Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
وَتَكْفِي فِي الأَمَةِ الْمُشَتَراةِ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ باتِّفَاقٍ
قال في المدونة: وإن اشترى معتدة من طلاق وهي ممن يحيض فارتفعت حيضتها فإذا مضت سنة من يوم الطلاق وليوم الشراء ثلاثة أشهر فأكثر حلت، وعلى هذا ففاعل (تَكْفِي) ضمير عائد على السنة، ويكون كلامه مقيداً بما إذا بقي من السنة من يوم الشراء ثلاثة أكثر، ويحتمل أن يكون ضمير (تَكْفِي) عائد على الثلاثة أشهر المتقدمة في قوله: (فَفِي الاكْتِفَاءِ بثَلاثَةِ أَشْهُرٍ قَوْلانِ) وذكر عن القابسي في معتدة من طلاق اشتريت فرفعتها حيضتها أنها لا توطأ إلا بعد سنة ولو قال القوابل بعد ثلاثة أشهر وقبل سنة لا حمل بها، فلا توطأ إلا بعد حيضتين أو سنة لا حيض فيها.
قال: وليست كالمعتدة من الوفاة هذه إن قال القوابل: بعد ثلاثة أشهر وقبل تسعة لا حمل بها، حل لمشتريها وطؤها لأن العدة من الوفاة قد انقضت بمضي شهرين وخمس ليال والتربص لزوال الريبة فمتى زالت حلت، والمطلقة عدتها بعد التسعة أشهر، وفي المدونة أيضا: من اشترى معتدة من وفاة زوج فحاضت قبل تمام شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تتم عدتها، فإن انقضت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن انقضت ولم تحض حتى تتم عدتها، فإن انقضت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن انقضت ولم تحض بعد البيع انتظرت الحيضة فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، فإن زالت الريبة قبلها حلت وإن ارتابت بعدها بحس البطن لم توطأ حتى تذهب الريبة. وأتيت بالكلام في المشتراة في عدة الوفاة استطراداً لأن كلام المصنف لا يتناولها، إذ هو الآن إنما يتكلم في عدة المطلقة.
وَبسَبَبٍ مُعْتَادٍ كَمَنِ اعْتَادَتْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ سَنَةٍ فَفِي انْتِظَارِهَا لاعْتِبَارِ الأَقْرَاءِ قَوْلانِ، وعَلَى انْتِظَارِهَا تَحِلُ بِانْتِفَائِهَا
هذا قسيم قوله: (والمرتابة بغير سبب معتاد) أي والمرتابة بسبب معتاد، وجعل المصنف الأسباب أربعة: الأول: إذا كانت عادتها أنها لا تحيض إلا في كل سنة أو نحو
стр. 2312
ذلك. والثاني: الرضاع. والثالث: المرض. والرابع: الاستحاضةز واقتصر في الجواهر على الثلاثة الأخر، وهو أحسن، لأن في إدخال من تأخر حيضها بسبب العادة تحت المرتابة تسامحاً، والقول بانتظارها الأقراء لمحمد، وهو الذي حكاه اللخمي وغيره.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر. ابن راشد: وهو الصحيح عملاً بعموم الآية، لأن عمدة المذهب في التربص سنة إنما هو قضاء عمر، وهو إنما كان فيمن رفعتها حيضتها.
ابن راشد: وقيل تحل بانقضاء السنة. وقال ابن عبد السلام: لا أتحقق وجود هذا القول في المذهب. ويمكن أن يريد المصنف أنها تحل بثلاث أشهر، لكن هذا القول إنما نقله أشهب عن طاوس ووجهه أنه حمل الآية في الأقراء الثلاثة على الغالب من حصول الطهر والحيض في شهر. وعلى الانتظار فقال محمد: إن لم تحِض عند مجيئها حلت وإن حاضت من الغد، وهذا معنى قوله: (وعَلَى انْتِظَارِهَا تَحِلُ بِانْتِفَائِهَا) وكذلك في الحيضة الثانية والثالثة، واستشكله اللخمي فقال: وليس هذا أصل المذهب، ألا تحتسب بالحيض إذا جاء من الغد لأن الحيض يتقدم ويتأخر.
ثم تكلم المصنف على الرضاع فقال:
والْمُرْضِعَةُ تَتَرَبَّصُ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ لا بالسَّنَةِ اتَّفَاقاً، فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ تَرَبَّصَتْ حِيَنِئِذٍ كالأُولَى ....
ما حكاه من الاتفاق حكاه محمد فقال: لم يختلف قول مالك وأصحابه في عدة المرضع أنها لا تعتد بالسنة وعليها أن تنتظر الحيض أبداً ما دامت ترضع حتى ينقطع عنها الرضاع فتسقبل ثلاث حيض، فإن لم تحِض حتى أتت عليها سنة من يوم قطعت الرضاع حلت. وهذا معنى قول المصنف: (فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ تَرَبَّصَتْ حِيَنِئِذٍ كالأُولَى) وعلل محمد انتظارها للأقراء بأنا عرفنا أن الرضاع هو الذي رفع عنها الحيض فكانت عدتها بالأقراء كما قال الله تعالى، أي فلم تدخل تحت اليائسات.
стр. 2313
وَلِلَّزْوِج انْتِزَاعُ وَلَدِهِ فِرَاراً مِنْ أَنْ تَرِثَهُ أَوْ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعَةً فِي طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْوَلَدِ ....
هكذا قال مالك ومحمد وهو مئروط بأن لا يضر بالود كما إذا علق بأمه ولم يقبل غيرها. مالك في العتبية: وكذلك هي إذا طلبت طرحه إذا قبل ثدي غيرها وكان للأب مال. وإنما قال المصنف: (فِي طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ) لأنه لو كان طلاقاً بائناً لم يحتج إلى انتزاع الولد لأنها حينئذ لا ترثه وله أن يتزوج أختها أو رابعة، ثم تكلم المصنف على المرض فقال:
وَالْمَرِيضَةُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَالْمُرْتَابَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وقَالَ أَشْهَبُ: كَالْمُرْضِعِ
قوله: (كَالْمُرْتَابَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ) أي تتربص سنة، ورأى أشهب أن المرض يذهب الدم فكان كالرضاع، وفرق ابن القاسم بينهما بأن المرضعة قادرة على إزالة ذلك السبب فكانت قادرة على الأقراء بخلاف المريضة فإنها لا تقدر على رفع السبب فأشبهت اليائسة. وقول ابن القاسم مروي عن مالك، وبه قال أصبغ وابن عبد الحكم، واختار ابن المواز قول أشهب [٤٠١/أ] ثم تكلم المصنف على السبب الرابع وهو الاستحاضة فقال:
وَأَمَّا الْمْسَتحَاضَةُ فَإِنْ كَانَتْ مُمَيَّزَةَّ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَرِوَايَتَانِ، ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعْتَبرُ الْحَيْضُ الْمُمَيَّزُ، ابْنُ وَهْبٍ: كَالْمُرْتَابَة، وغَيْرُ الْمُمَيِّزَة كَالْمُرْتَابَةِ ....
حاصله أن المستحاضة على ضربين: إن كانت غير مميزة فهي كالمرتابة باتفاق فعدتها سنة، وإن ميزت فروايتان، واختار ابن القاسم أنها تعمل على المميز الذي لاشك فيه وهو المشهور، واختار ابن وهب أن تعتد بالسنة كالأوىل وتمييزه برائحته ولونه، وقال ابن المواز بكثرته أي أن دم الحيض كثير ودم الاستحاضة قليل، والأمة في ذلك كالحرة.
стр. 2314
تنبيه:
الباجي: انتظارها سنة ظاهر في تقديم الاستحاضة وأما في تأخيرها ففيه نظر وذلك أن الاستحاضة لا تكون إلا بعد حيض، فإذ وجد الحيض بطل حكم الريبة بارتفاع الحيضة واعتدت بالأقراء، فلا يجوز أن يضاف ما بعد الحيض والاستحاضة إلى ما قبله، وقاله ابن القاسم. تستأنف بالمستحاضة التي ينقطع عنها الدم سنة من يوم انقطعت الاستحاضة، ووجهه أن الاستحاضة ليست من جنس انقطاع الدم فلا تلفق. وقال بعضهم: إذا قلنا تبني على أيام الاستحاضة فاختلف إذا لم تعلم أول الدم هل كان حيضاً أو استحاضة؟ فقيل: محمله على الاستحاضة وتكون السنة من يوم الطلاق.
محمد: والقياس أن تكون السنة من بعد قدر حيضة والاستطهار.
وأَمَّا الصَّغِيرَةُ والْيَائِسَةُ حُرَّةُ أَوْ أَمَةً فَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ بِالأَهِلَّةِ
لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] أي كذلك، وقوله: (حرة أو أمة) هو المشهور، ووجهه أن الحمل لا يظهر في أقل من ثلاثة أشهر. وحكى ابن بشير قولين آخرين: شهر ونصف. والثاني: شهران. وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي فلم تدروا ما عدتهن، هكذا فسره مالك في العتبية، وقال ابن بكير والقاضي إسماعيل: إن ارتبتم في معاودة الحيض، قالا: ولو كانت ريبة ماضية في الحكم لكان حقها أن ارتبتم بفتح الألف من إن. قالا: واليائس في كلام العرب إنما هو فيما لم ينقطع فيه الرجاء، يقال: يئست من الحيض لشدة مرض ومن الغائب لبعد غيبته، ولا يقال: يئست من الميت الذي قد انقطع منه الرجاء.
قال اللخمي: والأول أحسن لقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ولا يجتمع الإياس والشك وقال بعض المفسرين: المعنى: إن ارتبتم هذ الدم الذي ظهر من المرأة استحاضة أو حيض معهود أو كبر؟ وقال بعضهم أنه متصل بأول السورة، والمعنى
стр. 2315
لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة، قيل: وهو الأصح في معنى الآية. وقوله: (بِالأَهِلَّةِ) ظاهر.
فَإِنِ انْكَسَرَ الأَوَّلُ تُمِّمَ الْمُنْكَسِرُ ثَلاثِينَ مِنَ الرَّابعِ، وقِيلَ: تُمِّمَ الثلاثة
أي فإن انكسر الشهر الأول بأن طلقها في أثناء شهر، وما قدمه المصنف هو في المدونة على بعض الروايات، لكن صرح عياض وغيره بأن ذلك إنما هو عن ابن شهاب وربيعة.
المتيطي عن بعض القرويين: وقولهما مخالف لقول مالك. وقال أبو عمران: لعل ربيعة يريد إذا لم تر الأهلة مثل أن يغم الهلال، وهو أحسن من الخلاف، والقول الثاني هو مذهب المدونة، ونص عليه في كتاب أكرية الدور، وصرح بعضهم بمشهوريته، وهو الذي يأتي على ما ذكره المصنف في الظهار بقوله: فإن انكسر الأول تمم المنكسر ثلاثين من الثالث، وهو الظاهر لأن المطلوب ما يصدق عليه ثلاثة أشهر، وذلك حاصل بهذا القدر، ووقع في بعض النسخ تقديم هذا القول وهي أحسن.
قَالَ مَالِكٌ: وتُلْغِي الْيَوْمَ الأَوَّلَ، بَعْدَ أَنْ قَالَ: تَحْتَسِبُ بهِ إِلَى وَقْتِهِ
أي: إذا طلقت في بعض يوم- وعلى قوله الأول- أنها تحتسب به إلى وقته فتحل في تلك الساعة. قال في البيان: ووجهه أنها تجب عليها بإجماع أن تبتدئ العدة من تلك الساعة ولتجتنب الطيب والزينة من حينئذ إن كانت عدة وفاة فيجب أن تحل في تلك الساعة. قال: ووجه الثاني أن السنة والشهر واليوم لما كان أول كل واحد منها غروب الشمس عند العرب والعجم وجب إلغاء بعض اليوم. وعلى الثاني: لو تزوجت بعد الوقت الذي هلك فيه زوجها وقبل غروب الشمس لفسخ النكاح. وقال ابن القاسم: لا يفسخ. وهو قول ثالث وهو استحسان مراعاة للخلاف.
