← Общие книги

Общие книги · id 14435

معركة النص

فهد العجلان

Полный текст (285 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حديث آحاد، أو ليس سنة تشريعية، أو كان لظرف زمني معين. . . إلخ، وهكذا يدخل في منهجيات مضطربة حتى يستقيم له إسكان هذا الفرع الفقهي الدخيل؛ فهل من منهجك أن ترفض الحديث الآحاد؟ وما هي السنة التشريعية من غير التشريعية لديك؟ وما هي المتغيرات التي تؤثر في الحكم؟ إنها أسئلة منهجية لن تجد لها جوابًا محررًا لأن هذا القول لم يخرج من منهج فقهي أساسًا. إنها (الحلقة المفقودة) في كثير من القضايا المعاصرة، تضع يدك عليها حين تبحث عن المنهج وآلية التفكير التي يسير عليه الإنسان في القضايا الخلافية والظنية، وفي منهجية ومستندات الأقوال التي يتبناها، وربما تُصدَم حين تجد الحلقة المفقودة التي وضعت يدك عليها هي المنهج ذاته؛ حيث إن الأمر كثيرًا ما يكون بمنهج مضطرب أو بلا منهج وطريق واضح من الأساس.

стр. 142

مركز البيان للبحوث والدراسات [١٧١] معركة النص «المجموعة الثانية» تأليف فهد بن صالح العجلان

стр. 143

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى (ح) مجلة البيان، ١٤٣٤ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر العجلان، فهد صالح معركة النص - المجموعة الثانية/ فهد صالح العجلان - الرياض، ١٤٣٤ هـ ص ١٤٦، ١٦.٥ × ٢٢ سم ردمك: ١ - ٢٦ - ٨١٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ ١ - العلمانية ٢ - الإسلام - دفع مطاعن ... أ. العنوان ديوي ٢٠١.١٦ ... ٢٧٩١/ ١٤٣٤ رقم الإيداع: ٢٧٩٣/ ١٤٣٤ ردمك: ٨ - ٢٧ - ٨١٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨

стр. 144

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 145

المقدمة بسم اللَّه، والحمد للَّه، وصلى اللَّه وسلم على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: راهن الخطاب العلماني في لحظةٍ زمنية خلت على أن المجتمعات الإسلامية ستسير في علاقتها مع الدين بذات المنحى التي سارت عليها المجتمعات الغربية، وأن تحييد الدين وإقصائه هو قدر هذه المجتمعات كما هي سنة التطور التي سبقتها إليه المجتمعات الغربية، غير أن الواقع قد أحدث صدمة عنيفة هزت مرتكزات العقل العلماني، إذ زاد تمسك المجتمعات بالإسلام، وقويت الحركات الإسلامية واتسع نطاق تأثيرها، وزاد تعطش الناس للدين ولشعائره ولتعلم أحكامه، وغدا الإسلاميون هم الرقم الأصعب في كل المجتمعات المسلمة اليوم، وأصبح أكثر العلمانيين تفاؤلًا يجزم بأن أي انتخابات في أي مجتمع ستكون نتيجتها محسومة سلفًا للإسلاميين. حفز هذا كثيرًا من العلمانيين على تغيير طريقة خطابهم وترتيب أوراقهم من جديد، فانتهت طريقة المصادمة الصريحة للنصوص الشرعية أو الاستخفاف

стр. 146

الصريح بأي حكم منها، واتجه النقد إلى فهم النص، والغلو في النص، وعدم إدراك المتغيرات، وإلى البحث عن مقاصد النصوص، وروح الشريعة، والغايات التي تسعى إليها، والمصالح الكبرى التي تحققها، وما عاد مستنكرًا أن تجد أشد الناس عداوة لأحكام الشريعة يقرر بكل ثقة: أنه لا يعارض الشريعة، بل إنه يسعى إلى حكم الشريعة وأنه أشد غيرة عليها من كثير من دعاتها. بسبب ذلك نشطت حركة البحث عن الأصول التراثية التي يمكن أن تكون مرجعية مقبولة لأي آراء حداثية معاصرة مخالفة للشريعة، فصارت الانحرافات المصادمة لقطعيات الشريعة تقدم من خلال الشاطبي والطوفي والعز بن عبد السلام وابن القيم وابن تيمية وعمر بن الخطاب! لم تكن هذه المنهجية المداهنة لترضي كل الأطراف العلمانية، فلئن ساهمت في تعميق الرؤى العلمانية وتخفيف الصدمات التي تواجهها، إلا أن ثم فئة رأت في هذه الطريقة سقوطًا أمام المد الإسلامي وانهزامًا أمام مقولاته (والأخطر من كل هذا والأكثر تدليلًا على تراجع الفكر العلماني عندنا، ما نشهده من محاولات حثيثة من قبل المفكرين العلمانيين لدعم موقفهم عن طريق اللجوء إلى القرآن والسنة، غير مدركين أنهم يقدمون بهذا أكبر التنازلات للحركات المناوئة للعلمانية) (١). تحدث أحدهم منتقدًا هذه الظاهرة: (إن الجمجمة في الكلام السالف واضحة جلية، فأكثرية المفكرين العرب المذكورين اتقوا هجوم الدينيين بتوجيه نقدهم إلى ما دعوه قشوره الدين أو لسوء استخدام الدين من قبل رجاله أو رجال السياسة، دونما الولوج مباشرة في أمور الدين نفسه) (٢).

стр. 147

ويهاجم المسلك العلماني الجديد بأن (استخدام الرموز الدينية لأغراض غير دينية أمر مشكوك بفاعليته، إذ أن مجالات تأويلاته الأخرى أوسع وأرحب وأكثر انغراسًا في الثقافة الدينية) (١). وتحدث بنبرة حزن عن آثار الحملة الواعية ضد الفكر العلماني (كانت لهذه الحملة على العلمانية عمومًا وعلى طه حسين وعلي عبد الرازق بوجه الخصوص نتائج كثيرة، كانت اثنتان منها على قدر كبير من الأهمية بالنسبة إلى موضوع كتابنا هذا، وهما ضمور الإصلاحية الإسلامية وجمودها على بعض لحظات بدايتها والتأكل الداخلي في مواقف بعض العلمانيين الليبراليين) (٢). هذا كله يضع المشروع الإسلامي للإصلاح في موضع قوة، ويضعه في موقع تحدٍ أيضًا، فهو قوة للمشروع الإسلامي حيث تخلى -غالبًا- خصوم المشروع الإسلامي عن المناكفة الصريحة لأحكام الإسلام وصاروا يقرون ظاهرًا بأحكام الإسلام، لكن هذه القوة في ضمنها تحدٍ كبير وعميق، حيث أصبحت بقية المشاريع المناهضة للمشروع الإسلامي تقدم نفسها -صدقًا أو نفاقًا- داعمة للمشروع الإسلامي، بما يتطلب ضرورة الاستمساك بالمشروع الإسلامي، مع ضرورة إبرازه وإظهار كافة أوجه التحريف التي تعبث بمساره، وهو تحدٍ مضاعف، فلئن كان المطلوب سابقًا أن تحشد الناس على دعم المشروع الإسلامي، فإن الواجب الآن هو حشدهم مع شرح حقيقة هذا المشروع ولماذا كان إسلاميًا دون غيره. ويزيد التحدي تعقيدًا واشتباكًا أن الواقع المعاصر في كثير من دول المسلمين لا يمكن من خلاله تطبيق كافة أحكام الإسلام أو يترتب على تطبيق بعض أحكامه

