وحين يكون الأصل هو (النصّ) فإن ذاك يستدعي البحث عنه وإشهاره وأن تكون دائرة البحث فيه وحوله، ولو حصل خلاف واجتهاد وتأويل له فإنه منطلق من النص، وهو تطبيق لأمر اللَّه -تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأما حين يكون الخلاف بحد ذاته حجة وعذرًا فإن هذا في النهاية سيؤدي إلى هجران النصوص وإضعاف مكانتها في النفوس، وهو ما دفع الحافظ ابن عبد البر ليقرر بوضوح أنَّ: (الاختلاف ليس بحجة عند أحد عَلِمْتُه من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجَّة في قوله) (١).
الملف الخامس: التسامح مع الانحرافات العقدية: وهو موضوع خارج عن حوار (التسامح الفقهي) كلَّه؛ لأن الخلافات الفقهية تدنو من النصوص ولا تصادم أصول الشريعة وقطعياتها بخلاف الظاهرة الفكرية المنحوفة التي تترجمها (الانحرافات والمذاهب العقدية)، غير أن بعض الناس يسعى لاستغلال (التسامح الفقهي) لتهوين الانحرافات العقدية في النفوس: إما بجعلها اجتهادات بشرية قابلة للاجتهاد حيث لا وجود لمن يملك الحقيقة المطلقة، أو باعتبار أنَّ هؤلاء قد يكونوا مجتهدين ومعذورين فيبدأ في خلط ملفِّ (عذر القائل) بملف (الموقف من القول) أو يخلط فيها ملف (أخلاقيات الحوار) و (إعطاء الناس حقوقهم) وغيرها من الملفات التي تربك بعض الناس فيغفل بسببها عن استحضار أن هذه منكرات مصادمة للشريعة ومخالفة لسبيل المؤمنين.
ظاهرة (اختلاط الملفات) و (دمج الموضوعات) ليست مختصة بالتسامح
стр. 72
الفقهي؛ فكثيرًا ما يلتبس على المتابع حقيقة بعض القضايا الفكرية والشرعية لأنها تأتيه جميعًا فيختلط الحق بالباطل والصواب بالخطأ، والمنهج الشرعي فيه هو ذات المنهج الصحيح في التعامل مع (الألفاظ المجملة)؛ فلا قبول لها بإطلاق ولا رفض لها بإطلاق، بل قبول للحق ورد للباطل في منهج موضوعي يستفصل عن أفراد الموضوع حتى تكتمل الرؤية في كافة أطرافها فلا تقبل باطلًا ولا تردُّ حقًا بسبب هذا الإجمال.
стр. 73
التسربات الفكرية
لا تمرُّ ساعة دون أن يدخل "محمد" إلى أحد المواقع الالكترونية ليناقش عددًا من أصحاب الطوائف والتوجهات المختلفة في مسائل وقضايا كثيرة، ثم بعد أشهر من الجدل والحوار المستمر يظهر محمد برؤى وأفكار منحرفة يظنها ضرورية وأساسية للدفاع عن أحكام الشريعة وتصحيح صورة الإسلام والسنة.
ولقد أصاب أخونا (عبد الرحمن) قريبًا مما أصاب (محمد) غير أنه كان أقل انهماكًا في هذه المعمعة فكان دوره يقتصر على المتابعة والقراءة مع بعض الحوارات الهامشية، فما دارت الأيام حتى كان قلب (عبد الرحمن) يحتضن كثيرًا من الإشكاليات والشبهات التي كانت تمر على عينيه الساخطتين فما لبثت أن سكنت قلبه بعد ذلك.
(عبد الرحمن) و (محمد) نموذجان لظاهرتين منتشرتين في واقعنا المعاصر، ظاهرة الشخص الغيور الذي يدخل في نقاش الشبهات دفعًا لها وتحذيرًا منها،
стр. 74
وظاهرة القارئ المطلع على هذه الحوارات فضولًا وثقافة ثم ما يلبثا بعد هذا إلا قليلًا حتى ينقلب بعضهم على عقبيه أو يكون قد تأثر (كثيرًا) وتشرَّب عددًا من الأصول والمقدمات الفاسدة.
سأقف مع سبب واحد يفسر واقع هذه المشكلة، وسأدع بقية الأسباب المؤثرة لمقام آخر، فلن أتحدث عن ضعف جانب العبادة والاتصال باللَّه، أو عن إشكالية تهاون المسلم في تحريك دفعات الشبهات على قلبه من دون أن يشد حبل قلبه باللَّه، ولا عن سبب العجب والثقة والاتكال على النفس الذي يضعف افتقار العبد إلى مولاه، ولا عن ضعف التأصيل الشرعي، ولا عن التفرد والاستقلال الموهوم الذي يجعل أمثال هؤلاء يأنفون عن سؤال أهل العلم والرجوع إليهم، بل لربما ظن -لعظم الوهم الذي يسكنه- أنه يخوض غمارًا لا ينقذ الإسلام ولا يحفظ أصول الدين إلا رأيه وفكره.
السبب الذي أريده يتعلق بواقعة (التسليم بالمقدمات والأصول الفاسدة) فيدخل المحاور والقارئ هذه الحوارات، وفي غمار معمعة قضاياها وأمواج إشكالاتها يتخذ لنفسه عددًا من الأصول والقضايا الثابتة يدافع عنها ويجيب عن الشبهات بناءً عليها، وقد غفل عن أن هذه الأصول والقضايا لم تأته من قراءة تدبُّرية لكتاب اللَّه ولا من جلوس طويل على صحيح السنة ولا من دراسة بحثية لكتب الفقه؛ وإنما جزم بها من خلال هذه الحوارات وحسم أمرها بعد إلزام من هنا أو ورطة هناك.
هي مشكلة قديمة، كثيرًا ما يبتلى بها من يقرر أصوله ومحكماته من خلال هذه الحوارات، وقد كانت سببًا ظاهرًا لبذور الانحراف العقدي الذي مزق أمة
стр. 75
محمد ﷺ من قديم، فرأس المنحرفين (الجهم بن صفوان) لم يقرر عقيدته في نفي أسماء اللَّه وصفاته إلا بعد نقاشٍ مع فرقة وثنية أحرجته بأنه لا يستطيع أن يحس خالقه ولا يشمه ولا يسمع صوته فهو إذن غير موجود، فحيَّرته هذه الشبهة ومكث أيامًا يبحث عن جواب مريحٍ لها، ثم خرج إليهم فأجابهم بأن وجود اللَّه مثل وجود الروح التي في جسد الإنسان، يقرُّ الإنسان بوجودها لكنه لا يراها ولا يسمع صوتها، ومن خلال هذا الدليل الذي قرره ليتخلص من ورطته مع الوثنيين بنى تصوُّره عن اللَّه فنفى عنه الصفات التي أخبرنا بها عن نفسه (١).
وقد بذلت الفرق الكلامية جهدًا عظيمًا في سبيل إقناع الملاحدة بوجود اللَّه فجاؤوا بالدليل العقلي الشهير (دليل حدوث الأعراض والأجسام) وجعلوا إثبات اللَّه لا يقوم إلا به، فحطموا به وعبثوا بكثير من النصوص والأصول الشرعية.
لاحظ أنهم لم يكونوا يرونها أصولًا فاسدة، أبدًا، بل كانت عندهم دليلًا شرعيًا وأصلًا ضروريًا لحفظ الإسلام وصدِّ هجمات أعدائه، وهو ما زادهم ثقة وتمسكًا بهذه الأصول ورفضًا لأي قاعدة أو دليل يخالفها؛ لأنه سيكون مضرًا بالإسلام حسب رأيهم.
وإذا أردنا أن نتخفف من عرض الإشكالات القديمة ونأتي لواقع إشكالاتنا المعاصرة فسنجد المشكلة نفسها حاضرة لم تتغير، فمجموعة من الفضلاء يدخلون في حوارات وصدامات فكرية مختلفة وعلى أصعدة متعددة، يضطر بسبب هذه الحوارات تبني عدد من القضايا والمقدمات التي يراها مرتكزات أساسية للدفاع عن نصوص الشريعة وحفظ أحكامها، ويدعمها بعدد من الأدلة الشرعية، لكنه قد
стр. 76
التقط هذه القواعد من هذه الحوارات ثم بحث بعد ذلك عن أدلتها في الشريعة، ولم يستخرجها من قراءة لنصوص الشريعة أو فحص لكلام الفقهاء.
