← Общие книги

Общие книги · id 14435

معركة النص

فهد العجلان

Полный текст (285 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

صدر من الصحابة حتى يقال: إنه تقديس للأشخاص وقد يضر بتقديس المبادئ، فالمبادئ واضحة ولم يقل أحد بتقديم أي شيء عليها، إنما الحديث عن تقدير الشخص وحفظ سابقته ومقامه وترك الإساءة والطعن فيه، وهذا لا يضر المبادئ في شيء، فليس من ضرورة حفظ المبادئ أن تطعن في الأشخاص أو تسبهم أو تخوض في نياتهم أو تثير الطعن فيهم بمناسبة أو بغير مناسبة. ومن الأوهام المجرئة هنا على صحابة رسول اللَّه ﷺ القول: إن الصحابة ليسوا بمنزلة واحدة، وإنه لا يمكن مساواة بعض من أسلم بعد الفتح بأبي بكر وعمر؟ وهذا كلام صحيح، وهو ما يقوله أهل السنة (١) فالصحابة درجات، وبعضهم أفضل من بعض، والتفضيل ليس فيه إساءة لأحد، إنما لا يجوز أن يكون هذا التفضيل سببًا للجرأة على أحد منهم وتهوين ذمه والطعن فيه. سادسًا: إن من يقرأ حادثة الفتنة بشكل متكامل، ولديه قدرة على تمييز الأخبار الصحيحة والسقيمة، فإنه في النهاية سيصل إلى ما وصل إليه السلف الصالح ﵃ من توقير الصحابة وحبهم وتقدير إيمانهم وتضحيتهم في سبيل اللَّه، وأن هذه الفتنة تقدير رباني؛ ليعرف المسلم عظمة هذا الجيل حتى وهو في حال الفتنة، ويعرف الأحكام الشرعية الواجبة في مثل هذه الفتنة، والأخلاق الإسلامية الرفيعة حتى في أشد حالات الفتنة والقتال. فوصية علماء السلف بالكف عن هذه الأحداث لم يكن جهلًا منهم بحالها، ولا خشية من ظهور حقائقها، بل هم من أعلم الناس بها، قد فحصوا رواياتها، وحرروا أحكامها، وضبطوا أحوالها، فعرفوا أنها موصلة إلى حب الصحابة واعتقاد فضلهم، ورأوا أن الخوض فيها لا ثمرة عملية فيه وقد يكون ذريعة

стр. 177

للاستطالة والغل فكان من النصح للناس أن يبنوا لهم هذا المنهج، وهي النتيجة العلمية التي سيجدها من يقرأ -بعدل وعلم- تفاصيل هذه الفتن. وقد يأنف بعض الناس من الأخذ بقول بجمهور السلف وأئمته وكبار محدثيه الذين ميزوا الأخبار وتتبعوا الأحوال، فيشعر أن هذه حالة تقليد وتضليل ثم ينقاد بكل سهولة ويصدق كل ما يقرأه في كتاب أو يسمعه من خطيب! وربما شعر أن ثم مؤامرة لتضليله عن معرفة أحداث التاريخ فدفعه ذلك لمزيد حرص وعناية لقراءة تلك التفاصيل، وبدلًا من أن يتجه لمنهج الأئمة والمحدثين الكبار الذين خبروا الأحداث وعرفوا تفاصيلها فسلكوا به -بعد علم ودراية- منهج سلامة الصدر وطهارة القلب وحفظ اللسان، يبحث عن ناقصي العلم والعدل ليملؤوا قلبه حنقًا وحقدًا وضغينة وغلًا على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فينتقل من سلامة الصدر إلى الضغينة والغل، فوآحسرتاه ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 178

هل الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق ؟ في أكثر من لقاءٍ فضائي. وفي إشارات مقتضبة في بعض المؤلفات المعاصرة. وفي كلام كثير على مواقع الإنترنت. يتردد الحديث بأن تحكيم الشريعة وفرض أحكامها يؤدي إلى النفاق، وأن الشريعة لا تلزم الناس بأحكامها لأن ذلك سيخلق مجتمعًا منافقًا، ولهذا كان من دلائل الشريعة أن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. فهل الإلزام بالشريعة أو ببعض أحكامها يؤدي إلى النفاق؟ يقول لك حامل هذا الاستشكال: إنه لا يمكن الإلزام بأحكام الشريعة لأنه يورث النفاق، فالناس حين لا تقتنع بالحكم فإنها ستمارسه في الخفاء، فالمطلوب هو غرس القيم الإيمانية وتعزيز انتماء الناس لدينهم وهويتهم، والاجتهاد في

стр. 179

نصحهم ووعظهم حتى يقوموا بأحكام الدين برغبتهم واختيارهم، وأما مع الإلزام فهو إكراه ينافي الإسلام ويؤدي للنفاق. وثم تفاوت في إعمال هذا الكلام: فبعضهم: ينفي بسبب هذا عن الإسلام أي إلزام، ويجعله مجرد رسالة روحية فردية بين العبد وبين ربه ولا علاقة له بنظام ولا حكم لأن حين يرتبط بسلطة وإلزام يتحول من رسالة هداية إلى وسيلة قمع. وبعضهم: يأتي بمثل هذا الكلام لكن في جانب معين وهو ما يتعلق بالرأي، فحرية الرأي مكفولة مهما تجاوزت أصول الإسلام ومحكماته ما دام ليس فيها اعتداء على أحد، لأن إي إلزام أو منع سيعزز النفاق. وبعضهم: يجعل هذا الأصل سببًا لتعليق الإلزام بأحكام الشريعة بطريقة معينة، بحيث يكون الإلزام مستمدًا شرعيته من التصويت واختيار الناس لا من كونه حكمًا شرعيًا، فإذا اختار الناس الإلزام بهذه الطريقة فلا بأس، وإلا فهو مرفوض، ولا يمكن تطبيق الشريعة بغير هذه الطريقة وإلا كان هذا سببًا لخلق مجتمعٍ منافق. فهذه اتجاهات مختلفة كلّها تستدل -بشكل أو بآخر- بشبهة ترتب النفاق على الإلزام بالشريعة. إذن: الحديث هنا ليس عن الإيمان بالحكم الشرعي، بل عن مستوى الإلزام. لا حاجة هنا أن يعترض أحد فيقول (إن صاحب هذا الاستشكال لا يؤمن بالنص ولا بحكمه) لأن هذا ليس محلّ السؤال، الحديث تحديدًا عن الإلزام بالحكم.

стр. 180

ولا حاجة لصاحب السؤال بأن يجيب (بأنه مؤمن بالنص)، لأن الخلاف تحديدًا عن الإلزام بالنص وليس عن مجرد الإيمان به. هذا هو تفصيل السؤال، وهو يحمل في طياته خللًا بينا وتصورًا خاطئًا وإشكالات مركبة، ستظهر بإذن اللَّه من خلال تفكيك هذا السؤال ومناقشة مقدماته وإظهار مخفياته. فهذا السؤال يحمل ثلاث إشكالات رئيسية: الأول: إلغاء وصف (الإلزام) في الشريعة تصريحًا أو مآلًا. الثاني: الخلل في فهم النفاق ومعرفة أسبابه. الثالث: الخلل في تصوّر الإلزام وأثره. وحجم هذه الإشكالات يتضح -بإذن اللَّه- مع استعراض هذه العناصر: (١) يجب التفريق -أولًا- بين ترك الإلزام بالشريعة أو ببعض أحكامها في ظرفٍ ما، أو مكانٍ ما، أو لسببٍ ما، وبين التأصيل الكلّي العام الذي يعود على مفاهيم الشريعة بالنقض والتحريف. فهذا التأصيل -بجعل الإلزام يؤدي للنفاق- يرجع على أصل الإلزام بالشريعة بالنقض. فإذا كان الإلزام بالشريعة يؤدي إلى النفاق فمعناه أن الشريعة يجب أن لا يكون فيها إلزام، ولو وجد فيها إلزام فهو مفسدة ظاهرة تؤدي للنفاق ولا فائدة