стр. 2316
فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ تَمَامِهَا عَادَتْ إِلَى الأَقْرَاءِ
يعني: فإن رأت الصغيرة الدم قبل تمام الأشهر فإنها تلغي ما قدم وتعتد بالأقراء ولو كان ذلك في آخر يوم من الأشهر لأنها إنما اعتدت بالأشهر لتعذر الحيض، وإنما خصصنا كلامه هنا بالصغيرة كما قال ابن راشد، ولم نعممه في الصغيرة والكبيرة كما قال ابن عبد السلام لأنه سيتكلم في اليائسة. والعدد بالنسبة إلى الصغيرة مجاز لأنه حقيقة في الرجوع إلى شيء تقدم، ثم كلامه مقيد بما إذا كانت في سن من تحيض وأما من لم تحِض فلا اعتبار به وهو دم علة وفساد كما لو رأته بنت الستة ونحوها، وهذا معنى قوله:
وما تَرَاهُ مَنْ لا يَحِيضُ مِثلُها لا اعْتِدَادَ بِهِ
ثم تكلم على اليائسة فقال:
وَما تَرَاهُ الْيَائِسَةُ يُسْأَلُ النِّسَاءُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ حَيْضاً انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ تَكُونُ بَعْدَهُ كَالْمُرْتَابَةِ بَعْدَ حَيْضَة ....
أي إذا قال النساء أنه حيض فليست بيائسة، وإنما معنى الكلام [٤٠١/ب] وما تراه من شك في كونها يائسة فإن قلن أنه حيض انتقلت إليه. قال في المدونة: وإن قلن ليس بحيض وكانت في سن من لم تحض من بنات السبعين والثمانين لم يكن ذلك حيضاً وتمادت بالأشهر. ونص في المقدمات في كتاب الطهارة على أنه إذا شك في هذا الدم أنه يحكم له بحكم الحيض حتى يظهر.
وَاَّلتِي لَمْ تَحِضْ، وإن بَلَغَتِ الثَّلاثِينَ كَالصَّغِيرَة
يريد: وأكثر من الثلاثين، وقد صرح في أصل المدونة بأن الأربعين كذلك، قال علماؤنا: وأما لو حاضت مرة في عمرها ثم انقطع عنها سنين كثيرة لمرض أو غيره، وقد
стр. 2317
ولدت أو لم تلد ثم طلقت فإن عدتها بالأقراء ما لم تبلغ سن من لم تحض، فإن أتتها الأقراء وإلا تربصت سنة كما تقدم.
وَالْحَامِلُ تَحِلُّ بِوَضْعِ جَمِيعِ حَمْلِهَا لا بأَحَدِ التَّوْءَمَيْنِ، ولِذَلِكَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِي، ولا فَرْقَ بَيْنَ الْكَامِلِ والْعَلَقةِ كَالاسْتِيلادِ ....
لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وذلك يتناول جميع الحمل، فلذلك فلا تحل إلا بوضع الثاني، فإذا لم تحل كان للزوج الرجعة، ولفظ الحمل يتناول الكامل والعلقة ونص في المدونة في إرخاء الستور على أنها تحل بالمضغة والعلقة وتكون بها أم ولد، ونص في الاستبراء على أن الدم المجتمع كذلك. وقال أشهب: لا تحل بالدم المطلقة ولا تكون به الأمة أم ولد. قيل: وعلامة هذا الدم عند ابن القاسم أن يصب عليه الماء فلا يذوب.
ابن عبد السلام: وما تقدم من أنها تحل بالدم عند ابن القاسم ولا تحل به عند أشهب هو المعلوم من المذهب وعكسه عياض في بعض تواليفه.
والْمُرْتَاَبَةُ بحَسِّ الْبَطْنِ لا تُنْكَحُ إِلا بَعْدَ أَقْصَى أَمَدِ الْوَضْعِ، وهُوَ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، ورُوِيَ أَرْبَعَةٌ، وسَبْعَةٌ، وقَالَ أَشْهَبُ: لا تَحِلُّ أَبَداً حَتَّى يَتَبَيَّنَ ....
ما ذكره المصنف أنه المشهور كذلك، قال ابن شاس وغيره، وهو قوله في كتاب العدة من المدونة، والقول بالأربع هو أيضاً في كتاب العتق من المدونة.
عبد الوهاب: وهي الرواية المشهور. قال ابن الجلاب: هو الصحيح. وروى أشهب عنه أن أقصاه سبعة أعوام، وقال أشهب: لا تحل أبداً حتى يتبين براءتها من الحمل. قال: وأرى أن المرأة تلد أبداً إذا كانت ترى الدم حتى يذهب عنها ثم تستقبل تسعة أشهر. وهذا يصحح النسخة التي ذكرناها وهي قوله: حتى يتبين، لا ما وقع في بعض النسخ: حتى
стр. 2318
يتأيس، من الإياس لأنه لا يلزم من بلوغها سن الإياس أن لا يكون في بطنها حمل متقدم وإنما يمنع الإياس ابتداء الحمل، ويمكن أن يكون المعنى: حتى تيأس من الحمل، فيتفق معنى هذه والأولى، وما جاء هذا الإشكال إلا من فهم الإياس من الحيض، ونقل الجوهري في إجماعه عن محمد بن الحكم أن أكثره تسعة أشهر.
ابن عبد السلام: ولا أعلم له موافقاً كما لا أعلم له موجهاً لأن العيان يقتضي خلافه بما لا يشك فيه ولعله لم يصح عنه. وروي عن مالك أنه لا تحد في ذلك بل يلحق الولد بما يقول النساء أنه يلحق به. وهو أظهر، وسيأتي هذا القول من كلام المصنف.
والنِّسَاءُ كُلُّهُنَّ فِيهِ سَوَاءٌ
أي: فيما تقدم، وهو أكثر مدة الحمل، ولعله إنما ذكر هذا إشارة إلى دفع ما يقال أنه وجد من بني فلان من لا تلد إلى كذا، وفي بني فلان من لا تلد إلى كذا.
ولَوْ أَتَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ بِوَلَدٍ لِدُونِ أَقْصَى الْحَمْل لَحِقَ بِهِ إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باللِّعَانِ، ولا يَضُرُّهَا إِقْرَارُهَا بانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لأَّنَّ الْحَامِلُ تَحِيضُ ...
يعني: أن المرأة المطلقة- وفي معناها المتوفى عنها- إذ أتت بعد انقضاء العدة بولد فإنه يلحق به إذا أتت به لما يلحق فيه الولد، ولا ينتفي عنه إلا بلعان لأن الولد للفراش، وكلام المصنف ظاهر التصور وهو مقيد بما إذا لم تتزوج غير هذا الزوج أو تزوجت غيره وأتت به لأقل من ستة أشهر من عقد الثاني، وحينئذ ينفسخ نكاح الثاني لأنه نكاح في عدة وترجع إلى الأول، وأما إن أتت به لستة أشهر فأكثر فهو لاحق بالثاني قطعاً.
وَفِيهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ خَمْسِ سِنِينَ بأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِد مِنْهُمَا وحُدَّتْ واسْتَضْعَفَهُ بَعْضُهُمْ وقَالَ كَأَنَّ تَحْدِيدَ خَمْسِ سِنِينَ فَرْضٌ ....
إنما لم يلحق بالأول للزيادة على الخمس سنين ولم يلحق بالثاني لنقصانه عن أقل الحمل، إذا لم يلحق بواحد منهما فتحد قطعاً، والمستضعف لهذا هو القابسي. ابن يونس:
стр. 2319
وكان يستعظم أن ينفى الولد من الزوج الأول، وتبعه على ذلك اللخمي، وهو استضعاف ظاهر، ولظهوره عقب المصنف ذلك بقوله:
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إِذَا جَاءَتْ بِهِ لِمَا يُشْبِهُ لَزِمَ
وإلا فكان الأليق بالمصنف أن يقدم هذا القول لما ذكر الخلاف والله أعلم.
وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلا بَيِّنَةَ اسْتَانَفَتِ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِ إِقْرَارِهِ وَوَرِثَتْهُ فِيهَا فِي الَّرجْعِيِّ، ولا يَرِثُهَا وَلا رَجْعَةَ لَهُ إِنِ انْقَضَى قَدْرُ الْعِدَّةِ مِنْ يَوْمِ طَلاقِ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بيِّنَةٌ فَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ طلَّقَ ...
صورة المسألة من كلامه ظاهرة وإنما استأنفت العدة من يوم أقر لأن العدة حق لله تعالى [٤٠٢/أ] فلا يصدق في إسقاطها ولذلك ورثته في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، وإنما لم يرثها ولم تكن له رجعة إذا انقضت العدة من يوم طلاق إقراره لأنه أقر أنها حينئذ أجنبية، فالشرط في قوله: (إِنِ انْقَضَى) راجع إلى مسألتي الميراث والارتجاع معاً. قال في المدونة: وإن كان الطلاق بتاتاً لم يتوارثا بحال.
أبو الحسن: وانظر لو قال الزوج: إنما أقررت بذلك لإسقاط النفقة والسكنى هل يصدق وتكون له الجرعة كما صدقوا المرأة إذا دعت أن زوجها طلقها ثلاثة ولم تصدق عليه ثم خالعها وأرادت نكاحه وقالت: إنما أقررت بذلك لإسقاط النفقة والسكنى لأتخلص منه أن ذلك لها وكما صدقوها إذ طلقت وادعت أنها حامل ثم تقول: لم يكن بي حمل وإنما قلت ذلك ليراجعني زوجي.
وقوله: (وَإِنْ كَانَتْ بيِّنَةٌ) أي تشهد بما أقر به فالعدة من يوم شهدت البينة، لأن قيام البينة يقطع كل تهمة. قال في التهذيب، ويرجع عليها بما أنفقته من ماله بعد طلاقه قبل علمها لأنه فرط، زاد في أصل المدونة بخلاف المتوفى عنها تنفق من مال زوجها بعد موته فللورثة الرجوع عليها.
стр. 2320
مالك في العتبية: وترجع أيضاً بما تسلفت في الطلاق. وقال ابن نافع: لا ترجع بما تسلفت بخلاف ما أنفقت. ابن المواز: ولو قدم عليها رجل واحد يشهد بطلاقها فأعلمها أو رجل وامرأتان فليس ذلك بشيء حتى يشهد عندها من يحكم به السلطان في الطلاق.
وَزَوْجَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا- صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، بنِكَاحٍ صَحِيحٍ غَيْر الْحَامِلِ مِنْهُ- تَعْتَدُّ صَغِيَرةً أَوْ كَبِيرَةً، مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً، مَدْخُولاً بهَا أَم لا- أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْراً، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَشَهْرانِ وخَمْسُ لَيَالٍ
أي: أن المسلم مطلقاً سواء كان صغيراً أو كبيراً إذا توفي عن زوجته صغيرة كانت أو كبيرة تعتد لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:٢٣٤] الآية، ولم يفرق هنا في الزوج والزوجة بين أن يكونا صغيرين أو لا، لأن الزوج لما كان معدوماً في عدة الوفاة حسم الشرع الباب وأوجب له العدة مطلقاً بخلاف الطلاق فإن الزوج يبحث عن حال المعتدة ويذب عن نفسه. واحترز بقوله: (غير الحامل) من الحامل فإن عدتها وضع حملها كما سيأتي. وقوله: (فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً) يريد: أو فيها بقية رق. وحكى ابن أبي زيد وابن العطار عن مالك أنه لا عدة على أمة توفي عنها زوجها قبل البناء وإن كان مثلها يوطأ، وهي رواية شاذة.
وَتُجْبَرُ الذِّمَّيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِ، ورُوِيَ فِي الْحُرَّةِ الذِّمِّيَّةِ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ ولا عِدَّةَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ....
أي: العدة المتقدمة وهي أربعة أشهر وعشر، وجبرت إما لعموم الآية وإما لأنه حق بين مسلم وكافر، وما هذا شأنه يغلب فيه المسلم، والرواية أنها تعتد بثلاثة قروء حكاها ابن الجلاب وغيره.
