Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
وجهل الحكم فيه هو كما لو علم لا فرق بينهما، أما إن ادعى الموكل على الوكيل العلم؛ فالقول قول الوكيل، لأنه ادعى عليه عمارة ذمته، فيحلف الوكيل ويلزم الموكل الشراء والعتق، فإن نكل حلف الموكل وأغرمه الثمن وعتق على المأمور اتفاقاً لإقراره بحرية هذا العبد على الموكل بسبب أنه اشتراه له غير عالم.
اللخمي: وإن قال الوكيل: كنت أمرتني بشراء هذا العبد. وقال الآمر: بل بعبد آخر. وقال: أمرتني بتمر. وقال: لا بل بقمح. فقد اختلف في ذلك هل يكون القول قول الآمر، أو المأمور، والمشترى حق باتفاق.
وَعَلَى عِتْقِهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرَاً بِيعَ أَوْ بَعْضُهُ وعَتَقَ مَا فَضَلَ، والْوَلاءُ لِلْمُوَكِّلِ
يعني: وعلى القول بأنه يعتق على المأمور، فإنما ذلك إذا كان موسراً، وإن كان معسراً بالكلية بيع جميعه، وإن كان معسراً ببعضه عتق ما فضل. وهذا فسره البرقي، والولاء للموكل لأنه عبده كأنه أعتقه.
الْعَاقِدَانِ ومَنْ جَازَ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ، جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ ويُوَكَّلَ إِلا لِمَانِعٍ
العاقدان: هو الوكيل والموكل، وفي كلامه حذف في موضعين؛ في صلة المبتدأ إن عددت (من) موصولة، أو في غيرها إن عددتها شرطية. والمحذوف الثاني في الخبر، أو فعل الجزاء. التقدير: من جاز له أن يتصرف لنفسه في شيء جاز له أن يوكل أو يتوكل فيه إلا لمانع. وعلى هذا فيجوز للمحجور عليها أن توكل في ملازم عصمتها.
وقوله: (إِلا لِمَانِعٍ) أي: من الموانع المتقدمة في الحجر، وذلك لأن التوكل والتوكيل راجعان إلى الإجارة أو العارية. فإن قيل: يرد عليه ما في المدونة: من وكل عبداً مأذوناً له في التجارة أو غير مأذون يسلم له في طعام ففعل؛ فذلك جائز، لأنه لا يتصرف لنفسه. فالجواب: أن ذلك محمول على المأذون له بالاتفاق.
стр. 3292
وَفِيهَا: لا يُوَكَّلُ الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ يُبْضِعُ مَعَهُ. وَكَرِهَهُ ولَوْ كَانَ عَبْدَاً ....
لما قال: إلا لمانع. وكانت الموانع المتقدمة في باب الحجر معلومة أخذ يشير إلى زيادة على ذلك، والمانع هنا اختلاف الدين. وما نسبه للمدونة تبع فيه ابن شاس، قال، وقال المازري: وما ذاك إلا أنه قد يغلظ على المسلمين.
ابن عبد السلام: وليس فيما بين أيدينا من المختصرات هذا اللفظ على المدونة، تبع فيه ابن شاس في كراهته توكيل الذمي على المسلم، وإنما فيها أن يكون للمسلم على تقاضي ديونه بعضهم على نحو ما ذكره المصنف. انتهى.
وقوله: (وَكَرِهَهُ) المراد بالكراهة التحريم. ولفظ المدونة في السلم الثاني: ولا يجوز أن توكل ذمياً أن يسلم لك في طعام، ولا أن يشتري لك ولا يبيع، ولا تستأجره أن يتقاضى لك، ولا تبضع معه، وكذلك عبده النصراني. خليل: ومعنى المدونة كما نقله المصنف. والمصنف لم يلتزم نقل لفظ المدونة فاعلمه.
فائدة: قال في البيان في باب الرضاع: إجارة المسلم نفسه من اليهودي والنصراني على أربعة أقسام؛ جائزة، ومكروهة، ومحظورة، وحرام.
فالجائزة: أن يعمل له عملاً في بيت نفسه، أو في حانوته؛ كالصانع يعمل للناس فلا بأس له، كما [٥٦٠/أ] يفعل للناس من غير أن يستبد بعمله.
والمكروه: أن يستبد بجميع عمله من غير أن يكون تحت يده، مثل: أن يكون مقارضاً أو مساقياً.
والمحظور: أن يؤاجر نفسه في عمل يكون فيه تحت يده؛ كأجير الخدمة في بيته وما أشبه ذلك، فهذا يفسخ إن عثر عليها، وإن فاتت مضت وللأجير الأجرة.