стр. 181

منها ويجب تبرئة الشريعة من هذه النقيصة، وهذا هو لازم مؤدٍ للوقع في الفكرة العلمانية الصريحة التي غمرتها الأمة رفضًا واستنكارًا. وهنا تكمن المشكلة: فالإلزام ببعض أحكام الشريعة قد لا يكون ممكنًا في بلد ما، أو يترتب عليه مفاسد أعظم في حالة ما، الخ هذه الأسباب التي يجب مراعاته عند تطبيق الأحكام الشرعية، فالموقف الصحيح حينها أنه واجب شرعي قد يسقط لعدم القدرة، وهذا أصل شرعي محكم ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقاعدة السياسة في الإسلام تقوم على الأخذ بأرجح المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، فالإلزام ليس فرضًا في كل زمان ومكان وحال وشخص ونظام، بل قد يؤجل أو يسقط لاعتبارات عدة خاضعة للميزان الشرعي. إذن أين المشكلة؟ المشكلة أن يتحول الاستثناء إلى أصل، وأن تنتقل الضرورة إلى حكمٍ ثابت وأساس محكم، فالقول بأن النفاق تابع وأثر للإلزام يعني أن أصل الإلزام كله مرفوض مطلقًا، وأن الشريعة ليس فيها إلزام، وهذا تجاوز وحذف لأصل شرعي ثابت ومجمع عليه ولا يمكن إنكاره، وكون الإنسان لا يستطيع تنفيذه أو يرى أن ثم ما هو أوجب منه أو يرى أن تنفيذه سيثير مفاسد معينة، كل هذا لا يجيز إلغاء الحكم الشرعي. فالإنسان قد يضطر لشرب الخمر مثلًا، وهو شيء مقبول، بل ويجب عليه أن يشربه، ولو قال إن الخمر شراب من ضمن الأشربة ولا تشددوا على الناس، لعد قوله منكرًا شنيعًا ولو كان مضطرًا، لأن الضرورة في الشرب وليس في تغيير الحكم الشرعي.

стр. 182

فالإشكال ليس في (التطبيق) الذي سيجري في بلد معين من بلاد المسلمين حين يكون مراعيًا للأصول الشرعية في المصالح والمفاسد بل في حقيقة (التصور الشرعي). حينئذٍ فلا معنى لما يكرره بعض الفضلاء من أن كثيرًا من العلماء لا يفقهون واقع تلك البلاد. فأيًا ما كان مستوى فقه العلماء لذلك الواقع، لا علاقة لهذا بأساس الخلل. القضية متعلقة بمفهوم شرعي، وليس بتطبيق معين في أي بلد، فالقضية علم بأحكام شرعية ثابتة وليس علم بواقع مجتمع معين. وكون البلد يعاني من مشكلات معينة، ويجد الدعاة فيه إشكالات وصعوبات كثيرة، كل هذا لا يجيز تحريف الأحكام الشرعية أو تغيير مفاهيمها، فهذا دين وشرع من عند اللَّه، الحديث فيه توقيع عن اللَّه، وهو مزلق عظيم ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣] فحاجة المجتمع والمتغيرات التي يعيشها ليست عذرًا لأحد في حذف شيء من الشريعة أو إدخال شيء فيها، والعناية بهذا الموضوع ليس ترفًا علميًا أو سجالًا جدليًا. فهو أولًا: من بيان أحكام الشرع، وحفظ المفهوم الشرعي مطلب بحد ذاته. وثانيًا: فوضوحه للناس سبب لأن يتمسكوا به ويطالبوا به حتى يستطيعوا تحكيمه فيما بعد. وثالثًا: أن كونه ضرورة أو حاجة يقتضي معاملته وفق القواعد الشرعية لهذه الأبواب، فليس كل دعوى في هذا مقبولة، ولا كل اجتهادٍ فيها معتبر.

стр. 183

ورابعًا: أن حاجة المجتمعات تختلف فإذا لم يستطع بلد أن يطبق بعض أحكام الشريعة فثم مجتمعات تستطيع أن تطبقه، فيجب أن يكون الحكم الشرعي بينًا لا تختلط فيه صورة الأصل مع الضرورة. (٢) ومن يلتزم بهذه الشبهة سيقع في إشكال عميق مع قائمة طويلة من الأحكام الشرعية، وستطول عليه أساليب التأويل والتحريف والتغيير. فالقضية ليست نصًا جزئيًا يمكن أن يتأول أو يكون ضعيفًا. الإلزام أصل شرعي محكم يقوم على نصوص وأحكام وقواعد لا تحصر، وسأعدد سريعًا -لتوضيح حجم هذا الأصل- بعض هذه الأحكام: - الحدود الشرعية، ففي القرآن حد السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وحد الزنا ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وفي السنة الصحيحة عقوبة شرب الخمر، فهذه ليست إلزامات فقط، بل عقوبات على هذه الجرائم، تعني تجريم الفعل وتحديد عقوبة معينة عليه، فهو إلزام بترك الفعل، وإلزام بعقاب معين، فهل نتعامل مع هذه الحدود على مبدأ ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أم على مبدأ أن الإلزام يؤدي للنفاق؟ - وجوب تغيير المنكر بدرجاته الثلاث كما قال النبي ﷺ (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه) (١) فالتغيير باليد يعني منعًا وإزالة، وهو إلزام على التزام أحكام الشريعة، بخطابٍ لعموم الناس وليس خاصًا فقط بالنظام، فهل الواجب تغيير المنكر أم هو داع للنفاق؟

стр. 184

- التحاكم إلى الشرع، فقد أمر اللَّه بالتحاكم إلى كتابه فقال سبحانه ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ [النور: ٤٧ - ٤٨]، وقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فهذه آيات صريحة على وجوب التحاكم إلى الشريعة، ولو لم يكن في الشريعة إلزام ومنع وفرض لما كان للتحاكم أي معنى؟ فيتحاكمون لأي شيء ما دام أن حكمه غير ملزم؟ وقد قال اللَّه تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فالمؤمن ليس له خيار في الالتزام بالشريعة وأحكامها، كيف توفق بين الإيمان بهذه الآية وبين القول بأنه لا إلزام في الشريعة؟ كيف لا يكون له خيار، لكنه في نفس الوقت ليس ملزمًا؟! هذه معادلة معقّدة جدًا! - الجهاد في سبيل اللَّه، ففي نصوص القرآن والسنة وسيرة النبي ﷺ وسيرة خلفائه الراشدين وأصحابه الكرام ما هو شائع مشهور، فإذا لم يكن في الشريعة إلزام فعلى أي شيء كان كل هذا الجهد والجهاد؟ حتى على التفسير العصري المحدث القائل إن الجهاد في الإسلام كان لردّ العدوان ولدفع المعتدي فقط، فحتى على هذا التفسير يبقى موضوع الإلزام مشكلًا، لأن الصحابة في جهادهم لم يكتفوا بدفع العدوان وتسليم البلد لأهلها ثم عادوا إلى بلادهم، بل حكموا البلد بالإسلام وأقاموا شعائره وألزموهم بنظام الإسلام، فهل كانوا دعاةً إلى الإسلام نشروا شعائره في الخافقين أم أنهم كانوا يغرسون النفاق في جذور المجتمع من حيث لا يشعرون؟

стр. 185

وسيرة الخلفاء الراشدين ظاهرة في الأخذ بالإسلام ونشره وإقامة شعائره، وأحكامهم مع أهل الذمة لا تخفى على أحد، فأيًا ما كان تفسيرهم لهذه الأحكام فهل أدى هذا الإلزام للنفاق أم كان سببًا لنشر الإسلام وتقويته وتوسيع دائرة أوطانه؟ - نصوص العقاب والإهلاك: ففي القرآن والسنة نصوص عدة تثبت أن المنكر إذا ظهر وفشا كان عاقبته الهلاك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧] وكما قال النبي ﷺ لزينب بنت جحش وقد سأَلته (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث) (١) فكثرة الخبث مؤذنة بالهلاك، وهذا يعني أنه يجب منع هذا الخبث حتى لا يحل بالمسلمين الهلاك. - السنة العملية الظاهرة من الرسول ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين، ومن معهم من الصحابة ﵃ في الأخذ بالشريعة والإلزام بها، فقد حد النبي ﷺ شارب الخمر، ورجم في الزنا في عدة وقائع، وهم بتحريق بيوت تاركي الصلاة في المساجد، وعاقب من تخلف عن الجهاد معه، وقام بجباية الزكاة، وأسقط الزيادة في الديون الربوية، وأخذ الجزية من أهل نجران، وجلد في القذف، وأخذ الناس بأحكام الجنايات والديات والبيوع والأسرة، وقام بالفصل بين الخصومات. . إلخ. وأما نصوص الصحابة فحدث ولا حرج، فقد قاتلوا المرتدين، وجبوا الزكاة، وحكموا بين الناس في كافة قضاياهم، وطبّقوا أحكام أهل الذمة، وأقاموا الجهاد، والحدود، والعقوبات التعزيزية على المعاصي، إلخ.

