Полный текст (1 377 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وقوله ولا ذو عهد في عهده فإن العهد للكفار على ضربين، أحدهما عهد متأبد كمن حقن دمه للجزية، والآخر من كان له عهد إلى مدة فإذا انقضت تلك المدة عاد مباح الدم كما كان.
وقد تأوله من ذهب من الفقهاء إلى أن المسلم يقتل بالذمي على أن قوله ولا ذو عهد في عهده معطوف على قوله لا يقتل مؤمن بكافر ويقع في الكلام على مذهبه تقديم وتأخير فيصير كأنه قال لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال الشافعي لا يقتل مسلم بوجه من الوجوه بأحد من الكفار على ظاهر الحديث وعمومه قال وقوله لا يقتل مسلم بكافر كلام تام بنفسه، ثم قال على أثره ولا ذو عهد في عهده أي لا يقتل معاهد ما دام في عهده، قال وإنما احتيج إلى أن يجري ذكر المعاهد ويؤكد تحريم دمه هاهنا لأن قوله لا يقتل مؤمن بكافر قد يوهم ضعفاً وتوهينا لشأنه ويوقع شبهة في دمه فلا يؤمن أن يستباح إذا علم أن لا قود على قاتله فوكد تحريمه بإعادة البيان لئلا يعرض الاشكال في ذلك.
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال أغار عبد الرحمن بن عيينة على إيل رسول الله ﷺ فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل فجعلت وجهي قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات يا صباحاه ثم اتبعت القوم فجعلت ارمي واعقرهم وساق الحديث والقصة إلى أن قال ثم جئت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم عنه ذو قرد قال ونبي الله ﷺ في خمسمائة فأعطاني سهم الفارس والراجل.
стр. 632
قوله حلأتهم عنه معناه طردتهم عنه وأصله الهمز، يقال حلأت الرجل عن الماء إذا منعته الورود؛ ورجل محلأ أي مذود عن الماء مصدود عن وروده، ومنه قول الشاعر:
لحائِم حام حتى لا حراك به محلأ!!! ... عن سبيل الماء مطرود
وقوله أعطاني سهم الفارس والراجل فإنه يشبه أن يكون إنما أعطاه من الغنيمة سهم الراجل حسب. لأن سلمة كان راجلاً في ذلك اليوم وأعطاه الزيادة نفلاً لما كان من حسن بلاءه.
ومن باب يستجن بالإمام في العهد
قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إنما الإمام جنة يقاتل به.
قلت معناه أن الإمام هو الذي يعقد العهد والهدنة بين المسلمين وبين أهل الشرك فإذا رأى ذلك صلاحاً وهادنهم فقد وجب على المسلمين أن يجيزوا أمانه وأن لا يعرضوا لمن عقد لهم في نفس أومال، ومعنى الجنة العصمة والوقاية وليس لغير الإمام أن يجعل الأمة بأسرها من الكفار أماناً، وإنما معنى قوله ﷺ يسعى بذمتهم أدناهم أن يكون ذلك في الأفراد والآحاد أو في أهل حصن أو قلعة ونحوها. فأما أن يجوز ذلك في جيل وأمة منهم فلا يجوز. وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو عن بكير بن الأشج عن الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع أخبره أنه قال بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ فلما رأيته ألقي في قلبي الإسلام فقلت يا رسول الله والله إني لا أرجع إليهم أبداً فقال إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد
стр. 633
ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع قال فذهبت ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت.
قلت قوله لا أخيس بالعهد معناه لا أنقض العهد ولا أفسده من قولك خاس الشيء في الوعاء إذا فسد.
وفيه من الفقه أن العقد يرعى مع الكافر كما يرعى مع المسلم وأن الكافر إذا عقد لك عقد أمان فقد وجب عليك أن تؤمنه وأن لا تغتاله في دم ولا مال ولا منفعة.
وقوله لا أحبس البرد فقد يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابا والجواب لا يصل إلى المرسل إلاّ على لسان الرسول بعد انصرافه فصار كأنه عقد له العهد مدة مجيئه ورجوعه والله أعلم.
ومن باب ما يسير في العهد
نحو عدو ليقرب منهم فيغير بعد المدة عليهم
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة، عَن أبي الفيض عن سُليم بن عامر عن رجل من حمير، قال كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء فرجع معاوية.
الأمد الغاية، قال النابغة:
سبْق الجواد إذا استولى على الأمد
стр. 634
ومعنى قوله ينبذ إليهم على سواء أي يعلمهم أنه يريد أن يغذوهم وأن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع فيكون الفريقان في ذلك على السواء.
وفيه دليل على أن العهد الذي يقع بين المسلمين وبين العدو ليس بعقد لازم لا يجوز القتال قبل انقضاء مدته، ولكن لا يجوز أن يفعل ذلك إلاّ بعد الإعلام به والإنذار فيه، ويشبه أن يكون عمرو إنما كره مسير معاوية إلى ما يتاخم بلاد العدو والإقامة بقرب دارهم من أجل أنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة كالمشروط مع المدة المضروبة في أن لا يغزوهم فيها فيأمنونه على أنفسهم. فإذا كان مسيره إليهم في أيام الهدنة حتى ينيخ بقرب دارهم كان إيقاعه بهم قبل الوقت الذي يتوقعونه فكان ذلك داخلا عند عمرو في معنى الغدر.
ومن باب الرسل
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان، عَن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرّب أنه أتى عبد الله بن مسعود فقال ما بيني وبين أحد من العرب حِنة وإني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم فاستتابهم غير ابن النواحة فقال له سمعت رسول الله ﷺ يقول لولا أنك رسول لضربت عنقك فأنت اليوم لست برسول فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه بالسوق، ثم قال من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلاً بالسوق.
قوله حنة يريد الوتر والضغن واللغة الفصيحة احنة بالهمز قال الشاعر:
إذا كان في نفس ابن عمك احنة...... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها
ويقال فلان مواحن لفلان إذا كان مضمراً له على عداوة، ويشبه أن يكون
стр. 635
مذهب ابن مسعود في قتله من غير استتابة أنه رأى قول النبي ﷺ لولا أنك رسول لضربت عنقك حكما منه بقتله لولا علة الرسالة، فلما ظفر به وقد ارتفعت العلة أمضاه فيه ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين.
وفيه حجة لمذهب مالك في قتل المستسر بالكفر وترك استابته ومعلوم أن هؤلاء لا يمكنهم إظهار الكفر بالكوفة في مسجدهم وهي دار الإسلام، وإنما كانوا يستبطنون الكفر ويسرون الإيمان بمسيلمة فاطلع على ذلك منهم حارثة فرفعهم إلى عبد الله وهو وال عليها فاستتاب قوما منهم وحقن بالتوبة دماءهم ولعلهم قد كانت داخلتهم شبهة في أمر مسيلمة ثم تبينوا الحق فراجعوا الدين فكانت توبتهم مقبولة عند عبد الله، ورأى أن أمر ابن النواحة بخلاف ذلك لأنه كان داعية إلى مذهب مسيلمة فلم يعرض عليه التوبة ورأى الصلاح في قتله.
وإلى نحو من هذا ذهب بعض العلماء في أمر هولاء القرامطة الذين يلقبون بالباطنية.
وأما قوله لولا أنك رسول لضربت عنقك فالمعنى في الكف عن دمه أن الله سبحانه قال ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ فحقن له دمه حتى يبلغ مأمنه ويعود بجواب ما أرسل به فتقوم به الحجة على مرسله.
ومن باب أمان المرأة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا وهب أخبرني عياض بن عبد الله عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس قال حدثتني أم هانئ بنت أبي
стр. 636
طالب أنها أجارت رجلاً من المشركين يوم الفتح فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال قد أجرنا من أجرت وأمّنا من امّنت.
قلت في هذا حجة لمن ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة لأنه لو كان صلحا لوقع به الأمان العام فلم يحتج إلى إجارة أمان أم هانىء ولا إلى تجديد الأمان من رسول الله ﷺ .
