← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فقلت له يا رسول الله أنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك إنما هو هذه الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك، فقال امسك ياغلام صدقت المسكينة المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفَتّان. قوله مقيد الجمل أي مرعى الجمل ومسرحه فهولا يبرح منه ولا يتجاوزه في طلب المرعى فكأنه مقيد هناك كقول الشاعر: خليليّ بالموماة عُوجا فلا أرى ... بها منزلاً إلاّ جَريب المقيّد وفيه من الفقه أن المرعى لا يجوز إقطاعه وأن الكلأ بمنزلة الماء لا يمنع. وقوله يسعهما الماء والشجر يأمرهما بحسن المجاورة وينهاهما عن سوء المشاركة وقوله ويتعاونا على الفتان، يقال معناه الشيطان الذي يفتن الناس عن دينهم ويضلهم ويروى الفتان بضم الفاء وهو جماعة الفاتن كما قالوا كاهن وكهان. ومن باب احياء الموات قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال من أحيى أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق. قلت إحياء الموات إنما يكون بحفره وتحجيره وبإجراء الماء إليه وبنحوها من وجوه العمارة، فمن فعل ذلك فقد ملك به الأرض سواء كان ذلك بإذن السلطان أو بغير إذنه، وذلك لأن هذا كلمة شرط وجزاء فهو غير مقصور على عين دون عين ولا على زمان دون زمان، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة لا يملكها بالاحياء حتى يأذن له السلطان في ذلك وخالفه صاحباه فقالا كقول عامة العلماء.

стр. 702

وقوله ليس لعرق ظالم حق هو أن يغرس الرجل في غير أرضه بغير إذن صاحبها فإنه يؤمر بقلعه إلاّ أن يرضى صاحب الأرض بتركه. قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه قال ولقد خبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال فلقد رأيتها وانها لتضرب أصولها بالفؤوس وأنها لنخل عُم حتى أخرجت منها. قوله نخل عم أي طوال واحدها عميم ورجل عميم إذا كان تام الخلق. قال أبو داود: حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن كلثوم عن زينب أنها كانت تفلي رأس رسول الله ﷺ وعنده امرأة عثمان بن عفان ونساء من المهاجرات وهن يشتكين منازلهن أنها تضيق عليهن ويخرجن منها فأمر رسول الله ﷺ أن تورث دور المهاجرين النساء فمات عبد الله بن مسعود فورثته امرأته داراً بالمدينة. قلت قد روي عن النبي ﷺ أنه أقطع المهاجرين الدور بالمدينة فتأولوها علي وجهين أحدهما أنه إنما كان أقطعهم العَرصة ليبتنوا فيها الدور، فعلى هذا الوجه يصح ملكهم في البناء الذي أحدثوه في العرصة. والوجه الآخر أنهم إنما أقطعوا الدور عارية، وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي، وعلى هذا الوجه لا يصح الملك فيها وذلك أن الميراث لا يجري إلاّ في فيما كان الموروث مالكاً له وقد وضعه أبو داود في باب احياء الموات، فقد يحتمل أن يكون إنما أحيا تلك البقاع بالبناء فيها إذ كانت غير مملوكة لأحد قبل والله أعلم.

стр. 703

وقد يكون نوع من الاقطاع ارفاقاً من غير تمليك وذلك كالمقاعد في الأسواق والمنازل في الأسفار إنما يرتفق بها ولا تملك. فأما توريثه الدور نساء المهاجرين خصوصا؛ فيشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن بها فجاز لهن الدور لما رأى من المصلحة في ذلك. وفيه وجه آخر وهو أن تكون تلك الدور في أيديهن مدة حياتهن على سبيل الإرفاق بالسكنى دون الملك كما كانت دور النبي ﷺ وحجره في أيدي نسائه بعده لا على سبيل الميراث فإنه ﷺ قال نحن لا نورث ما تركناه صدقة. ويحكى عن سفيان بن عيينة أنه قال كان نساء النبي ﷺ في معنى المعتدات لأنهن لا ينكحن وللمعتدة السكنى فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن ولا يملكن رقابها. ومن باب الدخول في أرض الخراج قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي الحمصي حدثنا بقية حدثني عمارة بن أبي الشعثاء حدثني سنان بن قيس حدثني شبيب بن نعيم حدثني يريد بن خمير حدثني أبو الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ من أخذ أرضا بجزيتها فقد استقال حجرته، ومن نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه فقد ولى الإسلام ظهره. قلت معنى الجزية ههنا الخراج، ودلالة الحديث أن المسلم إذا اشترى أرضا خراجية من كافر فإن الخراج لا يسقط عنه، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي إلاّ أنهم لم يروا فيما أخرجت من حب عشراً، وقالوا لا يجتمع الخراج مع العشر. وقال عامة أهل العلم العشر عليه واجب فيما أخرجته الأرض من حب إذا

стр. 704

بلغ خمسة أوساق. والخراج عند الشافعي على وجهين: أحدهما جزية والآخر بمعنى الكراء والأجرة. فإذا فتحت الأرض صلحاً على أن أرضها لأهلها فما وضع عليها من خراج فمجراها مجرى الجزية التي تؤخذ من رؤوسهم، فمن أسلم منهم سقط ما عليه من الخراج كما يسقط ما على رقبته من الجزية ولزومه العشر فيما أخرجت أرضه وإن كان الفتح إنما وقع على أن الأرض للمسلمين ويؤدى في كل سنة عنها شيئا فالأرض للمسلمين وما يؤخذ منهم عنها فهو أجرة الأرض فسواء من أسلم منهم أو أقام على كفره فعليه أداء ما اشترط عليه ومن باع منهم شيئا من تلك الأرضين فبيعه باطل لأنه باع ما لا يملك. وهذا سبيل أرض السواد عنده. ومن باب الأرض يحميها الرجل قال أبو داود: حدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ قال لا حمى إلاّ لله ولرسوله قال ابن شهاب وبلغني أن رسول الله ﷺ حمى النقيع. قلت قوله لا حمى إلاّ لله ولرسوله، يريد لا حمى إلاّ على معنى ما أباحه رسول الله ﷺ وعلى الوجه الذي حماه، وفيه إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من ذلك وكان الرجل العزيز منهم إذا انتجع بلداً مخصباً أوفى بكلب على جبل أوعلى نشر من الأرض ثم استعوى الكلب ووقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء فحيث انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه ومنع الناس منه.

стр. 705

فأما ما حماه رسول الله ﷺ لمهازيل إبل الصدقة ولضعفى الخيل كالنقيع وهو مكان معروف مستنقع للمياه ينبت فيه الكلأ، وقد يقال أنه مكان ليس بحد واسع يضيق بمثله على المسلمين المرعى فهو مباح وللأئمة أن يفعلوا ذلك على النظر ما لم يضق منه على العامة المرعى، وهذا الكلام الذي سقته معنى كلام الشافعي في بعض كتبه. ومن باب الركاز قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا ابن أبي فديك الزَمعي عن عمته قريبة بنت عبد الله بن وهب عن أمها كريمة بنت المقداد عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أخبرته؛ قالت ذهب المقداد لحاجته ببقيع الخبخبة فإذا جرذ يخرج من جحر ديناراً ثم لم يزل يخرج ديناراً دينارا ختى أخرج سبعة عشر دينارا ثم أخرج خرقة حمراء، يَعني فيها دينارا فكانت ثمانية عشر دينارا فذهب بها إلى النبي ﷺ فأخبره وقال له خذ صدقتها، فقال له النبي ﷺ هل أهويت للجحر، قال لا فقال له رسول الله ﷺ بارك الله لك فيها. قوله هل أهويت للجحر يدل على أنه لو أخذها من الجحر لكان ركازاً يجب في الخمس. وقوله بارك الله لك فيها لا يدل على أنه جعلها له في الحال ولكنه محمول على بيان الأمر في اللقطة التي إذا عرفت سنة فلم تعرف كانت لآخذها. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة سمعا أبا هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال في الركاز الخمس. قال أبو داود: حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا عباد بن العوام عن هشام عن الحسن

