← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرية أن تباع بخرصها فيأكلها أهلها رطباً. فهذا يبين لك أنه قل استثنى العرية من جملة ما اقتضاه تحريم النهي عن بيع التمر بالتمر، والظاهر أن المستثنى إنما هو من جنس المستثنى منه والرخصة إنما يلقى المحظور؛ والمحظور ها هنا البيع المنهي عنه، ولو كان الأمر على ما تأولوه من الهبة ما كان للخرص معنى ولا لقوله رخص معنى ولا وجه لبيع ملكه في نفسه لأن الهبة يتعلق صحتها بالاقباض والاقباض لم يقع فلم يزل الملك، والاسم ما وجد له مساغ في الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، وقد جاءت هذه الرخصة في غير رواية أبي داود مقرونا ذكرها بتحريم المزابنة باسمها الخاص وإن كان معناه معنى أبي داود لا فرق بينهما حدثناه محمد بن عبد الواحد،، قال: حَدَّثنا الحارث بن أبي أسامة،، قال: حَدَّثنا يزيد بن هارون، قال: حَدَّثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت قال نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة ورخص في العرايا فدل أن الرخصة إنما وقعت في نوع من المزابنة وإلا لم يكن لذكرها معنى والله أعلم. ومن باب مقدار العرية قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن داود بن الحصين، عَن أبي سفيان مولى أبي أحمد، قال أبو داود وهذا اسمه قُزمان، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق شك داود. وقال أبو داود حديث جابر إلى أربعة أوسق.

стр. 737

قال الشيخ هذا يبين لك أن معنى الرخصة في العرية هو البيع المعروف ولو كان غير ذلك لم يكن لتحديدها بأربعة أو خمسة لا يجاوزها معنى إذ لا حظر في شيء مما ذهبوا إليه، في تفسيرها فيحتاج إلى الرخصه في رفعه. وأما جواز البيع في خمسة أوسق منها فقد أباحه مالك على الإطلاق في هذا القدر، وقال الشافعي لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق، وأفسخه فيما وراء ذلك. قال ابن المنذر الرخصة في الخمسة الأوساق مشكوك فيها، والنهي عن المزابنة ثابت فالواجب أن لا يباح منها إلاّ القدر المتيقن إباحته، وقد شك الراوي وهو داود بن الحصين، وقد رواه جابر فانتهى به إلى أربعة أوساق فهو مباح وما زاد عليه محظور. قال الشيخ هذا القول صحيح وقد ألزمه المزني الشافعي وهو لازم على أصله ومعناه. ومن باب بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمشتري. قال الشيخ الثمرة إذا بدا صلاحها أمنت العاهة غالبا وما دامت وهي رخوة رخصة أى رطبة قبل أن يشتد حبها أو يبدو صلاحها فإنها بعرض الآفات، وكان نهيه البائع عن ذلك لأحد وجهين أحدهما احتياطاً له بأن يدعها حتى يتبين صلاحها فيزداد قيمتها ويكثر نفعه منها وهو إذا يعجل ثمنها لم يكن فيها طائل لقلته فكان ذلك نوعاً من إضاعة المال. والوجه الآخر أن يكون ذلك مناصحة لأخيه المسلم واحتياطاً لمال المشتري لئلا ينالها الآفة فيبور ماله أو يطالبه برد الثمن من أجل الجائحة فيكون بينهما

стр. 738

في ذلك الشر والخلاف، وقد لا يطلب للبائع مال أخيه منه في الورع إن كان لا قيمة له في الحال إذ لا يقع له قيمة فيصير كأنه نوع من أكل المال بالباطل. وأما نهيه المشتري فمن أجل المخاطرة والتغرير بماله لأنها ربما تلفت بأن تنالها العاهة فيذهب ماله فنهى عن هذا البيع تحصينا للأموال وكراهة للتغرير. ولم يختلف العلماء أنه إذا باعها أو شرط عليه القطع جاز بيعها وإن لم يبد صلاحها، وإنما انصرف النبي إلى البيع قبل بدو الصلاح من التبقية إلاّ أن الفقهاء اختلفوا فيما إذا باعها بعد بدو الصلاح، فقال أبو حنيفة البيع جائز على الإطلاق وعليه القطع فيكون في معنى من شرط القطع، وقال الشافعي البيع جائز وعلى البائع تركها على الشجر حتى تبلغ أناها وجعل العرف فيها كالشرط واستدل بما روي عن النبي ﷺ من طريق حميد عن أنس أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وقال أرأيت ان منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه، ققال فدل ذلك على أن حكم الثمرة التبقية ولو كان حكمها القطع لم يكن يقع معه منع الثمرة. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حَدَّثنا ابن علية عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى تزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري. وقوله حتى يزهو هكذا يروى والصواب في العرية حتى تزهى الأزهار في الثمر أن يحمر أو يصفر وذلك أمارة الصلاح فيها ودليل خلاصها من الآفة. وقوله عن السنبل حتى يبيض فإن ظاهره يوجب جواز بيع الحب في سنبله إذا اشتد وابيض لأنه حرمه إلى غاية فحكمه بعد بلوغ الغاية بخلاف حكمه قبلها

стр. 739

وإليه ذهب أصحاب الرأي ومالك بن أنس وشبهوه بالجوز واللوز يباعان في قشرهما. وقال الشافعي لا يجوز بيع الحب في السنبل لأنه غرر وقد نهى عن بيع الفرد والمقصود من السنبل حبه وهو مجهول بينك وبينه لا يدري هل هو سليم في باطنه أم لا فيفسد البيع من أجل الجهالة والغرر كبيع لحم المسلوخة في جلدها واحتج بأن النهي عن بيع الحب في السنبل معلول بعلتين: أن قبل أن يبيض ويشد فلأجل الآفات والجوائح، وأما بعد ذلك فلأجل الجهالة وعدم المعرفة به وقد يتوالى على الشيء علتان وموجبهما واحد فترتفع احداهما وهو بحاله غير منفك عنه وذلك كقوله تعالى ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وكان معلوماً أن تحليلها للزوج الأول لا يقع بنفس نكاح الزوج الثاني وبعقده عليها حتى يدخل بها ويصيبها ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه كقوله تعالى ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] فكان ظاهره أن انقطاع الدم رافع للحظر ولم يمنع ذلك من ورود دليل المنع إلاّ بوجود شرط ثانٍ وذلك قوله ﴿فإذا تطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] يريد والله أعلم طهارة الاغتسال بالماء. وأما بيع الجوز في قشره فإنه غرر معفو عنه لما فيه من الضرورة وذلك أنه لو نزع لبه عن قشره أسرع إليه الفساد والعفن، وليس كذلك البر والشعير وما في معناهما لأن هذه الحبوب تبقى بعد التذرية والتنقية المدة الطويلة من الأيام والسنين. فأما ما لا ضرورة فيه من بقاء قشره الأعلى فإن البيع غير جائز معه حتى ينزع فكذلك قياس الحب في السنبل والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، قال: حَدَّثنا يحيى بن سعيد عن سليم بن حيان، قال: حَدَّثنا سعيد بن مينا قال سمعت جابر بن عبد الله يقول

стр. 740

نهى رسول الله ﷺ أن يباع التمر حتى تشقح، قيل وما تشقح، قال تحمار وتصفار ويؤكل منها. قال الشيخ التشقيح تغير لونها إلى الصفرة والحمرة والشقحة لون غير خالص في الحمرة والصفرة وإنما هي تغير لونه في كموده ومنه قيل قبيح شقيح أي تغير اللون إلى السماجة والقبح. وإنما قال يحمار ويصفار لأنه لم يرد به اللون الخالص وإنما يستعمل ذلك في اللون المتميل يقال ما زال يحمار وجهه ويصفار إذا كان يضرب مرة إلى الصفرة ومرة إلى الحمرة فإذا أرادوا أنه قد تمكن واستقر قالوا تحمرّ وتصفرَّ. وفي قوله حتى تشقح دليل على أن الاعتبار في بدو الصلاح إنما هو بحدوث الحمرة في الثمرة دون إتيان الوقت الذي يكون فيه صلاح الثمار غالبا، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى اعتباره بالزمان، واحتج بما روي في بعض الحديث أنه قيل متى يبدو صلاحها، ققال إذا طلع النجم، يَعني الثريا والذي في حديث جابر أولى لأن اعتباره بنفسه أولى من اعتباره بغيره. وفي هذا الباب حرف غريب من جهة اللغة في حديث زيد بن ثابت قال كان الناس يبتاعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها فإذا جد الناس قال المبتاع أصاب الثمر الذمار وأصابه قشام هكذا هو في رواية ابن داسة. وقال ابن الأعرابي في روايته، عَن أبي داود الدمان بالنون، قال الأصمعي القشام أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحاً، قال الدمان مفتوحة الدال أن تنشق النخلة أول ما يبدو قلبها عن عفن وسواد، فأما الذمار فليس بشيء.