стр. 3293
والحرام: أن يؤاجر منه نفسه بما لا يحل من عمل الخمر، أو رعي الخنازير؛ فهذا يفسخ إن عثر عليها قبل العمل، فإن فات العمل تصدق بالأجرة على المساكين. انتهى.
ولعله عبر بالمحظور في الثالث وفي الرابع بالحرام لتغاير الأحكام، وإلا فالحرام والمحظور مترادفان، وقيل في الوجه الأول بالكراهة وهو الذي اختاره فضل.
وَلا يُوَكِّلُ عَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ
لأنه يجيز بذلك السبيل إلى نصرته.
وَيَمْلِكُ الْوَكِيلُ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ وَقَبْضَهُ، وَقَبْضَ الْمَبِيعِ، وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ
يعني: أن التوكيل على البيع يستلزم أن يكون للوكيل المطالبة وقبض الثمن، ولذلك لو سلم إليه المبيع ولم يقبض ضمنه. وهذا مقيد بما إذا لم تكن العادة الترك، فقد نص أبو عمران على أنه لو كانت العادة في الرباع أن وكيل البيع لا يقبض، فإن المشتري لا يبرأ بالدفع إليه.
وقوله: (وَقَبْضَ الْمَبِيعِ) أي: والتوكيل أيضاً على الشراء يستلزم قبض ما اشتراه ويستلزم الرد بالعيب، ولهذا قال ابن الهندي: كل من نص له في الوكالة على شيء فلا يتعداه إلا هنا، أما لو وكله على البيع وصرح بأنه لا يقبض الثمن مثلاً فلا يكون له القبض.
وقوله: (وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ) يريد: ولم يعلم الوكيل بالعيب قبل شرائه ودخل على ذلك لقوله:
فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ وَلا رَدَّ إِلا فِي الْيَسِيرِ، وشِرَاؤُهُ نَظَرٌ
يعني: وأما لو علم الوكيل بالعيب قبل الشراء فالمشتري له ولا رد للوكيل إلا بشرطين أو شرط مركب من جزأين؛ أن يكون العيب يسيراً، وأن يكون شراؤه نظراً
стр. 3294
للآمر؛ أي: مصلحة له. قال في المدونة: وإن اشترى الوكيل معيباً وكان عيباً خفيفاً يغتفر مثله، وكان شراؤه فرصة؛ لزم الموكل، وإن كان عيباً مفسداً لم يلزمه إلا أن يشاء، وهي لازمة للمأمور إلا أن يشاء، يبين لك أن م راد المصنف بقوله: (كَانَ لَهُ) إن شاء.
فَلَوْ عَيَّنَهُ الْمُوَكِّلُ فَلا رَدَّ لِلْوَكِيلِ. وقَالَ أَشْهَبُ: لَهُ ذَلِكَ
يعني: أن ما قدمه من أن للوكيل الرد بالعيب إنما هو إذا لم يكن المأمور عين المشتري، وأما إن قال له: اشتر لي عبد فلان، فلا رد للوكيل؛ لاحتمال أن يكون الآمر قد علم بعيبه، أو يغتفر عند اطلاعه لغرضه فيه. وقال أشهب: له الرد كالأول. هذا ظاهر كلامه وفيه نظر؛ لأنه عكس المنقول.
ابن عبد السلام: وذلك أنه اتفق على أنه لا رد للوكيل إن كانت السلعة معينة، واختلف إذا لم تكن معينة، فقال ابن القاسم في المدونة: له أن يرد؛ لأنه ضامن لمخالفة الصفة. وقال أشهب: ليس له أن يرد، فإن رد؛ فللموكل ألا يجيز الرد ويضمنه قيمتها إن فاتت.
أبو عمران: وإذا كان يلزمه الضمان بإمساكه السلعة على قول ابن القاسم ويرد طالباً على قول أشهب بالحيلة في التخلص منه أن يرفع للحاكم فيحكم له بأحد المذهبين فيسقط عنه الضمان. وقيد اللخمي قول ابن القاسم بما إذا كان العيب ظاهراً، فقال ابن القاسم: للوكيل أن يرد لأنه ضامن إذا اشترى معيباً، ثم قال: وقول ابن القاسم بيِّنٌ إن كان العيب ظاهراً لأنه فرط.
اللخمي: وإن كان مما يخفى فلا شيء عليه، وإذا لم يكن عليه ضمان لم يكن له أن يرد.
تنبيه: ما ذكره إنما هو في الوكيل المخصوص، وأما المفوض فيجوز أن يرد ولو عين الآمر له المشتري، وكذلك له أن يقبل ونحو ذلك من غير محاباة، نص عليه في المدونة.