مثلًا: يخوض حوارًا مع الغربيين دفاعًا عن بناء المساجد وحق المسلمين في العبادة، ويقوم بجهود مشكور في إحراج الغربيين بما في موقفهم من تحيز ضد المسلمين، فيقولون له: (إنكم لا تسمحون ببناء الكنائس في بلادكم، ولا تعطون غير المسلمين حريتهم في نشر دينهم؟) فيجيب مباشرة بأن هذا غير صحيح وأن حرية العبادة والدعوة مكفولة مطلقًا في بلادنا ولهم كامل الحرية في دينهم مثل ما للمسلمين، وإذا كان أحسن حالًا قال: عدم بناء الكنائس خاص بجزيرة العرب بسبب خاصيتها الدينية أو بسبب انتفاء وجود نصراني فيها.
فلم يكن بحث بناء الكنائس ونشر الكفار لدينهم هنا معتمدًا على نصوص الشريعة ولا آراء الفقهاء -وإن جاء ذلك في ما بعد- وإنما جاء لضرورة التخلص من هذا الإلزام المحرج؛ فلحاجته لجواب مريح قرر مثل هذه القاعدة مع أنه بإمكانه أن يقرر بسهولة أن حديثه مع الغربي هو مطالبة له لأن يكون صادقًا مع مبادئه وقيمه؛ فبما أنكم تقررون الحياد مع الأديان فيجب أن تكونوا كذلك أو تعترفوا بأنكم غير صادقين.
وينتفض آخر: غيرة ودفاعًا عن الانتهاكات التي تلحق ببعض الدعاة والمصلحين بناءً على (حرية الرأي) وأنه حق مكفول للجميع ما دام لم يقع منه عدوان على أحد، ومع مواصلة الحوار والسجال يضطر لأن يجعل حرية الرأي في الشريعة مكفولة لأي أحد، فلا عقوبة ولا منع في الشريعة للرأي؛ وإنما يكون ممنوعًا إذا كان اعتداءً على الناس، وأما الرأي المجرد فهو حق مصان ولا إشكال
стр. 77
فيه، ويسوق لذلك بعض النصوص، وهي رؤية علمانية صريحة لا وجود لها في أي تراث فقهي بتاتًا، لكنها ذات المشكلة والمرض القديم، يريد الشخص أن يدافع عن الإسلام فيعتقد بأصل فاسد يرى أنه لا يمكن تحقيق مقصود الشريعة إلا من خلال هذا الأصل الفاسد.
ويعيب شخص ثالث على النصارى تغييبهم للعقل وتعطيلهم له ويسوق لهم شواهد من ذلك في معتقدات الخلاص والتثليث وغيرها فيلزمونه ويقولون: (لديكم أيضًا في الإِسلام مخالفة للعقل وسنذكر لك أمثلة) فيذكر لهم بارتياح أن الإسلام (يقدم العقل على النقل) فلا وجه لإشكالكم، وقد ظن أنه قدَّم جوابًا رائعًا لهذه الشبهة، وما درى أن أراد أن يصلح خدشًا فهدم قصرًا! فتخلص بهذا الجواب من إحراجهم له لكنه أدخل على عقله وقلبه فيروسًا خطيرًا ما دخل عقل أحد إلا وعبث بيقينه.
ورابع: يخوض غمار الدفاع عن أحكام الإسلام في المرأة، فيبذل مشكورًا غاية جهده في البرهنة والعقلنة لتلك الأحكام لأنه يستشعر أن أي ضعف في الدفاع عن هذه الإيرادات المثارة سيكون سببًا للتشكيك في الإسلام ذاته، ثم يخرج من هذه الحوارات بآراء من مثل: مساواة المرأة للرجل في الشهادة وجواز توليها للولايات العامة مطلقًا وبما شاء من القواعد التي يشعر بحاجته لها لدفع الصائلين على الشريعة!
يزيد المشكلة تعقيدًا أن الشخص في معمعة هذا الحوار لا يشعر بمثل هذه القواعد والمقدمات الفاسدة من أين دخلت عليه، فيحسب أنه تلقَّاها من مَعِين الفقه وما يدري أنه إنما غرفها من مستنقع آخر.
стр. 78
إذن ما هو الحل؟
هل نترك الدفاع عن قضايا الإِسلام ودفع الشبهات؟
لا، أبدًا، ليس الحل أن نترك الدفاع عن قضايا الإسلام ولا أن نَضعُف عنه أو نهوُّن من أي نشاطٍ فيه، فهذا باب من أبواب الجهاد في سبيل اللَّه؛ وإنما المطلوب -تحديدًا- أن يتحصن الشخص بالعلم الشرعي أولًا فلا يخوض غمار هذه السجالات من لم يكن عالمًا بأحكام الشريعة، ثم أن لا يعتمد على نفسه في تقرير القواعد والأصول والأحكام، بل يجب أن يراجع كلام العلماء وتقريرات المتقدمين ويسشير أهل العلم المعاصرين؛ لأن المقصود ليس أي جواب عن الشبهة؛ بل لا بد أن يكون الجواب صحيحًا ومستقيمًا، وإلا وقع الشخص في مشكلتين: تسرُّب الأفكار المنحرفة إليه، وعدم قدرته على الإقناع والبرهنة ما دام أنه قد وقف على أرضٍ زلقة؛ فأقوى عامل يقوي المحاور أن يكون مستقيمًا على الحق لم يخلط معه شيئًا من الباطل لأنه: (من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئًا من الباطل قد شاركه في بعضه أو نظيره فإِنه لا يتمكن من دحض حجته؛ لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما تسلط هو به عليه) (١) ثبِّت اللَّه قلوبنا على دينه، ورزقنا اليقين، وصرف عنا مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 79
الخصم الأكبر !
لطالما طرق أذني هذا المعنى، وكثيرًا ما يعاد ترداده في مناسبات كثيرة، هذا المعنى يتلخص في العبارة التالية (ضرورة تقديم خطاب عقلاني وبرهاني وعلمي لدعوة الناس إلى الإسلام، وأن سبب جفولهم عن الإسلام إلى ضعف الخطاب الموجَّه لهم).
ليس لي تحفُّظ كبير يمس صحة هذا المعنى، لكني كلما سمعتُ هذه العبارة قفز إلى ذهني المناظرات العلمية والإعجاز العلمي فأجد أن دورها في دعوة الناس إلى الإسلام، وأثرها على أعداد الداخلين في الإسلام أقل بكثير من دور الموعظة الحسنة أو التعامل اللطيف أو الخطاب العقلي الميسر، وهو ما يجعلني أشكُّ في حقيقة هذه الصورة التى تكرر علينا في كل حين، ليس انتقاصًا أو شكًا بأهمية الحديث العقلاني والعلمي؛ وإنما أشعر أنه يتضخم أمام ناظرينا فيتشكل بأكبر من صورته الحقيقية.
عدت إلى (كتاب اللَّه) وبدأت في قراءة المصحف من فاتحته لألتمس الطريق
стр. 80
الصحيح في التعامل مع هذا الأمر، ولم أكد أنهي بعض أجزاء القرآن حتى ذهلت من الحقيقة التي ظهرت لي بجلاء! لم تكن جديدة عليَّ ولا أظنها تخفى على أحد لكن ميزة النظر في القرآن أنه يرتب الأولويات في عقل المسلم ويعيد تشكيل نظرته إلى الأمور لتبدو في وضعها الصحيح.