стр. 706

قال الركاز الكنز العادي. قلت الركاز على وجهين فالمال الذي يوجد مدفونا لا يعلم له مالك ركاز لأن صاحبه قد كان ركزه في الأرض أي أثبته فيها. والوجه الثاني من الركاز عروق الذهب والفضة فتستخرج بالعلاج ركزها الله في الأرض ركزاً، والعرب تقول أركز المعدن إذا أنال الركاز. والحديث إنما جاء في النوع الأول منهما وهو الكنز الجاهلي على ما فسره الحسن، وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة نيله والأصل إن ما خفت مؤونته كثر مقدار الواجب فيه وما كثرت مؤونته قل مقدار الواجب فيه كالعشر فيما سقي بالأنهار ونصف العشر فيما سقي بالدواليب. واختلفوا في مصرف الركاز، فقال أبو حنيفة يصرف مصرف الفيء، وقال الشافعي يصرف مصرف الصدقات، واحتجوا لأبي حنيفة بأنه مال مأخوذ من أيدي المشركين، واحتجوا للشافعي بأنه مال مستفاد من الأرض كالزرع وبأن الفيء يكون أربعة أخماسه للمقاتلة وهذا المال يختص به الواجد له كمال الصدقة. ومن باب نبش القبور العادية يكون فيها المال قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير، قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله ﷺ حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر

стр. 707

فقال رسول الله ﷺ هذا قبر أبي رغال وكان بهذا الحرم يُدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه. وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن. قلت هذا سبيله سبيل الركاز لأنه مال من دفن الجاهلية لا يعلم مالكه، وكان أبو رغال من بقية قوم عاد أهلكهم الله فلم يبق لهم نسل ولا عقب فصار حكم ذلك المال حكم الركاز. وفيه دليل على جواز نبش قبور المشركين إذا كان فيه أرب أو نفع للمسلمين وان ليست حرمتهم في ذلك كحرمة المسلمين.

стр. 708

كتاب البيوع من باب التجارة يخالطها الحلف والكذب أخبرنا الشيخ الإمام أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن محمد الروياني بقراءتي عليه بآمد طبرستان فأقر به في شهور سنة تسع وتسعين وأربعمائة قال أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد البلخي، قال أخبرنا أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي،، قال: حَدَّثنا أبو بكر محمد بن بكر بن داسة قال: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ﵀؛، قال: حَدَّثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش، عَن أبي وائل عن قيس بن أبي غرزة قال كنا في عهد رسول الله ﷺ نسمى السماسرة فمر بنا رسول الله ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه فقال يا معشر التجار أن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة. قال الشيخ أبو سليمان السمسار أعجمي وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عجما فتلقنوا هذا الاسم عنهم فغيره رسول الله ﷺ إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قول فسمانا باسم هو أحسن منه. وقد تدعو العرب التاجر أيضاً الرّقاحي والترقيح في كلامهم إصلاح المعيشة. وقد احتج بهذا الحديث بعض أهل الظاهر ممن لا يرى الزكاة في أموال التجارة وزعم أنه لو كان تجب فيها صدقة كما تجب في سائر الأموال الظاهرة لأمرهم

стр. 709

النبي ﷺ بها ولم يقتصر على قوله فشوبوه بالصدقة أو بشيء من الصدقه. قال الشيخ وليس فيما ذكروه دليل على ما ادعوه لأنه إنما أمرهم في هذا الحديث بشيء من الصدقه غير معلوم المقدار في تضاعيف الأيام ومر الأوقات ليكون كفارة عن اللغو والحلف. فأما الصدقة المقدرة التي هي ربع العشر الواجبة عند تمام الحول فقد وقع البيان فيها من غير هذه الجهة، وقد روى سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التي يعدونها للبيع، وقد ذكره أبو داود في كتاب الزكاة ثم هو عمل الأمة وإجماع أهل العلم فلا يعد قول هؤلاء معهم خلافا. ومن باب استخراج المعادن قال أبو داود: حدثنا القعنبي، قال: حَدَّثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو، يَعني ابن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا لزم غريماً له بعشرة دنانير فقال والله ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل قال فتحمل بها رسول الله ﷺ فأتاه بقدر ما وعده، فقال له النبي ﷺ من أين أصبت هذا الذهب قال من معدن، قال لا حاجة لنا فيها ليس فيها خير فقضاها عنه رسول الله ﷺ . قال الشيخ في هذا الحديث إثبات الحمالة والضمان وفيه إثبات ملازمة الغريم ومنعه من التصرف حتى يخرج من الحق الذي عليه. وأما رده الذهب الذي استخرجه من المعدن، وقوله لا حاجة لنا فيه ليس فيه خير فيشبه أن يكون ذلك لسبب علمه فيه خاصة لا من جهة أن الذهب المستخرج من المعدن لا يباح تموله وتملكه، فإن عامة الذهب والورق مستخرجة من المعادن، وقد اقطع

стр. 710

رسول الله ﷺ بلال بن الحارث المعادن القبليه وكانوا يؤدون عنها الحق وهو عمل المسلمين وعليه أمرالناس إلى اليوم. ويحتمل أن يكون ذلك من أجل أن أصحاب المعادن يبيعون ترابها ممن يعالجه فيحصل ما فيه من ذهب أو فضفه وهوغرر لا يدرى هل يوجد فيه شيء منهما أم لا. وقد كره بيع تراب المعادن جماعة من العلماء منهم عطاء والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وفيه وجه آخر وهو أن مع قوله لا حاجة لنا فيها ليس لنا فيها خير، أي ليس لها رواج ولا لحاجتنا فيها نجاح، وذلك أن الذي كان تحمله عنه دنانير مضروبة، والذي جاء به تبر غير مضروب وليس بحضرته من يضربه دنانير وإنما كان تحمل إليهم الدنانير من بلاد الروم، وأول من وضع السكة في الإسلام وضرب الدنانير عبد الملك بن مروان، وقد يحتمل ذلك أيضاً وجها آخر وهو أن يكون إنما كرهه لما يقع فيه من الشبهة ويدخله من الغرر عند استخراجهم إياه من المعدن وذلك أنهم إنما استخرجوه بالعشر أو الخمس أو الثلث مما يصيبونه وهو غرر لا يدرى هل يصيب العامل فيه شيئا أم لا، فكان ذلك بمنزلة العقد على رد الآبق والبعير الشارد لأنه لا يدرى هل يظفر بهما أم لا. وفيه أيضاً نوع من الخطر والتغرير بالأنفس لأن المعدن ربما انهار على من يعمل فيه فكره من أجل ذلك معالجته واستخراج ما فيه. وكانت الدنانير تحمل إليهم في زمان النبي ﷺ من بلاد الروم وكان أول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان فهي تدعي المروانية إلى هذا الزمان.

стр. 711

ومن باب في اجتناب الشبهات قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حَدَّثنا أبو شهاب، قال: حَدَّثنا ابن عون عن الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات. أحيانا يقول مشتبهة وسأضرب في ذلك مثلا ان الله تعالى حمَى حِمىً وإن حمى الله ما حرم وأنه من يرعى حول الحمى يوشك أن يخالطه وأنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر. قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي،، قال: حَدَّثنا عيسى حدثنا زكريا عن عامر، قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذا الحديث قال وبينهما مشتبهات ولا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرى دينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام. قال الشيخ هذا الحديث أصل في الورع وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبهة والريب. ومعنى قوله وبينهما أمور مشتبهات أي أنها تشتبه على بعض الناس دون بعض وليس أنها في ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها في جملة أصول الشريعة فان الله تعالى لم يترك شيئا يجب له فيها حكم إلاّ وقد جعل فيه بياناً ونصب عليه دليلا ولكن البيان ضربان، بيان جلي يعرفه عامة الناس كافة، وبيان خفي لا يعرفه إلاّ الخاص من العلماء الذين عنوا بعلم الأصول فاستدركوا معاني النصوص، وعرفوا طرق القياس والاستنباط ورد الشيء إلى المثل والنظير. ودليل صحة ما قلناه وإن هذه الأمور ليست في أنفسها مشتبهة قوله لا يعرفها

