Полный текст (1 377 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وكان الشافعي يقول ينبغي للإمام أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة وهم من قد احتلم أو استكمل خمس عشرة سنة من الرجال ويحصي الذرية وهي من دون المحتلم ودون البالغ والنساء صغيرتهن وكبيرتهن ويعرف قدر نفقاتهم وما يحتاجون إليه في مؤناتهم بقدر معايش مثلهم في بلدانهم ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم. والعطاء الواجب من الفيء لا يكون إلاّ لبالغ يطيق مثله الجهاد ثم يعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم في كسوتهم ونفقتهم. قال ولم يختلف أحد لقيناه في أن ليس للمماليك في العطاء حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة، قال وإن فضل من المال فضل بعد ما وصفت وضعه الإمام في إصلاح الحصون والازدياد في الكراع. وكل ما قوي به المسلمون. فإن استغنى المسلمون وكملت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى منه بينهم كله على قدر ما يستحقون في ذلك المال. قال ويعطى من الفيء رزق الحكام وولاة الأحداث والصلاة بأهل الفيء وكل من قام بأمر الفيء من وال وكاتب وجندي ممن لا غنى لأهل الفيء عنه رزق مثله.
ومن باب كراهية الاقتراض في آخر الزمان
قال أبو داود: حدثنا هشام بن عمار حدثنا سليم بن مطير شيخ من أهل وادي القرى عن أبيه أنه حدثه قال سمعت رجلا يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع أمرالناس ونهاهم ثم قال هل بلغت، قالوا اللهم نعم ثم قال إذا تجاحفت قريش الملك فيما بينهم وعاد العطاءُ رشا فدعوه فقيل من هذا قالوا هذا أبو الزوائد صاحب رسول الله ﷺ .
قوله تجاحفت يريد تنازعت الملك حتى تقاتلت عليه وأجحف بعضها ببعض
стр. 667
وقوله وعاد العطاء رُشا هو أن يصرف عن المستحقين ويعطى من له الجاه والمنزلة.
ومن باب تدوين العطاء
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا ابن شهاب عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري أن جيشاً من الأنصار كانوا بأرض فارس مع أميرهم، وكان عمر بن الخطاب يُعْقب الجيوش في كل عام فشغل عنهم عمر فلما مر الأجل قفل أهل ذلك الثغر فاشتد عليهم وواعدهم وهم أصحاب رسول الله ﷺ قالوا يا عمر إنك غفلت عنا وتركت فينا الذي أمر به رسول الله ﷺ من أعقاب بعض الغزية بعضاً.
الأعقاب أن يبعث الإمام في أثر المقيمين في الثغر جيشا يقيمون مكانهم وينصرف أولئك فإنه إذا طالت عليهم الغيبة والغزية تضرروا به وأضر ذلك بأهليهم، وقد قال عمر ﵁ في بعض كلامه لا تجمروا الجيوش فتفتنوهم يريد لا تطيلوا حبسهم في الثغور.
ومن باب صفايا رسول الله ﷺ من الأموال
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس المعنى قالا: حَدَّثنا بشر بن عمر الزهراني قال حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن مالك بن أوس وهو ابن الحدثان قال أرسل إليّ عمر حين تعالى النهار فجئته فوجدته جالساً على سرير مفضياً إلى رماله فقال حين دخلت عليه يا مال أنه قد دف أهل أبيات من قومك وقد أمرت فيهم بشيء فأقسم فيهم، قلت لو أمرت غيري بذلك فقال خذه فجاء يرفأ فقال يا أمير المؤمنين هل لك في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص قال نعم فأذن لهم فدخلوا ثم جاءه
стр. 668
يرفأ فقال يا أمير المؤمنين هل لك في العباس وعلي قال نعم فأذن لهما فدخلا فقال العباس يا أمير المؤمنين اقضى بيني وبين هذا، يَعني علياً، فقال بعضهم أجل يا أمير المؤمنين أقض بينهما وارحمهما، قال مالك بن أوس خيل إليَّ أنهما قدما أولئك النفر لذلك فقال عمر اتئدا ثم أقبل على أولئك الرهط، فقال أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال لا نُورثُ ما تركنا صدقة قالوا نعم ثم أقبل على علي والعباس رضى الله عنهما، فقال أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة فقالا نعم، قال فإن الله خص رسول بخاصة لم يخص لها أحداً من الناس فقال ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [الحشر: ٦] وكان الله أفاء على رسول بني النضير فوالله ما استأثر بها عليكم ولا أخذها دونكم وكان رسول الله ﷺ ماخذ منها نفقة أهله سنة أو نفقته ونفقة أهله سنة ويجعل ما بقي أسوة المال، ثم أقبل على أولئك الرهط، فقال أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون ذلك قالوا نعم. ثم أقبل على العباس وعلى ﵄ فقال أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان ذلك قالا نعم فلما توفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر أنا وليّ رسول الله ﷺ فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر قال رسول الله ﷺ : لا نورث ما تركنا صدقة والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق فوليها أبو بكر فلما توفي قلتُ أنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر فوليتها ما شاء الله أن أليها فجئت أنت
стр. 669
وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فسألتمانيها فقلت إن شئتما أن أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله ﷺ يليها فأخذتماها مني على ذلك ثم جئتاني لأقضي بينكما بغير ذلك والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فرداها إليّ.
قال أبو داود وإنما سألاه أن يصيرها بينهما نصفين فقال عمر ﵁ لا أوقع عليها اسم القسم.
قلت ما أحسن ما قال أبو داود وما أشبهه بما تأوله، والذي يدل من نفس الحديث وسياق القصة على ما قال أبو داود قول عمر لهما فجئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فهذا يبين أنهما إنما اختصما إليه في رأي حدث لهما في أسباب الولاية والحفظ فرام كل واحد منهما التفرد به دون صاحبه ولا يجوز عليهما أن يكونا طالباه بأن يجعله ميراثاً ويرده ملكا بعد أن كانا سلماه في أيام أبي بكر وتخليا عن الدعوى فيه وكيف يجوز ذلك وعمر ﵁ يناشدهما الله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة فيعترفان به والقوم الحضور يشهدون على رسول الله ﷺ بمثل ذلك وكل هذه الأمور تؤكد ما قاله أبو داود وتصحح ما تأوله من أنهما إنما طلبا القسمة، ويشبه أن يكون عمر إنما منعهما القسمة احتياطا للصدقة ومحافظة عليها فإن القسمة إنما تجري في الأموال المملوكة وكانت هذه الصدقات متنازعة وقت وفاة رسول الله ﷺ يدعى فيها الملك والوراثة إلى أن قامت البينة من قول رسول الله ﷺ أن تركته صدقة غير موروثة فلم يسمح لهما عمر بالقسمة ولو سمح لهما بالقسمة لكان لا يؤمن أن يكون ذلك ذريعة لمن يريد أن يمتلكها بعد علي والعباس ممن ليس له بصيرتهما
стр. 670
في العلم ولا تقيتهما في الدين فرأى أن يتركها على الجملة التي هي عليها ومنع أن تجول عليها السهام فيتوهم أن ذلك إنما كان لرأي حدث منه فيها أوجب إعادتها إلى الملك بعد اقتطاعها إلى الصدقة، وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر وهو أن الأمرالمفوض إلى الاثنين الموكول إليهما وإلى أمانتهما وكفايتهما ليمضياه بمشاركة منهما أقوى في الرأي وأدنى إلى الاحتياط من الاقتصار على أحدهما والاكتفاء به دون مقام الآخر ولو أوصى رجل بوصية إلى عمرو وزيد أو وكل رجل زيداً وعمراً لم يكن لواحد منهما أن يستبد بأمر منهما دون صاحبه فنظر عمر لتلك الأموال واحتاط فيها بأن فوضها إليهما معاً فلما تنازعاها قال لهما إما تلياها جميعا على الشرط الذي عقدته لكما في أصل التولية وإما أن ترداها إلي فأتولاها بنفسي وأجريها على سبلها التي كانت تجري أيام أبي بكر ﵁.
قلت وروي أن علياً ﵁ غلب عليها العباس بعد ذلك فكان يليها أيام حياته ويدل على صحة التأويل الذي ذهب إليه أبو داود أن منازعة علي ﵁ عباساً لم تكن من قبل أنه كان يراها ملكا وميراثا أن الأخبار لم تختلف عن علي ﵁ أنه لما أفضت إليه الخلافة وخلص له الأمر أجراها على الصدقة ولم يغير شيثا من سبلها.