стр. 2321
وقوله: (ولا عِدَّةَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ): هكذا وقع في نسختي ولم يقع ذلك في نسخة ابن عبد السلام وابن راشد، وعلى وقوعها فليست ابتداء مسألة وإنما هي من تمام الرواية الثانية، ففي الجواهر: وروي الحرة الذمية أنها تستبرأ بثلاث حيض، ويشرط في هذه الرواية كونها مدخولاً بها وإلا فلا عدة عليها، وأما على المشهور فتعتد بأربعة أشهر وعشراً، وهكذا أشار ابن الجلاب وغيره.
تنبيه:
يعني: أن ما قدمه من أن المتوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشراً إنما هو في النكاح الصحي، وأما الفاسد فإنها تلحق بالمطلقات فإن دخل بها استبرئت بثلاث حيض وإن لم يدخل بها استبرئت بثلاث حيض وإن لم يدخل بها فلا شيء عليها لأن الحكم يوجب فسخه، وتحقيق المذهب أن الفساد إن كان مجمعاً عليه ولم يدخل بها فلا عدة، وإن دخل بها فعليها الاستبراء خاصة على المشهور، وقيل: تعتد بأربعة أشهر وعشر، وإن كان مختلفاً فيه ولم يدخل فمن ورثها قال: عليها العدة، ومن لم يورثها لم ير عليها شيئاً. وإن كان دخل ففي اعتدادها بالأشهر أو الأقراء قولان، روى ابن المواز عن ابن القاسم فيمن تزوج في المرض ثم مات أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، وقال أيضاً أنها تعتد بثلاثة أقراء، والأول أظهر.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لابُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ أَوْ مَا يَنُوبُ عَنْهَا فِي الْمُرْتَابَةِ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا. والْمَشْهُورُ: إِنْ تَمَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا فَلا، ويَنْظُرُها النِّسَاءُ وإِلا فَنَعَمْ
لا خلاف أن المعتدة في الوفاة تحل بمضي الشهر إذا حاضت في أثنائها، واختلف إذا لم تحض، فروى أشهب: لابد من حيضة كانت أيام طهرها أقل من العدة أو أكثر، وإن لم
стр. 2322
تحض فلا بد من تسعة أشهر. وإلى هذا أشار بقوله: أو ما ينوب عنها في المرتابة. وفي قوله: (قَالَ أَشْهَبُ) نظر، لأنه يوهم أن أشهب قاله، والمنقول عنه في المنتقى والمقدمات وغيرهما كقول [٤٠٢/أ] ابن الماجشون: لا يحتاج إليها، وتكفيها أربعة أشهر وعشر لأنه لو كانت الحيضة مشروطة لبينته الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] والمشهور تصوره واضح ووجهه بين، لأن تأخير الحيض إذا كانت عادتها أن تحيض قبل مضي مقدار العدة ريبة بخلاف ما إذا كانت عادتها أنها لا تحيض في قدرها، فإن التأخير هنا لا يوجب ريبة، ولذلك اتفق على أن المرضع والمريضة تحل بمضي أربعة أشهر وعشر، قاله ابن بشير لأنها لم يتأخر الحيض عنها لريبة في الحمل وإنما ذلك لما نزل بها، وعلى المشهور فتكون الآية مخصصة بمن لم تحصل لها ريبة بتأخير الحيض وهو مبني على تخصيص العموم بالمعنى. وما ذكره المصنف أنه المشهور رواه مطرف عن مالك، وحاصله أنها تبرأ بمضي أربعة أشهر وعشر بشرطين: أن تتم العدة قبل مجيء عادتها، وأن ينظرها النساء ويقلن لا ريبة بها. وإلى الشرط الثاني أشار بقوله: وينظرها النساء، أي إذا تمت العدة قبل عادتها.
قوله: (وإِلا فَنَعَمْ) أي وإن قال النساء: بها ريبة، فلابد من الحيضة أو ما يقوم مقامها، وهذا الخلاف في المدخول بها.
القاضي أبو محمد: وأما غير المدخول بها فتحل بمضي العدة وإن تأخر حيضها. وروى ابن المواز وابن سحنون أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر إلا أن ترتاب بتأخير الحيض فترفع لتسعة أشهر.
وفِي الْمْستَحَاضَةِ قَوْلانِ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْر، وتِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَالتَّفْصِيلُ أَيْضاً فِي الْمُمَيِّزَةِ ....
اقتصر الباجي على القول بأنها تعتد بتسعة أشهر، وحكاه اللخمي وابن بشير وحكيا أيضاً القول بأنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، واستحسنه اللخمي لعموم الآية. قال ابن
стр. 2323
عبد السلام: والقولان لمالك نصاً، وأما الثالث فتخريج، ومعناه أنها إن كانت غير مميزة تربصت تسعة أشهر وإلا اكتفت بالأربعة أشهر وعشر إن أتتها فيها حيضة، كما تقدم.
وَأَمَّا الأَمَةُ فَقِيلَ: لا تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْعِدَّةِ اتِّفَاقاً، وإِنَّمَا تَحِلُّ بِمَا تَحِلُّ بِهِ الأَمَةُ فِي الشِّرَاءِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ مَعَهَا، وقِيلَ: تَحِلُّ الْمُرْضِعُ بِمُضِيِّهَا، وفِي الْعُتْبِيَّةِ: تَحِلُّ مُطْلَقاً ....
حاصل ما ذكره طريقان: أحدهما: أن ما تقدم من الخلاف في اشتراط الحيضة في عدة الوفاة إنما ذلك في عدة الحرة، وأما الأمة فالاتفاق على أنها لا تحل بمجرد مضيها لقصر أمدها فلا يظهر الحمل فيها.
وقوله: (وإِنَّمَا تَحِلُّ ... إلخ): ليس بظاهر لأنه لا يؤخذ منه الحكم، ولا يقال: لعله شبه لإفادة الحكم لأن التشبيه لإفادة إنما يكون إذا ذكره. وقد اختلف بما تحل به الأمة المتأخر زمان حيضها في الشراء، هل بثلاثة أشهر أو تسعة؟ ومقتضى المدونة أنها تحل بثلاثة إلا أن ترتاب، ففيها: ومن اشترى معتدة من وفاة زوج فحاضت قبل تمام شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تتم عدتها، فإن انقضت أجزائها عن العدة والاستبراء، وإن تمت عدتها ولم تحض بعد البيع انتظرت الحيضة فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، فإن زالت الريبة قبلها حلت وإن ارتابت بعدها بحس البطن لم توطأ حتى تذهب الريبة.
قيل لابن شاش: ما فائدة التسعة وهي لا تبرأ إلا بزوال الريبة؟ قال: معنى ذلك إذا أحست شيئاً عند الثلاثة وارتفعت إلى التسعة كفتها التسعة إن لم تزد تلك الريبة، وأنها لا تزيد على التسعة إلا أن تزيد تلك الريبة. ابن عبد السلام: والمشهور أنها ترفع إلى تسعة أشهر.
خليل: ولعله يريد مع الريبة ليوافق المدونة. وقول المصنف: وإنما تحل بما تحل به الأمة في الشراء: يحتمل أن يريد به القولين أو على أحدهما، والأقرب أنه يريد القول بالثلاثة
стр. 2324
الأشهر لأنه الذي في الجواهر، وهو مقتضى المدونة كما ذكرنا، وكذلك مذهب الرسالة فإنه نص فيها على أن الأمة التي لا تحيض لصغر أو كبر وقد بني بها فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر، وهذه الطريقة ضعيفة فإن ما حكاه المصنف عن العتبية في الطريقة الثانية يبطل الاتفاق.
وقوله: (تَحِلُّ مُطْلَقاً) أي سواء كان يخشى منها الحمل أو لا، وحكى غير واحد في هذه المسالة ثلاثة أقوال، قال ابن القاسم في العتبية: تحل وإن كانت شابة يخشى منها الحمل، وفي إحدى الروايتين عن مالك أنها تكمل ثلاثة أشهر ولا تحل بدونها، وقال في الموازية: إن كانت ممن يخشى منها الحمل فثلاثة أشهر، وإن كانت صغيرة أو يائسة أو لم يدخل بها فشهران وخمس ليال. اللخمي: وهو أحسنها، والقول بأن المرضع تحل بمضيها هو أيضاً لابن القاسم في العتبية.
والْحَامِلِ بِوَضْعِهَا ولَوْ لَحْظَةً، ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا ولَوْ بَعْدَ نِكَاحِهَا
يعني: والحامل المتوفى عنها تحل بوضعها ولو ولدت بعد موته بلحظة.
(ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا) ولو تزوجت غيره، وهذا مذهب الجمهور. ورأوا أن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:٢٣٤] ونقل عن علي وابن عباس: إنما تعتد بأقصى [٤٠٣/أ] الأجلين، وبه قال سحنون، ودليل الأول ما في الصحيح أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال وأنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج، وصرح البخاري (لأربعين ليلة)، وفي الموطأ: (نصف شهر).
الباجي: وهذه القضية من آخر ما حكم به النبي ﷺ ، لأن سبيعة كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع.
стр. 2325
وقوله: (ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا ولَوْ بَعْدَ نِكَاحِهَا): تصوره بين.
ابن الماجشون: وإن ماتت الزوجة وكان قد تزوج أختها فله أن يغسلها. وقال ابن حبيب: أحب إلى إذا نكح أختها أن لا يغسلها.
ابن يونس: وعندي إذا ولدت المرأة وتزوجت غيره فأحب إلى ألا تغسله. وهو ظاهر، ولا يوجد دليل على جواز نظر المرأة إلى فرج رجلين في وقت واحد.
وَالْمَوْتُ يَنْقُلُ الرَّجْعِيَّةَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وقِيلَ: إِلَى أَقْصَى الأَجَلَيْنِ
يعني: أن المطلقة الرجعية سواء كانت حرة أو أمة إذا مات زوجها عنها انتقلت إلى عدة الوفاة وتبطل العدة التي كانت فيها لأن المطلقة طلاقاً رجعياً حكمها حكم الزوجة في الإرث والنفقة والسكنى وهذا هو المشهور. وقال سحنون: عليها أقصى الأجلين. ورأى أن الطلاق أوجب عدة والموت أوجب أخرى فلا يبطل الموت ما تقدم بالطلاق.
خليل: وانظر لو كانت حاضت حيضة قبل الموت ثم لم تأتها حيضة في عدة الوفاة فهل تكتفي بتلك الحيضة وهو الظاهر من جهة المعنى أو لا؟ وهو ظاهر كلامهم.
وقوله: (وَالْمَوْتُ يَنْقُلُ الرَّجْعِيَّةَ) احترز به من المطلقة طلاقاً بائناً فإن الموت لا ينقلها.
وَلا يَنْقُلُ الْعِتْقُ إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ
يعني: إذا طلقها طلاقاً رجعياً ثم عتقت فإنه تتم عدة الأمة لأن العتق ليس بموجب للعدة، وحاصله أن الناقل ما أوجب عدة.
وَلذَلِكَ لَوْ عُتِقَت ثُمَّ مَاتَ َفعِدَّةُ الْحُرَّةِ لِلْوَفَاةِ لأَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا نَقَلَهَا صَادَفَهَا حُرَّةً، ولَوْ مَاتَ ثُمَّ عُتِقَتْ فَعِدَّةُ أَمَةٍ ....
يعني: ولأجل ما قدمه من أن الموت ينقل وأن العتق لا ينقل كان الحكم فيمن طلق زوجته طلاقاً رجعيا ثم عتقت ثم مات عنها أن عليها عدة الحرة، لأن الموجب لعدة
стр. 2326
الوفاة حصل في حال كونها حرة بخلاف ما إذا مات ثم عتقت لأن الموجب- وهو الموت- لما نقلها لم يصادف حرة فتستمر على عدة الأمة شهرين وخمس ليال.
ابن عبد السلام: وسواء تقدمت لها حيضة أم لا، غير أنه إن تقدمت اكتفت بما انتقلت إليه، وإن لم تتقدم لها حيضة فاسلك بها ما تقدم في عدة الأمة للوفاة إذا لم تر فيها دماً، وكذلك تفعل في التي تقدم عتقها على موت مطلقها.