стр. 712

كثير من الناس وقد عقل ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها وإن كانوا قليلي العدد فإذا صار معلوماً عند بعضهم فليس بمشتبه في نفسه ولكن الواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف ويستبري الشك ولا يقدم إلاّ على بصيرة فإنه إن أقدم على الشيء قبل التثبت والتبين لم يأمن أن يقع في المحرم عليه وذلك معنى الحمى وضربه المثل به. وقوله الحلال بين والحرام بين أصل كبير في كثير من الأمور والأحكام إذا وقعت فيها الشبهة أو عرض فيها الشك ومهما كان ذلك فإن الواجب أن ينظر فإذا كان للشيء أصل في التحريم والتحليل فإنه يتمسك به ولا يفارقه باعتراض الشك حتى يزيله عنه يقين العلم، فالمثال في الحلال الزوجة تكون للرجل والجارية تكون عنده يتسرى بها ويطأها فيشك هل طلق تلك أوأعتق هذه فهما عنده على أصل التحليل حتى يتيقن وقوع طلاق أو عتق، وكذلك الماء يكون عنده وأصله الطهارة فيشك هل وقعت فيه نجاسة أم لا فهو على أصل الطهارة حتى يتيقن أن قد حلته نجاسة، وكالرجل يتطهر للصلاة ثم يشك في الحدث فإنه يصلي ما لم يعلم الحدث يقينا على هذا المثال. وأما الشيء إذا كان أصله الحظر وإنما يستباح على شرائط وعلى هيئات معلومة كالفروج لا تحل إلاّ بعد نكاح أو ملك يمين وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة فأنه مهما شك في وجود تلك الشرائط وحصولها يقيناً على الصفة التي جعلت علما للتحليل كان باقيا على أصل الحظر والتحريم، وعلى هذا المثال فلو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات أو اختلطت مذكاة بميتات ولم يميزها بعينها وجب عليه

стр. 713

أن يجتنبها كلها ولا يقربها وهذان القسمان حكمهما الوجوب واللزوم. وها هنا قسم ثالث وهو أن يوجد الشيء ولا يعرف له أصل متقدم في التحريم ولا في التحليل، وقد استوى وجه الإمكان فيه حلا وحرمة فان الورع فيما هذا سبيله الترك والاجتناب وهو غير واجب عليه وجوب النوع الأول، وهذا كما روي عن النبي ﷺ أنه مرّ بتمرة ملقاة في الطريق؛ فقال لولا إني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها وقدم له الضب فلم يأكله، وقال إن أُمه مسخت فلا أدري لعله منها أوكما قال. ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته فلم ينكره ويدخل في هذا الباب معاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه ربى فإن الاختيار تركها إلى غيرها وليس بمحرم عليك ذلك ما لم يتيقن أن عينه حرام أو مخرجه من حرام، وقد رهن رسول الله ﷺ درعه من يهودي على أصوع من شعير أخذها لقوت أهله، ومعلوم أنهم يربون في تجاراتهم ويستحلون أثمان الخمور، ووصفهم الله تعالى بأنهم سماعون للكذب أكالون للسحت، فعلى هذه الوجوه الثلاثة يجري الأمر فيما ذكرته لك. وقوله من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه أصل في باب الجرح والتعديل وفيه دلالة على أن من لم يتوق الشبهات في كسبه ومعاشه فقد عرض دينه وعرضه للطعن وأهدفهما للقول. وقوله من وقع في الشبهات وقع في الحرام يريد أنه إذا اعتادها واستمر عليها أدته إلى الوقوع في الحرام بأن يتجاسر عليه فيواقعه بقول فليتق الشبهة ليسلم من الوقوع في المحرم.

стр. 714

ومن باب وضع الربى قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو الأحوص، قال: حَدَّثنا شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع إلا أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون إلاّ وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل اللهم قد بلغت، قالوا نعم ثلاثاً، قال اللهم أشهد ثلاث مرات. قال الشيخ في هذا من الفقه أن ما أدركه الإسلام من أحكام الجاهلية فإنه يلقاه بالرد والنكير، وأن الكافر إذا أربى في كفره ولم يقبض المال حتى أسلم فإنه يأخذ رأس ماله ويضع الربا؛ فأما ما كان قد مضى من أحكامهم فإن الإسلام يلقاه بالعفو فلا يعترض عليهم في ذلك ولا يتبع أفعالهم في شيء منه فلو قتل في حال كفره وهو في دار الحرب ثم أسلم فإنه لا يتبع بما كان فيه في حال الكفر. ولو أسلم زوجان من الكفار وتحاكما إلينا في مهر من خمر أو خنزيراً أو ما أشبههما من المحرم فإنه ينظر فإن كانت لم تقبضه منه كله فإنا نوجب لها عليه مهر المثل ولو قبضت نصفه وبقي النصف فإنا نوجب عليه للباقي منه نصف المهر ونجعل الفائت من النصف الاخر كأن لم يكن، وعلى هذا إن كان نكاحاً يريدون أن يستأنفوا عقده فإنا لا نجيز من ذلك إلاّ ما أباح حكم الإسلام، فإن كان أمرا ماضيا فإنا لا نفسخه ولا نعرض له وعلى هذا القياس جميع هذا الباب. وقوله دم الحارث بن عبد المطلب فإن أبا داود هكذا روى، وإنما هو في سائر الروايات دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وحدثني عبد الله بن محمد المكي،

стр. 715

قال: حَدَّثنا علي بن عبد العزيز، عَن أبي عبيدة قال أخبرني ابن الكلبي أن ربيعة بن الحارث لم يقتل وقد عاش بعد النبي ﷺ إلى زمن عمر وانما قتل له ابن صغير في الجاهلية فأهدر النبي ﷺ فيما أهدر ونسب الدم إليه لأنه ولي الدم. ومن باب الرجحان في الوزن قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا سفيان عن سماك بن حرب قال حدثني سويد بن قيس قال جلبت أنا ومخرمة العبدي بُراً من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا بسراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال له رسول الله ﷺ زن وارجح. قوله زن وارجح فيه دليل على جواز هبة المشاع، وذلك أن مقدار الرجحان هبة منه للبائع وهو غير متميزمن جملة الثمن. وفيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الوزن والكيل وفي معناهما أجرة القسام والحاسب وكان سعيد بن المسيب ينهى عن أجرة القسام وكرهها أحمد بن حنبل. قال الشيخ وفي مخاطبة النبي ﷺ وأمره إياه به كالدليل على أن وزن الثمن على المشتري فإذا كان الوزن عليه لأن الإيفاء يلزمه فقد دل على أن أجرة الوزان عليه فإذا كان ذلك على المشتري فقياسه في السلعة المبيعة أن تكون على البائع. ومن باب قول النبي ﷺ المكيال مكيال أهل المدينة قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا ابن دكين، قال: حَدَّثنا سفيان عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة. قال الشيخ هذا حديث قد تكلم فيه بعض الناس وتخبط في تأويله فزعم أن

стр. 716

النبي ﷺ أراد بهذا القول تعديل الموازين والأرطال والمكاييل وجعل عيارها أوزان أهل مكة ومكاييل أهل المدينة ليكون عند التنازع حكما بين الناس يحملون عليها إذا تداعوا، فادعى بعضهم وزناً أوفى أو مكيالا أكبر وادعى الخصم أن الذي يلزمه هو الأصغر منها دون الأكبر، وهذا تأويل فاسد خارج عما عليه أقاويل أكثر الفقهاء وذلك أن من أقر لرجل مكيلة بُر أو بعشرة أرطال من تمر أو غيره واختلفا في قدر المكيلة والرطل فأنهما يحملان على مجرف البلد وعادة الناس في المكان الذي هو به ولا يكلف أن يعطي برطل مكة ولا بمكيال المدينة، وكذلك إذا أسلفه في عشرة مكاييل قمح أو شعير وليس هناك إلاّ مكيلة واحدة معروفة فإنهما يحملان عليها فإن كان هناك مكاييل مختلفة فأسلفه في عشرة مكاييل ولم يصف الكيل بصفة يتميز بها عن غيره فالسلم فاسد وعليه رد الثمن. وإنما جاء الحديث في نوع ما يتعلق به أحكام الشريعة في حقوق الله سبحانه دون ما يتعامل به الناس في بياعاتهم وأمور معاشهم. فقوله الوزن وزن أهل مكة يريد وزن الذهب والفضة خصوصا دون سائر الأوزان ومعناه أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة في النقود وزن أهل مكة وهي دراهم الإسلام المعدلة منها العشرة بسبعة مثاقيل فإذا ملك رجل منها مائتي درهم وججبت فيها الزكاة، وذلك أن الدراهم مختلفة الأوزان في بعض البلدان والأماكن فمنها البغلي ومنها الطبري ومنها الخوارزمي وأنواع غيرها، والبغلي ثمانية دوانيق والطبري أربعة دوانيق والدرهم الوزان الذي هو من دراهم الإسلام الجائزة بينهم في عامة البلدان ستة دوانيق وهو نقد أهل مكة ووزنهم الجائز بينهم، وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عددا وقت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 717