стр. 186

بصراحة أجد أن تعداد هذا ترف علمي لا حاجة له، لأنه من البدهيات التي يعرفها كل الناس، فلم يكن سؤال (الإلزام) بالشريعة مطروحًا في تلك العصور أصلًا، لأنه بدهي وضروري من أحكام الإسلام، إنما طرح هذا الموضوع بسبب ضغط مفاهيم الثقافة العلمانية المعاصرة التي حركت محاولات التوفيق والتلفيق والموائمة. - قول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) (١)، وقال ﵊: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وذكر منها التارك لدينه المفارق للجماعة) (٢)، وقد اعتضد هذا الحكم بعدة تطبيقات عن صحابة النبي ﷺ كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وانعقدت عليه كلمة عامة فقهاء الإسلام. أعرف جيدًا أن لبعض المعاصرين تفسيرًا مختلفًا للحكم في قول لا يعرف له قائل من قبلهم. لكن بغض النظر عن صحة قولهم أو فساده، ما تفسيرهم لاتفاق كافة الفقهاء على هذا القول؟ هل كان الفقهاء ينشرون النفاق ويعمقونه في المجتمع من حيث يظنون أنهم يطبقون الإسلام؟ وعلى فرض أن بعض الفقهاء لا يقولون بحدّ الردة، فإنهم كانوا يقولون بسجنه أو استتابته، يعني في النهاية هو منع وإلزام وليس فيها حرية مطلقة للردة. مع ملاحظة أن دافع النفاق هنا قوي جدًا، لأنك أمام شخصى أعلن كفره،

стр. 187

ثم يوقف عند القضاء حتى يتراجع وإلا عوقب، فاتجاهه للنفاق حتى يسلم بنفسه سلوك طبيعي جدًا، ومع هذا فلم يكن أحد من الفقهاء بتاتًا يقول اتركوه حتى لا يكون منافقًا، بل يلزم بقانون الإسلام وباحترام نظامه وآدابه، ولو نافق مثله فهو خير من الإضرار بعموم المجتمع. فإذا كان مثل هذه الصورة المؤدية فعلًا للنفاق غير معتبرة عند أحد من فقهاء الإسلام، فكيف تكون الخشية من النفاق مؤثرة في قضايا لا يمكن بتاتًا أن تكون سببًا للنفاق؟ (٣) هل من يثير هذا السؤال يتصوّر حالة المنافقين في عصر الرسالة؟ النفاق وجد في عهد النبي ﷺ ، وذكرهم اللَّه في القرآن وحذر منهم وبيّن صفاتهم، ولم ينبت النفاق في المدينة إلا بعد أن قوي الإسلام واشتد عوده وظهرت شعائره، فوجودهم حالة طبيعية ملازمة لتطبيق الشريعة وقوتها وظهورها وليس عيبًا على الشريعة، فالنفاق لا يخرج إلا في المجتمع الإسلامي القوي، حين تظهر شعائره وتعظم حرماته فيلجأ بعض الناس لمسلك النفاق لأنه لا يستطيع أن يمارس فساده وانحرافه، فهذه علامة قوة وصحة للمجتمع، فوجود النفاق لا يؤدي لإلغاء الإلزام بالحكم الشرعي وإلا لكان هذا طعنًا وانتقاصًا من سيرة النبي ﷺ وسنته، لأن قوة الشريعة وظهورها على يده هو الذي ظهر بعده المنافقون، ولم يكونوا موجودين قبل ذلك لما كان الإسلام ضعيفًا في مكة. فالحديث بطريقة: أن الإلزام يؤدي للنفاق وبناءً عليه فلا إلزام، تركيب خاطئ للموضوع.

стр. 188

بل وجود النفاق مع الإلزام ظاهرة صحية شرعية طبيعية، فلا يتعطل أصل شرعي من أجله. النفاق لا يوجد إلا مع قوة الإسلام، ولن يذهب إلا مع ضعف الإسلام، فإذا كان الهدف هو إزالة النفاق فالحل إذن هو في إضعاف الإسلام حتى لا يحتاج أحد للنفاق. أما حين يذهب الدعاة والعلماء والفضلاء لتقوية الإسلام وتعميق أحكامه وقيمه ومبادئه في نفوس الناس فإن هذا سيؤدي بداهة لوجود المنافقين الذين يضطرون لمسايرة هذا الواقع والاستفادة من منجزاته، فوجود النفاق دليل على قوة الإسلام وليس ضعفه. أيضًا: فالإلزام لا يُترك خشية النفاق، بل إن العيب والذم يلحق المنافقين لتفريطهم في الالتزام بأحكام الإسلام، فقد كان يتهرّبون من حكم الإسلام ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]. فهم يرفضون التحاكم، واللَّه يذمهم ويعيبهم على تركهم للتحاكم إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ . فترك التحاكم إلى الشريعة والابتعاد عن الإلزام بها هو صفة المنافقين، وليس هو سبب للنفاق. فالتصوّر الشرعي: هو دعوة المنافقين للتحاكم وإلزامهم به. أما أن يترك الإلزام لأجل أن لا يكون لدينا منافقين فهو بعثرة للصورة بالكامل.

стр. 189

وإذا كان هذا في المنافق غير المؤمن من الأساس فكيف بالمؤمن المسلم المنقاد؟ (٤) إن هذا يدعوني للسؤال عن مفهوم النفاق وتعريفه لدى صاحب هذا الاستشكال. فما مفهوم النفاق؟ لأن كل المعطيات السابقة والآتية تثبت أن المسلمين لا يتحولون إلى هذا النفاق بسبب إنكار المنكر أو بتطبيق الشريعة، فهو غير مؤدٍ بتاتًا إلى النفاق، فالنفاق أن يسر الإنسان بالكفر ويظهر الإيمان، فما علاقة هذا بإنكار المنكرات أو تحكيم الشريعة؟ نعم، هذا سيكون في بعض الأحكام الشرعية ومن فئة قليلة لديها موقف سلبي من الدين نفسه وتريد الطعن في الإسلام لكنها لا تستطيع ذلك خشية العقاب فتلجأ إلى النفاق، وهذا موقف صحي وقوي، فالاستتار بكفره وعدائه خير من إعلانه الاستخفاف والاستهتار. فالنفاق لا يكون بالإلزام. بل الواقع أن النفاق إنما يكون حين يضعف الإلزام. فالمنافقون يخفون غيظهم وحنقهم على الإسلام والمسلمين، وإذا وجدوا مجالًا أو وضعًا مناسبًا استغلوه وأظهروا الرجف والتشكيك، لهذا كان علاجهم القرآني بالتهديد والوعيد ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ [الأحزاب: ٦٠] فالقوة والإلزام هي التي تحمي المجتمعات

стр. 190

من المنافقين، وتركه هو الذي يجرئهم ويغريهم، لهذا جاء الخطاب القرآني ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، فهذه هو علاج القرآن للمنافقين، ولم يكن علاجهم بطريقة: خذوا راحتكم، وأعلنوا كفركم وأنتم في حل من الشريعة، المهم أن لا تصبحوا منافقين!! النفاق لا يستقر في النفوس بسبب الشعائر، الشعائر والإلزام بركة وديانة وتقوى للَّه، شيوعها يقرب النفوس للدين ويجعلها تألفه وتحبه وتعتاده، النفاق لا ينشأ بسبب هذا، إنما ينشأ بأسباب أخرى، من أعظمها شيوع مسالك التشكيك والطعن في الدين وإثارة الشبهات فيه، فهذا من أعظم أسباب النفاق لأنه يهز اليقين في نفوس بعض الناس ويدخلهم في الحيرة والشكوك، فهذه منابت النفاق التي يجب الحرص عليها لمن كان صادقًا فعلًا في محاربة النفاق ومتألمًا منه، ومن الملفت أن من يرفض الإلزام بدعوى أنه يورث النفاق هو نفسه من يقرر حرية التشكيك وإثارة الشبهات والطعون في الإسلام وأحكامه، فأيهما الذي يورث النفاق؟ (٥) أن إخفاء المعاصي والمنكرات خير من إظهارها وإشهارها، فعلى أسوء الاحتمالات فلو أن المنع لم يفد شيئًا وأصبح الناس يمارسون ذات المنكرات في الخفاء فإخفاؤها خير من إظهارها وإشاعتها، بل ولا وجه للمقارنة بينهما، ألم يقل النبي ﷺ (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) (١) فالمجاهرة بالذنب أشر وأقبح من الإسرار به، وما دام المنكر سرًا فلا يحاسب عليه المجتمع ولا يؤاخذ به، إنما المحاسبة على المنكر حين يشيع ويظهر.