وحدثني أبو عمر محمد بن عبد الواحد النحوي أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال كان أول خطبة خطبها أبو العباس السفاح في قرية يقال لها العباسية بالأنبار فلما افتتح الكلام وصار إلى ذكر الشهادة من الخطبة قام رجل من آل أبي طالب في عنقه مصحف فقال أذكرك الله الذي ذكرته الا أنصفتني من خصمي وحكمت بيني وبينه بما في هذا المصحف فقال له ومن ظالمك
стр. 671
قال أبو بكر الذي منع فاطمة فدك قال فقال له وهل كان بعده أحد قال نعم، قال من قال عمر، قال وأقام على ظلمكم قال نعم قال وهل كان بعده أحد قال نعم، قال من قال عثمان قال وأقام على ظلمكم قال نعم، قال وهل كان بعده أحد قال نعم قال من قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال وأقام على ظلمكم قال فأسكت الرجل وجعل يلتفت إلى ما وراءه يطلب مخلصا فقال له والله الذي لا إله إلاّ هو لولا أنه مقام قمته ثم أني لم أكن تقدمت إليك في هذا قبل لأخذت الذي فيه عيناك أقعد وأقبل على الخطبة.
قوله مفضيا إلى رماله يريد أنه كان قاعداً عليه من غير فراش ورمالة ما يرمل وينسج به من شريط ونحوه.
وقوله دف أهل أبيات من قومك معناه أقبلوا ولهم دفيف وهو مشي سريع في مقاربة خطو يريد أنهم وردوا المدينة لضر أصابهم في بلادهم، وفي قول عمر إن الله خص رسوله ﷺ بخاصة لم يخص بها أحدا من الناس وتلا على أثره الآية دليل على أن أربعة أخماس الفيء كانت لرسول الله ﷺ خاصة في حياته.
واختلفوا فيمن هي له بعده وأين تصرف وفيمن توضع فقال الشافعي فيها قولان أحدهما أن سبيلها سبيل المصالح فتصرف إلى الأهم فالأهم من مصالح المسلمين ويبدأ بالمقاتلة أولاً فيعطون قدر كفايتهم ثم يبدأ بالأهم فالأهم من المصالح لأن النبي ﷺ كان يأخذه لفضيلته وليس لأحد من الأئمة بعده تلك الفضيلة فليس لهم أن يمتلكوها. والقول الآخر أن ذلك للمقاتلة كله يقسم فيهم لأن النبي ﷺ إنما كان يأخذه لماله من الرعب والهيبة في طلب العدو والمقاتلة هم القائمون مقامه في إرهاب العدو وإخافتهم.
стр. 672
وكان مالك يرى أن الفيء للمصالح قال وكذلك كان في زمان رسول الله ﷺ وحكي عنه أنه قال كان رسول الله ﷺ لا يملك فيه مالا أو كان لا يصح منه الملك. قلت وهذا القول أن صح عنه فهو خطأ، وقال بعض أهل العلم الفيء للأئمة بعده.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا أيوب عن الزهري قال قال عمر ﵁ ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦] قال الزهري قال عمر هذه لرسول الله ﷺ خاصة قرى عربية فدك وكذا وكذا ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الحشر: ٧] و ﴿للفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأ موالهم والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم والذين جاؤوا من بعدهم﴾ [الحشر: ٨] فاستوعيت هذه الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلاّ له فيها حق أو قال حظ إلاّ بعض من تملكون من أرقائكم.
قلت مذهب عمر في تأويل هذه الآيات الثلاث في سورة الحشر أن تكون منسوقة على الآية الأولى منها وكان رأيه في الفيء أن لا يخمس كما تخمس الغنيمة لكن تكون جملته لجملة المسلمين مرصدة لمصالحهم على تقديم كان يراه وتأخير فيها وترتيب لها، وإليه ذهب عامة أهل الفتوى غير الشافعي فإنه كان يرى أن يخمس الفيء فيكون أربعة أخماسه لأرزاق المقاتلة والذرية وفي الكراع والسلاح وتقوية أمر الدين ومصالح المسلمين ويقسم خمسه على خمسة أقسام كما قسم سبى الغنيمة واحتج بقوله تعالى ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ .
стр. 673
وكان يذهب إلى أن ذكر الله إنما وقع في أول الآية على سبيل التبرك بالافتتاح باسمه وإنما هو سهم رسول الله ﷺ في الحقيقة، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل التفسير، قال الشعبي وعطاء بن أبي رباح خمس الله وخمس رسوله واحد، وقال قتادة فإن لله خمسه قال هو لله، ثم بين قسم الخمس خمسة أخماس، وقال الحسن بن محمد بن الحنفية هذا مفتاح الكلام لله الدنيا والآخرة.
قلت والذي ذهب إليه الشافعي هو الظاهر في التلاوة وقد اعتبره بآية الغنيمة وهو قوله ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١] فحمل حكم الفيء عليها في إخراج الخمس منه ويشهد له على ذلك أمران أحدهما أن العطف الآخر على الأول لا يكون إلاّ ببعض حروف النسق وحرف النسق معدوم في ابتداء الآية الثانية وهي قوله ﴿للفقراء المهاجرين﴾ [الحشر: ٨] وإنما هو ابتداء كلام، والمعنى الآخر أن المسمين في الآية الآخرة وهي قوله ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ [الحشر: ١٠] لو كانوا داخلين في أهل الفيء لوجب أن يعزل حقوقهم ويترك إلى أن يلحقوا كما يفعل ذلك بالوارث الغائب والشريك الظاعن ويحفظ عليه حتى يحضر ولم يكن يجوز أن يستأثر الحاضرون بحقوق الغُيّب إلاّ أن عمر بن الخطاب أعلم بحكم الآية وبالمراد بها، وقد تابعه عامة الفقهاء ولم يتابع الشافعي على ما قاله فالمصير إلى قول الصحابي وهو الإمام العدل المأمور بالاقتداء به في قوله ﷺ : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر أولى وأصوب.
وما أحسب الشافعي عاقه عن متابعة عمر في ذلك إلاّ ما غلبه من ظاهر الآية وأعوزه من دلالة حرف النسق فيما يعتبر من حق النظم والله أعلم.
стр. 674
وقوله إلاّ بعض من تملكون من أرقائكم يتأول على وجهين أحدهما ما ذهب إليه أبو عبيد فانه روى حديثا عن يحيى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد بن علي عن مخلد الغفاري أن مملوكين أو ثلاثة لبني غفار شهدوا بدرا فكان عمر يعطي كل رجل منهم في كل سنة ثلاثة آلاف درهم. قال أبوعبيد فاحسب أنه إنما أراد هؤلاء المماليك البدريين بمشهدهم بدرا، ألا ترى أنه خص ولم يعم وقال غيره بل أراد به جميع المماليك وإنما استثنى من جملة المسلمين بعضاً من كل فكان ذلك منصرفا إلى جنس المماليك وقد يوضع البعض في موضع الكل كقول لبيد:
* أو يعتلق بعض النفوس حمامها *
يريد النفوس كلها.
قال أبو داود: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال أخبرني عروة أن عائشة أخبرته بهذا الحديث وذكرت قصة فاطمة وطلبها من أبي بكر ميراث رسول الله ﷺ قالت فأبى أبو بكر عليها وقال لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلاّ عملت به إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، قال فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي والعباس فغلب عليّ عليها، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمرقال فهما على ذلك إلى اليوم.
وقوله تعروه أي تغشاه وتنتابه يقال عراني ضيف وعراني هم أي نزل بي.
стр. 675
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن الجراح حدثنا جرير عن المغيرة قال جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف فقال إن رسول الله ﷺ كانت له فدك فكان ينفق منها ويعود منها على صغير بني هاشم ويزوج فيه أيمّهم وأن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى فكانت كذلك في حياة رسول الله ﷺ حتى مضى لسبيله فلما أن ولي عمر عمل فيها بمثل ما عملا حتى مضى لسبيله ثم أقطعها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، قال عمر رأيت أمراً منعه رسول الله ﷺ فاطمة ليس لي بحق وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت.