إياها، والدليل على صحة ذلك أن عائشة ﵂ قالت فيما روي عنها من قصة بريرة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت تريد الدراهم التي هي ثمنها فأرشدهم رسول الله ﷺ إلى الوزن فيها وجعل العيار وزن أهل مكة دون ما يتفاوت وزنه منها في سائر البلدان. وقد تكلم الناس في هذا الباب وهل كانت هذه الدراهم لم تزل في الجاهلية على هذا العيار والوزن فذهب بعضهم إلى أن الوزن فيها لم يزل على هذا العيار وإنما غيروا الشكل منها ونقشوا فيها اسم الله وقام الإسلام. والأوقية وزنها أربعون درهما، لحلك قال رسول الله ﷺ ليس فيما دون خمس أواقي صدقة وهي مائتا درهم، وهذا المعنى بلغني، عَن أبي العباس بن شريح أنه كان يقوله ويذهب إليه وحكوا، عَن أبي عبيد القاسم بن سلام ما يخالف هذا. قال أبو عبيد حدثني رجل من أهل العلم والعناية بأمر الناس ممن يعنى بهذا الشأن أن الدراهم كانت في الجاهلية على دربين البغلية السوداء التي في كل واحد منها أربعة دوانيق وكانوا يستعملونها على النصف والنصف مائة بغلية طبرية فكان في المائتين منها من الزكاة خمسة دراهم، فلما كان زمان بني أمية قالوا إن ضربنا البغلية ظن الناس أن هذه التي تجب فيها الزكاة المشروعة فيضر ذلك بالفقراء وإن ضربنا الطبرية أضر ذلك بأرباب الأموال فجمع بين الدراهم البغلية والطبرية فكان في أحدهما ثمانية دوانيق وفي الآخر أربعة دوانيق وجملتها اثنا عشر دانقاً فقسموها نصفين وضربوا الدراهم على ستة دوانيق. وأما الدنانير فمشهور من أمرها أنها كانت تحمل إليهم من بلاد الروم وكانت العرب تسميها الهرقلية وقد ذكره كثير في شعره فقال:

стр. 718

يروق العيون الناظرات كأنه ... هرقلي وزن أحمر التبر راجح ثم ضرب الدنانير في عهد الإسلام عبد الملك بن مروان فحدثني أحمد بن عبد العزيز بن شابور، قال: حَدَّثنا علي بن عبد العزيز، قال: حَدَّثنا الزبير بن بكار، قال: حَدَّثنا عمر بن عثمان عن إسحاق بن عبد الله بن كعب بن مالك قال لما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سأل عن أوزان الجاهلية فأجمعوا له على أن المثقال اثنان وعشرون قيراطا إلاّ حبة بالشامي، وأن العشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل فضربها على ذلك. فأما أوزان الأرطال والأمناء فهو بمعزل عن هذا وللناس فيها عادات مختلفة في البلدان قد أقروا عليها مع تباينها واختلافها كالشامي والحجازي والعراقي وأرطال أهل أذربيجان مضاعفة وأرطال أهل الري وأصبهان دون الأردبيلي وفوق الحجازي والعراقي منه ادة كثيرة وكل من أهل هذه البلدان محمول على عرف بلده وعادة قومه لا ينقل عنها ولا يحمل على ما سواها وليست كالدراهم والدنانير التي حمل الناس فيها على عيار واحد وحكم سواء إلاّ أن الدراهم قد يختلف حكمها في شيء واحد وهو أن رجلا لو باع ثوباً بعشرة دراهم في بلدة يتعاملون فيها بالدراهم الطبرية أو الخوارزمية لم يلزم المشتري أن يدفع في ثمنه الوازنة، وإنما يلزمه نقد البلد ولكن إن كان أقر له بعشرة دراهم لزمته الوازنة لأنه ليس في الأ قرار عرف يتغير به الحكم في بلد دون بلد ألا ترى أن رجلاً من أهل خوارزم لو أقر عند حاكم بغداد بمائة درهم لرجل من خوارزم أنه يلزمه الدراهم الوازنة إن ادعاها المقر له بها فباب الاقرار خلاف باب المعاملات على ما بيناه والله أعلم. وأما قوله والمكيال مكيال أهل المدينة فإنما هو الصاع الذي يتعلق به وجوب

стр. 719

الكفارات ويجب إخراج صدقة الفطر به ويكون تقدير النفقات وما في معناها بعياره والله أعلم. وللناس صيعان مختلفة فصاع أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي وصاع أهل البيت فيما يذكره زعماء الشيعة تسعة أرطال وثلث ينسبونه إلى جعفر بن محمد وصاع أهل العراق ثمانية أرطال وهو صاع الحجاج الذي سعر به على أهل الأسواق، ولما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق ضاعف الصاع فبلغ به ستة عشر رطلا فإذا جاء باب المعاملات حملنا العراقي على الصاع المتعارف المشهوو عند أهل بلاده والحجازي على الصاع المعروف ببلاد الحجاز، وكذلك كل أهل بلد على عرف أهله وإذا جاءت الشريعة وأحكامها فهو صاع المدينة فهو معنى الحديث ووجهه عندي والله أعلم. ومن باب التشديد في الدين قال أبو داود: حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، قال: حَدَّثنا عبد الرزاق، قال: حَدَّثنا معمر عن الزهري، عَن أبي سلمة عن جابر قال كان رسول الله ﷺ لا يصلي على رجل مات وعليه دين فأتي بميت، فقال أعليه دين قالوا نعم ديناران فقال صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة الأنصاري هما عليّ يا رسول الله فصلى عليه، فلما فتح الله على رسوله قال أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينا فعليّ قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته. قال الشيخ فيه من الفقه جواز الضمان عن الميت ترك وفاء بقدر الدين أو لم يترك وهذا قول الشافعي وإليه ذهب ابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة إذا ضمن عن الميت شيئا لم يترك له وفاء لم يلزم الضامن لأن

стр. 720

الميت منه بريء وإن ترك وفاء لزمه ذلك، وإن ترك وفاء ببعضه لزمه بقدر ذلك. قال الشنيخ ويشبه أن يكون هذا الحديث لم يبلغه وقد روي في هذه القصة من غير هذا الطريق أنه لم يترك لهما وفاء. وروى محمد بن عمرو عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال أتي النبي ﷺ بجنازة ليصلي عليها فقال عليه دين، قال نعم ديناران، قال فهل ترك لهما وفاء، قالوا لا، قال فصلوا على صاحبكم، وذكر حديث الضمان حدثناه الحسن بن يحيى، قال: حَدَّثنا ابن المنذر، قال: حَدَّثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: حَدَّثنا يعلى بن عبيد عن محمد بن عمرو. ومن باب في المطل قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال مطل الغني ظلم فإذا اتْبع أحدكم على ملي فليتبع. قال الشيخ قوله مطل الغني ظلم دلالته أنه إذا لم يكن غنيا يجد ما يقضيه لم يكن ظالما، وإذا لم يكن ظالما لم يجز حبسه لأن الحبس عقوبة ولا عقوبة على غير الظالم. وقوله اتبع يريد إذا أحيل وأصحاب الحديث يقولون إذا اتبع بتشديد التاء وهو غلط وصوابه اتبع ساكنة التاء على وزن أفعل ومعناه إذا أحيل أحدكم على مليّ فليحتل، يقال تبعت الرجل بحقي اتبعه تباعة إذا طالبته وأنا تبيعه، ومنه قوله تعالى ﴿ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا﴾ [الإسراء: ٦٩] . وفيه من الفقه إثبات الحوالة وفيه دليل على أن الحق يتحول بها إلى المحال

стр. 721

عليه ويسقط عن المحيل ولا يكون عليه للمحتال سبيل عند موت المحال عليه وإفلاسه، وذلك لأنه قد اشترط عليه الملاة والحوالة قد تصح حكما على الملي فكان فائدة الشرط ما قلناه والله أعلم. وقد يستدل بهذا الحديث من يذهب إلى أن له الرجوع على المحيل إذا مات أو أفلس المحال عليه، ويتأوله على غير وجه الأول بان يقول إنما أمر بأن يتبعه إذا كان ملياً والمفلس غير ملي فليكن غير متبع به. قال الشيخ والدلالة على الوجه الأول هي الصحيحة لأنه إنما اشترط له الملاة وقت الحوالة لا فيما بعدها لأن إذا كلمة شرط موقت فالحكم يتعلق بتلك الحال لا بما بعدها والله أعلم. وقوله فليتبع معناه فليحتل وهذا ليس على الوجوب وإنما هو على الاذن له والإباحة فيه إن اختار ذلك وشاءه، وزعم داود أن المحال عليه إن كان مليا كان واجبا على الطالب أن يحول ما له عليه ويكره على ذلك أن أباه. وقد اختلف العلماء في عود الحق إلى ذمة الغريم إذا مات المحال عليه أو أفلس فقال أصحاب الرأي إذا مات ولم يترك وفاء أو أفلس حيا فإن المحتال يرجع به على الغريم. وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور لا يرجع واحتجوا كلهم بهذا الحديث، وفيه قول ثالث ذكره ابن المنذر عن بعضهم فلا أحفظه أنه لا يرجع عليه ما دام حيا فإن الرجل يوسر ويعسر ما دام حيا فإذا مات ولم يترك وفاء رجع به عليه.