стр. 148

مفاسد عظيمة بما يتطلب تأجيل بعض الأحكام والسعي لتطبيق ما يمكن، وهو ميزان شرعي معتبر قائم على ميزان الاستطاعة والإمكان ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ومن الاستطاعة الشرعية المعتبرة أن لا يترتب على إزالة المنكر منكر أعظم. هذا الواقع دفع فئة من الناس إلى عدم اعتبار ميزان الاستطاعة، ولا النظر إلى المصالح والمفاسد، بما ينشأ عنه مواقف أو أحكام مخالفة قطعًا للإسلام يتم توظيفها للإساءة إلى أحكام الإسلام والدفع نحو تعميق مشاريع الانحراف. ودفع هذا الواقع فئة أخرى لتخلط بين الأصل والاستثناء، وما يراعى ابتداءً وما يراعى من أجل ظرف معين، فتحكم بمشروعية أي فعل ما دام أن الواقع الراهن يدفع باتجاهه ولو خالف أحكام الشريعة وقطعياتها، وتبحث في سبيل ذلك عن أي تأويل أو مخرج مناسب، ويتم من خلاله تحريف الشريعة والعبث ببعض أحكامها، حتى يجد نفسه في النهاية قد تبنى الرؤية العلمانية من حيث يظن أنه يسير في مناقضتها، وهو ما دفع سؤالًا مشروعًا يحرج بعض الإسلاميين عن الفرق الموضوعي بينهم وبين الرؤية العلمانية؟ فجاء حينها تقسيم العلمانية إلى علمانية متطرفة رافضة للدين لا يمكن التصالح معها، وعلمانية معتدلة محايدة ليس لدينا مشكلة كبيرة معها! زاد التحدي أيضًا أن مقولات العلمانيين وقوة إعلامهم وطبيعة المناخ الثقافي المعاصر أثر على بعض الإسلاميين فصار متشربًا لبعض أفكار العلمانيين ومقولاتهم، وصارت الأفكار العلمانية تتردد في أفواه أولئك الإسلاميين.

стр. 149

فالسعي إلى تأويل الحكم الشرعي بدلًا من رفضه، وطبيعة الواقع الذي قد يتعذر فيه تطبيق بعض أحكام الشريعة، وتسرب هذه المفاهيم إلى الإسلاميين، هي تحديات عميقة ومتجددة على المشروع الإسلامي، يجب أن تأخذ حقها بعلم وعدل، لأن المشروع الإسلامي يستمد قوته وعمقه في المجتمعات المسلمة من انطلاقه من الإسلام وأحكامه، وبقدر ما يبتعد عن ذلك بقدر ما يتخلى عن ميزته وخاصيته، فلا معنى لبقائه (مشروعًا إسلاميًا) وهو قد تخلى عنه، وهذا ما دفع بعض الإسلاميين ليطالب بإعادة التقسيم بدلًا من ثنائية إسلامي وغير إسلامي، إلى وطني وغير وطني، أو إصلاحي ومحافظ، ونحو هذه التقسيمات التي تترجم إشكالية تخلي بعض الإسلاميين عن ميزتهم الإسلامية فما عاد ثم معنى لاحتكارهم لاسمٍ ليس له أثر يذكر! وهذا المشهد يقتضي مزيد العناية بتعميق الأصول الشرعية، ودفع الإشكالات المثارة عليها، وتصحيح الرؤى المنحرفة عنها، وتبصير الناس بالحدود الفاصلة بين الاجتهاد السائغ في الشريعة الإسلامية والاجتهاد غير السائغ، وتحديد المنهجية الشرعية الواجبة في تلقي النص وفهمه والعمل به. ولأن أكثر الإشكالات والتأويلات المعاصرة تتجه نحو الأحكام الشرعية السياسية جاء عامة ما في هذه المشاركة المتواضعة في بحث عددٍ من القضايا السياسية راجيًا أن يكون في ذلك شيء من المساهمة في تعميق حاكمية الشريعة التي بها صلاح كافة شؤون العباد في فى دينهم وفى دنياهم. اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 150

مدخل التحريف المعاصر رأيته في أحد الحوارات حول بعض الأحكام الشرعية يكرر مرة بعد مرة (لا يمكن أن تقنع الناس بهذا)، وهذا (يقنع الناس بسهولة)، وهو (شيء مرفوض عند الناس). . يعيد هذه العبارات في سياق دعم القول الذي يميل إليه أو إضعاف الرأي المقابل. لفت نظري تكرار مضمون هذه الكلمة (لا يمكن أن تقنع الناس بهذا) فشدني إلى التفكير فيها: ما علاقة معرفة (الحكم الشرعي) بكيفية (إقناع الناس) به؟ إن هدف الحوار في الأحكام الشرعية أن تبحث عن الدلائل والبراهين التي تقطع من خلالها أو يغلب على ظنك أن هذا هو الحكم الشرعي، وأن هذا هو المعنى الأقرب لدلائل الكتاب والسنة، وأما إقناع الناس أو بعضهم بهذا الحكم فهو مرحلة تاليةٌ لمعرفة ما هو الحق، فالمطلوب أولًا أن تعرف ما هو الحكم ثم تأتي بعد ذلك الطرق والأساليب الإقناعية المناسبة.

стр. 151

مدخل التحريف المعاصر حين تكون مهمومًا بـ (كيفية الإقناع) في الوقت الذي لم تحرر فيه الحكم جيدًا، فإن الحكم حينها لن يكون تبعًا للدلائل والبراهين، بل سيكون متأثرًا بكيفية الإقناع، فيميل الشخص في اختياره إلى ما هو أسهل وأيسر في إقناع الناس وليس إلى ما هو أقرب إلى مقصود الشارع. يأتي هنا سؤال مشروع يعترض قائلًا: إن الحكم الشرعي لا يمكن أن يخالف العقل والمنطق الصحيح، فلو كان حكمًا شرعيًا حقًا لكان مقنعًا وعقلانيًا، ومجيء الحكم على غير ذلك دليل على وجود خلل. هذا السؤال يستحضر أن (اقتناع الناس) هو مساوٍ للعقل والمنطق، فما أقنعهم فهو دليل عقلي تام، وما لم يقنعهم فهو باطل، فيجعل وسيلة إقناع الناس هي من قبيل الأدلة العقلية التي لا تخالفها الشريعة، وهذا التصور فيه فجوات هائلة في فهم الدليل العقلي يتضح ذلك بسرد هذه المعاني المهمة: أولًا: أن إقناع الناس يتطلب مهارات ذاتية وقدرات فكرية تستطيع من خلالها إيصال الفكرة بوضوح وجلاء، وهذا أمر لا يتهيأ لكل أحد، فليس كل من يعرف الأحكام الشرعية متمكنًا من هذه المهارات ليستطيع إقناع الناس بجميع هذه الأحكام، فعدم القدرة على الإقناع يرجع في حالاتٍ كثيرة إلى نقصٍ في الأدوات وليس إلى خلل في الحكم. كما أن كثيرًا من الأحكام تتطلب علومًا إضافية يتمكن المسلم من خلالها من إقامة البراهين على مصلحة الحكم وفائدته، فمثلًا يستطيع عامة الناس بيان حكمة

стр. 152

الشريعة في حرمة الربا، لكن القدرة على إقناع الناس بتحريم جميع صور الربا تحتاج إلى معرفة اقتصادية لا يحسنها أكثر الناس، فعدم قدرتهم على إقناعنا بتحريم الربا راجع لنقص كفاءتهم، فليس من المنهج العقلي السوي أن يحذف المسلم بعض أحكام الربا لأنه لم يستطع إقناع الناس بها، ولك أن تسرح بذاكرتك فتسحب منها أمثلة كثيرة تحتاج في سبيل الإقناع بها إلى فهمٍ جيد لعدد من العلوم المعاصرة. ثانيًا: لا يلزم المسلم أن يُبلِّغ الأحكام الشرعية لجميع الناس في كل زمان ومكان، فمن يدخل في الإسلام حديثًا لن تبلغه بجميع الأحكام الشرعية؛ لأن هذا قد يكون سببًا في تنفيره من الإسلام، وحين تدعو كافرًا إلى الإسلام فليس من الحكمة أن تشرح له كثيرًا من تفاصيل أحكام الإسلام، فهذه أحكام شرعية ثابتة ولا إشكال فيها، لكن قد يأتيها زمان أو مكان أو حالة معينة تقتضي أن لا تظهر الحكم خشية من المفسدة، ولهذا قال الصحابي الفقيه عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (ما أنت بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) (١). وقال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب اللَّه ورسوله) (٢). فموضوع الإقناع تراعى فيه الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص، فهو حالة منفكة تمامًا عن تحديد الحكم الشرعي، فهو حكم شرعي ومع ذلك لن تستطيع إقناع فئةٍ من الناس به.