بدت لي حقائق شرعية ناصعة البيان يجب أن تكون أمام ناظرينا في قضية الإِيمان:
الحقيقة الأولى: أن الهداية إلى الإسلام نعمة ومنَّة من اللَّه على أهل الإسلام: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤] يختار اللَّه لها و ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]، وأمرها إلى اللَّه فـ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، فلن يدخل أحد في الإسلام إلا بعد أن يشرح اللَّه صدره لذلك ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وهذا ما يجعل من ثناء أهل الإيمان قولهم: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، حتى من دخل في الإسلام فلن يستقيم على أحكام الشريعة إلا بفضلٍ من اللَّه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
وهذه الحقيقة توصلنا إلى الحقيقة الثانية: أن اللَّه يحول دون وصول بعض الناس إلى الإسلام فلا يتمكن من فهم الحق ولا ينشرح صدره له: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام:٢٥]، ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وجاء في ذلك التحذير
стр. 81
المخيف: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
فإذا لم يرد اللَّه هداية إنسانٍ إلى الإسلام فلن يملك أحد له شيئًا ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨]، وقال نوح مخاطبًا قومه ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] لأن القاعدة الشرعية الراسخة في نفوس المسلمين جميعًا أنه: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، فهم محجوبون عن الهداية، بل ويصرفهم اللَّه عنها لِمَا علم من حالهم ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦].
هاتان الحقيقتان تزيحان الستار عن ناظري المسلم بأن فهم الإسلام والاقتناع به لا يعني الدخول فيه، وأن من يرفض الدخول في الإسلام فليس لأنه لم يفهم الدليل ولم يقتنع به، فثمَّ أمر آخر فوق هذا كلِّه، هو إرادة اللَّه ومشيئته؛ فالهداية ليست مرتبطة آليًا بالدليل العقلي، فإذا رفض شخص الإسلام بحثنا عن المزيد من الدلائل العقلية واجتهدنا في الإقناع تلو الإقناع، بل هي هداية وانشراح قبل ذلك وبعده، وهذا يضع (الدليل العقلي) في مكانه الصحيح فلا يطغى ويتضخم ليربك المفاهيم والأولويات الشرعية.
الحقيقة الثالثة: أن الدلائل العقلية ليست على الوجه الذي يريد الكفار؛ فإنهم يقترحون دلائل معينة فلا تحقق لهم ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]، وطالبوا ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لكَ
стр. 82
جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩١] فهذه دلائل طلبوها حتى يقتنعوا بالإسلام فلم تحصل لهم، وهو ما يعني أن الدلائل العقلية لا يجب أن تكون بحسب ما يريد الكافر.
الحقيقة الرابعة: أن الكفار يعتقدون أنهم على حق: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، ولديهم قدرة على المحاججة والمجادلة عن باطلهم: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦].
فبقاء الكافر معتقدًا أنه على حق ويسير في طريق صحيح هذه سنَّة كونية أرادها اللَّه ولا مبدِّل لما أراد؛ فالإنسان ليس بقادر على أن يقدم دليلًا عقليًا يكون قاطعًا لأي أحد ولكل مجادل ويكون حال منكِرِه كحال من ينكر الأرض التي يمشي عليها، بل سنة اللَّه أن يبقى أكثر الناس على ضلال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
الحقيقة الخامسة: أن سبب ضلال كثير من الناس ليس لعدم فهمهم لدلائل الإيمان والتوحيد، بل لما في نفوسهم من أهواء وأدواء، وفي (القرآن) ذكر لكثير من هذه الأهواء:
المال: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، والتلبيس: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]، والإعراض: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
стр. 83
وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، والحسد: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، والتعصُّب للآباء: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: ٧٨]، وحب الدنيا: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٢]، وغيرها كثير.
الحقيقة السادسة: قيام الدنيا على الابتلاء والتمحيص؛ فمن سنَّة اللَّه أن يجري على أهل الإيمان الابتلاء والاختبار: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقد بيَّن اللَّه حكمة هذه السنَّة الربانية: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، فقضية الإيمان ليست مسائل عقلية تُفهَم أو لا تُفهَم، بل تحتاج النفوس مع ذلك إلى اختبار وامتحان ليظهر الثبات والصبر وتقديم مراد اللَّه، وهذه معانٍ شرعية عظيمة هي أسمى بكثير من مجرد فهم الدليل أو عدم فهمه، ولذلك يتكرر في القرآن وصف المؤمنين بالتزكية والثبات والإخبات والانقياد وهو ما يعني أن الإيمان ليس فهمًا للدليل بل خضوع وانقياد وتسليم للَّه رب العالمين، وهو ما تأنف عنه كثير من النفوس ولا يكفي فهمها للدليل لتصل لهذه المنزلة.
ما الذي نخلص إليه بعد استحضار هذه الحقائق القرآنية؟
نخلص إلى أن موضوع الإيمان ليس قضية عقلية صرفة، تتوقف على مدى قدرتنا على تقديم خطاب عقلاني مذهل، وأن كثرة المعادين للإسلام وعلوَّ أصواتهم ليس ناتجًا بالضرورة عن ضعف الدليل العقلي الذي يسمعونه من
стр. 84
المسلمين، بل وراء ذلك أسباب عدة تفتح لذهن الداعية فضاءً واسعًا للتفكير في كيفية الدعوة إلى الإسلام؛ فلا يغلق ذهنه على صورة واحدة تتضخم في الذهن بسبب عوامل خارجية، وهذا قطعًا ليس تقليلًا من الدلائل العقلية أو تهوينًا من قدرها، بل إن القرآن مليء بالبرهنة والاستدلال العقلي واستحثاث أهل العقول ونعي على أهل الشرك تعطيلهم لعقولهم.
إن حضور هذه الحقائق يفتح أهام ناظرينا النتائج التالية:
١ - أن الخصومة الحقيقية والمشكلة الأكبر التي تصدُّ الناس عن الإسلام ليست الدلائل العقلية بقدر ما هي (الأمراض) التي تسكن النفوس: من كِبْر وحسد وحب للمال والجاه أو التعصب لما عليه المجتمع والإرث أو الإعراض وحب الدنيا، ولعل هذا يفسر أن أكثر الداخلين في الإسلام ينقادون إليه من دون حاجة لخطاب ذو مواصفات عالية في البرهنة والعقلانية.
٢ - أهمية العناية بالوسائل التي تعالج أمراض النفوس وأدواءها: فالوعظ والترغيب والترهيب والتذكير بالبعث والمصير له دور عظيم في دخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، وسيلفت نظرك حين تقرأ دلائل القرآن أن الخطاب الوعظي حاضر بقوة في مجادلة الكفَّار، فتأمل في الآيات التالية: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقوله -سبحانه-: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، بل إن من حكمة اللَّه في إرسال الآيات: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، فهذا خطاب اللَّه الذي خلق هذه الأنفس ويعلم ما تحتاج إليه، وهو معنى يغفل عنه كثيرًا من
стр. 85
يغرق في العناية بالدلائل العقلية فيكون جُلُّ تفكيره وحديثه في محاولة الإبداع في استخراج الدلائل التي تقنع المخالف -وهو مطلوب حسن- لكنه يغفل عن أثر الوعظ في هداية الناس.
٣ - الاعتدال في تقرير وتقديم الدلائل العقلية: فدورها أن تبين الحق للشخص وليس أن تدخله في الإسلام، وحين لا ينشرح صدر الشخص للإسلام فإنه قادر على المجادلة وإثارة الملفات المختلفة إلى ما لا نهاية، وكثيرًا ما تختفي الأهواء والأمراض والحظوظ الشخصية في قوالب الدلائل العقلية التي يقدِّمها المجادل، فتكون غلافًا لأهواء النفوس من حيث يشعر أو لا يشعر؛ ولهذا يكثر في خطاب القرآن تسمية حجج الكفار بالأهواء ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥]، بل كلُّ من يُعرِض عن اتباع الرسول فهو متبع لهواه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠]، وحين يكون بعض الناس بحاجة للدلائل العقلية المعقدة والمركَّبة والدقيقة فيجب أن يكون ذلك بحسب الحاجة لأن أكثر الناس في غنى عنها.
٤ - مراعاة النفوس التي يُعرَف من حالها الصدق والبذل وحبُّ الخير للناس أو الضَّعَفَة من الناس؛ فمثل هؤلاء أقرب لأن تكون نفوسهم مهيَّأة لقبول الحق: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]؛ لأن سوء بعض الناس يكون سببًا لأن يحرمه اللَّه من الهداية فكما قال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، حتى لو جاءتهم الدلائل العقلية الواضحة البينة فإنهم لا يستفيدون ولا ينتفعون، بل قد يزيدهم سماع الحق ضلالًا وفسادًا كما قال -تعالى-: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا
стр. 86
طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقال -سبحانه-: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١]، بل حتى لو أتاهم الدليل عيانًا بيانًا وتحقَّق لهم حسب ما يريدون فلن ينتفعوا به: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥].