قلت إنما أقطعها مروان في أيام حياة عثمان بن عفان وكان ذلك مما عابوه وتعلقوا به عليه، وكان تأويله في ذلك والله أعلم ما بلغه عن رسول الله ﷺ من قوله إذا أطعم الله نبيا طعمة فهي للذي يقوم من بعده وكان رسول الله ﷺ يأكل منها وينفق على عياله قوت سنة ويصرف الباقي مصرف الفيء فاستغنى عثمان عنها بماله فجملها لأقربائه ووصل بها أرحامهم وقد روى أبو داود هذا الحديث.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن الفضيل عن الوليد بن جُميع، عَن أبي الطفيل قال جاءت فاطمة إلى أبي بكر ﵄ تطلب ميراثها من النبي ﷺ قال فقال أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله إذا أطعم نبيا طعمة فهي للذي يقوم من بعده.
قلت وفيه حجة لمن ذهب إلى أن أربعة أخماس الفيء بعد رسول الله ﷺ للأئمة بعده.
ومن باب بيان مواضع قسم الخمس
وسهم ذي القربى
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا عبد الرحمن بن مهدي
стр. 676
عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب أخبرني جبير بن مطعم أنه جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله ﷺ فيما قسم من الخمس في بني هاشم وبني المطلب فقلت يا رسول الله قسمت لاخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئا، يَعني بني عبد شمس وبني نوفل وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة فقال النبي ﷺ إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، قال جبير ولم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من ذلك الخمس كما قسم لبني هاشم وبني المطلب، قال وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ ما كان النبي ﷺ يعطيهم، قال وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه وعثمان بعده.
قلت قوله بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد يريد به الحلف الذي كان بين بني هاشم وبين بني المطلب في الجاهلية، وفي غير هذه الرواية أنه قال إنا لم نفترق في جاهلية ولا في إسلام، وكان يحيى بن معين يرويه إنما بنو هاشم وبن المطلب سيّ واحد بالسين غير المعجمة أي مثل سواء يقال هذا سيّ هذا أي مثله ونظيره.
وفي الحديث دليل على ثبوت سهم ذي القربى لأن عثمان وجبيرا إنما طالباه بالقرابة، وقد عمل به الخلفاء بعد عمر وعثمان، وجاء في هذه الرواية أن أبا بكر لم يقسم لهم، وقد جاء في غير هذه الرواية عن علي أن أبا بكر قسم لهم وقد رواه أبو داود.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير حدثنا هاشم بن البريد حدثنا حسين بن ميمون عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليا يقول اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 677
فقلت يا رسول الله إن رأيت أن توليني حقنا من هذه الخمس في كتاب الله تعالى فأقسمه في حياتك كي لا ينازعني أحد بعدك فافعل. قال ففعل ذلك فقسمته حياة رسول الله ﷺ ثم ولانيه أبو بكر حتى كان آخر سنة من سني عمر فإنه أتاه مال كثير فعزل حقنا ثم أرسل إليَّ فقلت بنا عنه العام غنى وبالمسلمين إليه حاجة فأردده عليهم، ثم لم يدعني إليه أحد بعد عمر فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر فقال يا علي حرمتنا الغداة شيئاً لا يرد علينا أبداً وكان رجلا داهياً.
قلت فقد روي عن علي ﵁ أن أبا بكر كان يقسم فيهم وكذلك عمر إلى أن تركوا حقهم منه فدل ذلك على ثبوت حقهم.
وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الشافعي حقهم ثابت وكذلك مالك بن أنس وقال أصحاب الرأي لا حق لذي القربى وقسموا الخمس في ثلاثة أصناف. وقال بعضهم إنما أعطى رسول الله ﷺ بني المطلب للنصرة في القرابة ألا تراه يقول إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام فنبه على أن سبب الاستحقاق النصرة والنصرة قد انقطعت فوجب أن تنقطع العطية.
قلت هذا المعنى بمفرده لا يصح على الاعتبار ولو كان ذلك من أجل النصرة حسب لكان بنو هاشم أولى الناس بأن لا يعطوا شيئا فقد كانوا ألباً واحداً عليه وإنما هو عطية باسم القرابة كالميراث، وقد قيل إنما أعطوه عوضا من الصدقة المحرمة عليهم وتحريم الصدقة باق فليكن السهم باقياً.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثنا يونس عن ابن شهاب أخبرني عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث وعباس بن عبد المطلب قالا
стр. 678
لعبد المطلب بن ربيعة والفضل بن عباس ائتيا رسول الله ﷺ فقولا له يا رسول الله قد بلغنا من السن ما ترى وأحببنا أن نتزوج وأنت يا رسول الله أبر الناس وأوصلهم وليس عند أبوينا ما يصَدِقان عنا فاستعملنا يا رسول الله على الصدقات فلنؤد إليك ما يؤدي العمال ولنُصب ما كان فيها من مرفق، قال فأتى علي بن أبي طالب ونحن على تلك الحال فقال لنا ان رسول الله ﷺ قال والله لا يستعمل منكم أحدا على الصدقة، فقال له ربيعة هذا من أمرك قد نلت صهر رسول الله ﷺ فلم نحسدك عليه فألقى علي ﵁ رداءه ثم اضطجع عليه فقال أنا أبو الحسن القَرْم والله لا أريم حتى يرجع إليكما ابناكما بحَوْر ما بعثتما به إلى النبي ﷺ قال عبد المطلب فانطلقت أنا والفضل حتى نوافق صلاة الظهر قد قامت فصلينا مع الناس ثم أسرعت أنا والفضل إلى باب حجرة النبي ﷺ وهو يومئذ عند زينب بنت جحش فقمنا بالباب حتى أتى رسول الله ﷺ فأخذ بأذني وأذن الفضل فقال اخرجا ما تصرران ثم دخل فأذن لي وللفضل فدخلنا فتواكلنا الكلام قليلاً ثم كلمته أو كلمه الفضل قد شك في ذلك عبد الله فقال كلمه بالذي أمرنا به أبوانا فسكت رسول الله ﷺ ساعة ورفع بصره قبل سقف البيت حتى طال علينا أنه لا يرجع إلينا شيئا حتى رأينا زينب تلمع من وراء الحجاب بيدها تريد أن لا نعجل وأن رسول الله ﷺ في أمرنا، ثم خفض رسول الله ﷺ رأسه فقال لنا إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ادعوا لي نوفل بن الحارث فدعي له نوفل، فقال يا نوفل أنكح عبد المطلب فأنكحني نوفل ثم قال النبي ﷺ ادعوا لي مَحْمية بن جزء وهو رجل من بني زبيد كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس فقال رسول الله ﷺ لمحمية أنكح الفضل فأنكحه،
стр. 679
ثم قال رسول الله ﷺ قم فاصدق عنهما من الخمس كذا وكذا.
قوله أنا أبو الحسن القرم هو في أكثر الروايات القوم وكذلك رواه لنا ابن داسة بالواو وهذا لا معنى له وإنما هو القرم وأصل القرم في الكلام فحل الإبل ومنه قيل للرئيس قرم يريد بذلك أنه المقدم في الرأي والمعرفة بالأمور فهو فيهم بمنزلة القرم في الإبل.
وقوله بحور ما بعثتما به أي بجواب المسألة التي بعثتما فيها وبرجوعها؛ وأصل الحور الرجوع يقال كلمته فما أحار إليَّ جواباً، أي ما رد إلي جواباً.
وقوله اخرجا ما تصرران يريد ما تكتمان أو ما تضمران من الكلام وأصله من الصرر وهو الشد والإحكام.
وقوله فتواكلنا الكلام معناه أن كل واحد منا قد وكل الكلام إلى صاحبه يريد أن يبتدئ الكلام صاحبه دونه.