стр. 153

ثالثًا: أن اقتناع الناس ليس مرتبطًا بالدليل العقلي فقط، بل هو يتأثر بعوامل نفسية وبيئية كثيرة جدًا، فقد يعجز المصلح عن إقناعهم بالحكم نظرًا لتمكن هذه العوائق وليس بسبب خللٍ في الحكم. لهذا تجد أن رسالة النبي ﷺ بدلائلها وبراهينها القاطعة لم تكن مقنعة لكثيرٍ من الناس ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الفرقان: ٤١]، وأصبحت نظرات السخرية والتندر تلاحق أتباعه ﵊ ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠]. كما أنهم صاروا يعارضون القرآن ويضعون شروطًا كثيرة حتى يقتنعوا ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١]، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩١]، ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]. ومع ذلك فلم تحقق لهم الشريعة تلك الشروط التي يريدون. فاقتناع الناس تؤثر فيه أهواء وأمراض وشهوات وعادات كثيرة، فاستحضار ضرورة إقناعهم في حال تحرير الحكم الشرعي وبيانه يغبش عين المسلم عن إدراك هذه الحقيقة الناصعة. لهذا؛ فليس من واجب الدعوة ولا معيار نجاح الداعية أن يؤمن الناس أو يعملوا بالحكم أو يقتنعوا، وإنما هو البلاغ والنصح والبيان ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي

стр. 154

مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. رابعًا: أن اقتناع الناس يتأثر بشكل كبير بالرفق واللين والإحسان والمعروف، وهذه كلها معانٍ خارجة عن الحكم الشرعي، فقد يرفض بعض الناس قبول بعض الأحكام ثم يقبلونها بسبب حسن تعامل الداعية أو إحسان منه، وهذه كلها معانٍ لا تجعل الحكم حقًا ولا باطلًا، ومع ذلك جاءت بها الشريعة وحثت عليها؛ لأن لها تأثيرًا في إصلاح الناس، بما يجعلك تضع قاطعًا يفصل بين (الحكم) و (الاقتناع به). خامسًا: أن موافقة الشريعة للعقل لا تعني أن تكون كل أحكامها متفقة مع العقل عند جميع الناس، فقد يخفى على بعض الناس شيء من أحكامها، أو تحتاج لبحث أو سؤال أو نظرٍ أو وقت، فتعليق الحكم بموافقة عقل الإنسان هو ضعف تسليم لأمر اللَّه وأمر رسوله ﷺ لأن الإشكال حينها ليس مع (العقل)، بل مع رأي هذا الإنسان ومستواه العقلي، فالمقابلة حينها ليست بين (الشرع) و (العقل)، بل بين (الشرع) و (رأي هذا الإنسان)، هذا مع ما يظنه الإنسان هو العقل، فكيف إن كان متعلقًا بكيفية إقناع الناس فقط؟ إذن، لا بد أن يضع المسلم في فكره قاطعًا فاصلًا بين (معرفة الحكم) و (كيفية إقناع الناس) به، وأن قناعات الناس ليست هي الدليل العقلي، بل هي ترتبط بأمور كثيرة خارجة عنه، فلا يصح أن تدخل هذه العوامل في أساس الحكم فتحرفه وتعبث به.

стр. 155

ستقول لي: وما فائدة التأكيد على مثل هذا الكلام؟ في المشهد الثقافي المعاصر نماذج كثيرة لآراء مختلفة مال إليها بعض الناس، ليس بسبب براهينها بقدر كونها (أقرب) و (أسهل) في الخطاب الإعلامي. فحتى لا يثار موضوع (التمييز الطائفي) صار يقال: لا فرق بين المسلم وغيره في الأحكام السياسية! وحتى لا يزعجوك بـ (الحريات) تقول الحرية الدينية مكفولة مطلقًا ولو بالردة أو محادة الشريعة! وحتى تتجاوز إشكاليات بعض الناس مع تحكيم الشريعة تقول هو خيار الناس وسيادة الشعب! وهكذا، يشعر بعض الناس بارتياح ونشوة انتصار حين يتجاوز جميع الإشكالات التي يثيرها خصوم الإسلام، ويتوهم حينها أن هذا الخطاب أقنع وأقدر على نصرة الإسلام، وهو في الحقيقة تحريف وعبث بالإسلام وأحكامه، فدوري أن أقنعهم بأحكام الإسلام لا أن أضع لهم أحكامًا مقنعة أيًا ما كانت. خطابنا الإسلامي المعاصر يواجه إشكالية عميقة وضخمة في كيفية تقديم خطاب إسلامي مناسب مع عدم تجاوزٍ للأحكام الشرعية، لأنه في النهاية محاصر بترسانة إعلامية غربية معادية ومتربصة للعاملين للإسلام، تقف في ذيلها قوى ليبرالية وعلمانية أشد عداوة وتربصًا، إلى ركام عميق من التغريب والإبعاد عن هوية الأمة، وهذه كلها تحديات، يسلك كثير من الناس مسلك السلامة فيكتفي بتصوير الأحكام الشرعية بما لا يثير الثقافة الغربية وبما لا يزعج التيارات الليبرالية

стр. 156

والعلمانية، وهي طريقة وإن تظاهر أصحابها بالاجتهاد والعقل والتجديد إلا أنها -في الحقيقة- طريقة كسولة لا تتجاوز إعادة تسويق للمنتجات الغربية، بينما الاجتهاد والتحدي الحقيقي هو في المحافظة على الثوابت الشرعية والاستمساك بها وتقديم خطاب عقلاني مقنع في ظل جو يعاديه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. الإشكال العميق أن خطاب (الإقناع) صار -عند بعض الإسلاميين- إقناعًا يراعي المزاج المناسب للفضاء الإعلامي، فتجد بعض الإسلاميين يبدو في غاية الحرص أن لا يخدش أي حاجزٍ يزعجهم، ويسعى لتقريب الأحكام إلى أقرب مساحة ممكنة ترضيهم، ويجتهد غاية الاجتهاد في أن يقتصر على الخطاب المشترك وإن أتت المفاهيم الدينية نطق بها فلا يكاد يبين! فيستحضرون هذه (الشرذمة) المنافية لهوية الأمة وثقافتها وينسون عموم الناس وجماهير المتعلمين الذين ينتفعون ويتعلمون ويتأثرون ويميلون عادة إلى اتباع أي حكم ظهر لهم أنه هو حكم الشريعة، غير أن مراعاة أمزجة هذه (القلة) تكف أعين بعض المتحدثين عن استحضار عموم الناس وقت الخطاب. إن ثمّ تغيرات وضرورات في الواقع تقتضي عدم القدرة على تطبيق كل الأحكام الشرعية بما يستدعي التدرج في بعضها، وتأجيل بعضها، ومن المهم في هذه الجزئية أن لا يكون العجز عن بعض الأحكام سببًا لتحريف الحكم بالكلية مراعاة لخطاب الإقناع، كما يمارسه -للأسف- بعض الإسلاميين، فالشريعة حسب خطابهم تكفل حرية الرأي مطلقًا ولو صادمت أصول الإسلام! ولا إلزام في أحكام الشرع إلا برضا الناس واختيارهم؛ لأنه لا إكراه في الدين! ومن حق

стр. 157

المرأة أن تلبس ما تشاء!. . . إلى آخر أمثال هذه الأقوال الشائعة التي تراعي تقديم خطابٍ مقنع منسجم مع المزاج الإعلامي والسياسي، لكنها -وبكل وضوح- تفتري على اللَّه الكذب ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]. هل في كل هذا أى تهوين من أهمية إقناع الناس؟ كلا، بل يجب على دعاة الإسلام أن يفكروا كثيرًا في كيفية إقناع الناس، ويجتهدوا غاية الاجتهاد في تحديد المداخل المؤثرة في إقناع الناس بالحكم الشرعي، ويستفيدوا من كافة المهارات والأدوات المعاصرة، لكن هذا كله يجب أن يكون إقناعًا بالحكم لا تحريفًا للحكم لأجل أن يقتنعوا به، وأما مراعاة المزاج السياسي والإعلامي واستحضار الفئات المعادية للإسلام ومحاولة جذب الاستحسان الغربي؛ فهو أحد المداخل الأساسية المهمة التي يلج فيها الإنسان المعاصر إلى تحريف الشريعة والعبث بها ولو كان في نفسه فاضلًا أو حسب أنه بفعله هذا قد خدم الإسلام وأحسن صنعًا.