стр. 722

ومن باب في حسن القضاء قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عَن أبي رافع قال استسلف رسول الله ﷺ بكراً فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره فقلت لم أجد في الإبل إلا جملاً خياراً رباعيا فقال النبي ﷺ أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء. قال الشيخ البكر في الإبل بمنزلة الغلام من الذكور والقلوص بمنزلة الجارية من الإ ناث والرباعي من الإبل هو الذي أتت عليه ستة سنين ودخل في السنة السابعة فإذا طلعت رباعيته قيل للذكر رباع والأنثى رباعية خفيفة الياء. وفيه من الفقه جواز تقديم الصدقة قبل محلها، وذلك أن النبي ﷺ لا يحل له الصدقة فلا يجوز أن يقضي من أهل الصدقة شيئاً كان لنفسه فدل أنه إنما استسلف لأهل الصدقة من أرباب الأموال وهو استدلال الشافعي. وقد اختلف العلماء في جواز تقديم الصدقة على محل وقتها فأجازه الأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقال الشافعي يجوز أن يعجل صدقة سنة واحدة. وقال مالك لا يجوز أن يخرجها قبل حلول الحول وكرهه سفيان الثوري. ومن باب الصرف قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن مالك بن أوس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ الذهب بالورق ربى إلاّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربى الاها وها. قال السيخ ها وها معناه التقابض وأصحاب الحديث يقولون ها وها مقصورين

стр. 723

والصواب مدهما ونصب الألف منهما. وقوله ها إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء هاك أي خذ فأسقطوا الكاف منه وعوضوه المد بدلا من الكاف يقال للواحد ها والاثنين ها وما بزيادة الميم وللجماعة هاؤم؛ قال الله تعالى ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩] . وهذا قول الليث بن المظفر. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا بشر بن عمر، قال: حَدَّثنا همام عن قتادة، عَن أبي الخليل عن مسلم المكي، عَن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبر بالبر مدي بمدي والملح بالملح مدي بمدي فمن زاد أو ازداد فقد أربى ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا. قال أبو داود ورواه ابن أبي عروبة وهشام الدستوائي عن قتادة عن مسلم بن يسار. قال الشيخ قوله تبرها وعينها التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم ودنانير واحدتها تبرة، ومن هذا قوله تعالى ﴿إن هؤلاء متبَّر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾ [الأعراف: ١٣٩] والله أعلم. والعين المضروب من الدراهم والدنانير والمدي مكيال يعرف ببلاد الشام وبلاد مصر به يتعاملون وأحسبه خمسة عشر مكوكا والمكوك صاع ونصف وحرم رسول الله ﷺ أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشيء من تبر غير مضروب وكذلك حرم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب، وذلك معنى قوله تبرها وعينها أي كلاهما سواء، وهذا من باب معقول الفحوى

стр. 724

ثم زاده بيانا بما نسق عليه من قوله ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد، وكان ذلك من باب دليل الخطاب ومفهومه وكلا الوجهين بيان وأهل اللغة يتفاهمون بها، ثم هو قول عامة المسلمين إلاّ ما روي عن أسامة بن زيد وابن عباس في جواز بيع الدرهم بالدرهمين، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عنه. قال الشيخ وقد روى غير أبي داود هذا الحديث فقال إلاّ سواء بسواء مثلاً بمثل. حدثنا محمد بن المكي، قال: حَدَّثنا محمد بن علي بن زيد الصائع، قال: حَدَّثنا سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين، قال حدثني مسلم بن يسار عن عبادة بن الصامت قال نهى رسول الله ﷺ عن الذهب بالذهب والورق بالورق والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير إلا سواء بسواء مثلا بمثل. وفيه دليل على أن الدراهم والدنانير إذا بيع بعض جنسها ببعض منه فلم يكونا معاً ذهبا محضا أو فضة محضة حتى يتعادلا في الوزن أو كان في أحدهما شوب أو حملان أن البيع فاسد والصرف منتقض وذلك لوجود التفاوت وعدم التساوي. وفيه بيان أن التقابض شرط لصحة البيع في كل ما يجري فيه الربا من ذهب وفضة وغيرهما من المطعوم وإن اختلف الجنسان، ألا تراه يقول فلا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد وأما النسيئة فلا قبض عليه كما ترى. وجوز أهل العراق بيع البر بالشعير من غير تقابض وصاروا إلى أن القبض إنما يجب في الصرف دون ما سواه وقد جمعت بينهما السنة فلا معنى للتفريق بينهما جملته أن الجنس الواحد مما فيه الربا لا يجوز فيه التفاضل نسيئا ولا نقدا. وفيه دليل على أن خيار الثلث لا يدخل في بيوع الصرف كما يدخل في سائر البيوع وذلك لأنه قد اشترط فيه التقابض لئلا تبقى بينهما علاقة فلو جاز أن

стр. 725

يكون هناك علاقة باقية لجاز أن يبقى علاقة القبض كما جاز في ساتر العقود. وفيه أن البر جنس والشعير جنس غيره ولولا أنهما جنسان مختلفان لم يجز التفاضل بينهما يداً بيد كما لا يجوز ذلك في الجنس الواحد. وقال مالك البر والشعير جنس واحد وزعم أن البر لا يكاد يخلص من الشعير فلولا أنهما جنس واحد لم يجز بيع البر بالبر، وفيه شيء من الشعير لأنه لا بد من تفاوتهما. قال الثنيخ وهذا خلاف النص والحديث حجة عليه وقد أباحه ﷺ مع علمه بما يخالطه من يسير الشعير وجعله كالبيع له ولم يعتد به ثم فرق بين جنس البر والشعير وأباح التفاضل فيهما يدا بيد فثبت جوازه وفساد قول من ذهب إلى الجمع بينهما. وفيه دليل على أنه لا يجوز بيع البر بالبر وزناً بوزن مثلاً بمثل وذلك لأنه قال والبر بالبر مدي بمدي، وفي غير هذه الرواية كيلا بكيل فعلق المماثلة بالمكيال دون غيره من أنواع العيار وباب الربى غير معقول المعنى فيجري فيه القياس كما يجري في سائر الأحكام فلا يجوز مفارقة أمثلته إلى غيره والله أعلم. وفي الخبر دليل على أن القوت ليس بعلة الربا لأنه ذكر الملح مع البر ومعلوم أنه لا يقتات، وإنما يصلح به القوت ولو جاز أن يكون الربا فيما يصلح به القوت لجاز أن يكون في الماء الربا على مذهب أصحاب مالك؛ وقد يصلح القوت أيصا بالحطب والوقود ثم لا ربا فيه بالإجماع. وقد استدل أصحاب الشافعي بذكره الملح مع البر على أن العلة في الربا الطعم لأنه لما ضم جنس أدنى ما يطعم إلى جنس أعلى ما يؤكل دل على أن ما بين

стр. 726

النوعين لا حق بهما وداخل في حكمهما. ومن باب السيف المحلاً والقلادة فيها الذهب والفضة قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع قالوا حدثنا ابن المبارك (ح) حدثنا ابن العلاء أخبرنا ابن المبارك عن سعيد بن زيد قال حدثني خالد بن أبي عمران عن حنش عن فضالة بن عبيد قال أتى النبي النبي ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، قال أبو بكر وابن منيع فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، فقال النبي ﷺ لا حتى تميز بينه وبينه، فقال إنما أردت الحجارة وقال ابن عيسى التجاره فقال النبي ﷺ لا حتى تميز بينهما قال فرده حتى ميز بينهما. قال الشيخ في هذا الحديث أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب مع أحدهما شىء غير الذهب وممن قال هذا البيع فاسد شريح ومحمد بن سيرين والنخعي، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وسواء عندهم كان الذهب الذي هو الثمن أكثر من الذهب الذي مع السلعة أو أقل. وقال أبو حنيفة إن كان الثمن أكثر مما فيه من الذهب جاز وإن كان مثله أو أقل منه لم يجز. وذهب مالك إلى نحو من هذا في القلة والكثرة إلاّ أنه حد الكثرة بالثلثين والقلة بالثلث. وقال حماد بن أبي سليمان لا بأس بأن تشتريه بالذهب كان الثمن أقل أو أكثر. قال الشيخ قول حماد منكر لمخالفته الحديث وأقاويل عامة العلماء وفساده غير مشكل لما فيه من صريح الربا.