وقوله قم فاصدق عنهما من الخمس أى من حصته من الخمس الذي هو سهم النبي ﷺ وكان يأخذ لطعامه ونفقة أهله قدر الكفاية ويرد الباقي منه على يتامى بني هاشم وأياماهم ويضعه حيث أراه الله من وجوه المصلحة. وهو معنى قوله مالي مما أفاء الله عليّ إلاّ الخمس وهو مردود عليكم، وقد يحتمل أن يكون إنما أمره أن يسوق المهر عنهما من سهم ذي القربى وهو من جملة الخمس والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة بن خالد حدثنا يونس عن ابن شهاب أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن عليا ﵁ قال كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله ﷺ أعطاني
стр. 680
شارفا من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله ﷺ واعدت رجلا صواغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بأذخر أردت أن أبيعه من الصواغين فنستعين به في وليمة عرسي فبينا أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار أقبلت حين جمعت ما جمعت فإذا شارفاي قد اجتُبْت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر فقلت من فعل هذا قالوا فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار غنته قينته وأصحابه فقالت في غنائها، ألا يا حمز للشُرُف النواء، فوثب إلى السيف فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما، قال علي ﵁ فانطلقت حتى أدخل على رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة، قال فعرف رسول الله ﷺ الذي لقيت فقال مالك فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا في بيت معه شرب قال فدعا رسول الله ﷺ بردائه فارتدى به ثم انطلق يمشي فاتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء إلى البيت الذي فيه حمزة فاستأذن له فإذا هم شَرب فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعَّد النظر فنظر إلي سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة وهل أنتم إلاّ عبيد لآبائي فعرف رسول الله ﷺ أنه ثمل فنكص على عقبه القهقرى فخرج وخرجنا معه.
стр. 681
قلت الشارف المسنة من النوق، وقولها (ألا يا حمز للشرف النواء) فإن الشرف جمع الشارف والنواء السمان يقال نوت الناقة تنوي فهي ناوية وهي نواء قال الشاعر:
لطال ما جررتكن جرا ... حتى نوى الأعجف واستمرا
وتمام البيت:
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفِناء
في أبيات تستدعيه فيها نحرهن وأن يطعم لحومهن أصحابه وأضيافه فهزته أريحية الشراب والسماع فكان منه ذلك الصنيع؛ والثمل السكران.
وقد احتج يهذا الحديث بعض من ذهب إلى إبطال طلاق السكران وزعم أن أقواله التي تكون منه في حال السكر لا حكم لها قال ولو كان يلزمه أقواله لكان حمزة حين خاطب رسول الله ﷺ بما خاطبه به من القول خارجا من الدين.
قلت وقد ذهب على هذا القائل أن هذا إنما كان من حمزة قبل تحريم الخمر لأن حمزة قتل يوم أحد وكان تحريم الخمر بعد غزوة أحد فكان معذورا في قوله غير مؤاخذ به وكان الحرج عنه زائلا إذ كان سببه الذي دعاه إليه مباحا كالنائم والمغمى عليه يجري على لسانه الطلاق والقذف فلا يؤاخذ بهما، فأما وقد حرمت الخمر حتى صار شاربها مؤاخذاً بشربها محدودا فيها فقد صار كذلك مؤاخذا بما يجري على لسانه من قول يلزمه به حكم كالطلاق والقذف وسائر جنايات اللسان، وقد أجمعت الصحابة على أن حد السكران حد المفتري قالوا وذلك لأنه إذا سكر هذى فإذا هذى افترى فألزموه حد المفتري.
وفي ذلك بيان أنهم جعلوه مؤاخذاً بأقواله معاقبا بجناياته وإنما توقفوا عن قتله إذا ارتد في حال السكر استيناء به ليتوب في صحوه في حال يعقل ما يقوله ويصح منه ما يعتقده من التوبة وهو لو ارتد صاحيا لاستتيب ولم يقتل في فوره
стр. 682
فكذلك إذا ارتد وهو سكران.
وقد اختلف العلماء في أقوال السكران، فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي طلاق السكران لازم وهو قول أصحاب الرأي، وقد روي ذلك عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والنخعي وابن سيرين ومجاهد، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والمزني طلاقه غير لازم، وقد روي ذلك عن عثمان بن عفان وابن عباس وهو قول القاسم بن حد وعمر بن عبد العزيز وطاوس. ووقف أحمد بن حنبل عن الجواب في هذه المسألة وقال لا أدري.
قال أبو داود: حدثنا يحيى بن خلف حدثنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري، عَن أبي الورد عن ابن أعبد قال: قال لي عليّ ألا أحدثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وكانت من أحب أهله إليه قلت بلى قال أنها جرت بالرحى حتى أثر في يدها واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها فأتى النبي ﷺ خدم فقلت لو أتيت أباك فسألتيه خادما فأتته فوجدت عنده حُدّاثاً فرجعت فأتته من الغد فقال ما كان حاجتك فسكتت فقلت أنا أحدثك يا رسول الله جرت بالرحى حتى أثر في يدها وحملت القربة حتى أثرت في نحرها، فلما أن جاءك الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما يقيها حر ما هي فيه، قال اتقي الله يا فاطمة وأدي فريضة ربك واعملي عمل أهلك وإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثا وثلاثين، واحمدي ثلاثا وثلاثين، وكبري أربعا وثلاثين فتلك مائة فهي خير لك من خادم قالت رضيت عن الله وعن رسوله.
قلت فيه من الفقه أن المرأة ليس لها أن تطالب زوجها بخادم كما لها أن تطالبه
стр. 683
بالنفقة والكسوة وإنما لها عليه أن يكفيها الخدمة حسب ولو كان ذلك واجبا لها عليه لأشبه أن يلزمه رسول الله ﷺ علياً أو يخبره من جه الحكم في ذلك وإن كانت الحال بين علي وفاطمة ألطف من أن يجري بينهما المناقشة في الحقوق الواجبة على الزوجين.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا عنبسة بن عبد الواحد القرشي حدثنا الدخيل بن أياس بن نوح بن مُجَّاعة عن هلال بن سر اج بن مجاعة عن أبيه عن جده مجاعة أنه أتى النبي ﷺ يطلب دية أخيه قتلته بنو سدوس من بني ذهل فقال النبي ﷺ لو كنت جاعلاً لمشرك دية جعلتها لأخيك ولكن سأعطيك منها عقبى فكتب له النبي ﷺ بمائة من الإبل من أول خمس يخرج من مشركي بني ذهل.
قلت معنى العقبى العوض ويشبه أن يكون إنما أعطاه ذلك تألفاً له أو لمن وراءه من قومه على الإسلام.
ومن باب سهم الصفيّ
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة قال سمعت يزيد بن عبد الله قال كنا بالمربد فجاء رجل أشعث الرأس بيده قطعة أديم أحمر فقلنا كأنك من أهل البادية؛ قال أجل قلنا ناولنا هذه القطعة الأديم التي في يدك فناولناها فقرأنا ما فيها فإذا فيها: من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أُقيش أنكم إن شهدتم أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي وسهم الصفيّ أنتم آمنون بأمان الله ورسوله، فقلنا من كتب لك هذا الكتاب قال رسول الله ﷺ .
قلت أما سهم النبي ﷺ فإنه كان يسهم له كسهم رجل ممن شهد الوقعة
стр. 684
حضرها رسول الله ﷺ أوغاب عنها. وأما الصفي فهو ما يصطفيه من عرض الغنيمة من شيء قبل أن يخمس عبد أو جارية أو فرس أو سيف أو غيرها وكان النبي ﷺ مخصوصا بذلك مع الخمس الذي له خاصة.
ومن باب خبر النضير
قال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أن كفار قريش كتبوا إلى اليهود أنكم أهل الحلقة والحصون وأنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا ولا يحول بيننا وبين خَدم نسائكم شيء فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ أجمعت بنو النضير بالغدر فأرسلوا إلى النبي ﷺ أخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرا نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك، فلما كان الغد غدا عليهم بالكتائب فحصرهم وذكر القصة.
قوله إنكم أهل الحلقة والحصون يريد بالحلقة السلاح، وقيل أراد بها الدرع لأنها حَلق مسلسلة وخَدَم النساء خلاخيلهن واحدتها خَدَمة والمخدّم موضع الخلخال من الرجل والكتائب الجيوش المجتمعة واحدتها كتيبة ومنها الكتاب المكتوب، ومعناه الحروف المضمومة بعضها إلى بعض.
ومن باب حكم أرض خيبر
قال أبو داود: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر قال أحسبه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه
стр. 685
أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على الأرض والنخل وألجأهم إلى قصرهم فصالحوه على أن لرسول الله الصفراء والبيضاء والحلقة ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فان فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مَسْكاً لحُيي بن أخطب وقد كان قتل قبل خيبر كان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير فيه حليهم قال فقال النبي ﷺ : لسَعنة أين مَسك حُيي بن أخطب قال أذهبته الحروب والنفقات فوجدوا المسك فقتل ابنَ أبي الحقيق وسبى نساءهم وذراريهم وأراد أن يجليهم فقالوا يا محمد دعنا نعمل في هذه الأرض ولنا الشطر ما بدا لك ولكم الشطر، وكان رسول الله ﷺ يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير.