وأجمع عوام أهل العلم أن أمان المرأة جائز وكذلك قال أكثر الفقهاء في أمان العبد؛ غير أن أصحاب الرأي فرقوا بين العبد الذي يقاتل والذي لا يقاتل فأجازوا أمانه إن كان ممن يقاتل ولم يجيزوا أمانه إن كان لم يقاتل، فأما أمان الصبي فأنه لا ينعقد لأن القلم مرفوع عنه.
ومن باب صلح العدو
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثه عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة وذكر قصة الحديبية ومصالحة النبي ﷺ قريشاً.
قلت اختصر أبو داود هذا الحد اختصاراً ذهب فيه شطر من فوائد هذا الحديث فرأيت أن أذكر الحديث والقصة على وجهها وأبين ما فيها من السنن والمعاني ليستفاد علمه ويحصر نفعه والله الموفق له.
أخبرنا محمد بن هاشم حدثنا الدَبري عن عبد الرزاق عن معمر أخبرني الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما صاحبه قالا خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه
стр. 637
حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش وسار رسول الله ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريباً من عُسفان أتاه عينه الخزاعي فقال إن كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعاً كثيرة وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي ﷺ أشيروا عليّ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن نجوا يكن عنقاً قطعها الله أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال أبو بكر ﵁ يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه قال رسول الله ﷺ فروحوا إذاً.
قال معمر قال الزهري وكان أبو هريرة يقول ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ .
قال الزهري في حديث المسور ومروان بن الحكم فراحوا وساق الحديث قال وسار رسول الله ﷺ حتى إذا كانوا بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس حَل حل فقال خلأت القصواء وما كان لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت به قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمدَ قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضاً فلم يلبث الناس أن نزحوه فشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم
стр. 638
أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه
فبيناهم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي اعداد مياه الحديبية معهم العُوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله ﷺ إنا لم نجىء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب واضرت بهم فإن شاؤوا هادنتُهم مدة طويلة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا قد جموا وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره، فقال بُديل بن ورقاء سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا وساق الحديث إلى أن ذكر مجيء عروة بن مسعود إلى رسول الله ﷺ قال فجعل يكلم النبي ﷺ إلى أن قال له قد والله أرى وجوهاً وأوشاباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال أبو بكر ﵁ امصص ببظر اللات انحن نفر منه وندعه، فقال من ذا فقالوا أبوبكر، فقال أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر فكلما اهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال أي غُدَراء ولست أسعى في غدرتك، وكان المغيرة قد صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم
стр. 639
فقال النبي ﷺ أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء،
ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ بعينيه قال فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نُخامة إلاّ وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره؛ وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليم تعظيماً له، قال فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم وذكر القصة إلى أن قال اهم أنه، يَعني النبي ﷺ قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه وساق الحديث إلى أن قال فبينا مِكرز بن حفص يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، وقال معمر قال أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي ﷺ قد سهل لكم من أمركم، قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا الكاتب فقال رسول الله ﷺ اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون والله لا نكتبها إلاّ بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي ﷺ اكتب باسمك اللهم ثم قال هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي ﷺ أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب قال سهيل وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك الا رددته إلينا فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً فبينا هو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين
فقال سهيل
стр. 640
هذا أول ما نقايضك عليه أن ترده إليّ فقال النبي ﷺ انا لم نقض الكتاب بعد قال فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً قال النبي ﷺ فأجره لي قال ما أنا بمجير لك قال بلى قال فافعل قال ما أنا بفاعل فقال مكرز بلى قد أجرناه لك فقال أبو جندل أي معاشر المسلمين أُردُ إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله فقال عمر بن الخطاب والله ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ فأتيت النبي ﷺ فقلت له ألست نبي الله حقاً قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدِنْيةَ في ديننا إذاً قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أو لست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف به قال بلى افأخبرتك إنك تأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه ومطوف به قال فأتيت أبا بكر، يَعني فقلت له مثل مقالتي لرسول الله ﷺ فقال أيها الرجل أنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى الحق وساق الحديث إلى أن قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يا نبي الله أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ [الممتحنة: ١٠]
стр. 641
حتى بلغ [بعصم الكوافر] فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج أحدهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية،
ثم رجع رسول الله إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا العهد الذي جعلت لنا فدفعه النبي ﷺ إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فأخذ أبو بصير سيف أحدهما فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ حين رآه لقد رأى هذا ذُعراً، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير، فقال يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سِيف البحر قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلاّ لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، قال فوالله ما يسمعون بعير لقريش إلى الشام إلاّ اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم وأرسلت قريش إلى النبي ﷺ يناشدونه الله والرحم إلاّ أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل الله تعالى ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم﴾ [الفتح: ٢٤] حتى بلغ ﴿حمية الجاهلية﴾ [الفتح: ٢٦] وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بأنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين البيت.
قلت جمع هذا الحديث أنواعا من السنن والآداب وضروباً من الفقه والأحكام وقد تكلم عليها بعض أهل العلم ففسر بعضها وترك بعضها ونحن نقول في ذلك بمبلغ علمنا ومن الله التوفيق.
стр. 642
قوله حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة فيه بيان أن ذا الحليفة ميقات أهل المدينة لمن أراد أن يحج أو يعتمر، وفيه بيان أن تقليد الهدي سنة سواء كان عن واجب أو عن نفل. وفيه أن الإشعار سنة وأنه ليس من باب ما نهي عنه من المثلة وقد تكلمنا في هذا في كتاب المناسك.
وقوله وبعث بين يديه عينا له من خزاعة فيه استحباب تقديم الطلائع وبعث العيون بين يدي الجيوش والأخذ بالحزم والاحتياط في أمرالعدو لئلا ينالوا فرصة فيهجموا على المسلمين في حال غرة وأوان غفلة. وفيه أن النبي ﷺ أرسل الخزاعي وبعثه عينا ثم صدقه في قوله وقبل خبره وهو كافر وذلك لأن خزاعة كانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ مؤمنهم وكافرهم احلف كانت بينهم في الجاهلية ولعله أيضاً لم يجد من المسلمين من ينوب عنه في تعرف الخبروالتجسس والبحث عن أمر العدو. ثم أن ذلك أمر لا يكاد يتحققه إلا من لابس العدو وداخلهم واستبطن سرهم وهذا المعنى متعذر وجوده غالباً في المسلمين.
وفيه دليل على جواز قبول قول المتطبب الكافر فيما يخبر به عن صفة العلة ووجه العلاج إذا كان غير متهم فيما يصفه وكان غير مظنون به الريبة في ذلك.
وقوله وجمعوا لك الأحابيش فإن الأحابيش يقال إنهم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشاً والتحبش التجمع.
وفي قوله لأصحابه اشيروا عليّ دليل على استحباب استشارة ذوي الرأي والنصح في الأمور المهمة، وقد كان ﷺ يستعملها كثيراً فيما لم ينزل عليه فيه وحي. وقد يحتمل أن يكون ذلك ليستن به من بعده في حوادث الأمر فينالوا بركتها وينكشف لهم وجه الرأي الملتبس فيها.
стр. 643
وفي قوله أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم دليل على جواز سبي ذراري المشركين قبل قتال الرجال.
وفي قوله أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه دايل على جواز قتال المحرم من صده عن البيت ومنعه عن بلوغ النسك. وفي القصة أيضاً دليل على أن العدو الذي يريد أن يصدك عن الحج إذا كان كافرا فأنه يجوز ترك الاشتغال بقتاله وطلب الخلاص من يده.
فأما إذا كان الصاد لك مسلما فقد قال بعض العلماء يجوز قتاله وتركه أولى.