стр. 87
السلفية. . . منهج، أم جماعة ؟
تشهد الساحة الإعلامية هذه الأيام هجومًا عنيفًا ومتلاحقًا ضدَّ السلفية فى مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، في ظاهر ملفتة أثارت انتباه المتابعين عن بدء حلول موسم الهجوم على السلفية، وفي الحقيقة أن الهجوم على السفية متواصل أبدًا لا يتوقف صريره، يشتعل فى أوقات ويخفت لهبه فى أُخَر، فليس ثمَّ موسم للطعن في السلفية لأنه غذاء يومي لكثير من الخانقين والخائفين من الخيار الإسلامي.
هل السلفية منهج، أم جماعة وحزب معيَّن؟
أكثر المشاركين في إشعال الحرائق ضد السلفية لا يميزون بين الأمرين؛ لأن لديهم خصومة عميقة مع المنهج الإسلامي عمومًا، ومن ثم فلا أثر لهذا التمييز لديهم لأن النقد متجه بشكل أساسي إلى المنهج الإسلامي.
السلفية هى منهجٌ فى طريق السير على هدي الإسلام، فحين تتفاوت الأفهام في تفسير الإسلام ومعرفة احكامه وتحديد المنهجية الصحيحة فيه تأتي السلفية
стр. 88
معتمدة على منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ فهم خير هذه الأمة، وأزكاها دينًا، وأعلاها مقامًا، وأعمقها فهمًا، وأعلمها بما كان عليه النبي ﷺ ، فمن اجتهد في سلوك طريقهم فهو سلفي أيًّا ما كانت الجماعة التي ينتمي إليها.
يرتكز قِوام السلفية: على احترام هذا الجيل الإسلامي الفريد والاقتداء به، وتربية النفس والأجيال على تقديرهم وبيان فضلهم، ليس تنزيهًا لهم عن الخطأ بل استهداء بفهمهم وسيرٌ على خطاهم.
تسير السلفية: على خطا هؤلاء الأسلاف في ما اجمعوا عليه، وعلى اتباع منهجيتهم في التلقي ومصادر الاستدلال وكيفيته وفي مسالك التعبد والأخلاق؛ فهم أَوْلى الناس بالحق فلن يخرج الحق عن قولهم إن أجمعوا، ولا عن أقوالهم إن اختلفوا.
تعظِّم السلفية من شأن النص الشرعي -كتابًا وسنة صحيحة- وتجعله هو الأصل الذي تعتمده وتستهدي به، لا ترد أي نص صحيح لذوق أو هوى أو معقول أو مصلحة ولا تضع أمامه عراقيل القيود والشروط، بل تنقاد إليه وتسلم له حين يتبين أنه مراد اللَّه ومراد رسوله ﷺ ؛ فالنص هادٍ ودليل تتبعه النفوس، وليس تابعًا ومنقادًا يسير خلف ما تريد النفوس والقراءات المختلفة منه.
تؤمن السلفية: بشمولية الإسلام في العبادات والأخلاق والمعاملات وشوؤن الحياة كلها، شمولًا يضم الفرد والمجتمع، الحاكم والمحكوم والحكم، الدنيا والآخرة، المصالح العاجلة والأجلة، رؤية متكاملة لما يسعد المسلم في دينه ودنياه.
стр. 89
تشهر السلفية بوضوح تام ضرورة إخلاص العبادة للَّه -تعالى- وأولوية تطهير النفوس من الخرافات والمعتقدات الفاسدة والبدع المحدَثَة التي تخالف ما كان عليه الصحابة وتابعوهم.
هذه هي الأصول العامة للسلفية، فهي منهج ورؤية مَنِ التزم بها ودعا إليها واجتهد في تحقيقها فهو سلفي أيًّا ما كان، وعلى أي جماعة سياسية سلك، ومن خالف أصولها خرج عن السلفية.
إذن: ما معنى أن تكون السلفية منهجًا لا جماعة؟
١ - أنه ليس ثَمَّ ناطق أو ممثل للسلفية يعبِّر عن رأيها ومنهجها؛ بحيث يكون من خالفه فهو مخالف للسلفية ومن وافقه فهو موافق للسلفية، لا يوجد شخص ولا جماعة ولا حزب كذلك؛ فهي منهجية استدلال تحاكم الأفراد والجماعات ولا تحاكَم هي إلى أحد؛ فليس ثَمَّ جماعة تمثل السلفية وإنما يوجد أفراد وجماعات ينتسبون إلى السلفية ويسعون لتحقيق منهج السلف. فلا يمكن اختزال السلفية في جماعة محددة ولا في قضايا معيَّنة، وهذا ما يفسر لك التباين الشديد بين الجماعات المنتسبة إلى السلفية في كثير من الوقائع؛ حتى إنك لتجد التعامل مع الأنظمة السياسية المعاصرة يختلف من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال في رؤية بعض الجماعات التي تنتسب إلى السلفية، فهذا التنافر التام والاختلاف الجذري يثبت أن السلفية ليست جماعة محددة؛ وإنما منهج ورؤية قد يحسن المسلم تطبيقها وقد يسيء فهمها فيقع في الخطأ والانحراف.
٢ - أن مجرد الانتساب إلى السلفية لا يكفي لأن يكون الشخص سلفيًا، وكون الشخص لا يتسمى بالسلفية لا يخرجه ذلك عن السلفية؛ لأنها ليست
стр. 90
جماعة تقتصر على أفرادها المنتسبين إليها، ويكتفي الشخص بمجرد الانتساب إليها، بل هي منهج ورؤية تقوم على اقتناع بضرورة معرفة وتطبيق منهج الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان.
٣ - أن وقوع بعض المنتسبين إلى السلفية في بعضر الأخطاء لا يجوز أن ينسب إلى السلفية، وإنما تنسب الأقوال والأفعال الى قائلها أو إلى الجماعة التي تقررها، وحينئذٍ فالنقد الإعلامي الذي يوجَّه الى السلفية بشكل عام هو نقد مأزوم غير موضوعي؛ لأن الناقد يقصد شخصًا معينًا أو فئة محددة ويتكلم بخطاب عام، ثم يكرر في كل مرة اعتذاره بأنه لا يقصد الجميع وإنما يقصد البعض، وسبب الحلط نشأ لديه من عدم تمييزه من كون السلفية منهجًا لا جماعة.
٤ - أن السلفية لا تعني الاتفاق على المسائل الففهية الخلافية أو المواقف السياسية المبنية على تقدير المصالح والمفاسد، فاتفاتهم على الأصل الكلي والمنهج العام لا يؤدي بالضرورة الى اتفاتهم في الفروع والتفاصيل، وقد كان السلف الصالح يختلفون كثيرًا في المسائل الفقهية وفي تقديرهم للمصالح والمفاسد، ولم يكن هذا سببًا للطعن في أحد منهم ما دام أنه مستمسك بالأصول والمنهج الكلي، بل هذا دليل على ثراء المنهج السلفي وتنوعه.
٥ - أن الأخطاء التي يقع فيها الشخص لا تخرجه عن السلفية ما دام أنه ملتزم بها ومستمسك بأصولها ومجتهد في تطبيقها ومراعاتها في الواقع، اللهم إلا أن يخالف أصلًا كليًا من أصول السُّنة أو تكثر مخالفته وتطَّرد في عدد من القضايا الجزئية بما يصل حد الانحراف في الأصل الكلي (١)، مع أهمية التأكيد على أن هذا حكم على الوصف
стр. 91
لا العين؛ إذ في الحكم على أعيان الأشخاص من الضوابط ما يقتضي شديد التورع والاحتياط فيه.
٦ - وكون السلفية منهجًا لا جماعة يعني بداهة أن المنتسبين للسلفية هم قِطاع واسع جدًا من العالم العربي والإسلامي، بل هم الأصل في عموم المسلمين؛ فالأصل في المسلم أن يتبع الدليل ويسير خلفه بمنهجية فهم الصحابة، ومن شذ عنه فهو المخالف؛ فالسلفية هي القاعدة والأصل وليس الاستثناء؛ فمحاولة تقزيمها في جماعة محددة أو اختزالها في قضايا معينة هو جهل من بعض الناس أو أسلوب ماكر من بعض المنحرفين لمآرب لا تخفى.
