← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قليله وكثيره جائز، وقال مالك هو على قدر الحاجة إليه فخيار الثوب يوم ويومان وفي الحيوان أسبوع ونحوه وفي الدور شهر وشهران وفي الضيعة سنة ونحوها. وفي قوله لا سمراء دليل على أنه لا يلزمه أن يعطيه غير التمر، وذهب بعضهم إلى أن كل إنسان يعطي من قوته فمن كان قوته التمر أعطى صاعا من تمر، ومن كان قوته الشعير أعطى صاعا من شعير، ومن كان قوته السمراء وهي الحنطة أعطى صاعا منها، وهذا خلاف ظاهر الحديث؛ إلاّ أن أبا داود وقد روي في هذا الحديث من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً وليس إسناده بذاك. والمحفلة أي المصراة، وسميت محفلة لحصول اللبن واجتماعه في ضرعها. ومن باب النهي عن الحكرة قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، قال: حَدَّثنا خالد عن عمرو بن يحيى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن المسيب عن معمر بن أبي معمر أحد بني عدي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحتكر إلا خاطىء فقلت لسعيد فإنك تحتكر قال ومعمر كان يحتكر. قال الشيخ قوله ومعمر كان يحتكر يدل على أن المحظور فيه نوع دون نوع ولا يجوزعلى سعيد بن المسيب في علمه وفضله أن يروي عن النبي ﷺ حديثا ثم يخالفه كفاحاً وهو على الصحابي أقل جوازاً وأبعد إمكاناً. وقد اختلف الناس في الاحتكار فكرهه مالك والثوري في الطعام وغيره من السلع، وقال مالك يمنع من احتكار الكتان والصوف والزيت وكل شيء

стр. 772

أضر بالسوق، إلاّ أنه قال ليست الفواكه من الحكرة. وقال أحمد بن حنبل ليس الاحتكار إلاّ في الطعام خاصة لأنه قوت الناس وقال إنما يكون الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور، وفرق بينهما وبين بغداد والبصرة وقال ان السفن تخترقها، وقال أحمد إذا دخل الطعام من ضيعته فحبسه فليس بحكرة، وقال الحسن والأوزاعي من جلب طعاما من بلد إلى بلد فحبسه ينتظر زيادة السعر فليس بمحتكر وإنما المحتكر من اعترض سوق المسلمين. وقال الشيخ واحتكار معمر وابن المسيب متأول على مثل هذا الوجه الذي ذهب إليه أحمد بن حنبل، وإنما هذا الحديث جاء باللفظ العام والمراد منه معنى خاص، وقد روي عن ابن المسيب أنه كان يحتكر الزيت. ومن باب كسر الدراهم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل قال أخبرنا معمر قال سمعت محمد بن فضاء يحدث عن أبيه عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلاّ من بأس. قال الشيخ أصل السكة الحديدة التي يطبع عليها الدراهم والنهي إنما وقع عن كسر الدراهم المضروبة على السكة. وقد اختلف الناس في المعنى الذي من أجله وقع النهي عنه فذهب بعضهم إلى أنه كره لما فيه من ذكر اسم الله ، وذهب بعضهم إلى أنه كره من أجل الوضيعة وفيه تضييع للمال، وبلغني، عَن أبي العباس بن شريح أنه قال كانوا يقرضون الدراهم ويأخذون أطرافها فنهوا عنه. وحدثني اسماعيل بن أسيد قال سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول سمعت أبا داود يقول سألت أحمد بن حنبل

стр. 773

أو سأل حضري سائل ومعي درهم صحيح فقلت اكسره له قال لا. وزعم بعض أهل العلم أنه كره قطعها وكسرها من أجل التدنيق. وقال الحسن لعن الله الدانق وأول من أحدث الدانق. ٤١!!! /٥٠م ومن باب النهي عن الغش قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا سفيان بن عيينة عن العلاء عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ليس منا من غش. قال الشيخ قوله ليس منا من غش معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي. وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن دين الإسلام، وليس هذا التأويل بصحيح، وإنما وجهه ما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك يريد بذلك المتابعة والموافقة. ويشهد بذلك قوله تعالى ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم: ٣٦] . ومن باب خيار المتبابعين قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلاّ بيع الخيار. قال وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمعناه قال أو يقول أحدهما لصاحبه اختر. قال الشيخ اختلف الناس في التفرق الذي يصح بوجوده البيع فقالت طائفة هو التفرق بالأبدان، وإليه ذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو برزة

стр. 774

الأسلمي ﵁، وبه قال شريح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والزهري وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور. وقال النخعي وأصحاب الرأي إذا تعاقدا صح البيع، وإليه ذهب مالك. قال الشيخ وظاهر الحديث يشهد لمن ذهب إلى أن التفرق هو تفرق البدن وعلى هذا فسره ابن عمر وهو راوي الخبر، وكان إذا بايع رجلاً فأراد أن يستحق الصفقة مشى خطوات حتى يفارقه، وكذلك تأول أبو برزة في شأن الفرش الذي باعه الرجل من صاحبه وهما في المنزل، وقد ذكر القصة في هذا الباب أبو داود. قال الشيخ وعلى هذا وجدنا أمرالناس في عرف اللغة وظاهر الكلام إذا قيل تفرق الناس كان المفهوم منه التمييز بالأبدان وإنما يعقل ما عداه من التفرق في الرأي والكلام بقيد وصله. وحكى أبو عمر الزاهد أن أبا موسى النحوي سأل أبا العباس أحمد بن يحيى هل بين يتفرقان ويفترقان فرق، قال نعم أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضل قال يفترقان بالكلام ويتفرقان بالأبدان. قال الشيخ ولو كان تأويل الحديث على الوجه الذي صار إليه النخعي لخلا الحديث عن الفائدة وسقط معناه، وذلك أن العلم محيط بأن المشتري ما لم يوجد منه قبول البيع فهو بالخيار، وكذلك البائع خياره ثابت في ملكه قبل أن يعقد البيع وهذا من العلم العام الذي قد استقر بيانه من باب أن الناس مُخَلَّون وأملاكهم لا يكرهون على إخراجها من أيديهم ولا يملك عليهم إلاّ بطيب

стр. 775

أنفسهم، والخبر الخاص إنما يروى في الحكم الخاص، وثبت أن المتبايعين هما المتعاقدان والبيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين وهي لا تقع حقيقة إلاّ بعد حصول الفعل منهم، كقولك زان وسارق وإذا كان كذلك فقد صح أن المتبايعين هما المتعاقدان، وإذا كان كذلك فليس بعد العقد تفرق إلاّ التمييز بالأبدان. ويشهد لصحة هذا الباب قول إلاّ بيع الخيار ومعناه أن تخيره قبل التفرق وهما بعدُ في المجلس فيقول له اختر. وبيان ذلك في رواية أيوب عن نافع وهو قوله إلاّ أن يقول لصاحبه اختر. وقد تأول بعضهم إلاّ بيع الخيار على معنى خيار الشرط، وهذا تأويل فاسد وذلك أن الاستثناء من الاثبات نفي ومن النفي إثبات، والأول إثبات الخيار فلا يجوز أن يكون ما استثني منه أيضاً إثباتاً مثله، على أن قوله إلاّ أن يقول أحدهما لصاحبه اختر يقيد ما قاله هذا القائل ويهدمه. واحتج بعض من ذهب إلى أن التفرق هو تفرق البدن بأن المتبايعين إنما يجتمعان بالإيجاب والقبول لأنهما كانا قبل ذلك متفرقين فلا يجوز أن يحصلا مفترقين بنفس الشيء الذي به وقع اجتماعهما عليه. وأما مالك فإن أكثر شيء سمعت أصحابه يحتجون به في رد الحديث هو أنه قال ليس العمل عليه عندنا وليس للتفرق حد محدود يعلم. قال الشيخ وليس هذا بحجة، أما قوله ليس العمل عليه عندنا فإنما هو كأنه قال أنا أرد هذا الحديث ولا أعمل به فيقال له الحديث حجة فلم رددته ولِمَ لم تعمل به وقد قال الشافعي رحم الله مالكاً لست أدري من اتهم في إسناد