стр. 191

(٦) ثم إن التخفي بالمعصي ليس نفاقًا، فإذا منع المسلم من شرب الخمر فشربه سرًا فهذا خير له وأخف شرًا وليس نفاقًا. وما أدري لماذا يتصور السؤال أن المسلم إما أن يشرب الخمر جهرًا ويفعل الفاحشة جهرًا وإما أن يكون منافقًا يشربه سرًا ويفعلها سرًا؟ ثم هل الإسرار بالمعصية نفاق؟ لا يقول هذا عالم، فالإسرار بالمعصية أولى من الجهر بها، فهو شرعًا أفضل وأهون، فلا أدري على أي اعتبار صار منافقًا؟ حتى ولو بحث المسلم عن المعصية واجتهد في الوصول إليها ولم يجدها فهذا ليس نفاقًا ولا علاقة له بالنفاق بتاتًا. (٧) وهذا السؤال يمارس تصويرًا مغلوطًا واضحًا، فهو يفترض أن المسلم حين يمنع من الحرام فإنه سيفعله في السر، وكأنه لا وجود لخيار ثالث هو الأكثر والأشهر، وهو أن عامة المسلمين حين يمنعون من الحرام فإنهم سيتركونه لما في نفوسهم من تعظيم للشرع وميل لتطبيقه أحكامه ما استطاعوا، وإنما تبقى قلة هي التي تمارسه في الخفاء. كما أن هذا السؤال يخفي أثر إشاعة الحرام في توسيع دائرة مرتاديه وتجرئة الناس على فعله، فاعتقاد أن منع الحرام لن يؤثر في مضايقته وإبعاد الناس عنه

стр. 192

تصور بعيد جدًا عن الواقع، ولهذا جاءت الشريعة بالحث على التستر بالمعاصي وهو شيء بدهي يفهمه عامة الناس فتراهم يرددون: إذا بليتم فاستتروا. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] فالمنكر الظاهر يجرئ الناس ويوسع الفساد فإذا لم يظهر غفل عنه الناس وتركوه. إن الصلاح الظاهر وشيوع الشعائر يؤثر على صلاح الناس، كما أن شيوع المنكرات تؤثر على فساد الناس، فالمنكر إذا انتشر أثر في الناس وزاد ضرره وكثر مرتاديه، فالقضية ليست خاصة بمن يريد المنكر ويبحث عنه، بل إن المنكر إذا شاع سهل في النفوس وخف أثره وجرأ الناس عليه، ولهذا كان من حكمة الشريعة في إنكار المنكر إضعافه وتقليله لئلا يؤثر على الباقين، فالمنكر يؤثر على الصالحين، وليست الصورة أنه منكر متجذر في نفوس الناس بدأ معهم فطرة، بل إن تركه وطول العهد به هو الذي يجعله منتشرًا وتقبله النفوس، وإذا حورب وضيق عليه قل أثره وضرره. (٨) وهذا الإلزام لا يخلو منه أي قانون ولا نظام معاصر، فكل الأنظمة المعاصرة تقوم على قوانين وأنظمة ملزمة في كافة شؤون حياة الناس، والالتزام بها ضرورة، حتى ولو خالفها بعض الناس فلا يتصور أن يخطر ببال أحد أن مخالفتهم تعني أن القانون لم يعد له أهمية فإما أن تلتزم به أدبيًا أو لا حاجة له؟ لا أحد يفكر بهذه الطريقة لأن هذا شأن معيشي بدهي، والناس يعرفون أن القانون إذا قوي واستقر زادت قناعة الناس به ورضوا به مع كونهم في الأصل مكرهين عليه وملزمين به.

стр. 193

وفي برنامج فضائي سأل مقدم البرنامج أحد خصوم المشروع الإسلامي: لماذا لا تمنعون الخمر؟ فقال: إن المنع لن يفيد شيئًا لأن الناس ستعرف طريق الوصول إليه، فأجابه: لماذا لا تقول هذا في السرقة والاعتداء على الأموال، لماذا لا تكررون هذا الكلام إلا مع هذه القضايا بالذات؟ لم يكن مقدم البرنامج متحمسًا للدفاع عن الأحكام الشرعية حين قدم هذا الاعتراض بقدر ما كان يتحدث بلغة عفوية تتفهم بوضوح أن الإلزام شأن مفروض في النظام المعاصر، فلم يجد سببًا معقولًا لهذه الازدواجية في قبول بعض الإلزامات دون بعض! (٩) ثم إن خطاب الشريعة في القرآن والسنة، القائم على أوامر ونواهٍ، هل هو خطاب للفرد فقط، أم للفرد والمجتمع؟ حين نقرأ في القرآن مثلًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. فيفهم منه المسلم أنه خطاب للفرد بأن يترك الربا امتثالًا لأمر اللَّه، وللمجتمع المسلم بأن يترك الربا، وللدولة المسلمة التي تقوم على سياسة هذا المجتمع أن تترك الربا. وهذا يعني أن الإلزام جزء أساسي من الحكم الشرعي. أما اعتقاد أن النص يدل على تحريمه على الفرد، أما تحريمه نظامًا وقانونًا فهو شيء آخر، فهو تفكير جديد، يناسب تفكير الفئة المتأثرة بالثقافة العلمانية حين تجعل الدين شأنًا فرديًا وخطابه متجه للفرد لا يمس النظام والدولة.

стр. 194

إن المسلم حين يدخل في الإسلام فإنه ضرورة سيكون مسلِّمًا ومنقادًا لحكم الإسلام، فالإسلام نظام شامل، لا يوجد في الفكر الإسلامي أن يُسلِّم الشخص فيدخل في الإسلام، ثم يسلِّم مرة أخرى فيوافق على حكم الشريعة، هذه درجتا فهم تناسب الثقافة العلمانية التي ترعرت في ظل المفهوم الكنسي، لأن الدين لديهم علاقة روحية لا تمس الحكم، فيختار الحكم الذي يريد بغض النظر عن دينه، أما المسلم فإنه حين رضي بالإسلام فقد رضي به حكمًا، وهذا يقتضيه إيمانه بالإسلام لزومًا ضروريًا، فكما أنه حين يدخل في الإسلام لا يبحث عن رضاه في أن يصلي أو يصوم أو يحج لأنها أحكام شرعية لا يصح إيمانه بدون التزام بالقيام بها، فكذلك لا يبحث عن رضاه في أن يحكم بحكم الإسلام. معنى هذا أن الإلزام بأحكام الإسلام ليس شيئًا طارئًا وجسمًا غريبًا نبحث له عن سبب ومشروعية معينة، بل هو أصل وفرض لازم لأي مسلم، وهذه مجتمعات مسلمين قامت في أرضها دول إسلامية خلال عشرات القرون، لم تعرف غير حكم الإسلام وإلزامه، فليس لها خيار عن حكم الإسلام. فالتفكير الذي يفصل الحكم بالإسلام عن كونه لازمًا لدخول المسلم في الدين، ويبحث للحكم بالإسلام عن مشروعية أخرى، هو من دوافع الخلل الذي يعمق وهم أن الإلزام يورث النفاق. (١٠) أن المطالبة الشرعية تتجه للظاهر لا الباطن، فلست مسؤولًا عما في بواطن الناس وخفايا قلوبهم فأمرها إلى اللَّه، فما دام أنه في خفايا قلبه فهو خاص بصاحبه ولا يضر إلا نفسه، ولا يعد منكرًا في الشريعة يجب إنكاره لأنك لا تدري عنه.