стр. 741

ومن باب بيع السنين قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حَدَّثنا سفيان عن حميد عن الأعرج عن سليمان بن عتيق عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنين ووضع الجوائح. قال الشيخ بيع السنين هو أن يبيع الرجل ما تثمره النخلة أو النخلات بأعيانها سنين ثلاثا أو أربعا أو أكثر منها، وهذا غدر لأنه يبيع شيئاَ غير موجود ولا مخلوق حال العقد ولا يدري هل يكون ذلك أم لا وهل يتم النخل أم لا وهذا في بيوع الأعيان، فأما في بيوع الصفات فهوجائز مثل أن يسلف في الشيء إلى ثلاث سنين أو أربع أو أكثر ما دامت المدة معلومة إذا كان الشيء المسلف فيه غالبا وجوده عند وقت محل السلف. وأما قوله وضع الجوائح هكذا رواه أبو داود ورواه الشافعي عن سفيان بإسناده فقال وأمره بوضع الجوائح والجوائح هى الآفات التي تصيب الثمار فتهلكها، يقال جاحهم الدهر يجوحهم واجتاحهم الزمان إذا أصابهم بمكروه عظيم. قال الشيخ وأمره بوضع الجوائح عند أكثر الفقهاء أمر ندب واستحباب من طريق المعروف والإحسان لا على سبيل الوجوب والإلزام. وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد في جماعة من أصحاب الحديث وضع الجائحة لازم للبيع إذا باع الثمرة فأصابته الآفة فهلكت، وقال مالك يوضع في الثلث فصاعداً ولا يوضع فيما هو أقل من الثلث، قال أصحابه ومعنى هذا الكلام أن الجائحة إذا كانت دون الثلث كان من مال المشترى وما كان أكثر من الثلث فهو من مال البائع.

стр. 742

واستدل من تأول الحديث على معنى الندب والاستحباب دون الإيجاب بأنه أمرحدث بعد استقرار ملك المشتري عليها فلو أراد أن يبيعها أو يهبها لصح ذلك منه فيها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن فإذا صح بيعها ثبت أنها من ضمانه؛ وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فلو كانت الجائحة بعد بدو الصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهي فائده. ومن باب بيع المضطر قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حَدَّثنا هشيم أخبرنا صالح بن عامر قال أبو داود قال محمد حدثنا شيخ من بني تميم قال خطبنا على بن أبي طالب ﵁ أو قال: قال علي قال قال محمد هكذا حدثنا هشيم قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك. قال الشيخ بيع المضطر يكون من وجهين أحدهما أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه فهذا فاسد لا ينعقد. والوجه الاخر أن يضطر إلى البيع لدين يركبه أو مؤنة ترهقه فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة فهذا سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه وأن لا يفتات عليه بمثله ولكن يعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له في ذلك بلاغ فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جاز في الحكم ولم يفسخ. وفي إسناد الحديث رجل مجهول لا ندري من هو، إلاّ أن عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه. قال أبو داود: حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: حَدَّثنا ابن إدريس عن عبيد الله، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن

стр. 743

بيع الغرر زاد عثمان والحصاة. قال الشيخ أصل الغرر هو ما طوي عنك علمه وخفى عليك باطنه وسره وهو مأخوذ من قولك طويت الثوب على غره أي على كسره الأول وكل بيع كان المقصود منه مجهولاً غير معلوم ومعجوزاً عنه غير مقدور عليه فهو غرر وذلك مثل أن يبيعه سمكاً في الماء أو طيراً في الهواء أو لؤلؤة في البحر أو عبداً آبقاً أو جملاً شارداً أو ثوباً في جراب لم يره ولم ينشره أو طعاماً في بيت لم يفتحه أو ولد بهيمة لم تولد أو ثمر شجرة لم تثمر في نحوها من الأمور التي لا تعلم ولا يدري هل تكون أم لا فإن البيع فيها مفسوخ. وإنما نهى ﷺ عن هذه البيوع تحصينا للأموال أن تضيع وقطعاً للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها. وأبواب الغرر كثيرة وجماعها ما دخل في المقصود منه الجهل. وأما بيع الحصاة فإنه يفسر على وجهين أحدهما أن يرمي بالحصاة ويجعل رميها إفادة للعقد فإذا سقطب وجب البيع ثم لا يكون للمشتري فيه الخيار. والوجه الاخر أن يعترض الرجل القطيع من الغنم فيرمي فيها بحصاة فأية شاة منها أصابتها الحصاة فقد استحقها بالبيع، وهذا من جملة الغرر المنهي عنه. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن عمرو بن السرح وهذا لفظه قالا: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي، عَن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين وعن لبستين، أما البيعتان فالملامسة والمنابذة، وأما اللبستان فاشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد كاشفاً عن فرجه أو ليس على فرجه منه شيء.

стр. 744

قال الشيخ الملامسة أن تلمس الثوب الذي تريد شراءه أي يمسه بيده ولا ينشره ولا يتأمله ويقول إذا لمسته بيدي فقد وجب البيع ثم لا يكون له فيه خيار إن وجد فيه عيبا، وفي نهيه عن بيع الملامسة مستدل لمن أبطل بيع الأعمى وشراءه لأنه إنما يستدل ويتأمل باللمس فيما سبيله أن يستدرك بالعيان وحس البصيرة. والمنابذة أن يقول إذا نبذت إليك الثوب فقد وجب البيع، وقد جاء بهذا التفسير في الحديث وقال أبو عبد الله المنابذة أن ينبذ الحجر ويقول إذا وقع الحجر فهو لك وهذا نظير بيع الحصاة. وأما اشتمال الصماء فهو أن يشتمل في ثوب واحد يضع طرفي الثوب على عاتقه الأيسر ويسدل شقه الأيمن هكذا جاء تفسيره في الحديث. وأما الاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء فهو أن يقعد على إليتيه، وقد نصب ساقيه وهوغير متزر ثم يحتبي بثوب يجمع بين طرفيه ويشدهما على ركبتيه وإذا فعل ذلك بقيت فرجة بينه وبين الهواء تنكشف منها عورته. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة. قال الشيخ حبل الحبلة هو نتاج النتاج، وقد جاء تفسيره في الحديث هو أن ينتج الناقة بطنها ثم تحمل التي نتجت وهذه بيوع كانوا يتبايعونها في الجاهلية وهي كلها يدخلها الجهل والغرر فنهوا عنها وأرشدوا إلى الصواب حكم الإسلام فيها. ومن باب المضارب إذا خالف قال أبو داود: حدثنا مسدد قال أخبرنا سفيان عن شبيب بن غرقدة قال

стр. 745

حدثني الحيّ عن عروة البارقي قال أعطاه النبي ﷺ دينارا يشتري به أضحية أو شاة فاشترى ثنتين فباع أحدهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له النبي ﷺ بالبركة في بيعه فكان لو اشترى ترابا لربح فيه. قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير العبدي قال أخبرنا سفيان قال حدثني أبوحصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار ليشتري له أضحية فاشتراها بدينار وباعها بدينارين فرجع فاشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي ﷺ فتصدق به النبي ﷺ ودعا له أن يبارك له في تجارته. قال الشيخ هذا الحديث مما يحتج به أصحاب الرأي لأنهم يجيزون بيع مال زيد من عمرو بغير إذن منه أو توكيل ويتوقف البيع على إجازة المالك فإذا أجازه صح، إلاّ أنهم لم يجيزوا الشراء بغير إذنه وأجاز مالك بن أنس الشراء والبيع معاً. وكان الشافعي لا يجيز شيئا من ذلك لأنه غرر لا يدري هل يجيزه أم لا، وكذلك لا يجيز النكاح الموقوف على رضا المنكوحة أو إجازة الولي غير أن الخبرين معاً غير متصلين لأن في أحدهما وهو خبر حكيم بن حزام رجلا مجهولاً لا يدري من هو، وفي خبر عروة أن الحي حدثوه وما كان هذا سبيله من الرواية لم تقم به الحجة. وقد ذهب بعض من لم يجز البيع الموقوف من تأويل هذا الحديث إلى أن وكالته كانت وكالة تفويض واطلاق وإذا كانت الوكالة مطلقة فقد حصل البيع والشراء عن إذن. قال الشيخ وهذا لا يستقيم لأن في خبر حكيم أنه تصدق بالدينار فلو كانت