стр. 776

هذا الحديث اتهم نفسه أو نافعاً وأعظم أن أقول اتهم ابن عمر، فأما قوله ليس للتفرق حد يعلم فليس الأمر على ما توهمه والأصل في هذا ونظائره أن يرجع إلى عادة الناس وعرفهم ويعتبر حال المكان الذي هما فيه مجتمعان، فإذا كانا في بيت فإن التفرق إنما يقع بخروج أحدهما منه ولوكانا في دار واسعة فانتقل أحدهما عن مجلسه إلى بيت أو صفة أو نحو ذلك فإنه قد فارق صاحبه، وإن كانا في سوق أو على حانوت فهو بأن يولي عن صاحبه ويخطو خطوات ونحوها، وهذا كالعرف الجاري والعادة المعلومة في التقابض وهو يختلف في الأشياء، فمنها ما يكون بالتقابض فيه بأن يجعل الشيء في يده، ومنها ما يكون بالتخلية بينه وبين المبيع، وكذلك الأمر في الحرز الذي يتعلق به وجوب قطع اليد فإن منه ما يكون بالاغلاق والاقفال، ومنه ما يكون بيتا وحجاباً، ومنها ما يكون بالشرائح ونحوها وكل منها حرز على حسب ما جرت به العادة، والعرف أمر لا ينكره مالك بل يقول به وربما ترقى في استعماله إلى أشياء لا يقول بها غيره وذلك من مذهبه معروف فكيف صار إلى تركه في أحق المواضع به حتى يترك له الحديث الصحيح والله يغفر لنا وله وإن كان ابن أبي ذئب يستعظم هذا الصنيع من مالك وكان يتوعده بأمر لا أحب أن أحكيه والقصة في ذلك عنه مشهورة. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حَدَّثنا الليث عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلاّ أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله.

стр. 777

قال الشيخ وهذا قد يحتج به من يرى أن التفرق إنما هو بالكلام، قال وذلك أنه لو كان له الخيار في فسخ البيع لما احتاج إلى أن يستقيله. قال الشيخ هذا الكلام وإن خرج بلفظ الاستقالة فمعناه الفسخ وذلك أنه قد علقه بمفارقته. والاستقالة قبل المفارقة وبعدها سواء لا تأثير لعدم التفرق بالأبدان فيها والمعنى أنه لا يحل له أن يفارقه خشية أن يختار فسخ البيع فيكون ذلك بمنزلة الاستقالة والدليل على ذلك ما تقدم من الأخبار والله أعلم. ومن باب من باع بيعتين في بيعة قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من باع بيعتين في بيعة فله أوكسها أو الربا. قال الشيخ ﵀ لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحح البيع بأوكس الثمنين إلاّ شيء يحكى عن الأوزاعي وهو مذهب فاسد وذلك لما يتضمنه هذه العقدة من الغرر والجهل، وإنما المشهور من طريق محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيعتين في بيعة حدثنا الأصم،، قال: حَدَّثنا الربيع،، قال: حَدَّثنا الشافعي،، قال: حَدَّثنا الدراوردي عن محمد بن عمرو. وحدثونا عن محمد بن إدريس الحنظلي حدثنا الأنصاري عن محمد بن عمرو، فأما رواية يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو على الوجه الذي ذكره أبو داود فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه كأنه أسلفه ديناراً في قفيزين إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر، قال له بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهر فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين

стр. 778

في بيعة فيردان إلى أوكسهما وهو الأصل، فان تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتناقضا الأول كانا مرتبين. قال الشيخ وتفسير ما نهي عنه من بيعتين في بيعة على وجهين: أحدهما أن يقول بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة ونسيئة بخمسة عشر فهذا لا يجوز لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي يختاره منهما فيقع به العقد وإذا جهل الثمن بطل البيع. والوجه الاخر: أن يقول بعتك هذا العبد بعشرين ديناراً على أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضاً فاسد لأنه جعل ثمن العبد عشرين ديناراً وشرط عليه أن يبيعه جاريته بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه وإذا لم يلزمه سقط بعض الثمن وإذا سقط بعضه صار الباقي مجهولا. ومن هذا الباب أن يقول بعتك هذا الثوب بدينارين على أن تعطيني بهما دراهم صرف عشرين أو ثلاثين بدينار، فأما إذا باعه شيئين بثمن واحد كدار وثوب أو عبد وثوب فهذا جائز وليس من باب البيعتين في البيعة الواحدة، وإنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين بثمن معلوم. وعقد البيعتين في بيعة واحدة على الوجه اللذين ذكرناهما عند أكثر الفقهاء فاسد. وحكي عن طاوس أنه قال لا بأس أن يقول له هذا الثوب نقدا بعشرة وإلى شهر بخمسة عشر فيذهب به إلى أحدهما. وقال الحكم وحماد لا بأس به ما لم يفترقا. وقال الأوزاعي لا بأس بذلك ولكن لا يفارقه حتى يُباته بأحد المعنيين فقيل له فإنه ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين، فقال هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين. قال الشيخ هذا ما لا يشك في فساده فإما إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه وذكر ما سواه لغو لا اعتبار به.

стр. 779

ومن باب السلف قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حَدَّثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن كثير، عَن أبي المنهال عن عبد الله بن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث، فقال من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم. قال الشيخ في هذا الحديث بيان أن السلف يجب أن يكون معلوماً بالأمر الذي يضبط ولا يختلف وأنه مهما كان مجهولاً بطل. وفيه دليل على أنه قد يجوز السلم إلى سنة في الشيء الذي لا وجود له في أيام السنة إذا كان موجوداً في الغالب وقت محل الأجل، وذلك أن التمر اسم للرطب واليابس في قول أكثر أهل العلم. وعند بعض أهل اللغة اسم للرطب لا غير وعلى هذا ما جاء من النهي عن بيع التمر بالتمر وعلى الوجهين معاً، فقد أجاز السلم فيه السنة والسنتين والثلاث إذ كان قد وجدهم يفعلون ذلك فلم ينكره عليهم فكان تقريره ذلك إذناً لهم فيه وإجازة له، ومعلوم أن الرطب لا يوجد في وقت معلوم من السنة وهو معدوم في أكثر أيام السنة. وفيه أن السلم جائز وزناً في الشيء الذي أصله الكيل لأنه عم ولم يخص، فقال في كيل معلوم أو وزن معلوم فخيره بين الأمرين فإذا صار الشيء المسلم فيه معلوماً بأحدهما جاز فيه السلم. وفيه أن الآجال المجهولة كالحصاد وإلى العطاء وإلى قدوم الحاج يبطل السلم وأنها لا تجوز إلاّ أن تكون معلومة بالأمر الذي لا يختلف كالسنين والشهور والأيام المعلومة.

стр. 780

وقد يحتج بهذا الحديث من لا يجيز السلم حالا وهو مذهب أبي حنيفة ومالك قالوا وذلك لقوله إلى أجل معلوم فشرط الأجل كما شرط الكيل والوزن. وقال الشافعي إذا جاء أجلاً فهو حالاً أجود ومن الغرر أبعد، وليس ذكر الأجل عنده بمعنى الشرط وإنما هو أن يكون إلى أجل معلوم غير مجهول إذ كان مؤجلاً كما ليس ذكر الكيل والوزن شرطاً وإنما هو أن يكون معلوم الكيل والوزن إذ كان مكيلا أو موزونا ألست ترى أن السلم في المزروع جائز بالزرع وليس بمكيل ولا موزون فعلمت أنه إنما أراد الحصر له بما يضبط بمثله حتى يخرج من حد الجهالة ويسلم من الغرر ولو كان ذكر الكيل والوزن شرطاً في جواز السلم لم يجز إلاّ في مكيل أو موزون فكذلك الأجل والله أعلم. ومن باب من أسلف في شيء ثم حوله إلى غيره قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حَدَّثنا أبو بدر عن زياد بن خيثمة عن سعد الطائي عن عطية بن سعد، عَن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره. قال الشيخ إذا أسلف ديناراً في قفيز حنطة إلى شهر فحل الأجل فأعوزه البر فإن أبا حنيفة يذهب إلى أنه لا يجوز له أن يبيعه عوضا بالدينار ولكن يرجع برأس المال عليه قولا بعموم الخبر وظاهره. وعند الشافعي يجوز له أن يشتري عوضا بالدينار إذا تقايلا السلم وقبضه قبل التفرق لئلا يكون دينارين، فأما الاقالة فلا تجمز وهو معنى النهي عن صرف السلف إلى غيره عنده. ومن باب وضع الجائحة قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حَدَّثنا الليث عن بكيرعن عياض