стр. 195

فمن الفارقات أن يترك السلم النكر الظاهر الذي يجب عليه (= منع المحرمات الشرعية)، خشية من منكر خفي لا يعلم عنه وهو غير واجب عليه! (= لئلا يورث النفاق). فالشريعة تأمره بالمنكر الظاهر، فيتركه خشية من منكر ليس بواجب عليه؟ ويترك منكرًا معلومًا، خشية من منكر غير معلوم ولا يمكن الكشف عنه؟ ويترك منكرًا متيقنًا خشية من منكر موهوم لا يجزم به؟ (١١) ثمّ إن بعض النفوس فيها من الشر والسوء والكره للإسلام وأهله، فهل نتيح لهم الفرصة ليعبّروا عن مشاعرهم ويسيئوا للإسلام وأهله حتى لا يكونوا منافقين؟ يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (فإن الكلمة الواحدة من سب رسول اللَّه ﷺ لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين اللَّه ظهورًا يمنع أحدًا أن ينطق فيه بطعنٍ أحب إلى اللَّه ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مهان) (١). هذا هو التفكير الإسلامي البدهي الذي تجده عند أكثر المسلمين ولا تجد عندهم التفكير بطريقة (بل ليظهروا الفساد والانحراف حتى لا يتحولوا إلى منافقين)! (١٢) وإذا كان الإلزام سيؤدي إلى النفاق، فحتى النصيحة والموعظة ستؤدي إلى النفاق كذلك، لأن أكثر الناس يستجيبون للنصح والوعظ وإن كان قد يمارسها في الخفاء، فهل يكون مثل هذا منافقًا؟

стр. 196

فعلى طريقة تفكير السؤال يجب أن يكون حكم النصيحة كحكم الإلزام لأنها تجعل الشخص يستحي منك ويترك المنكر حياء ويفعله سرًا فيكون منافقًا! بل إن أثر الحياء من المجتمع في ترك المنكر أقوى بكثير من أثر الإلزام، فالإنسان يراعي الناس وأعرافهم، ويمارس معهم من الحياء والمداراة ما هو أعظم بكثير من مراعاته لمجرد الإلزام القانوني، فإذا كان الإلزام يؤدي للنفاق فالحياء من المجتمع نفاق أيضًا! فالدافع إلى النفاق ليس هو الخشية والإكراه فقط بل ثمَّ دوافع مصلحية أعظم متعلقة بالجاه والمال والمكانة وكسب المصالح الذاتية من المجتمع، فهو يراعي المجتمع أكثر من مراعاته للنظام، فارتباط مصالحه بأفراد المجتمع أضعاف ارتباطه بالنظام، فعلى هذا فحتى لو زال الإلزام فسيبقى النفاق ما دام في الناس اعتزاز بدينهم وهويتهم يجعلهم ينقصون مقدار من يخالف الإسلام فيضطر للنفاق مسايرة لهم. (١٣) ثم إن هذا الإلزام بأحكام الشريعة هل سيأتي من خلال البرلمان واختيار الناس أم لا؟ هل ستمنع الخمور والفواحش وبقية المنكرات وتطبق أحكام الشريعة لو أتيحت الفرصة من خلال اختيار الأكثرية؟ هل سيكون هناك فرضٌ للشريعة وأحكامها حين تكون نصًا دستوريًا؟

стр. 197

إن كان الجواب بـ (نعم) فإن هذا سيؤدي للنفاق وهي ذات المشكلة التي نتحدث فيها الآن! فهل سيزول النفاق وتنتهي المشكلة بمجرد أن يصدر قرار برلماني بذلك؟ أو بمجرد أن يكون نصًا دستوريًا؟ إذا كان الإلزام إكراه في الدين ولا يمكن أن يلتزم به الإنسان إلا برضاه، فلا يجوز إذن إلزامه ابتداءً ولا بقانون ولا برأي أكثرية، لأن وصف النفاق موجود لم يتغير. فالقول بعدم الإلزام خشية من النفاق، ثم القول بعده بأن يكون الالزام من خلال البرلمان أو التصويت أو الدستور تناقض ظاهر، لهذا فالقول بأن الالزام يورث النفاق يطرد مع القول بأنه لا وجود لإلزام في الشريعة كما هي الرؤية العلمانية، حيث تجعل الإسلام رسالة روحية تخلو من أي إلزام أو فرض، وترفض الالزام لأنه ينافي رسالة الإسلام ويؤدي إلى النفاق. (١٤) يسوق هذا السؤال جزئية: (أن المطلوب هو تزكية النفوس وتطهيرها لا إلزامها بما لا تريد). والحقيقة أن الإلزام جزء من تزكية الناس وتطهيرها. فجعل المسألة: إما إلزام للشخص وإما أن يقوم بها من نفسه وضميره، قسمة غير عادلة ولا منصفة. بل الإلزام يتكامل مع مراقبة المسلم وإيمانه ودافعه الذاتي، فهما متكاملان لا ضدان، كون الشريعة جاءت بالإلزام لا يعني أنها لا تأتي بالدافع الذاتي، بل

стр. 198

كلاهما واجبان شرعيان وطريقان صحيحان لتزكية النفس وتطهيرها ودفعها نحو طاعة اللَّه وعبادته. ثم إن الإلزام بالشريعة هو سبب لتطهير النفس وتزكيتها من الأمراض والأهواء وتصحيح مسارها وتقوية مراقبتها للَّه. فالله تعالى يقول: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [النور: ٤٧]. فترك التزامه بالتحاكم ينفي عنه صفة الإيمان، فالإلزام جزء من الإيمان، وقد أثنى اللَّه عليهم ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١] فالإلزام فلاح ونجاة وهذا معنى عظيم من معاني التزكية. فالتزكية إنما تكون بالقيام بأوامر اللَّه ورسوله ﷺ وترك نواهي اللَّه ورسوله ﷺ ، ليست التزكية حالة روحانية شعورية خارجة عن الشريعة، فبقدر ما يلتزم بالعبادة والطاعة -والتي منها الإلزام- بقدر ما تحصل التزكية، وبقدر ما يبتعد عنها تضعف التزكية، فالتزكية غاية شرعية تقوم على وسائلها الشرعية. هذه أوجه عديدة متفرقة لتفكيك هذه الإشكالية الشائعة في عصرنا، إشكالية تتوهم أن تطبيق أحكام الإسلام سيورث النفاق ويؤدي إلى النفاق، وأيًا ما كان مقصد الشخص في الاستدلال بها، هل يريد بها نفي الالزام مطلقًا عن الشريعة كما هي الرؤية العلمانية أو يريد تعليق الالزام بطريقة معينة لكي تتوافق مع الثقافة الحداثية المعاصرة أو يريد غير ذلك، فهي قاعدة باطلة تقوم على أساس موهوم وأينما توجهت بها لا تأت بخير.

стр. 199

تطبيق الشريعة بعدم تطبيق الشريعة! (محمد عابد الجابري انموذجًا) هل أنت ضد (تطبيق الشريعة)؟ خذ هذا السؤال وضعه على طاولة أي اتجاه علماني، ستجد أن الغالبية منهم ستقول لك بوضوح: لستُ ضد تطبيق الشريعة، بل إن ما أدعو إليه هو التطبيق الحقيقي للشريعة. بل لستَ بحاجة أن تعرض هذا السؤال على أحد، لأن الأجوبة متاحة منثورة بين ناظريك في القنوات والمواقع والدراسات، يتحدث فيها العلمانيون بوضوح أنهم لا يعارضون الشريعة وأن موقفهم ليس فيه عداء ولا مخاصمة لها. هل انتقل العلمانيون إذن إلى الصف الإِسلامي وتخلوا عن رؤاهم العلمانية؟ أم قد انتهى الخصام الإِسلامي/ العلماني حول تطبيق الشريعة وصارت من الأمور المسلمة؟

стр. 200

لنأخذ أولًا نموذجًا من هذه الإجابات ولنفحص مضامينه جيدًا حتى نكتشف الجواب عن هذا السؤال، ولأن النماذج لدينا كثيرة، فسنضع جهاز الفحص على أوسعها وأشهرها، وهو نموذج الدكتور محمد عابد الجابري، وسبب اختيارنا للجابري يرجع لأسباب عدة، من أهمها أنه شرح فكرته شرحًا بينًا يوفر عليك كثيرًا من الظن والاستنتاج. يتفق معنا الجابري أولًا أن تطبيق الشريعة قد غدا من المسلمات التي يصعب معارضتها، فهو في نظره: (شعار لا يمكن مواجهته بشعار مضاد ولا حتى بشعار بديل، ومن يستطيع أن يناقش وجوب تطبيق الشريعة في بلاد إسلامية تستمد معظم نظم الحكم فيها شرعيتها من الانتماء للإسلام بصورة من الصور) (١). ولهذا يبدي الجابري معارضته للعلمانية ولفكرة فصل الدين عن الدولة، ويرى أن المجتمعات الإسلامية لا تحتاج لها فهي خاصة بالهوية الأوربية. ما مفهوم (تحكيم الشريعة) إذن عند الجابري؟ وما هي العلمانية التي يعارضها؟ لنستعرض سويًا رؤية الجابري التفصيلية حول هذا الموضوع حتى يتضح جيدًا مقصوده منها: يرى الجابري أنه لا بد من مرجعية فقهية لتحكيم الشريعة، ويرى أن المرجعيات الفقهية التراثية غير موثوقة:

стр. 201

(يمكن القول إن معظم المرجعيات التي يستند إليها الباحثون المعاصرون كانت موجهة بكيفية أو بأخرى بالظروف السياسية التي زامنتها) (١). ولأن الثقة بالمرجعيات الفقهية معدومة فلا بد من: (التأكيد على ضرورة بناء مرجعية تكون أسبق وأكثر مصداقية من المرجعيات المذهبية، أعني تلك التي قامت أصلا كوجهة نظر تروم تأييد موقف سياسي معين) (٢). وحلًا لهذه الإشكالية لا بد من العودة بالمرجعية إلى مرحلة الصحابة ﵃: (وإذا كنا هنا ندعو إلى وضع الاجتهادات السابقة والمذاهب الماضية بين قوسين والرجوع مباشرة إلى عمل الصحابة) (٣). وحين رجع الجابري لفقه الصحابة وجدهم في بنائهم الفقهي قد اعتمدوا على المصلحة: (إن المبدأ الوحيد الذي كانوا يراعونه دومًا هو المصلحة، ولا شيء غيرها، وهكذا فكثيرًا ما نجدهم يتصرفون بحسب ما تمليه المصلحة، صارفين النظر عن النص حتى ولو كان صريحًا قطعيًا، إذا كانت الظروف الخاصة تقتضي مثل هذا التأجيل للنص) (٤).

стр. 202

واكتشف بعد ذلك أن اعتماد الصحابة على المصلحة لا يختلف، سواء أكان في المسألة نص قطعي أم لم يكن فيها نص: (إن هذا المبدأ مبدأ المصلحة هو المستند الذي كان الصحابة يرتكزون عليه في تطبيقهم سواء تعلق الأمر بما فيه نص أو بما ليس فيه نص) (١). وبناءً عليه يرى ضرورة الاعتماد على المصلحة في بناء النظام السياسي الإسلامي: (يجب أن تؤسس عملية تطبيق الشريعة في كل زمان ومكان وهي اعتبار المصلحة العامة، يبقى بعد هذا المبدأ الأساسي العام تحديد المصلحة في كل نازلة وفي كل حكم وفي هذا شيء سهل لأن ميدان البحث عنها ميدان بشري) (٢). وأما العلمانية فيرى أنه مصطلح جرى تشويهه، فهو قد ارتبط في أول الأمر بالوحدة والاستقلال ضد الدولة العثمانية، ولهذا لا بد من تعويضه بمصطلحات بديلة: (وفي رأيي أنه من الواجب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية فهما اللذان يعبران تعبيرًا مطابقًا عن حاجات المجتمع العربي، الديمقراطية تعني حفظ الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج) (٣).

стр. 203

والمجتمع الإسلامي في نظره ليس بحاجة لفصل الدين عن الدولة إنما يحتاج لفصل الدين عن السياسة: (ما يحتاج إليه مثل هذا المجتمع هو فصل الدين عن السياسة بمعنى تجنب توظيف الدين لأغراض سياسية باعتبار أن الدين يمثل ما هو مطلق وثابت، بينما تمثل السياسة ما هو نسبي ومتغير، السياسة تحركها المصالح الشخصية أو الفئوية أما الدين فيجب أن ينزه عن ذلك وإلا فقد جوهره وروحه) (١). الصورة الكلية لتطبيق الشريعة: بعد هذا العرض التفصيلي نريد أن نبتعد قليلًا عن التفصيلات وننظر في الصورة الكلية لتطبيق الشريعة عند محمد عابد الجابري. نهاية رؤية الجابري أننا سنعتمد على المصلحة، فما جاءت به فهو المعتبر، وما رفضته فهو غير معتبر، والمصلحة في رؤية الجابري ليست هي المصلحة بحسب الموازين الشرعية المعروفة عند الفقهاء، بل هذه المصلحة يمكن أن تتجاوز حتى النص القطعي. وحين نعرف أن كل الاتجاهات العلمانية تبحث عن المصلحة، وهي إنما ترفض تطبيق الشريعة بدعوى مخالفتها للمصلحة المعاصرة، فإن رؤية الجابري في النهاية هي ذات الرؤية العلمانية، وهي سترفض تطبيق الشريعة لكنها هذه المرة بدعوى تطبيق الشريعة! الفرق بين رؤية الجابري ورؤية كثير من العلمانيين، أن العلمانيين صرحوا بقبولهم للمفاهيم الحداثية المعاصرة وصرحوا برفضهم لما يعارضها من تطبيق

стр. 204

الشريعة، أما الجابري فقد كان مدركًا أن هذا المسلك في رفض الأحكام الشرعية ليس مجديًا، وأنه لا يمكن قبول المفاهيم الحداثية المعاصرة إلا بعد البحث عن مرجعية فقهية لها، واستنبات أصول تراثية للمفاهيم المعاصرة، ولهذا يحرص على تجاوز المفاهيم التراثية من خلال مفاهيم تراثية أخرى. هل هذا دخول في النوايا أو إساءة ظن أو حتى تحليل واستنباط؟ أبدًا، بل هو أمر يتحدث عنه الجابري كثيرًا وبكل وضوح، ويراه ضروريًا لأي إصلاح، فهو يعترف أن قراءة التراث إنما هو طريق للبحث عن سند تاريخي للمضامين الحديثة: (إن هذا يعني أن قراءتنا لما كان موضوعًا للتفكير أو قابلًا لأن يكون كذلك في تراثنا ستكون موجهة بالرغبة في إيجاد سند تاريخي يمكننا من تأصيل المضامين الحديثة والمعاصرة التي يحملها مفهوم الإنسان وحقوقه، تأصيلها في وعينا ومرجعياتنا) (١). وحين شرع في البحث عن حقوق الإنسان في التراث الإسلامي قرر بوضوح أنه: (يجب أن لا يغرب عن بالنا قط أننا موجهون في قراءتنا لنصوص تراثنا بالرغبة في تأسيس مفهوم الإنسان وحقوقه على جميع المستويات تأسيسًا يجعلها ذات جذور في تراثنا وكياننا الحضاري). (٢) فهي رؤية واضحة تبحث عن جذور للنتائج المتقررة سلفًا!

стр. 205

وهذه الطريقة نابعة من واقع خبرة لدى الجابري أدرك بها أن التجديد لا يمكن أن يمر من دون أدوات تراثية: (لا سبيل إلى التجديد والتحديث ونحن نتحدث عن العقل العربي إلا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وإمكانياته الذاتية أولًا) (١). ولهذا شرح سبب اهتمامه بالتراث: (والحق أن اهتمامي بالتراث لم يكن من قبل وليس هو الآن من أجل التراث ذاته، بل هو من أجل حداثة نتطلع إليها) (٢). وما دام أن المقصد هو توظيف الأدوات التراثية وليس الاعتماد عليها، فهو يعلن -بلا خجل- أنه في سبيل هذا الهدف فليس من المهم المحافظة على الموضوعية والصرامة العلمية: (والمقاربة ليست من الأمور التي يطبق عليها منطق الصواب والخطأ تطبيقًا صارمًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموضوعات كالتي نحن بصددها، ذلك أن موضوع المقارنة هنا ليس من نوع الحقائق العلمية، بل هو من جنس الحقائق الثورية إن جاز التعبير الحقائق التي توظفها الثورات وكل دعوات الإصلاح والتي تستمد صدقها ولنقل مصداقيتها من وظيفتها كمحرك للثورة وشعار للدعوة) (٣). فالذي حدث، أن الجابري أراد هدم مفهوم (تطبيق الشريعة) من خلال البحث عن أصول شرعية يستطيع بها إبدال هذا المفهوم بمفهوم آخر لا ينازع المفاهيم الحداثية المعاصرة.