وقوله بركت به راحلته فقال الناس حَلْ حل فإنه كلمة معناها الزجر، يقال في زجر البعير حل بالتخفيف؛ ويقال حَلْحَلتُ الإيل إذا زجرتها لتنبعث.
وفي قوله فالحت يريد أنها لزمت المكان فلم تنبعث ويقال تلحلح الرجل بالمكان إذا لزمه فلم يبرح وتحلحل عنه إذا زال وفارقه. وأما قوله خلأت القصواء فإن الخلاء في الإبل كالحران في الخيل، ومنه قول زهير:
بارزة الفقارة لم يخنها ... ...قطاف في الركاب ولا خِلاء
والقصواء اسم ناقته وكانت مقصوة الأذن وهو أن يقطف طرفاً من الأذن يقال ناقة قصواء ولم يقولوا جمل اقصى ومعناه المقصوة جاء بلفظ فاعل ومعناه مفعول.
وقوله ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل يريد أن الخِلاء لم يكن لها بخلق فيما مضى ولكن الله حبسها عن دخول مكة كما حبس الفيل حين جاء به أبرهة الحبشي يريد هدم الكعبة واستباحة الحرم، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك وفي التمثيل بحبس الفيل أن أصحابه لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم وأريق فيه دماء وكان منه الفساد والفناء، ولعل الله سبحانه قد
стр. 644
سبق في علمه ومضى في قضائه أنه سيسلم جماعة من أولئك الكفار في غابر الزمان وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون يعبدون الله ويوحدونه فلو استبيحت مكة وأتى القتل عليهم لانقطع ذلك النسل ولبطلت تلك العواقب.
وقوله والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها يريد والله أعلم المصالحة والجنوح إلى المسالمة وترك القتال في الحرم والكف عن إراقة الدم فيه وهو معنى تعظيم حرمات الله.
وقوله حتى نزل على ثمد فالثمَد الماء القليل، ويقال ماء مثمود إذا كثر عليه الشفاه حتى يفنى وينزف.
وقوله نتبرضه تبرضاً؛ معناه نأخذه قليلا قليلا، والبرْض اليسير من العطاء.
وقوله ما زال يجيش لهم بالري معناه يفور ماؤه ويرتفع كما يجيش المرجل بما فيه.
قوله وكان عيبة نصح رسول الله ﷺ يريد أنه موضع سر رسول الله ﷺ والثقة الذي يستنصحه ويأتمنه على أمره، وذلك أن الرجل إنما يودع عيبته حر المتاع ومصون الثياب ونحو ذلك فوقع التشبيه له بالعيبة من أجل ذلك.
وقوله العُوذ المطافيل، فإن معنى العوذ الحديثات النتاج يقال لواحدتها عائذ والمطافيل الأمهات التي معها أطفالها يريد أن هذه القبائل قد احتشدت لحربك ومقارعتك فساقت أموالها مع أنفسها.
وقوله نهكتهم الحرب أي أبلغت فيهم واضرت بهم ومن ذلك قولهم نهكته الحمى إذا هزلته وأنحلته. وقوله جَمُوا يريد الجمام والاستراحة. وقوله حتى تنفرد سالفتي، معناه حتى تبين رقبتي، والسالفة مقدمة العنق وسالف كل شيء أوله ومنه سلافة الخمر وهي ما يعصر أولاً منها.
стр. 645
وقوله إني أرى وجوها وأوشاباً من الناس فإن الأوشاب الأخلاط من الناس يقال هم أوشاب وإشابات إذا كانوا من قبائل شتى مختلفين؛ وفي قول أبي بكر ﵁ حين ذكر اللات وسبها ما يدل على أن التصريح باسم الأعضاء التي هي عورات وذكرها عند الحاجة إليه ليس من الفحش ولا قائله خارج عن حد العدالة والمروءة، وقد قال رسول الله ﷺ من تعز بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا.
وأما مس عروة بن مسعود لحية رسول الله ﷺ في أثناء مخاطبته وتناوله إياها بيده فإن ذلك شكل من أشكال العرب وعادة من عاداتهم يفعل الرجل ذلك بصاحبه إذا حدثه ويجري ذلك مجرى الملاطفة من بعضهم، وكان ﷺ لا يدفعه عن ذلك استمالة لقلبه ولما كان يرجوه من إسلامه ثم هداه الله بعد فحسن إسلامه وكان رئيسا في ثقيف وكان المغيرة بن شعبة يمنعه من ذلك الفعل تعظيما لرسول الله ﷺ وتوقيراً له وإجلالا لقدره. وإنما يفعل الرجل ذلك لنظيره وخليطه المساوي له في الدرجة والمنزلة.
قال أبو سليمان وفي قيام المغيرة على رأس رسول الله ﷺ دليل على أن إقامة الرئيس الرجال على رأسه في مقام الخوف ومواطن الحروب جائز، وأن الذي نهى عنه وتوعد فيه من قوله ﷺ من أراد أن يَمْثُل له الرجال صفوفا فليتبوأ مقعده من النار. إنما هو فيمن فعل ذلك قاصداً به الكبر وذاهبا فيه مذاهب النخوة والجبرية.
وقوله أي غدر فهو نعت ينعت الرجل به عند المبالغة في الغدر.
стр. 646
وفي قوله ﷺ للمغيرة أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء دليل على أن أموال أهل الشرك وإن كانت مباحة للمسلمين مغنومة إذا أخذوها منهم قهراً فإنها ممنوعة بالأمان لهم مردودة إلى أربابها إذا أخذت في حال المسالمة والأمان وذلك أن المغيرة إنما صحبهم صحبة الرفقاء في الأسفار والرفيق في السفر يأمن رفيقه على نفسه وماله فكان ما أتاه المغيرة من سفك دمائهم وأخذ أموالهم غدراً منه والغدر محظور غير جائز والأمانة مؤداة إلى البر والفاجر.
وفي قوله ما يتنخم نخامة إلاّ وقعت في يد رجل دليل على طهارة النخامة والبزاق. وفيه دليل على طهارة الماء الذي يتطهر به وهو الماء المستعمل.
وفي قوله حين جاء سهيل قد سهل لكم من أمركم دليل على استحباب التفاؤل بالاسم الحسن وإنما المكروه من ذلك الطيرة وهو التشاؤم.
وفي امتناع سهيل بن عمرو على رسول الله ﷺ أن يصدر كتاب الصلح ببسم الله الرحمن الرحيم ومطالبته إياه أن يكتب باسمك اللهم ومساعدة رسول الله ﷺ إياه على ذلك باب من العلم فيما يجب من استعمال الرفق في الأمور ومداراة الناس فيما لا يلحق دين المسلم به ضرر ولا يبطل معه لله سبحانه حق، وذلك إن معنى باسمك اللهم هو معنى بسم الله الرحمن الرحيم وإن كان فيها زيادة ثناء. قال النحويون اللهم يجمع نداء ودعاء كأنه يقول يا الله أُمَّ بنا خيراً أو أمنا بخير وما أشبه ذلك فحذف بعض الحروف لما كثر استعماله في كلامهم إرادة التخفف واختصاراً للكلام، وكذلك المعنى في تركه أن يكتب محمد رسول الله واقتصاره على أن يكتب محمد بن عبد الله لأن انتسابه إلى أبيه عبد الله لا ينفي نبوته ولا يسقط رسالته، وفي إجابته ﷺ إياهم إلى ذلك أن يرد إلى الكفار
стр. 647
من جاءه منهم مسلما دليل على جواز أن يقر الإمام فيما يصالح عليه العدو ببعض ما فيه الضيم على أهل الدين إذا كان يرجو لذلك فيما يستقبله عاقبة حميدة سيما إذا وافق ذلك زمان ضعف المسلمين عن مقاومة الكفار وخوفهم الغلبة منهم.
وقد تكلم العلماء في هذا الباب وتأولوا ما كان من رده أبا جندل بن سهيل إليهم على وجهين أحدهما أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك على نفسه ورخص له أن يتكلم بالكفر مع التورية وإضمار الإيمان في رده إليهم إسلاماً له للهلاك مع وجوده السبيل إلى الخلاص منه بما رخص له فيه من التقية.
