وقال مالك: الكلام في الدين أكرهه كله ولا أحب الكلام إلا ما تحته عمل (١).
هذا تلمُّس لمحاولة استخراج بعض ما في هذا الموقف من فقه وحكمة، وإن كنتُ أعترف أنني ما زلت بعيدًا عن الغوص في أغوار هذا الفقه العميق.
طبعًا، لا يمكن أن ينتهي هذا الكلام إلا ويأتيه الاعتراض المشهور: (هذه دعوة إلى الانغلاق، فيحرم الإنسان نفسه من الانفتاح على المعارف والاستفادة من الثورة المعلوماتية الهائلة، كما أن صورة الانغلاق غير ممكنة في مثل هذا العصر).
كلا، فبإمكان المسلم أن ينفتح ويستفيد من المجالات المتعددة في الاقتصاد والسياسة والإدارة والتربية والثقافة والإبداع والقانون والتاريخ والأدب وكافة العلوم التجريبية. . . إلخ، ولا حاجة لأن ينفتح فيفتح قلبه لتيار الشبهات ليفسده ويظلمه، كما أن حالة الانفتاح لا تؤدي ضرورة إلى كسر خاصية الشموخ والاعتزاز بالأصول والثوابت لدى الشاب المسلم.
стр. 107
أسلمة العلمانية
ساعدني -أيها القارئ الكريم- لتخطِّي التفاصيل الكثيرة التي تثيرها مفردة (الأسلمة) , وامتع بصرك معي بالمعني الجميل الذي يبهر الناظرين في جمالية هذه الأسلمة, ما أروع انجذاب النفوس الي دينها وحرصها الشديد علي انسجام حياتها مع ما يريده اللَّه منها, حضوره العميق يجعل اي سلوك او منتج مخالف للدين سببًا لإثارة الوخز والتأنيب الذي يشتعل في الضمائر فلا يتوقف الا بإصلاح هذا السلوك, وهو ما أحيا أي مشاريع تسعي للأسلمة مهما كان اختلافنا في تقويمها.
لم تقف ظاهرة الأسلمة علي البحث في مشروعية بعض المنتجات والمتغيرات المعاصرة, بل شملت حتي الأفكار والاتجاهات المنحرفة, فالصوت الفكري الذي كان يقدم نفسة ندًّا للخطاب الإسلامي ويسلك في مسار معاكس للرؤية الدينية رجع صداه ليبحث في التراث والنصوص والأقوال الإسلامية عما يسند اتجاهاته لتكون مقبولة لدي الناس, فشملتهم ظاهرة الأسلمة في من شملت, فلله درُّ المسلمين أي عظمة للإسلام تسكن في أهداب نفوسهم.
стр. 108
المثير للانتباه: أن ظاهرة الأسلمة شملت حتى الفكرة العَلمانية ذاتها؛ فالفكر العلماني الذي نشأ منابذًا للخيار الإسلامي -تحديدًا- ما دار عليه الزمان حتى صار العلمانيون يقدِّمون أنفسهم مجتهدين في فهم النص الشرعي ومستمسكين بتفسير من تفسيراته ومعتمدين على أقوال المذاهب وفتاوى العلماء. ومعتضدين بمقاصد الشاطبي ومصلحة الطوفي والتصرفات عند القرافي وظاهرية ابن حزم واجتهادات عمر بن الخطاب. . .!
يعني هذا: أن جمال هذه الأسلمة يجب أن لا يخدع العين عن إبصار أشكال التحريف التي تأتي على الأحكام الشرعية في ثناياها، بغضِّ النظر عن الدوافع النبيلة التي قد تحركها.
أسلمة العلمانية تأتي على مستويين:
مستوى العلمانية المتطرفة: التي تحتفظ بموقف عدائي تجاه الدين وتشمئزُّ من كافة مظاهر للتدين، فهذه علمانية مكشوفة وغير جذابة، ومحاولة أسلمتها بجعلها غير معادية للإسلام عملية استهلاك رخيصة لا تتجاوز في تأثيرها حدود مساحة التصوير التي تتحرك فيها.
مستوى العلمانية الأقل تطرُّفًا: وهي التي تتفهَّم وجود الدين، وتؤمن بضرورة مراعاته مكونًا للمجتمع في ما دون مستوى القانون والإلزام، فهو موجود كخيار شخصي وقيم محفزة نحو العمل والتنمية لكنه مقصى تمامًا عن التأثير على القوانين أو الحريات أو تقديم أي تفسير لها.
هذه الدرجة العَلمانية هي المفهوم الخطر الذي تسرَّبت مفاهيمه لدى بعض
стр. 109
الناس من دون أن يشعر، حتى جاءت بعض المحاولات والتفسيرات التي تسعى لأن توفِّق بين هذا المفهوم والمفهوم السياسي الإسلامي، فاندفعت عدد من التفسيرات المختلفة التي تسعى لتقديم النظام السياسي الإسلامي بكيفية متلائمة مع هذا التصوُّر العلماني، ومن هذه التصوُّرات المؤسلمة للعلمانية:
التصور الأول: أن النظام السياسي في الإسلام جاء بمبادئ وكليات عامة ولم يأت بأحكام وتشريعات محددة؛ فالواجب هو تطبيق المبادئ العامة من العدل والحرية والشورى والمساواة وأما كيفية ذلك فهذا مما يُختَلَف في تقديره كلَّ عصر.
وهذا تصوُّر لذيذ جدًا للفكرة العلمانية لأن مشكلتهم مع بعض الأحكام والتفصيلات الشرعية، وأما المبادئ والكليات فمن خاصيتها أنها واسعة ومرنة يمكن الدخول والخروج منها بكل اطمئنان، وحين نقول: إن الإسلام جاء بمبادئ ولم يأت بتشريعات فنهاية هذا الكلام أن الإسلام لم يأت في النظام السياسي بشيء يذكر؛ لأن هذه الكليات موجودة عند كل الأمم والحضارات، لا يوجد أحد في الدنيا لا يأخذ بهذه المبادئ، غير أن لكل ثقافة تفاصيلها ومحدداتها لهذه المفاهيم، وحين نلغي الأحكام الشرعية المفصَّلة لهذه المبادئ فإننا في الحقيقة قد ألغينا الحكم الإسلامي؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتباع لما أنزل اللَّه فهو كافر) (١)؛ لأنه في الحقيقة لم يأخذ من الإسلام بشيء فالكليات معنى ذهني تجريدي لا يقوم بدون تفصيلات وتفريعات.
يقولون نأخذ بـ (الكليات دون الجزئيات) وبـ (الأصول دون الفروع) أو بـ (المبادئ
стр. 110
دون التشريعات) وبـ (المقاصد دون الوسائل). . . كلَّها صيغ مختلفة لإشكالية واحدة، إشكالية إبعاد بعض الأحكام الشرعية عن التأثير، وحين تبتعد الفروع والجزئيات فإن الكليات والمقاصد التي يؤتى بها تكون مقاصد وكليات أخرى ليس هي الكليات والمقاصد الشرعية؛ فالمقصد الشرعي والكلِّي الشرعي معتمد ومفسَّر بجزئياته وفروعه الشرعية (١).
لا تقل: هذا حكم جزئي أو ظنِّي أو مختلف فيه، فأبدًا -واللَّه- لا يمكن أن يهون في قلب مسلم إبعاد أو تحريف أي حكم شرعي لأي سبب كان وهو يقرأ قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
التصور الثانى: أن النظام السياسي في عصر الإسلام كان يقوم على رابطة دينية مرتبطة بظرف ذلك الزمان، وقد تغير هذا الوضع في عصرنا فأصبحت الرابطة التي تجمع أفراد الناس هي الرابطة الوطنية لا الدينية، وحينئذٍ فكافة الأحكام الشرعية المتعلقة بالجانب السياسي هي أحكام تاريخية، ومعها سيتم التخلُّص من إشكالية حضور الدين في النظام السياسي.