стр. 3295
وَيُطَالَبُ بالثَّمَنِ والْمَثْمُونِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ
يعني: ويطالب الوكيل بثمن ما اشترى وبما باع، ولا ينجيه من هذه المطالبة على البائع في الأولى، أو على المشتري في الثانية أنه وكيل، ولا التصريح بالوكالة حتى يصرح أنه لا شيء عليه من دفع الثمن ولا من دفع المبيع، وإنما يدفع ذلك الموكل؛ لأن الأصل أن قابض العوض يلزمه دفع عوضه، فقابض المبيع يلزمه دفع الثمن، وقابض الثمن يلزمه دفع المبيع، وقد ذكر في المدونة في كتبا العيوب والمواز مثل ما ذكره المصنف سواء وهو أصل المذهب، لكن في السلم الثاني لمالك إن وكل رجلاً أن يأخذ له سلماً من آخر فإنه يلزمه. قال: فإن شرط عليه المبتاع أنه إن لم يرض الرجل فالسلم عليك جاز، وكذلك إن ابتعت لرجل سلعة بأمره من رجل يعرفه البائع على أن الرجل إن أقر له بالثمن وإلا فهو عليك نقداً أو إلى أجل؛ فلا بأس به، وظاهره أن المطالبة بالعوض في المسألتين إنما هي للموكل لا الوكيل إلا بشرط. وقد يقال: هاتان المسألتان راجعتان إلى اشتراط تقديم الموكل، والله أعلم.
وقال أشهب، وسحنون في مسألة السلم: إنها لا تجوز، ولقولهما وجه، وتركنا ما يتعلق بمسألة السلم لأنها دخيلة في هذا الباب.
فرع:
قال في الموازية: إن قال فلان بعثني إليك لتبيعه فهو كالشرط، ولا يبتع إلا فلاناً وإن أنكر فلان غرم الرسول رأس المال.
أشهب: وإن قال بعثني إليك لأشتري منك أو لتبيعني؛ فالثمن على الرسول ولو أقر بذلك الرسول فلا يبرأ وهو عليهما.
فرع: ولو أسلم رجل في شيء وقال له: هو لفلان. فأتى فلان في غيبة المسلم فطلبه، فهل يجبر على الدفع وهو قول بعض القرويين، أو لا لأنه يقول: إن دفعت لك قد يأتي المسلم وينكر فأغرم ثانية وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون.
стр. 3296
وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْوَكَالَةِ أَوْ يَعْلَمْ
وعهدة العيب والاستحقاق على الوكيل، إلا أن يصرح بأنه وكيل أو يعلم المشتري [٥٦٠/ب] بذلك، فحينئذ يطلب الموكل وهو إذاً مقيد بما إذا رد السلعة عليه ويكون الثمن على الموكل وإن لم يعلمه بأنه لفلان حلف الوكيل، وإلا ردت السلعة إليه.
وفي الموازية: لا يمين على الوكيل - أي: المفوض - وأما المخصوص فعليه اليمين ويبتع كما يبتع البائع إذا تولى المبايعة، وجعل الأمر في العهدة أخف من المطالبة بالثمن؛ لأن التصريح بالوكالة والعلم بها لا يكون مقتضياً لعدم المطالبة بالثمن؛ لأن المطالبة بالثمن أو المثمون لا بد منها، والأصل عدم الاستحقاق والعيب. ولأصبغ أن العهدة كالثمن؛ لأنه قال في خامس الثمانية: ما كان من رد بعيب فذلك على المتولي البيع، إلا أن يشترط عند البيع اشتراطاً بيناً أنه لا عهدة عليه ولا تباعة ولكن على ربها؛ فحينئذ لا يكون عليه من تباعة ذلك شيء. وقد تبين لك أن قوله: (فَيُطَالِبُهُ) مرفوع على قوله: (مَا لَمْ يُصَرِّحْ) أي: إذا صرح أو علم طولب حينئذٍ، وقد ذكرنا هذه المسألة في البيوع.
وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ رَجَعَ عَلَى مُوَكِّلِهِ
يعني: ولو تلف الثمن في يد الوكيل قبل أن يصل إلى يد البائع فإن الوكيل يرجع على موكله بالثمن ولو تلف مراراً، وهذا مقيد بما إذا لم يكن الموكل دفع الثمن أولاً، وأما إن دفع قبل الشراء فضاع؛ فإنه لا يلزم الآمر غرم الثمن ثانياً إن أبى، هكذا ذكر في المدونة الحكم في المسألتين وفرق بينهما بأنه في الثانية مال بعينه وقد ذهب، بخلاف الأولى فإنه إنما اشترى على ذمتك حتى يصل إلى ربه.