والوجه الآخر أنه إنما رده إلى أبيه ومعلوم أن أباه لا يقتله ولكن يستبقيه وينتظر به الرُجعي وفي ذلك أمان له وصلاح لعامة المسلمين ودرك لما راموه في عقد الصلح وقصدوه من البغية فيه وكذلك الأمر في رد أبي بصير إليهم وذلك أنه كان يأوي إلى عشيرة يذبون عنه وموالي يحامون عليه، فأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان يبتلي الله به صبر عباده ليثيب المجتهدين ويمحص بذلك ما في صدور المسلمين وهو أعلم بالسرائر ولله عاقبة الأمور.
وفي مراجعة عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ ومحاجته إياه في رده أبا جندل بن سهيل وقد جاء مسلما وتعجبه من ذلك الصنيع وضيق صدره بما خفي عليه من حكمته ولم يدركه من علم مغيبه وفيما كان من جواب أبي بكر إياه وخروج قوله في ذلك مطابقا لجواب رسول الله ﷺ دليل واضح على أن أبا بكر أعلم الناس برسول الله ﷺ وأعرفهم بمعاني أموره وأشدهم اطلاعاً على ما في نفسه وإنما كانت تلك المحاجة والمساءلة من عمر على وجه الكشف عن الشبهة وعلى سبيل الاستبانة لوجه الحكمة فيما شاهده من ذلك الصنيع ولم يكن ذلك منه
стр. 648
اعتراضاً على رسول الله ﷺ ولا اتهاماً له في شيء كان منه، وإنما حرك عمر على ذلك القول شدة حرصه على قوة أمر الدين وغلبة محبته أن يكون الظهور والغلبة للمسلمين، وفي قوله ﷺ لعمر افخبرتك أنك تأتيه العام وجوابه عنه بلا، وقوله فإنك آتيه ومطوف به دليل على أن من حلف بالله ليفعلن كذا وليطلقن امرأته من غير تحديد له بوقت معلوم أنه لا يحنث مدى عمره ما عاش.
وفي قوله هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله دليل على إغفال من زعم أنه لا يصح أن يكتب في كتب الشروط هذا ما اشترى فلان بن فلان وهذا ما شهد عليه الشهود لزعمه أن ما هاهنا بمعنى الجحد وهو يبطل العقد.
قلت وهذا شيء قاله بعض الفقهاء من المتأخرين وليس الأمر كما توهمه وجل ما في هذا الموضع محل الاخبار لا محل الجحد.
ومعنى قوله قاضى أي فصل الأمر بالقضاء والأحكام له ووزنه فاعل من قضيت الشيء، وفي أمر رسول الله ﷺ أصحابه بعد فراغه من الكتاب أن ينحروا ويحلقوا رؤ وسهم دليل على أن من أحرم بحج أو عمرة فأحصر بعدو فإنه ينحر الهدي مكانه ويحل وإن لم يكن بلغ هديه الحرم والموضع الذي نحر رسول الله ﷺ هديه فيه بالحديبية حِل إذ كان مصدودا عن دخول الحرم. والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿والهدي معكوفاً أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥] .
وقال الشافعي الشجرة التي بايع الناس تحتها رسول الله ﷺ في الحل وبني المسجد في موضعها وموضعها باق، وكان سبب البيعة أن رسول الله ﷺ بعث عثمان إلى أهل مكة فجاء الخبر بأنهم قتلوه فعزم حينئذ على قتالهم وبايعه أصحابه على ذلك تحت تلك الشجرة وهي بيعة الرضوان وهم أصحاب الشجرة وكانوا
стр. 649
ألفا وأربعمائة.
وفي قبول رسول الله ﷺ إشارة أم سلمة عليه بأن يبدأ بنحر هديه وحلق رأسه دليل على جواز مشاورة النساء وقبول قولهن إذا كن مصيبات فيما يشرن به وإنما كان توقف الصحابة عن أمره الأول فلم ينفذوا له انتظاراً أن يحدث الله سبحانه لرسوله ﷺ أمراً خلاف أمره الأول فيتم لهم حُرْمهم وقضاء نسكهم إذ كان لا ينكر في زمانه أن يؤمروا بالشيء ثم يتعقبه النسخ، فلما رأوه قد فعل النحر والحلاق في أمر نفسه علموا أنه ليس وراء ذلك عاقبة تنتظر فبادروا إلى الايتمار لقوله والايتساء بفعله.
وقوله في قصة أبي بصير فضربه بالسيف حتى برد معناه حتى مات وسكنت منه حرارة الحياة وأصل البرد السكون والثبوت.
وقوله ويل أمه مسعر حرب كلمة تعجب يصفه بالمبالغة في الحروب وجودة معالجتها وسرعة النهوض فيها، يقال فلان مسعر حرب إذا كان أول من يوقد نارها ويصلي حرها من قولك سعرت النار إذا أوقدتها، ومنه السعير وهو النار الموقدة.
وفي ترك رسول الله ﷺ رد أبي بصير إليهم وهو بناحية سِيف البحر دليل على أن من جاء منهم (إلى غير دار الإمام فليس عليه رده إليهم وإنما عقدوا الصلح على أن من جاءه منهم) رده إليهم فكان في ذلك دليل على الموضع الذي هو فيه مقيم.
وأما قوله ثم جاءت نسوة مؤمنات فأنزل الله سبحانه فيهن ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية فقد اختلف العلماء في هذا على قولين أحدهما أن النساء لم يدخلن في الصلح، وإنما وقع بينهم على رد الرجال. وهذا
стр. 650
أشبه القولين بالصواب وسل على صحة ذلك قوله في هذه الرواية وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلاّ رددته والقول الآخر أن الصلح كان معقودا بينهم على رد الرجال والنساء معاً لأن في بعض الروايات ولا يأتيك منا أحد إلاّ رددته فاشتمل عمومه على الرجال والنساء، إلاّ أن الله نسخ ذلك بالآية ومن ذهب إلى هذا الوجه أجاز نسخ السنة بالكتاب.
وفيه دليل على أن الإمام إذا شرط في العقد ما لا يجوز فعله في حكم الدين فإن ذلك الشرط باطل وقد قال ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهوباطل.
وفيه على هذا التأويل دليل على جواز وقوع الخطأ من رسول الله ﷺ في بعض الأمور ولكن لا يجوز تقريره عليه.
واختلف في تأويل قوله تعالى ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ [الممتحنة: ١٠] فقال أكثر أهل التفسير معنى النفقة الصدقة.
واختلفوا هل يجب العمل به اليوم أم لا إذا شرطه في معاهدة المشركين؛ فقال قوم لا يجب شيء من ذلك، وزعموا أن الآية منسوخة وإذا سقط هذا الحكم من أصله سقط ما تعلق به من العوض، قال الزهري انقطع ذلك يوم الفتح لا يعاض زوجها منها شيئاً، وكذلك قال عطاء وقتادة.
وقال الثوري لا يعمل به اليوم، وقال قوم الآية غير منسوخة وروي ذلك عن مجاهد ويعوضون.
وقال الشافعي فيها قولان أحدهما سقوط العوض كقول من تقدم، والقول الآخر أن المرأة الحرة من أهل الهدنة إذا جاءت مسلمة مهاجرة من دار الحرب فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض وإذا طلبها زوجها منعها
стр. 651
وأعطي العوض وهو الصداق وذلك إذا كان الزوج قد دفع إليها صداقها ولايعطى شيئاً إن كان لم يدفعه إليها.
واختلفوا في مقدار المدة التي يجوز أن يهادن إليها الكفار. فقال الشافعي أقصاها عشر سنين لا يزاد عليها وما وراءها محظور لأن الله سبحانه أمر بقتال الكفار فاستثنينا ما أباحه رسول الله في قصة الحديبية وما وراء ذلك محظور.