стр. 746

الوكالة مطلقة طابت له الزيادة والله أعلم. وقد جعل غير واحد من أهل العلم هذا أصلا في أن من وصل إليه مال من شبهة وهو لا يعرف له مستحقا فإنه يتصدق به. واختلف الفقهاء في المضارب إذا خالف رب المال فروي عن ابن عمر أنه قال الربح لرب المال وعن أبي قلابة ونافع أنه ضامن والربح لرب المال وبه قال أحمد وإسحاق وكذلك الحكم عند أحمد في من استودع مالاً فاتجر فيه بغير إذن صاحبه أن الربح لرب المال. وقال أصحاب الرأي الربح للمضارب ويتصدق به والوضيعة عليه وهو ضامن لرأس المال في الوجهين معاً. وقال الأوزاعي إن خالف وربح فالربح له في القضاء ويتصدق به في الورع والفتيا ولا يصلح لواحد منهما. وقال الشافعي إذا خالف المضارب نُظِرَ فإن اشترى السلعة التي لم يؤمر بها بغير المال فالبيع باطل وإن اشتراها بغير العين، فالسلعة ملك للمشتري وهو ضامن للمال. ومن باب الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حَدَّثنا أبو أسامة، قال: حَدَّثنا محمد بن حمزة قال أخبرنا سالم بن عبد الله عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق الأرز فليكن مثله، قالوا ومن صاحب الأرز يا رسول الله فذكر حديث الغار حين سقط عليهم الجبل فقال كل واحد منهم اذكروا أحسن عملكم إلى أن قال:

стр. 747

وقال الثالث منهم اللهم تعلم أني استأجرت أجيراً بفرق أرز فلما أمسيت عرضت عليه حقه فأبى أن يأخذه وذهب فثَمَّرتُه له حتى جمعت له بقراً ورعاءها فلقيني فقال أعطني حقي فقلت اذهب إلى تلك البقر ورعاءها فخذها فذهب فاستاقها. قال الشيخ قد احتج به أحمد بن حنبل لقوله الذي حكيناه عنه في الباب الأول، ويشبه على مذهبه أن يكون هذا الرجل إنما كان استأجره على فرق أرز معلوم بعينه حتى يكون التجارة وقعت بمال الأجير، فأما إذا كانت الأجرة في الذمة غير معينة فإنما وقعت التجارة في مال المستأجر لأنها من ضمانه فالربح له لأنه المالك والعامل المتصرف فيه، إلاّ أنه لا حجة له في واحد من الأمرين أيهما كان لأن هذا قول ثناء ومدح استحضه هذا الرجل في أمر تبرع به لم يكن يلزمه من جهة الحكم فحمد عليه، وإنما هو الترغيب في الإحسان والندب إليه وليس من باب ما يجب ويلزم في شيء. ومن باب الشركة على غير رأس مال قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا يحيى، قال: حَدَّثنا سفيان، عَن أبي إسحاق، عَن أبي عبيدة قال اشتركت أنا وعمار وسعد فيما يصيب يوم بدر قال فجاء سعد بأسيرين ولم أجىء أنا وعمار بشيء. قال الشيخ شركة الأبدان صحيحة في مذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي وهذا الحديث حجة لهم، وقد احتج به أحمد بن حنبل وأثبت شركة الأبدان وهو أن يكونا خياطين وقصارين فيعملان أو يعمل كل واحد منهما منفردا أو يكون أحدهما خياطاً والآخر خزَّازاً أو حداداً سواء اتفقت الصناعات

стр. 748

أو اختلفت فكل ما أصاب أحدهما من أجرة عن عمله كان صاحبه شريكه فيها، أو يشتركان على أن ما يكتسبه كل واحد منهما كان بينهما إن لم يكن العمل معلوماً، إلاّ أن بعضهم قال لا يدخل فيها الاصطياد والاحتشاش. وحكي عن أحمد أنه قال يدخل فيها الصيد والحشيش ونحوهما وقاسوها على المضاربة قالوا إذا كان العمل فيها أحد رأسي المال جاز أن يكون في الشقين مثل ذلك وأبطلها الشافعي وأبو ثور. فأما شركة المفاوضة فهي عند الشافعي رضي اله عنه فاسدة ووافق في ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور وجوزها الثوري وأصحاب الرأي وهو قول الأوزاعي وابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة وسفيان وأبو يوسف لا يكون شركة مفاوضة حتى يكون رأس أمواهما سواء. ومن باب المزارعة قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار قال سمعت ابن عمر يقول أن رسول الله ﷺ نهى عنها فذكرته لطاوس فقال قال ابن عباس إن رسول الله ﷺ لم ينه عنها ولكن قال لأن يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ خراجاً معلوماً. قال الشيخ خبر رافع بن خديج من هذا الطريق خبر مجمل يفسره الأخبار التي رويت عن رافع بن خديج وعن غيره من طرق أخر، وقد عقل ابن عباس معنى الخبر وأن ليس المراد به تحريم المزارعة شطر ما تخرجه الأرض، وإنما أريد بذلك أن يتمانحوا أرضهم وأن يرفق بعضهم بعضا، وقد ذكر رافع بن خديج في رواية أخرى عنه النوع الذي حرم منها والعلة التي من أجلها نهى

стр. 749

عنها، وذكره أبو داود في هذا الباب. ، قال: حَدَّثنا إبراهيم بن موسى قال أخبرنا عيسى، قال: حَدَّثنا الأوزاعي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال حدثني حنظلة بن قيس الأنصاري قال سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال لا بأس بها إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وإقبلل الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا أو يسلم هذا ويهلك هذا ولم يكن للناس كراً إلاّ هذا فلذلك زجر عنه، فأما شيء مضمون معلوم فلا بأس به. فقد أعلمك رافع في هذا الحديث أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا فيها شروطا فاسدة وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول فيكون خاصا لرب المال والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا تجوز أن تكون مجهولة، وقد يسلم ما على السواقي ويهلك سائر الزرع فيبقى المزارع لا شيء له وهذا غرر وخطر. وإذا اشترط رب المال على المضارب دراهم لنفسه زيادة على حصة الربح المعلومة فسدت المضاربة، وهذا وذلك سواء وأصل المضاربة في السنة المزارعة المساقاة فكيف يجوز أن يصح الفرع ويبطل الأصل. والماذيانات: الأنهار وهي من كلام العجم صارت دخيلا في كلامهم. قال الشيخ وقد ذكر زيد بن ثابت العلة والسبب الذي خرج عليه الكلام في ذلك وبين الصفة التي وقع عليها النهي ورواه أبو داود في هذا الباب. ، قال: حَدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن علية (ح) وحدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا بشر المعنى عن عبد الرحمن بن إسحاق، عَن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن

стр. 750

الوليد بن أبي الوليد عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه إنما أتاه رجلان من الأنصار قد اقتتلا فقال رسول الله ﷺ إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع فسمع قوله لا تكروا المزارع. وضعف أحمد بن حنبل حديث رافع وقال هو كثير الألوان يريد اضطراب هذا الحديث واختلاف الروايات عنه فمرة يقول سمعت رسول الله ﷺ ومرة يقول حدثني عمومتي عنه. وجوز أحمد المزارعة واحتج بأن النبي ﷺ أعطى اليهود أرض خيبر مزارعة ونخلها مساقاة وأجازها ابن أبي ليلى ويعقوب ومحمد وهو قول ابن المسيب وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز وأبطلها أبو حنيفة ومالك والشافعي. قال الشيخ فإنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليه أحمد: وقد أنعم بيان هذا الباب محمد بن إسحاق بن خزيمة وجوزه وصنف في المزارعة مسألة ذكر فيها علل الأحاديث التي وردت فيها فالمزارعة على النصف والثلث والربع وعلى ما تراضى به الشريكان جائزة إذا كانت الحصص معلومة والشروط الفاسدة معدومة وهي عمل المسلمين من بلدان الإسلام وأقطار الأرض شرقها وغربها لا أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلد أو صقع من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها. ثم ذكر أبو داود على أثر هذه الأحاديث باباً في تشديد النهي عن المزارعة وذكر فيه طرقا لحديث رافع بن خديج بألفاط مختلفة كرهنا ذكرها لئلا يطول الكتاب وسبيلها كلها أن يرد المجمل منها إلى المفسر من الأحاديث التي مر