ابن المواز: وعليه الخلف، ولو تلفت السلعة التي اشتراها فلبعض المدنيين: لا يلزم الموكل غرم الثمن في الوجه الأول فأحرى الثاني، ذكره في المدونة في باب القراض.
стр. 3297
وللمغيرة: يلزمه غرم الثمن في الثاني فأحرى الأول.
ابن يونس: وأبينها التفصيل. قال غيره: وهذا الخلاف إنما هو عند الإطلاق، وأما لو قال: اشتر على الذمة أو هذه على التعيين لنفع الشرط اتفاقاً، ويحتمل أن يريد المصنف أن الوكيل على البيع إذا باع وقبض الثمن ثم تلف منه من غير تعد ثم اطلع المشتري على عيب في المبيع أو استحق منه فإنه يرجع بما وجب له على الموكل، ويكون فاعل (رَجَعَ) ضميراً عائداً على المشتري المفهوم من السياق، أو يقرأ (رَجَعَ) مبنياً للمفعول وفي هذا بعد؛ لأنه يستغني عنه بما تقدم، وعلى هذا فالأول أظهر؛ لكنه قد أخل بأحد وجهي المسألة كما تبين لك.
ابن عبد السلام: والأقرب منهما مذهب المغيرة؛ لأن الثمن في ذمة الموكل أمينه، وإنما قلنا أنه في ذمة الموكل لأن الدراهم والدنانير إذا لم تتعين في حق المتبايعين على المعروف فأحرى ألا تتعين في حق الوكيل. وقال أبو الحسن، انظر قوله: لأن هذا مال بعينه فقد ذهب. فإنه يناقض مذهبه في غير موضع؛ في أن من باع سلعة بثمن أو استحق الثمن وكان عيناً أن البيع لا ينقض ويغرم الثمن، إلا أن يقال: ليست العلة مجرد التعيين بل العلة مركبة من وصفين؛ التعيين، وعدم المباشرة للمعاملة.
وَلَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ ولَمْ يَشْهَدْ فَجَحَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ ضَمِنَ
يعني: ولو أسلم الوكيل على البيع المبيع ولم يشهد على القبض فجحد المشتري الثمن؛ يريد: وأصل البيع، وإلا فلو أقر بالبيع وقبض السلعة وادعى دفع الثمن لكان مدعياً يلزمه الغريم إذا حلف الوكيل، ولو أخر المصنف لفظ (الثَّمَنَ) عن (ضَمِنَ) لكان حسناً، وكان يأتي على مذهب ابن شبلون في المدونة؛ لأن فيها: ولو وكله على بيع سلعة فباعها ولم يشهد على المشتري فهو ضامن؛ لأنه أتلف الثمن إذا لم يشهد. قال: وقد قال مالك فيمن أبضع معه بضاعة ليوصلها لرجل، فذكر أنه وصلها وأنكر المبعوث إليه أن
стр. 3298
تكون قد وصلت إليه أن الوكيل ضامن إذا لم يشهد، فأبقاها ابن شبلون على ظاهرها أنه يضمن الثمن، وهو اختيار عبد الحق وابن يونس وغيرهما، ولأن في الموازية ما يدل عليه. قال ابن أبي زيد: يضمن قيمة السلعة. وقال بعض الأصحاب: يضمن الأقل من قيمة السلعة والثمن. وذهب ابن الماجشون إلى عدم الضمان في مسألة البضاعة التي استشهد لها في المدونة. وأشار اللخمي إلى تخريجه في مسألة المصنف من ضمان الوكيل لعدم الإشهاد؛ إنما هو إذا كانت العادة الإشهاد، وأما إذا كانت العادة تركه في بعض المبيعات ليسارتها، قال الشيخ أبو محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن: لا ضمان عليه. وهو اختيار اللخمي. وقال ابن التبان، والإبياني: عليه الضمان، والأول أظهر.
وَلَوْ أَقْبَضَ الدَّيْنَ فَكَذَكِكَ، وقِيلَ: إِلا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ التَّرْكَ
أي: لو أقبض الوكيل الدين الذي على موكله لصاحبه فكذلك يضمن إذا جحد صاحب الدين القبض لتفريطه. وقوله: (وقِيلَ ... إلخ). ابن عبد السلام: وهو قول ثالث ذكره غير واحد، وأشار بعضهم إلى أنه لا يختلف في سقوط الضمان إن كانت العادة ترك الإشهاد، وإنما يختلف إذا كانت العادة بالأمرين معاً الإشهاد وعدمه، أو لم تكن عادة بالمجلة حيث لم تضبط العادة بشيء.