وَلا تَنْتَقِلُ ذِمِّيَّةٌ تُسْلِمُ تَحْتَ ذِمِّيِّ بَعْدَ الْبِنَاِء فَيَمُوتُ فِي عِدَّتِهَا
إنما لم تنتقل الذمية وإن كان الزوج أملك بها إذا أسلم لأنها في حكم البائن، وإنما كان أملك بها إذا أسلم تأليفاً على الإسلام لا لكونها رجعية، وأيضاً فالخطاب في عدة الوفاة إنما وقع للمسلمين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾. احترز بقوله: (بَعْدَ الْبِنَاِء): مما لو مات عنها قبله فإنها لا عدة عليها.
стр. 2327
وَيَجِبُ الاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ إِرْثٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ فَسْخٍ، أَوْ إِقَالَةٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ إِذَا لَمْ تًؤْمَنِ الْبَرَاءَةُ بِوَجْهٍ قَوِيِّ اتِّفَاقاً كَذَاتِ السَّيِّدِ والْمَسْبِبَّةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ زَوْجِها، وإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ أَوِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا إِذَا كَانَتَا مِمَّنْ يَحْمِلْنَ عَادَةً كًبِنْتِ َثلاثَ عَشْرَةَ، وخَمْسِينَ
أصل اشتقاق الاستبراء من التبري وهو التخلص، ثم استعمل لغة في الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض، وفي الشرع في الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك مراعاة لحفظ الأنساب، وهو واجب كإيجاب العدة في الزوجات لما رواه أبو داود أنه ﵊ قال في سبي أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض حيضة)).
الأبهري: ويجب الاستبراء بأربعة شروط: الأول: الملك، الثاني: ألا تعلم براءة الرحم، الثالث: أن يكون وطء تلك الأمة مباحاً في المستقبل، والرابع: أن لا يكون الفرج محللاً له قبل الملك، واحترز بالأول مما لو تزوج أمة فإنه لا يجب عليه استبراؤها، وبالثاني مما لو علمت براءتها كما لو حاضت الأمة المودعة عنده ثم اشتراها، وبالثالث مما لو اشترى ذات زوج، وبالرابع مما لو اشترى زوجته، وقال غيره: إذا اجتمع نقل الملك مع عدم الحوز وجب الاستبراء، وإن انتفى الأمران أو أحدهما فلا استبراء، وكلام الأبهري أحسن لأن هذا الكلام يقتضي أن الإنسان إذا اشترى أمة متزوجة بالغير أن عليه الاستبراء وليس كذلك، وقال بحصول الملك ولم يقل كغيره ينقل الملك ليدخل في كلامه ما أخذه بالغنيمة من أيدي الكفار مما أخذوه من أموال المسلمين بالقهر فإنهم إنما لهم فيه شبهة الملك على المذهب، وقسم المصنف أنواع الملك بقوله: (أَوْ غَيْرِهِ ... إلخ).
وقوله: (أَوْ إِقَالَةٍ)، يريد إلا أن يتقايلا قبل التفرق فإنه لا استبراء. نص عليه في المدونة، ويؤخذ هذا التقييد [٤٠٣/ب] من كلام المصنف من قوله: (إِذَا لَمْ تًؤْمَنِ) لأنه إذا حصل التقايل قبل التفرق علمت البراءة.
стр. 2328
وقوله: (كَذَاتِ السَّيِّدِ) هو أيضاً من الأمثلة التي لا تعلم فيها البراءة لأنها إذا كانت ذات سيد ثم انتقلت إلى غيره فذلك الغير لم يعلم براءة رحمها لاحتمال أن يكون السيد قد وطئها.
وقوله: (والْمَسْبِبَّةِ) ظاهر، وفيها جاء الحديث المتقدم.
وقوله: (وإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ ... إلخ) (إن) للبالغة بمعنى (لو) أي يجب الاستبراء على كل من يمكن حملها سواء كانت من رأت دم الحيض أم لا، وجعل سن الصغيرة التي يمكن حملها ثلاثة عشر، وسن الكبيرة التي يمكن حملها خمسين، وتقدم في الطهارة فيمن سنها خمسون هل يحكم لم تراه من الدم بحكم الحيض أم لا؟ وكذلك اختلفوا هنا في العدد هل يحكم لها بحكم اليائسة أم لا؟
وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْضَعَ فِيهَا فَاشْتْرُيِتْ فَحَاضَتْ فِي الطَّرِيقِ.
يعني: وكذلك يجب الاستبراء إذا أبضع في جارية، أي إذا أرسل دراهم مع شخص ليشتري له بها جارية فاشتراها، وظاهر كلامه أنه لا فرق في ذلك بين أن يأتي بها المبضع معه أو يرسلها مع غيره، وإنما ذكر في المدونة المسالة فيما إذا أرسلها مع غيره.
عياض: ووجب الاستبراء هنا لأنها قد خرجت من يد مشتريها المؤتمن عليها، ولهذا فارقت المودعة التي تخرج ولو كان مشتريها هو الذي أتى بها إليه كانت كمسألة المودعة، وقال أشهب: تجزئها حيضتها في الطريق ولو أرسلت مع وكيل، ولا استبراء عنده من سوء الظن، وعلى هذا فيقيد كلام المصنف بما إذا بعثها مع غيره، واستشكل قول ابن القاسم بوجهين: أحدهما: لو وجب الاستبراء بسوء الظن لزم ألا يطأ من إيمائه إلا من لا تتصرف، وأن لا يطأ في كل طهر إلا مرة، ثانيهما: أن ابن القاسم وافق في الأمة المودعة، وكذلك الأمة المرتهنة تفدى على أن لا استبراء فيهما، فكان يلزمه ألا يستبرئ في المسالة المذكورة لأن المبضع معه والرسول أمينان، وأجيب بأن المبضع معه بعثها مع غيره بغير
стр. 2329
إذن ربها فأشبه الغاصب فليس استبراء سوء الظن، ولا تشبه أيضاً الوديعة للتعدي، وفيه نظر الوديعة.
فإِنْ أمنت قَطْعاً أَوْ بِوَجْهٍ قَوِيِّ كَالاسْتِبْرَاءِ لَمْ يَجِبِ اتِّفَاقاً كَمَنْ لا تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَكَمَنْ حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدٍ لَهُ صَغِيٍر فَيَسْتَبْرِئُهَا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ولَمْ تَخْرُجْ، أَوْ لِشَرِيكِهِ، أَوْ بِوَدِيعَةٍ ولَمْ تَخْرُجْ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا وكَالْمَبِيعَةِ بِالْخِيَارِ ولَمْ تَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ
ظاهره أن فاعل (أمنت) عائد على البراءة لأنه قسيم قوله: (إذا لم تؤمن البراءة) وصوابه على هذا أن يقول فإن حصلت البراءة أو اعتقدت بوجه قطعي أو بوجه ظني قوي، ويمكن أن يكون فاعل (أمنت) ضميراً عائداً على المشتراة المفهومة من السياق، والأول أقرب إلى لفظه كما ذكرنا، والثاني أولى لسلامته مما أورد على الأول، والله أعلم.
قوله: (كَالاسْتِبْرَاءِ) مثال لما علمت فيه البراءة بوجه ظني.
وقوله: (كَمَنْ لا تُطِيقُ الْوَطْءَ) مثال لما علمت فيه البراءة قطعاً، واعترضه ابن عبد السلام بأن الكلام إنما هو فيمن يمكن وطؤها وفيه نظر، ونص المتيطي أن بنت ثمان سنين لا تطيق الوطء وعمل بذلك وثيقة، وإنما لم يجب الاستبراء هنا لأنه إنما وجب خشية وطء الحامل، وقد انتفى الحمل إما بالقطع وإما بالظن.
وقوله: (كَمَنْ حَاضَتْ) هذه أمثلة لما ظن فيها البراءة لأنها إذا حاضت تحت يده سواء كانت لزوجته أو ولده الصغير ثم اشتراها حصل الظن القوي ببراءة رحمها.
وقوله: (مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ) راجع إلى مسألة الولد.
وقوله: (ولَمْ تَخْرُجْ) أي وأما إن خرجت فإنه يجب عليها الاستبراء لسوء الظن، وهذا الشرط إنما هو على قول ابن القاسم وأما على قول أشهب فلا.
стр. 2330
ابن عبد السلام: والظن في التي انتقلت إليه من ابنه أقوى منه في المنتقلة إليه من زوجته لأن نظره في الأولى أتم، ولهذا فصل أشهب في جارية زوجته على ما حكاه عنه محمد، فقال: إن كانت معه في دار هذا الذاب عنها والناظر في أمرها أجزأه كانت تخرج أم لا تخرج، فظاهر هذا أن الزوج لو لم يكن هو الذاب عنها لكان لها حكم غير هذا.
وقوله: (أَوْ لِشَرِيكِهِ) أي اشترى نصيب شريكه وهي تحت يده.
وقوله: (أَوْ بِوَدِيعَةٍ ولَمْ تَخْرُجْ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا) لا خفاء في اشتراط عدم دخول سيدها، وأما اشتراط عدم خروجها فهو مبنى على قول ابن القاسم لا على قول أشهب.
وقوله: (أَوْ بِوَدِيعَةٍ) معطوف على قوله: (وَكَمَنْ حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ لِزَوْجَتِهِ) تقديره كمن حاضت تحت يده حالة كونها لزوجته أو بوديعة. وقول ابن عبد السلام أن قوله (بِوَدِيعَةٍ) معطوف على قوله (بِوَجْهٍ قَوِيِّ)، أو على ما عطف عليه بوجه قوي ليس بظاهر، لأن الوديعة أحد أمثلة الوجه القوي.
وقوله: (وكَالْمَبِيعَةِ بِالْخِيَارِ) أي إذا اشترى أمة على الخيار إما له أو للبائع أو لأجنبي، وقبضها المشتري وحاضت في أيام الخيار، ثم أمضى من له الخيار البيع فلا يحتاج إلى استبرائها، وهذا حكم المشتري [٤٠٤/أ] وأما البائع ففي المدونة: ومن اشترى جارية بالخيار ثلاثة فتواضعاها أو كانت وخشاً فقبضها، فاختار من له الخيار ردها فلا استبراء على البائع، لأن البيع لم يتم فيها، قال: وأن أحب البائع أن يستبرئ التي غاب عليها المشتري وكان له الخيار خاصة فذلك أحسن، إذ لو وطئها المبتاع لكان بذلك مختاراً وإن كان منهياً عن ذلك، كما استحب استبراء التي غاب عليها الغاصب. عياض: وأحب في مسألة الغاصب محمولة على الوجوب. قال: ويبينه ما وقع في أول الكتاب من قوله: (وعليه أن يستبرئها). قالوا: وعلى الغاصب نفقتها ومنه ضمانها حتى تخرج. نص في الجواهر على استحباب الاستبراء إذا غاب عليها المشتري على ظاهر المدونة. وقال
стр. 2331
القاضي أبو الفرج: القياس إذا غاب عليها المشتري وجوب الاستبراء. واستحسنه اللخمي. انتهى. خليل: والأقرب حمل المدونة على الوجوب في مسألة الخيار ولاسيما إذا كان الخيار للمشتري.
فَإِنْ أَمِنَتْ بِوَجْهٍ قَوِيٍّ يَقْصُرُ عَنِ الاسْتِبَراءِ فَقَوْلانِ، وهُوَ مَرَاتِبُ
هذا الكلام يتم به تقسيمه الذي بين فيه من يجب في حقه الاستبراء ومن لا يجب، وجعل الأقسام ثلاثة، إما ألا تعلم البراءة ولا تظن أولاً، فالأول يجب فيه الاستبراء ودخل فيه من ظن شغل رحمها ومن شك. والثاني إما أن تعلم براءة الرحم أو تظن بوجه قوي كالاستبراء الحاصل عنده قبل حصول ملكه أو يظن دون ذلك. وذكر في القسم الثالث في وجوب الاستبراء قولين، وجعله مراتب ولم يجعله مسائل لوجهين، لأن المراتب تفاوت الوجوه التي يقوى بها الاستبراء ويضعف، لأن المرتبة الواحدة يدخل تحتها مسائل، والمشهور في جميع المراتب الوجوب إلا الأولى.