стр. 158

ضغط اللحظة الراهنة كانت قضية (المعجزات) في مرحلة زمنيةٍ قريبة من أسخن القضايا التي أربكت عددًا من المؤلفين في الفكر الإسلامي المعاصر. قبل هذه المرحلة، ما كان مكوث قضية المعجزات في دائرة القضايا الشرعية البدهية يثير أي إشكال، حيث إنها من دلائل صدق الرسل -عليهم الصلاة والسلام- كما قال ربنا -تعالى- عن موقف كثيرٍ من الكفار ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥] وقد قصَّ اللَّه -تعالى- في القرآن الكريم عددًا من معجزات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كمعجزة موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- قال -تعالى-: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩] وقال أيضًا: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] كما اختص نبينا محمد ﷺ بمعجزات كثيرة تضافرت في تأكيدها الروايات الصحيحة.

стр. 159

كان القلق ناتجًا من هبوب موجة استنكارات عنيفة من المثقفين الغربيين على المعجزات التي لم يتقبلها العقل الغربي، فهي لديهم أقرب لفكر الخرافات والأساطير التي تجاوزها الزمان، فما عادت مستساغة في زمن تأليه العقل، وتقديس الفكر المادي التجريبي، غدت معه المعجزات مادة تندُّر واستهجان من رجالات الغرب، وكنز أسئلة يلاحقون بها من يلتقون به من العلماء والمثقفين المسلمين. هذا المزاج الغربي صاحبه حالة إلحاد وجحود عن الدين لدى أوساط كثير من المثقفين المسلمين، بما عزز في وعي كثير من المؤلفين ضرورة تقديم خطاب عقلاني مناسب يحفظون به الدين الإسلامي من سياط النقد الغربي، ويحمون شباب الإسلام من التفلت عن الدين، فكان لا بدَّ من إعادة قراءة التراث الإسلامي؛ لتخليصه من قصص المعجزات التي غدت معيبة في تلك اللحظة. كتب حينها محمد حسين هيكل كتابه الشهير (حياة محمد) جرَّد فيه سيرة النبي ﷺ من كافة الآثار والسنن الواردة في معجزاته ﷺ ، وجعل معجزته الوحيدة هي القرآن الكريم فقط، وقد قدَّم له أحد العلماء المشهورين ووافقه فيما ذهب إليه. وأما الروايات الصحيحة فلا اعتبار لها لأن (مضرة الروايات التي لا يقرُّها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة) (١). فضرورة الواقع تفرض تجاوز مثل هذه الأخبار (ولو أنهم -أي رواة الحديث- عاشوا إلى زماننا هذا ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حُجَّة على الإسلام وأهله لالتزموا ما جاء به القرآن الكريم) (٢).

стр. 160

وكان المزاج العصري الرافض لقضية المعجزات حاضرًا حتى في تفسير آيات القرآن الكريم، فالآيات التي تتضمن معجزات سابقة يتم التعامل معها بطريقة تزيل عنها وصف الإعجاز حتى تكون حكمًا معتادًا على وفق سنن الطبيعة، كمثل تفسير هلاك الفيل بالطير الأبابيل الوارد في كتاب اللَّه ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٣ - ٥] بأنها جراثيم الطاعون إذ لا مانع من تسميتها طيورًا، أو أنهم قد أصيبوا بمرض الجدري أو الحصبة حتى ماتوا، فالطير الأبابيل إنما هو بعوض أو ذباب ناقل للأمراض (١). وحتى ما لم يصبه التحريف من المعجزات السابقة، فلم يسلم من حال التهوين منها كتفسير المعجزات السابقة بأنها أدلة مناسبة لضعفاء العقول؛ فكانت المعجزات (لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتق عقولهم إلى فهم البرهان) (٢). وعلى نفس المنوال جرى الكلام على بقية المعجزات الواردة في القرآن الكريم، وتبع ذلك تأويل عدد من المغيبات التي لا يتقبلها المزاج المادي الغربي كتأويل الملائكة بأنها قوى وأرواح مودعة في الكائنات الحية وهي قوى الطبيعة، وتأويل الشيطان بأنه ما يدفع إلى الشر، ومن النتيجة البدهية بعدها أن يتم تأويل وإنكار أخبار الدجال والسحر ونزول عيسى وأشراط الساعة وغيرها (٣). هذه الحال آلمت عددًا من العلماء الذين شعروا أنها حال عبث وتحريف لأحكام الإسلام، وجزموا بأنها ثمرة انهزام أمام مدَّ الثقافة الغربية، فكتب في تلك الحقبة

стр. 161

بكل قوة وثبات شيخ الإسلام مصطفى صبري موسوعته الشهيرة (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) ومن الملفت للنظر أن أغلب مباحث هذا الكتاب كانت في مناقشة قضايا الغيب والمعجزة بما يكشف عن حجم القلق الذي تثيره هذه القضية في تلك المرحلة. لم تكن الحركة النشطة آنذاك لتأويل المعجزات نابعة من رفضٍ للشريعة أو انتقاص من مكانتها؛ بل ظاهر جدًا أن الحفاظ على الإسلام والدفاع عن حرماته، والخوف عليه وضرورة تقديم صورة حسنة إلى الغرب هو الهاجس العميق الذي كان يسكن قلوب كثيرٍ ممَّن تأثر بهذه الموجة، فهم يشعرون كما يقول السيد رشيد رضا: "إن المعجزات هي من منفرات العلماء عن الدين في هذا العصر" (١). وكانت قلوبهم معلقة بهداية الغربيين، ولو وصل ذلك إلى تجاوز خطير بلغ حدَّ القول: "إنه لولا حكاية القرآن الكريم لآيات اللَّه التي أيدَ بها موسى وعيسى ﵉ لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر واهتداؤوهم به أعمُّ وأسرع) (٢). طبعًا هذا لا ينفي خضوع العقل لسطوة المفاهيم الغربية لحد القول (ممَّا يدلُّ على أن هذه القرون الأخيرة لا تروج فيها مسائل المعجزات تكذيب علماء أوروبا بكل المعجزات السابقة وهو وإن كان تهورًا منهم إلا أنهم مصيبون في قولهم إننا في زمان لا يجدي فيه للاعتقاد إلا النور العقلي والدليل العلمي) (٣). ومضت تلك الحقبة، ورصد التاريخ مقولاتها وإشكالاتها التي تكشف عن طبيعة المؤثرات التي كانت توجه الفكر الإسلامي.

