فراجعوا الدين فكانت توبتهم مقبولة عند عبد الله، ورأى أن أمر ابن النواحة بخلاف ذلك لأنه كان داعية إلى مذهب مسيلمة فلم يعرض عليه التوبة ورأى الصلاح في قتله.
وإلى نحو من هذا ذهب بعض العلماء في أمر هولاء القرامطة الذين يلقبون بالباطنية.
وأما قوله لولا أنك رسول لضربت عنقك فالمعنى في الكف عن دمه أن الله سبحانه قال ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ فحقن له دمه حتى يبلغ مأمنه ويعود بجواب ما أرسل به فتقوم به الحجة على مرسله.
ومن باب أمان المرأة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا وهب أخبرني عياض بن عبد الله عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس قال حدثتني أم هانئ بنت أبي
следующие страницы →