стр. 781

بن عبد الله، عَن أبي سعيد الخدري أنه قال أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ خذوا ما وجدتم وليس لكم إلاّ ذلك. قال الشيخ قد تقدم الكلام في بيان اختلاف الناس في وضع الجوائح. وأما هذا الحديث فليس فيه ذكر الجائحة، وقد يحتمل أن يكون إنما أصيب في تلك الثمار بعدما جذها وأواها الجرين فطرقها لص أو جرفها سيل أو باعها فافتات الغريم بحقه وكل هذه الوجوه قد يصح رجوع إضافة المصيبة فيها إلى الثمار التي كان ابتاعها وإذا كان كذلك لم يجب الحكم بذهاب حق رب المال. وليس في الحديث أنه أمر أرباب الأموال أن يضعوا عنه شيئا من أثمان الثمار ثلثا أو أقل منه أو أكثر، إنما أمر الناس أن يعينوه ليقضي حقوقهم، فلما أبدع بهم أمرهم بالكف عنه إلى الميسرة وهذا حكم كل مفلس أحاط به الدين وليس له مال. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: حَدَّثنا ابن وهب قال أخبرني ابن جريج وحدثنا محمد بن معمر، قال: حَدَّثنا أبو عاصم عن ابن جريج المعنى أن أبا الزبير المكي أخبره عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال إن بعت من أخيك ثمراً فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ثم تأخذ مال أخيك بغير حق. قال الشيخ يشبه أن يكون إنما أراد بهذا القول التخفيف عنه والتسويغ له دون الإيجاب والإلزام ذلك أنه لا خلاف أن للمشتري الثمرة لو أراد بيعها بعد القبض كان له ذلك، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار قبل بدو

стр. 782

صلاحها وقبل أن تأمن العاهة فلو كانت إذا بيعت وقد بدا صلاحها مضمونة على البائع لم يكن لهذا النهي فائدة، وقد يحتمل أن يكون إنما أراد به الثمرة تباع قبل بدو الصلاح فيصيبها الجائحة والله أعلم. ومن باب منع الماء قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا جرير عن الأعمش عن أبني صالح، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ. قال الشيخ هذا في الرجل يحفر البئر في الأرض الموات فيملكها بالاحياء وحول البئر أو بقربها موات فيه كلأ ولا يمكن الناس أن يرعوه إلاّ بأن يبذل لهم ماءه ولا يمنعهم أن يسقوا ماشيتهم منه فأمره ﷺ أن لا يمنع فضل مائه إياهم لأنه إذا فعل ذلك وحال بينه وبينهم فقد منعهم الكلأ لأنه لا يمكن رعيه والمقام فيه مع منعه الماء، وإلى هذا ذهب في معنى الحديث مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وهو معنى قول الشافعي والنهي في هذا عندهم على التحريم. وقال غيرهم ليس النهي فيه على التحريم لكنه من باب المعروف فإن شح رجل على مائه لم ينتزع من يده والماء في هذا كغيره من صنوف الأموال لا يحل إلاّ بطيبة نفسه. وذهب قوم إلي أنه لا يجوز له منع الماء ولكن يجب له القيمة على أصحاب المواشي وشبهوه بمن يضطر إلى طعام رجل فإن له أكله وعليه أداء قيمته. ولو لزمه بذل الماء بلا قيمة للزمه بذل الكلأ إذا كان في أرضه بلا قيمة وللزمه كذلك

стр. 783

أن لا يمنع الماء زرع غيره إذا كان بقربه زرع لرجل لا يحيى إلاّ به. قال الشيخ أما من تأول الحديث على معنى الاستحباب دون الإيجاب فإنه يحتاج إلى دليل يجوز معه ترك الظاهر، وأصل النهي علىالتحريم فمنع فضل الماء محظور على ما ورد به الظاهر، وأما من أوجب فيه القيمة فقد صار إلى المنع أيضاً وهو خلاف الخبر وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء. وقد ذكره أبو داود العطار عن عمرو بن دينار، عَن أبي المنهال عن إياس بن عبد أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع فضل الماء. وأما تشبيهه ذلك بالطعام فإنهما لا يشابهان لأن أصل الماء الإباحة وهو مستخلف ما دام في منعه والطعام متقوم منقطع المادة غير مستخلف، وقد جرت العادة بتمول الطعام سلماً كما يتمول سائر أنواع المال. والماء لا يتمول في غالب العرف وأما الزرع فليس له حرمة وللحيوان حرمة، والحديث إنما جاء في منع الماء الذى يمنع به الكلأ والزرع بمعزل عن ذلك. قال الشيخ ﵀ وأما الماء إذا جمعه صاحبه في صهريج أو بركة أوخزنه في جب أو قراه في حوض ونحوه فإن له أن يمنعه وهو شيء قد حازه على سبيل الاختصاص لا يشركه فيه غيره، وهو مخالف لماء البئر لأنه لا يستخلف استخلاف ماء الآبار ولا يكون له فضل في الغالب كفضل مياه الآبار، والحديث إنما جاء في منع الفضل دون الأصل ومعناه ما فضل عن حاجته وعن حاجة عياله وماشيته وزرعه والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ قال حدثني أبي، قال: حَدَّثنا كهمس عن سيار بن منظور رجل من بني فزارة عن أبيه عن امرأة يقال لها بهيسة عن أبيها

стр. 784

قالت استأذن أبي رسول الله ﷺ فقال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء، قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الملح. قال الشيخ معناه الملح إذا كان في معدنه في أرض أو جبل غير مملوك فإن أحداً لا يمنع من أخذه، فأما إذا صار في حيز مالكه فهو أولى به وله منعه وبيعه والتصرف فيه كسائر أملاكه. قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا عيسى بن يونس، قال: حَدَّثنا حريز بن عثمان قال:، قال: حَدَّثنا أبو خداش أنه سمع رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار. قال الشيخ هذا معناه الكلأ ينبت في موات الأرض يرعاه الناس ليس لأحد أن يختص به دون أحد ويحجزه عن غيره، وكان أهل الجاهلية إذا غزا الرجل منهم حمى بقعة من اللأرض لماشيته ترعاها يذود الناس عنها فأبطل النبي ﷺ ذلك وجعل الناس فيها شِرعاً يتعاورونه بينهم٠ فأما الكلأ إذا نبت في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لأحد أن يشركه فيه إلاّ بإذنه. وأما قوله والنار فقد فسره بعض العلماء وذهب إلى أنه أراد به الحجارة التي توري النار يقول لا يمنع أحد أن يأخذ منها حجراً يقتدح به النار، فأما التي يوقدها الإنسان فله أن يمنع غيره من أخذها. وقال بعضهم ليس له أن يمنع من يريد يأخذ منها جذوة من الحطب التي قد احترق فصار جمراً وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحاً أو أدنى منها ضغثاً يشتعل بها لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئاً والله أعلم.

стр. 785

ومن باب بيع السنور قال أبو داود: حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة وعلي بن بحر، قال: حَدَّثنا عيسى عن الأعمش، عَن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور. قال الشيخ النهي عن بيع السنور متأول على أنه إنما كره من أجل أحد معنيين إما لأنه كالوحشي الذي لا يملك قياده ولا يصح التسليم فيه، وذلك لأنه ينتاب الناس في دورهم ويطوف عليهم فيها ثم يكاد ينقطع عنهم، وليس كالدواب التي تربط على الأوادي ولا كالطير الذي يحبس في الأقفاص، وقد يتوحش بعد الأنوسة ويتأبد حتى لا يقرب ولا يقدر عليه. فإن صاب المشتري له إلى أن يحبسه في بيته أو يشده في خيط أو سلسلة لم ينتفع به. والمعنى الآخر أن يكون إنما نهى عن بيعه لئلا يتمانع الناس فيه وليتعاوروا ما يكون منه في دورهم فيرتفقوا به ما أقام عندهم ولا يتنازعوه إذا انتقل عنهم إلى غيرهم تنازع الملاك في النفيس من الأعلاق، وقيل إنما نهى عن بيع الوحشي منه دون الانسي، وقد تكلم بعض العلماء في إسناد هذا الحديث وزعم أنه غير ثابت عن النبي ﷺ . وممن أجاز بيع السنور ابن عباس وإليه ذهب الحسن البصري وابن سيرين والحكم وحماد، وبه قال مالك بن أنس وسفيان الثورى وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وكره بيعه أبو هريرة وجابر وطاوس ومجاهد. ومن باب ثمن الكلب قال أبو داود: جدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حَدَّثنا سفيان عن الزهري، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن، عَن أبي مسعود عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب،