стр. 727

فأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فإنه يخرج على القياس لأنه يجعل الذهب بالذهب سواء ويجعل ما فضل عن الثمن بازاء السلعة، غير أن السنة قد منعت هذا القياس أن يجري؛ ألا تراه يقول إنما أردت الحجارة أو التجارة فقال لا حتى تميز بينهما فنفى صحة هذا البيع مع قصده إلى أن يكون الذهب الذي هو الثمن بعضه بإزاء الذهب الذي هو مع الخرز مصارفة وبعضه بإزاء الحجارة التي هي الخرز بيعا وتجارة حتى يميز بينهما فتكون حصة المصارفة متميزة بينهما فتكون حصة المصارفة متميزة عن حصة المتاجر فدل على أن هذا البيع على الوجهين فاسد. وبيان فساد هذا البيع من جهة المعنى على وجوه: أحدهما أنه عقد تضمن بيعاً وصرفاً ومتى جهل التماثل في الذهب بالذهب وقت العقد بطل الصرف ولا سبيل إلى معرفة التماثل إلاّ بعد التمييز والتفضيل فتكون التسوية حينئذ بينهما بالوزن فروى أصحاب أبي حنيفة عنه أنه قال إذا باع صبرة من الطعام بصبرة من جنسه جزافاً لم يجز وإن خرجا عند الكيل متساويين وفي هذا اعتبار التماثل حال العقد وهو نظير مسألة الصرف. والوجه الثاني أن الصفقة إذا تضمنت شيئين مختلفين في الجنس كان الثمن مفضوضا عليهما بالقيمة، وإذا كان كذلك وأردنا أن نسقط الثمن عليها بالقيمة وأسقطنا قيمة الخرز من جملة الثمن لم ندر كم مقدار ما يبقى منه وهل يكون مثل الذهب المشترى مع الخرز أو أقل منه أو أكثر فبطل العقد للجهالة. والوجه الثالث أن أحكام عقد الصرف لا تلائم أحكام سائر العقود لأن من شرطه التقابض قبل التفرق وانقطاع شرط الخيار وسائر العقود تصح من غير تقابض ويدخلها شرط الخيار فلم نجز الجمع بينهما في صفقة واحدة لتنافي معانيهما

стр. 728

ولأن حكم أحدهما لا يبتني على حكم الاخر. قال الشيخ وهذا معنى قوله لا حتى تميز وتأويله تميز العقدين لا تميز المبيع وعلى هذا القليل لا يجوز بيع فضة وسلعة معها بدينار وقد ذهب إليه بعض الفقهاء. وأما الشافعي فقد أجاز ذلك وهو قول أكثر أهل العلم، إلاّ أن مالكا قال لا يجوز دراهم وسلعة بدينار إلاّ أن تكون الدراهم يسيرة فإن كانت أكثر من قيمة السلعة لم يجز. قال الشيخ وهذا قول لا وجه له ولا فرق بين القليل والكثير فيما يدخله الربا لأن أحداً لم يجوز الحبة من الذهب بالحبتين لأنهما يسيرة كما لا يجوز الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين. ومن باب اقتضاء الذهب قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن محبوب المعنى واحد قالا: حَدَّثنا حماد عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فأتيت رسول الله ﷺ ، يَعني فذكرت له فقال لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء. قال الشيخ اقتضاء الذهب من الفضة والفضة من الذهب عن أثمان السلعة هو في الحقيقة بيع ما لم يقبض فدل جوازه على أن النهي عن بيع ما لم يقبض إنما ورد في الأشياء التي يبتغى ببيعها وبالتصرف فيها الربح كما روي أنه نهى عن ربح ما لم يضمن واقتضاء الذهب من الفضة خارج عن هذا المعنى لأنه إنما يراد به

стр. 729

التقابض والتقابض من حيث لا يشق ولا يتعذر دون التصارف والترابح، ويبين لك صحة هذا المعنى قوله لا بأس أن تأخذها بسعر يومها أي لا تطلب فيها الربح ما لم تضمن واشترط أن لا يتفرقا وبينهما شيء لأن اقتضاء الدراهم من الدنانير صرف وعقد الصرف لا يصح إلاّ بالتقابض. وقد اختلف الناس في اقتضاء الدراهم من الدنانير فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه ومنع من ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة، وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلاّ بسعر يومه ولم يعتبر غيره السعر ولم يتأولوا كان ذلك بأغلى أو بأرخص من سعر اليوم والصواب ما ذهبت إليه وهومنصوص في الحديث ومعناه ما بينته لك فلا تذهب عنه فإنه لا يجوز غير ذلك والله أعلم. ومن باب الحيوان بالحيوان قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. قال الشيخ وجهه عندي أن يكون إنما نهى عما كان منه نسيئة في الطرفين فيكون من باب الكالىء بالكالىء بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يليه. ومن باب الرخصة قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمرو، قال: حَدَّثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جبير، عَن أبي سفيان عن عمرو بن حريث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين

стр. 730

إلى إبل الصدقة. قال الشيخ هذا يبين لك أن النهي عن بيع الحيوان نسيئة إنما هو أن يكون نسئاً في الطرفين، جمعاً بين الحديثين وتوفيقاً بينهما وحديث سمرة يقال أنه صحيفة والحسن عن سمرة مختلف في اتصاله عند أهل الحديث، أخبرنا ابن الأعرابي،، قال: حَدَّثنا عباس الدوري عن يحيى بن معين قال حديث الحسن عن سمرة صحيفة وقال محمد بن إسماعيل حديث النهي عن بيع الحيوان نسيئة من طريق عكرمة عن ابن عباس رواه الثقاة عن ابن عباس موقوفا أو عكرمة عن النبي ﷺ مرسل قال وحديث زياد بن جبير عن ابن عمر إنما هو زياد بن جبير عن النبي ﷺ مرسل وطرق هذا الحديث واهية ليست بالقوية وتأويله إذا ثبت على ما قلنا والله أعلم. وفي الحديث دليل على جواز السلم في الحيوان لأنه إذا باع بعير أو بعيرين فقد صار ذلك حيواناً مضموناً عليه في ذمته. واختلف أهل العلم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فكره ذلك عطاء بن أبي رباح ومنع منه سفيان الثوري وهو مذهب أصحاب الرأي ومنع منه أحمد واحتج بحديث سمرة، وقال مالك إذا اختلف أجناسها جاز بيعها نسيئة وإن شابهت لم يجز. وجوز الشافعي بيعها نسيئة كانت جنساً واحداً أو أجناسا مختلفة إذا كان أحد الحيوانين نقدا. قال الشيخ في إسناد حديث عبد الله بن عمرو أيضاً مقال وقد أثبت أحمد حديث سمرة.