وحين نمسك خيوط لوازم هذا القول فلن نصل إلى نهايتها إلا بعد أن نكون قد نكثنا الغزل عن رسالة الإسلام بالكليَّة؛ لأن بإمكان أي أحد أن يلغي أي حكم شرعي أراد بسبب أن هذا الحكم كان مرتبطًا بظرف زمني قد انتهى، بل حتى الصلاة والزكاة والصيام والحج يمكن أن يقال: إنها عبادات نشأت في ظرف زمني كان
стр. 111
الناس فيه بحاجة إلى التعبد بطريقة معينة (١)، فحقيقة هذا القول أنه جعل جزءًا من النص الشرعي في الموضوعات السياسية نصًا تاريخيًا مختصًا بالبيئة والزمان الذي نزل فيه، وهو خلل يحدث هزة في أصل منهجية التعامل مع النص الشرعي.
هذا التفسير يتصوَّر أن الدين كان هو رابطة المسلمين في ذلك الزمن مصادفة وتوافقًا مع الظرف التاريخي ليس إلا، فهو في الحقيقة -وإن لم يُرِد- ينطق بالمفهوم العلماني في جعل الدين علاقة فردية لا تتصل بالسلطة، فحين ارتبطت فإنما كان لظرف زمني معيَّن.
لازم هذا الكلام: أن أحكام الشريعة المتعلقة بالكفار والجهاد والحريات ونحو هذه المعاني الدينية المحضة كانت استثناء فرضتها ظروف ذلك الزمان، فهذا يستبطن انتقاصًا لها حيث لم يكن التزام المسلمين لها في زمن مضى راجع لكمالها وشرفها وإنما لحال زمانهم فقط، وهي تنظر للإسلام بالعين العلمانية التي لا تفقه من مصالحها إلا ما كان متعلقًا بمعيشتها الدنيوية ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] وتنسى في غمرة انبهارها بالنموذج السياسي المادي أن المصالح الدينية هي الأصل والغاية في رسالة الإسلام تحقيقًا لغاية اللَّه في الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فمصلحة الدين هي الأصل في الرسالة وليست استثناء عارضًا جاء لظروف الزمان.
التصور الثالث: أن الإسلام ليس فيه إلزام وإكراه وإجبار؛ وإنما هو اختيار ورغبة، فهو دين دعوة لا قضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس إلا نصح وتذكير وليس فيه منع أو إلزام، وتسير معهم في هذا المضمار حتى تصل
стр. 112
وإياهم إلى أنه لا وجود لإلزام أو منع منطلق من رؤية دينية، فيتم تخفيض الحكم الإسلامي من خاصية القانون والنظام إلى مستوى النصح والتذكير والدعوة، وهو مستوى يروق جدًا للنخب العلمانية لكنه منابذ لشريعة من يقول "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. . . " (١) فجعل أول درجات التعامل مع المنكرات هو التغيير بالقوة، وليس ثَم إشكال في تقييد استعمال القوة لتكون بيد السلطة أو يكون ثَم ضوابط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن هذا كلُّه إن أدى إلى إزالة خاصية المنع والإلزام في النظام السياسي فهو في الحقيقة قماش أسلمة يستر المحفور من العلمانية.
التصور الرابع: لا يشك بوجود أحكام متعلقة بالنظام السياسي غير أن كونها محرمة أو واجبة لا يجعلها قيد التنفيذ إلا بعد أن يقرَّها الناس ويختاروها. أما قبل اختيار الناس فلا يتم فرض أي حكم مهما كان؛ ليس لأنه غير شرعي، بل لأن الفرض السياسي يحتاج هو إلى مشروعية أخرى وهي -تحديدًا- لا تكون مستمدة إلا من الناس.
هذا التصور يقوم على اعتبار أن ثَمَّ مشروعيتين: مشروعية دينية يكون النص هو الذي يفسرها، ومشروعية سياسية تأتي وتُستَمَد من الناس، وهذه فلسفة منبثقة من الوعي العلماني الذي يعزل الدين عن الحكم السياسي فيجعل مشروعيته منفكة عن المشروعية السياسية، وأما في التصور الإسلامي فليس ثَمَّ مشروعيتان؛ إنما هما مشروعية واحدة، فما حرَّمه اللَّه فهو حرام على الفرد والمجتمع، وما أوجبه اللَّه فهو واجب على الفرد والمجتمع، فدور الناس هو تنفيذ الأحكام الشرعية لا
стр. 113
في تشريعها ابتداء، فالمحرمات الشرعية يجب منعها والواجبات الشرعية يجب القيام بها، والمسلم حين يدخل في الإسلام فإنه ضرورةً يكون ملتزمًا بأن الإسلام هو الذي يحكمه فلا حاجة لأن يسأل أو يبحث معه عن رغبته في حكم الإسلام.
هذا التفسير يثير شهية العلمانيين كثيرًا:
لأنه أولًا: ينطلق من ذات الوعي العلماني الذي يقزم الحكم الشرعي عن المستوى السياسي.
وثانيًا: لأن الذكاء العلماني مستوعب أن الناس لا يختارون في الفضاء المجرد؛ وإنما يوضع لهم الإطار المقيَّد الذي يصوتون فيه ولا يخرجون عنه؛ فحين يقوم الإسلاميون بإبعاد الشريعة عن الإلزام إلا بعد اختيار الناس فالذي حصل هو أن الشريعة لم تعد هي التي تضع الإطار، ليكون من السهل جدًا بعدها أن تأتي المنظومة الفكرية الأخرى التي تملأ هذا الإطار الذي يصوت الناس فيه، فيكون إطار التصويت بيد المنظومة الفكرية الليبرالية، وحينها فلن يُعرَض الحكم الشرعي -أساسًا- على الناس لينظر في اختيارهم؛ لأن الحكم الشرعي سيكون حينها منافيًا للحريات والحقوق التي تحكمها المنظومة العلمانية التي وضعت الإطار الذي يحكم اختيار الناس.
هذه بعض التفسيرات المؤسلمة للفكرة العلمانية، تتفق جميعًا على محاولة التلفيق بين النظام السياسي الإسلامي والفلسفة العلمانية، لكنها تصطدم بالأحكام الشرعية الملزمة في النظام السياسي الإسلامي، الأحكام الصادرة عن تصور ديني ما عاد محبذًا في الثقافة العلمانية المعاصرة؛ فبدلًا من التسليم لهذه الأحكام والانقياد لها وأن يقول المسلم ما أمره اللَّه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا
стр. 114
دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، تحوَّلت هذه الأحكام لإشكالية لا بد من إعادة قراءتها وفحصها للخروج منها بالهندام اللائق، وعظمة اللَّه في قلب المؤمن تُرعِد فرائصه وترهب أركان قلبه من التسامح مع أي تحريف لأي حكم شرعي، والغيورون على دين اللَّه من الدعاة والعاملين لنصرة الإسلام هم أَوْلى الناس بتعظيم أحكام الإسلام وتقديرها حق قدرها، وحين يضيق الواقع ويتعسَّر الحال في تطبيق أي حكم شرعي فلهم في أحكام الضرورة والحاجة مندوحة عن تحريف أي حكم شرعي؛ فالمتغيرات لها اجتهادها الخاصُّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، من دون أن ترجع على المفاهيم والمعاني الشرعية بالتغيير والتحريف.
стр. 115
المعيار المنكسر
حين يقول أحدهم: (الكتاب والسنة هما معيار وميزان الحقائق) , فإن من الرائع حقًا أن يكون ثَم اتفاق قطعي علي هذه القاعدة؛ فهو كلام بدهي ضروري لا ينازع فيه أحد ذو بال؛ فكتاب اللَّه وسنة حبيبنا محمد ﷺ هما المعيار الذي توزن به الأمور وتقاس به المفاهيم, فنقبل الصحيح ونردُّ الباطل ونقيِّد المطلق ونفصل المجمل ونميِّز المشتبه, فلدينا معيار صحيح واضح نتمكن من خلاله من تمييز الأمور وفحصها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
لكن هذه القاعدة تبقي أحيانًا بديهة في الجانب النظري ويضعف أثرها في الميزان العملي؛ إذ إن هذا المعيار والميزان الشرعي ينكسر أحيانًا فلا يكون معيارًا, بل يبقي نورًا محجوبًا زاحمته معايير أُخرَي وشاركته في أحقية الوزن والقياس.