٧ - وكون السلفية منهجًا لا جماعة لا يعني أن كل الاجتهادات والتفسيرات مقبولة ومعتبَرة في المنهج السلفي؛ فالسلفية منهج له أصوله وثَمَّ مساحة واسعة للاجتهاد في محيطه، فسعة منهجه وثراء مقولاته لا تؤدي إلى النسبية المطلقة وغياب الحدود الفاصلة التي تكشف الاجتهادات المقبولة داخل المنهج السلفي والاجتهادات المخالفة له.
٨ - أن النقد الموجه للسلفية يجب أن يفرِّق فيه بين النقد الموجه للمنهج السلفي والنقد الموجه للجماعات والأفراد المنتسبين للسلفية؛ فالثاني نقد مقبول ومعتبَر شريطة أن يكون عادلًا وأن يكون النقد لأفعال السلفيين لا إلى ذات السلفية، والسلفيون هم أَوُلى الناس بضرورة الوعي بأهمية الاستفادة من نصح الناس ونقدهم وتقويمهم حتى ولو بدر ممن يحمل مواقف عدائية أو بطريقة خاطئة فيستفاد من نقده ولن يضرهم قصده.
стр. 92
وهل سيتوقف الهجوم على السلفية حين تتميز (منهجًا) لا (جماعة)؟
بالتأكيد لا.
فإن اعتماد المنهج السلفي على (النص الشرعي) محورًا مركزيًا للانطلاق، وارتباطه بـ (السلف الصالح) في فهم هذا النص وتفسيره، يجعله المنهج الصحيح لفهم الإسلام وتطبيقه، وهو ما يجعل النفوس تهفو وتنجذب إليه؛ فالنفوس المسلمة متعطشة إلى الرجوع إلى هويتها ودينها وقيمها بفهمه الصحيح، فأكثرية الناس تبحث عما يريده اللَّه وتسأل عن المنهج والمسلك الذي ينجيها في الآخرة، وليسوا مهمومين بمنهجية (التكيف مع الواقع) و (تبرئة الإسلام من الشبهات) ومحاولة إقناع المسلمين (بصلاحية دينهم لكل زمان ومكان)، فأكثرية المسلمين ليسوا بحاجة إليها كثيرًا، وما هي إلا زيادة بصيرة ونور، وهذا (الوضوح) و (العمق) هو ما يجعل (المنهج السلفي) مخيفًا ومرعبًا لكثير من المنحرفين والزائغين الذين لن تتوقف مراجل الحَنَق في قلوبهم عن الغليان.
المنهج السلفي يربي في أتباعه خصائص الشموخ والعزة بالإسلام رسالة وحضارة، فشتان بين من (يقرأ النص ليعرف مراده ليسير على هديه) كما هي خاصية المنهج السلفي، وبين من يبحث عن (تحقيق مراده من خلال النص) كما هي خاصية كثير من المناهج العلمانية والتلفيقية.
وشتان بين من (يبحث في النص وهو يعتقد أن ثَمَّ معنى شرعيًا محددًا يريده اللَّه) وبين من يرى (أن الحقائق نسبية وأنه لا وجود لمن يمتلك الحقيقة المطلقة) كما هي حالة التيه التي تعبث بكثير من أهل هذا العصر.
стр. 93
وشتان بين من يضع (منهجًا محددًا وأصولًا واضحة في التعامل مع النص) وبين (يتقلب بين المناهج والأفكار بحسب كل واقعة).
وشتان بين من (يتخذ الصحابة والتابعين دليلًا بين يديه) وبين من (يسير خلف فلاسفة وضلال الشرق والغرب).
إنه منهج يتسم بالوضوح والاطراد، والتناسق والتماسك، وهو ما يجعل أثره عميقًا في نفوس المستمسكين به، ودوره فاعلًا في التأثير على المخالفين، وهو أيضًا أقدر المناهج على الدفاع عن أحكام الاسلام لأنه لا يسلم للمخالف بباطل يتوصلون من خلاله للطعن في الإسلام.
إن بعض المنحرفين يوجِّه سهامه إلى السلفية فينتقدها على أمور هي من صميم الإسلام، فهو ينتفد في الظاهر الجماعات السلفية لكنه في الحقيقة يطعن في ذات الإسلام، كمن ينتقدهم في أصل (الحجاب) أو (التوحيد) أو (الحكم الإسلامي) فهو في الحقيقة يطعن في الإسلام نفسه وإن زعم أنه يقصد الجماعات السلفية؛ فمن الخلل ونقص الحكمة أن يتعامل بعض الناس مع ظاهرة النقد هذه وكأنها موجَّهة إلى جماعة محددة، فمن المهم أن يستوعب الشخص الأسباب التي تدعو للنقد وحقيقة النقد حتى يدرك من خلالها، هل هو نقد لـ (جماعة) أم طعن في (منهج ورسالة)؟
стр. 94
بين الأصل والاستثناء
تأملوا معي -إخوتي وأخواتي- في النماذج التالية، وهي نماذج شائعة في أوساطنا الثقافية:
١ - إذا دخلت الزوجة في الإسلام، وما يزال زوجها باقٍ على كفره، فلا يجب عليها مفارقته لأن المحرَّم هو ابتداء النكاح مع الكافر وليس استمراره، والقول بخلافه سيؤدي إلى ترك المرأة للإسلام.
٢ - حرية الرأي مكفولة في النظام السياسي فمن حق أي أحد أن يعبِّر عن أي رأي، مهما كان ما دام أنه لم يعتدِ فيه على أحد لأننا لا نستطيع أن نمنع الآراء، ولو أردنا المنع فالخاسر هم الإسلاميون.
٣ - الحجاب ليس واجبًا على المرأة لأنَّه يسبب لها عددًا من المضايقات والاعتداءات المختلفة.
ستلاحظون معي وجود فجوة منهجية ظاهرة في سياقات هذه النماذج.
стр. 95
هي أن الشخص يخلط بين الحكم الشرعي في حال (الاختيار والسعة والقدرة) والحكم الشرعي في حال (الضرورة والحرج أو عدم الاستطاعة) فيتحدث عن الحكم الشرعي في حال الاختيار، ويستدل لذلك بأحوال الضرورة، فيتعامل معها على أنها درجة واحدة، بينما هما في الحقيقة درجتان متباينتان ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
إنها ظاهرة الخلط بين (الأصل) و (الاستثناء)، تتشابك معها القضايا في ذهن المتحدث فيُدخِل في أحكام الشريعة أمورًا ويبرهن عليها ويكون دليله على ذلك النظر في حالات الضرورة. والمنهجية الصحيحة أن يقرر أولًا الحكم الشرعي الأصلي الذي يريده اللَّه ويريده النبي ﷺ ثم يتحدث بعدها عما يطرأ في الواقع من حالات ضرورة أو حاجة معيَّنة تعطي نوعًا من الاستثناء للحكم، لا أن تتداخل فلا يعلم القارئ هل هو أمام حكم (استثنائي خاص) أم حكم (شرعي دائم)؟
فحين يتكلم الشخص أو يؤلف عن (الحريات في الدولة الإسلامية) فيجب عليه أولًا أن يوضح حدود الحريات في الشريعة بحسب دلائل الشريعة وأحكامها، ثم يقرر كيفية تطبيق ذلك في الواقع لا أن يكون الواقع هو الذي يفرض عليه الحكم، ويكون دوره بعدها هو في تتبع الشواهد والنصوص المساندة.
هل معنى هذا أن لا يكون للواقع أي تأثير على الحكم؟
لا. . . قطعًا، فحين يجد الباحث أن هذا القول لا يمكن تطبيقه في الواقع فيجب الاجتهاد وبذل الوسع في اختيار الموقف المناسب، فيكون ثَمَّ درجتان في
стр. 96
النظر، نظر في الحكم الشرعي ابتداءً، ونظر في حالات استثنائية طارئة للحكم.