стр. 731

ومن باب بيع التمر بالتمر قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن زيد أن زيداً أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال له سعد أيهما أفضل قال البيضاء قال فنهاه عن ذلك وقال سمعت رسول الله ﷺ سئل عن شراء التمر بالرطب فقال رسول الله ﷺ أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم فنهى عن ذلك. قال الشيخ البيضاء نوع من البر أبيض اللون وفيه رخاوة يكون ببلاد مصر والسلت نوع غير البر وهوأدق حبا منه، وقال بعضهم البيضاء هو الرطب من السلت والأول أعرف، إلاّ أن هذا القول اليق بمعنى الحديث وعلته تبين موضع التشبيه من الرطب بالتمر وإذا كإن الرطب منهما جنسا واليابس جنسا آخر لم يصح التشبيه. وقوله (اينقص الرطب إذا يبس) لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التقرير والتنبيه فيه على نكتة الحكم وعلته ليعتبروها في نظاترها وأخواتها وذلك أنه لا يجوز أن يخفى عليه ﷺ أن الرطب إذا يبس نقص وزنه فيكون سؤاله عنه سؤال تعرف واستفهام وإنما هو على الوجه الذي ذكرته وهذا كقول جرير: الستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح ولو كان هذا استفهاما لم يكن فيه مدح وإنما معناه أنتم خير من ركب المطايا. وهذا الحديث أصل في أبواب كثيرة من مسائل الربا وذلك أن كل شيء من المطعوم مما له نداوة ولجفافه نهاية فانه لا يجوز رطبه بيابسه كالعنب والزبيب واللحم النيء بالقديد ونحوهما، وكذلك لا يجوز على هذا المعنى منه الرطب بالرطب كالعنب بالعننب والرُطَب بالرطب لأن اعتبار المماثلة إنما يصح فيهما

стр. 732

عند أوان الجفاف وهما إذا تناهى جفافهما كانا مختلفين لأن أحدهما قد يكون أرق رقة وأكثر مائية من الآخر، فالجفاف ينال منه أكثر ويتفاوت مقاديرهما في الكيل عند المماثلة. وفي معنى ما ذكرنا المطبوخ بالنيء كالعصير الذي أغلي بالنار بما لم يطبخ منه وكاللبن الذي عقد بالنار واللبن الحليب ونحوهما، ولا يجوز على هذا القياس بيع حنطة بدقيق ولا حنطة بسويق ولا بيع خبز بخبز، وهذا كله على مذهب الشافعي، فأما العصير النيء بالعصير النيء والشيرج بالشيرج واللبن الحليب باللبن الحليب فجائز عند الشافعي، وكذلك خل العنب بخل العنب فإن كان في أحد النوعين ما لم يجز ولا يجوز عنده بيع أصل شيء فيه الربا بفرعه كبيع الزبد باللبن وبيع الزيت بالزيتون والشيرج بالسمسم وعلى هذا المعنى عنده بيع اللحم بالحبيوان. وقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن بيع الرطب بالتمر غير جائز، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وعن أبي حنيفة جواز بيع الرطب بالتمر نقدا، ويشبه أن يكون تأويل الحديث عنده على النسيئة دون النقد، قال ابن المنذر وأحسب أبا ثور وافقه على ذلك. قال الشيخ ولفظ الحديث عام لم يستثن فيه نسيئة من نقد والمعنى الذى نبه عليه في قوله أينقص الرطب إذا يبس يمنع من تخصيصه وذلك كأنه قال إذا علمتم أنه ينقص في المتعقب فلا تبيعوه وهذا المعنى قائم في النقد والنسيئة معاً. وأجاز أبو حنيفة بيع العنب بالزبيب واللحم النيء بالقديد والعصير المطبوخ بالنيء منه نقدا. وقال مالك بن أنس لا بأس ببيع الدقيق بالبر مثلاً بمثل لأن الدقيق إنما هو

стр. 733

حنطة فرقت أجزاؤها وبيع الحنطة بالحنطة جائز متساويين، وقال مثل ذلك في الحنطة بالسويق والسويق بالدقيق، وقال في الخبز بالخبز لا بأس به إذا تحرى أن يكون مثلاً بمثل وإن لم يوزن، وقال أحمد وإسحاق لا بأس ببيع الدقيق بالقمح وزناً بوزن، وقال الأوزاعى الخبز بالخبز جائز وهو قول أبي ثور. وحكى أبو ثور، عَن أبي حنيفة أنه قال لا بأس به قرصا بقرصين، وروى حرملة عن الشافعي أنه أباح بيع الخبز اليابس مثلا بمثل وأصحاب الشافعي ينكرون ذلك فلا يعدونه قولا صحيحاً له وهو خلاف قياس أصله والخبز يدخله الماء والملح وفيهما عنده الربا ومبلغهما يتفاوت في الخبز وليس هذا كاللحوم يجوز بعضها ببعض يابسين لأن اللحم نوع واحد لا يدخله غيره. قال الشيخ قد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص، وقال زيد أبو عياش راويه ضعيف، ومثل هذا الحديث على أصل الشافعي لا يجوز أن يحتج به. قال الشيخ وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ وهولا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته معلوم، وقد روى أبو داود في هذا الباب مثل حديث سعد من طريق ابن عمر. ، قال: حَدَّثنا أبو بكر بن أبى شيبة، قال: حَدَّثنا ابن أبي زائدة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر وعن بيع العنب بالزبيب كيلاً وعن الزرع بالحنطة كيلاً.

стр. 734

ومن باب العرايا قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حَدَّثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب أخبرني خارجه بن زيد بن ثابت عن أبيه أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا بالتمر والرطب. قال العرية فسرها محمد بن إسحاق بن يسار فقال هي النخلات يهبها الرجل للرجل فيشق عليه أن يقوم عليها فيبيعها قبل خرصها، وقد ذكر أبو داود هذا التفسير عنه. وروى الشافعي خبراً فيه قلت لمحمود بن لبيد أو قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إما زيد بن ثابت وإما غيره ما عراياكم فقال أو سمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه مع الناس وعندهم فضول من قوتهم من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا خرصاً من التمر في أيديهم يأكلونها رطبا. فأما أصلها في اللغة فإنهم ذكروا في معنى اشتقاقها قولين: أحدهما أنها مأخوذة من قول القائل: أعريت الرجل النخلة أي أطعمته ثمرها يعروها متى شاء أي يأتيها فيأكل رطبها، يقال عروت الرجل إذا أتيته تطلب معروفه كما يقال طلب إلي فأطلبته وسألني فأسألته. والقول الآخر إنما سميت عرية لأن الرجل يعريها من جملة نخله أي يستثنيها لا يبيعها مع النخل فربما أكلها وربما وهبها لغيره أو فعل بها ما شاء. قال الشيخ العرايا ما كاننت من هذه الوجوه فإنها مستثناة من جملة النهي عن المزابنة والمزابنة بيع الرطب بالتمر ألا تراه يقول رخص في بيع العرايا

стр. 735

والرخصة إنما تقع بعد الحظر وورود الخصوص على العموم لا ينكر في أصول الدين وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر أن لا يحملا على المنافاة ولا يضرب بعضها ببعض لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث ألا ترى أنه لما نهى حكيما عن بيع ما ليس عنده ثم أباح السلم كان السلم عند جماعة العلماء مباحا في محله وبيع ما ليس عند المرء محظورا في محله وذلك أن أحدهما وهو السلم من بيوع الصفات والاخر من بيوع الأعيان، وكذلك سبيل ما يختلف إذا أمكن النوفيق فيه لم يحمل على النسخ ولم يبطل العمل به وإنما جاء تحريم المزابنة فيما كان من التمر موضوعا على وجه الأرض وجاءت الرخصة في بيع العرايا فيما كان منها على رؤوس الشجر في مقدار معلوم منه بكمية لا يزاد عليها وذلك من أجل ضرورة أو مصلحة فليس أحدهما مناقضاً للآخر أو مبطلا له، وقد قال بهذه الجملة في معناها أكثرالفقهاء مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد، وامتنع من القول به أصحاب الرأي وذهبوا إلى جملة النهي الوارد في تحريم المزابنة وفسروا العرية تفسيرا لا يليق بمعنى الحديث وصورتها عندهم أن يعري الرجل من حائطه نخلات ثم يبدوله فيها فيبطلها ويعطيه مكانها تمرا فسمى هذا بيعا في التقدير على المجاز وحقيقة الهبة عندهم. قال الشيخ والحديث إنما جاء بالرخصة في البيع كما ذكرناه عن زيد بن ثابت ويزيده بياناً حديث سهل بن أبي حثمة ذكره أبو داود في هذا الباب. ، قال: حَدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد

стр. 736

عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرية أن تباع بخرصها فيأكلها أهلها رطباً. فهذا يبين لك أنه قل استثنى العرية من جملة ما اقتضاه تحريم النهي عن بيع التمر بالتمر، والظاهر أن المستثنى إنما هو من جنس المستثنى منه والرخصة إنما يلقى المحظور؛ والمحظور ها هنا البيع المنهي عنه، ولو كان الأمر على ما تأولوه من الهبة ما كان للخرص معنى ولا لقوله رخص معنى ولا وجه لبيع ملكه في نفسه لأن الهبة يتعلق صحتها بالاقباض والاقباض لم يقع فلم يزل الملك، والاسم ما وجد له مساغ في الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، وقد جاءت هذه الرخصة في غير رواية أبي داود مقرونا ذكرها بتحريم المزابنة باسمها الخاص وإن كان معناه معنى أبي داود لا فرق بينهما حدثناه محمد بن عبد الواحد،، قال: حَدَّثنا الحارث بن أبي أسامة،، قال: حَدَّثنا يزيد بن هارون، قال: حَدَّثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت قال نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة ورخص في العرايا فدل أن الرخصة إنما وقعت في نوع من المزابنة وإلا لم يكن لذكرها معنى والله أعلم. ومن باب مقدار العرية قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن داود بن الحصين، عَن أبي سفيان مولى أبي أحمد، قال أبو داود وهذا اسمه قُزمان، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق شك داود. وقال أبو داود حديث جابر إلى أربعة أوسق.