стр. 116
من الذى كسر هذا المعيار؟
التسليم للَّه ولرسوله ﷺ ليس شأنًا معرفيًا محضًا يحسبه الشخص بدقة كما يحسب المسائل الرياضية، بل هو إيمان وطاعة وانقياد وخضوع لأمر اللَّه، فكلما ازداد إيمان المرء وعظم الشرع في قلبه كان أكثر التزامًا وتطبيقًا لهذه القاعدة، وحينها فإن ثَم عواملَ كثيرة تأتي على هذا المعيار فتضغط عليه وتضعفه حتى تكسره، فيضعف أثر هذه القاعدة عمليًا وإن كانت ما تزال ثابتة في المقياس النظري.
وهذه العوامل كثيرة، اكتفي منها بعاملين، وسأحصره في الأحكام الشرعية السياسية:
كاسر النسبية:
حين تقول: إن من بدهيات المفاهيم الشرعية الأصيلة التي من أجلها قامت الحركات الإسلامية هو إعادة الحكم للإسلام وشريعته، الحكم الشامل المحقق لسعادة الناس وصلاح دينهم ودنياهم، يأتيك الاعتراض المشهور: الشريعة على فهم من؟
وحين تقول: الحقوق والحريات والمصالح كلها مفاهيم رائعة ننطلق فيها من قيمنا وأصولنا الشرعية، فهذه كليات عامة تملؤها كل ثقافة بحسب قيمها ومعاييرها، يلاحقك ذات الاعتراض: الحقوق والحريات الشرعية فَهْم من؟
وحين يغار المصلحون على أحكام الشريعة فيرفضون أي تعدٍّ عليها أو ردٍّ لأحكامها يأتيك ذات الاعتراض: هذا التعدي على الشريعة بمفهوم من؟
стр. 117
وهكذا، يأتي (على فهم من؟) ليفكك المعيار الشرعي من قيمته، ويكسر الميزان الإسلامي من اعتباره، لتكون الشريعة بناء خاملًا خاويًا على عروشه، ليس له إلا القيمة الشكلية الروحية، لكنه معيار محايد لا يقيس ولا يوزن.
فلأننا لا ندري (على أي فهم تكون هذه الشريعة؟) نطالب بالحكم السياسي القائم على المساواة المطلَقَة وحكم الناس بما يشتهون، ويبقى الدين شأنًا خاصًا لا اعتبار له في حكم الناس لأننا لا ندري ما هو!
ولأننا لا ندري (على أي فهم تكون هذه الشريعة) تصبح مصمتة لا يُرجَع إليها في مفاهيم الحقوق والحريات والعدل والمصالح بل يكتفى بالمصالح الدنيوية البحتة التي يتفق عليها الجميع ولا اعتبار للدين الذي لا يدرى ما هو!
ولأننا لا ندري (على أي فهم تكون هذه الشريعة؟) نجعل العبرة هو اختيار الأكثرية؛ فما اختارته فهو المشروع وإلا فليس بمشروع، وليس لك أن تذكر الشريعة لأن الشريعة هذه على فهم من!
وهكذا، أخرجنا العلمانية من الباب ثم ذهبنا نجري خلفها؛ أُخرجت لأنها تعارض حكم الإسلام وترفض أصوله، وذهبنا إليها لأننا أصبحنا لا ندري ما هو الإسلام ولا على أي فهم تكون شريعته، فالنتيجة النهائية: تجاوز إشكالية رفض الدين إلى إشكالية القبول به هلاميًا لا يدرى ما هو!
(على أي فهم؟) هو سؤال النسبية الشهير، الذي ما زال يتكرر منذ قدماء الفلاسفة اليونان ومرَّ في طريقه فجرف من أهل الضلال والبدع والتحريف مَن جرف، وما يزال مسيره الجارف متواصل في إغراق القلوب بالشك والحيرة والتيه، حرمهم من حالة الطمأنينة التي يمنُّ اللَّه بها على من يشاء من عباده، وله
стр. 118
أثر عميق السوء في ترك بعض الناس لدينهم أو شكهم فيه أو إضعاف يقينهم وطمأنينة قلوبهم؛ وربما أدى ببعض الناس إلى حالة اللامبالاة فيمارس مع الشريعة حالة (الإعراض) من دون بحث عنها ولا رفض لها، وهي صفة أهل الكفر، الإعراض حين تيأس نفوسهم من الوصول إلى اليقين: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣].
نعم، لو كان الأمر متعلقًا بمسائل ظنية أو أحكام اجتهادية أو في المساحة التي لا نصوص قطعية فيها أو كان من الوقائع المتجددة التي تحتاج إلى اجتهاد جديد، ونحو هذا مما هو مندرج في مساحة الاجتهاد والتقدير التي يتطلب المسلم فيها أرجح ما يراه حقًا، فالخلاف هنا أهون بكثير، مع أن سؤال النسبية له تأثير سلبي هنا أيضًا، فبدلًا من أن يسير المسلم خلف (الأرجح دليلًا) يتوجه من حيث لا يشعر إلى حيث (الأيسر) حكمًا أو الأقرب للواقع.
الإشكالية أن يلاحقك سؤال النسبية في الأصول القطعية وفي النصوص الظاهرة وفي الأحكام المجمع عليها، وبدلًا من أن يقول المسلم فيها ما يجب عليه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] أصبح البعض يسأل ما هي الشريعة التي تريدون؟ فكأن ثمَّ اشتراطًا مسبقًا في أن تكون الشريعة مَرْضية عنده قبل أن يسلِّم لها.
سؤال النسبية لا يتحرك إلا حيث يجب الإيمان، لا أحد يسأل في مجالات (الديمقراطية) أو (الحرية) أو (الحقوق) أو (العدالة) أو (الإنسانية) عن أي فهم تكون!
стр. 119
هذا هو كاسر النسبية، يأتي على معيار الاحتكام إلى الكتاب والسنة فيهشمه، وكلما ضعف التسليم في القلب زاد هذا المعيار في الانكسار.
هذا هو الكاسر الأول، فاما الكاسر الثاني فسيأتيك بعد متابعة هذه الأمثلة:
يرفض أن يقول بمشروعية جهاد الطلب؛ لأنك إذا شرعت لنفسك غزو الآخرين فإن هذا يعني مشروعية غزوهم وقتالهم لك.
ولا يجوز لك أن تقول بقتل المرتد؛ لأن هذا يشرع لهم أن يقتلوا الذين يدخلون في الإسلام في أوطانهم.
ولا يجوز أن تقول بمنع نشر الكفر والضلال؛ لأنك تشرع لهم أن يمنعوا نشر الخير والإسلام.
ولا يجوز أن تدعم إخوانك المسلمين المضطهدين؛ لأنك تشرع للآخرين أن يدعموا إخوانهم في أوطان المسلمين.
يتساءل بحرارة: كيف تجيز لنفسك جهاد الطلب وقتل المرتد ونشر الخير ودعم المضطهدين ولا تبيح للآخرين أن يفعلوا مثل ما تفعل؟
هذا هو الكاسر الثاني: مساواة الحق بالباطل، فللباطل من المشروعية مثل ما للحق سواء بسواء، فلا يجوز أن تفعل أمرًا مشروعًا مستمدًا من شريعتك لأن الآخرين سيفعلون مثله، فيجب ترك فعل الحق لأجل أن تكون عادلًا مع الباطل، فكما تمنع الباطل يجب أن تمنع الحق! وكما من حقك أن تفعل الحق فيجب أن تجعل للباطل مثله وإلا وقعت في الظلم!