стр. 162

فتش الآن عن حضور قضية المعجزات في الفكر الإسلامي المعاصر، هل سؤال المعجزة من القضايا القلقة والأسئلة المشكلة التي تتزاحم الدراسات والمؤتمرات في مناقشتها وإزالة الشبهات عنها؟ المسلم المعاصر الآن يدرك بوضوح أن هذا السؤال -وإن بقي حاضرًا عند بعض الفئات- ما عاد له ذاك التأثير، ولا تكاد كثير من البحوث والدراسات الإسلامية المعاصرة تتطرق للموضوع من الأساس، وربَّما يشدُّ المسلم حاجبيه متعجبًا من حال التحفز والتعسف في تأويل المعجزات، فلا يجد في الأمر ما يستحق كل هذا. إنه قلق مرحلة زمنية، وضغط حال مؤقتة، ضعف دافعه فذهبت معه كافة الإشكالات المصاحبة له. وعاش الفكر الإسلامي بعده مراحل زمنية أخرى انتعشت فيه قضايا أخرى وأحدثت من الإرباك ما أحدثته المعجزة في تلك الفترة، فجاءت قضية الاشتراكية والقومية وغيرها، وتكرر في كل قضية منها نفس المشهد: تشكيك في الأحكام الشرعية المعارضة لهذه الهزات المؤقتة، يتبعه استنكار شائع، ثم حركة تأويل وتعسف من قبل بعض الناس، ثم لا يسلم بعض أهل العلم والفضل من الوقوع في الخطأ والتحريف. حين تضع هذه الصور التاريخية أمام عينيك وتدقق النظر فيها يتجلى لك هذا المعنى العظيم: ضرورة (الاستمساك بالأصول الشرعية والمحكمات الإسلامية) وأهمية (التماسك المنهجي في الأخذ بأحكام الإسلام) وألا يخضع المسلم لضغط مرحلة زمنية ما، فتكون سببًا لتحريف الأحكام والعبث بالتصورات وإحداث أشكال التلفيق بين مفاهيم الإسلام والمفاهيم المزاحمة، فالعبرة باتباع الحق وليس بموافقة

стр. 163

المزاج العام، فهذا المزاج والجو العام عرضة للتقلبات السريعة والهزات العنيفة فلا يليق بمَن يعظَّم كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ -خاصة من أهل العلم المؤتمنين على بيان الشريعة- أن يكون ضغط هذا المزاج مؤثرًا على تصوراته ومفاهيمه الشرعية. إنك حين تتحدث عن قضايا شرعية فأنت تتحدث في الدين الذي يريده اللَّه للناس جميعًا، فلا تكن حبيس اللحظة الراهنة التي تعيشها، ولا أسير الفضاء الذي يحيط بك، فلعل من يقرأ كتابك ممن يعيش في أزمنة لاحقة وأمكنة مختلفة هم أضعاف من قرأه وكان متفهمًا لحالة القلق التي عاشها الكاتب، وربما هذا يفسر بعض حالات الشذوذ الفكري والفقهي التي نستنكرها ونتعجب من صدورها. إن الرؤية التي تكون أمام منظار المسلم هي (البحث عن مراد اللَّه ومراد رسوله ﷺ ) وخارطة التفكير لديه يجب أن تكون في كيفية السير خلف الدلائل الشرعية، والابتعاد عن أي صوارف عارضة. فالمنهج الشرعي في إصابة الحق ليس مرتبطًا بالكثرة قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقال أيضًا: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣] ومن المفاهيم المتقررة في وعي المسلم مفهوم الطائفة المستمسكة بالحق التي: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر اللَّه) (١) ومن مأثور الصحابة: (الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك) (٢) فرسوخ هذا المعنى في وعي المسلم يجعل البحث عن الحق هو المعيار الوحيد الذي يبدد كل المؤثرات التي تضغط على العقل المسلم.

стр. 164

إن ثم عوارض كثيرة تصرف المسلم عن إصابة الحق، ومن المهم أن يجتهد كل مسلم في محاولة التخلص من كافة دوافعها قدر المستطاع، ومنها العوارض المتعلقة بالواقع الذي لا يتقبل بعض الأحكام الشرعية، فمثل هذا الواقع يدفع المسلم لئن يتخففَ من بعض الصرامة العلمية الواجبة، وهو من جنس الهوى الذي نهت الشريعة عنه قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. إن الدفاع عن الإسلام، وضرورة تقديم صورة حسنة له، وضرورة حماية الشباب من الانحراف هي مقاصد نبيلة وغايات شريفة؛ لكنها لا تبرر التهاون في تحريف أي حكم شرعي، كما أن التحرز من ضغط اللحظة الراهنة لا يعني إهمال الاجتهاد المبني على المنهج الفقهي في الوقائع المتجددة للنظر في متغيراتها وأوصافها المؤثرة، وما يطرأ عليها من ضرورة أو حاجة، فهذا اجتهاد في الواقع وليس خضوعًا لضغط لحظة راهنة. ضغط اللحظة الراهنة موجود في كل زمان ومكان، وهو دافع عميق لتجاوز عدد من الأحكام الشرعية التي لا تنسجم مع اللحظة الراهنة، ليس لأن الدليل لا يدل عليها، ولا لأن العقل لا ينصرها؛ بل لأن المزاج العام لا يجعل لدلائلها ذاك الوهج المقبول، فيجد المسلم ضغطًا عميقًا في نفسه، يجعله يتخفف من الصرامة العلمية ومنهجية التحري والتدقيق المطلوبة، فإنْ كانت لمن قبلنا لحظات مع المعجزات والاشتراكية والقومية، فإن لحظتنا الراهنة قد اندفعت نحو مفاهيم أخر، ما زالت تمارس عبثها في عقول كثير من المسلمين، فأعملوا عقولهم في أحكام الإسلام تلفيقًا وتأويلًا وتغييرًا برؤية غير علمية، ولا منسجمة مع الأصول والقواعد الشرعية، وهي مرحلة زمنية لا بدَّ أن تنتهي فيتضح من كان سائرًا مع النص وبراهينه ودلائله ممَّن وقع تحت أسر ضغط لحظةٍ راهنةٍ قد انتهت!

стр. 165

البيئة الحاضنة للانحراف هل يظن أحد أنه فى مأمن عن الانحراف بعد أن يقرأ هذا الخبر؟ كان رسول اللَّه ﷺ يكثر من الدعاء بـ "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"، ولما سئل عن سبب ذلك قال: "إنه ليس آدمى إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللَّه فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ" (١). وكيف لا تأخذ الخشية مجامع قلب المؤمن وهو يقرأ قول النبي ﷺ "وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار" (٢).

стр. 166

فلا أحد في مأمن أن يتعرض للابتلاء في دينه؛ إلا أنه شتان بين من يبذل الأسباب الموجبة للثبات والحفظ والنجاة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ومن يفتح على قلبه ذرائع الشكوك ودوافع الشبهات ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وهذا يدفعنا للحديث عن السؤال المهم هنا: ما هذه الدوافع والذرائع التى قد تكون سببًا لهذا الانحراف؟ لا يمكن لأحد أن يختصر وقائع الانحراف عن الإسلام والمروق من تكاليفه في سبب محدد؛ فمن طبيعة الظواهر أن تكون مؤلفة من مجموعة أسباب مركبة وظروف مختلفة تتكامل في تشكيل الظاهرة؟ غير أن ثَمَّ عاملًا محوريًا وأساسيًا في هذه الظاهرة يتبدى جليًا عند النظر في أكثر حالات هذا الانحراف، هذا العامل هو وقوع الإنسان في بيئة حاضنة للانحراف تغذي في نفسه دوافع الانحراف وتفتح ذرائعه وتخلخل الأصول الفكرية التي تشد المسلم ثم ترمي به في مهبِّ ريح الضلالات تعبث به كما تشاء. بيئة الانحراف الحاضنة هذه تتميز بثلاث خصائص أساسية: الخاصية الأولى: التشكيك في اليقين، والتزهيد به، وتعظيم الشك والتساؤل الفوضوي والبحث العبثي؛ حيث يشعر الشاب باستخفافٍ من أي منهج أو كتابة ذات رؤية يقينية، ويشعر أن اليقين نابخ عن ضعف الوارد ونقص الذكاء والفهم وقلة الاطلاع والثقافة، بخلاف الشاك المتوقد ذكاء وفهمًا بما يجعله قادرًا على الخروج عن النسق السائد ومحاكمة الأصول اليقينية التي لا يجرؤ عموم الناس عن الاقتراب منها لجهلهم وسذاجتهم.