ابن عبد السلام: وقيل في الوكيل على مطالبة غريمه يدفع بغير بينة أنه غير ضامن. وعد هذا بعضهم تقييداً للمشهور، ولعل هذا إن صح يكون حيث جرت العادة بترك الإشهاد. انتهى.
فرعان؛ أولهما: استثنى من الضمان ما إذا كان الدفع بحضرة رب المال، ففي قراض المدونة: وإن كان وكل على شراء سلعة معينة أو غير معينة فدفع الثمن وجحده البائع هو ضامن ولرب المالين تغريمه، وإن علم بقبض البائع الثمن بإقراره عنده ثم جحده، أو
стр. 3299
بغير ذلك ويطيب له ما يقضي له به ذلك إلا أن يرجع الوكيل الثمن بحضرة رب المال فلا يضمن. انتهى.
ثانيهما: إذا شرط المأمور أنه لا يشهد [٥٦١/أ] عند دفع البضاعة ثم جحد القابض؛ جاز الشرط ونفع المأمور وحلف إذا كان غير أمين.
مطرف: ولو شرط المأمور ألا يمين عليه فشرطه باطل للتهمة.
وَلَوْ قَالَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ وتَلِفَ بَرِئَ ولَمْ يَبْرَأ الْغَرِيمُ إِلا بِبَيِّنَةٍ إِلا فِي الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ ....
أي: لو قال الوكيل: قبضت ثمن ما بعته وتلف برئ؛ لأنه أمين، لكن لا يبرأ المشتري إلا ببينة تشهد بمعاينة الدفع، إلا في الوكيل المفوض فإن المبتاع يبرأ بإقراره، وفي معناه الوصي.
مطرف: وإذا ودى الغريم الثمن فله أن يرجع على الوكيل لأنه فرط في دفعه حتى ضاع. وقال ابن الماجشون: لا يرجع بشيء حتى يعلم من الوكيل تفريط، وهو اختيار ابن حبيب. وعن ابن القاسم في المأمور يدفع ثوباً إلى صباغ، فقال: دفعته إليه وأنكر الصباغ؛ فإن لم يقم الرسول بينة ضمن، ولو قال الصباغ: قبضته وضاع مني وهو عديم ولا بينة بالدفع إليه؛ فالصباغ ضامن ويبرأ المأمور.
وَلَوْ أنْكرَ الْوَكِيلُ قَبْضَ الثَّمَنِ فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ، فَقَالَ: تَلِفَ أَوْ رَدَتْتُهُ لَمْ يُسْمَعْ ولا بَيِّنَتُهُ لأَنَّهُ كَذَّبَهَا ....
تصوره ظاهر. وقيل في هذا الأصل: أن البينة تقبل، ونظريتها ما أشار إليه بقوله:
وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ
وهو ظاهر. وكذلك لو أنكر المودع الوديعة فقامت عليه البينة، فقال: رددتها وأقام البينة على الرد أو التلف. وكذلك أيضاً الزوج يملك زوجته فتطلق نفسها ثلاثاً فينكر
стр. 3300
التمليك فتقول بذلك البينة، فيقول: إنما قصدت واحدة، وكذلك إذا طولب بثمن سلعة اشتراها وأنكر الشراء فأقام المدعي البينة عليه وعلى قبض السلعة وأقام المدعى عليه بينته فدفع ثمنها، وكذلك إذا ادعت عليه زوجته أنه قذفها فأنكر فأثبتت أنه قذفها فأراد أن يلاعن، فقال ابن القاسم: له ذلك. وقال غيره: ليس له ذلك ويجلد.
وَقَيِّمُ الْيَتِيمِ لا يُصَدَّقُ فِي الدَّفْعِ
لأنه لو كان مصدقاً لم يحتج إلى إشهاد لكن يحتاج إليه لقوله تعالى: (فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) [النساء: ٦]. وجعل أهل المذهب هذه الآية أصلاً في كل من ادعى الدفع إلى غير اليد الذي ائتمنته أنه لا يصدق إلا ببينة، وعلى قول ابن الماجشون أنه بعث بضاعة مع رجل أنه لا يلزمه الإشهاد في دفعها، وإن أنكر القابض كانت ديناً أو صلة يتخرج منه قبول دعوى الوصي الرد على الأيتام. ونقل بعضهم قول ابن الماجشون صريحاً في الأيتام وجعل منشأ الخلاف قوله تعالى: (فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) هل ذلك لئلا تغرموا ولا تحلفوا. وعلى المشهور من الغرم مع عدم الإشهاد فإنما ذلك إذا أقام اليتيم عليه بالقرب.