الأُولَى: الْحَاصِلَةُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ بِشَرْطِ أَلا يَمْضِيَ مِقْدَارُ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ، فَالْمَشْهُورُ: لا يَجِبُ ....
تصور كلامه ظاهر، ومقابل المشهور حكاه ابن شعبان وفضل عن أشهب أنه لابد من حيضة أخرى.
وقوله: (بِشَرْطِ أَلا يَمْضِيَ مِقْدَارُ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ) هكذا فسر محمد ذلك، وهو أحسن من قوله في المدونة: ومن ابتاع أمة في أول الدم أجزأه من الاستبراء، وأما في آخره وقد بقي منه يوم أو يومان فلا، لأن قوله في أول الدم أعم من المقصود، فإنها إذا كانت عادتها اثني عشر يوماً أو نحوها واشتراها بعد أربعة أيام صدق عليها أنها في أول الدم مع أنها لا تستغني ببقية هذا الدم عن الاستبراء. لكن ما أشار إليه المصنف إنما يأتي على رأي
стр. 2332
أبي بكر بن عبد الرحمن، وذلك أنه اختلف في معظم الحيضة فذهب أبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه يراعى أكثر الأيام، وحكى ابن القصار عن ابن مناس أن معظم الحيضة اليوم الأول والثاني، لأن الدم فيهما يكون أكثر اندفاعاً من باقي الحيضة وإن كثرت الأيام، والدم القوي وهو الذي يدفع ما في الرحم لا الرقيق.
الثَّانِيةُ: مَنْ تَحْتَ يَدِهِ إِذَا كَانَتْ تَخْرُجُ أَوْ مَنْ كَانَتْ لِغَائِبٍ أَوْ لِمَجْبُوبٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيِّ أَوْ مُكَاتَبَةٍ تَتَصَرَّفُ ثُمَّ عَجَزَتْ ويُسَمَّى اسْتِبْرَاءَ سُوءِ الظَّنِّ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجِبُ. وقَالَ أَشْهَبُ: لا يجِبُ
خاف ابن القاسم عليها الحمل من زنا أو اغتصاب فأوجب الاستبراء.
ابن راشد: وهو أقيس لفساد الزمان، ولم يعتبر أشهب هذا الاستبراء الذي أوجبه ابن القاسم لسوء الظن، لأن الدليل قام على الغاية في مملوكته التي تتصرف. وقد يجاب لابن القاسم أنه لو خوطب بالاستبراء في المملوكة لشق ذلك لتكرره بخلاف المشتراة، وألحق في الجواهر المشتراة من الصبي ونحوه المشتراة من محرم، وصرح بمشهورية قول ابن القاسم. وما ذكره المصنف من وجوب الاستبراء في المكاتبة هو نص قول ابن حبيب، وهو الذي نقله التونسي وابن شاس عن ابن القاسم، وهو ظاهر نقل المازري، لأنه قال: أثبت فيها ابن القاسم الاستبراء ونفاه أشهب. والذي في المدونة في أول كتاب الاستبراء: ومن كاتب أمته ثم عجزت أحببت له الاستبراء إلا التي في يده لا تخرج فالاستبراء عليها. وعلى هذا فيكون معنى أحببت أنه يجب عليه الاستبراء. وحمل أبو الحسن وابن عبد السلام المدونة على ظاهرها، وجعل المصنف مخالفاً لها. وقد اختلف ظواهر مسائل المدونة في رجوع المكاتب إلى يد ربه بسبب العجز، هل هو ملك مستأنف أم لا؟ وخلافهم في مسألة المكاتبة راجع إلى هذا المعنى.
стр. 2333
خليل: وفيه نظر لأنه خلاف ما نقله التونسي وغيره عن ابن القاسم، ولأن علة ابن القاسم حاصلة في المكاتبة كغيرها.
وَالثَّالِثَةُ: كَالْمُطِيقَةِ وَالْياَئِسَةِ لا يَحْمِلانِ عَادَةً. وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ لِلذَّرِيعَةِ وِلِعُسْرِ تَبَيُّنِهِ ....
قال في الجواهر: كبنت التسع والعشر فإنه يمكن وطؤها ولا تحمل في العادة، وكبنت الخمسين. والقول بوجوب الاستبراء رواه ابن القاسم عن مالك، والقياس هو الشاذ، وهو رواية ابن عبد الحكم وابن غانم، لأن الاستبراء معلل بخشية الحمل، والفرض أن العادة تنفيه لولا ما عارضه من التعليل الذي أشار إليه المصنف، لأنه لو قيل بذلك لتوسل إلى [٤٠٤/ب] من يمكن الحمل منها، وأيضاً فإنه يعسر تمييز الزمان الذي يمكن فيه الحمل مما لم يمكن فيه، فلذلك أمر بالاستبراء في الجميع حسماً للذريعة.
وَالرَّابعَةُ: كَالْوَخْشِ وَالْبِكْرِ
ذكر في الجواهر أن المشهور الوجوب فيهما، والقول بنفي الوجوب في الوخش حكاه المازري وغيره. والقول بنفي الوجوب في البكر للخمي، ورآه مستحباً على وجه الاحتياط.
ابن عبد السلام: واحتمال الحمل في الوخش أقوى منه في البكر، فكان ينبغي ألا يجمع بينهما في مرتبة واحدة، بل احتمال الحمل في الوخش أقوى منه في الصغيرة واليائسة المذكورتين في المرتبة الثالثة، والذي قاله ظاهر لاسيما إن كانت الوخش شابة.
وَالْخَامِسَةُ: كَالْمُشْتَرَاةِ مُتَزَوِّجَةً فَتُطَلَّقُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: تَحِلُّ مَكَانَهَا
يعني: إذا اشترى أمة ذات زوج ولم يبن بها، فبعد انعقاد البيع طلقها زواجها قبل أن يبني بها، فقال ابن القاسم: ليس للمشتري أن يطأها في تلك الحال، ولابد له من الاستبراء، لأنها لو أتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم عقد النكاح عليها لحق بالزوج.
стр. 2334
وقال سحنون: تحل للمشتري مكانها، إذ لا موجب عنده للاستبراء، لأن الفرض أنها غير مدخول بها. قول ابن القاسم أظهر لما ذكرناه، ولأن الزوج إنما يباح له وطؤها بإخبار السيد لأنه لا طريق له غير ذلك بخلاف المشتري، فإنا لو أجزنا له الوطء لكان أيضاً معتمده إخبار السيد، والمشتري لا يجوز له الاعتماد على ذلك باتفاق.
وَيَجِبُ بِرُجُوعِهَا مِنْ غَصْبٍ أَوْ سَبْيٍ
القاعدة أنه متى حيزت الأمة على وجه استباحة وطئها وجب استبراؤها إذا غلب عليها غيبة يمكن فيها الوطء، ولا تصدق الأمة إن قالت لم يطأني كما لا تصدق الحرة في ذلك. عياض: قالوا وعلى الغاصب نفقتها ومنه ضمانها حتى تخرج، قالوا ويلزم هذا فيمن زنى بأمة رجل طائعة أو مكرهة، لأن طوعها لا يبطل حق سيدها.
وَيَجِبُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ بِعِتْقٍ أَوْ مَوْتِ سَيِّدِ أُمِّ الْوَلَدِ فِي غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ والْمُعْتَدَّةِ مِنْهُمَا ....
لما كان موجب الاستبراء ضريين، حصول الملك وزواله، وتكلم على الأول أتبعه بالثاني.
ابن هارون: يعني أن الأمة الموطوءة كانت مستولدة أم لا إذا عتقها السيد أو مات سيد أم الولد فلا تتزوج كل واحدة منهما إلا بعد الاستبراء بحيضة، وإن عقد قبل الاستبراء فسخ قبل الدخول وبعده لوقوع العقد في حالة يحرم الاستمتاع فيها لحق الغير. ثم إن هذا الاستبراء إنما يحتاج إليه إذا لم يكونا متزوجتين أو معتدتين، فإن كانا كذلك فلا استبراء، لأنهما إنما وجب استبراؤهما إذا لم يكونا معتدتين أو متزوجتين، لأنه لا مانع هناك للسيد من وطئهما، فاحتمل أن يكونا موطوءتين له بخلاف ما إذا كانتا متزوجتين أو معتدتين فإن هناك مانع له. وهذا معنى قوله في غير المتزوجة والمعتدة منهما، أي من الأمة وأم الولد.
стр. 2335
وَلَوِ اسْتَبْرَأَهُمَا أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا اسْتَانَفَتْ أُمُّ الْوَلَدِ دُونَهَا
يعني: إذا استبرأ السيد الأمة أو أم الولد أو انقضت عدتهما من وفاة زوج كل منهما أو طلاقه، ثم أعتقهما وأراد السيد أن يزوجهما، فإن الأمة تكتفي بذلك الاستبراء المتقدم أو العدة المتقدمة بخلاف أم الولد فإنها لا تكتفي بذلك الاستبراء المتقدم أو العدة المتقدمة، وتحتاج بعد العتق إلى الاستبراء بحيضة، لأن أم الولد لما كان فيها عقد حرية كانت الحيضة في حقها كالعدة، فصارت بمنزلة الزوج يطلق امرأته بعد استبرائها بثلاث حيض فإنها لا تكتفي بذلك ولابد لها من استئناف العدة، لأن أم الولد فراش لسيدها ولا يخرجها عن ذلك إلا تزويجها، وإذا زالت عصمة النكاح عادت إلى الفراش بخلاف الأمة فإنها وإن كانت رائعة ليست بفراش حتى يقر السيد بوطئها.
وَاسْتَانَفَا فِي الْمَوْتِ مَعاً، وَلَوْ كَانَ غَائِباً إِلا غِيبَةً عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ َيْقَدَمْ مِنْهَا
يعني: لو مات سيد أم الولد أو الأمة فإنهما يستأنفان معاً حيضة، لأن الميت يحتاط له. وقوله: (وَلَوْ كَانَ غَائِباً) مبالغة، وسواء كانت الأمة أقر السيد بوطئها أم لا.
ابن عبد السلام: ولو قيل في الأمة المتوفى عنها سيدها ولم يقر بوطئها لا تحتاج إلى استبراء كان السيد غائباً أو حاضراً ما كان بعيداً، ألا ترى أنها لو أتت بولد لم يلحق بسيدها، فلم يبق إلا الاستبراء من سوء الظن، وفيه ما قد علمت.
وقوله: (إِلا غِيبَةً عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ َيْقَدَمْ مِنْهَا) أي: ولا يمكنه أن يأتي خفية. وفي معنى الغيبة التي يعلم أنه لم يقدم منها ما إذا كان مسجوناً. وما ذكره صحيح في الأمة، وأما في أم الولد فمخالف لما في المدونة، ففيها: وإن مات السيد وهي في أول دم حيضتها أو غاب عنها فحاضت بعده كثيراً ثم مات عنها، فلابد لها من استئناف حيضتها بعد موته لأنها عدته، وإنما يأتي كلام المصنف على ما قاله عبد الوهاب في معونته أن الحيضة في الدم استبراء محض وليس بعدة.
стр. 2336
وَلَوْ مَاتَ فِي أَوَّلِ دَمِهِمَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لأَنَّهُ لَهَا كَالْعِدَّةِ
[٤٠٥/أ] يعني بخلاف الأمة فإنها تعتد به كما تقدم في الشراء. وما حكاه من عدم الاكتفاء في أم الولد هو المشهور، وفي الاستذكار عن القاضي إسماعيل أنها تكتفي بالحيضة التي مات وهي عليها، وهو جار على أن الحيضة في حق أم الولد استبراء محض.
وَيَجِبُ قَبْلَ تَزْوِيجِ الأَمَةِ، ويُقْبَلُ قَوْلُ السَّيِّدِ
أي ويجب الاستبراء، وهذا مقيد بالموطوءة. وأما إن لم يطأها ففي المدونة: لا يحتاج فيها إلى استبراء. وقبل قول السيد في الاستبراء لأنه لا يعلم إلا من جهته.
وَلَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ مُدَعِّيِ اسْتِبْرَاءٍ ولَمْ يَطَاهَا جَازَ لَهُ تَزْوِيجُهَا قَبْلَ الاسْتِبْرَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ....
يعني: إذا اشترى أمة وزعم بائعها أنه استبرأها قبل بيعها على ما هو الأولى له.