стр. 751

ذكرها وقد بينا عللها. وفي هذا الباب ألفاط يحتاج إلى تفسير وشرح منها، قوله أفقر أخاك أو أكره بالدراهم، ومعنى أفقر أخاك أي أعِرْهُ إياها، وأصل الإفقار في إعارة الظهر، يقال أفقرت الرجل بعيري إذا أعرته ظهره للركوب. ومنها الحقل وهو الزرع الأخضر والحقل أيضاً القراح الذي يُعَد للمزارعة وفي بعض الأمثال لا تنبت البقلة إلاّ الحقلة، ومنه أخذت المحاقلة ومنها المخابرة وهي المزارعة على النصف والثلث ونحوهما والخبير والنصيب والخبير الأكار. ومن باب إذا زرع الأرض بغير إذن صاحبها قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا شريك، عَن أبي إسحاق عن عطاء عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته. قال الشيخ هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الجمال أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول لم يروه، عَن أبي إسحاق غير شريك ولا عن عطاء غير أبى إسحاق وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئاً وضعفه البخاري أيضاً، وقال تفرد بذلك شريك، عَن أبي إسحاق وشريك يَهِمُ كثيراً أو أحياناً. ويشبه أن يكون معناه لو صح وثبت على العقوبة والحرمان للغاصب والزرع في قول عامة الفقهاء لصاحب البذر لأنه تولد من غير ماله وتكوَّن معه وعلى الزارع كراء الأرض، غير أن أحمد بن حنبل كان يقول إذا كان الزرع قائماً فهو لصاحب الأرض فأما إذا حصد فإنما يكون له الأجرة.

стр. 752

وحكى ابن المنذر، عَن أبي داود قال سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن حديث رافع فقال عن رافع ألوان ولكن أبا إسحاق زاد فيه زرع بغير إذنه وليس غيره ينكر هذا الحرف. ومن باب في المخابرة قال أبو داود: حدثنا مسدد أن حماداً وعبد الوارث حدثاهم عن أيوب، عَن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة وعن الثنيا ورخص في العرايا. قال الشيخ المحاقلة قد مر تفسيرها فيما مضى وأنها بيع الزرع بالحب والمخابرة هي المزارعة والخبير الأكار. والمزابنة بيع الرطب بالتمر، وأما المعاومة فهي بيع السنين ومعناه أن يبيعه سنة أو سنتين أو أكثر إما ثمرة نخلة بعينها أو نخلات وهو بيع فاسد لأنه بيع ما لم يوجد ولم يخلق ولا يدرى هل يثمر أو لاً يثمر. وبيع الثنيا المنهي عنه أن يبيعه ثمرحائطه ويستثني منه جزءاً غير معلوم قيبطل لأن المبيع حينئذ يكون مجهولا فإذا كان ما يستثنيه شيئا معلوماً كالثلث والربع ونحوه كان جائزا فكذلك إذا باعه صبرة طعام جزافاً واستثني منه قفيزاً أو قفيزين كان جائزا لأنه استثنى معلوماً من معلوم؛ وقد تقدم ذكر تفسير العرايا. ومن باب المساقاة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ عامل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع. قال الشيخ في هذا إثبات المزارعة على ضعف خبر رافع بن خديج في النهي

стр. 753

عن المزارعة بشطر ما تخرجه الأرض، وإنما صار إليه ابن عمر تورعاً واحتياطاً وهو راوي خبر أهل خيبر، وقد رأى رسول الله ﷺ أقرهم عليها أيام حياته ثم أبا بكر ثم عمر إلى أن أجلاهم عنها. وفيه إثبات المساقاة وهي التي تسميها أهل العراق المعاملة وهي أن يدفع صاحب النخل نخله إلى الرجل ليعمل بما فيه صلاحها أو صلاح ثمرها ويكون له الشطر من ثمرها وللعامل الشطر فيكون من أحد الشقين رقاب الشجر، ومن الشق الآخر العمل كالمزارعة يكون فيها من قبل رب المال الدراهم والدنانير ومن العامل التصرف فيها وهذه لها في القياس سواء. والعمل بالمساقاة ثابت في قول أكثر الفقهاء ولا أعلم أحداً منهم أبطلها إلاّ أبا حننفة. وخالفه صاحباه فقالا بقول جماعة أهل العلم. واختلفوا فيما يصح فيه المساقاة من الشجر والثمر فكان الشافعي يقول إنما تصح المساقاة في النخل والكرم لأنهما يخرصان وثمرهما بادٍ بارز يدركه البصر وعلق القول فيما يتفرق ثمره في الشجر ويغيب عن البصر تحت الورق كالتين والزيتون والتفاح ونحوها من الفواكه. وكان مالك وأبو يوسف ومحمد بن الحسن يجيزونها في كل شجر له أصل قائم. وقال مالك لا بأس بالمساقاة في القثاء والبطيخ وشرط فيها شروطا لا يكاد يتبين صحة معناه فيها، وقال أبو ثور تجوز المساقاة في النخل والكرم والرطاب والباذنجان وما يكون له ثمرة قائمة إذا كان دفعه إليه أرضا ومنها النخل والرطاب. واحتج في ذلك بخبر أرض خيبر أن النبي ﷺ عاملهم وفى أرضهم النخل والزرع ونحوه.

стр. 754

ومن باب كسب المعلم قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا وكيع وحميد بن عبد الرحمن الرُّواسي عن مغيرة بن زياد عن عبادة بن نسى عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن الصامت قال علمت ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال فأرمي عليها في سبيل الله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه فأتيته فقلت يا رسول الله رجل أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال فأرمي عنها في سبيل الله فقال إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها. قال الشيخ اختلف الناس في معنى هذا الحديث وتأويله فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه. وقالت طائفة لا بأس به ما لم يشترط وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي وأباح ذلك آخرون وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور واحتجوا بحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً زوجتكها على ما معك من القرآن، وقد ذكره أبو داود في موضعه من هذا الكتاب، وتأولوا حديث عبادة على أنه أمر كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضالة الرجل أو استخرج له متاعاً قد عرف تبرعاً وحسبة فليس له أن يأخذ عليه

стр. 755

عوضاً ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً. وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ الرجل المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب. وقال بعض العلماء أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه لأن فرض ذلك لا يتعين عليه. وإذا كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة وعلى هذا تأول اختلاف الأخبار فيه. ومن باب كسب المعالجين من الطب قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو عوانه، عَن أبي شر، عَن أبي المتوكل عن أب سعيد الخدري أن رهطاً من أصحاب رسول الله ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها فنزلوا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، قال فلدغ سيد ذلك الحي فشفوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا بكم لعل أن يكون عند بعضهم شيء ينفع صاحبكم، فقال بعضهم إن سيدنا لدغ فهل عند أحد منكم رقية، فقال رجل من القوم أني لأرقي ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا ما أنا براق حتى تجعلوا لي جعلاً فجعلوا له قطيعا من الشاء فأتاه فقرأ عليه بأم الكتاب ويتفل حتى برأ كأنما أنشط من عقال فأوفاهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه فقالوا اقتسموا، فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنستأمره فغدوا على رسول الله ﷺ فذكروا له،