إن حال من يخلط بينهما كحال من يُسأل عن حكم السجود للأصنام؟ فيقول: جائز؛ لأن عدم سجودك سيؤدي بك إلى الهلاك! أو يقول عن شرب الخمر: إنه مباح؛ لأن من لم يتداوَ به فسيموت! أو يكتب: إن سرقة الماء جائزة لئلا تموت عطشًا! فعلى منوال هذه الأمثلة الظريفة تتضح إشكالية دمج الأصل والاستثناء في حالة واحدة.
وأكثر ما تكون هذه الظاهرة حضورًا في موضوعات (النظام السياسي)؛ حيث يقف بصرك متحيرًا أمام بعض التقريرات الفقهية، فلا تدري هل الحكم فيها متعلق ببيان الحكم الشرعي ابتداءً أم هو حالة ضرورة؟ لأن الباحث يبدأ فيها بذكر الحكم، ثم يسوق الدلائل والبراهين المتعلقة بالضرورات!
ومن الأمثلة الواضحة هنا: أن من ينظر في فلسفة الحريات في الإسلام فسيجد أن حرية نشر الكفر والضلال لا يمكن أن تكون مكفولة في النظام السياسي، وهو قول خارج عن التفكير الفقهي بتاتًا؛ بل قد قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيه: (وإظهار الطعن في الدين لا يجوز للإِمام أن يعاهدهم مع وجوده منهم، أعني مع كونهم ممكنين من فعله إذا أرادوا. وهذا مما أجمع المسلمون عليه، ولهذا بعضهم يعاقِبون على فعله بالتعزير. وأكثرهم يعاقِبون عليه بالقتل، وهو مما لا يشك فيه مسلم، ومن شك فيه فقد خلع رِبقة الإِيلام من عنقه) (١).
فالقول بترك أهل الذمة يطعنون في الدين يعتبر ردَّة عن الإسلام في نظر شيخ الإسلام ابن تيمية، وما علم ﵀ أن هذا القول سيصبح في
стр. 97
زماننا رأيًا فقهيًا يُستَدَل له بنصوص الكتاب والسنة، والحجة الثابتة هي عدم الاستطاعة (١).
ما المشكلة في هذا؟
هب أنهم خلطوا بين (الأصل) و (الضرورة) في بيان الأحكام الشرعية فكان ماذا؟
في هذا إشكالات عدة:
الأول: تحريف المفاهيم الشرعية؛ فالضرورة حالة استثنائية في واقعة معينة وليست هي الحكم الشرعي ابتداء، وحين يخلط الشخص بينهما فإنه يمارس تحريفًا للشريعة فيقرر من الشريعة ما ليس منها، ويتقوَّل على اللَّه بلا علم ويُخشَى عليه من الدخول في قوله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
الثاني: تغيير مسار الإصلاح، فبدلًا من قيام المصلح الإسلامي بمهمة تحريك الناس ودفعهم نحو سيادة الشريعة التي يصلح بها شأن دينهم ودنياهم، ينقلب الحال ليكون الدور قائمًا على محاولة تخريج الشريعة وإدراجها ضمن الواقع المتاح، فيكون الحاكم في قضايانا هو (الممكن والمتاح) وليس (مرجعية الشريعة).
فحين تسود مفاهيم (الضرورة) و (الاستثناء) حتى تكون لدى الناس هي
стр. 98
المفاهيم الشرعية الثابتة ويبحث لها عما يجعلها هي الأصل؛ فإن هذه عملية انقلاب كاملة للمنهج الإسلامي.
الثالث: مخالفة فقه الضرورات، القائم على التأكد أولًا من وجود الضرورة والاستثناء، وبعدها يكون حا لها على منهجية (الضرورات تقدَّر بقدرها)، فتكون خاصة في المكان أو الزمان المعينين، ومن ثَمَّ فلن تعمم على جميع المجتمعات، ولن تبقى دائمًا، بل لا بد من إصلاح الوضع لإزالة هذا الحكم الاستثنائي.
الرابع: إضافة مفاهيم ومعان جديدة إلى الشريعة؛ لأن الشخص يعامل الضرورات كالأحكام الثابتة فيدرج مفاهيم الضرورة لتكون جزءًا من أحكام الشريعة ومقاصدها، فيُدخِل في نسيج الفقه الإسلامي أحكامًا لم تكن معروفة من قبل؛ لأنها روعيت في حالة الضرورة حتى أصبحت أصلًا، ومن آثار هذا أن أصبح بعض المفكرين الإسلاميين حين يفسر بعض الآيات القرآنية يعرض معناها على قولين، قول كافة المتقدمين في مقابل قول بعض المعاصرين! فأصبح ثمَّ تغيُّر وتحوُّل في المفاهيم الشرعية، حتى أصبحت الشريعة مفرَّغة من أي إلزام أو منع أو إكراه لا ترضى عنه الحريات المعاصرة، ولو رجعت بالقراءة قليلًا (قرنًا أو قرنين) فإنك ستلحظ أن مثل هذه التفسيرات معدومة تمامًا في أي مواقع فقهية سابقة؛ لأنها باختصار مفاهيم دخلت من بوابة الضرورة فصارت جزءًا من نسيج الفقه الإسلامي.
هل هذا يعني أن يتمسك الشخص بالأصل دائمًا ولا يلتفت للمتغيرات المعاصرة؟
كلا، فالمتغيرات الهائلة والنوازل المتلاحقة تتطلب اجتهادًا وبحثًا ودراسة
стр. 99
متتابعة، تراعي الأحوال وتضع لكل حالة حكمها المناسب، وإذا كان من يخلط بين الأصل والاستثناء مخطئًا لكونه سحب أحكام الضرورة حتى صارت هي الأصل، فإن من يترك واجب الاجتهاد في الوقائع المتجددة مخطئ أيضًا لأنه لم يحكم في القضية بحكمها الشرعي الصحيح.
إن الأحكام الشرعية أمانة في عنق كل من ينطق بها، والهم الأول الذي يجب أن يكون نصب عينيه هو في الوصول إلى الأحكام الشرعية التي يريدها اللَّه، وأن يجتهد غاية الاجتهاد في تحديد حكم الشريعة ليعرف كيف يجيب اللَّه عنها يوم يلقاه، وكل صعوبات الواقع وإحباطاته وإحراجات المخالفين وضغوط القوى المختلفة وكافة هذه الإشكالات لا يجوز أن تكون سببًا للتهاون أو التخفف من المعايير العلمية والمنهجية لتحرير الأحكام الشرعية؛ فالواجب بيان الحكم الشرعي تحديدًا، وأما مجريات الواقع وتوقعاته فهي بيد اللَّه يقلِّبها كيف يشاء.
стр. 100
بين صورتين
صورتان مختلفتان تكشفان عن حالة تثير الدهشة:
الصورة الأولى: يظهر فيها (سعيد بن المسيب والشعبي وسفيان والأوزاعي وأحمد ومالك والشافعي وأبو حنيفة وبقية أئمة الإسلام الكبار)، يخافون من الشبهات ويحذِّرون منها ويخشون من آثارها في مشهد عريض أثمر تراثًا ضخمًا من الأقوال والمواقف، تتفاوت في ما بينها لكنها تتفق على أصل (التحذير من الشبهات والابتعاد عنها).
الصورة الثانية: يتحرك فيها كثير من المعاصرين، يتواصون فيها على البحث والاستغراق في الكتب والبرامج والحوارات المتخصصة في إثارة الشبهات وتحريك المسلَّمات، يشعرون بقدر من الارتياح على حالة التميُّز والانفتاح على الثقافات والرؤى المختلفة، لا يحفظ كثير منهم القرآن ولم يطلع جيدًا على نصوص السنَّة، وثقافتهم -في الجملة- محدودة في علوم الشريعة، ولعل ما لديهم في عدد من الأبواب الشرعية قد غرف من الأوعية المتخصصة في جمع الشبهات.
стр. 101
فيا لها من مفارقة: (الإمام المتبحر في أصول الشريعة وفروعها) يخاف من الشبهات ويحذر منها و (الشاب محدود الإطلاع على علوم الشريعة) يقدم على الشبهات ويغرف منها ولا يفهم سبب التخوُّف من مثلها خاصة مع قدرته على التمييز واختيار الأصلح.