وقال قوم لا يجوز ذلك أكثر من أربع سنين وقال قوم ثلاث سنين لأن الصلح لم يبق فيما بينهم أكثر من ثلاث سنين. ثم أن المشركين نقضوا العهد فخرج رسول الله ﷺ إلى مكة وكان الفتح.
وقال بعضهم ليس لذلك حد معلوم وهو إلى الإمام يفعل ذلك على حسب ما يرى من المصلحة فيه.
قلت كان سبب نقض العهد إن خزاعة كانت حلفاء رسول الله ﷺ فقاتلهم بنو بكر فأعانت قريش بني بكر على خزاعة فنقضوا بذلك العهد.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن إدريس سمعت ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال.
قال الشيخ عيبة مكفوفة المشرجة وهي المشدودة بشرجها والعيبة هاهنا مثل والمعنى أن بيننا صدوراً سليمة وعقائد صحيحة في المحافظة على العهد الذي عقدناه بيننا، وقد يشبّه صدرَ الإنسان الذي هو مستودع وموضع مكنون أمره بالعيبة التي يودعها حر متاعه ومصون ثيابه قال الشاعر:
стр. 652
وكادت عياب الود منا ومنكم ... وإن قيل أبناء العمومة تَصفِر
وقوله لا أسلال ولا أغلال فإن الأسلال من السلة وهي السرقة والأغلال الخيانة، يقال أغل الرجل إذا خان أغلالاً وغل في الغنيمة غلولاً. يقول إن بعضنا يأمن بعضاً في نفسه وماله فلا يتعرض لدمه ولا لماله سراً ولا جراً ولا يخونه في شيء من ذلك.
وقال بعضهم معنى الأغلال لبس الدرع للحرب والأسلال من سل السيف وزيف أبو عبيد هذا القول ولم يرتضه.
ومن باب العدو يؤتى على غرة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال أنا يا رسول الله أتحب أن أقتله قال نعم قال فاذن لي أن أقول شيئاً قال نعم قال فأتاه فقال إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة وقد عنّانا قال وأيضاً لَتَملُّنهُ قال فاتبعناه فنحن نكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين قال كعب أي شيء ترهنوني، قالوا وما تريد منا قال نساءكم، قالوا سبحان الله أنت أجمل العرب نرهنك نساءنا فيكون ذلك عارا علينا، قال فترهنوني أولادكم، قالوا سبحان الله يسب ابن أحدنا فيقال رهنت بوسق أو وسقين، قالوا نرهنك اللامة يريد السلاح، قال نعم فلما أتاه ناداه فخرج إليه وهومتطيب ينضح رأسه فلما أن جلس إليه وقد كان جاء معه بثلاثة نفر أو أربعة فذكروا له فقال عندي فلانة وهي أعطر نساء الناس، فقال تأذن لي فأشم، قال نعم فأدخل يده في رأسه
стр. 653
فشمه فقال أعود قال نعم فأدخل يده في رأسه فلما استمكن منه قال دونكم فضربوه حتى قتلوه.
قلت في هذا من الفقه اسقاط الحرج عمن تأول الكلام فأخبر عن الشيء بما لم يكن إذا كان يريد بذلك استصلاح أمر دينه أو الذب عن نفسه وذويه. ومثل هذا الصنيع جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغرة وأوان الغفلة وكان كعب هذا قد لهج بسب النبي ﷺ وهجائه فاستحق القتل مع كفره بسبه رسول الله ﷺ وقد ذهب معنى ذلك على قوم فتوهموا أن ذلك الصنيع من قتله كان غدرا أو فتكاً، وقد حرم رسول الله ﷺ الفتك.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن حُزابة حدثنا إسحاق، يَعني ابن منصور حدثنا أسباط، يَعني الهمداني عن السدي عن أبيه، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن.
قلت الفتك إنما هو فجأة قتل من له أمان وكان كعب بن الأشرف ممن خلع الأمان ونقض العهد وقد روي لنا في أمره قصة عن بعض من داخلته الشبهة فتوهم أن قتله كان غدراً.
حدثنا الأصم حدثنا بحر بن نصر الخولاني حدثنا ابن وهب أخبرني سفيان بن عيينة عن محمد بن سعيد أخي سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عباية، قال ذكر قتل كعب بن الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين كان قتله غدرا فقال محمد بن مسلمة يا معاوية ايُغدّر عندك رسول الله ﷺ ثم لا تنكر والله
стр. 654
لا يظلني وإياك سقف بيت أبداً ولا يخلو إليَّ دم هذا إلاّ قتلته.
قال الشيخ أبعد الله ابن يامين وقبح رأيه هذا. كان كعب بن الأشرف لعنه الله يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه فعاهده أن لا يعين عليه ولحق بمكة ثم نقض العهد وجاء معلناً بمعاداة رسول الله ﷺ فاستحق القتل لغدره ولنقضه العهد مع كفره.
حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك حدثنا الحسن بن علي بن زياد السري حدثنا ابن أبي أويس حدثنا إبراهيم بن جعفر بن محمود عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله ﷺ أن لا يعين عليه ولا يقاتله ولحق بمكة ثم قدم المدينة معلناً بمعاداة النبي ﷺ فكان أول ما خزع منه قوله:
أذاهبٌ أنت لم تحلل بمرقبَة ... وتارك أنت أمّ الفضل بالحرم
في أبيات يهجوه بها فعند ذلك ندب رسول الله ﷺ إلى قتله.
قال السيخ قوله خزع معناه قطع عهده وفد فسره في كتاب غريب الحديث.
ومن باب الطُروق
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمرو وحدثنا مسلم بن إبراهيم قالا: حَدَّثنا شعبة عن محارب بن دثار عن جابر قال كان رسول الله ﷺ يكره أن يأتي الرجل أهله طروقاً.
قوله طروقا أي ليلا يقال لكل ما أتاك ليلاً طارق، ومنه قوله تعالى ﴿والسماء والطارق﴾ أي النجم لأنه يطرق بطلوعه ليلا.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم حدثنا سيار عن الشعبي عن جابر قال كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فلما تهيأنا لندخل قال امهلوا لكي
стр. 655
تمتشط الشعثة وتستحد المُغِيبة.
قال الشيخ وتستحد أي تصلح من شأن نفسها والاستحداد مشتق من الحديد ومعناه الاحتلاق بالموسى يقال استحد الرجل إذا احتلق بالحديد واستعان بمعناه إذا حلق عانته.
ومن باب كراء المقاسم
قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي حدثنا ابن أبي فديك أخبرنا الزمعي عن الزبير بن عثمان بن عبد الله بن سراقة أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أخبره أن أبا سعيد الخدري أخبره أن رسول الله ﷺ قال إياكم والقُسامة قالوا وما القسامة قال الشيء يكون بين الناس فينتقص منه.
قال الشيخ القسامة مضمومة القاف اسم لما يأخذه القسام لنفسه في القسمة كالنشارة لما ينشر والفصالة لما يفصل والعجالة لما يعجل للضيف من الطعام، وليس في هذا تحريم لأجرة القسام إذا أخذها بإذن المقسوم لهم؛ وإنما جاء هذا فيمن ولى أمر قوم فكان عريفاً عليهم أو نقيباً فإذا قسم بينهم سهامهم أمسك منها شيئاً لنفسه يستأثر به عليهم وقد جاء بيان ذلك في الحديث الآخر.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن شريك بن أبي نمرعن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ نحوه، قال فيه الرجل يكون على الفِئام من الناس فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا.
قال الشيخ الفئام الجماعات. قال الفرزدق نفئام ينهضون إلى فئام.
ومن باب حمل السلاح إلى أرض العدو
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا أبي، عَن أبي إسحاق
стр. 656
هو السبيعي عن ذي الجوشن رجل من الضباب، قال أتيت النبي ﷺ بعد أن فرغ من أهل بدر بفرس لي يقال لها القرحاء، فقلت يا محمد إني قد جئتك لتتخذه فقال لا حاجة لي فيه فإن شثت أن أقيضك به المختارة من دروع بدر فعلت؛ قلت ما كنت لأقيضه اليوم بغُرة قال فلا حاجة لي فيه.