стр. 756

فقال رسول الله ﷺ من أين علمتم أنها رقية أحسنتم واضربوا لي معكم بسهم. قال الشيخ وفي هذا بيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ولو كان ذلك حراماً لأمرهم النبي ﷺ برد القطيع، فلما صوب فعلهم وقال لهم أحسنتم ورضي الأجرة التي أخذوها لنفسه فقال اضربوا لي معكم بسهم ثبت أنه طِلْق مباح وأن المذهب الذي ذهب إليه من جمع بين أخبار الإباحة والكراهة في جواز أخذ الأجرة على ما لا يتعين الفرض فيه على معلمه ونفى جوازه على ما يتعين فيه التعليم مذهب سديد وهو قول أبي سعيد الأصطخري. وفي الحديث دليل على جواز بيع المصاحف وأخذ الأجرة على كتبها، وفيه إباحة الرقية بذكر الله في أسمائه، وفيه إباحة أجر الطبيب والمعالج وذلك أن القراءة والرقية والنفث فعل من الأفعال المباحة، وقد أباح له أخذ الأجرة عليها فكذلك ما يفعله الطبيب من قول ووصف وعلاج فعل لا فرق بينهما. وقد تكلم الناس في جواز بيع المصاحف فكرهت طائفة بيعها، روي عن ابن عمر أنه كان يقول وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف وكره بيعها شريح وابن سيرين ورخص في شرائها روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير. وقال أحمد بن حنبل الأمر في شرائها أهون، قال وما أعلم في البيع رخصة. ورخص أكثر الفقهاء في بيعها وشرائها وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة والحكم وسفيان الثوري وأصحاب الرأي والنخعي وكرهت، وإليه ذهب مالك والشافعي. وقوله فشفوا له بكل شيء، معناه عالجوه بكل شىء مما يستشفى به والعرب تضع الشفاء موضع العلاج قال الشاعر: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني

стр. 757

وقوله أنشط من عقال أي حل من وثاق، يقال نشطت الشيء إذا شددته وأنشطته إذا فككته والأنشوطة الحبل الذي يشد به الشيء. ومن باب كسب الحجام قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا أبان، قال: حَدَّثنا يحيى، يَعني ابن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ قال كسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن ابن محيصة عن أبيه أنه استأذن رسول الله ﷺ في إجارة الحجام فنهاه فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى أمره أن أعلفه ناضحك أو رقيقك. قال الشيخ حديث محيصة يدل على أن أجرة الحجام ليست بحرام وأن خبثها من قبل دناءة مخرجها، وقال ابن عباس احتجم رسول الله ﷺ وأعطى الحجام أجره ولو علمه محرما لم يعطه. قال الشيخ وقوله أعلفه ناضحك أو رقيقك يدل على صحة ما قلناه وذلك أنه لا يجوز له أن يطعم رقيقه إلاّ من مال قد ثبت له ملكه، وإذا ثبت له ملكه فقد ثبت أنه مباح، وإنما وجهه التنزيه عن الكسب الدنىء والترغيب في تطهير الطعم والإرشاد فيها إلى ما هو أطيب وأحسن وبعض الكسب أعلى وأفضل وبعضه أدنى وأوكح. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن كان حراً فهو محرم، واحتج بهذا الحديث بقوله إنه خبيث وإن كان عبدا فإنه يعلفه ناضحه وينفقه

стр. 758

على دوابه. قال الشيخ وهذا القائل يذهب في التفريق بينهما مذهباً ليس له معنى صحيح وكل شيء حلّ من المال للعبيد حل للأحرار. والعبد لا ملك له ويده يد سيده وكسبه كسبه، وإنما وجه الحديث ما ذكرته لك، وأن الخبيث معناه الدنيء كقوله تعالى ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي الدون. فأما قوله ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث فإنهما على التحريم، وذلك أن الكلب نجس الذات محرم الثمن، وفعل الزنا محرم وبدل العوض عليه وأخذه في التحريم مثله لأنه ذريعة إلى التوصل إليه، والحجامة مباحة، وفيها نفع وصلاح الأبدان. وقد يجمع الكلام بين القرائن في اللفظ الواحد ويفرق بينهما في المعاني وذلك على حسب الأغراض والمقاصد فيها، وقد يكون الكلام في الفصل الواحد بعضه على الوجوب وبعضه على الندب وبعضه على الحقيقة وبعضه على المجاز وإنما يعلم ذلك بدلائل الأصول وباعتبار معانيها. والبغي الزانية وفعلها البغاء، ومنه قوله تعالى ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ [النور: ٣٣] . ومن باب كسب الإماء قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حَدَّثنا أبي، قال: حَدَّثنا شعبة عن محمد بن جحادة قال سمعت أبا حازم سمع أبا هريرة قال نهى رسول الله ﷺ عن كسب الإماء. قال الشيخ كانت لأهل مكه ولأهل المدينة إماء عليهن ضرائب تخدمن الناس تخبزن وتسقين الماء وتصنعن غير ذلك من الصناعات ويؤدين الضريبة

стр. 759

إلى ساداتهن. والإماء إذا دخل تلك المداخل وتبذلن ذلك التبذل وهن مخارجات وعليهن ضرائب لم يؤمن أن يكون منهن أو من بعضهن الفجور وأن يكسبن بالسفاح فأمر ﷺ بالتنزه عن كسبهن ومتى لم يكن لعملهن وجه معلوم يكتسبن به فهو أبلغ في النهي وأشد في الكراهة. وقد جاءت الرخصة في كسب الأمة إذا كانت في يدها عمل، ورواه أبو داود في هذا الباب. ، قال: حَدَّثنا هارون بن عبد الله، قال: حَدَّثنا هاشم بن القاسم، قال: حَدَّثنا عكرمة بن عمار قال أخبرني طارق بن عبد الرحمن القرشري؛ قال جاء رافع بن رفاعة إلى مجلس الأنصار فقال لقد نهانا رسول الله ﷺ فذكر أشياء ونهى عن كسب الأمة إلاّ ما عملت بيدها، وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش. النفش نتف الصوف أو ندفه وفي حديث آخر أنه ﷺ نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو أخرجه أبو داود من حديث رافع بن خديج. ومن باب حلوان الكاهن قال أبو داود: حدثنا قتيية بن سعيد عن سفيان عن الزهري، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن، عَن أبي مسعود عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. قال الشيخ حلوان الكاهن هو ما يأخذه المتكهن عن كهانته وهو محرم وفعله با طل؛ يقال حلوت الرجل شيئا، يَعني رشوته وأخبرنى أبو عمر، قال: حَدَّثنا أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: ويقال لحلوان الكاهن الشنع والصهيم. قال الشيخ وحلوان العرّاف حرام كذلك والفرق بين الكاهن والعراف

стр. 760

أن الكاهن إنما يتعاطى الخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار، والعراف هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما من الأمور. ومن باب عسب الفحل قال أبو داود: حدثنا مسدد بن مسرهد، قال: حَدَّثنا إسماعيل عن علي بن الحكم عن نافع عن ابن عمر قال نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل. قال الشيخ عسب الفحل الذكر الذي يؤخذ على ضرابه وهو لا يحل، وفيه غرر لأن الفحل قد يضرب وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثى وقد لا تلقح فهو أمر مظنون والغرر فيه موجود. وقد اختلف في ذلك أهل العلم فروى عن جماعة من الصحابة تحريمه، وهو قول أكثر الفقهاء. وقال مالك لا بأس به إذا استأجروه ينزونه مدة معلومة، وإنما يبطل إذا شرطوا أن ينزوه حتى تعلق الر_ّ_مكة. وشبهه بعض أصحابه بأجرة الرضاع وابار النخل وزعم أنه من المصلحة ولو منعنا منه لانقطع النسل. قال الشيخ وهذا كله فاسد لمنع السنة منه، وإنما هومن باب المعروف فعلى الناس أن لا يتمانعوا منه. فأما أخذ الأجرة عليه فمحرم وفيه قبح وترك مروءة. وقد رخص فيه أيضاً الحسن وابن سيرين، وقال عطاء لا بأس به إذا لم يجد من يطرقه.