стр. 206

ولأجل هذا فمن الطبيعي أن يكون المنهج الذي يسلكه ليس منهجًا موضوعيًا يبحث عن الدلائل ويتقصى الوصول إلى الحق بقدر ما هو بحث عما يعين على الهدف، وهو شيء يعترف به كما نقلنا ذلك سابقًا. لهذا تجد أن الجابري يمارس تفريغ الأصول الشرعية التي يتعامل معها من مضامينها: فأولًا: يتجاوز مرجعيات الفقهاء بدعوى الوصول إلى فقه الصحابة، وهذا خلل منهجي كبير، لأن الوصول إلى فقه الصحابة لا يمكن أن يتم من دون هذه المرجعيات الفقهية، فهم الذين نقلوا لك آثار الصحابة وهم الذين محصوها، فاتهامهم بأنهم كانوا منقادين للسياسة هو اتهام لفقه الصحابة الذين نقلوه، فالمنطق الصحيح أن يطعن الشخص في فقه الصحابة بناءً على طعنه في العصور التي نقلته، أما جعل العصور المتأخرة عصور ملوثة ومؤدلجة ومنحرفة ثم يستطيع الشخص الولوج منها إلى عصر الصحابة من دون أي تأثر فهذه طريقة استدلال ظريفة! الخلل الثاني: أن الجابري لما وصل إلى عصر الصحابة لم يطالبنا بالاستمساك بفقه الصحابة، وإلا لوجد أن فقه الصحابة قائم على ذات الأصول التي ينطلق منها الفقهاء، وأن فقههم في المصالح لا يختلف عن فقه العلماء، إنما أراد الجابري الانتقال إليهم لحذف من بعدهم ثم البدء في عملية تفكير جديدة هي أن الصحابة كانوا يعتمدون المصالح فقط، وهذه سورة مغالطة كبيرة لفقه الصحابة، فالصحابة كانوا يستعملون المصالح فعلًا، غير أن المصالح في رؤيتهم تختلف عن المصالح في رؤية الجابري، فأساس رؤيتهم في المصالح قائم على اعتبارها وفق موازين الشريعة، فما رفضته الشريعة فليس بمصلحة، وما اعتبرته فهو مصلحة، وبقدر اعتبار الشريعة يكون وزن المصلحة، وبقدر رفض الشريعة يكون وزن المفسدة،

стр. 207

والنصوص في هذا عن الصحابة أكثر من أن تحصر، وهو شيء يختلف تمامًا عند الجابري، لهذا يأتي الجابري إلى النصوص القطعية التي جاءت بها الشريعة والتي هي من أصول المصالح المعتبرة فيحرفها ويؤولها بسبب أنها مخالفة لرؤيته في المصلحة المنطلقة من رؤية مختلفة، كموقفة مثلًا من حد السرقة وهو نص قطعي لا يحتمل الخلاف ولا التأويل، ومع ذلك فمن تطبيق الشريعة في نظر الجابري أن لا يطبق هذا الحكم، ويتم التخلص من قطعية الحكم بطرائق مختلفة كالبحث عن سبب تاريخي معين يجعل الحكم مرتبطًا به، وهو: (تدبير كان معمولًا به في الجاهلية لعدم وجود سجون ولا سلطة تعتقل السارق، لقد كان العقاب البدني هو الوسيلة الزجرية الوحيدة التي تعاقب السارق) (١) ومارس أمثال هذا التأويل مع ما ترفضه الثقافة الغربية من أحكام ميراث المرأة وحد الردة وتعدد الزوجات والطلاق. (٢) ولو أن الثقافة الغربية المعاصرة تتقبل مثل هذا الأحكام لقبلته هذه النفوس ولما بحثت عن أسباب تاريخية مفتعلة للتخلص منه! الخلل الثالث: أنه لا ينطلق من مقاصد الشريعة وأصولها للحكم على المصالح المعاصرة، وإنما يريدنا أن نخلق مقاصد للشريعة من خلال هذه المصالح: (وهكذا عندما ننجح في جعل ضروريات عصرنا جزءًا من مقاصد شريعتنا فإننا سنكون قد عملنا ليس فقط على فتح باب الاجتهاد في وقائع عصرنا المتجددة المتطورة بل سنكون أيضًا قد بدأنا العمل في تأصيل أصول شريعتنا نفسها بصورة

стр. 208

تضمن لها الاستجابة الحية لكل ما يحصل من تغيير أو يطرأ من جديد) (١). فالطريقة عند الجابري ليس أن تنظر في المصلحة المعاصرة ومدى موافقتها للشريعة، بل أن تنظر في المصلحة المعاصرة ثم تبحث في كيفية جعلها من مقاصد الشريعة! فمقاصد الشريعة عند العلماء هي استخراج أصول كلية مستقرأة من جمع فروع الشريعة، وأما الجابري فيريد أن تكون مقاصد الشريعة منتزعة من المصالح المعاصرة التي يزيد أن نجعلها داخلة ضمن الشريعة! (فإن تطبيق الشريعة يتطلب اليوم إعادة تأصيل الأصول على أساس اعتبار المصلحة الكلية كما كان يفعل الصحابة وبعبارة أخرى إن تطبيق الشريعة التطبيق الذي يناسب العصر وأحواله وتطوراته يتطلب إعادة بناء المرجعية للتطبيق) (٢). فحقيقة الوضع هو أن الجابري لا يعتبر بالشريعة، لكنه بدلًا من أن يكون واضحًا في رفضه لها واعتبارها لما يخالفها، رفضها واعتبر ما يخالفها لكن بحث عما يجعلها غير مخالفة! فالجابري إذن يصل إلى ذات الغاية التي يجتمع إليها العلمانيون، وإنما تميز عنهم بأنه مزق من الأدوات التراثية ما جعله طريقًا يوصله لهذه الغاية، ولهذا تجد الجابري يكرر ذات الإشكالات التي يثيرها العلمانيون ضد الشريعة، مثل: أنه لا بد من فصل الدين عن السياسة حتى لا يؤدي ذلك إلى ادخال جرثومة التفرق والاختلاف في الدين، وما يحدثه من طائفية وحروب أهلية، وأنه يجب

стр. 209

تنزيه الدين عن السياسة حتى لا يفقد روحه لكونه مطلق وهي نسبية متغيرة (١) وأن تطبيق الحدود ستكون شبهة للتسييس (٢). وأما موقف الجابري من العلمانية فهو في الحقيقة رفض للفظها، وقبول لمحتواها، فهو يرفض اللفظ لما تعرض له من إسقاط وتشويه في نفوس عامة الناس، فأراد البحث له عن ألفاظ بديلة، فالعقلانية والديمقراطية التى عرضها بديلًا عن العلمانية تحمل ذات المضامين المستقرة في العلمانية. بعد هذا، يتضح جواب السؤال السابق: هل تحول العلمانيون إلى الصف الإِسلامي وأصبح تحكيم الشريعة من الأمور المسلمات؟ بالتأكيد لا، فما زال العلمانيون على موقفهم في رفض تحكيم الشريعة، إنما الذي استجد هو انتقال أكثر العلمانيين وبعض الإسلاميين إلى تبني ذات الموقف العلماني من تحكيم الشريعة وهم يحسبون أنها هي الشريعة، فبدلًا من رفض الشريعة، تفرغ من مضمونها وتعبأ بذات المضامين العلمانية والليبرالية، ولهذا يجري في رؤيتهم تأويل كافة الأحكام الشرعية التي تعترض عليها الثقافة الحداثية المعاصرة، فأي حكم لا ترتضيه الحداثة فهو مؤول ويبحث في سبيل ذلك عن أي خلافٍ فقهي أو سبب نزول أو أي مخرجٍ من هنا أو هناك. تطبيق الشريعة بعدم تطبيق الشريعة، مسلك لجأ إليه العلمانيون هروبًا من النفرة التي يجدون أنفسهم فيها مع أي احتكاك لهم مع الشارع المسلم، كما ذهب إليها بعض الإسلاميين هروبًا من الضغط الذي يلاحقهم به العلمانيون!