غفل في غمراتِ وهمِ المساواة المطلقة بين الحق والباطل عن أمور عدة:
стр. 120
الأول: غفل عن المعيار البدهي والضروري؛ وهو أن منطلقه هو الكتاب والسنة، فمرجعيته في معرفة الحق هو الوحي وليس في مفتقدات الناس التي يفكرون من خلالها؛ فما قيمة معيارية الكتاب والسنة ما دام أنه سيأخذ بكل المعايير الأخرى؟
الثاني: أن الآخرين لا ينطلقون في تصوراتهم بناءً على مقارنتها بتصوراتنا، فهم ينطلقون بناء على ثقافتهم ومصالحهم؛ فمن الوهم الكبير أن يتخيل أحد أن الآخرين يكيِّفون حياتهم ونظمهم بحسب نظامنا، فإذا أبحنا لهم شيئًا أباحوا لنا مثله وإلا حرموه، لا أحد يفكر بهذه الطريقة، فهو خيال خاطئ رجع فأفسد وكسر المعيار.
الثالث: أنه لا وجود لمفاهيم كونية كلية متفَق عليها ينطلق منها الناس جميعًا؛ فحين تتحدث عن العدل والظلم والحق والخير والشر فكل له تفسيراته وتقديراته لهذه المفاهيم، وكل قول تراه حقًا يوجد في المقابل من يراه باطلًا، وكل أمانة يوجد من يراها خيانة، لا يمكن وضع قواعد كلية يتفق الجميع في النظر إليها فيتوحدون في حكمها على اختلاف زوايا نظرهم، وإن أمكن اتفاقهم في كثير من جزئياتها.
الرابع: أنه يساوي بين الحق والباطل، فيرى أن للباطل أن يفعل مثل ما يفعل الحق، وهذا مساواة بين أمرين قد فرق اللَّه بينهما ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨]، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] فالحق يجب نشره وحفظه والدفاع عنه والباطل يجب ردعه؛ فلا يساوى أبدًا من يدعو لتوحيد اللَّه بمن يحاد اللَّه ويسعى لحرب دينه، هذه مساواة باطلة ومخالفة للعدل؛ فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، وليس هو المساواة المطلقة
стр. 121
بين الأشياء ولو اختلفت، بل إن المساواة بين الحق والباطل ظلم محض، إذ قد فرق اللَّه بينهما ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]؟
وهكذا: تبقى قاعدة (الرجوع إلى الكتاب والسنة) ميزانًا ومعيارًا منكسرًا لا يؤدي غرضه في بعض القضايا؛ لأن المعيار العلماني القائم على تحييد الدين والمساواة التامة بين الحق والباطل كان مزاحمًا وحاضرًا، وربما يتبرأ كثير من الناس من هذه النتيجة لكن العبرة بالواقع لا بالدعوى؛ فالمعيار الشرعي حين يكون مستقيمًا فلا بد أن يكون له أثر في الوزن والقياس، أما حين يكون ساكنًا جامدًا فإنه معيار منكسر ما عاد معيارًا وإن كان ما زال يسمّى كذلك، وللمفاهيم الغربية معتمدة على قوتها السياسية والإعلامية أثر رهيب على عقول وقلوب بعض الناس، تمارس الضغط عليها حتى تضعف معيارية الشريعة لديها وربما تنكسر أو يكون أكثر اعتزازًا وثقة فلا تزيدها هذه الإشكالات إلا إيمانًا وتسليمًا.
стр. 122
مع نظرية المصلحة عند نجم الدين الطوفي
تعتبر مقولة نجم الدين الطوفي الشهيرة: (تقديم المصلحة على النص) من أشهر المقالات الفقهية والفكرية فىِ هذا العصر؛ لأنه تم توظيفها بمهارة لتكون بساطًا يسير عليه أي تحريف معاصر يرغب في تخطي بعض النصوص الشرعية، ومع الجهود العلمية الحثيثة في توضيح هذه القضية وبيان الشذوذ والخلل فيها إلا أن المقالة الطوفية ما تزال حاضرة في أي مشهد ثقافي يرغب في حذف بعض أحكام الشريعة.
نريد أن نقف مع القضية فى سؤالين جوهريين:
ما قصة هذه المقالة؟
وما علاقة التحريف المعاصر للشريعة بنظرية الطوفي؟
تبدأ القصة: من أن نجم الدين الطوفي ﵀ وهو من فقهاء وأصوليي الحنابلة المبرزين (ت ٧١٦ هـ) لما جاء في كتابه (شرح الأربعين النووية) إلى حديث
стр. 123
"لا ضرر ولا ضرار" قرَّر فيه أن الضرر والفساد منفي عن الشريعة وأن النصوص الشرعية دالة على اعتبار المصالح، وجعل هذا الحديث يدلُّ بعمومه على نفي الفساد؛ فإن جاء في النصوص ما يوهم فسادًا فإن كان النص قطعيًا معارضًا للمصلحة من كل وجه فلا اعتبار للمصلحة، وإن كان النص ظنيًا ووجد دليل آخر يسنده فلا اعتبار للمصلحة أيضًا، وإن كان لم يسند بدليل فإن أمكن الجمع بين النص والمصلحة فحسن، وإن لم يكن فإن كان في العبادات والمقدرات فلا اعتبار للمصلحة، وإلا قدِّمت المصلحة على عموم النصِّ من باب البيان والتخصيص لعمومها لا من باب الافتيات عليها (١).
فخلاصة الأمر في نظرية الطوفي أنها تقوم على خمس قواعد جوهرية:
١ - المصالح لا تقدَّم على النصوص القطعية.
٢ - المصالح لا تقدم على النصوص الشرعية المتعلقة بالعبادات والمقدرات.
٣ - المصالح المقصودة هي المصالح الشرعية التي جاءت الدلائل الشرعية باعتبارها.
٤ - أنه لا يُلجأ إلى تقديم المصالح إلا بعد تعذر الجمع بين المصلحة والنص.
٥ - أن تقديم المصالح هو من باب تخصيص العموم وليس من الافتيات أو الردِّ الكلي للنص الشرعي.
فحقيقة الأمر أن تقرير الطوفي لم يكن بعيدًا عن تقرير عموم الأصوليين في الموضوع في المبحث الأصولي الشهير (تخصيص النص)؛ حيث يقرر الأصوليون
стр. 124
أن عموم النص قد يكون ضعيفًا أو محتملًا لبعض الأفراد فيتم تخصيصه بناءً على نص آخر أو قياس أو مصلحة ضرورية أو حاجية ملائمة للشريعة، مع اختلاف بينهم في مدى إعمال هذه القاعدة وفي المسميات الأصولية التي يطلقونها على هذا الباب، فحقيقته في النهاية أنه من تخصيص النص بالنص، ومن إعمال النصوص جميعًا، ومن منهجية دفع التعارض عن النصوص (١).
فالطوفي لم يخرج عن قاعدة الأصوليين هذه، لكن تعبيره عن رأيه الفقهي بهذه الطريقة (تقديم المصلحة على النص) لم يكن موفَّقًا، ولا مهذَّبًا مع الدليل الشرعي، وقد كان سببًا لأن يتخذ مسمارًا تشق به كلُّ قطعيات الشريعة، وأصبح الطوفي بعدها منبرًا يعلو عليه كلُّ محرِّف تائه ليصرخ في وجه الشريعة باسم الطوفي، فرحمه اللَّه وعفا عنه.
كما أن الطوفي لم يمثل للمصلحة التي تقدَّم على النص، وهو ما يؤكد أنه لا يقصد المصلحة العقلية المحضة التي يقصدها أصحاب القراءات الجديدة للنص الشرعي، بل يقصد المصلحة الشرعية التي جاءت الشريعة باعتبارها، وفي
стр. 125
الحقيقة أنه لا يُتَصوَّر وجود تعارُض بين المصلحة والنص؛ فالنص لا يمكن أن يأتي بما يعارض المصلحة، ولا تأتي النصوص إلا بأكمل المصالح وأنفعها، فمقصود الطوفي هو ما يظن أنه نص وليس كذلك؛ وإلا فالنص إذا ثبت لا يمكن أن يخالف المصلحة؛ وإنما تحصل المعارضة مع نص غير صحيح أو صريح أو مع مصلحة موهومة غير حقيقية.