стр. 761

ومن باب الصائغ قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد، قال: حَدَّثنا محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن، عَن أبي ماجدة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إني وهبت لخالتي غلاماً وإني أرجو أن يبارك لها فيه فقلت لها لا تسلميه حجاماً ولا صائغا ولا قصَّاباً. قال الشيخ يشبه أن يكون إنما كره كسب الصائغ لما يدخله من الربا ولما يجري على ألسنتهم من المواعيد في رد المتاع، ثم يقع في ذلك الخلف، وقد يكثر هذا في الصاغة حتى صار ذلك كالسمة لهم وإن كان غيرهم قد يشركهم في بعض ذلك. وقد روي في حديث أكذب النلس الصباغون والصواغون وإن لم يكن إسناده بذلك، وأما القصاب فعمله غير نظيف، وثوبه الذي يعالج فيه صناعته غير طاهر في الأغلب والحجامة أمر مشهور، وقد تقدم ذكره فيما مضى. ومن باب العبد يباع وله مال قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع ومن باع نخلاً مؤبراً فالثمرة للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع. قال الشيخ في هذا الحديث من الفقه أن العبد لا يملك مالاً بحال، وذلك لأنه جعله في أرفع أحواله وأقواها في إضافة الملك إليه مملوكاً عليه ماله ومنتزعاً من يده فدل ذلك على عدم الامتلاك أصلاً وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي والشافعي. وقال مالك العبد يملك إذا ملكه صاحبه، وكذا قال أهل الظاهر. وفائدة

стр. 762

هذا الخلاف والموضع الذي تبين أثره فيه مسألتان أحدهما هل له أن يتسرى أم لا فمن جعل له ملكاً أباح له ذلك ومن لم يره يملك لم يبح له الوطء بملك اليمين. والمسألة الأخرى أن يكون في يده نصاب من الماشية فيمر عليه الحول ثم يبيعه سيده ولم يشترط المبتاع ماله، فإذا عاد إلى السيد هل يلزمه الزكاة فيه أم لا فمن لم يثبت له ملكاً أوجب زكاته على سيده ومن جعل للعبد ملكاً أسقط الزكاة عنه لأن ملكه ناقص كملك المكاتب ويستأنف السيد به الحول. وممن ذهب إلى ظاهر الحديث في أن ماله للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع مالك والشافعي وأحمد واسحاق. وروي عن الحسن والنخعي أنهما قالا فيمن باع وليدة قد زينت أن ما عليها للمشتري إلاّ أن يشترط الذي باعها ما عليها. قال الشيخ ولا يجوز على مذهب الشافعي أن يكون ماله الذي يشترطه المبتاع إلاّ معلوماً فإن كان مجهولاً لم يجز لأنه غرر وللثمن منه حصة فإذا لم يكن معلوماً جهل الثمن فيه فبطل البيع. وإن كان المال الذي في يد العبد شيئاً مما يدخله الربا لم يجز بيعه إلاّ بما يجوز فيه بيوع الأشياء التي يدخلها الربا ولا يتم إلاّ بالتقابض. وإن كان ماله ديناً لم يجز أن يشتري بدين. وعلى هذا قياس هذا الباب في مذهبه وقوله الجديد، فأما مالك فإنه يجعل ماله تبعاً لرقبته إذا شرطه المبتاع في الصفقة وسواء عنده كان المال نقدا أو عرضا أو دينا أو كان مال العبد أكثر من الثمن أو أقل ويجعل تبعاً للعبد بمنزلة حمل الشاة ولبنها. وأما قوله من باع نخلا مؤبراً فالثمرة للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع فيه بيان أن التأبير حد في كون الثمرة تبعاً للأصل، فإذا أبرت تفرد حكمها بنفسها

стр. 763

وصارت كالولد بائن الأم فلم يكن لها تبعاً في البيع إلاّ أن يقصد بنفسه وما دام غير مؤبر فهو كبعض أغصان الشجرة وجريدة النخلة في كونها تبعاً للأصل. والتأبير هو التلقيح، وهو أن يؤخذ طلع محال النخل فيؤخذ شعب منه فيودع الثمر أول ما ينشف الطلع فيكون لقاحاً بإذن الله تعالى. وقد اختلف الناس في هذا فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل الثمر تبع للنخل ما لم تؤبر فإذا أبر لم يدخل في البيع إلاّ أن يشترط قولاً بظاهر الحديث. وقال أصحاب الرأي الثمر للبائع أبر أو لم يؤبر إلاّ أن يشترط المبتاع كالزرع. وقال ابن أبي ليلى الثمر للمشتري أبر أو لم يؤبر شرط أو لم يشترط لأن الثمر من النخل. ومن باب التلقي قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق. قال أبو داود: حدثنا الربيع بن نافع حدثنا أبو توبة، قال: حَدَّثنا أبو عبيد الله، يَعني ابن عمر والرقي عن أيوب عن ابن سيرين، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن تلقي الجلب فإن تلقى متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق. قال الشيخ قوله لا يبع بعضكم على بيع بعض هو أن يكون المتبايعان قد تواجبا الصفقة وهما في المجلس لم يتفرقا بعد وخيارهما باق فيجيء الرجل فيعرض عليه مثل سلعته أو أجود منه بمثل الثمن أو أرخص منه فيندم المشتري فيفسخ البيع فيلحق البائع منه الضرر، فأما مادام المتبايعان يتساومان ويتراودان البيع ولم يتواجباها بعد فإنه لا يضيق ذلك، وقد باع رسول الله ﷺ الحِلس والقدح

стр. 764

فيمن يزيد. وأما النهي عن تلقي السلع قبل ورودها السوق فالمعنى في ذلك كراهة الغبن ويشبه أن يكون قد تقدم من عادة أولئك أن يتلقوا الركبان قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا سعر السوق، فيخبروهم أن السعر ساقطة والسوق كاسدة والرغبة قليلة حتى يخدعوهم عما في أيديهم ويبتاعوه منهم بالوكس من الثمن فنهاهم ﷺ عن ذلك وجعل للبائع الخيار إذا قدم السوق فوجد الأمر بخلاف ما قالوه. وقد كره التلقي جماعة من العلماء منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ولا أعلم أحدا منهم أفسد البيع، غير أن الشافعي أثبت الخيار للبائع قولا بظاهر الحديث وأحسبه مذهب أحمد أيضاً، ولم يكره أبو حنيفة التلقي ولا جعل لصاحب السلعة الخيار إذا قدم السوق. وكان أبو سعيد الاصطخري يقول إنما يكون للبائع الخيار إذا كان المتلقي قد ابتاعه بأقل من الثمن فإذا ابتاعه بثمن مثله فلا خيار له. قال الشيخ وهذا قول قد خرج على معاني الفقه. ومن باب النجش قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تناجشوا. قال الشيخ النجش أن يرى الرجل السلعة تباع فيزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد بذلك ترغيب السُوام فيها ليزيدوا في الثمن، وفيه غرور للراغب فيها وترك لنصيحته التي هي مأمور بها، ولم يختلفوا أن البيع لا يفسد عقده بالنجش، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن الناجش إذا فعل ذلك بإذن

стр. 765

البائع فللمشتري فيه الخيار. ومن باب النهي عن بيع حاضر لباد قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد، قال: حَدَّثنا محمد بن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد فقلت ما يبيع حاضر لباد قال لا يكون له سمساراً. قال الشيخ قوله لا يبيع حاضر لباد كلمة تشتمل على البيع والشراء، يقال بعت الشيء بمعنى اشتريت، قال طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد أي لم تشتر له متاعاً، يقال شريت الشيء بمعنى بعته والكلمتان من الأضداد قال ابن مفرْع الحميري: وشريت برداً ليتني ... من بعد بردٍ كنت هامه يريد بعت برداً وبرداً غلامه باعه فندم عليه، وفسر ابن سيرين قوله لا يبيع حاضر لباد على المعنيين جميعاً، وقال هي كلمة جامعة لا يبيع له شيئا ولا يشتري له شيئا، ولذلك قال لا يكون له سمساراً لأن السمسار يبيع ويشتري للناس. ومعنى هذا النهي أن يتربص له سلعته لا أن يبيعه بسعر اليوم، وذلك أن البدوي إذا جلب سلعة إلى السوق وهو غريب غير مقيم باعها بسعر يومه فينال الناس فيها رفقا ومنفعة، فإذا جاءه الحضري فقال له أنا أتربص لك وأبيعها، وحرم الناس ذلك النفع فاتهم ذلك الرفق؛ وقد قيل إن ذلك إنما يحرم عليه إذا كان في بلد ضيق الرقعة إذا باع الجالب متاعه اتسع أهلها وارتفقوا به. فإذا لم يبعه تبين به أثر الضيق عليهم وخيف منه غلاء السعر فيهم، فأما إذا كان البلد واسعا