стр. 786

ومهر البغي وحلوان الكاهن. قال الشيخ نهيه عن ثمن الكلب يدل على فساد بيعه لأن العقد إذا صح كان دفع الثمن واجباً مأموراً به لا منهياً عنه فدل نهيه عنه على سقوط وجوبه وإذا بطل الثمن بطل البيع لأن البيع إنما هوعقد على شيء بثمن معلوم، وإذا بطل الثمن بطل المثمن، وهذا لقوله ﷺ لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحملوها وباعوها وأكلوا أثمانها فجعل حكم الثمن والمثمن في التحريم سواء. قال أبو داود: حدثنا أبو توبة، قال: حَدَّثنا أبو عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن قيس بن حبتر عن عبد الله بن عباس قال نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب فإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً. قال الشيخ وهذا يؤكد معنى ما قلناه في الحديث الأول، ومعنى التراب ههنا الحرمان والخيبة كما يقال ليس في كفه إلاّ التراب، وكقوله ﷺ وللعاهر الحجر يريد الخيبة إذ لاحظ له في الولد، وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الحديث على ظاهره ويرى أن يوضع التراب في كفه، وروي أن المقداد رأى رجلا يمدح رجلا فقام يحشي التراب بكفه في وجهه، وقال بهذا أمرنا، يَعني قوله ﷺ إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب. وفي قوله إذا جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً دليل على أن لا قيمة للكب إذا تلف ولا يجب فيه عوض، وقال مالك بن أنس فيه القيمة ولا ثمن له. قال الشيخ الثمن ثمنان ثمن التراضي عن البيوع وثمن التعديل عند الاتلاف وقد أسقطهما النبي ﷺ بقوله فاملأ كفه تراباً فثبت أن لا عوض له بوجه من الوجوه.

стр. 787

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حَدَّثنا ابن وهب قال: حدثني معروف بن سويد الجُذامي عن علي بن رباح اللخمي حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي. قال الشيخ إذا لم يحل ثمن الكلب لم يحل بيعه لأن البيع إنما هو على ثمن ومثمن فإذا فسد أحد الشقين فسد الشق الآخر وفي ذلك تحريم العقد من أصله. وقد اختلف الناس في جواز بيع الكلب فروي، عَن أبي هريرة أنه قال هو من السحت وروي عن الحسن والحكم وحماد، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أصحاب الرأي جائز بيع الكلب، وقال قوم ما أبيح اقتناؤه من الكلاب فبيعه جائز وما حرم اقتناؤه منها فبيعه محرم يحكى ذلك عن عطاء والنخعي، وقد حكينا عن مالك أنه كان يحرم ثمن الكلب ويوجب فيه القيمة لصاحبه على من أتلفه قالوا وذلك لأنه أبطل عليه منفعته وشبهوه بأم الولد لا يحل ثمنها وفيها القيمة على من أتلفها. قال الشيخ جواز الانتفاع بالشيء إذا كان لأجل الضرورة لم يكن دالاً على جواز بيعه كالميتة يجوز الانتفاع للمضطر ولا يجوز بيعها. ومن باب ثمن الميتة والخمر والخنزير قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حَدَّثنا عبد الله بن وهب، قال: حَدَّثنا معاوية بن صالح عن عبد الوهاب بن بخت، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال إن الله تعالى حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه. قال الشيخ فيه دليل على أن من أراق خمر البنصراني أو قتل خنزيراً له فإنه

стр. 788

لا غرامة عليه لأنه لا ثمن لها في حكم الدين. وفيه دليل على فساد بيع السرقين وبيع كل شيء نجس العين، وفيه دليل على أن بيع شعر الخنزير لا يجوز. واختلفوا في جواز الانتفاع به فكرهت طائفة ذلك وممن منع منه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق وقال أحمد وإسحاق الليف أحب إلينا وقد رخص فيه الحسن والأوزاعي ومالك وأصحاب الرأي. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حَدَّثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك لعن الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها ثم باعوها فأكلوا أثمانها. قال الشيخ قوله جملوها معناها أذابوها حتى تصير ودكاً فيزول عنها اسم الشحم يقال جملت الشحم واجتملته إذا أذبته قال لبيد: فاشتوى ليلة ريح واجتمل وفي هذا بيان بطلان كل حيلة يحتال بها توصل إلى محرم وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه. وفيه دليل على جواز الاستصباح بالزيت النجس فإن بيعه لا يجوز، وفي تحريمه ثمن الأصنام دليل على تحريم بيع جميع الصور المتخذة من الطين والخشب والحديد والذهب والفضة وما أشبه ذلك من اللعب ونحوها.

стр. 789

وفي الحديث دليل على وجوب العبرة واستعمال القياس وتعدية معنى الاسم إلى المثل أو النظير خلاف قول من ذهب من أهل الظاهر إلى إبطالها، ألا تراه كيف ذم من عدل عن هذه الطريقة حتى لعن من كان عدوله عنها تذرعاً إلى الوصول به إلى محظور. قال أبو داود: حدثنا مسدد أن بشر بن المفضل وخالد بن عبد الله حدثاهم المعنى عن خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال لعن الله اليهود ثلاثاً إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وأن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه. قال الشيخ هذا يؤكد ما مضى من القول على معنى الأحاديث المتقدمة وفيه دليل على فساد بيع الزيت الذي قد أصابته نجاسة. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا ابن إدريس ووكيع عن طعمة بن عمرو الجعفري عن عمرو بن بيان التغلبي عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله ﷺ من باع الخمر فليشقص الخنازير. قال الشيخ قوله فليشقص معناه فليستحل أكلها، والتشقيص يكون من وجهين أحدهما أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض. والوجه الآخر أن يجعلها أشقاصا وأعضاء بعد ذبحها كما تُعضى أجزاء الشاة إذا أرادوا اصلاحها للأكل، ومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه يقول من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنزير فانهما في الحرمة والاثم سواء أي إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر.

стр. 790

ومن باب بيع الطعام قبل أن يستوفى قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه. قال الشيخ أجمع أهل العلم على أن الطعام لا يجوز بيعه قبل القبض. واختلفوا فيما عداه من الأشياء فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ما عدا الطعام بمنزلة الطعام إلاّ الدور والأرضون فإن بيعها قبل قبضها جائز. وقال الشافعي ومحمد بن الحسن الطعام وغير الطعام من السلع والدور والعقار في هذا سواء لا يجوز بيع شيء منها حتى تقبض وهو قول ابن عباس. وقال مالك بن أنس ما عدا المأكول والمشروب جائز أن يباع قبل أن يقبض، وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يجوز بيع كل منها ما خلا المكيل والموزون وروي ذلك عن ابن المسيب والحسن البصري والحكم وحماد. قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو عَوانة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ إذا اشترى أحدكم طعاما فلا يبعه حتى يقبضه، قال: وقال ابن عباس أحسب كل شيء مثل الطعام. قال الشيخ يشبه أن يكون ابن عباس إنما قاس ما عدا الطعام على الطعام بعلة أنه عين مبيعه لم يقبض أو لأنه بلغه أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، والشيء المبيع ضمانه قبل القبض على البائع فلم يجز للمشتري ربحه. واحتج بعض من ذهب إلى جواز بين ما عدا الطعام قبل أن يقبض بخبر ابن عمر أنهم كانوا في عهد رسول الله ﷺ يبيعون الإبل بالبقيع بالدنانير فيأخذون الدراهم وبالدراهم ويأخذون الدنانير فأجازه رسول الله ﷺ إذا وقع