وهذا يدعونا إلى السؤال الثاني:
هل طريقة بعض المعاصرين في تحريف الشريعة باسم المصلحة لها علاقة بنظرية الطوفي؟
الواقع أنه ثَمَّ فروق جوهرية بين مقولة الطوفي وبين من يستند إليه من المعاصرين:
١ - الاختلاف الجوهري في فهم المصالح: فنظرة الطوفي إلى المصالح تعتمد على الميزان الشرعي في تعريف وتحديد المصلحة؛ فالمصالح تعمُّ ما ينفع الناس في الدنيا والآخرة، وشاملة لا فيه حفظ الدين والدنيا، ويندرج فيها كلُّ ما جاءت الشريعة به من الأصول والأحكام. هذه صورة المصالح عند الطوفي وعند غيره من العلماء، لكن المشهد يتغير تمامًا عند المتذرعين بالطوفي؛ فالمصالح عندهم مصالح دنيوية بحتة فقط، لا ترى أي اعتبار يذكر للمصالح الأخروية، لا يكادون يفهمون شيئًا اسمه مصلحة الدين؛ لأن الدين شأن ذاتي فردي لا علاقة له بالنظام، ينفون كثيرًا من الأحكام الشرعية فلا يرون فيها أي مصلحة لأنها تنافي الثقافة العَلمانية السائدة.
إذن، فلفظ المصلحة متفَق بين الطرفين، لكن معناه يختلف جذريًا بين من ينطلق من مفهوم إسلامي للمصلحة وبين من ينطلق من مفهوم علماني لها؛ ولهذا تجد أن الطوفي وغيره يرون أن الجهاد وقتل المرتد ومنع المحرمات هو من
стр. 126
أعظم المصالح لما فيه من حفظ مصلحة الدين، وهو الشيء المزعج لدى كثير من المعاصرين لأنهم يرونها أحكامًا تنافي المصلحة.
٢ - الاختلاف الجوهري في فهم النصوص: فالطوفي وغيره لا يتحدثون عن نصوص قطعية ذات دلالة واضحة فيقدمون النصوص عليها، فهم أهل تعظيم للشريعة وحرماتها، فهم بعيدون جدًا عن هذا الطريق الذي يريد الحداثيون تعبيده باسم الطوفي، فالنص القطعي لا يجوز لأي مسلم تخطِّيه، لكن إشكالية كثير من الحداثيين أن النصوص كلَّها محل إشكال، فكلها لا تدل على قطع ولا يستمد منها يقين، وإذا سمعوا كلمة (قطعي) قالوا مباشرة: (من يمتلك الحقيقة؟)!
٣ - الاختلاف الجوهري في تمييز الأبواب الشرعية: فأبواب العبادات والمقدرات خارجة تمامًا عن الموضوع؛ لأننا علمنا -قطعًا- أنَّها مراد اللَّه فلن يجرؤ مسلم على مناقضة اللَّه في حكمه ولا حكمته، فلا إمكانية لأي مصلحة حقيقة لأن تكون مخالفة لها، فلا يمكن تخطِّي بعض أحكام العبادات أو الحدود أو المواريث أو الديات أو تفاصيل الجنايات أو الكفارات أو العِدَد أو الطلاق أو شروط النكاح؛ لأنها جاءت مقدَّرة محددة فلا إمكانية لأي مصالح فيها، لأن المصلحة فيها قطعية في اتباع مراد اللَّه.
٤ - الاختلاف الجوهري في منهجية النظر في النصوص: فالطوفي وغيره من أهل العلم يقصدون الجمع بين النصوص، وإعمال كافة الأدلة. قد يخطئ بعضهم في بعض أحكامه، لكن المنهج الكلي العام هو الجمع بين النصوص وإعمالها جميعًا، بينما تقوم الطريقة الحداثية ومن تأثر بها على إعمال المصالح الدنيوية المحضة، ومواكبة العصر، ومسايرة التطور، ثم وجدوا أثناء ذلك نصوصًا وأدلة
стр. 127
لا تنتج ما يريدون، فاضطروا إلى تأويلها وتحريفها حتى لا تكون عائقًا عن الحداثة والتقدم، بل إن بعضهم لم يلتفت إليها أصلًا إلا لما رأى أن الناس منجذبون إلى هذه النصوص، فعُلِم أن مجرد الإعراض عن النصوص لا يكفي، فلا بد من عودة إليها لتخليص العقل المسلم من الانجذاب نحوها، فشتان بين من ينظر في النصوص ليهتدي بها ويسير وراءها ممن يفكِّر خارجها ولا يأتي إليها إلا لمهمة التخلُّص منها.
فنهاية الأمر في تقديم المصلحة على النص هو أن تكون النصوص عبئًا لا فائدة منها؛ فالإنسان يتبع مصالحه أينما كانت، فإن وافق المصلحة عمل بالنص اتباعًا للمصلحة، وإن خالفه عمل بالمصلحة، فكان وجود النص عبئًا وتلبيسًا وإشغالًا للناس لا غير، وهو نتيجة طبيعية لمن ينظر للمصلحة بمعيار يختلف عن معيار الشريعة، فالنصوص إنما جاءت بما فيه مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، فافتراض التعارض بينها وبين المصلحة افتراض مغلوط وسؤال خاطئ؛ لأنه يفترض أن النصَّ شيء يختلف عن المصلحة، بينما النصوص في الحقيقة لا تأتي إلا بأكمل المصالح وأشرفها؛ فالتعارض لا يكون بين المصلحة والنص، بل بين مصالح الشريعة التي جاءت بها النصوص والمصالح الكاذبة التي تأتي بها أهواء النفوس.
ومع كل هذا ستبقى مقولة (تقديم المصلحة على النص) حاضرة في مشهد التحريف والعبث المعاصر، وسيبقى الطوفي ﵀ حاضرًا على لسان وقلم كل عابث، وما كان يدور في خلدِ أحد أن عبارة قيلت قبل سبعة قرون ستكون ذريعة وسترًا شرعيًا لأرتال العبث الفكري المعاصر، وهذا نموذج لخطورة
стр. 128
زلة العالم التي تجعلنا نستشعر عظمة فقه عمر بن الخطاب ﵁ حين قال (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن والأئمة المضلون) (١).
стр. 129
أين الثوابت والمتغيرات ؟
أتمني لو كنت استطيع الوصول إلى تحديد تاريخ أول استعمال لهذا المصطلح في الفكر الإسلامي, لكنه قطعًا نشأ متأخرًا ولم يكن معروفًا في التراث الفقهي القديم, وهو كبقية المصطلحات المحدَثة لا يتعامل الإنسان معه بحساسية لمجرد كونه مصطلحًا جديدًا, فلا مشاحة في الاصطلاح ولا إشكال فيها بحد ذاتها ما دامت محتفظة بخصلتين: أن لا تحتوي علي مخافة شرعية وأن يتم توضيح المقصود بها بما يزيل الإشكال.
وحين نستعرض تفسيرات المعاصرين للثوابت والمتغيرات في الشريعة الإسلامية نجدها ترجع لثلاث تفسيرات رئيسية, تفسير الثوابت بالقطعيات والمتغبرات بالظنيات, أو تفسير الثوابت بالمجمع عليه والمتغيرات بالمختلف فيه, أو تفسير الثوابت بالأصول والمتغيرات بالفروع.
وحقيقة هذه التفسيرات ترجع لمعني واحد, فالثوابت هي الأصول الكلية القطعية المتفق عليها, والظنيات هي ما كان دون ذلك من الظنيات والفروع.
стр. 130
ويبقى تفسير المصطلح ليس فيه أي إشكال، فلا غضاضة في أن يتم تفسير الثوابت والمتغيرات بأي معنى يتم الاتفاق عليه.