مالك في الموازية: وإن طال الزمان فيما بين رشدهم وقيامهم، مثل ثلاثين أو عشرين سنة لا يسألونه عن شيء؛ فإنما عليه اليمين لقد دفع إليهم أموالهم، ونحوه في العتبية. وقال ابن زرب: إذا قاموا بعد العشر أو الثماني لم يكن له قبله إلا اليمين.
وَالْمُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ لَيْسَ لَهُ التَّاخِيرُ لِعُذْرِ الإِشْهَادِ
أي: والذي يصدق في دعوى الرد من وكيل أو مودع ليس له أن يؤخر الدفع ويعتذر بالإشهاد؛ إذ لا فائدة له لأنه مصدق في دعواه الرد من غير إشهاد. وذكر المصنف المسألة
стр. 3301
في صورة القاعدة الكلية، وإن كان إنما تكلم فيؤخذ منه الحكم في الوديعة، وما ذكره من تصديق الوكيل في دعواه الرد هو مذهب المدونة.
وحكى ابن رشد في ذلك أربعة أقوال؛ الأول: هنا أنه يصدق مع يمينه، وهو قول مالك في العتبية ومذهب المدونة في آخر الوكالات.
والثاني: إن كان بقرب ذلك بالأيام اليسيرة فالقول قول الموكل أنه ما قبض منه شيئاً وعلى الوكيل إقامة البينة، وإن تباعد الأمر كالشهر ونحوه فالقول قول الوكيل مع يمينه، وإن طال الأمر جداً لم يكن على الوكيل يمين، رواه مطرف عن مالك.
والثالث لابن الماجشون، وابن عبد الحكم: إن كان بحضرة ذلك وقربه بالأيام اليسيرة صدق الوكيل مع يمينه، وإن طال الأمر جداً صدق الوكيل بلا يمين.
والرابع: التفرقة لأصبغ بين الوكيل على الشيء بعينه فيصدق إلا أن يقيم البينة وإن طال الأمر، وبين الوكيل المفوض إليه فيصدق في القرب مع يمينه؛ ففي البعد بغير اليمين، ابن الماجشون: ولو مات وكيل المرأة - زوجاً أو غيره - بحدثان القبض كان ذلك في مال الوكيل - زوجاً أو غيره - إذا عرف القبض وجهل الدفع، فإن كان مؤتمناً بغير حدثان ذلك، وما يكون في مثله الدفع فلا شيء في أموالهما، وإن لم يقر بالدفع، قال في البيان: ولا خلاف عندي في هذا الوجه. انتهى. ولو قيل إن للوكيل والمودع تأخير الدفع حتى يشهد لكان حسناً؛ لأنهما يقولان: إذا لم يشهدا توجه عليهما اليمين فكان لنا التأخير لتسقط عنا اليمين، لا سيما الوكيل لهذا الخلاف الذي فيه، وقاله بعضهم.
وَالْوَكِيلُ فِي التَّعْيِينِ لا يُوَكَّلُ إِلا فِيمَا لا يَلِيقُ بِهِ أَوْ لا يَسْتَقِلُّ لِكَثْرَتِهَا
احترز بالتعيين من المفوض فإن له أن يوكل على المعروف، وحكى في البيان قولاً بأنه لا يوكل، قال: والأظهر أن له ذلك؛ لأن الموكل أحله محل نفسه فكان كالوصي، ولم يكن
стр. 3302
للوكيل توكيل غيره؛ لأن الموكل لم يرض إلا بأمانته، ولأنه تصرف في الوكالة على خلاف ما أذن له.
واستثنى المصنف موضعين؛ الأول: أن يكون الوكيل لا يليق به تولي الموكل فيه؛ كمن وكل رجلاً شريفاً معروفاً بالجلالة على بيع ثوب أو دابة، لأن الوكيل لما كان لا يتصرف في هذا لنفسه كان ذلك قرينة في إجازة توكيله غيره، فكان ذلك كالتصريح بإجازة التوكيل.
والموضع الثاني: أن يوكله على أمور كثيرة لا يمكن الوكيل أن يستقل بها؛ لأنه بالعادة قد أذن له في التوكيل، إلا أن الوكيل في الموضع الثاني يسوغ له أن يستعين بوكيل آخر ولا يجعل جميع ما إليه للوكيل، بخلاف الأول فإنه يوكل على جميع ما جعل له، ولا شك في الأول إذا علم الموكل بحال الوكيل، وأما إن لم يعلم؛ فقطع بعضهم بأنه لا التفات لعلمه.
قال التونسي: وانظر إن لم يعلم بذلك رد المال، فإن [٥٦١/ب] كان الوكيل مشهوراً فإنه لا يلي مثل ذلك فالأشبه ألا يضمن، وإن لم يكن مشهوراً بذلك فرضاه بالوكالة يدل على أنه هو المتولي حتى يعلم رب المال أنه لا يتولى.