стр. 791

التقابض قبل التفرق قالوا وهذا بيع الثمن الذي وقع به العقد قبل قبضه فدل أن النهي مقصور على الطعام وحده وقالوا إن الملك ينتقل بنفس العقد بدليل أن المبيع لو كان عبداً فأعتقه المشتري قبل القبض عتق، وإذا ثبت الملك جاز التصرف ما لم يكن فيه إبطال حق لغيره. قال الشيخ وقد يقال على الفرق بين الدراهم والدنانير إذا كانت أثماناً وبين غيرها أن معنى النهي أن تقصد بالتصرف في السلعة الربح وقد نهى ﷺ عن ربح ما لم يضمن ومقتضي الدراهم من الدنانيرلا يقصد به الربح إنما يريد به الاقتضاء والنقود مخالفة لغيرها من الأشياء لأنها أثمان وبعضها ينوب عن بعض وللحاكم أن يحكم على من أتلف على إنسان مالاً بأيهما شاء فكانا كالنوع الواحد من هذا المعنى. وأما العتق فانه اتلاف واتلاف المشتري عين المبيع يقوم مقام القبض. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه، يَعني جزافاً. قال السيخ القبوض تختلف في الأشياء حسب اختلافها في أنفسها وحسب اختلاف عادات الناس فيها فمنها ما يكون بأن يوضع المبيع في يد صاحبه ومنها ما يكون بالتخلية بينه وبين المشتري، ومنها ما يكون بالنقل من موضعه ومنها ما يكون بأن يكتال وذلك فيما بيع من المكيل كيلاً، فأما ما يباع منه جزافا صبرة مصمومة على الأرض فالقبض فيه أن ينقل ويحول من مكانه. فإن ابتاع طعاما كيلاً ثم أراد أن يبيعه بالكيل الأول لم يجز حتى يكيله على

стр. 792

المشتري ثانيا، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري. وممن قال أنه لا يجوز بيعه بالكيل الأول حتى يكال ثانيا أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وهو مذهب الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي، وقال مالك إذا باعه نسيئة فهو المكروه فأما إذا باعه نقداً فلا بأس أن يبيعه بالكيل الأول، وروي عن عطاء أنه أجاز بيعه نساء كان أو نقداً. قال أبو داود: حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: حَدَّثنا وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله، زاد أبو بكر قلت لابن عباس لم قال ألا ترى أنهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجى. قال الشيخ قوله والطعام مُرجى أي مؤجل وكل شيء أخرته فقد أرجيته يقال أرجيت الشيء ورجيته أي أخرته؛ وقد يتكلم به مهموزاً وغير مهموز وليس هذا من باب الطعام الحاضر ولكنه من باب السلف وذلك مثل أن يشتري منه طعاماً بدينار إلى أجل فيبيعه قبل أن يقبضه منه بدينارين وهو غير جائز لأنه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام مؤجل غائب غير حاضر وإنما صار ذلك بيع ذهب بذهب على معناه لأن المسلف إذا باعه الطعام الذي لم يقبضه وأخذ منه ذهبا فإن البيع لا يصح فيه إذ كان الطعام الذي باعه منه مرجى مضموناً على غيره وإنما تقايل الذهبان في التقدير فكأنه إنما باعه ديناره الذي كان قد أسلفه في الطعام بدينارين وهو فاسد من وجهين أحدهما

стр. 793

لأنه دينار بدينارين والآخر لأنه ناجز بغائب في بيع سبيله سبيل المصارفة. ومن باب الرجل يقول عند البيع لا خلابة قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلاً ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيع فقال رسول الله ﷺ إذا بايعت فقل لا خلابة. قال الشيخ الخلابة مصدر خلبت الرجل إذا خدعته واخلُبه خلبا وخِلابة قال الشاعر: شر الرجال الخالب المخلوب ويستدل بهذا الحديث من يرى أن الكبير لا يحجر عليه إذ لو كان إلى الحجر عليه سبيل لحجر عليه ولأمر أن لا يبايع ولم يقتصرعلى قوله لا خلابة. قال الشيخ والحجر على الكبير إذا كان سفيها مفسداً لماله واجب كهو على الصغير، وهذا الحديث إنما جاء في قصة حبان بن منقذ ولم يذكر صفة سفه ولا اتلافاً لماله وإنما جاء أنه كان يخدع في البيع وليس كل من غبن في شيء يجب أن يحجر عليه وللحجر حد فإذا لم يبلغ ذلك الحد لم يستحق الحجر. وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فذهب بعضهم إلى أنه خاص في أمرحبان بن منقذ وأن النبي ﷺ جعل هذا القول شرطاً له في بيوعه ليكون له الرد به إذا تبين الغبن في صفقته فكان سبيله سبيل من باع أو اشترى على شرط الخيار، وقال غيره الخبر على عمومه في حبان وغيره. وقال مالك بن أنس في بيع المغابنة إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة كان له فيه الخيار.

стр. 794

وقال أحمد في بيع المسترسل يكره غابنه وعلى صاحب السلعة أن يستقصي له وقد حكي عنه أنه قال إذا بايعه وقال لا خلابة فله الرد، وقال أبو ثور البيع إذا غبن فيه أحد المتبايعين غبناً لا يتغابن الناس فيما بينهم بمثله فاسد كان المتبايعان خابري الأمر أو محجوراً عليهما. وقال أكثر الفقهاء إذا تصادر المبايعان عن رضا وكانا عاقلين غير محجورين فغبن أحدهما فلا يرجع فيه. ومن باب في العُربان قال أبو داود: حدثنا القعنبي قال قرأت على مالك بن أنس أنه بلغه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع العربان قال مالك وذلك فيما نرى والله أعلم، أن يشتري الرجل العبد أو يتكارى الدابة ثم يقول أعطيك ديناراً على أني إن تركت السلعة أو الكراء فما أعطيتك لك. قال الشيخ هكذا تفسير بيع العربان وفيه لغتان عربان وأربان ويقال أيضل عربون وأربون. وقد اختلف الناس في جواز هذا البيع فأبطله مالك والشافعي للخبر ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر ويدخل ذلك في أكل المال بالباطل وأبطله أصحاب الرأي. وقد روي عن ابن عمر أنه أجاز هذا البيع ويروي ذلك أيضاً عن عمر. ومال أحمد بن حنبل إلى القول بإجازته وقال أي شيء أقدر أن أقول وهذا عمر ﵁، يَعني أنه أجازه وضعف الحديث فيه لأنه منقطع وكأن رواية مالك فيه عن بلاغ.

стр. 795

ومن باب الرجل يبيع ما ليس عنده قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة، عَن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام قال يا رسول الله يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي افأبتاعه له من السوق قال لا تبع ما ليس عندك. قوله لا تبع ما ليس عندك يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق أو جمله الشارد ويدخل في ذلك كل شيء ليس بمضمون عليه مثل أن يشتري سلعة فيبيعها قبل أن يقبضها ويدخل في ذلك بيع الرجل مال غيره موقوفاً على إجازة المالك لأنه يبيع ما ليس عنده ولا في ملكه وهو غرر لأنه لا يدري هل يجيزه صاحبه أم لا والله أعلم. ومن باب شرط في بيع قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب، قال: حَدَّثنا إسماعيل عن أيوب قال حدثني عمرو بن شعيب قال حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم تضمن ولا تبع ما ليس عندك. قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا يحيى بن سعيد عن زكريا عن عامر عن جابر، قال بعته، يَعني بعيراً من النبي ﷺ فاشترطت حملانه إلى أهلي قال في آخره تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك خذ جملك وثمنه فهما لك. قال الشيخ أما الحديث وقوله لا يحل سلف وبيع فهو من نوع ما تقدم

стр. 796

بيانه فيما مضى عن نهيه عن بيعتين في بيعة وذلك مثل أن يقول له أبيعك هذا العبد بخمسين دينارا على أن تسلفني ألف درهم في متاع أبيعه منك إلى أجل أو يقول أبيعكه بحذا على أن تقرضي ألف درهم، ويكون معنى السلف القرض وذلك فاسد لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن فيدخل الثمن في حد الجهالة ولأن كل قرض جَرَّ منفعة فهو ربا. وأما ربح ما لم يضمن فهو أن يبيعه سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها فهي من ضمان البائع الأول ليس من ضمانه فهذا لا يجوز بيعه حتى يقبضه قيكون من ضمانه. وقوله لا تبع ما ليس عندك فقد فسرناه قبل. وأما قوله ولا شرطان في بيع فإنه بمنزلة بيعتين وهو أن يقول بعتك هذا الثوب نقداً بدينار ونسيئة بدينارين فهذا بيع واحد تضمن شرطين يختلف المقصود منه باختلافهما وهو الثمن، ويدخله الغرر والجهالة ولا فرق في مثل هذا بين شرط واحد وبين شرطين أو شروط ذات عدد في مذاهب أكثر العلماء. وفرق أحمد بن حنبل بين شرط واحد وبين شرطين اثنين فقال إذا اشترى منه ثوباً واشترط قصارته صح البيع فان شرط عليه مع القصارة الخياطة فسد البيع، قال الشيخ ولا فرق بين أن يشترط عليه شيئا واحداً أو شيئين لأن العلة في ذلك كله واحدة وذلك لأنه إذا قال بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقصره لي فان العشرة التي هي الثمن تنقسم على الثوب وعلى أجرة القصارة فلا يدري حينئذ كم حصة الثوب من حصة الإجارة وإذا صار الثمن مجهولاً بطل البيع. وكذلك هذا في الشرطين وأكثر. وكل عقد جمع تجارة