إذن أين الإشكال؟
الإشكال هو في الأحكام التي تترتب على هذا التقسيم، وفي التصورات التي تبنى على هذه التفسيرات؛ فسؤال: أين الثوابت والمتغيرات؛ ليس مشكلًا كسؤال ما الذي سيترتب على تفسير الثوابت والمتغيرات؟
فتسمية بعض أحكام الشريعة بالثوابت، وتسمية غيرها بالمتغيرات، ليس فيه إشكال كبير ما دام أنه محصور في التسمية والاصطلاح، إنما الإشكال في ما يترتب على هذا التقسيم.
فبعض الناس يفسِّر المقصود بشكل صحيح ويقيم الفروق بين الثوابت والمتغيرات برؤية شرعية صحيحة، وآخرون يبنون على هذا التقسيم كثيرًا من الأحكام الباطلة.
فبعضهم يرتب على هذا التقسيم تصورًا يقوم على أن الثوابت هي الأحكام الشرعية التي يجب الخضوع لها، وأما المتغيرات فهي خارج الشريعة وهي مجرد اجتهادات يمكن أن يأخذ الشخص منها ما يشاء، فالعبرة بمقاطع الإجماع، وأما ما حصل فيه الاختلاف فالإنسان منه في سعة، يأخذ منه ويذر بحسب ظروف المرحلة وما يحقق المصلحة وما يتلاءم مع تطور المجتمع.
وهذا تفسير مختلٌّ، لأنه يلغي دائرتين واسعتين من الشريعة هما الأوسع من أحكام الإسلام، وهما دائرتا (الظنيات) و (المختلف فيه).
стр. 131
فدائرة الظنيات: هي أحكام شرعية ثابتة وملزمة ويجب اتباعها، وأما تسميتها بالظنية فهو مجرد اصطلاح، لا يعني أنها خارج الشريعة أو غير ملزمة، فالظن واليقين هو في مرتبة الجزم بالحكم وليس في مرتبة الإيمان بالحكم، فأنت توقن بالحكم بشكل يقيني قطعي أو يغلب على ظنك بما يوجب العمل به، لا أن تثبت الحكم أو تنفيه؛ فبعض الأحكام الشرعية قطعي جاءت الدلائل اليقينية عليه كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم الخمر والربا والزنا، وبعض الأحكام جاءت فيه دلائل أقل من ذلك، لكن هذا لا يعني أنه ليس حكمًا شرعيًا، ولا أن أمر الإيمان به يرجع للإنسان إن شاء عمل به وإن شاء ترك، بل العمل بها واجب، غير أن مراتب الإيمان تختلف فدرجة الإيمان بحرمة الزنا ليست كدرجة الإيمان بحرمة النظر المحرم، ودرجة الإيمان بالسنة المتواترة ليس كدرجة الإيمان بالسنة الآحاد، وذلك مثل ما أن من الشريعة ما هو فرض لا يدخل الإنسان الإيمان إلا به كالشهادتين، ومنها ما هو فرض يخرج من الإيمان بتركه كالصلاة، ومنها ما هو فرض يضعف الإيمان ولا يزيله كترك الحج ومنها ما هو دون ذلك، لكنها جميعًا داخلة في أحكام الإسلام وإن تفاوتت في قوتها.
فالغلط في هذا التفسير أنه جعل دائرة (الظنيات) من المتغيرات غير الملزمة، فنفى جملة واسعة من أحكام الشريعة لتوهُم فاسد، تصوَّر فيه أن كلمة (الظن) تعادل في لغتنا العامية التوقع والتوهم والشك، وهي ليست كذلك، بل أحكام ثابتة وصحيحة.
الدائرة الثانية، دائرة المختلف فيه: فيجعلون كلَّ حكم وقع فيه اختلاف بين العلماء حكمًا متغيرًا غير ملزم، وهذا النظر يتصوَّر أن أحكام الشريعة لا بد أن تكون مُجمَعًا
стр. 132
عليها حتى تكون ملزِمة، فهو يقلب معادلة الشريعة؛ لأن اللَّه -تعالى- يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وهو يريد رد كلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ إلى كلام الناس؛ فكأن أحكام الشريعة لا تكون ملزمة للمسلم إلا إذا أجمع عليها العلماء وهذا معنى ساقط متفَق على فساده (١).
واشتراط الاجماع لجعل الأحكام الشرعية ملزمة كلام سجالي يأتي به البعض للجدال لا غير، وإلا فلا أحد يطرد هذا الكلام فيقول على الحقيقة إنه لا يعتقد بشيء إلا بعد الإجماع، ولهذا كان ابن حزم دقيقًا حين قال عنه أنه (مذهب لم يخلق له معتقد قط، وهو ألا يقول القائل بنصّ حتى يوافقه الإِجماع) (٢).
وهذا الذي يقتصر على الإجماع دون المختلف فيها، لا بدّ أن يرجع فيفسد حتى القضايا القطعية؛ فإنه (لا بد أن يخالف الكتاب والسنة -حتمًا- في كثير من القضايا، هذا في المخالفة القطعية، فأما الظنية فحدِّث عن كثرتها ولا حرج) (٣).
الخلاصة إذن: أن أمامنا طريقين للتعامل مع هذا المصطلح:
الطريق الأول: تفسير الثوابت بأنها هي القطعيات والمتغيرات هي الظنيات، فيجب على من يسلك هذا الطريق أن يكون منهجه قائمًا على عدم ترتيب أحكام على هذا الاصطلاح؛ وإنما يقال: إن هذا ثابت وهذا متغير لبيان درجة الحكم وليس لجعل أحدهما ملزمًا والآخر غير ملزم.
стр. 133
الطريق الثانى: في حال ترتيب الأحكام على هذا الاصطلاح، فيجب أن يتم تفسير الثابت والمتغير بشكل دقيق وصحيح لا يتضمن تجاوزًا على الحكم الشرعي، وهذا التفسير سيكون بجعل الثابت: ما ثبت بدليل شرعي سواء كان قطعيًا أو ظنيًا أجمع عليه أو اختلف فيه، فهذه مساحة ثابتة مرتبطة بالدليل الشرعي، والمتغير: هو الحكم الاجتهادي الذي كان مرتبطًا بعرف أو مصلحة معينة وتتغير بتغير الزمان والمكان.
فهذا هو التفسير الصحيح لهذا المصطلح؛ فالأحكام الظنية ليست متغيرة، والأحكام الخلافية ليست متغيرة، بل هي ثابتة، ووقوع الخلاف لا يجعلها متغيرة؛ لأنهم يختلفون بناءً على رؤيتهم في الأدلة، فهم يدورون حول محور ثابت، فيجب أن يتم الاختيار والترجيح بناء على هذا المحور، وليس متغيرًا بحسب الزمان والمكان.
وهذا المنهج هو الأسلم والأصوب في تفسير (الثوابت) و (المتغيرات) لأنه يفسِّر المتغير بما يناسب لفظه؛ فالمتغير في الأحكام هو ما كان معلقًا على وصف متغير، كعرف سابق أو مصلحة مرتبطة بظرف معين؛ فحين يتغير الوصف الذي كان سبب الفتوى تتغير الفتوى تبعًا لذلك، وأما جعل الأحكام الشرعية الظنية أو الأحكام المختلف فيها في دائرة المتغيرات فهو خطأ؛ لأنها ليست متغيرة، ووقوع الخلاف فيها لا يحيلها متغيرة، والاختلاف الذي وقع فيها ليس تغيرًا، بل هو اجتهاد راجع لفهم الدليل الشرعي الثابت؛ فهو راجع لاختلافٍ في الفهم، وليس تغيرًا مرتبطًا بالزمان والمكان.
وهذا المنهج هو الأصح أيضًا؛ نظرًا لأن هذه المصطلحات قد عم استعمالها
стр. 134
لدى كثير من الناس على اختلاف توجهاتهم ومقاصدهم، بما يحتم مزيد عناية في ضبط المصطلحات والتأكيد على دقة معانيها حتى لا تكون ذريعة لتمرير بعض التصورات المنحرفة من خلال المفاهيم المعتادة.