وقوله: (ولَمْ يَطَاهَا) يوهم أن له وطئها بدعوى البائع، وهو لا يجوز حتى يستبرئها.
وقوله: (جَازَ لَهُ تَزْوِيجُهَا) على المشهور، لأنه قد انتقل إلى المشتري حكم البائع.
ووجه الشاذ أن البائع كان له ذلك حيث كان له الوطء بخلاف المشتري، وهو قول سحنون. وقال ابن القاسم فيمن اشترى زوجته قبل البناء فأراد أن يزوجها: ليس له ذلك حتى يستبرئها، لأن بائعها لم يكن له أن يطأها. وقال سحنون: له أن يزوجها، لأن الوطء له جائز. وبالجملة فابن القاسم راعى حال البائع، وسحنون راعى حال المشتري.
وَيَجِبُ عَنِ الْوَطْءِ الْفَاسِدِ كَمَنْ وُطِئَتْ بِاشْتِبَاهٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَمَنْ وَطئ أُخْتَ أَمَةٍ وَطأهَا ثُمَّ حَرَّمَ الأُولَى ....
ابن راشد: ولا خلاف في هذا وتصور كلامه ظاهر.
стр. 2337
وَفِي اسْتِبْرَاءٍ الأَبِ أَمَةً لابْنِهِ فَوَطأهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَبْرَأَهَا فَقُوِّمَتْ عَلَيْهِ قَوْلانِ
يعني: إذا وطئ الرجل جارية ولده فقومت عليه فإن لم يكن استبرأها قبل وطئها لم يطأها حتى يستبرئها، وإن كان قد عزلها عنده واستبرأها ثم وطأها، فالمشهور أنه لا يحتاج إلى استبراء. والمشهور ومقابله في المدونة، ففيها: ابن القاسم: ومن وطئ جارية ابنه فقومت عليه فليستبرئها إن لم يكن الأب قد عزلها واستبرأها. وقال غيره: لابد أن يستبرئها لفساد مائه وإن كانت مستبرأة عند الأب إذا تلذذ بجارية ابنه حرمت على الابن ووجب على الأب قيمتها، ولم يكن للابن التمسك بها على المعروف. وهذه لما كانت مستبرأة عند الأب فبأول وضع اليد عليها وجلوسه بين فخذيها حرمها على الابن ووجبت على الأب القيمة، فصار وطؤه في مملوكه له بعد الاستبراء. وأشار التونسي إلى أن قول الغير مبني على قول ابن عبد الحكم أن الأب لا يضمن قيمتها بوطئها بل يكون للابن أن يتماسك بها في عسر الأب ويسره. وحكاية المصنف القولين تدل على أن قول الغير مخالف لقول ابن القاسم وهي طريقة الأكثر، وذلك أن الأكثر فهموا أن قول ابن القاسم إن لم يكن الأب عزلها عنده واستبرأها، أنه لو كان استبرأها قبل الوطء لا يحتاج إلى استبراء بعده. وخالفهم ابن اللباد وابن الشقاق وفهما قوله: (إن لم يكن عزلها عنده واستبرأها) على أن المراد بعد وطئه. وصحح هذا ابن مرزوق، وخالفه تلميذه ابن رشد، وصحح مذهب الأكثرين، واحتج لابن القاسم بما احتج به القابسي. واختار عياض قول ابن اللباد بدليل قول ابن القاسم في آخر المسألة لأنه وطء فاسد.
وَالاسْتِبْرَاءُ لِلْمُرْتَابَةِ قُرْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَيْضَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ
لقوله ﵊: ((ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض)) ومقابل المشهور أنه طهر كالعدة، ولم أره منصوصاً، وإنما خرجه المازري على قول أشهب أن المشتراة في أول دمها لا تكتفي بذلك.
стр. 2338
وَالْمُرْتَابَةُ بِتَاخِيرِ حَيْضِهَا، قِيلَ: تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثَلاثَةً ويَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، فَإِنِ ارْتَبْنَ فَتِسْعَةٌ. وكَانَ يَقُولُ تَحِيضُ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ انْتَظَرَتْهَا ....
يعني: أنه اختلف في استبراء الأمة المرتابة، والقول بأنها تتربص تسعة أشهر لمالك في المدونة ورواية ابن وهب، والقول الذي نقله المصنف عن ابن القاسم بقوله: ثلاثة وينظرها النساء، هو له في العتبية، ورواه ابن القاسم وابن غانم في المدونة.
ابن القاسم: وإن ارتفعت الريبة قبل التسعة حلت. وسئل ابن مناس: ما فائدة التسعة على هذا القول وهي إن زالت ريبتها قبلها حلت، وإن لم تزل بعد التسعة زادت؟ فأجاب بأن قال: فائدة ذلك إذا لم تزد تلك الريبة بها الحاصلة بالثلاثة وبقيت على حالها، نعم إن زادت بالحس والتحريك زادت على التسعة. وفصل ابن القاسم بين من تكون عادتها بتأخير حيضتها، كما إذا كانت تأتيها الحيضة في ستة أشهر أو سبعة أو نحو ذلك، وبين من يتأخر حيضها أكثر من تسعة أشهر كما إذا كانت تحيض كل سنة، فالأولى تنتظر الحيضة، والثانية تبرأ بثلاثة [٤٠٥/ب] أشهر، وقول المصنف وكان يقول: إن كانت تحيض كل ستة أشهر ليس هو على معنى الاشتراط، والمعنى إن كانت عادتها تحيض فيما دون تسعة أشهر، ولكن ذكر المصنف الستة تبعاً للرواية، وهذه الرواية رواها يحيي عنه.
خليل: وانظر على هذا القول إذا كانت عادتها ستة أشهر فانتظرتها ولم تأتها الحيضة فيها، هل تحل بانتفائها كما تقدم في عدة الحرة إذا كانت عادتها أن تحيض كل سنة أو ترجع إلى ستة أشهر غالب أمر الحمل.
وَالْمُرْضِعُ والْمَرِيضَةُ كَذَلِكَ
أي: مثل المرتابة، وظاهر تشبيهه في الخلاف المتقدم، ويحتمل في الاستبراء بثلاثة أشهر، وينظرها النساء فإن ارتبن فتسعة وهو أقرب، لأنه الذي رأيته منصوصاً، ولأن قوله إثر هذه والمستولدة كذلك.
стр. 2339
وقيل: (تسعة) يقتضي أنه لم يرد التشبيه في الجميع وإلا لاستغنى عن قوله: وقيل (تسعة). لكن في كلامه على هذا نظر، فإنه ليس في كلامه ما يدل على أنه أراد بالتشبيه ذلك.
وَالْمُسْتَوْلَدَةُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: تِسْعَةٌ
المستولدة هي أم الولد، وتصور القولين بين.
وَالمْسُتْحَاضَةُ: الْمَشْهُورُ: ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ إِلا أَنْ تَشُكَّ فَتِسْعَةٌ، أَوْ تَرىَ مَا تُوقِنُ هِيَ وَالنِّسَاءُ أَنَّهُ حَيْضٌ ....
مقابل المشهور أنه تتربص تسعة ولو ميزت.
وَالصَّغِيرَةُ وَالْيَائِسَةُ: ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ
أي: بشرط أن يمكن وطء الصغيرة، ففي البيان: أما التي لا يوطأ مثلها فلا خلاف أنها لا استبراء عليها، وإنما الخلاف في الصغيرة التي يوطأ مثلها ويؤمن الحمل منها، فذهب مالك وعامة أصحابه إلى وجوب الاستبراء فيها والمواضعة إن كانت من ذوات الأثمان بثلاثة أشهر، لأن الحمل لا يتبين في أقل منها. وقيل: شهران. وقيل: شهر ونصف. وقيل: شهر. وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أنها لا يجب فيها استبراء ولا مواضعة. ونقل بعضهم القول بالشهرين والشهر والنصف في اليائسة أيضاً بعض الموثقين، وكذلك أيضاً يلزم من قال أن استبراء الصغيرة شهران يقول بذلك في اليائسة.
وَالْحَامِلُ: بِوَضْعِ حَمْلِهَا
أي: واستبراء الحامل، وهو ظاهر.
وَالْمُرْتَابَةُ بِحَسِّ الْبَطْنِ أَقْصَى أَمَدِ الْوَضْعِ
يعنى على الخلاف المتقدم.
стр. 2340
وَيَحْرُمُ فِي زَمَنِ الاسْتِبْرَاءِ جَمِيعُ الاسْتِمْتَاعِ. ابْنُ حَبِيبٍ: لا يَحْرُمُ مِنَ الْحَامِلِ مِنْ ِزنَّى والْمَسْبِيَّةِ إِلا الْوَطْءُ ....
ابن عبد السلام: والأول هو المعروف في المذهب. وقال ابن حبيب: أما المسبية تقع في سهمه أو يبتاعها في المقاسم فله أن يلتذ منها بالقبلة والمباشرة والتجريب وغيره ما عدا الوطء لئلا يسقي ماءه ولد غيره، وهذه قد تم ملكه فيها، وبيع المقاسم بيع في براءة وإن ظهر بها حمل لم ترد به. أبو محمد: وهذا الذي ذكر ابن حبيب أنه تدخل البراءة من الحمل في بيع السلطان ليس بقول مالك إلا أن يعني في الوخش. وقد قال ابن المواز: بيع الرائعة بالبراءة مطلق جائز ولا يدخل في ذلك الحمل، وإن تبرأ منه فسد البيع. ونقل المازري وصاحب الجواهر عن ابن حبيب في الحامل من زنى مثل ما نقله المصنف وكذلك ابن راشد. وقال ابن عبد السلام: ما ذكره المؤلف عن ابن حبيب في الزنا لا أحفظه عنه، لكن قال سحنون فيمن اشترى أمة بالبراءة من حمل ظاهر أنه لا بأس أن ينال منها ما ينال من الحائض إذا كان من غير السيد، وكذلك إن قال بعد البيع أن أرضى بحمل إن كان بها ولم يكن البائع يطأ. ابن يونس: ولعله ترخص في هذا للشيخ، لأنه يملك نفسه كما أرخص له النبي ﷺ في القبلة في الصوم، وأما الشاب فلا.
التَّدَاخُلُ: وَإِذَا طَرَأَ مُوجِبٌ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةٍ أَوْ اسْتِبَراءٍ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُتَّحِداً بِفِعْلٍ سَائِغٍ انْهَدَمَتِ الأُولَى واسْتَانَفَتْ مَا هِيَ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ أَقْرَاءٍ أَوْ شُهُورٍ أَوْ حَمْلٍ كَالْمُرْتَجِعِ ثُمَّ يُطَلِّقُ أَوْ يَمُوتُ- مَسَّ أَوْ لَمْ يَمَسَّ- إِلا أَنْ يُفْهَمَ ضَرَرٌ بالتَّطْوِيلِ فَتَبْنِي الْمُطَلَّقَةُ مَا لَمْ تُمَسَّ كَمَا تَبْنِي إِذَا لَمْ تُرْتَجَعْ مُطْلَقاً ....
يعني: إذا كانت في عدة أو استبراء ثم تجدد قبل تمام ما هي فيه موجب آخر، فإما أن يكون الموجبان من رجل واحد أو رجلين، وإذا كانا من رجل فإما أن يكونا بفعل سائغ- أي جائز- أم لا. وذكر المصنف أنه إذا كان الرجل واحداً بفعل سائغ فإن العدة الأولى
стр. 2341
تنهدم وتستغني بالثانية عنها، سواء كانت الثانية من نوع الأولى أو من نوع آخر، وهو مراده بقوله: (مِنْ أَقْرَاءٍ أَوْ شُهُورٍ أَوْ حَمْلٍ). ومثل ذلك بالمرتجع ثم يطلق، يعني إذا طلق زوجته طلاقاً رجعياً ثم ارتجعها ثم طلقها أو مات عنها قبل انقضاء العدة، ولا فرق في ذلك بين أن يمسها بعد ارتجاعه أم لا، ففي الموطأ: والسنة عندنا أن الرجل إذا طلق امرأته وله عليها رجعة فارتجعها ثم فارقها قبل أن يمسها فلا تبني على ما مضى من عدتها، وإنما تستأنف من يوم طلقها عدة مستأنفة. وقد ظلم زوجها نفسه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها، يعني لأن الرجعة تهدم العدة فإن الزوجية تنافي العدة. [٤٠٦/أ].