قوله أقيضك به معناه أبدلك به وأعوضك منه، والمقايضة في البيوع المعاوضة أن يعطي متاعاً ويأخذ آخر لا نقد فيه، وفيه أنه سمى الفرس غرة وأكثرما جاء ذكر الغرة في الحديث إنما يراد بها النسمة من أولاد آدم ﵇ عبد أوأمة وعلى ذلك تفسير قوله في الجنين وقضائه فيه بغرة عبد أو أمة، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول لا تكون الغرة إلاّ عبداً أبيض أو جارية بيضاء.
أخبرني به أبو محمد الكراني حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا زكريا المنقري حدثنا الأصمعي، عَن أبي عمرو، وقد روي حديث الجنين عيسى بن يونس فجاء بزيادة تفرد بها لم يذكرها غيره من رواة الحديث فقال عبد أو فرس أو بغل فجعل الفرس والبغل غرة.
تم طبع الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث أوله كتاب الإمارة
وذلك في الثلاثين من شهر ربيع الأول
سنة ١٣٥٢
стр. 657
الجزء الثالث
*******************
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإمارة والفيء والخراج
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
قال الشيخ: معنى الراعي ههنا الحافظ المؤتمن على ما يليه يأمرهم بالنصيحة فيما يلونه ويحذرهم أن يخونوا فيما وكل إليهم منه أو يضيعوا وأخبر أنهم مسؤولون عنه ومؤاخذون به.
وفي قوله المرأة راعية على بيت بعلها دليل على سقوط القطع عن المرأة إذا سرقت من مال زوجها.
وفي قوله والرجل راع على أهل بيته دلالة على أن للسيد أن يقيم الحد على عبيده وإمائه وقد جاء أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم.
ومن باب الضرير يولى
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الله المُخرمي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي
стр. 658
حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين.
قلت إنما ولاه النبي ﷺ الصلاة دون القضايا والأحكام فإن الضرير لا يجوز له أن يقضي بين الناس لأنه لا يدرك الأشخاص ولا يثبت الأعيان ولا يدري لمن يحكم وعلى من يحكم وهومقلد في كل ما يليه من هذه الأمور والحكم بالتقليد غير جائز، وقد قيل أنه ﷺ إنما ولاه الإمامة بالمدينة إكراماً له وأخذاً بالأدب فيما عاتبه الله عليه من أمره في قوله سبحانه ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١-٢] وروي أن الآية نزلت فيه وأن النبي ﷺ كان يقوم له كلما أقبل ويقول مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، وفيه دليل على أن إمامة الضرير غير مكروهة.
ومن باب العرافة
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا غالب القطان عن رجل عن أبيه عن جده أنهم كانوا على منهل من المناهل فلما بلغهم الإسلام جعل صاحب الماء لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا فأسلموا وقسم الإبل بينهم وبدا له أن يرتجعها منهم فأرسل ابنه إلى النبي ﷺ فقال له ائت النبي ﷺ فقل له أن أبي شيخ كبير وهو عريف ماء وأنه يسألك أن تجعل لي العرافة بعده فأتاه فقال إن أبي يقرئك السلام فقال عليك وعلى أبيك السلام فقال إن أبي جعل لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا فأسلموا وحسن إسلامهم، ثم بدا له أن يرتجعها منهم فهو أحق بها أم هم قال إن بدا له أن يسلمها إليهم فليسلمها وإن بدا له أن يرتجعها منهم فهو أحق بها منهم فإن أسلموا فلهم إسلامهم وإن لم يسلموا قوتلوا على الإسلام. وقال ان أبي شيخ كبير وهو عريف الماء وانه يسألك أن
стр. 659
تجعل لي العرافة بعده، فقال إن العرافة حق ولا بد للناس من عرفاء ولكن العرفاء في النار.
العَريف القيم بأمر القبيلة والمحلة يلي أمورهم ويتعرف الأمير منهم أحوالهم قال الشاعر:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليَّ عريفهم يتوسم
وقوله العرافة حق يريد ان فيها مصلحة للناس ورفقا في الأمور، ألا تراه يقول ولا بد للناس من عرفاء، وقوله العرفاء في النار معناه التحذير من التعرض للرياسة والتأمر على الناس لما في ذلك من المحنة وأنه إذا لم يقم بحقه ولم يؤد الأمانة فيه أثم واستحق من الله سبحانه العقوبة وخيف عليه دخول النار.
وفيه من الفقه أن من أعطى رجلاً مالاً على أن يفعل أمراً هو لازم الأخذ له مفروضا عليه فعله فإن للمعطي ارتجاعه منه، وذلك أن الإسلام كان فرضاً واجبا عليهم فلم يجز لهم أن يأخذوا عليه جعلا وهذا مخالف لما أعطاه رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم، وذلك أنه لم يشارطهم على أن يسلموا فيعطيهم جعلا على الإسلام وإنما أعطاهم عطايا باتة وإن كان في ضمنها استمالة لقلوبهم وتألفهم على الدين وترغيب من وراءهم من قبائلهم في الدخول فيه.
ومن باب السعاية على الصدقة
قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ قال: لا يدخل الجنة صاحب مكس.
قلت صاحب المكس هو الذي يُعشر أموال المسلمين ويأخذ من التجار
стр. 660
والمختلفة إذا مروا عليه وعبروا به مكساً باسم العشر وليس هو بالساعي الذي يأخذ الصدقات فقد ولي الصدقات أفاضل الصحابة وكبارهم في زمان النبي ﷺ وبعده.
وأصل المكس النقص ومنه أخذ المِكاس في البيع والشراء وهو أن يستوضعه شيئاً من الثمن ويستنقصه منه قال الشاعر:
وفي كل أسواق العراق أتاوة......وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
فأما العشر الذي يصالح عليه أهل العهد في تجاراتهم إذا اختلفوا إلى بلاد المسلمين فليس ذلك بمكس ولا آخذه بمستحق للوعيد إلاّ أن يتعدى ويظلم فيخاف عليه الاثم والعقوبة.
ومن باب الخليفة يستخلف
قال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قال عمر إنْ لا استخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف قال فو الله ما هو إلاّ أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله ﷺ أحدا وأنه غير مستخلف.
قلت معنى قول عمر أن رسول الله ﷺ لم يستخلف أي لم يسم رجلا بعينه للخلافة فيقوم بأمر الناس باستخلافه إياه فأما أن يكون أراد به أنه لم يأمر بذلك ولم يرشد إليه وأهمل الناس بلا راع يرعاهم أو قيم يقوم بأمورهم ويمضي أحكام الله فيهم فلا وقد قال ﷺ الأئمة من قريش فكان معناه الأمر بعقد البيعة لإمام من قريش ولذلك رُئيت الصحابة يوم مات رسول الله ﷺ لم
стр. 661
يقضوا شيئا من أمر دفنه وتجهيزه حتى أحكموا أمر البيعة ونصبوا أبا بكر إماما وخليفة وكانوا يسمونه خليفة رسول الله ﷺ طول عمره إذ كان الذي فعلوه من ذلك صادرا عن رأيه ومضافا إليه وذلك من أدل الدليل على وجوب الخلافة وأنه لا بد للناس من إمام يقوم بأمر الناس ويمضي فيهم أحكام الله ويردعهم عن الشر ويمنعهم من التظالم والتفاسد وقد أعطى رسول الله ﷺ الراية يوم مؤته زيد بن حارثة، وقال إن قتل فأميركم جعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر فأميركم عبد الله بن رواحة فأخذها زيد فاستشهد، ثم أخذها جعفر فاستشهد ثم أخذها عبد الله بن رواحة فاستشهد، ثم أخذها خالد بن الوليد ولم يكن رسول الله ﷺ تقدم إليه في ذلك ففتح الله عليه وحمد رسول الله ﷺ أثره وأثنى عليه خيراً. وكل ذلك يدل على وجوب الاستخلاف ونصب الإمام، ثم أن عمر لم يهمل الأمر ولم يبطل الاستخلاف ولكن جعله شورى في قوم معدودين لا يعدوهم فكل من أقام بها كان رضاً ولها أهلاً فاختاروا عثمان وعقدوا له البيعة فالاستخلاف سنة اتفق عليها الملأ من الصحابة وهو اتفاق الأمة لم يخالف فيه إلا الخوارج والمارقة الذين شقوا العصا وخلعوا ربقة الطاعة.