стр. 797

وإجارة فسبيله في الفساد هذا السبيل وفي معناه أن تبتاع منه قفيز حنطة بعشرة دراهم على أن يطحنه. أو أن تشتري منه حمل حطب على أن ينقله إلى منزله وما أشبه ذلك مما يجمع بيعا وإجارة. والشروط على ضروب فمنها ما يناقض البيوع ويفسدها ومنها ما لا يلائمها ولا يفسدها، وقد روي المسلمون عند شروطهم وثبت عن النبي ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهوباطل. فعلم أن بعض الشروط يصح وبعضها يبطل، وقال ﷺ من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع. فهذه الشروط قد أثبتها رسول الله ﷺ في عقد البيع ولم يرد العقد يفسد بها فعلمت أن ليس كل شرط مبطلاً للبيع. وجماع هذا الباب أن ينظر فكل شرط كان من مصلحة العقد أو من مقتضاه فهو جائز مثل أن يبيعه على أن يرهنه داره أو يقيم له كفيلاً بالثمن فهذا من مصلحة العقد والشرط فيه جائز. وأما مقتضاه فهو مثل أن يبيعه عبداً على أن يحسن إليه وأن لا يكلفه من العمل ما لا يطيقه وما أشبه ذلك من الأمور التي يجب عليه أن يفعلها، وكذلك لو قال له بعتك هذه الدار على أن تسكنها أو تسكنها من شئت وتكريها وتتصرف فيها بيعاً وهبة وما أشبه ذلك مما له أن يفعله في ملكه فهذا شرط لا يقدح في العقد لأن وجوده ذكراً له وعدمه سكوتاً عنه في الحكم سواء. وأما ما يفسد البيع من الشروط فهو كل شرط يدخل الثمن في حد الجهالة أو يوقع في العقد أو في تسليم المبيع غرراً أو يمنع المشتري من اقتضاء حق الملك من المبيع.

стр. 798

فأما ما يدخل الثمن في حد الجهالة فهو أن يشتري منه سلعة ويشترط عليه نقلها إلى بيته أو ثوباً ويشترط عليه خياطته في نحو ذلك من الأمور، وكذلك إذا باعه عبدا على أن لا خسارة عليه، وأما ما يجلب الغرر مثل أن يبيعه داره بألف درهم ويشترط فيه رضاء الجيران أو رضاء زيد أو عمرو أو يبيعه دابة على أن يسلمها إليه بالري أو بأصبهان فهذا غرر لا يدري هل يسلم الحيوان إلى وقت التسليم وهل يرضى الجيران أم لا أو المكان الذي شرط تسليمه فيه أو لا، وأما منع المشتري من مقتضى العقد فهو أن يبيعه جارية على أن لا يبيعها أو لا يستخدمها أو لا يطأها ونحو ذلك من الأمور فهذه شروط تفسد البيع لأن العقد يقتضي التمليك واطلاق التصرف في الرقبة والمنفعة وهذه الشروط تقتضي الحجر الذي هو مناقض لموجب الملك فصار كأنه لم يبعه منه أو لم يملكه إياه. وأما حديث جابر وقوله واشترطت حملانه إلى أهلي فسنقول في تخرجه والتوفيق بينه وبين الحديث الأول ما يزول معه الخلاف على معاني ما قلناه إن شاء الله وذلك أنه قد اختلف الرواية فيه فروى شعبة بن المغيرة عن الشعبي عن جابر أن النبي ﷺ أعاره ظهر الجمل إلى المدينة. وحدثنيه إبراهيم بن عبيد الله القصار، قال: حَدَّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: حَدَّثنا يحيى بن محمد بن السكن، قال: حَدَّثنا يحيى بن كثير أبو غسان العنبري، قال: حَدَّثنا شعبة عن المغيرة عن الشعبي عن جابر قال بعت النبي ﷺ جملاً فافقرني ظهره إلى المدينة. قال الشيخ الافقار إنما هو في كلام العرب إعارة الظهر للركوب فدل هذا على أنه لم يكن عقد شرط في نفس البيع وقد يحتمل أن يكون ذلك عدة

стр. 799

منه أي وعده له بالركوب والعقد إذا تجرد عن الشروط لم يضره ما يعقبه بعد ذلك من هذه الأمور، ويشبه أن يكون إنما رواه من رواه بلفظ الشرط لأنه إذا وعده الافقار والإعارة كان ذلك منه أمراً لا يشك الوفاء فيه فحل محل الشروط المذكورة والأمور الواجبة التي لا خلف فيها فعبر عنه بالشرط على هذا المعنى. على أن قصة جابر إذا تأملتها علمت أن النبي ﷺ لم يستوف فيها أحكام البيوع من القبض والتسليم وغيرهما، وإنما أراد أن ينفعه ويهب له فاتخذ بيع الجمل ذريعة إلى ذلك ومن أجل ذلك جرى الأمر فيها على المساهلة ألا ترى أنه قد دفع إليه الثمن الذي سماه ورد إليه الجمل يدل على صحة ذلك؛ قوله أتراني إنما ماكستك لأخذ جملك. وقد اختلف الناس فيمن اشترى دابة فاشترط فيها حملاناً للبائع، فقال أصحاب الرأي البيع باطل، وإليه ذهب الشافعي، وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه البيع جائز والشرط ثابت على ظاهر حديث جابر بن عبد الله. وفرق مالك بن أنس بين المكان القريب والبعيد فقال إن اشترط مكاناً قريبا فهو جائز وإن كان بعيداً فهو مكروه، وكذلك قال فيمن باع داراً على أن له سكناها مدة، فقال إن كان ذلك نحو الشهر والشهرين جاز، وإن كان المدة الطويلة لم يجز. قال الشيخ وقد بقي في هذا الباب قسم ثالث من الشروط وهو بيع الرقبة بشرط العتق، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال إبراهيم النخعي كل شرط في بيع فإن البيع يهدمه إلا أن يكون عتاقة، وإلى هذا ذهب الشافعي في أظهر قوليه وهو مذهبه الجديد فقال إذا باع الرجل النسمة واشترط على المشتري

стр. 800

عتقها أن البيع جائز والشرط ثابت، وقال في القديم البيع جائز والشرط باطل وهو مذهب ابن أبي ليلى وأبي ثور، وقال أبو حنيفة وأصحابه البيع فاسد، غير أنهم قالوا إن أعتقه جاز ولزمه الثمن في قول أبي حنيفة دون القيمة، وقال صاحباه يلزمه القيمة وهذا أقيس. قال الشيخ وإنما فرق بين العتق وبين غيره من الشروط الخصوصية بالعتق من الغلبة في الأصول والسراية في ملك الغير، ألا ترى أن ملك المالك يمتنع على غيره من التصرف فيه ثم لا يمتنع من التصرف في العتق وهو إذا كان بينه وبين آخر عبد فأعتق نصيبه منه عتق نصيب شريكه عليه، وأيضاً فإنه لا يجوز أن يبيع الرجل ملكه من ملكه ثم جازت الكتابة لما تضمنه من العتق. فإذا كانت أحكامه تجري على التخصيص لم ينكر أن تجري شروطه على التخصيص كذلك، وحديث النهي عن بيع شرط عام وخبر العتق خاص والعام ينبىء على الخاص ويخرج عليه والله أعلم. وحدثني محمد بن هاشم بن هشام، قال: حَدَّثنا عبد الله بن فيروز الديلمي، قال: حَدَّثنا محمد بن سليم الذهلي،، قال: حَدَّثنا عبد الوارث بن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعاً وشرط شرطاً فقال البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال البيع جائز والنشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال البيع جائز والشرط جائز فقلت يا سبحان الله ثلاثة من الفقهاء فقهاء العراق اختلفوا علي في مسألة واحدة فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه

стр. 801

عن جده أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل وأتيت ابن أبي ليلى وأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالث أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة فأعتقها وقال يعنى اشترطي الولاء لأهلها البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال بعت النبي ﷺ ناقة أو جملاً وشرط لي حملاناً إلى المدينة البيع جائز والشرط جائز. قال الشيخ هذه الأحاديث كلها متفقة على معاني ما قدمنا من البيان في ترتيب الشرائط ولخصناه من وجوهها في مواضعها. فأما حديث بريرة فسنتكلم عليه في موضعه من كتاب العتق فإن ذلك المكان أملك به وروايته من طريق ابن أبي ليلى ههنا مختلفة وألفاظه منتجة وقد ذكره أبو داود على وجهه في كتاب العتق وسنبين معناه هناك ونوضحه إن شاء الله. ومن باب عهدة الرقيق قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حَدَّثنا أبان عن قتادة عن الحسن عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال عهدة الرقيق ثلاثة أيام. قال الشيخ معنى عهدة الرقيق أن يشتري العبد أو الجارية ولا يشترط البائع البراءة من العيب فما أصاب المشتري من عيب في الأيام الثلاثة لم يرد إلاّ ببينة وهكذا فسره قتادة فيما ذكره أبو داود عنه. قال الشيخ وإلى هذا ذهب مالك بن أنس وقال هذا إذا لم يشترط البائع

стр. 802

البراءة من العيب. قال وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص فإذا مضت السنة فقد برىء البائع من العهدة كلها قال ولا عهدة إلاّ في الرقيق خاصة، وهذا قول أهل المدينة ابن المسيب والزهري أعني عهدة السنة في كل داء عضال أي صعب، وكان الشافعي لا يعتبر الثلاث والسنة في شيء منها وينظر إلى العيب فان كان مما يحدث مثله في مثل المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة فالقول قول البائع مع يمينه وإن كان لا يمكن حدوثه في تلك المدة رده على البائع. وضعف أحمد بن حنبل عهدة الثلاث في الرقيق، وقال لا يثبت في العهدة حديث. وقالوا لم يسمع الحسن من عقبة بن عامر شيئاً والحديث مشكوك فيه فمرة قال عن سمرة ومرة قال عن عقبة. ومن باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثم رأى فيه عيباً قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حَدَّثنا ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ الخراج بالضمان. قال الشيخ معنى الخراج الدخل والمنفعة ومن هذا قوله تعالى ﴿أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير﴾ [المؤمنون: ٧٢] ويقال للعبد إذا كان لسيده عليه ضريبة مخارج، ومعنى قوله الخراج بالضمان المبيع إذا كان مما له دخل وغلة فإن مالك الرقبة الذي هو ضامن الأصل يملك الخراج بضمان الأصل فإذا ابتاع الرجل أرضاً فأشغلها أو ماشية فنتجها أودابة فركبها أو عبداً فاستخدمه ثم وجد به عيباً فله أن يرد الرقبة ولا شيء عليه فيما انتفع به لأنها لوتلفت ما بين مدة العقد والفسخ لكانت من ضمان المشتري فوجب أن يكون الخراج من حقه،

стр. 803

واختلف أهل العلم في هذا فقال الشافعي ما حدث في ملك المشتري من غلة ونتاج ماشية وولد أمة فكل ذلك سواء لا يرد منه شيئا ويرد المبيع إن لم يكن ناقصا عما أخذه. وقال أصحاب الرأي إذا كان ماشية فحلبها أو نخلاً أو شجراً فأكل ثمرها لم يكن له أن يرد بالعيب ويرجع بالأرش، وقالوا في الدار والدابة والعبد الغلة له ويرد بالعيب. وقال مالك في أصواف الماشية وشعورها أنها للمشتري ويرد الماشية إلى البائع فأما أولادها فإنه يردها مع الأمهات. واختلفوا في المبيع إذا كان جارية فوطئها المشتري ثم وجد بها عيبا، فقال أصحاب الرأي تلزمه ويرجع على البائع بأرش العيب، وكذلك قال الثوري وإسحاق بن راهويه، وقال ابن أبي ليلى يردها ويرد معها مهر مثلها. وقال مالك إن كانت ثيبا ردها ولا يرد معها شيئاً وإن كانت بكراً فعليه ما نقص من ثمنها. وقال الشافعي إن كانت ثيباً ردها ولا شيء عليه، وإن كانت بكراً لم يكن له ردها ورجع بما نقصها العيب من أصل الثمن. وقال أصحاب الرأي الغصوب على البيوع من أجل أن ضمانها على الغاصب فلم يجعلوا عليه رد الغلة واحتجوا بالحديث وعمومه. قال الشيخ والحديث إنما جاء في البيع وهو عقد يكون بين المتعاقدين بالتراضي وليس الغصب يعقد عن تراض من المتعاقدين، وإنما هو عدوان وأصله وفروعه سواء في وجوب الرد ولفظ الحديث مبهم لأن قوله الخراج بالضمان

стр. 804

يحتمل أن يكون المعنى أن ضمان الخراج بضمان الأصل. واقتضاء العموم من اللفظ المبهم ليس بالبين الجواز والحديث في نفسه ليس بالقوي، إلاّ أن أكثر العلماء قد استعملوه في البيوع فالأحوط أن يتوقف عنه فيما سواه. وقال محمد بن إسماعيل هذا حديث منكر ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث. قال أبو عيسى الترمذي فقلت له فقد روي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ فقال إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي وهو ذاهب الحديث. قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد الفريابي،، قال: حَدَّثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن عن مخلد الغفاري، قال كان بيني وبين أناس شركة في عبد فأقتويته وبعضنا غائب وذكر الحديث. قال الشيخ قوله اقتويته، معناه استخدمته. ومن باب إذا اختلف المتبايعان قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال: حَدَّثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حَدَّثنا أبي، عَن أبي عميس قال أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال اشترى الأشعث بن قيس رقيقاً من رقيق الخمس من عبيد الله بعشرين ألفاً فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله فاختر رجلاً يكون بيني وبينك فقال الأشعث أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا

стр. 805

اختلف البيعان وليس بينهما بيِّنة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان. قال وحدثنا عبد الله بن محمد النفيلي،، قال: حَدَّثنا هشيم، قال: حَدَّثنا ابن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود فذكر معناه. قال الشيخ قول أو يتتاركان معناه أو يتفاسخان العقد. واختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال مالك والشافعي يقال للبائع احلف بالله ما بعت سلعتك إلاّ بما قلت، فان حلف البائع قيل للمشتري إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع وإما أن تحلف ما اشتريتها إلاّ بما قلت فإن حلف برىء منها وردت السلعة على البائع وسواء عند الشافعي كانت السلعة قائمة أو تالفة فإنهما يتحالفان ويترادان. وكذلك قال محمد بن الحسن ومعنى يترادان أي قيمة السلعة عند الاستملاك. وقال النخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف القول قول المشتري مع يمينه بعد الاستملاك، وقول مالك قريب من قولهم بعد الاستملاك في أشهر الروايتين عنه. واحتج لهم بأنه قد روي في بعض الأخبار إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما يقول البائع ويترادان قالوا فدل اشتراطه قيام السلعة على أن الحكم عند استهلاكها بخلاف ذلك. قال الشيخ وهذه اللفظة لا تصح من طريق النقل إنما جاء بها ابن أبي ليلى وقيل إنها من قول بعض الرواة، وقد يحتمل أن يكون إنما ذكر قيام السلعة بمعنى التغليب لا من أجل التفريق لأن أكثر ما يعرض فيه النزاع ويجب معه التحالف هو حال قيام السلعة وهذا كقوله تعالى ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: ٢٣] .