وفي المقدمات: ليس له أن يوكل على ما وكل عليه غيره، ولا أن يوصي إلى أحد بذلك، إلا أن يجعل ذلك إليه الموصى، فإن فعل فتلف المال ضمن على مذهب ابن القاسم، وإن علم أنه لا يلي مثل ذلك لنفسه إذا لم يعلم بذلك الموكل الأول، وهذا نص رواية يحيى عن ابن القاسم، وفي ذلك نظر. وقال أشهب: إذا كان مثله في الكفالة فلا ضمان عليه. انتهى.
فرع: فإن وكل حيث لم يكن له ذلك؛ فالمعروف من المذهب أنه متعد. قال في المدونة: ومن وكل رجلاً ليسلم له في طعام فوكل الموكل غيره لم يجز. ولأصبغ وغيره: إذا فعل وكيله مثل ما فعل الوكيل الأعلى في النظر والصحة لزم، وإن كان على خلاف ذلك
стр. 3303
لم يلزمه ولم يجز الرضى به. واختلف في قوله في الكتاب: لم يجز. فحمله بعضهم على أن للآمر فسخه وإجازته. وحمله ابن يونس على أن المعنى لم يجز رضى الآمر بما يعمل وكيل وكيله؛ إذ بتعديه صار الثمن عليه ديناً للآمر فلا يفسخه في سلم الوكيل الثاني، إلا أن يكون قد حل قبضه فيجوز لسلامته من الدين.
وروى ابن القاسم عن مالك في الواضحة: أن للموكل الخيار كالتأويل الأول. ابن حبيب: وأنكر ذلك أصبغ ومن لقيت من أصحاب مالك.
وَلا يُوَكِّلُ إِلا أَمِيناً
وحيث قلنا أن للوكيل التوكيل فلا يوكل إلا أميناً؛ لأن العادة إنما تدل على ذلك.
وَلا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِمَوْتِ الأَوَّلِ
لأنه صار كالوكيل عن الأصل، فإنا لا نجيز له الوكالة إلا إذا أمكن له في ذلك؛ إما بإذن صريح، أو بحسب العادة، وعلى هذا التقدير، فقال المازري: الأظهر أن الوكيل الثاني لا ينعزل بموت الوكيل الأول، بخلاف انعزال الأول بموت موكله.
وَيَنْعَزِلانِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ. وقِيلَ: لا يَنْعَزِلُ الْمُفَوَّضُ إِلا بِعَزْلِ الْوَرَثَةِ
أي: ينعزل الوكيل الأعلى والأسفل بموت الموكل على المشهور؛ لأنهما إنما كانا يتصرفان له وقد انتقل المال بعد الموت للوارث، وسواء كان كل واحد منهما مفوضاً إليه أم لا، والقول بأنه لا ينعزل المفوض إلا بعزل الورثة لمطرف وابن الماجشون. وجهه القياس على القاضي والأمير، فإنهما لا ينعزلان بموت الخليفة، والفرق للأول أن الوكيل إنما قدم لمصلحة الموكل، وقد حكى ابن الماجشون إجماع العلماء على مثل المشهور، ووقع لأصبغ أن الوكالة تنفسخ بموت الموكل، وإن كان رب المال هو البائع فلا يجوز له أن
стр. 3304
يتقاضى الثمن إلا بتوكيل الورثة، بخلاف إذا كان الوكيل هو المتولي فهو على ولايته. ومراد المصنف بقوله: (يَنْعَزِلانِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ) إذا علما، ويدل على ذلك قوله:
وَفِي انْعِزَالِهِ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَيْهِ فِي الْمَوْتِ، وَفِي الْغَيْبَةِ قَوْلانِ
لأن حكايته الخلاف هنا فيما إذا لم يبلغه الخبر يدل على أن الأول محمول على العلم. ومذهب المدونة: أنه لا ينعزل قبل علمه في الموت، ففيها: إن اشترى بعد موت الآمر ولم يعلم بموته؛ فذلك لازم للورثة، ويؤخذ الثمن من التركة إن لم يكن الوكيل قبضه، وكذلك ما باع. وعلى حمل المدونة على هذا من الفرق بين العلم وعدمه عامة الشيوخ. والقول بأنه ينعزل بمجرد الموت لابن القاسم وأصبغ، وروي أيضاً عن مالك، وزعم اللخمي أنه ظاهر المذهب، وتأول ما في المدونة على أن البائع والمشتري غابا، ولو كانا حاضرين وبيَّنَ لهما الرجل أنه وكيل؛ كان للورثة رد ذلك.