стр. 210

سؤال السيادة فى الفكر الإسلامي المعاصر لمن السيادة فى الدولة الإسلامية؟ يعدُّ هذا السؤال من أشهر الأسئلة المثارة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ومنذ عشرات السنين ولا تزال الدراسات المعاصرة تجيب عن هذا السؤال، وبإمكان المستقرئ لهذه الدراسات أن يستخرج مادة علمية واسعة، وليس هذا كثيرًا على هذه القضية، فهي من القضايا المركزية في الفكر السياسي، بل هي الأساس لمعرفة غاية النظام السياسي، وأساس المشروعية فيه، والقبلة التي تتجه إليها كافة القوانين في المجتمع. لم يكن لهذا السؤال حضور في التراث الإسلامي بسبب أنه أثير بعد شيوع مفاهيم الفكر السياسي الغربي، حيث إن السيادة تعني السلطة العليا التي لها حق إصدار القوانين وإلزام الناس بها جميعًا من دون أن تكون مقيدة بشيء ولا أن تستمد مشروعيتها من أحد، فهي سلطة واحدة مطلقة مقدسة (١).

стр. 211

وقد نشأت فكرة السيادة نتيجة الصراع الذي جرى في القرن السادس عشر الميلادي في فرنسا بين الملوك من جهة، والإقطاعيين والباباوات من جهة أخرى، فكانت هذه النظرية سندًا فكريًا للملوك لفرض سيطرتهم الداخلية ضد الأمراء الإقطاعيين، ولفرض سيطرتهم الخارجية ضد الإمبراطور والبابا، وإذا كانت الكنيسة تتمتع بنظرية الحق الإلهي لشرعنة طاعتها وخضوع الناس لها، فإن الملوك اتخذوا نظرية السيادة سندًا شرعيًا لفرض طاعتهم، حيث صار الانضواء تحت الملك في تلك الحقبة عند عدد من الفلاسفة طوق نجاة للخلاص من التشرذم والانقسام الذي أحدثته الحروب الدينية، ثم تحولت السيادة بعد ذلك فانتقلت من الملك إلى الأمة على يد الثورة الفرنسية (١). لهذا؛ ذهب عدد من المعاصرين إلى عدم الحاجة إلى طرح هذا السؤال في الفكر السياسي الإسلامي، فهو قد نشأ في ظل ظرف تاريخي واجتماعي مختلف، وبغرض تحقيق هدف معين، ولهذا فلا معنى لتكرار إعادة السؤال بعد إنتهاء الحاجة منه في ظل مجتمع إسلامي لا يعاني إشكالية الإقطاع ولا إشكالية السلطة الدينية التي كانت تسود التاريخ الأوروبي (٢)، خصوصًا (أن الثظرية الإسلامية لا تعرف مثل هذه السلطة المطلقة، وإنما السلطة طبقًا لها ترد عليها قيود مهمة) (٣). فالشريعة إنما عرفت السلطة والسلطان، أما السيادة بهذا المعنى فـ (إن الاعتراف بالسيادة لأي

стр. 212

جهة إنسانية فكرة بعيدة عن الإسلام) (١). ومع دقة هذا الكلام وعمق نظرته، إلا أن أكثر المعاصرين فضلوا الإجابة عن هذا السؤال، والنظر في مضمونه وحقيقته، والبحث عن إجابةٍ شافيةٍ له؛ بحسب ما يعرفون من أصول الفكر السياسي الإسلامي وقواعده. ومن خلال تتبُع أجوبة المعاصرين نجدها تنحصر فى ثلاثة اتجاهات رئيسية: السيادة للَّه أو للشريعة، السيادة للأمة، والسيادة مزدوجة. الاتجاه الأول: أن السيادة في الدولة الإسلامية للَّه أو للشريعة الإسلامية. وقد ذهب إلى هذه الرؤية عدد غفير من المعاصرين، فمن أقوالهم مثلًا: قال د. عبد الحكيم العيلي: (ومضمون ذلك التفرقة بين السيادة وبين سلطة الحكم، فالسيادة بيد اللَّه وحده، أما سلطة الحكم فهي مفوضة إلى الأمة تمارسها في حدود السيادة) (٢). وقال د. فؤاد النادي: (ذلك يؤدي إلى عدم تردّدنا في نقض القول بأن الأمة الإسلامية هي صاحبة السيادة، وأنها منبع ومصدر السلطات في الدولة الإسلامية، ولا يخفف من هذه النتيجة -وهي رفض رأي أن الأمة صاحبة السيادة ومصدرها- القول بأن هذه السيادة ترتبط بما قرره الشارع، بحيث تعد القواعد الشرعية الحدود الطبيعية التي لا يجوز لها أن تتخطاها؛ ذلك أن مثل هذا القول ينفي عن الأمة بداهة

стр. 213

أنها صاحبة السيادة طالما أنها لا تستطيع بمقتضى إرادتها العليا أن تضع قانونًا ملزمًا أو تقرر أمرًا يخرج عن نطاق ما رسمه الشارع) (١). وقال د. صبحي عبده سعيد: (لا محل ولا مجال في ظل الإسلام ونظام الحكم فيه، أن تثار مسألة السيادة لمن تكون في المجتمع؛ لأن هذه السيادة تنعقد للَّه وحده ولا يجترئ إنسان أن ينازعه هذا الاختصاص) (٢). وقال الأستاذ محمد أسد: (أما الدولة الإسلامية ولو قامت كنتيجة لإرادة الشعب فظلت خاضعة لإشرافه؛ فإنما تستمد سيادتها من قبل اللَّه، فإذا سادت وفق الشروط الشرعية فلها على رعاياها حق الطاعة والولاء) (٣). وعدد غفير من الباحثين غيرهم (٤).

стр. 214

الاتجاه الثاني: أن السيادة أو مصدر السلطات هو للأمة، ومن أقوالهم هنا: قال د. محمد ضياء الدين الريمس: (فهي التي تقوم على الشورى في مبدئها في سيرها وقانونها، شرع الإسلام والحاكم ليس إلا منفذًا للشريعة، والأمة هي صاحبة السيادة ومصدر السلطات) (١). وقال د. قحطان الدوري: (الأمة هي صاحبة السلطة العليا في البلاد، فهي الموجب الأول في العقد للإمام ولأعضاء مجلس الشورى، وهؤلاء هم الذي يمثلونها وينطقون باسمها، وهم الذين يسنون القوانين على ضوء ما جاءت به الشريعة، ويسوسون الناس بما يرضي اللَّه ورسوله، والأمة مشرفة عليهم ومراقبة لأعمالهم تعدّل الزيغ وتقوّم المعوج) (٢). وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي: (ومن هنا تعلم أن المسلمين بعد وفاته ﷺ ومبايعتهم أبا بكر على الوجه الذي حصل؛ كانوا أول من سن أن الأمة مصدر جميع السلطات، وأنها هي التي تختار من يحكمها بدين الإسلام، وشريعة الإسلام هي القانون الإلهي الذي وضع ذلك وجعله متبعًا في كل إمام وخليفة) (٣). وغيرهم (٤).

стр. 215

أما الاتجاه الثالث فهو محاولة للتوفيق بين الرأيين والجمع بين الاتجاهين، فجعل هناك سيادة للَّه وسيادة للأمة في الوقت نفسه (١). حقيقة الخلاف بين هذه الاتجاهات: لن تجد عناءً حين تفحص هذه الاتجاهات حتى تصل إلى نتيجة أنها متفقة في المضمون كان اختلفت في الصياغة، فليس ثم خلف حقيقي بين هذه الاتجاهات، فهي تتفق جميعًا على أن للأمة سلطة في اختيار الحكومة التي تتولى أمرها، ولها سلطة على مراقبتها ومحاسبتها وخلعها، وليس لأحد أن يفرض على الأمة ما لا تريد، غير أن هذه السلطة والسيادة مقيدة بحدود الشريعة الإسلامية، فلا تستطيع أن تخالفها، ولا مشروعية لهذه المخالفة، فهذه السيادة محكومة قانونًا بسيادة وسلطة أعلى منها. فهذه صورة المسألة عند الاتجاهات الثلاثة جميعًا، فمن قال السيادة للَّه قصد أن التشريع والطاعة المطلقة للَّه، وأما الأمة فلها السلطان والحكم فيما لا يعارض الشريعة. ومن قال إن السيادة للأمة فيعني أن لها الاختيار فيما لا يتعارض مع الشريعة، فالمضمون متفق عليه والخلاف بينهما في تحديد مصطلح السيادة على أي شيء يكون؟ فهو خلف في تنزيل مصطلح السيادة لا غير.
следующие страницы →