стр. 806

فذكره الحجور ليس بشرط يتغير به الحكم ولكنه غالب الحال وكقوله ﴿إلاّ أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولم يجز ذكر الخوف من مذهب أكثر الفقهاء للفرق ولكن لأنه الغالب ولم يفرقوا في البيوع الفاسدة بين القائم والتالف منها فيما يجب من رد السلعة إن كانت قائمة والقيمة إن كانت تالفة. وهذا البيع مصيره إلى الفساد لأنا نرفعه من أصله إذا تحالفا ونجعله كأنه لم يقع ولسنا نثبته ثم نفسخه ولوكنا فعلنا ذلك لكان في ذلك تكذيب أحد الحالفين ولا معنى لتكذيبه مع إمكان تصديقه ويخرج ذلك على وجه يعذر فيه مثل أن يحمل أمره على الوهم وغلبة الظن في نحو ذلك. واحتجوا فيه أيضاً بقوله اليمين على المدعى عليه، وهذا لا يخالف حديث التحالف لأن كل واحد منهما مدع من وجه ومدعى عليه من وجه آخر وليس اقتضاء أحد الحكمين منه بأولى من الآخر، وقد يجمع بين الخبرين أيضاً بأن يجعل اليمين على المدعى عليه إذ كانت يمين نفي وهذه يمين فيها إثبات. قال الشيخ وأبو حنيفة لا يرى اليمين في الاثبات، وقد قال به ههنا مع قيام السلعة، وقد خالف أبو ثور جماعة الفقهاء في هذه المسألة فقال القول قول المشتري مع قيام السلعة، ويقال إن هذا خلاف الإجماع مع مخالفته الحديث والله أعلم. وقد اعتذر له بعضهم أن في إسناد هذا الحديث مقالاً فمن أجل ذلك عدل عنه. قال الشيخ هذا حديث قد اصطلح الفقهاء على قبوله وذلك يدل على أن له أصلاً كما اصطلحوا على قبول قوله لا وصية لوارث، وفي إسناده ما فيه. قال الشيخ وسواء عند الشافعي كان اختلافهما في الثمن أو في الأجل أو

стр. 807

في خيار الشرط أو في الرهن أو في الضمين فإنهما يتحالفان قولاً بعموم الخبر وظاهره إذ ليس فيه ذكر حال من الاختلاف دون حال. وعند أصحاب الرأي لا يتحالفان إلاّ عند الاختلاف في الثمن. ومن باب الشفعة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج، عَن أبي الزببر عن جابر، قال قال رسول الله ﷺ الشفعة في كل شرك ربعة أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع فهو أحق به حتى يؤذنه. قال الشيخ الربع والربعة المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطنه، يقال هذا ربع وهذه ربعة بالهاء كما قالوا دار ودارة. وفي هذا الحديث إثبات الشفعة في الشركة وهو اتفاق من أهل العلم وليس فيه عن المقسوم من جهة اللفظ ولكن دلالته من طريق المفهوم أن لا شفعة في المقسوم كقوله الولاء لمن أعتق دلالته أنه لا ولاء إلاّ للمعتق. وفيه دليل على أن الشفعة لا تجب إلاّ في الأرض والعقار دون غيرهما من العروض والأمتعة والحيوان ونحوها. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا عبد الرزاق، قال: حَدَّثنا معمر عن الزهري، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر قال إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. قال الشيخ هذا الحديث أبين في الدلالة على نفي الشفعة لغير الشريك من مثبته من الحديث الأول وكلمة إنما تعمل بركنيها فهي مثبتة للشيء نافية لما سواه،

стр. 808

فثبت أنه لا شفعة في المقسوم. وأما قوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فقد يحتج بكل لفظة منها قوم، أن اللفظة الأولى ففيها حجة لمن لم ير الشفعة في المقسوم، وأما اللفظة الأخرى فقد يحتج بها من يثبت الشفعة بالطريق وإن كان المبيع مقسوماً. قال الشيخ ولا حجة لهم عندي في ذلك وإنما هو الطريق إلى المشاع دون المقسوم وذلك أن الطريق يكون في المشاع شائعاً بين الشركاء قبل القسمة وكل واحد منهم يدخل من حيث شاء ويتوصل إلى حقه من الجهات كلها، فإذا قسم العقار بينهم منع كل واحد منهم أن يتطرق شيئاً من حق صاحبه وأن يدخل إلى ملكه إلاّ من حيث جعل له فمعنى صرف الطرق هو هذا والله أعلم. ثم إنه علق الحكم فيه بمعنيين أحدهما وقوع الحدود وصرف الطرق معاً فليس لهم أن يثبتوه بأحدهما وهو نفي صرف الطرق دون نفي وقوع الحدود. قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال: حَدَّثنا الحسن بن الربيع، قال: حَدَّثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن ابن شهاب، عَن أبي سلمة أو عن سعيد بن المسيب أو عنهما جميعاً، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها. قال الشيخ وفي هذا بيان أن الشفعة تبطل بنفس القسمة والتمييز بين الحصص بوقوع الحدود ويشبه أن يكون المعنى الموجب للشفعة دفع الضرر بسوء المشاركة والدخول في ملك الشريك، وهذا المعنى يرتفع بالقسمة وأملاك

стр. 809

الناس لا يجوز الاعتراض عليها بغير حجة. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حَدَّثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة سمع عمرو بن الشريد سمع أبا رافع سمع النبي ﷺ يقول الجارأحق بسقبه. قال الشيخ السقب القرب يقال ذلك بالسين والصاد حميعاً قال الشاعر: لا صقب دارها ولا أمم وقد يحتج بهذا من يرى الشفعة بالجوار وإن كان مقاسماً، إلاّ أن هذا اللفظ مبهم يحتاج إلى بيان وليس في الحديث ذكر الشفعة فيحتمل أن يكون أراد الشفعة، وقد يحتمل أن يكون أراد أنه أحق بالبر والمعونه وما في معناهما، وقد روي عن النبي ﷺ أن رجلاً قال إن لي جارين إلى أيهما أهدي قال إلى أقربهما منك داراً أو باباً. وقد يحتمل أن يجمع بين الخبرين فيقال إن الجار أحق بسقبه إذا كان شريكاً فيكون معنى الحديثين على الوفاق دون الاختلاف واسم الجار قد يقع على الشريك لأنه قد يجاور شريكه ويساكنه في الدار المشتركة كالمرأة تسسى جارة لهذا المعني ويدل على ذلك قول الأعشى يريد زوجته: أجارتنا بيني فإنك طالقه...... كذاك أمور الناس تغدو وطارقه وقد تكلم أهل الحديث في إسناد هذا الحديث واضطراب الرواة فيه، فقال بعضهم عن عمرو بن الشريد، عَن أبي رافع، وقال بعضهم عن أبيه، عَن أبي رافع وأرسله بعضهم. وقال فيه قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد والأحاديث التي جاءت في أن لا شفعة إلاّ للشريك أسانيدها جياد ليس في شيء منها اضطراب.

стр. 810

قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حَدَّثنا شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال جار الدار أحق بدار الجار والأرض. قال الشيخ وهذا أيضاً قد يحتمل أن يتأول على الجار المشارك دون المقاسم كما قلناه في الحديث الأول وقد تكلموا في إسناده، قال يحيى بن معين لم يسمع الحسن من سمرة وإنما هو صحيفة وقعت إليه أو كما قال، وقال غيره سمع الحسن من سمرة حديث العقيقة حسب. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا هشيم قال أخبرنا عبد الملك عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحداً. قال الشيخ عبد الملك بن أبي سليمان لين الحديث وقد تكلم الناس في هذا الحديث. وقال الشافعي نخاف أن لا يكون محفوظاً وأبو سلمة حافظ، وكذلك أبو الزبير ولا يعارض حديثهما بحديث عبد الملك. وحكي عن شعبة أنه أنكر هذا الحديث وقال إن روى عبد الملك حديثا آخر مثل هذا تركت حديثه وجعله بعضهم رأياً لعطاء أدرجه عبد الملك في الحديث، وقال أبو عيسى الترمذي قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا فقال تفرد به عبد الملك، وروي عن جابر خلاف هذا. وحكي عن أمية بن خالد عن شعبة قال قلت له ما لك لا تحدث عن عبد الملك وأنت تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي وسيع عبد الملك بن أبي سليمان وأنه كان حسن الحديث قال من حسنه فرقت. قال الشيخ قد يحتمل أيضاً أن يوفق بينه وبين الأحاديث المتقدمة فيتأول
следующие страницы →