ومن باب البيعة
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال كنا نبايع النبي ﷺ على السمع والطاعة ويلقننا فيما استطعت.
قلت فيه دليل على أن حكم الإكراه ساقط غير لازم لأنه ليس مما يستطاع دفعه.
ومن باب أرزاق العمال
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا ليث عن بكير بن عبد الله
стр. 662
بن الأشج عن بسر بن سعيد عن ابن الساعدي قال: استعملني عمر رضى الله عنه على الصدقة فلما فرغت أمر بعُمالة فقلت إنما عملت لله قال خذ ما اعطيت فإني قد عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني.
قوله عملني معناه أعطاني العمالة.
وفيه بيان جواز أخذ العامل الأجرة بقدر مثل عمله فيما يتولاه من الأمر، وقد سمى الله تعالى للعاملين سهما في الصدقة فقال ﴿والعاملين عليها﴾ فرأى العلماء أن يعطوا على قدر غنائهم وسعيهم.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن مروان الرقي حدثثا المعافى حدثنا الأوزاعي عن الحارث بن يزيد عن جبير بن نفير عن المستورد بن شداد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا، قال وقال أبو بكر ﵁ أخبرت أن رسول الله ﷺ قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق.
قلت وهذا يتأول على وجهين أحدهما: أنه إنما أباح له اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله وليس له أن يرتفق بشيء سواها. والوجه الآخر أن للعامل السكنى والخدمة - فإن لم يكن له مسكن وخادم استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله ويكتري له مسكن يسكنه مدة مقامه في عمله.
ومن باب هدايا العمال
قال أبو داود: حدثنا ابن السرح وابن أبي خلف لفظه قالا: حَدَّثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة، عَن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ استعمل
стр. 663
رجلا من الأزد يقال له ابن المُتبية على الصدقة فجاء فقال هذا لكم وهذا لي فقام النبي ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا، لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلاّ جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة فلها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت.
قلت في هذا بيان أن هدايا العمال سحت وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة وإنما يهدى إليه المحاباة وليخفف عن المهدي ويسوغ له بعض الواجب عليه وهو خيانة منه وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله.
وفي قوله الا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا دليل على أن كل أمر يتذرع به إلى محظور فهو محظور ويدخل في ذلك القرض يجر المنفعة، والدار المرهونه يسكنها المرتهن بلا كراء، والدابة المرهونه يركبها ويرتفق بها من غير عوض. وفي معناه من باع درهما ورغيفا بدرهمين لأن معلوماً أنه إنما جعل الرغيف ذريعة إلى أن يربح فضل الدرهم الزائد، وكذلك كل تلجئة وكل دخيل في العقود يجري مجرى ما ذكرناه على معنى قول هلا قعد في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا فينظر في الشيء وقرينه إذا أفرد أحدهما عن الآخر وفرق بين قِرانها هل يكون حكمه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا والله أعلم.
стр. 664
ومن باب ما يلزم الإمام من أمر الرعية
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا يزيد بن أبي مريم أن القاسم بن مخيمرة أخبره أن أبا مريم الأزدي أخبره قال دخلت على معاوية فقال ما أنعَمنا بك أبا فلان، وهي كلمة تقولها العرب فقلت حديث سمعته أخبرك به سمعت رسول الله ﷺ يقول من ولاه الله شيئا من أمرالمسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره قال فجعل رجلا على حوائج الناس.
قول ما أنعمنا بك يريد ما جاءنا بك أو ما أعملك إلينا وأحسبه مأخوذاً من قوله نعم ونُعمة عين أي قرة عين؛ وإنما يقال ذلك لمن يعتد بزيارته ويفرح بلقائه كأنه يقول ما الذي أطلعك علينا وحيانا بلقائك، ومن ذلك قولهم أنعم صباحاً هذا أو ما أشبهه من الكلام والله أعلم.
ومن باب قسم الفيء
قال أبو داود: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن عمر دخل على معاوية، فقال حاجتك يا أبا عبد الرحمن؛ فقال عطاء المُحَرّرين فأني رأيت رسول الله ﷺ أول ما جاء شيء بدأ بالمحررين.
ققلت يريد بالمحررين المعتقين وذلك أنهم قوم لا ديوان لهم وإنما يدخلون تبعاً في جملة مواليهم، وكان الديوان موضوعا على تقديم بني هاشم ثم الذين يلونهم في القرابة والسابقة وكان هؤلاء مؤخرين في الذكر فاذكر بهم عبد الله
стр. 665
بن عمر وتشفع في تقديم أعطيتهم لما علم من ضعفهم وحاجتهم. ووجدنا الفيء مقسوما لكافة المسلمين على ما دلت عليه الأخبار إلاّ من استثنى منهم من أعراب الصدقة، وقال عمر بن الخطاب لم يبق أحد من المسلمين إلاّ له فيه حق إلاّ بعض من تملكون من أرقائكم وإن عشت إن شاء الله ليأتين كل مسلم حقه حتى يأتي الراعي بسر وحِمْير لم يعرق فيه جبينه، واحتج عمر ﵁ في ذلك بقوله ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ [الحشر: ١٠] الآية.
وقال أحمد وإسحاق الفيء للغني والفقير إلاّ العبيد، واحتج أحمد في ذلك بأن النبي ﷺ أعطى العباس من مال البحرين، والعباس ﵁ غني.
والمشهور، عَن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سوى بين الناس ولم يفضل بالسابقة وأعطى الأحرار والعبيد، وعن عمر ﵁ أنه فضل بالسابقة والقدم وأسقط العبيد ثم رد علي بن أبي طالب ﵁ الأمر إلى التسوية بعد، ومال الشافعي إلى التسوية وشبهه بقسم المواريث.
ومن باب أرزاق الذرية
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله ﷺ يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعاً فإليّ وعليّ.
قلت هذا فيمن ترك ديناً لا وفاء له في ماله فإنه يقضي دينه من الفيء، فأما من ترك وفاء فإن دينه مقضي منه ثم بقية ماله بعد ذلك مقسومة بين ورثته، والضَيَاع اسم لكل ما هو معرض أن يضيع إن لم يتعهد كالذرية الصغار والأطفال والزمني الذين لا يقومون بكل أنفسهم وسائر من يدخل في معناهم.
стр. 666
وكان الشافعي يقول ينبغي للإمام أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة وهم من قد احتلم أو استكمل خمس عشرة سنة من الرجال ويحصي الذرية وهي من دون المحتلم ودون البالغ والنساء صغيرتهن وكبيرتهن ويعرف قدر نفقاتهم وما يحتاجون إليه في مؤناتهم بقدر معايش مثلهم في بلدانهم ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم. والعطاء الواجب من الفيء لا يكون إلاّ لبالغ يطيق مثله الجهاد ثم يعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم في كسوتهم ونفقتهم. قال ولم يختلف أحد لقيناه في أن ليس للمماليك في العطاء حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة، قال وإن فضل من المال فضل بعد ما وصفت وضعه الإمام في إصلاح الحصون والازدياد في الكراع. وكل ما قوي به المسلمون. فإن استغنى المسلمون وكملت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى منه بينهم كله على قدر ما يستحقون في ذلك المال. قال ويعطى من الفيء رزق الحكام وولاة الأحداث والصلاة بأهل الفيء وكل من قام بأمر الفيء من وال وكاتب وجندي ممن لا غنى لأهل الفيء عنه رزق مثله.