قلت مسك حيي بن أخطب ذخيرة من صامت وحليّ كانت له وكانت تدعى مسك الحمل ذكروا أنها قومت عشرة آلاف دينار فكانت لا تزف امرأة إلاّ استعاروا لها ذلك الحلي وكان شارطهم رسول الله ﷺ على أن لا يكتموه شيئا من الصفراء والبيضاء فكتموه ونقضوا العهد وظهر عليهم رسول الله ﷺ فكان من أمره فيهم ما كان.
قال أبو داود: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن حدثنا أسد بن موسى حدثنا يحيى بن زكرياء حدثني سفيان عن يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين نصفا لنوائبه ولحاجته ونصفا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً.
قلت فيه من الفقه أن الأرض إذا غنمت قسمت كما يقسم المتاع، والخُرثي
стр. 686
لا فرق بينهما وبين غيرهما من الأموال. والظاهر من أمر خيبر أن رسول الله ﷺ فتحها عنوة وإذا كانت عنوة فهي مغنومة، وإذا صارت غنيمة فإنما حصته من الغنيمة خمس الخمس وهو سهمه الذي سماه الله له في قوله ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١] فكيف يكون له النصف منها أجمع حتى يصرفه في حوائجه ونوائبه على ظاهر ما جاء في هذا الحديث.
قلت وإنما يشكل هذا على من لا يتتبع طرق الأخبار المروية في فتوح خيبر حتى يجمعها ويرتبها فمن فعل ذلك تبين أمر صحة هذه القسمة من حيث لا يشكل معناه، وبيان ذلك أن خيبر كانت لها قرى وضياع خارجة عنها منها الوطيحة والكتيبة والشق والنطاة والسلاليم وغيرها من الأسماء فكان بعضها مغنوما وهو ما غلب عليها رسول الله ﷺ كان سبيلها القسم، وكان بعضها فيئا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكان خاصا لرسول الله يضعه حيث أراه الله من حاجته ونوائبه ومصالح المسملين فنظروا إلى مبلغ ذلك كله فاستوت القسمة فيها على النصف والنصف وقد بين ذلك الزهري.
قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد أخبركم ابن وهب حدثني مالك عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحاً والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح، قلت لمالك وما الكتيبة قال أرض خيبر وهي أربعون ألف عذق.
قلت العَذق النخلة مفتوحة العين والعِذق بكسرها الكباسة.
стр. 687
ومن باب خبر مكة
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمرّ الظهران، فقال له العباس يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئا، فقال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.
قلت فيه من الفقه أن المشرك إذا خرج من دار الكفر وأسلم وبقيت زوجته في دار الكفر لم تسلم فإن الزوجية بينهما لا تنفسخ ما اجتمعا على الإسلام قبل انقضاء العدة، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يكن ظهر على مكة بعد وأسلم أبو سفيان بمرّ الظهران وبقيت هند بمكة وهي دار كفر بعد ثم اجتمعا في الإسلام قبل انقضاء العدة فكانا على نكاحهما.
واحتج بقوله من دخل دار أبي سفيان فهو آمن من زعم أن فتح مكة كان عنوة لا صلحا وأن للإمام إذا ظهر على قوم كفار أن يؤمن من شاء منهم فيمنَّ عليه ويقتل من شاء منهم وله أن يترك الأرض في أيدي أهلها لا يقسمها بين الغانمين وذلك أن رسول الله ﷺ ترك أرض مكة ودورها في أيدي أهلها ولم يقسمها.
وممن قال أنه فتحها عنوة الأوزاعي وأبو يوسف وأبو عبيد القاسم بن سلام إلاّ أن أبا عبيد زعم أنه منّ على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئا، وكان هذا خاصا لرسول الله ﷺ في مكة ليس لغيره من الأئمة أن يفعل ذلك في شيء من البلدان غيرها وذلك أنها مسجد لجماعة المسلمين وهي مناخ من سبق.
стр. 688
وأجور بيوتها لا تطيب ولا تباع رباعها وليس هذا لغيرها من البلدان.
وقال الشافعي فتحت مكة صلحا وقد سبق لهم أمان فمنهم من أسلم قبل أن يظهر لهم على شيء، ومنهم من لم يسلم وصار إلى قبول الأمان بالقاء السلاح ودخول داره فكيف يغنم مال مسلم أو مال من بذل له الأمان.
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم بن مسكين حدثنا ثابت البناني عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام وأبا عبيدة الجراح وخالد بن الوليد على الخيل فقال يا أبا هريرة اهتف بالأنصار اسلكوا هذا الطريق فلا يشرفن لكم أحد إلاّ انمتموه فنادى مناد لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، فعمد صناديد قريش فدخلوا الكعبة فغص بهم وطاف النبي ﷺ وصلى خلف المقام ثم أخذ بجنبتي الباب فخرجوا فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام.
قلت في قوله لا يشرفن لكم أحد إلاّ انمتموه دليل على أنه إنما عقد لهم الأمان على شرط أن يكفوا عن القتال وأن يلقوا السلاح فإن تعرضوا له أولأصحابه زال الأمان وحل دماؤهم له. وجملة الأمر في قصة فتح مكة أنه لم يكن أمراً منبرماً في أول ما بذل الأمان لهم ولكنه كان أمرا مظنوناً مترددا بين أن يقبلوا الأمان ويمضوا على الصلح وبين أن يحاربوا فأخذ رسول الله ﷺ أهبة القتال ودخل مكة وعلى رأسه المغفر إذ لم يكن من أمرهم على يقين ولا من وفائهم على ثقة فلذلك عرض الالتباس في أمرها والله أعلم.
стр. 689
وقد اختلف الناس في ملك دور مكة ورباعها وكراء بيوتها فروي عن عمر بن الخطاب أنه ابتاع دار السجن بأربعة آلاف درهم وأباح طاوس وعمرو بن دينار بيع رباع مكة وكراء منازلها، وإليه ذهب الشافعي واحتج بقول النبي ﷺ وهل ترك لنا عقيل منزلاً، وذلك أن عقيلا قد كان باع منازل آبائه فرأى النبي ﷺ بيعها ماضيا.
وقالت طائفة لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها، وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وروي عن عطاء وعمر بن عبد العزيز النهي عن كراء بيوتها. وقال أحمد بن حنبل إني لأتوقى الكراء، يَعني أجور بيوت مكة، وأما الشراء فقد اشترى عمر دار السجن. وقال إسحاق كل شيء من دور مكة فإن بيعها وشراءها وإجارتها مكروهة ولكن الشراء أهون.
ومن باب خبر الطائف
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن علي بن سويد حدثنا أبو داود عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا أن لا يحشروا وأن لا يعشروا ولا يجبّوا، فقال رسول الله ﷺ لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا ولا خير في دين ليس فيه ركوع.
قوله لا تحشروا، معناه الحشر في الجهاد والنفير له وقوله وأن لا تعشروا معناه الصدقة أي لا يؤخذ عشر أموالهم وقوله أن لا يجبوا معناه لا يصلوا وأصل التجبية أن يكب الإنسان على مقدّمه ويرفع مؤخره.
قلت ويشبه أن يكون النبي ﷺ إنما سمح لهم بالجهاد والصدقة لأنهما لم يكونا
стр. 690
واجبين في العاجل، لأن الصدقة إنما تجب بحلول الحول، والجهاد إنما يجب لحضور العدو، فأما الصلاة فهي راهنة في كل يوم وليلة في أوقاتها الموقوتة ولم يجز أن يشترطوا تركها، وقد سئل جابر بن عبد الله عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا.
وفي هذا الحديث من العلم أن الكافر يجوز له دخول المسجد لحاجة له فيه أو للمسلم إليه.
ومن باب إيقاف أرض السواد وأرض العنوة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردّبها ودينارها، ثم عدتم من حيث بدأتم قالها زهير ثلاث مرات شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
قلت المدي مكيال أهل الشام، يقال أنه يسع خمسة عشر أو أربعة عشر مكوكا، والأردب مكيال لأهل مصر ويقال أنه يسع أربعة وعشرين صاعا ومعنى الحديث أن ذلك كائن، وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين ويوضع عليها الخراج شيئا مقدراً بالمكاييل والأوزان، وأنه سيمنع في آخر الزمان.