وقوله: إِلا أَنْ يُفْهَمَ ضَرَرٌ بالتَّطْوِيلِ) هذا الكلام لابن القصار، وقيد به الطلاق مالك المتقدم، وهو ظاهر، لأنه إذا قصد بهذا الارتجاع التطويل عليها في العدة فيعاقب بنقيض مقصوده، وتبني على العدة الأولى بشرط ألا يكون مسها في الارتجاع.
وقوله: (كَمَا تَبْنِي إِذَا لَمْ تُرْتَجَعْ مُطْلَقاً) يعني إذا طلق زوجته طلاقاً رجعياً ثم أتبعها في العدة طلقة أخرى فإنها تبني على العدة من الطلقة الأولى مطلقاً، سواء تخلل الطلاقين حيض أم لا، وهو أحد قولي الشافعي، فنبه المصنف بالإطلاق على مخالفته في أحد قوليه. وفي بعض النسخ: (إذا لم ترتجع مطلقاً) وهي واضحة.
وَكَالْمُتَزَوِّجِ زَوْجَتَهُ الْبَائِنَ ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا قَبلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهَا تَسْتَانِفُ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: إِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَأَقْصَى الأَجَلَيْنِ وضُعِّفَ، أَمَّا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءٍ لَمْ تَنْهَدِمْ ....
هذا معطوف على قوله: (كَالْمُرْتَجِعِ) يعني إذا طلق زوجته طلاقاً بائناً ثم تزوجها وطلقها أو مات عنها فإنها تستأنف، ولا فرق في الموت بين أن يموت عنها قبل البناء أو بعده، بخلاف الطلاق فإنه إن طلقها بعد البناء استأنفت، لأن وطئه هادم للعدة. وإن طلقها قبل البناء بانت، لأن المطلقة طلاقاً بائناً في حكم الأجنبية. وإلى مساواة حالها في
стр. 2342
الموت أشار بقوله: (أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا قَبلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) وإلى الفرق في الطلاق أشار بقوله: (ثم يطلقها بعد البناء). ثم صرح بما أفهمه الكلام آخراً فقال: أما لو طلق قبل البناء لم تنهدم. وروى محمد: إن مات قبله فأقصى الأجلين، أي: وعليها الإحداد في الأربعة أشهر وعشر. هكذا قال في الرواية. والمراد بالأجلين الثلاثة قروء والأربعة أشهر وعشر، ومعنى أقصى الأجلين، أي: أبعدهما، فإن انتهت الأقراء أولاً انتظرت الأشهر، وإن انقضت الشهر انتظرت تمام الأقراء.
تنبيه:
وقع في نسخ عديدة: وروى محمد بن مسملة، وكذلك هو في نسخة ابن راشد. وفي نسخة ابن عبد السلام: (وَرَوَى مُحَمَّدُ) فقط وفسره بابن المواز. وكذلك هو في ابن يونس فليعتمد عليه هنا، على أنه لا يلزم من أن ابن المواز رواه ألا يكون محمد بن مسلمة رواه. واعترض أبو عمران ما رواه محمد فقال: إما أن يجعلها تمضي على عدة الطلاق، أو يجعل النكاح قد هم عدة الخلع فتعتد الوفاة فقط. قال: ويلزمه على هذا أن الحامل إذا خالعها زوجها ثم تزوجها وتوفي عنها قبل الدخول أن يوجب عليها أقصى الأجلين. وأجاب ابن يونس بما حاصله أن عدة الخلع لما خالفت عدة الوفاة في الجنس لزم ألا تدخل إحداهما في الأخرى، بخلاف الحامل فإن عدتها في الخلع والوفاة وضع حملها، فلم يكن اعتبار أقصى الأجلين.
وَمَا سِوَاهُ فَأَقْصَى الأَجَلَيْنِ كَالْمُعتَدَّةِ الْبَائِنِ يَطَأهَا الْمُطَلِّقُ أَوْ غَيْرُهُ وَطْئاً فَاسِداً بِزِنَى أَوْ اشْتِبَاهٍ أِوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ ....
حقيقة أقصى الأجلين إذا كان كل من الأجلين يمكن أن يكون أبعد كالأقصى فيما تقدم، ويطلق مجازاً على معنى آخر وهو المذكور هنا، ومعناه أن المرأة إذا طلقت طلاقاً
стр. 2343
بائناً ثم وطئها مطلقها أو غيره وطئاً فاسداً إما بزنى أو اشتباه، أو تزوجها المطلق أو غيره تزويجاً فاسداً.
والفساد في حق غير المطلق ظاهر لأنه نكاح في عدة الغير، وأما المطلق فلا يكون بسبب العدة وإنما يفسد لغير ذلك من وجوه الفساد. ومعنى أقصى الأجلين أنه يبتدئ من حين الوطء الثاني ثلاث حيض.
وقوله: (كَالْمُعتَدَّةِ الْبَائِنِ يَطَأهَا الْمُطَلِّقُ) يريد وكذلك الرجعية إذا وطأها بغير نية ارتجاع على المشهور فإنها تستبرئ بثلاث حيض، وكأن المصنف إنما خص المعتدة البائن للاتفاق عليها.
وَكَالْمُعْتَدَّةِ فِي وَفَاةٍ أَوْ طَلاقٍ تَتَزَوَّجُ ويُدْخَلُ بِهَا. وقَالَ ابْنُ الْجَلابِ: تُتِمُّ ثُمَّ تَسْتَانِفُ عِدَّةً أُخْرَى. وهُوَ فِي الْمُوطَّأِ عَنْ عُمَرَ
يعني: وممن هي مخاطبة بأقصى الأجلين على المشهور المعتدة، سواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة إذا تزوجت ودخل بها في العدة وفسخ النكاح، وأقصى الأجلين في حق المطلقة مجاز كما ذكرنا بخلافه في المتوفي عنها.
وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْجَلابِ) أحسن منه: وفي الجلاب، لأن ابن الجلاب لم يقله وإنما نقل في المسألتين روايتين، إحداهما ما شهره المصنف، والثانية أنها تتم بقية العدة الأولى ثم تعتد بعد ذلك للزوج الثاني عدة أخرى. ثم كلامه يوهم أن ابن الجلاب ذكر في مسألة الموت والطلاق، وإنما ذكره في مسالة الطلاق.
وَكَالْمُسْتَبْرَأَةِ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ أُوْ يَمُوتُ
يعني: وكذلك يجب أقصى الأجلين على من وجب استبراؤها من الزوجات لأجل وطء فاسد يزني أو اشتباه ثم طلقها الزوج أو مات عنها.
стр. 2344
وَوَضْعُ الْحَمْلِ اللاحِقِ بِالنِّكَاحِ الصَّحٍيحٍ يَهْدِمُ غَيْرَهُ
مثاله: إذا تزوجت المعتدة لغير [٤٠٦/ب] مطلقها أو غصبت أو زنت أو وطئت باشتباه ثم أتت بولد وألحق بالأول، وهو معنى قوله: (بِالنِّكَاحِ الصَّحٍيحٍ) فإن ذلك الوضع (يَهْدِمُ غَيْرَهُ) أي: الاستبراء من الوطء الثاني، لأنه إنما كان خشية الحمل وهو مأمون هنا، ولا خلاف في هذا، قاله عياض وغيره.
وَوَضْعُهُ مِنَ الْفَاسِدِ يَهْدِمُ أَثَرَ الْفَاسِدِ، ولا يَهْدِمُ فِي الْمُعْتَدَّةِ لِلْوَفَاةِ اتِّفَاقاً، فَعَلَيْهَا أَقْصَى الأَجَلْينِ، وفِي الْمُعْتَدَّةِ لِلطَّلاقِ قَوْلانِ. وَعَلَى أَلا يَهْدِمَ فَقِيلَ: أَقْصَى الأَجَلَيْنِ. وَقِيلَ: تَاتَنِفُ بَعْدَهُ عِدَّةً ....
يعني: وإن ألحق بالنكاح في العدة فإن كان وطأها بعد حيضة فإن ذلك الوضع يبرئها من الاستبراء، وهو معنى قوله: (أَثَرَ الْفَاسِدِ) ثم هل يهدم هذا الوضع أثر العدة؟ لا يخلو إما أن تكون العدة الأولى من وفاة أو طلاق، فإن كانت من وفاة فقال المصنف وغيره: لا يهدمها هذا الوضع بالاتفاق. وحكى بعضهم فيها خلافاً كالمعتدة من الطلاق. وهذه الطريقة أولى لأن المثبت أولى ممن حكى الخلاف.
أبو محمد: عن أشهب فإنه حكى عنه في المنعي لها زوجها أن الوضع من الآخر يبرئها منهما، قال: وهو خلاف قولهم كلهم. فإن قلت: كيف يصح قوله: (ولا يَهْدِمُ فِي العدة لِلْوَفَاةِ) ولا يمكن أن يكون أقصى الأجلين إلا الحمل، فإن الفرض محكوم له بأنه من الثاني، ولا يحكم به أنه من الثاني إلا بعد كونه آتياً بعد ستة أشهر، وعلى هذا فيكون الحمل هو أقصى الأجلين، ويصح قوله أن: (وَضْعُهُ مِنَ الْفَاسِدِ ... لا يَهْدِمُ فِي الْمُعْتَدَّةِ لِلْوَفَاةِ) فالجواب أنه يتصور في المنعي لها زوجها إذا اعتدت وتزوجت وحملت من الثاني ثم ثبت أنه لم يمت أولاً وإنما مات الآن، وفسخ نكاح الثاني لأنه نكح ذات
стр. 2345
زوج، فإن وضعت قبل تمام أربعة أشهر وعشر من يوم موت الزوج الأول لم تحل حتى تنقضي الأربعة أشهر وعشر، وإن انقضت الأربعة أشهر وعشر قبل وضع الحمل بأن تبين موت الأول وهي في أول الحمل لم تحل حتى تضع حملها، والله أعلم.
وقوله: (وفِي الْمُعْتَدَّةِ لِلطَّلاقِ قَوْلانِ) يعني: وهل يهدم الحمل اللاحق بالنكاح الفاسد عدة الطلاق؟ قولان. والقول بالهدم مذهب المدونة عند غير واحد من الشيوخ، لأن فيها: وأما الحامل فالوضع يبرئها من الزوجين جميعاً، فظاهره وإن كان من الآخر. وصرح بعضهم بذلك في اختصاره للمدونة، وهو قول ابن القاسم في مختصر ابن أبي زيد، ورواية أشهب في الموازية وضعفه محمد.
والقول بأنه لا يبرئها ولابد لها من ثلاث حيض لأصبغ، والأول أظهر لأن العدة شرعت لبراءة الرحم، ومع الوضع تتحقق البراءة. ورأى أن عدة الطلاق أيضاً فيها ضرب من التعبد، ولولا ذلك لاقتصر على قرء واحد. وعلى الأول إنما تبرأ بالحمل إذا كان بشبهة، وأما إذا كان بزنى صراح فإنه لا يبرئها ذلك من عدة وجبت عليها. وقاله ابن القاسم، لكن اعترضه أبو إسحاق وقال: لا ينبغي أن يفرق في ذلك إذا القصد براءة الرحم.
وقوله: (وَعَلَى أَلا يَهْدِمَ ... إلخ) يعني: وإذا فرعنا على القول بعدم الهدم فعليها أقصى الأجلين، أي لا تكتفي بالحمل وتنتظر بقية الأقراء. وهذا من المواضع التي أطلق فيها المصنف الأقصى بالمجاز، وهذا القول هو المعروف، والقول بأنها تستأنف ثلاث حيض نقله صاحب النوادر، لكن قال عبد الحق: لا يصح ما نقله أنها تستأنف ثلاث حيض، ولفظه في الأمهات: لم يكن لها بد من بقية الثلاث.