ومن باب كراهية الاقتراض في آخر الزمان
قال أبو داود: حدثنا هشام بن عمار حدثنا سليم بن مطير شيخ من أهل وادي القرى عن أبيه أنه حدثه قال سمعت رجلا يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع أمرالناس ونهاهم ثم قال هل بلغت، قالوا اللهم نعم ثم قال إذا تجاحفت قريش الملك فيما بينهم وعاد العطاءُ رشا فدعوه فقيل من هذا قالوا هذا أبو الزوائد صاحب رسول الله ﷺ .
قوله تجاحفت يريد تنازعت الملك حتى تقاتلت عليه وأجحف بعضها ببعض
стр. 667
وقوله وعاد العطاء رُشا هو أن يصرف عن المستحقين ويعطى من له الجاه والمنزلة.
ومن باب تدوين العطاء
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا ابن شهاب عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري أن جيشاً من الأنصار كانوا بأرض فارس مع أميرهم، وكان عمر بن الخطاب يُعْقب الجيوش في كل عام فشغل عنهم عمر فلما مر الأجل قفل أهل ذلك الثغر فاشتد عليهم وواعدهم وهم أصحاب رسول الله ﷺ قالوا يا عمر إنك غفلت عنا وتركت فينا الذي أمر به رسول الله ﷺ من أعقاب بعض الغزية بعضاً.
الأعقاب أن يبعث الإمام في أثر المقيمين في الثغر جيشا يقيمون مكانهم وينصرف أولئك فإنه إذا طالت عليهم الغيبة والغزية تضرروا به وأضر ذلك بأهليهم، وقد قال عمر ﵁ في بعض كلامه لا تجمروا الجيوش فتفتنوهم يريد لا تطيلوا حبسهم في الثغور.
ومن باب صفايا رسول الله ﷺ من الأموال
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس المعنى قالا: حَدَّثنا بشر بن عمر الزهراني قال حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن مالك بن أوس وهو ابن الحدثان قال أرسل إليّ عمر حين تعالى النهار فجئته فوجدته جالساً على سرير مفضياً إلى رماله فقال حين دخلت عليه يا مال أنه قد دف أهل أبيات من قومك وقد أمرت فيهم بشيء فأقسم فيهم، قلت لو أمرت غيري بذلك فقال خذه فجاء يرفأ فقال يا أمير المؤمنين هل لك في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص قال نعم فأذن لهم فدخلوا ثم جاءه
стр. 668
يرفأ فقال يا أمير المؤمنين هل لك في العباس وعلي قال نعم فأذن لهما فدخلا فقال العباس يا أمير المؤمنين اقضى بيني وبين هذا، يَعني علياً، فقال بعضهم أجل يا أمير المؤمنين أقض بينهما وارحمهما، قال مالك بن أوس خيل إليَّ أنهما قدما أولئك النفر لذلك فقال عمر اتئدا ثم أقبل على أولئك الرهط، فقال أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال لا نُورثُ ما تركنا صدقة قالوا نعم ثم أقبل على علي والعباس رضى الله عنهما، فقال أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة فقالا نعم، قال فإن الله خص رسول بخاصة لم يخص لها أحداً من الناس فقال ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [الحشر: ٦] وكان الله أفاء على رسول بني النضير فوالله ما استأثر بها عليكم ولا أخذها دونكم وكان رسول الله ﷺ ماخذ منها نفقة أهله سنة أو نفقته ونفقة أهله سنة ويجعل ما بقي أسوة المال، ثم أقبل على أولئك الرهط، فقال أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون ذلك قالوا نعم. ثم أقبل على العباس وعلى ﵄ فقال أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان ذلك قالا نعم فلما توفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر أنا وليّ رسول الله ﷺ فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر قال رسول الله ﷺ : لا نورث ما تركنا صدقة والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق فوليها أبو بكر فلما توفي قلتُ أنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر فوليتها ما شاء الله أن أليها فجئت أنت
стр. 669
وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فسألتمانيها فقلت إن شئتما أن أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله ﷺ يليها فأخذتماها مني على ذلك ثم جئتاني لأقضي بينكما بغير ذلك والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فرداها إليّ.
قال أبو داود وإنما سألاه أن يصيرها بينهما نصفين فقال عمر ﵁ لا أوقع عليها اسم القسم.
قلت ما أحسن ما قال أبو داود وما أشبهه بما تأوله، والذي يدل من نفس الحديث وسياق القصة على ما قال أبو داود قول عمر لهما فجئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فهذا يبين أنهما إنما اختصما إليه في رأي حدث لهما في أسباب الولاية والحفظ فرام كل واحد منهما التفرد به دون صاحبه ولا يجوز عليهما أن يكونا طالباه بأن يجعله ميراثاً ويرده ملكا بعد أن كانا سلماه في أيام أبي بكر وتخليا عن الدعوى فيه وكيف يجوز ذلك وعمر ﵁ يناشدهما الله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة فيعترفان به والقوم الحضور يشهدون على رسول الله ﷺ بمثل ذلك وكل هذه الأمور تؤكد ما قاله أبو داود وتصحح ما تأوله من أنهما إنما طلبا القسمة، ويشبه أن يكون عمر إنما منعهما القسمة احتياطا للصدقة ومحافظة عليها فإن القسمة إنما تجري في الأموال المملوكة وكانت هذه الصدقات متنازعة وقت وفاة رسول الله ﷺ يدعى فيها الملك والوراثة إلى أن قامت البينة من قول رسول الله ﷺ أن تركته صدقة غير موروثة فلم يسمح لهما عمر بالقسمة ولو سمح لهما بالقسمة لكان لا يؤمن أن يكون ذلك ذريعة لمن يريد أن يمتلكها بعد علي والعباس ممن ليس له بصيرتهما
стр. 670
في العلم ولا تقيتهما في الدين فرأى أن يتركها على الجملة التي هي عليها ومنع أن تجول عليها السهام فيتوهم أن ذلك إنما كان لرأي حدث منه فيها أوجب إعادتها إلى الملك بعد اقتطاعها إلى الصدقة، وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر وهو أن الأمرالمفوض إلى الاثنين الموكول إليهما وإلى أمانتهما وكفايتهما ليمضياه بمشاركة منهما أقوى في الرأي وأدنى إلى الاحتياط من الاقتصار على أحدهما والاكتفاء به دون مقام الآخر ولو أوصى رجل بوصية إلى عمرو وزيد أو وكل رجل زيداً وعمراً لم يكن لواحد منهما أن يستبد بأمر منهما دون صاحبه فنظر عمر لتلك الأموال واحتاط فيها بأن فوضها إليهما معاً فلما تنازعاها قال لهما إما تلياها جميعا على الشرط الذي عقدته لكما في أصل التولية وإما أن ترداها إلي فأتولاها بنفسي وأجريها على سبلها التي كانت تجري أيام أبي بكر ﵁.
قلت وروي أن علياً ﵁ غلب عليها العباس بعد ذلك فكان يليها أيام حياته ويدل على صحة التأويل الذي ذهب إليه أبو داود أن منازعة علي ﵁ عباساً لم تكن من قبل أنه كان يراها ملكا وميراثا أن الأخبار لم تختلف عن علي ﵁ أنه لما أفضت إليه الخلافة وخلص له الأمر أجراها على الصدقة ولم يغير شيثا من سبلها.
وحدثني أبو عمر محمد بن عبد الواحد النحوي أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال كان أول خطبة خطبها أبو العباس السفاح في قرية يقال لها العباسية بالأنبار فلما افتتح الكلام وصار إلى ذكر الشهادة من الخطبة قام رجل من آل أبي طالب في عنقه مصحف فقال أذكرك الله الذي ذكرته الا أنصفتني من خصمي وحكمت بيني وبينه بما في هذا المصحف فقال له ومن ظالمك
следующие страницы →