стр. 167

هو فضاء محبَّب لبعض النفوس تشعر من خلاله بتميُّز وتفرُّد عن بقية الناس، مع أن حقيقة الشك أنه ليس بشيء؛ وغاية أمره أن الإنسان في بحث عن الطريق الصحيح لكنه -قطعًا- ليس على الطريق الصحيح ولم يصل إليه، وبناءً على أصله المنهجي فلن يصل إلى اليقين أبدًا، بل سيبقى في دوامة الشكوك إلى ما لا نهاية. فالشك حالة نقص يجب أن يتخلص منها الإنسان إلى اليقين، وقبل وصوله إلى الطمأنينة فهو في مرحلة حيرة وضياع لا يُحمَد عليها الإنسان. وتعجب حين تجد بعض الناس يكرر أن الشك طريق إلى اليقين! فما أدري ما حاجة المسلم إلى الشك وقد وصل إلى اليقين؟ اللهم إلا أن يكون لدى المسلم شك في دينه وعدم جزم بحقيقته؛ فهذه قاعدة من لا يعرف اليقين ولا يجد طريقًا صحيحًا إليه؟ فعجبًا كيف تسربت إلى بعض المسلمين الموقنين! الخاصية الثانية: تفكيك عوامل الثبات الفكرية المستقرة في نفس الشاب، فتزدحم في رأس هذا الشاب الأسئلة والإشكالات والمقولات التي تطعن في أصوله الشرعية المنضبطة، وتستهين بمنظومة براهينه العقلية والنقلية، ويتواصل دفع سيل هذه الأسئلة حتى تشق في قلب الشاب أودية الحيرة والاضطراب والارتباك حول تدوين القرآن، وحجية السنة، وفهم النصوص، ومسائل الإيمان والكفر، والموقف من الصحابة. . . إلخ. هذه القضايا التي تقررت عند أهل السنة وحُررَت مباحثها، وكتب في تقرير أصولها ودفع الشبهات عنها ما لا يحصر من الدراسات، فكثرة هذه الاعتراضات تضعف ثقة الشاب بها، وتوهن في قلبه الاعتزاز والاستمساك التام بها، والأشكالية الأكبر أنها تغرس خنجر الحيرة في روح هذا الشاب؛ فلا هو

стр. 168

الذي تمسك بأصوله المعرفية، ولا هو الذي تبنَّى أصولًا معرفية بديلة عنها؛ وإنما نجحت في خلخلتها في نفسه، فأصبح بعضهم يؤمن بها نظريًا وإن كان في الحقيقة لا يعتمد عليها كثيرًا، وهذا ما يفسر لك أن كثيرًا من الشباب يقرر هذه الأصول ثم يتبنى ما يخالفها في نفس اللحظة! الخاصية الثالثة: الانفتاح الفوضوي، والاطلاع العبثي على كافة الدراسات الفلسفية والفكرية التي تقوم على منظومات فكرية مختلفة، لا تعتمد على مرجعية النص الشرعي ولا تعلي من مكانة الخطاب القرآني والنبوي، من دون أن يكون لدى الشاب حصيلة كافية لمحاكمة هذه الدراسات وإدراك جذورها واكتشاف مكامن القوة والضعف فيها، فيسقط الشاب سريعًا عند أول قراءةٍ فيها، ليس لقوة هذه الدراسات، إنما لضعف المحل الذي نزلت عليه. ويزيد الإشكالية أن الشاب يُقبِل عليها بنفسية المعظِّم لها، الذي يعتقد بعبقرية أصحابها، وقدراتهم البحثية الهائلة، وهو ما يجعله مهيأ نفسيًا لقبول أي معلومة والتسليم لأي نتيجة، فهو منكسر خاضع لها أيًّا ما توجَّهَت به؛ ولهذا تجد وَلَعَ بعض الشباب بتكرار بعض المقولات الفلسفية الهزيلة التي لا يحسنون كثيرًا شرحها وبيانها. كما أن الشاب يُقبِل عليها وقد امتلأ قلبه بأهمية الاستقلال والثقة التامة بالعقل وضرورة الشك في كل القطعيات ونحو هذه الدوافع التي تتضخم في ذاته فتجعله يستهين بنعمة اليقين الذي أنعم اللَّه عليه، ثم يجد نفسه بعد هذا نافرًا من قراءة القرآن وتدبُّره، مستخفًّا من الوعظ والتذكير، بعيدًا عن التضرع والانطراح بين يدي اللَّه، وهو ما يجعله خليقًا بالخذلان والحرمان.

стр. 169

وحين يقول بعض الناس: إن الإسلام والحقَّ قوي ببراهينه فلا يُخَاف عليه. فهو لا يفقه أن الإشكال ليس مع الحق ولا مع الإسلام، الإشكال مع هذا الشاب الذي قد يسقط لأنه لم يفهم حقيقة الإسلام، وما امتلأ قلبه بالتسليم والانقياد له، ولأنه قد وقع ضحية غش فكرية بتحريضه على دراسات فكرية لا يستطيع أن يحاكمها فكان دورها أن تكسر أرضية الثبات لديه ليخرج منها حائرًا لا يلوي على شيء. هذه العوامل الثلاث (التزهيد في اليقين، تفكيك الأصول الشرعية، الدفع نحو الانفتاح الفوضوي) هي البيئة الحقيقية للانحرافات التي تعصف ببعض الشباب، وهي بيئة حاضنة تهيئ الشاب للانحراف، وتجعل روحه محلًا قابلًا للتصورات الفاسدة. هل معنى هذا أن الانفتاح بالقراءة والثقافة والاطلاع بيئة حاضنة للانحراف؟ بالتأكيد لا، بل إن القراءة والاطلاع مما يزيد الإنسان علمًا وعقلًا وفهمًا ويقوي من أدواته البحثية والفكرية، وكثير من علماء الإسلام ودعاته هم من أكثر الناس قراءة واطلاعًا على كافة العلوم. إنما الخلل من جهات ثلاثة: ١ - التركيز على القراءات الفكرية والفلسفية المقتصرة على التشكيك والتشغيب على الثوابت والمحْكَمَات، وهي ذات فائدة يسيرة في خضم مفاسدها ودوامة شكوكها، وإهمال الفضاء المعرفي الواسع من علوم الاقتصاد والسياسة والتربية والإدارة والقانون وبقية العلوم التجريبية وغيرها.

стр. 170

٢ - الضعف العلمي الذي يبتدئ معه الشاب بالقراءة المباشرة لدراسات دقيقة في الفكر والفلسفة من دون أن يكون لديه أي مخزون معرفي يستطيع به محاكمة هذا النتاج المتخصص. ٣ - إضعاف نفسية الشاب بتفكيك أصوله والتشكيك فيها، وتضخيم مثل هذه الدراسات، وتعظيم عبقرية أصحابها، وهو ما يجعله يستسلم لها سريعًا، فيأنف بعقله أن يقلد علماء الإسلام وأئمته الكبار ليقلد -بكل ثقة واستقلال- طائفة من الحيارى التائهين. حين تجتمع هذه الخصائص الثلاث فإنك تكون في محضن بيئة دافعة للانحراف، أيًا ما كانت هذه البيئة؛ فقد تكون قناة فضائية أو صحبة معيَّنة أو منتدى ثقافيًا أو مدرسة أو أي شيء آخر؛ فهي تهز أصول الشاب، وتسخر من يقينه ثم ترمي به في مزالق المنظومات الفكرية المختلفة بعد أن فككت مرتكزاته الفكرية التي كان يعتمد عليها، ثم لا يدري أحد بعدها عند أي منحدر انحراف سيقف. أعرف أن ثَمَّ من يهز شفتيه استخفافًا من أي حديث عاقل يتحفظ من الانفتاح الفوضوي؛ بدعوى أنه خطاب تجاوزه الزمن لأن الانفتاح الآن لا حدود له ولا يملك أحد أن يسيطر على قراءة الشباب. حقًا، لا يملك أحد أن يسيطر على قراءات الشباب، لكنه يملك أن يُظهِر لهم نصحَه وشفقتَه ويعلن لهم المآلات التي تسير إليها خطواتهم، لتستجيب لها فئة (لعلها هي الأكثر) ولتكون الفئة الأخرى على حيطة من أمرها قبل أن تحكى في أخبارها الذكريات، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.