مشكلة مثل هذه المصطلحات المحدثة أنها تحوي حقًا وباطلًا، وفيها تفسيرات صحيحة وأخرى فاسدة، لكن الفرق الذي يميز المعنى الصحيح من المعنى الباطل لا يبدو جليًا دائمًا، وكثيرًا ما يبقى مشكلًا وملبسًا، ويرجَع فيه لاجتهاد كل أحد، فتجد كثيرًا من الناس يتفقون على تكرار هذه العبارة وبينهم في تفسيرها ما بين المشرقين؛ فالمعيار في التمييز معيار ذاتي لا موضوعي، فهو يرجع لفهم كل شخص وعلمه ودينه، وليس لمحددات موضوعية فاصلة، وهو مزلق خطر يقود لانحرافات عدة.
وهذه إشكالية حاضرة بوضوح في مشهدنا الثقافي المعاصر، فبعض الأطروحات الإسلامية تقوم بدور سلبي على بعض الأحكام الشرعية ليس من جهة ما تقرره من معانٍ فاسدة، بل من جهة ما تسكت عنه من بيان المعاني الباطلة التي تختلط ببعض المعاني الصحيحة.
وهذه الإشكالية سبب لانحرافات ظاهرة في مشهدنا المعاصر، تجد بعض الفضلاء يرفع شعارات مجملة يتوافق فيها مع عدد من المنحرفين والمحادِّين للشريعة، من الذين يفرحون كثيرًا بها لأن هؤلاء الفضلاء يدفعون بتصوراتهم إلى الجمهور الذي لا يمكنهم الوصول إليه، ويبقى الفرق بين الشعارين ذاتي لا موضوعي؛ فكلهم يتكلم بعبارات واحدة وكل شخص يفسرها بحسب ما يريد، بينما كان المفترض على الغيور على شريعة اللَّه أن يحرص على تمييز الحق من الباطل فلا يكفي أن يقول
стр. 135
ما يقصد به الحق، بل لا بد من تجلية الحق ورفع الالتباس عنه.
ولهذا تجد بعض المفاهيم كالحريات وحقوق المرأة والمساواة والدولة المدنية ونحوها تتردد من أقصى التيارات العلمانية تطرفًا ويرددها كثير من الفضلاء من دون تمييز موضوعي يكشف الحق من الباطل، وليس المقصود أن يشرح الإنسان الكلمة في كل سياق، وإنما أن يكون منهجه الكلي واضحًا في تحديد المقصود من هذه المفاهيم وفصل المعاني الباطلة عنه بوضوح تام بما يجعل الحق ساطعًا تشيح عنه وجوه الانحراف والعلمنة.
стр. 136
الحلقة المفقودة
في لقاء ثقافي عام قدَّم صاحب الورقة عددًا من الأفكار والرؤى المتعلِّقة بالشأن العام، تحفَّظ بعضهم على بعض هذه الأفكار وطالب بأهمية أن تدرس لضمان التزامها بأحكام الإسلام؛ إذ رأى فيها تجاوزًا لبعض أحكامه، فما كان من مقدِّم الورقة إلا أن فتح فمه بحديث طويل ملأه بقائمة من الكلمات الآتية:
(هذه أحكام خلافية، قضايا ظنية غير قطعية، هو فهمك للنص، هذه متغيرات وليست ثوابت).
الذي لفت نظري في كلامه أنه لم يكن -كما يظهر- يعرف أساسًا بوجود إشكالات على تقريره، فلما نبه بها أخرج لها هذه المقطوعة المألوفة، وقد كان الموقفي السليم أن يوقف نفسه قليلًا ويقول: لعلي أتاكد أو أبحث أو أسال حتى أزيل هذا الإشكال.
مثل هذا الكلام يعني أن أحكام الإسلام ليست ملزِمة لأحد ولا حاكمة على
стр. 137
أحد، فاختر أي قول تراه ثم قل: (خلافيٌّ) و (ظنيٌّ) و (متغير) و (اختلاف في الفهم) وينتهي حينها الموضوع!
نعم، في الشريعة مساحة واسعة للقضايا الظنية، وفيها خلاف فقهي كبير، وتتضمن متغيرات عدَّة، ويقع فيها اختلاف في الفهم والتأويل وتحوي مدارس مختلفة فيه، لكن هذا لا يعني أن يتوقَّف التذكير بضوابط الشرعية ويتعطَّل الإلزام بها:
أولًا: لأن الشريعة ليست كلها ظنية وخلافية ومتغيرة، بل ثَمَّ مساحة للقطعيات والمتفق عليها في الشريعة، وحين يبادر الشخص فيتعلق بحبل الظنيات والخلافيات مباشرة لتجاوز أي إشكال يرد عليه فإنه سيتعلق به مرة أخرى في القطعيات والمجمَع عليها في ما بعد، حتى تلاحظ بجلاء أن كافة الرؤى المتضمنة انحرافًا صريحًا تقول دائمًا حين تذكَّر بالشريعة: هذه مساحة خلافية وظنية!
الثاني: أن وصف القضايا بكونها (ظنية) أو (خلافية) لا يعني أنها أصبحت مرسلة وفارغة وغير ملزمة، أو أنها مساحة اختيار من متعدد ينتقي منها الإنسان ما يشاء، أو يختار من واقعه وفكره ما يروق له ويصبح في حِل من نصوص الشريعة وأحكامها ما دام فيها خلاف أو ظن!
ليست هذه منهجية مقبولة في الشريعة، فإذا كان ثَمَّ خلاف وظن في كثير من أحكام الإسلام فإن ثَمَّ منهجًا قطعيًا مجمعًا عليه في كيفية التعامل معه، هو أن يبذل الإنسان جهده ويسعى للوصول لأرجح ما يعتقد من خلال منهجية علمية موضوعية تتقصَّد الكشف عن مراد اللَّه قَدْر الطاقة ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فالتنازع يذهب به إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وليس هو إشارة
стр. 138
عفو أو إرشاد إلى الاختيار المفتوح.
فلا يكفي أن تأتي برأي ثم تقول: (ظني) أو (خلافي)، حدثنا كيف توصلت إلى هذا الرأي؟ ما المنهجية التي سلكتها لاختيار هذا القول؟ ما الطريقة والآلية المتبعة عندك في القضايا الحلافية والظنية؟ فالعلماء وطلاب العلم وعامة الناس لهم منهجية في التعامل مع المسائل الظنية والخلافية؛ فما هذه المنهجية التي يسلكها مثل هذا المتحدث؟
معرفة هده المنهجية تضع فى يدك فائدتين:
الفائدة الأولى: أن تعرف مدى موافقة هذه المنهجية للشريعة؛ فحين يقول أحد: إن منهجه هو الاجتهاد والموازنة بين الأدلة لكونه عالمًا ومجتهدًا فهذا منهج سليم ومنضبط، أو يقول: إن منهجه اتباع المذهب الفلاني الذي يثق فيه وفي اختياراته فهذا منهج سليم ومنضبط، أو يقول: أتبع علماء البلد الذي أنا فيه لكوني أراهم أوثق علمًا ودينًا فهذا منهج سليم ومنضبط. فمعرفة المنهج يخلِّص المنهج الشرعي من المناهج العبثية الفوضوية كمثل من يقول: منهجي أن اختار الأسهل! أو أن اختار ما أشاء! أو أختار ما هو أقرب للواقع وأكثر ملائمة له، أو ما يكون متوائمًا مع متطلبات الحداثة!