وخرج الأمر في ذلك على ما قاله ﷺ وبيان ذلك ما فعله عمر ﵁ بأرض السواد فوضع على كل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزاً؛ وقد روي عنه اختلاف في مقدار ما وضعه عليها، وفيه مستدل لمن ذهب إلى أن وجوب الخراج لا ينفي وجوب العشر، وذلك لأن العشر إنما يؤخذ بالقفزان والخراج نقداً إما دراهم وإما دنانير.
стр. 691
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وقال رسول الله ﷺ : أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم.
قلت فيه دليل على أن أراضي العنوة حكمها حكم ساتر الأموال التي تغنم وأن خمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها للغانمين.
ومن باب أخذ الجزية
قال أبو داود: حدثنا العباس بن عبد العظيم حدثنا سهل بن محمد حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذوه فأتوا به فحقن له دمه وصالحه على الجزية.
قلت أكيدر دومة رجل من العرب يقال هو من غسان ففي هذا من أمره دلالة على جواز أخذ الجزية من العرب كجوازه من العجم؛ وكان أبو يوسف يذهب إلى أن الجزية لا تؤخذ من عربي. وقال مالك والأوزاعي والشافعي، العربي والعجمي في ذلك سواء.
وكان الشافعي يقول إنما الجزية على الأديان لا على الأنساب. ولولا أن نأثم بتمني الباطل وددنا أن الذي قال أبو يوسف كما قال وأن لا يجري على عربي صغار ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما قضى به.
قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عَن أبي وائل عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم،
стр. 692
يَعني محتلما ديناراً أو عدله من المعافر ثياب تكون باليمن.
قلت في قوله من كل حالم دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكران منه دون الإناث، لأن الحالم عبارة عن الرجل فلا وجوب لها على النساء ولا على المجانين والصبيان.
وفيه بيان أن الدينار مقبول من جماعتهم أغنياؤهم وأوساطهم في ذلك سواء لأن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن وأمره بقتالهم ثم أمره بالكف عنهم إذا أعطوا ديناراً وجعل بذل الدينار حاقنا لدمائهم فكل من أعطاه فقد حقن دمه، وإلى هذا ذهب الشافعي، قال وإنما هو على كل محتلم من الرجال الأحرار دون العبيد.
وقال أصحاب الرأي وأحمد بن حنبل يوضع على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهما وأربعة وعشرون واثنا عشر.
وقال أحمد على قدر ما يطيقون، قيل له فيزداد في هذا اليوم وينقص، قال نعم على قدر طاقتهم وعلى قدر ما يرى الإمام، وقد علق الشافعي القول في إلزام الفقير الجزية.
قال أبو داود: حدثنا مصرف بن عمرو اليامي حدثنا يونس بن بكير حدثنا اسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي عن ابن عباس قال صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعاً وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون فيها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم أن كان باليمن كيد ذات غدرة.
قلت هذا وقع في كتابي، وفي رواية غيرها كيد ذات غدر، وهذا أصوب
стр. 693
على أن لا تهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثاً أو يأكلوا الربا.
قلت في هذا دليل على أن للإمام أن يزيد وينقص فيما يقع عليه الصلح من دينار وأكثر على قدر طاقتهم ووقوع الرضا منهم به. وفيه دليل على أن العارية مضمونة.
وقوله كيد ذات غدر يريد الحرب. أخبرني أبو عمر قال: قال ابن الأعرابي الكيد الحرب، ومنه ما جاء في بعض الحديث أن رسول الله ﷺ خرج في بعض مغازيه فلم يلق كيداً أي حرباً.
ومن باب أخذ الجزية من المجوس
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع بجالة يحدث عمرو بن أوس وأبا الشعثاء كنت كاتباً لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة اقتلوا كل ساحر وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس وانهوهم عن الزمزمة، فقتلنا في يوم ثلاث سواحر وفرقنا بين كل رجل من المجوس وحريمه في كتاب الله وصنع طعاماً كثيراً فدعاهم فعرض السيف على فخذه فأكلوا ولم يزمزموا وألقوا وقر بغل أو بغلين من الورق ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر.
قوله ألقوا وقر بغل أو بغلين من الورق يريد أخِلة من الورق يأكلون بها، قلت ولم يحملهم عمر على هذه الأحكام فيما بينهم وبين أنفسهم إذا خلوا، وإنما منعهم من إظهار ذلك للمسلمين وأهل الكتاب لا يكشفون عن أمورهم
стр. 694
التي يتدينون بها ويستعملونها فيما بينهم إلاّ أن يترافعوا إلينا في الأحكام. فإذا فعلوا ذلك فإن على حاكم المسلمين أن يحكم فيهم بحكم الله المنزل وإن كان ذلك في الأنكحة فرق بينهم وبين ذوات المحارم كما يفعل ذلك في المسلمين.
وفي امتناع عمر من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر دليل على أن رأي الصحابة أنه لا تقبل الجزية من كل مشرك كما ذهب إليه الأوزاعي وإنما تقبل من أهل الكتاب.
وقد اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله أخذت منهم الجزية فذهب الشافعي في أغلب قوليه إلى أنها إنما قبلت منهم لأنهم من أهل الكتاب، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب.
وقال أكثر أهل العلم انهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أخذت الجزية من اليهود والنصارى بالكتاب ومن المجوس بالسنة.
واتفق عامة أهل العلم على تحريم نكاح نسائهم وذبائحهم وسمعت ابن أبي هريرة يحكي عن إبراهيم الحربي أنه قال لم يزل الناس متفقين على تحريم نكاح المجوس حتى جاءنا خلاف من الكرخ، يَعني أبا ثور.
ومن باب تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إنما العشور على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور.
قوله ليس على المسلمين عشور يريد عشور التجارات والبياعات دون عشور الصدقات.
стр. 695
قلت والذي يلزم اليهود والنصارى من العشور هو ما صالحوا عليه وقت العقد فإن لم يصالحوا عليه فلا عشور عليهم ولا يلزمهم شيء أكثر من الجزية فأما عشور غلات أرضيهم فلا تؤخذ منهم، وهذا كله على مذهب الشافعي.
وقال أصحاب الراي إن أخذوا منا العشورفي بلادهم إذا اختلف المسلمون إليهم في التجارات أخذناها منهم وإلا فلا.
ومن باب الذمي يسلم في بعض السنة
هل عليه الجزية
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن الجراح عن جرير عن قابوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ليس على مسلم جزية.
قلت هذا يتأول على وجهين أحدهما أن معنى الجزية الخراج فلو أن يهوديا أسلم وكانت في يده أرض صولح عليها وضعت عن رقبته الجزية وعن أرضه الخراج وهو قول سفيان والشافعي، قال سفيان وإن كانت الأرض مما أخذ عنوة ثم أسلم صاحبها وضعت عنه الجزية وأقر على أرضه الخراج.
والوجه الآخر أن الذمي إذا أسلم وقد مر بعض الحول لم يطالب بحصة ما مضى من السنة كما لا يطالب المسلم بالصدقة إذا باع الماشية قبل مضي الحول لأنها حق يجب باستكمال الحول.
واختلفوا فيه إذا أسلم بعد استكمال الحول فقال أبو عبيد لا يستأدي الجزية لما مضى واحتج فيه بالأثر عن عمر بن الخطاب.
وقال أبو حنيفة إذا مات أحد منهم وعليه شيء من جزية رأسه لم يؤخذ بذلك ورثته ولم يؤخذ ذلك من تركته. لأن ذلك ليس بدين عليه وإن أسلم أحد منهم وقد بقي عليه شيء منها سقط عنه ولم يؤخذ منه.
стр. 696
وعند الشافعي يطالب به ويراه كالدين لا يسقط عنه إلاّ بالأداء؛ وقد علق القول فيه أيضاً، وقوله مع الجماعة أولى والله أعلم.
ومن باب الإمام يقبل هدايا المشركين
قال أبوداود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو داود حدثنا عمران عن قتادة عن يزيد بن عبد بن الشخير عن عياض بن حماد، قال أهديت للنبي ﷺ ناقة فقال هل أسلمت قلت لا، فقال النبي ﷺ إني نهيت عن زبد المشركين.