стр. 171

من (السلامة). . . إلى (الغل) ! ينشأ المسلم وهو يجد هذه المعاني تتعزز في نفسه يومًا بعد يوم، يتلقاها في البيت والمسجد والمدرسة، ينمو في قلبه حب الصحابة ﵃ وتوقيرهم، ويعتاد لسانه على الترضي عنهم وذكرهم بالخير، وتألف نفسه كمال الأدب معهم، والكف عن أي شيء يسيء لمقامهم. أثمرت هذه التنشئة الإسلامية مكانة عميقة في نفوس الناس للصحابة، تشتعل غضبًا ضد أي إساءة تنال أحدًا منهم. وحتى يبقى القلب في كمال الطهارة والسلامة تجاه هذا الجيل الإسلامي الفريد جاءت وصية أعلام الإسلام الكبار بترك الخوض فيما شجر بين الصحابة ﵃ حتى لا تنتج القراءة الخاطئة لهذه الأحداث منابت غل وضغينة في قلب المسلم تجاه صحابة رسول اللَّه ﷺ ، فأوصوا -لنصحهم وعلمهم- بترك الخوض في هذا الباب، فلا يتحدث فيه إلا مع الاحتياط التام في استيفاء شروط العلم

стр. 172

والعدل وحفظ المكانة، وبما لا يكون ذريعة للاستطالة أو فساد الفهم وسوء الظن. فأحداث الفتنة ليست شيئًا مغلقًا أو محذوفًا من تاريخ الإسلام، فلقد تكلم فيه العلماء وبحثوا تفاصيله، وأجابوا عن الإشكالات المثارة، وهذا يبدد الوهم الذي يجثم فوق صدور بعض الناس حول هذا الموقف السلفي من الصحابة، هو وهمٌ مركب يجهل حقيقة موقف السلف، ولا يفقه -في جزئه الآخر- حقيقة الدوافع والاعتبارات العقلية العميقة في هذا الموقف، ويمكن أن نستلهم بعض هذه الاعتبارات في العناصر التالية: أولًا: احتواء كتب التاريخ لخريطة واسعة من الأخبار والأقوال والتفصيلات التي رسمها إخباريون كذبة وخصوم مبتدعة، وأكثر من يخوض فيما شجر بين الصحابة لا يسلم من قبول كثير من هذه الأخبار وروايتها والبناء على مضامينها، وأكثرهم -بداهة- ليس لديهم القدرة على فحص الأخبار وتمييز صحيحها من سقيمها، بما يجعل صورة الأحداث تترسخ في وعيهم بنسختها المكذوبة التي رسمها خصوم الصحابة. ما يزال كثير من الباحثين يعتمد على هذه الأخبار، وينقل عن الضعفاء والمتروكين والوضاعين، ثم يتحدث بكل ثقة أنه يعتمد على مصادر تاريخية موثوقة، بمجرد أنه ينقل من أحد كتب التاريخ الشهيرة! لقد بحّت أصوات العلماء والمحققين وهم يحذرون مثلًا من (أبي مخنف لوط بن يحيى) ويذكرون أنه إخباري تالف متروك الرواية، حتى غدا هذا من المعلومات الشائعة، ومع ذلك فما زال كثير من المؤلفين يبني قائمة طويلة من الأحكام والتحليلات بناء على رواية محفور في أولها: قال أبو مخنف!. ثانيًا: إن الخوض في تلك التفصيلات والأخبار لا يترتب عليه أي فائدة عملية

стр. 173

أو ثمرة فقهية، فهي حوادث تاريخية وقعت تحت ظروف وملابسات معينة أنتجت فتنة بين الصحابة ﵃ كانوا فيها مجتهدين ومتأولين، ولا يترتب على إدراك تفاصيلها علم مستقل بأحكام شرعية أو تأثير على جانب فقهي أو علمي معين، فمن يجهل خفاياها ولا يدرك تفصيلاتها لن يمس ذلك بتاتًا أي قضية شرعية، وهذا يبدد الوهم الذي يسكن بعض الناس حين يظن أنه أمام حقبة تاريخية مخفية، وواقعة لا بدّ من إعادة قراءتها، ويشعر أنه يكتشف من خلالها مواقف شرعية مهمة، والحقيقة أن أحكام الشرع وتصورات المسلم لن تتأثر بمعرفته لهذه التفصيلات أو إعراضه عنها، ولهذا كانت وصية السلف في الكف عمَّا شجر بينهم لأنه من قبيل فضول البحث الذي لا طائل من ورائه. ولهذا قال الإمام أحمد لمن سأله عن القراءة في الكتب التي فيها ذكر ما شجر من الصحابة: لا تنظر فيها، وأي شيء في تلك من العلم؟ عليكم بالسنن الفقه وما ينفعكم (١). وقال عنها: هذه الأحاديث تورث الغل في القلب (٢). ثالثًا: إن الحكم على الصحابة يتطلب عدلًا وإنصافًا وموازنة بين الحسنات والسيئات، وألا يكون أي اجتهاد أو خطأ سببًا لإلغاء ما عداه، وهذا ميزان دقيق لا يحسن أكثر الناس ضبط ميزانه، فينتج من ذلك استطالة عليهم، وبغيًا في حقهم، وإذا كان البغي والجور محرم في حق أي أحد من الناس فكيف بصحابة النبي ﷺ ؟ الحديث هنا عن جيل قد أثنى عليه القرآن الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٠] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ

стр. 174

بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ووعدهم جميعًا -سابقهم ولاحقهم- بالحسنى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] وأوصانا رسولنا الكريم ﷺ بهم فقال: "لا تسبوا أصحابي" (١). فمن العقل والحكمة والديانة أن يتحفظ المسلم عند نظره في مواقف هؤلاء الناس الذين يتحدث القرآن الكريم عنهم بهذه الكيفية، وأن يعلي من قدرهم كما أعلى اللَّه من مكانتهم، فيتولاهم جميعًا، ويدعو لهم جميعًا، ويرجو أن يحشره اللَّه في زمرتهم، ويتحفظ من ولوج بابٍ يكون ذريعة إلى أي إساءة لمن عظَّم اللَّه حقهم. إن غياب العدل في حقهم، والعلم بحالهم، والإنصاف في تقويمهم هو الذي جرَّأ كثيرًا من المبتدعة على الخوض في أعراضهم، والنيل من مقامهم بما أنتج غلًا وكرهًا دفينًا في نفوسهم في حق صحابة رسول اللَّه ﷺ ، وهي صفة خليق بها الكفار لا أهل الإيمان ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. رابعًا: حاجة هذه الأحداث للرؤية الشمولية التي تعرف دوافعها، وتضبط أحداثها، وهي غالبًا ما تخفى على أكثر الناس، فيقرأ الأحداث منتزعة من سياقها، مقطوعة عن دوافعها بما يجعله يفهم الموقف على غير ما كان عليه، فيقع في قلبه شيء على صحابة رسول اللَّه ﷺ . (إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيَّر من وجهه، والصحيح فيه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة

стр. 175

معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم ليغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. . ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه. . ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم) (١) خامسًا: لم يقل أحد من السلف إن الصحابة ﵃ كانوا معصومين، أو أن كل فعل صدر منهم فهو حجة ودليل معتبر، وحينئذٍ فأي خطأ أو اجتهاد صدر من بعضهم مما يخالف فيه الدليل فإن المسلم بداهة سيأخذ الدليل، وحينها فلا معنى للخوض في تفاصيل هذه الأخطاء وإثارة الحديث فيها مرة بعد مرة بمناسبة وبغير مناسبة، إلا شحن النفوس بالغل والضغينة عليهم، ولهذا تجد في القرآن من دعاء المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] فكثير من النقد الموجه لهم هو من قبيل الغلِّ ومرض القلب فحسب، وإلا فأي فائدة من الحديث عن أحدٍ من صحابة رسول اللَّه ﷺ لأجل الطعن فيه وذمه وعيبه؟ وما الفائدة من إثارة تاريخه ومواقفه وخطبه بمناسبة وبغير مناسبة، بلا تحقيق فيها ولا تدقيق، إلا أن يمتلئ قلب المسلم غلًا وحنقًا على صحابي لقي ربه من قرون طويلة؟ وربما قال بعضهم هنا: إن هذا الموقف من قبيل تقديس الأشخاص دون تقديس المبادئ، وهذا غلط بني على سوء تصور للموضوع، فلم يقل أحد بتصويب كل ما