لا أظن أننا بحاجة للمفاضلة بين الصورتين؛ إنما الذي نريد أن نتمعَّن فيه ونكثر التأمل وإدارة الفكر حوله، هو: لماذا كان السلف يتحاشون من الشبهات؟ ما سر هذا الحذر والخشية والفرار من الشبهات وأهلها ومواردها؟
إن أدنى قراءة لأي كتاب موسوعي يجمع آثار السلف يكشف لنا عن جملة من الأسباب التي كانت وراء هذا الموقف الشرعي من أولئك الأئمة، وهو يدل على أن خوفهم هذا كان قائمًا على وعي وفقه وعمق، فهو ترك واعٍ وليس مجرد تركٍ محض.
إن أول سبب يجب أن ننفيه هنا أن تكون خشية السلف من الشبهات بسبب (ضعفهم عن مواجهتها) أو (عدم قدرتهم على تفكيك إشكالياتها) أو (كونها جديدة عليهم وعلى معارفهم فلم يتمكنوا منها) أو أنه (راجع لطبيعة عصرهم وما توفَّر لديهم من معطيات محدودة)، فكلُّ هذا هواء وتخويف لا يستقرُ في عقل مَن سَبَر حال القوم أو اطلع على آثارهم، فإن الأئمة لما رأوا المصلحة في دخول معترك الشبهات ظهرت عبقرياتهم وقدراتهم البارعة في فهم الشبهة وتفكيكها وقلب طاولة الحجج على أصحابها، وانظر إن شئت لانتفاض الإمام الدارمي على الجهمية في (نقض عثمان بن سعيد) و (الرد على الجهمية) أو في الدلائل المهيبة في رد الأمام أحمد على الجهمية والزنادقة أو طالع محمد بن نصر المروزي
стр. 102
في تعظيم قدر الصلاة أو غيرها كثير.
إذن، لماذا كانوا يخافون من الشبهات ويحذرون منها ويشددون الموقف من أصحابها؟
أولًا: لتعظيمهم لكلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ ، فكانوا ينفرون وتشمئز نفوسهم من أي كلام أو رأي يتقدَّم بين يدي اللَّه ورسوله ﷺ ؛ فكأنهم يسمعون اللَّه ﷻ يقول لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]، فهذا إمام دار الهجرة يحدِّث عن النبي ﷺ فيعترض شخص فيقول: أرأيت لو كان كذا؟ فيقرأ عليه الإمام قوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ثم قال: (أفكلما جاء رجل أجدل من الآخر رُدَّ ما أنزل جبريل على محمد ﷺ ؟) (١).
وحين يستمتع بعض الناس لسماع بعض الشبهات أو تتبع مجالس أصحابها فإنَّ الفضيل بن عياض لا يراها إلا خوضًا في آيات اللَّه فيقول: (لا تجادلوا أهل الخصومات فإِنهم يخوضون في آيات اللَّه) (٢). ولعله كان يستشعر فَرَقًا قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨].
ثانيًا: لرسوخ يقينهم وقطعهم بأنهم على الحق والصراط المستقيم باتباعهم لمنهج الكتاب والسنة الذي أخذوه عن علمائهم عن صحابة النبي ﷺ ؛ فالطريق واضح أمامهم، فلن يضل الصحابة وجمهور التابعين والأسلاف من بعدهم في قضايا الإيمان والاعتقاد ثم يعثر عليه مغمور قد جاء بعدهم بقرون.
فهذا الإمام الحسن البصري يأتيه رجل فقال: أربد أن أخاصمك، فقال:
стр. 103
(إليك عني فإني قد عزمت ديني وإنما يخاصمك الشاك في دينه) (١).
إنه تفسير عميق لحقيقة كثير من المبتلين بالشبهات؛ فضعف يقينهم بأصولهم وثوابتهم هو الذي دفعهم للبحث يمنة ويسرة عن الأجوبة التي تمسك اليقين في قلوبهم، فكانوا مندفعين للاطلاع على الأفكار والرؤى الأخرى لعل الانسان يجد فيها ما هو خير مما لديه، ويبقى الانسان بهذا في حال شكٍّ دائم وحَيرة مستمرَّة؛ فكلُّ شيء قابل لأن يوجد ما هو خير منه، وهذا ما يجعل ثَمّ ترابطًا وثيقًا بين (تتبُّع الخصومات) وبين (التحول والانقلاب) وهو ما نبَّه عليه السلف قديمًا، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التحول (٢).
وقال عمرو بن قيس: قلت للحكم بن عتبية: ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال: الخصومات (٣).
ثالثًا: لأنهم كانوا مدركين لحقيقة الشبهات، فهي ليست مجرد معلومات يطلع عليها الانسان ثم يقبلها إن شاء ويتركها إن شاء، بل قد تَعْلَق بقلب الانسان وهو كاره لها فتؤدي إلى هلاكه؛ فعن مجاهد قيل لابن عمر: إن نجدة يقول كذا وكذا فجعل لا يسمع منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء (٤).
ودخل رجلان على محمد بن سيرين من أهل الأهواء فقالا يا أبا بكر نحدثك بحديث؛ فقال لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب اللَّه؟ قال: تقومان عني أو قمت؟
стр. 104
فخرجا فقال بعضهم: ما كان عليك أن يقرأ آية؟ فقال: إني كرهت أن يقرأ آية فيحرفانها فيقع ذلك في قلبي (١).
وقال عبد الرزاق: إن القلب ضعيف وإن الدين ليس لمن غلب (٢).
وأدخل ابن طاووس أصبعيه في أذنيه لما سمع أحدهم، وقال لابنه: ادخل أصبعيك في أذنيك واشدد لا تسمع من كلامه شيئًا قال معمر: يعني إن القلب ضعيف (٣).
فموضوع الشبهات ليس معادلة رياضية قائمة على القدرة على نقضها أو الانهزام أمامها، بل لها تعلق وثيق بما في قلب المسلم من خضوع وتعظيم وانقياد للشرع؛ لأجل ذلك جاء الامتنان بالهداية كثيرًا في القرآن: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١].
واستشعار هذا المعنى يجعل المسلم يلتجئ إلى اللَّه أن يعصمه ويحفظه ويثبت قلبه، ولا يتعامل مع الشبهات على اعتبارها معلومات يستطيع الإجابة عنها، وانظر إلى جانب مشرق في هذا الفقه عند محمد بن النضر الحارثي حين يقول: (من أصغى سمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم أنه صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووُكل إلى نفسه) (٤).
ومن فقههم هنا: أن الشبهة إذا دخلت القلب فإن المبتلى بها لا يرجع عنها،
стр. 105
لأنه يراها هي الحق والصراط المستقيم، فيستمر فيها، ولأجل هذا قال سفيان: البدعة لا يتاب منها (١).
وكيف يتوب منها وهو لا يقبل فيها نصحًا ولا وعظًا ولا إنكارًا، بل يستنكر ويستغرب ممن ينكر عليه.
رابعًا: لأنهم كانوا ينصحون ويريدون الخير لهذه الأمة ويكرهون لها كلَّ ما يضرُّها في دينها ودنياها، ويعلمون أن أكثر الناس لا يستطيعون التمييز بين الشبهات فمن الأمانة والمسؤولية عليهم لأنهم حملة هذه الشريعة أن يحذروا وينصحوا قال قتادة: إن الرجل إذا ابتدع بدعة ينبغي لها أن تذكر حتى تحذر (٢).
خاصة أن أصحاب الاهواء يستدلون كثيرًا بالقرآن و (القرآن مهيب جدًا، فإِن جادل به منافق على باطل أحاله حقًا، وصار مظنة للاتباع على تأويل ذلك المجادل) (٣) فكان من نصحهم أن حذروا من جدال المنافق بالقرآن كما ورد عن عددٍ من صحابة النبي ﷺ .
خامسًا: لأنهم كانوا أهل جِدٍّ في الحياة، يبحثون عن العمل والطاعة والعبادة وما فيه نفع في الدين والدنيا، وأما الكلام في ما لا ثمرة له فكان مذمومًا ممقوتًا، قال جعفر بن محمد: إياكم والخصومات في الدين فإِنها تشغل القلب وتورث النفاق (٤).
стр. 106
وقال مالك: الكلام في الدين أكرهه كله ولا أحب الكلام إلا ما تحته عمل (١).