الزبد العطاء، وفي رده هديته وجهان أحدهما أن يغيظه برد الهدية فيمتعض منه فيحمله ذلك على الاسلام. والآخر أن للهدية موضعاً من القلب، وقد روي تهادوا تحابوا، ولا يجوز عليه ﷺ أن يميل بقلبه إلى مشرك فرد الهدية قطعاً لسبب الميل.
وقد ثبت أن النبي ﷺ قبل هدية النجاشي وليس ذلك بخلاف لقوله نهيت عن زبد المشركين لأنه رجل من أهل الكتاب ليس بمشرك، وقد أبيح لنا طعام أهل الكتاب ونكاحهم وذلك خلاف حكم أهل الشرك.
ومن باب إقطاع الأرضين
قال أبو داود: حدثنا العباس بن محمد بن حاتم حدثنا الحسين بن محمد أخبرنا أبو أويس حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ اقطع بلال بن الحارث معادن القبليّة جلسيها وغورّيها وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم، وكتب له النبي ﷺ بذلك كتاباً؛ قال أبو أويس وحدثني ثور بن زيد مولى بني الديل عن عكرمة عن ابن عباس مثله.
стр. 697
قلت يقال إن معادن القبلية من ناحية القُرُع. وقوله جلسيها يريد نجديها ويقال لنجد جَلْس. قال الأصمعي وكل مرتفع جلس، والغور ما انخفض من الأرض يريد أنه اقطعه وِهادها ورُباها.
قلت إنما يقطع الناس من بلاد العنوة ما لم يحزه ملك مسلم فإذا اقطع رجلاً بياض أرض فإنه يملكها بالعمارة والاحياء ويثبت ملكه عليها فلا تتزع من يده أبدا. فإذا اقطعه معدنا نظر فإن كان المعدن شيئا ظاهرا كالنفط والقير ونحوهما فإنه مردود لأن هذه الأشياء منافع حاصلة وللناس فيها مرفق وهي لمن سبق إليها ليس لأحد أن يتملكها فيستأثر بها على الناس، وإن كان لها معدن من معادن الذهب والفضة أو النحاس وسائر الجواهر المستكنة في الأرض المختلطة بالتربة والحجارة التي لا تستخرج إلاّ بمعاناة ومؤنة فإن العطية ماضية إلاّ أنه لا يملك رقبتها حتى يحظرها على غيره إذا عطلها وترك العمل فيها، إنما له أن يعمل فيها ما بدا له أن يعمل فإذا ترك العمل خلي بينه وبين الناس، وهذا كله على معاني الشافعي.
وفي قوله ولم يعطه حق مسلم دليل على أن من ملك أرضا مرة ثم عطلها أو غاب عنها فإنها لا تملك عليه باقطاع أو احياء وهي باقية على ملكه الأول.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن المتوكل العسقلاني المعنى واحد إن محمد بن يحيى بن قيس المازني حدثهم قال أخبرني أبي عن ثمامة بن شراحيل عن سُمي بن قيس عن شمير قال ابن المتوكل بن عبد المدان عن أبيض بن حمال أنه وفد إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه الملح الذي بمأرب فقطعه له فلما أن ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما اقطعت له إنما اقطعت له الماء العِدّ قال فانتزع منه، قال وسأل عما يحمي من الأراك قال ما لم تنله اخفاف الإبل.
стр. 698
قلت وهذا يبين ما قلنا من أن المعدن الظاهر الموجود خيره ونفعه لا يقطعه أحد، والماء العد هو الماء الدائم الذي لا ينقطع.
وفيه من الفقه أن الحاكم إذا تبين الخطأ في حكم نقضه وصار إلى ما استبان من الصواب في الحكم الثاني.
وقوله ما لم تنله اخفاف الإبل ذكر أبو داود عن محمد بن الحسن المخزومي أنه قال معناه أن الإبل تأكل منتهى رؤوسها ويحمي ما فوقه.
وفيه وجه آخر وهو أنه إنما يحمي من الأراك ما بعد عن حضرة العمارة فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت في الرعي.
وفي هذا دليل على أن الكلأ والرعي لا يمنع من السارحة وليس لأحد أن يستأثر به دون سائر الناس.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن أحمد القرشي حدثنا عبد الله بن الزبير حدثنا فرج بن سعيد حدثني عمي ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده عن أبيض بن حمال أنه سأل رسول الله ﷺ عن حمى الأراك فقال رسول الله ﷺ لا حمى في الأراك قال أراكة في حظاري، قال فرج، يَعني بحظاري الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها.
قلت يشبه أن يكون هذه الأراكة يوم إحياء الأرض وحظر عليها قائمة فيها فملك الأرض بالاحياء ولم يملك الأراكة إذ كانت مرعى السارحة، فأما الأراك إذا نبت في ملك رجل فإنه محمي لصاحبه غير محظور عليه يملكه والتصرف فيه ولا فرق بينه وبين سائر الشجر الذي يتخذه الناس في أراضيهم.
قال أبو داود: حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا الفريابي حدثنا أبان قال عمر وهو
стр. 699
ابن عبد الله بن أبي حازم قال حدثني عثمان بن أبي حازم عن أبيه عن جده صخر أن رسول الله ﷺ غزا ثقيفا، فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يُمد رسول الله ﷺ فوجد نبي الله ﷺ قد انصرف ولم يفتح فجعل صخر يومئذ عهد الله وذمته أن لا يفارق هذا القصر حتى ينزلوا على عهد رسول الله ﷺ فلم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فكتب إليه صخر: أما بعد؛ فإن ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله وأنا مقبل إليهم وهم في خيل فأمر رسول الله ﷺ بالصلاة جامعة فدعا لأحمس عشر دعوات، اللهم بارك لأحمس في خيلها ورجالها، فأتاه القوم فتكلم المغيرة بن شعبة، قال يا نبي الله إن صخرا قد أخذ عمتي وقد أسلمت ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه فقال يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم فادفع إلى المغيرة عمته فدفعها إليه وسأل النبي ﷺ ما لبني سليم قد هربوا عن الإسلام وتركوا ذلك الماء، فقال يا نبي الله أنزلنيه أنا وقومي، قال نعم فأنزله وأسلم السُلميون فأتوا صخراً فسألوه أن يدفع إليهم الماء فأبى فأتوا النبي ﷺ فقالوا يا نبي الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فدعاه فقال يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إلى القوم ماءهم، قال نعم يا نبي الله فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء.
قلت يشبه أن يكون أمره برد الماء عليهم إنما هوعلى معنى استطابة النفس عنه ولذلك كان يظهر في وجهه أثر الحياء، والأصل أن الكافر إذا هرب عن مال له فإنه يكون فيئا فإذا صار فيئا وقد ملكه رسول الله ﷺ ثم جعله لصخر فانه لا ينتقل عنه ملكه إليهم باسلامهم فيما بعد ولكنه استطاب نفس
стр. 700
صخر عنه ثم رده عليهم تألفا لهم على الإسلام وترغيبا لهم في الدين والله أعلم.
وأما رده المرأة فقد يحتمل أن يكون على هذا المعنى أيضاً كما فعل ذلك في سبي هوازن بعد أن استطاب أنفس الغانمين عنها، وقد يحتمل أن يكون ذلك الأمر فيها بخلاف ذلك لأن القوم إنما نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فكان السبي والدماء والأموال موقوفة على ما يريه الله فيهم فرأى ﷺ أن ترد المرأه وأن لا تسيى.
قال أبو داود: حدثنا حسين بن علي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو بكر بن عياش عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله ﷺ اقطع الزبير نخلاً.
قلت النخل مال ظاهر العين حاضر النفع كما المعادن الظاهرة فيشبه أن يكون إنما أعطاه ذلك من الخمس الذي هو سهمه، وكان أبو إسحاق المروزي يتأول اقطاع النبي ﷺ المهاجرين الدور على معنى العارية.
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل المعنى واحد قالا: حَدَّثنا عبد الله بن حسان العنبري حدثتني جدتاي صفية ودُحيبة ابنتا عُليبة وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة وكانت جدة أبيهما أنها أخبرتهما، قالت قدمنا على رسول الله ﷺ قالت وتقدم صاحبي تعني حريث بن حسان وافد بكر بن وائل فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه، ثم قال يا رسول الله اكتب بيننا وبين بني تميم بالدهناء أن لا يجاوزها إلينا منهم إلاّ مسافر أو مجاور، قال اكتب له يا غلام بالدهناء، فلما رأيته قد أمر له بها شخص بي وهي وطني وداري
стр. 701
فقلت له يا رسول الله أنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك إنما هو هذه الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك، فقال امسك ياغلام صدقت المسكينة المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفَتّان.