فالقضايا الظنية والخلافية هي الدائرة الأوسع في الشريعة الإسلامية ولا يمكن أن تكون قضايا مهملة يختار الشخص ما يشاء وينتقي ما يشاء؛ وإلا ما فائدة وجودها من الأساس؟ ولماذا أنفق العلماء أعمارهم في تحريرها وتفصيلها وبيان دلائلها ما دامت مجرد قائمة اختيارات متساوية يختار الشخص الأسهل والأجمل والأقرب؟
فهذه منهجيات مخالفة لقطعيات الشريعة، وتؤدي لتعطيل الشريعة وتجعل
стр. 139
نظر المسلم ليس إلى الشريعة بل إلى التخلُّص من قيودها، حتى ولو كانت في مسائل خلافية فالخلاف لا يلغي ضرورة اتباع الشرع.
الفائدة الثانية: أن نحاكم آراء هذا القائل إلى منهجه؛ فما دام أنه اختار منهجًا معينًا فيجب أن تكون آراؤه منطلقة منه، فلا بد أن تكون هذه الآراء مبنية على منهج صحيح وليست آراءً مشتتة مقطَّعة لا يجمعها أي جامع؛ وإنما يختار لاعتبارات غير شرعية ثم يظن أنها شرعية!
وثَمَّ فائدة أخرى تزيد على هاتين الفائدتين: هي أن يحفظ الإنسان أصوله القطعية وأحكامه المجمَع عليها؛ فالتهاون مع الظنيات سيضعف الثقة في القطعيات تدريجيًا؛ لأن الشخص حين يرتفع صوته دائمًا بـ (فيه خلاف)، فإن هذا الصوت لن ينقطع حين لا يكون في المسألة (خلافًا)، بل سيتردد الصوت ذاته في المسائل القطعية والمجمع عليها في ما بعد، ولن يبالي بذلك حينها لأنه عوَّد نفسه أن لا يلتفت إلى الأحكام الشرعية ما دام فيها خلاف، وحدود الخلاف ليست معلومة له دائمًا، فحين يعتاد أن لا ينظر في الشريعة إلا في ما بعد فإنها ستكون ثقيلة ومزعجة وسيجد أي تأويل لها مخرجًا مريحًا ومقبولًا؛ ولهذا -ومن واقع ملاحظة شخصية- وجدت أن كثيرًا ممن يقول: (فيه خلاف) وهذه مساحة (ظنية)، هو ذاته حين تأتي القضايا القطعية يقول لك: (كيف عرفت أنها قطعية؟) و (كلُّ يظن أن رأيه قطعي!) فيتهاون في المساحة الظنيه لأنه مستمسك بالقضايا القطعية، ثم صار يشك -أصلًا- في وجود القضايا القطعية التي هو مستمسك بها!
يأتي بعضهم فيقول: من الضروري مراعاة المتغيرات التي تؤثر في الأحكام الشرعية فليس كل ما كان في عهد النبي ﷺ يكون ملزمًا لنا الآن لتغيُّر الحال.
стр. 140
فهذا كلام فيه حق، وفيه باطل كثير أيضًا، وهنا تأتي أهمية تحديد المنهج؛ فما المنهج لمعرفة المتغير والثابت في أحكام الإسلام؟ وما هو المتغير والثابت مما كان في عهد النبي ﷺ ؟ فهذا الكلام يقوله أشدُّ العلماء تمسُّكًا وتعظيمًا لأحكام الإسلام ويقوله أشدُّ العلمانيين تفلُّتًا وانحرافًا عن أحكام الإسلام.
ويأتي آخر فيقول: ليس كل ما صدر عن النبي ﷺ يكون تشريعًا فثم أمور ليست تشريعية.
لا بأس، السؤال المهم: ما الضابط لمعرفة التشريعي من غير التشريعي لديك؟ فهذا الكلام قد يكون كلامًا أصوليًا دقيقًا منضبطًا وقد يكون تحللًا وتفلتًا من قيود الشريعة، والفارق بينهما هو في معرفة المنهج الذي سيسلكه الشخص في معرفة السنة التشريعية من غير التشريعية.
تحديد المنهجية يفتح العين على ظاهرة فكرية شائعة في زمننا، ظاهرةِ من يأتي بالأقوال المنبتَّة التي ليس لها امتداد فقهي ولم تخرج من البيئة الشرعية فيتمسك بها بدعوى أن فيها خلافًا وأنها ضمن المساحة الخلافية أو المتغيرة، والحقيقة الظاهرة أن القول لم يأتِ من قراءة فقهية، بل من إسقاط خارجي على الفقه، حاول بعده أن يكسِّر في أبنية الفقه ومذاهبه وأقواله حتى يجد لهذا الدخيل مكانًا مناسبًا يجلس فيه فوقع بسببه في إشكالات أكبر.
مثلًا: ينفي وجود حدِّ الردة في الشريعة الإسلامية متأثرًا بضغط مفاهيم الحريات المعاصرة وأسئلتها فيحاول أن يبحث لها عن مذهب هنا أو قول هناك لكنه يصطدم بمثل قول النبي ﷺ : "من بدّل دينه فاقتلوه" (١) فيتملص منه بأنه
стр. 141
حديث آحاد، أو ليس سنة تشريعية، أو كان لظرف زمني معين. . . إلخ، وهكذا يدخل في منهجيات مضطربة حتى يستقيم له إسكان هذا الفرع الفقهي الدخيل؛ فهل من منهجك أن ترفض الحديث الآحاد؟ وما هي السنة التشريعية من غير التشريعية لديك؟ وما هي المتغيرات التي تؤثر في الحكم؟ إنها أسئلة منهجية لن تجد لها جوابًا محررًا لأن هذا القول لم يخرج من منهج فقهي أساسًا.
إنها (الحلقة المفقودة) في كثير من القضايا المعاصرة، تضع يدك عليها حين تبحث عن المنهج وآلية التفكير التي يسير عليه الإنسان في القضايا الخلافية والظنية، وفي منهجية ومستندات الأقوال التي يتبناها، وربما تُصدَم حين تجد الحلقة المفقودة التي وضعت يدك عليها هي المنهج ذاته؛ حيث إن الأمر كثيرًا ما يكون بمنهج مضطرب أو بلا منهج وطريق واضح من الأساس.
стр. 142
مركز البيان للبحوث والدراسات [١٧١]
معركة النص
«المجموعة الثانية»
تأليف
فهد بن صالح العجلان
стр. 143
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
(ح) مجلة البيان، ١٤٣٤ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
العجلان، فهد صالح
معركة النص - المجموعة الثانية/ فهد صالح العجلان - الرياض، ١٤٣٤ هـ
ص ١٤٦، ١٦.٥ × ٢٢ سم
ردمك: ١ - ٢٦ - ٨١٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨
١ - العلمانية
٢ - الإسلام - دفع مطاعن ... أ. العنوان
ديوي ٢٠١.١٦ ... ٢٧٩١/ ١٤٣٤
رقم الإيداع: ٢٧٩٣/ ١٤٣٤
ردمك: ٨ - ٢٧ - ٨١٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨
стр. 144
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 145
المقدمة
بسم اللَّه، والحمد للَّه، وصلى اللَّه وسلم على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
راهن الخطاب العلماني في لحظةٍ زمنية خلت على أن المجتمعات الإسلامية ستسير في علاقتها مع الدين بذات المنحى التي سارت عليها المجتمعات الغربية، وأن تحييد الدين وإقصائه هو قدر هذه المجتمعات كما هي سنة التطور التي سبقتها إليه المجتمعات الغربية، غير أن الواقع قد أحدث صدمة عنيفة هزت مرتكزات العقل العلماني، إذ زاد تمسك المجتمعات بالإسلام، وقويت الحركات الإسلامية واتسع نطاق تأثيرها، وزاد تعطش الناس للدين ولشعائره ولتعلم أحكامه، وغدا الإسلاميون هم الرقم الأصعب في كل المجتمعات المسلمة اليوم، وأصبح أكثر العلمانيين تفاؤلًا يجزم بأن أي انتخابات في أي مجتمع ستكون نتيجتها محسومة سلفًا للإسلاميين.
حفز هذا كثيرًا من العلمانيين على تغيير طريقة خطابهم وترتيب أوراقهم من جديد، فانتهت طريقة المصادمة الصريحة للنصوص الشرعية أو الاستخفاف