ابن يونس: وهذه العبارة هي الصواب لأن الحمل لا يكون من الآخر إلا أن يتزوجها بعد حيضة وتضعه بعد ستة أشهر فأكثر، فقد مضت لها حيضة فتتم بقية الثلاث حيض. وفي التنبيهات ما وقع من نقل بعضهم أنها تستأنف ثلاث حيض بعد الوضع فإنما معناه أنها لم
стр. 2346
تحض قبل. قيل: ولا يقول أحد أن الوضع يهدم ما مضى من عدتها، فإن قلت هذا ليس بظاهر لأنه إنما يلحق بالثاني بعد الحيضة. قيل: يحتمل أن يكون ذلك قبلها ويكون الأول نفاه، فإنه حينئذ يلحق بالثاني كما قال المصنف في المسألة التي تليها.
ابن عبد السلام: القول باستئناف الثلاث ذكره محمد واختاره، وظاهره أن النفاس في هذه الصورة لا يقوم مقام حيضة، وقال بعضهم بل يقوم مقامها، وهو الأظهر عندي. انتهى.
وَمَهْمَا أَتَتْ غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُهُمَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ حَيْضَةٍ لَحِقَ بِالَّثانِي إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باِللِّعَانِ فَيَلْحَقُ بِالأَوَّلِ. وَلا تُلاعِنُ هِيَ لَأَنَّهُ نَفَاهُ إِلَى فِرَاشٍ، فَإِنْ نَفَاهُ تَلاعَنَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حَيْضَةٍ فَالأَمْرُ بِالْعَكْسِ ....
جرت عادة غير المصنف بفرض هذه المسألة في النكاح في العدة، وأتى المصنف بعبارة شاملة لها ولغيرها، فإن قوله: (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) يدخل فيه النكاح في العدة والموطوءة باشتباه، ولا يقال: يدخل في كلامه الأمة المشتركة إذا وطئها الشريكان كما أشار إليه ابن عبد السلام، لأن قوله بعد: (هَذَا حُكْمُ النِّكَاحِ) يرده. وأخرج بقوله (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) الزانية والمغتصبة، ومعناه: إذا تزوجت المعتدة ثم أتت [٤٠٧/أ] بولد لما يحتمل أن يكون لكل واحد من الواطئين بأن تأتي به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني. فإن كان وطء الثاني بعد حيضة لحق الولد بالثاني، لأن الحيضة تدل على براءة رحمها من الأول، وهذا مذهب المدونة وهو المشهور. وروى المدنيون عن مالك: يلحق بالأول ولو وطأها الثاني بعد حيضة أو حيضتين لصحة ماء الأول وفساد وطء الثاني.
وقوله: (إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باِللِّعَانِ فَيَلْحَقُ بِالأَوَّلِ) تصوره ظاهر ولا تلاعن هي لأنه لم يرمها بزنى، وإنما نفاه إلى فراش، فإن نفاه الأول أيضاً التعنت حينئذ، لأنه لم يبق من يلحق به هذا الولد. وهذا معنى قوله: (فَإِنْ نَفَاهُ تَلاعَنَا).
стр. 2347
قوله: (فَإِنْ كَانَ قَبْلَ حَيْضَةٍ فَالأَمْرُ بِالْعَكْسِ) أي فيلحق بالأول إلا أن ينفيه بلعان فينتفي عنه ويلحق بالثاني، ولا تلاعن هي إلا أن ينفيه الثاني أيضاً فحينئذ تلاعن. وعلى ما رواه المدنيون إذا نفاه الأول تلاعن لأنه لا يلحق بالثاني، وإذا ألحق بالأول فإنها تحرم على الثاني لكونه وطأها في العدة. قاله في المدونة.
تنبيهان:
الأول: قد تقدم أن قول (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) يشمل المعتدة والموطوءة باشتباه، ولم أر هذا لحكم في المشتبهة. الثاني: احترز المصنف بقوله: (يَحْتَمِلُهُمَا) مما لو أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، فإنه لا يلحق بالثاني أصلاً ويلحق بالأول إلا أن ينفيه بلعان.
ابن القاسم: وفي معنى الستة ما إذا كان الشهر السادس تسعة وعشرين ولا يلحق في أنقص من ذلك. وقال ابن دينار: يلحق به وإن نقص ليلتين أو ثلاثاً قدر ما بين الأهلة.
عياض: وقد وقعت قديماً بفاس مسألة في امرأة جاءت بولد لخمسة أشهر وأربعة وعشرين يوماً هل يلحق به أم لا؟ واختلف فيها فقهاء بلدنا أيضاً، والصواب ألا يلحق به، إذ لا يصح توالي ستة أشهر نقص، وبه أفتى أحمد ابن القاضي ومحمد بن العجوز وغيرهما، وخالفهما أبو على السبتي.
ثُمَّ مَنِ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ بِهِ وَيْحَدُّ إِنْ كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمُلاعِنَ الثَّانِيَ. وَقِيلَ: الْمُسْتَلْحِقُ مِنْهُمَا يُحَدُّ ....
لا خفاء فيما ذكره أن من استلحقه منهما يلحق به كما في سائر مسائل اللعان.
ابن المواز: فإذا استلحقه أحدهما فلا دعوى للثاني فيه، ولو ادعاه الأول قبل لعان الثاني لم يقبل منه، لأنه ابن الثاني، ولو استلحقه كلاهما بعد التعانهما كان الأول أحق به وتحرم على الثاني للأبد، سواء التعن أم لا، لأنه ناكح في عدة.
стр. 2348
سحنون: ولا تحرم على الأول- وإن التعن- لأنه لم تلاعنه كالتي تغتصب فينفي الزوج حملها، أنه يلاعن ولا تحرم عليه. وقال أصبغ: إن تلاعنا جميعاً حرمت على الأول والثاني. وقال عبد الحميد، وابن عبد السلام: إذا استلحقاه فإنه يكون لمن يقتضي الحكم إلحاقه به لو لم يكن لعانٌ، فإن كان بعد حيضة لحق بالثاني، وإن كا قبلها فبالأول.
ابن عبد السلام: هكذا نصوا. وينبغي أن يحمل على ما إذا استلحقاه في زمان واحد، وأما إن تقدم أحدهما فيلحق بالمستلحق الأول، فانظره مع كلام ابن المواز.
وقوله: (وَيْحَدُّ ... إلخ) يعني: ويحد المستلحق إن كان هو الملاعن الثاني لأنه هو الذي نفاه إلى غير فراش، وأما إن استلحقه الملاعن الأول فإنه لا حد عليه لأنه إنما نفاه لفراش. وهذا قول محمد.
وقوله: وقيل: (الْمُسْتَلْحِقُ مِنْهُمَا يُحَدُّ) أي: سواء كان الأول أو الثاني. وهو قول أصبغ واستصوبه التونسي، قال: لأن لعانها لهما.
هَذَا حُكْمُ النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْقَافَّةُ فَفِي الأَمَةِ يَطَأهَا السَّيِّدَانِ فِي طُهْرٍ
يعني: أن الكم الذي ذكره خاص بالنكاح، وليس في الحرائر قافة وإنما القافة في الإماء، وهذا هو المشهور. وروي عن مالك أنه يعمل به في الحرائر أيضاً، واختاره اللخمي وغيره. والقافة جمع قائف.
أبو عمران: وإنما اختصت القافة بالإماء على المشهور لأن الأمة قد تكون بين جماعة فيطأونها في طهر واحد، فقد تساورا في الملك والوطء. وكذلك ما حكم به عمر ﵁ في وطء الزنا في الجاهلية لتساوي الوطء، وليس أحدهما أقوى من الآخر. وكذلك الأمة إذا ابتاعها رجل وقد وطأها البائع ووطأها المبتاع في ذلك الطهر، لأنها استويا في ذلك الملك، وأما الحرة فإنها لا تكون زوجاً لرجلين في حالة واحدة، فلا يصح فيها
стр. 2349
فراشان متساويان. وأيضاً ولد الحرة لا ينتفي إلا بلعان، وولد الأمة ينتفي بغيره. والنفي بالقافة إنما هو ضرب من الاجتهاد، فلا ينقل ولد الحرة من اليقين إلى الاجتهاد، ثم من ألحقته القافة لحق به، فإن قالت: هو منهما. فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن الاشتراك في الماء لا يصح، ويصير إلى أن يبلغ فيوالي من شاء منهما. وسيأتي من كلام المنصف من آخر أمهات الأولاد في هذه المسالة أربعة أقوال.
فرع:
فإن قالت القافة: ليس هو لواحد منهما. قال أصبغ: تغير عليه القافة، فإن استوى كلامهم وهما مقران بالوطء وإلا أيهما [٤٠٧/ب] شاء. وقال سحنون: يدعى له آخرون ثم آخرون، هكذا أبداً حتى يلحقه بعضهم بأحدهما، لأن القافة إنما دعيت لتحلق لا لتنفي.
وهل يُجتزأ بقائف واحد، وهو الذي رواه ابن حبيب عن مالك، وشرط في الرواية أن يكون عدلاً، أو لا يجتزأ إلا باثنين، وهو الذي رواه ابن نافع عن مالك بناء على إلحاقه بباب الخبر أو بباب الشهادة؟ بعض الشيوخ: والقياس أن يحكم بقائف واحد وإن لم يكن عدلاً، لأنه علم علم يؤديه وليس من طريق الشهادة، كما يقبل قول النصراني الطبيب فيما يحتاج إلى معرفته من ناحية الطب. زاد التونسي: وكذلك اختلف في الترجمان والناظر في العيوب هل يُجتزأ بواحد أو لابد من اثنين؟
وَالْمُشْتَراةُ فِي الْعِدَّةِ عَلَيْهَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ
يعني: سواء كانت معتدة من وفاة أو طلاق، أما المعتدة في الوفاة ففي المدونة: إن حاضت قبل شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تنقضي عدتها، وإن تمت عدتها ولم تحض فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، وأما المطلقة فأشار إليها بقوله:
стр. 2350
فَلِذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً فَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا اعْتَبَرَتْ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ شَرَائِهَا، وإِنْ زَادَتْ عَلَى سَنَةِ الْعِدَّةِ ....
لأنها إذا طلقت وهي مرتابة بتأخير الحيض فعدتها سنة كما تقدم واستبراؤها بثلاثة أشهر كما تقدم فتنتظر أقصى الأجلين، فإن بيعت وقد بقي من العام ثلاثة أشهر فقد دخل الاستبراء في العدة، وإن بيعت وقد بقي من السنة يوم دخل يوم من الاستبراء في العدة.
خليل: ولو قيل: يكتفي بالسنة على الاستبراء لكان قولاً حسناً، لأن الاستبراء معقول المعنى، وقد حصلت براءة الرحم بالسنة، والله أعلم.
وَمَنْ أَعْتَقَ لَمْ يَسْتَبْرِئُ لِنِكَاحِهِ عَنْ وَطْئِهِ
يعني إذا كانت له أمة يطأها ثم أعتقها وأراد أن يتزوجها لم يستبرئ لنكاحه، لأن وطئه أولاً صحيح، والاستبراء إنما يكون عن الوطء الفاسد. وسمعت ممن أثق به أن في المسألة قولاً آخر بالاستبراء، ولم أره الآن وهو أظهر، ليفرق بين ولده من وطء الملك فإنه ينتفي بمجرد دعواه من غير يمين على المشهور، وبين ولده من وطء النكاح فإنه لا ينتفي إلا بلعانه.
وَمَنِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا لِحَلِّ وَطْءِ الْمِلْكِ
يعني: أن الإنسان إذا كان متزوجاً لأمة ثم اشتراها فليس عليه استبراء، لأنه إن لم يدخل بها فواضح إذ لا وطء منه ولا من غيره حتى يجب الاستبراء منه، وإن دخل فوطؤه صحيح والماء ماؤه، وهو ماء صحيح في وطء صحيح.
عياض: وقال ابن كنانة: في غير المدخول بها ويستبرئها. وانظر ما حكاه القاضي عن ابن كنانة هل معناه وإن كانت بعد البناء لم يحتج إلى استبراء أو إنما تحتاج إليه بعده من باب الأولى، ويكون نبه بالأخف على الأشد وهو الظاهر. وذكر أن الولد إذا أحدث بعد الملك كانت به أم ولد باتفاق.
следующие страницы →