قوله مقيد الجمل أي مرعى الجمل ومسرحه فهولا يبرح منه ولا يتجاوزه في طلب المرعى فكأنه مقيد هناك كقول الشاعر:
خليليّ بالموماة عُوجا فلا أرى ... بها منزلاً إلاّ جَريب المقيّد
وفيه من الفقه أن المرعى لا يجوز إقطاعه وأن الكلأ بمنزلة الماء لا يمنع.
وقوله يسعهما الماء والشجر يأمرهما بحسن المجاورة وينهاهما عن سوء المشاركة وقوله ويتعاونا على الفتان، يقال معناه الشيطان الذي يفتن الناس عن دينهم ويضلهم ويروى الفتان بضم الفاء وهو جماعة الفاتن كما قالوا كاهن وكهان.
ومن باب احياء الموات
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال من أحيى أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق.
قلت إحياء الموات إنما يكون بحفره وتحجيره وبإجراء الماء إليه وبنحوها من وجوه العمارة، فمن فعل ذلك فقد ملك به الأرض سواء كان ذلك بإذن السلطان أو بغير إذنه، وذلك لأن هذا كلمة شرط وجزاء فهو غير مقصور على عين دون عين ولا على زمان دون زمان، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة لا يملكها بالاحياء حتى يأذن له السلطان في ذلك وخالفه صاحباه فقالا كقول عامة العلماء.
стр. 702
وقوله ليس لعرق ظالم حق هو أن يغرس الرجل في غير أرضه بغير إذن صاحبها فإنه يؤمر بقلعه إلاّ أن يرضى صاحب الأرض بتركه.
قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه قال ولقد خبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال فلقد رأيتها وانها لتضرب أصولها بالفؤوس وأنها لنخل عُم حتى أخرجت منها.
قوله نخل عم أي طوال واحدها عميم ورجل عميم إذا كان تام الخلق.
قال أبو داود: حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن كلثوم عن زينب أنها كانت تفلي رأس رسول الله ﷺ وعنده امرأة عثمان بن عفان ونساء من المهاجرات وهن يشتكين منازلهن أنها تضيق عليهن ويخرجن منها فأمر رسول الله ﷺ أن تورث دور المهاجرين النساء فمات عبد الله بن مسعود فورثته امرأته داراً بالمدينة.
قلت قد روي عن النبي ﷺ أنه أقطع المهاجرين الدور بالمدينة فتأولوها علي وجهين أحدهما أنه إنما كان أقطعهم العَرصة ليبتنوا فيها الدور، فعلى هذا الوجه يصح ملكهم في البناء الذي أحدثوه في العرصة. والوجه الآخر أنهم إنما أقطعوا الدور عارية، وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي، وعلى هذا الوجه لا يصح الملك فيها وذلك أن الميراث لا يجري إلاّ في فيما كان الموروث مالكاً له وقد وضعه أبو داود في باب احياء الموات، فقد يحتمل أن يكون إنما أحيا تلك البقاع بالبناء فيها إذ كانت غير مملوكة لأحد قبل والله أعلم.
стр. 703
وقد يكون نوع من الاقطاع ارفاقاً من غير تمليك وذلك كالمقاعد في الأسواق والمنازل في الأسفار إنما يرتفق بها ولا تملك.
فأما توريثه الدور نساء المهاجرين خصوصا؛ فيشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن بها فجاز لهن الدور لما رأى من المصلحة في ذلك.
وفيه وجه آخر وهو أن تكون تلك الدور في أيديهن مدة حياتهن على سبيل الإرفاق بالسكنى دون الملك كما كانت دور النبي ﷺ وحجره في أيدي نسائه بعده لا على سبيل الميراث فإنه ﷺ قال نحن لا نورث ما تركناه صدقة. ويحكى عن سفيان بن عيينة أنه قال كان نساء النبي ﷺ في معنى المعتدات لأنهن لا ينكحن وللمعتدة السكنى فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن ولا يملكن رقابها.
ومن باب الدخول في أرض الخراج
قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي الحمصي حدثنا بقية حدثني عمارة بن أبي الشعثاء حدثني سنان بن قيس حدثني شبيب بن نعيم حدثني يريد بن خمير حدثني أبو الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ من أخذ أرضا بجزيتها فقد استقال حجرته، ومن نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه فقد ولى الإسلام ظهره.
قلت معنى الجزية ههنا الخراج، ودلالة الحديث أن المسلم إذا اشترى أرضا خراجية من كافر فإن الخراج لا يسقط عنه، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي إلاّ أنهم لم يروا فيما أخرجت من حب عشراً، وقالوا لا يجتمع الخراج مع العشر.
وقال عامة أهل العلم العشر عليه واجب فيما أخرجته الأرض من حب إذا
стр. 704
بلغ خمسة أوساق.
والخراج عند الشافعي على وجهين: أحدهما جزية والآخر بمعنى الكراء والأجرة. فإذا فتحت الأرض صلحاً على أن أرضها لأهلها فما وضع عليها من خراج فمجراها مجرى الجزية التي تؤخذ من رؤوسهم، فمن أسلم منهم سقط ما عليه من الخراج كما يسقط ما على رقبته من الجزية ولزومه العشر فيما أخرجت أرضه وإن كان الفتح إنما وقع على أن الأرض للمسلمين ويؤدى في كل سنة عنها شيئا فالأرض للمسلمين وما يؤخذ منهم عنها فهو أجرة الأرض فسواء من أسلم منهم أو أقام على كفره فعليه أداء ما اشترط عليه ومن باع منهم شيئا من تلك الأرضين فبيعه باطل لأنه باع ما لا يملك. وهذا سبيل أرض السواد عنده.
ومن باب الأرض يحميها الرجل
قال أبو داود: حدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ قال لا حمى إلاّ لله ولرسوله قال ابن شهاب وبلغني أن رسول الله ﷺ حمى النقيع.
قلت قوله لا حمى إلاّ لله ولرسوله، يريد لا حمى إلاّ على معنى ما أباحه رسول الله ﷺ وعلى الوجه الذي حماه، وفيه إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من ذلك وكان الرجل العزيز منهم إذا انتجع بلداً مخصباً أوفى بكلب على جبل أوعلى نشر من الأرض ثم استعوى الكلب ووقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء فحيث انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه ومنع الناس منه.
стр. 705
فأما ما حماه رسول الله ﷺ لمهازيل إبل الصدقة ولضعفى الخيل كالنقيع وهو مكان معروف مستنقع للمياه ينبت فيه الكلأ، وقد يقال أنه مكان ليس بحد واسع يضيق بمثله على المسلمين المرعى فهو مباح وللأئمة أن يفعلوا ذلك على النظر ما لم يضق منه على العامة المرعى، وهذا الكلام الذي سقته معنى كلام الشافعي في بعض كتبه.
ومن باب الركاز
قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا ابن أبي فديك الزَمعي عن عمته قريبة بنت عبد الله بن وهب عن أمها كريمة بنت المقداد عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أخبرته؛ قالت ذهب المقداد لحاجته ببقيع الخبخبة فإذا جرذ يخرج من جحر ديناراً ثم لم يزل يخرج ديناراً دينارا ختى أخرج سبعة عشر دينارا ثم أخرج خرقة حمراء، يَعني فيها دينارا فكانت ثمانية عشر دينارا فذهب بها إلى النبي ﷺ فأخبره وقال له خذ صدقتها، فقال له النبي ﷺ هل أهويت للجحر، قال لا فقال له رسول الله ﷺ بارك الله لك فيها.
قوله هل أهويت للجحر يدل على أنه لو أخذها من الجحر لكان ركازاً يجب في الخمس.
وقوله بارك الله لك فيها لا يدل على أنه جعلها له في الحال ولكنه محمول على بيان الأمر في اللقطة التي إذا عرفت سنة فلم تعرف كانت لآخذها.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة سمعا أبا هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال في الركاز الخمس.
قال أبو داود: حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا عباد بن العوام عن هشام عن الحسن
следующие страницы →