стр. 766

لا يتضرر به الناس ولا يتبين بذلك عليهم أثره فلا بأس به والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا النفيلي، قال: حَدَّثنا زهير، قال: حَدَّثنا أبو الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ لا يبيع حاضر لباد وذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض. قال الشيخ في هذا دليل على أن عقد البيع لا يفسد إذا فعل ذلك ولو كان يقع فاسداً لم يكن فيه منع من أن يرتفق الناس ومن تزق بعضهم من بعضهم. وقد كره بيع الحاضر للبادي أكثر أهل العلم وكان مجاهد يقول لا بأس به في هذا الزمان، وإنما كان النهي وقع عنه في زمان رسول الله ﷺ . وكان الحسن البصري يقول لا تبع للبدوي ولا تشتر له، وذهب بعضهم إلى أن النهي فيه بمعنى الإرشاد دون الإيجاب والله أعلم. ومن باب من اشترى مصراة وكرهها قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من بر. قال وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد عن أيوب عن محمد بن سيرين، عَن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء ردها وصاعاً من طعام لا سمراء. قال الشيخ اختلف أهل العلم واللغة في تفسير المصراة ومن أين أخذت واشتقت، فقال الشافعي التصرية أن تربط أخلاف الناقة والشاة وتترك من الحلب اليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن فيراه مشتريها كثيرا ويزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك

стр. 767

ليس بلبنها وهذا غرر للمشتري. وقال أبو عبيد المصراة الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صرى اللبن في ضرعها، يَعني حقن فيه وجمع أياماً فلم يحلب، وأصل التصرية حبس الماء وجمعه يقال منه صريت الماء، ويقال إنما سميت الصراة كأنها مياه اجتمعت. قال أبو عبيد ولو كان من الربط لكان مصرورة أو مصررة، قال الشيخ كأنه يريد به رداً على الشافعي، قال الشيخ قول أبي عبيد حسن وقول الشافعي صحيح والعرب تصر ضروع الحلوبات إذا أرسلتها تسرح وسنمون ذلك الرباط صراراً فإذا راحت حلت تلك الأصرة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لرجل يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها فإنه خاتم أهلها عليها، ومن هذا قول عنترة: ...العبد لا يحسن الكر ... إنما يحسن الحلب والصر وقال مالك بن نويرة وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر ﵁ فمنعهم من ذلك ورد على رجل منهم صدقته، وقال أنا جنة لكم مما تكرهون وقال: وقلت خذوها هذه صدقاتكم ...مصررة أخلافها لم تجدَّدِ سأجعل نفسي دون ما تجدونه ...وأرهنكم يوماً بما قلته يدي قال الشيخ وقد يحتمل أن يكون المصراة، أصله المصرورة أبدل احدى الراءين ياءً كقولهم تقضي البازي وأصله تقضض كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها؛ قال العجاج: * تقضي البازي إذا البازي كسر *

стр. 768

ومن هذا الباب قول الله تعالى ﴿وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ١٠] أي أخملها بمنع الخير وأصله من دستها، ومثل هذا في الكلام كثير. وقد اختلف الناس في حكم المصراة فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه يردها ويرد معها صاعا من تمر قولا بظاهر الحديث، وهو قول مالك والشافعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف برد قيمة اللبن، وقال أبو حنيفة إذا حلب الشاة فليس له أن يردها ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها. واحتج من ذهب إلى هذا القول بأنه خبر مخالف للأصول لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وفيه إبطال رد المثل فيما له مثل، وفيه تقويم القليل والكثيرمن اللبن بقيمة واحدة وبمقدار واحد واحتجوا بقوله ﷺ : الخراج بالضمان. قال الشيخ والأصل أن الحديث إذا ثبت عن رسول الله وجب القول به وصار أصلاً في نفسه وعلينا قبول الشريعة المبهمة كما علينا قبول الشريعة المفسرة والأصول إنما صارت أصولاً لمجيء الشريعة بها. وخبر المصراة قد جاء به الشرع من طرق جياد أشهرها هذا الطريق، فالقول فيه واجب وليس تركه لسائر الأصول بأولى من تركها له على أن تقويم المتلف بغير النقد موجود في بعض الأصول منها الدية في النفس مائة من الإبل، ومنها الغرة في الجنين. وقد جاء أيضاً تقويم القليل والكثير بالقيمة الواحدة كأرش الموضحة فإنها ربما أخذت أكثر من مساحة الرأس فيكون فيها خمس من الإبل وربما كانت قدر الأنملة فيجب الخمس من الإبل سواء. وكذلك الدية في الأصابع سواء على اختلاف

стр. 769

مقادير جمالها ومنفعتها. وجاءت السنة بالتسوية بين دية اللسان والعينين واليدين والرجلين. وأوجب أصحاب الرأي في الحاجبين وأهداب العينين وفي اللحية الدية الكاملة وأين منافع الحاجبين من اللسان واليدين والرجلين وقد جعل النبي ﷺ على من وجبت عليه في إبله ابنة مخاض وليس عنده إلاّ ابنة لبون أن يعطي المصدق شاتين أو عشرين درهماً جبراناً لنقصان ما بين السنين، ومعلوم أن ذلك قد يتفاوت ولا يتعدل في التقويم بكل مكان وكل زمان. وقد جعلوا أيضاً الحد في المهر عشرة دراهم على تسوية فيه بين الشريفة والوضيعة، وفي رد الآبق أربعين درهما ولم يفرقوا بين من رده من مسافة ثلاثة أيام وبين من رده من مسافة شهر، وليس في شيء من هذا سنة ولا خبر عن النبي ﷺ فكيف يجوز رد السنة الثابتة عن النبي ﷺ من أجل أن بينها وبين بعض السنن مخالفة في بعض أحكامها وقد قالوا بخبر الوضوء بالنبيذ وبخبر القهقهة ونقضها الطهارة في الصلاة مع مخالفتها الأصول وهما خبران ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث. ثم أن تقويم المتلفات على ضربين أحدهما أن تقوم قيمة تعديل، والآخرأن تقوم قيمة توقيف؛ فقيمة التعديل ترتفع وتنخفض على قدر ارتفاع الشيء وانخفاضه وقيمة التوقيف هو ما جعل بإزاء الشيء الذي لا يكاد يضبط بمقدار معلوم واللبن غير معلوم المقدار، وقد يقل مرة ويكثر أخرى ويختلط باللبن الذي يحدث في ملك المشتري ولا يتميز منه. وإذا صار مجهولاً لا يضبط وكان لا يؤمن وقوع التنازع فيه بين البائع والمشتري وردت الشريعة فيه بتوقيف معلوم يفصل فيه بين المتبايعين ويكفيهما مؤنة الاجتهاد ويقطع به مادة النزاع كما وردت في الجنين إذ كانت بمنزلة المصراة في معنى الجهالة، وأما خبر الخراج

стр. 770

بالضمان فمخرجه مخرج العموم، وخبر المصراة إنما جاء خاصا في حكم بعينه، والخاص يقضي على العام ولو جاء الخبران معاً مقترنين في الذكر لصح الترتيب فيهما ولاستقام الكلام ولم يتناقض عند تركيب أحدهما على الآخر، فكذلك إذا جاءا منفصلين غير مقترنين لأن مصدرهما عن قول من تجب طاعته ولا تجوز مخالفته. قال الشيخ وقد أخذ كل واحد من أبي حنيفة ومالك بطرف من الحديث وترك الطرف الآخر، فقال أبو حنيفة لا خيار أكثر من ثلاث، واحتج بهذا الحديث ولم يقل برد الصاع، وقال مالك برد الصاع ولم يأخذ بالتوقيف في خيار الثلاث وصار إلى أن يرد متى وقف على العيب كان ذلك قبل الثلاث أو بعدها فكان أصح المذاهب قول من استعمل الحديث على وجهه وقال بجملة ما فيه. وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز بيع شاة لبون بلبن ولا بشاة لبون، وذلك لأنه قد جعل للبن المصراة قسطاً من الثمن إذ كان كالشيء المودع في الشاة المقدور على استخراجه فإذا باع لبوناً بلبون فقد باع لبناً بلبن غير متساويبن، فأما بيع سمسم بسمسم فجائز، وإن كان العلم قد يحيط بأن في كل واحد منهما دهناً، الأ أنه غير مقدور على استخراجه كما كان مقدوراً على استخراج اللبن مع بقاء العين بهيئته فصار تبعاً للمبيع. قال الشيخ ويدخل في هذا كل مصراة من الإبل والغنم والبقر والآدميات فلو اشترى رجل جارية ذات لبن لترضع ولده فوجدها مصراة كان هذا حكمها سواء لا فرق بينها وبين غيرها من الحيوان في هذا المعنى. وقد اختلف النلس في مدة الخيار المشروط في البيع، فقال أبو حنيفة لا يجوز أكثر من ثلاث وهو قول الشافعي، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد

стр. 771

قليله وكثيره جائز، وقال مالك هو على قدر الحاجة إليه فخيار الثوب يوم ويومان وفي الحيوان أسبوع ونحوه وفي الدور شهر وشهران وفي الضيعة سنة ونحوها. وفي قوله لا سمراء دليل على أنه لا يلزمه أن يعطيه غير التمر، وذهب بعضهم إلى أن كل إنسان يعطي من قوته فمن كان قوته التمر أعطى صاعا من تمر، ومن كان قوته الشعير أعطى صاعا من شعير، ومن كان قوته السمراء وهي الحنطة أعطى صاعا منها، وهذا خلاف ظاهر الحديث؛ إلاّ أن أبا داود وقد روي في هذا الحديث من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً وليس إسناده بذاك. والمحفلة أي المصراة، وسميت محفلة لحصول اللبن واجتماعه في ضرعها. ومن باب النهي عن الحكرة قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، قال: حَدَّثنا خالد عن عمرو بن يحيى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن المسيب عن معمر بن أبي معمر أحد بني عدي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحتكر إلا خاطىء فقلت لسعيد فإنك تحتكر قال ومعمر كان يحتكر. قال الشيخ قوله ومعمر كان يحتكر يدل على أن المحظور فيه نوع دون نوع ولا يجوزعلى سعيد بن المسيب في علمه وفضله أن يروي عن النبي ﷺ حديثا ثم يخالفه كفاحاً وهو على الصحابي أقل جوازاً وأبعد إمكاناً. وقد اختلف الناس في الاحتكار فكرهه مالك والثوري في الطعام وغيره من السلع، وقال مالك يمنع من احتكار الكتان والصوف والزيت وكل شيء

стр. 772

أضر بالسوق، إلاّ أنه قال ليست الفواكه من الحكرة. وقال أحمد بن حنبل ليس الاحتكار إلاّ في الطعام خاصة لأنه قوت الناس وقال إنما يكون الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور، وفرق بينهما وبين بغداد والبصرة وقال ان السفن تخترقها، وقال أحمد إذا دخل الطعام من ضيعته فحبسه فليس بحكرة، وقال الحسن والأوزاعي من جلب طعاما من بلد إلى بلد فحبسه ينتظر زيادة السعر فليس بمحتكر وإنما المحتكر من اعترض سوق المسلمين. وقال الشيخ واحتكار معمر وابن المسيب متأول على مثل هذا الوجه الذي ذهب إليه أحمد بن حنبل، وإنما هذا الحديث جاء باللفظ العام والمراد منه معنى خاص، وقد روي عن ابن المسيب أنه كان يحتكر الزيت. ومن باب كسر الدراهم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل قال أخبرنا معمر قال سمعت محمد بن فضاء يحدث عن أبيه عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلاّ من بأس. قال الشيخ أصل السكة الحديدة التي يطبع عليها الدراهم والنهي إنما وقع عن كسر الدراهم المضروبة على السكة. وقد اختلف الناس في المعنى الذي من أجله وقع النهي عنه فذهب بعضهم إلى أنه كره لما فيه من ذكر اسم الله ، وذهب بعضهم إلى أنه كره من أجل الوضيعة وفيه تضييع للمال، وبلغني، عَن أبي العباس بن شريح أنه قال كانوا يقرضون الدراهم ويأخذون أطرافها فنهوا عنه. وحدثني اسماعيل بن أسيد قال سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول سمعت أبا داود يقول سألت أحمد بن حنبل

стр. 773

أو سأل حضري سائل ومعي درهم صحيح فقلت اكسره له قال لا. وزعم بعض أهل العلم أنه كره قطعها وكسرها من أجل التدنيق. وقال الحسن لعن الله الدانق وأول من أحدث الدانق. ٤١!!! /٥٠م ومن باب النهي عن الغش قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا سفيان بن عيينة عن العلاء عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ليس منا من غش. قال الشيخ قوله ليس منا من غش معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي. وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن دين الإسلام، وليس هذا التأويل بصحيح، وإنما وجهه ما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك يريد بذلك المتابعة والموافقة. ويشهد بذلك قوله تعالى ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم: ٣٦] . ومن باب خيار المتبابعين قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلاّ بيع الخيار. قال وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمعناه قال أو يقول أحدهما لصاحبه اختر. قال الشيخ اختلف الناس في التفرق الذي يصح بوجوده البيع فقالت طائفة هو التفرق بالأبدان، وإليه ذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو برزة

стр. 774

الأسلمي ﵁، وبه قال شريح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والزهري وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور. وقال النخعي وأصحاب الرأي إذا تعاقدا صح البيع، وإليه ذهب مالك. قال الشيخ وظاهر الحديث يشهد لمن ذهب إلى أن التفرق هو تفرق البدن وعلى هذا فسره ابن عمر وهو راوي الخبر، وكان إذا بايع رجلاً فأراد أن يستحق الصفقة مشى خطوات حتى يفارقه، وكذلك تأول أبو برزة في شأن الفرش الذي باعه الرجل من صاحبه وهما في المنزل، وقد ذكر القصة في هذا الباب أبو داود. قال الشيخ وعلى هذا وجدنا أمرالناس في عرف اللغة وظاهر الكلام إذا قيل تفرق الناس كان المفهوم منه التمييز بالأبدان وإنما يعقل ما عداه من التفرق في الرأي والكلام بقيد وصله. وحكى أبو عمر الزاهد أن أبا موسى النحوي سأل أبا العباس أحمد بن يحيى هل بين يتفرقان ويفترقان فرق، قال نعم أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضل قال يفترقان بالكلام ويتفرقان بالأبدان. قال الشيخ ولو كان تأويل الحديث على الوجه الذي صار إليه النخعي لخلا الحديث عن الفائدة وسقط معناه، وذلك أن العلم محيط بأن المشتري ما لم يوجد منه قبول البيع فهو بالخيار، وكذلك البائع خياره ثابت في ملكه قبل أن يعقد البيع وهذا من العلم العام الذي قد استقر بيانه من باب أن الناس مُخَلَّون وأملاكهم لا يكرهون على إخراجها من أيديهم ولا يملك عليهم إلاّ بطيب

стр. 775

أنفسهم، والخبر الخاص إنما يروى في الحكم الخاص، وثبت أن المتبايعين هما المتعاقدان والبيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين وهي لا تقع حقيقة إلاّ بعد حصول الفعل منهم، كقولك زان وسارق وإذا كان كذلك فقد صح أن المتبايعين هما المتعاقدان، وإذا كان كذلك فليس بعد العقد تفرق إلاّ التمييز بالأبدان. ويشهد لصحة هذا الباب قول إلاّ بيع الخيار ومعناه أن تخيره قبل التفرق وهما بعدُ في المجلس فيقول له اختر. وبيان ذلك في رواية أيوب عن نافع وهو قوله إلاّ أن يقول لصاحبه اختر. وقد تأول بعضهم إلاّ بيع الخيار على معنى خيار الشرط، وهذا تأويل فاسد وذلك أن الاستثناء من الاثبات نفي ومن النفي إثبات، والأول إثبات الخيار فلا يجوز أن يكون ما استثني منه أيضاً إثباتاً مثله، على أن قوله إلاّ أن يقول أحدهما لصاحبه اختر يقيد ما قاله هذا القائل ويهدمه. واحتج بعض من ذهب إلى أن التفرق هو تفرق البدن بأن المتبايعين إنما يجتمعان بالإيجاب والقبول لأنهما كانا قبل ذلك متفرقين فلا يجوز أن يحصلا مفترقين بنفس الشيء الذي به وقع اجتماعهما عليه. وأما مالك فإن أكثر شيء سمعت أصحابه يحتجون به في رد الحديث هو أنه قال ليس العمل عليه عندنا وليس للتفرق حد محدود يعلم. قال الشيخ وليس هذا بحجة، أما قوله ليس العمل عليه عندنا فإنما هو كأنه قال أنا أرد هذا الحديث ولا أعمل به فيقال له الحديث حجة فلم رددته ولِمَ لم تعمل به وقد قال الشافعي رحم الله مالكاً لست أدري من اتهم في إسناد
следующие страницы →