هذا تلمُّس لمحاولة استخراج بعض ما في هذا الموقف من فقه وحكمة، وإن كنتُ أعترف أنني ما زلت بعيدًا عن الغوص في أغوار هذا الفقه العميق.
طبعًا، لا يمكن أن ينتهي هذا الكلام إلا ويأتيه الاعتراض المشهور: (هذه دعوة إلى الانغلاق، فيحرم الإنسان نفسه من الانفتاح على المعارف والاستفادة من الثورة المعلوماتية الهائلة، كما أن صورة الانغلاق غير ممكنة في مثل هذا العصر).
كلا، فبإمكان المسلم أن ينفتح ويستفيد من المجالات المتعددة في الاقتصاد والسياسة والإدارة والتربية والثقافة والإبداع والقانون والتاريخ والأدب وكافة العلوم التجريبية. . . إلخ، ولا حاجة لأن ينفتح فيفتح قلبه لتيار الشبهات ليفسده ويظلمه، كما أن حالة الانفتاح لا تؤدي ضرورة إلى كسر خاصية الشموخ والاعتزاز بالأصول والثوابت لدى الشاب المسلم.
стр. 107
أسلمة العلمانية
ساعدني -أيها القارئ الكريم- لتخطِّي التفاصيل الكثيرة التي تثيرها مفردة (الأسلمة) , وامتع بصرك معي بالمعني الجميل الذي يبهر الناظرين في جمالية هذه الأسلمة, ما أروع انجذاب النفوس الي دينها وحرصها الشديد علي انسجام حياتها مع ما يريده اللَّه منها, حضوره العميق يجعل اي سلوك او منتج مخالف للدين سببًا لإثارة الوخز والتأنيب الذي يشتعل في الضمائر فلا يتوقف الا بإصلاح هذا السلوك, وهو ما أحيا أي مشاريع تسعي للأسلمة مهما كان اختلافنا في تقويمها.
لم تقف ظاهرة الأسلمة علي البحث في مشروعية بعض المنتجات والمتغيرات المعاصرة, بل شملت حتي الأفكار والاتجاهات المنحرفة, فالصوت الفكري الذي كان يقدم نفسة ندًّا للخطاب الإسلامي ويسلك في مسار معاكس للرؤية الدينية رجع صداه ليبحث في التراث والنصوص والأقوال الإسلامية عما يسند اتجاهاته لتكون مقبولة لدي الناس, فشملتهم ظاهرة الأسلمة في من شملت, فلله درُّ المسلمين أي عظمة للإسلام تسكن في أهداب نفوسهم.
стр. 108
المثير للانتباه: أن ظاهرة الأسلمة شملت حتى الفكرة العَلمانية ذاتها؛ فالفكر العلماني الذي نشأ منابذًا للخيار الإسلامي -تحديدًا- ما دار عليه الزمان حتى صار العلمانيون يقدِّمون أنفسهم مجتهدين في فهم النص الشرعي ومستمسكين بتفسير من تفسيراته ومعتمدين على أقوال المذاهب وفتاوى العلماء. ومعتضدين بمقاصد الشاطبي ومصلحة الطوفي والتصرفات عند القرافي وظاهرية ابن حزم واجتهادات عمر بن الخطاب. . .!
يعني هذا: أن جمال هذه الأسلمة يجب أن لا يخدع العين عن إبصار أشكال التحريف التي تأتي على الأحكام الشرعية في ثناياها، بغضِّ النظر عن الدوافع النبيلة التي قد تحركها.
أسلمة العلمانية تأتي على مستويين:
مستوى العلمانية المتطرفة: التي تحتفظ بموقف عدائي تجاه الدين وتشمئزُّ من كافة مظاهر للتدين، فهذه علمانية مكشوفة وغير جذابة، ومحاولة أسلمتها بجعلها غير معادية للإسلام عملية استهلاك رخيصة لا تتجاوز في تأثيرها حدود مساحة التصوير التي تتحرك فيها.
مستوى العلمانية الأقل تطرُّفًا: وهي التي تتفهَّم وجود الدين، وتؤمن بضرورة مراعاته مكونًا للمجتمع في ما دون مستوى القانون والإلزام، فهو موجود كخيار شخصي وقيم محفزة نحو العمل والتنمية لكنه مقصى تمامًا عن التأثير على القوانين أو الحريات أو تقديم أي تفسير لها.
هذه الدرجة العَلمانية هي المفهوم الخطر الذي تسرَّبت مفاهيمه لدى بعض
стр. 109
الناس من دون أن يشعر، حتى جاءت بعض المحاولات والتفسيرات التي تسعى لأن توفِّق بين هذا المفهوم والمفهوم السياسي الإسلامي، فاندفعت عدد من التفسيرات المختلفة التي تسعى لتقديم النظام السياسي الإسلامي بكيفية متلائمة مع هذا التصوُّر العلماني، ومن هذه التصوُّرات المؤسلمة للعلمانية:
التصور الأول: أن النظام السياسي في الإسلام جاء بمبادئ وكليات عامة ولم يأت بأحكام وتشريعات محددة؛ فالواجب هو تطبيق المبادئ العامة من العدل والحرية والشورى والمساواة وأما كيفية ذلك فهذا مما يُختَلَف في تقديره كلَّ عصر.
وهذا تصوُّر لذيذ جدًا للفكرة العلمانية لأن مشكلتهم مع بعض الأحكام والتفصيلات الشرعية، وأما المبادئ والكليات فمن خاصيتها أنها واسعة ومرنة يمكن الدخول والخروج منها بكل اطمئنان، وحين نقول: إن الإسلام جاء بمبادئ ولم يأت بتشريعات فنهاية هذا الكلام أن الإسلام لم يأت في النظام السياسي بشيء يذكر؛ لأن هذه الكليات موجودة عند كل الأمم والحضارات، لا يوجد أحد في الدنيا لا يأخذ بهذه المبادئ، غير أن لكل ثقافة تفاصيلها ومحدداتها لهذه المفاهيم، وحين نلغي الأحكام الشرعية المفصَّلة لهذه المبادئ فإننا في الحقيقة قد ألغينا الحكم الإسلامي؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتباع لما أنزل اللَّه فهو كافر) (١)؛ لأنه في الحقيقة لم يأخذ من الإسلام بشيء فالكليات معنى ذهني تجريدي لا يقوم بدون تفصيلات وتفريعات.
يقولون نأخذ بـ (الكليات دون الجزئيات) وبـ (الأصول دون الفروع) أو بـ (المبادئ
стр. 110
دون التشريعات) وبـ (المقاصد دون الوسائل). . . كلَّها صيغ مختلفة لإشكالية واحدة، إشكالية إبعاد بعض الأحكام الشرعية عن التأثير، وحين تبتعد الفروع والجزئيات فإن الكليات والمقاصد التي يؤتى بها تكون مقاصد وكليات أخرى ليس هي الكليات والمقاصد الشرعية؛ فالمقصد الشرعي والكلِّي الشرعي معتمد ومفسَّر بجزئياته وفروعه الشرعية (١).
لا تقل: هذا حكم جزئي أو ظنِّي أو مختلف فيه، فأبدًا -واللَّه- لا يمكن أن يهون في قلب مسلم إبعاد أو تحريف أي حكم شرعي لأي سبب كان وهو يقرأ قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
التصور الثانى: أن النظام السياسي في عصر الإسلام كان يقوم على رابطة دينية مرتبطة بظرف ذلك الزمان، وقد تغير هذا الوضع في عصرنا فأصبحت الرابطة التي تجمع أفراد الناس هي الرابطة الوطنية لا الدينية، وحينئذٍ فكافة الأحكام الشرعية المتعلقة بالجانب السياسي هي أحكام تاريخية، ومعها سيتم التخلُّص من إشكالية حضور الدين في النظام السياسي.
وحين نمسك خيوط لوازم هذا القول فلن نصل إلى نهايتها إلا بعد أن نكون قد نكثنا الغزل عن رسالة الإسلام بالكليَّة؛ لأن بإمكان أي أحد أن يلغي أي حكم شرعي أراد بسبب أن هذا الحكم كان مرتبطًا بظرف زمني قد انتهى، بل حتى الصلاة والزكاة والصيام والحج يمكن أن يقال: إنها عبادات نشأت في ظرف زمني كان