стр. 176

صدر من الصحابة حتى يقال: إنه تقديس للأشخاص وقد يضر بتقديس المبادئ، فالمبادئ واضحة ولم يقل أحد بتقديم أي شيء عليها، إنما الحديث عن تقدير الشخص وحفظ سابقته ومقامه وترك الإساءة والطعن فيه، وهذا لا يضر المبادئ في شيء، فليس من ضرورة حفظ المبادئ أن تطعن في الأشخاص أو تسبهم أو تخوض في نياتهم أو تثير الطعن فيهم بمناسبة أو بغير مناسبة. ومن الأوهام المجرئة هنا على صحابة رسول اللَّه ﷺ القول: إن الصحابة ليسوا بمنزلة واحدة، وإنه لا يمكن مساواة بعض من أسلم بعد الفتح بأبي بكر وعمر؟ وهذا كلام صحيح، وهو ما يقوله أهل السنة (١) فالصحابة درجات، وبعضهم أفضل من بعض، والتفضيل ليس فيه إساءة لأحد، إنما لا يجوز أن يكون هذا التفضيل سببًا للجرأة على أحد منهم وتهوين ذمه والطعن فيه. سادسًا: إن من يقرأ حادثة الفتنة بشكل متكامل، ولديه قدرة على تمييز الأخبار الصحيحة والسقيمة، فإنه في النهاية سيصل إلى ما وصل إليه السلف الصالح ﵃ من توقير الصحابة وحبهم وتقدير إيمانهم وتضحيتهم في سبيل اللَّه، وأن هذه الفتنة تقدير رباني؛ ليعرف المسلم عظمة هذا الجيل حتى وهو في حال الفتنة، ويعرف الأحكام الشرعية الواجبة في مثل هذه الفتنة، والأخلاق الإسلامية الرفيعة حتى في أشد حالات الفتنة والقتال. فوصية علماء السلف بالكف عن هذه الأحداث لم يكن جهلًا منهم بحالها، ولا خشية من ظهور حقائقها، بل هم من أعلم الناس بها، قد فحصوا رواياتها، وحرروا أحكامها، وضبطوا أحوالها، فعرفوا أنها موصلة إلى حب الصحابة واعتقاد فضلهم، ورأوا أن الخوض فيها لا ثمرة عملية فيه وقد يكون ذريعة

стр. 177

للاستطالة والغل فكان من النصح للناس أن يبنوا لهم هذا المنهج، وهي النتيجة العلمية التي سيجدها من يقرأ -بعدل وعلم- تفاصيل هذه الفتن. وقد يأنف بعض الناس من الأخذ بقول بجمهور السلف وأئمته وكبار محدثيه الذين ميزوا الأخبار وتتبعوا الأحوال، فيشعر أن هذه حالة تقليد وتضليل ثم ينقاد بكل سهولة ويصدق كل ما يقرأه في كتاب أو يسمعه من خطيب! وربما شعر أن ثم مؤامرة لتضليله عن معرفة أحداث التاريخ فدفعه ذلك لمزيد حرص وعناية لقراءة تلك التفاصيل، وبدلًا من أن يتجه لمنهج الأئمة والمحدثين الكبار الذين خبروا الأحداث وعرفوا تفاصيلها فسلكوا به -بعد علم ودراية- منهج سلامة الصدر وطهارة القلب وحفظ اللسان، يبحث عن ناقصي العلم والعدل ليملؤوا قلبه حنقًا وحقدًا وضغينة وغلًا على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فينتقل من سلامة الصدر إلى الضغينة والغل، فوآحسرتاه ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 178

هل الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق ؟ في أكثر من لقاءٍ فضائي. وفي إشارات مقتضبة في بعض المؤلفات المعاصرة. وفي كلام كثير على مواقع الإنترنت. يتردد الحديث بأن تحكيم الشريعة وفرض أحكامها يؤدي إلى النفاق، وأن الشريعة لا تلزم الناس بأحكامها لأن ذلك سيخلق مجتمعًا منافقًا، ولهذا كان من دلائل الشريعة أن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. فهل الإلزام بالشريعة أو ببعض أحكامها يؤدي إلى النفاق؟ يقول لك حامل هذا الاستشكال: إنه لا يمكن الإلزام بأحكام الشريعة لأنه يورث النفاق، فالناس حين لا تقتنع بالحكم فإنها ستمارسه في الخفاء، فالمطلوب هو غرس القيم الإيمانية وتعزيز انتماء الناس لدينهم وهويتهم، والاجتهاد في

стр. 179

نصحهم ووعظهم حتى يقوموا بأحكام الدين برغبتهم واختيارهم، وأما مع الإلزام فهو إكراه ينافي الإسلام ويؤدي للنفاق. وثم تفاوت في إعمال هذا الكلام: فبعضهم: ينفي بسبب هذا عن الإسلام أي إلزام، ويجعله مجرد رسالة روحية فردية بين العبد وبين ربه ولا علاقة له بنظام ولا حكم لأن حين يرتبط بسلطة وإلزام يتحول من رسالة هداية إلى وسيلة قمع. وبعضهم: يأتي بمثل هذا الكلام لكن في جانب معين وهو ما يتعلق بالرأي، فحرية الرأي مكفولة مهما تجاوزت أصول الإسلام ومحكماته ما دام ليس فيها اعتداء على أحد، لأن إي إلزام أو منع سيعزز النفاق. وبعضهم: يجعل هذا الأصل سببًا لتعليق الإلزام بأحكام الشريعة بطريقة معينة، بحيث يكون الإلزام مستمدًا شرعيته من التصويت واختيار الناس لا من كونه حكمًا شرعيًا، فإذا اختار الناس الإلزام بهذه الطريقة فلا بأس، وإلا فهو مرفوض، ولا يمكن تطبيق الشريعة بغير هذه الطريقة وإلا كان هذا سببًا لخلق مجتمعٍ منافق. فهذه اتجاهات مختلفة كلّها تستدل -بشكل أو بآخر- بشبهة ترتب النفاق على الإلزام بالشريعة. إذن: الحديث هنا ليس عن الإيمان بالحكم الشرعي، بل عن مستوى الإلزام. لا حاجة هنا أن يعترض أحد فيقول (إن صاحب هذا الاستشكال لا يؤمن بالنص ولا بحكمه) لأن هذا ليس محلّ السؤال، الحديث تحديدًا عن الإلزام بالحكم.

стр. 180

ولا حاجة لصاحب السؤال بأن يجيب (بأنه مؤمن بالنص)، لأن الخلاف تحديدًا عن الإلزام بالنص وليس عن مجرد الإيمان به. هذا هو تفصيل السؤال، وهو يحمل في طياته خللًا بينا وتصورًا خاطئًا وإشكالات مركبة، ستظهر بإذن اللَّه من خلال تفكيك هذا السؤال ومناقشة مقدماته وإظهار مخفياته. فهذا السؤال يحمل ثلاث إشكالات رئيسية: الأول: إلغاء وصف (الإلزام) في الشريعة تصريحًا أو مآلًا. الثاني: الخلل في فهم النفاق ومعرفة أسبابه. الثالث: الخلل في تصوّر الإلزام وأثره. وحجم هذه الإشكالات يتضح -بإذن اللَّه- مع استعراض هذه العناصر: (١) يجب التفريق -أولًا- بين ترك الإلزام بالشريعة أو ببعض أحكامها في ظرفٍ ما، أو مكانٍ ما، أو لسببٍ ما، وبين التأصيل الكلّي العام الذي يعود على مفاهيم الشريعة بالنقض والتحريف. فهذا التأصيل -بجعل الإلزام يؤدي للنفاق- يرجع على أصل الإلزام بالشريعة بالنقض. فإذا كان الإلزام بالشريعة يؤدي إلى النفاق فمعناه أن الشريعة يجب أن لا يكون فيها إلزام، ولو وجد فيها إلزام فهو مفسدة ظاهرة تؤدي للنفاق ولا فائدة
следующие страницы →