стр. 737

قال الشيخ هذا يبين لك أن معنى الرخصة في العرية هو البيع المعروف ولو كان غير ذلك لم يكن لتحديدها بأربعة أو خمسة لا يجاوزها معنى إذ لا حظر في شيء مما ذهبوا إليه، في تفسيرها فيحتاج إلى الرخصه في رفعه. وأما جواز البيع في خمسة أوسق منها فقد أباحه مالك على الإطلاق في هذا القدر، وقال الشافعي لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق، وأفسخه فيما وراء ذلك. قال ابن المنذر الرخصة في الخمسة الأوساق مشكوك فيها، والنهي عن المزابنة ثابت فالواجب أن لا يباح منها إلاّ القدر المتيقن إباحته، وقد شك الراوي وهو داود بن الحصين، وقد رواه جابر فانتهى به إلى أربعة أوساق فهو مباح وما زاد عليه محظور. قال الشيخ هذا القول صحيح وقد ألزمه المزني الشافعي وهو لازم على أصله ومعناه. ومن باب بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمشتري. قال الشيخ الثمرة إذا بدا صلاحها أمنت العاهة غالبا وما دامت وهي رخوة رخصة أى رطبة قبل أن يشتد حبها أو يبدو صلاحها فإنها بعرض الآفات، وكان نهيه البائع عن ذلك لأحد وجهين أحدهما احتياطاً له بأن يدعها حتى يتبين صلاحها فيزداد قيمتها ويكثر نفعه منها وهو إذا يعجل ثمنها لم يكن فيها طائل لقلته فكان ذلك نوعاً من إضاعة المال. والوجه الآخر أن يكون ذلك مناصحة لأخيه المسلم واحتياطاً لمال المشتري لئلا ينالها الآفة فيبور ماله أو يطالبه برد الثمن من أجل الجائحة فيكون بينهما

стр. 738

في ذلك الشر والخلاف، وقد لا يطلب للبائع مال أخيه منه في الورع إن كان لا قيمة له في الحال إذ لا يقع له قيمة فيصير كأنه نوع من أكل المال بالباطل. وأما نهيه المشتري فمن أجل المخاطرة والتغرير بماله لأنها ربما تلفت بأن تنالها العاهة فيذهب ماله فنهى عن هذا البيع تحصينا للأموال وكراهة للتغرير. ولم يختلف العلماء أنه إذا باعها أو شرط عليه القطع جاز بيعها وإن لم يبد صلاحها، وإنما انصرف النبي إلى البيع قبل بدو الصلاح من التبقية إلاّ أن الفقهاء اختلفوا فيما إذا باعها بعد بدو الصلاح، فقال أبو حنيفة البيع جائز على الإطلاق وعليه القطع فيكون في معنى من شرط القطع، وقال الشافعي البيع جائز وعلى البائع تركها على الشجر حتى تبلغ أناها وجعل العرف فيها كالشرط واستدل بما روي عن النبي ﷺ من طريق حميد عن أنس أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وقال أرأيت ان منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه، ققال فدل ذلك على أن حكم الثمرة التبقية ولو كان حكمها القطع لم يكن يقع معه منع الثمرة. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حَدَّثنا ابن علية عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى تزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري. وقوله حتى يزهو هكذا يروى والصواب في العرية حتى تزهى الأزهار في الثمر أن يحمر أو يصفر وذلك أمارة الصلاح فيها ودليل خلاصها من الآفة. وقوله عن السنبل حتى يبيض فإن ظاهره يوجب جواز بيع الحب في سنبله إذا اشتد وابيض لأنه حرمه إلى غاية فحكمه بعد بلوغ الغاية بخلاف حكمه قبلها

стр. 739

وإليه ذهب أصحاب الرأي ومالك بن أنس وشبهوه بالجوز واللوز يباعان في قشرهما. وقال الشافعي لا يجوز بيع الحب في السنبل لأنه غرر وقد نهى عن بيع الفرد والمقصود من السنبل حبه وهو مجهول بينك وبينه لا يدري هل هو سليم في باطنه أم لا فيفسد البيع من أجل الجهالة والغرر كبيع لحم المسلوخة في جلدها واحتج بأن النهي عن بيع الحب في السنبل معلول بعلتين: أن قبل أن يبيض ويشد فلأجل الآفات والجوائح، وأما بعد ذلك فلأجل الجهالة وعدم المعرفة به وقد يتوالى على الشيء علتان وموجبهما واحد فترتفع احداهما وهو بحاله غير منفك عنه وذلك كقوله تعالى ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وكان معلوماً أن تحليلها للزوج الأول لا يقع بنفس نكاح الزوج الثاني وبعقده عليها حتى يدخل بها ويصيبها ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه كقوله تعالى ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] فكان ظاهره أن انقطاع الدم رافع للحظر ولم يمنع ذلك من ورود دليل المنع إلاّ بوجود شرط ثانٍ وذلك قوله ﴿فإذا تطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] يريد والله أعلم طهارة الاغتسال بالماء. وأما بيع الجوز في قشره فإنه غرر معفو عنه لما فيه من الضرورة وذلك أنه لو نزع لبه عن قشره أسرع إليه الفساد والعفن، وليس كذلك البر والشعير وما في معناهما لأن هذه الحبوب تبقى بعد التذرية والتنقية المدة الطويلة من الأيام والسنين. فأما ما لا ضرورة فيه من بقاء قشره الأعلى فإن البيع غير جائز معه حتى ينزع فكذلك قياس الحب في السنبل والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، قال: حَدَّثنا يحيى بن سعيد عن سليم بن حيان، قال: حَدَّثنا سعيد بن مينا قال سمعت جابر بن عبد الله يقول

стр. 740

نهى رسول الله ﷺ أن يباع التمر حتى تشقح، قيل وما تشقح، قال تحمار وتصفار ويؤكل منها. قال الشيخ التشقيح تغير لونها إلى الصفرة والحمرة والشقحة لون غير خالص في الحمرة والصفرة وإنما هي تغير لونه في كموده ومنه قيل قبيح شقيح أي تغير اللون إلى السماجة والقبح. وإنما قال يحمار ويصفار لأنه لم يرد به اللون الخالص وإنما يستعمل ذلك في اللون المتميل يقال ما زال يحمار وجهه ويصفار إذا كان يضرب مرة إلى الصفرة ومرة إلى الحمرة فإذا أرادوا أنه قد تمكن واستقر قالوا تحمرّ وتصفرَّ. وفي قوله حتى تشقح دليل على أن الاعتبار في بدو الصلاح إنما هو بحدوث الحمرة في الثمرة دون إتيان الوقت الذي يكون فيه صلاح الثمار غالبا، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى اعتباره بالزمان، واحتج بما روي في بعض الحديث أنه قيل متى يبدو صلاحها، ققال إذا طلع النجم، يَعني الثريا والذي في حديث جابر أولى لأن اعتباره بنفسه أولى من اعتباره بغيره. وفي هذا الباب حرف غريب من جهة اللغة في حديث زيد بن ثابت قال كان الناس يبتاعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها فإذا جد الناس قال المبتاع أصاب الثمر الذمار وأصابه قشام هكذا هو في رواية ابن داسة. وقال ابن الأعرابي في روايته، عَن أبي داود الدمان بالنون، قال الأصمعي القشام أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحاً، قال الدمان مفتوحة الدال أن تنشق النخلة أول ما يبدو قلبها عن عفن وسواد، فأما الذمار فليس بشيء.
следующие страницы →