وأما العزل وإليه أشار المصنف بقوله: (وَفِي الْغَيْبَةِ) فتأول أبو عمران أن المذهب في العزل كالموت يصح تصرفه قبل العلم، وهو قول ابن القاسم وأشهب، ورأى أن ما في المدونة في آخر كتاب الشركة: أن الوكيل له كان مفوضاً إليه إذا خلعه غرماؤه، فذلك أنه لا يبرأ غريم بما دفع إليه كان من ثمن أم لا خلافاً لهذا. وكذلك اعترض سحنون مسألة الشركة، وتأول بعضهم أنه لا فرق بين العزل والموت، وإلى التسوية ذهب التونسي وابن محرز وتأولوا مسألة الشركة أن العزل كان مشهوراً فلم يصدقه على أنه لم يعلم، وعلى هذا فيتحصل في مسألة الموت والعزل قبل العلم ثلاثة اقوال؛ ثالثها: يمضي تصرفه الموت دون العزل. ولعله في هذا القول الثالث لاحظ قول مطرف أن الوكيل لا ينعزل في الموت، وإلا ففي الفرق بينهما من حيث المعنى عسر، وذكر في المقدمات عن بعضهم أنه يقول: لا فرق بين المسألتين، ويجعل في كل منهما ثلاثة أقوال؛ أنه لا يبرأ من دفع إلى
стр. 3305
الوكيل فيهما. وإن لم يعلم الدافع بذلك؛ علم الوكيل أو لم يعلم أنه يبرأ فيهما إذا دفع ولم يعلم بموت موكله أو عزله، ولا فرق بين أن يعلم الوكيل ذلك أم لا. والثالث: أنه يبرأ إذا دفع إليه ولم يعلم هو والوكيل، ولا يبرأ إن علم الدافع بالموت والعزل، ويتحصل في المسألة خمسة أقوال. والمصنف لم يتعرض لشيء من ذلك، فلذلك تركناها نحن أيضاً، والخلاف مبني في هذه المسألة على الخلاف في الفسخ من حين الوصول أو البلوغ، واختار جماعة القول بأنه لا ينعزل فيهما استصحاباً للحال، وإلا أدى إلى الشك في إنكاحه ومعاملته، وقياساً على أهل قباء، وأجيب عن القياس بأن المكلف إذا أمر بالتوجه إلى بيت المقدس حرم الإحرام لغيره وهو مضطر إلى الفعل فعذر، بخلاف تصرف الوكيل فإنه من المباحات، والله اعلم.
قال بعض الشافعية: وتنفسخ الوكالة بطروء الجنون على الوكيل والموكل؛ لأن الوكالة من [٥٦٢/أ] العقود الجائزة فوجب أن تنفسخ بالجنون لطروئه على عقد غير لازم.
المازري: وفيه تفصيل عندي، فإن طرأ على الوكيل ثم عاد عليه عقله ثم أراد إبقاء على التصرف فإنه يمكن من ذلك إذا كان الموكل حاضراً أو لم يعزله، وإن كان غائباً ولم يعلم بجنونه فإن ذلك لا يمنعه من التصرف؛ لأن الموكل أذن له في التصرف مع جواز القواطع، وإن كان طروء الجنون على الموكل؛ فالأظهر أنه يمكن من التصرف كوديعة أودعها، لكن لو طال زمان جنونه طولاً يفتقر معه إلى نظر السلطان في ماله، فإنه مما ينظر فيه. وذكر خلافاً بين الحنفية في ردة الوكيل هل توجب عزله؟ قال: والأظهر عندي أنه لا ينعزل بذلك؛ إذ الحجر عليه إنما يكون لحق المسلمين في المال، إلا أن يعلم بمقتضى العادة أن الموكل لا يرضى بتصرفه في ماله إذا ارتد فيكون ذلك مما يوجب منعه من التصرف.
стр. 3306
وَمَهْمَا شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ فَلا يَنْعَزِلُ ولَوْ بِحُضُورِهِمَا
لما ذكر العزل وأفهم كلامه أن للموكل العزل بشرط ألا يتعلق بالوكالة حق الغير، وظاهره أن مجرد الشروع مجب لعدم العزل، وقاله اللخمي وابن شاس، وزاد: إلا أن يخاف من غريمه استطالة بسبب ذلك.
وفي المقدمات: ليس له أن يعزله إذا قاعد خصمه المرتين والثلاث إلا من عذر. هذا هو المشهور في المذهب، ووقع لأصبغ في الواضحة ما يدل على أن له أن يعزله ما لم يشرف على تمام الخصام، وفي المحل الذي لا يكون للموكل عزله عن الخصام لا يكون له هو أن ينحل عن الوكالة إذا قبل الوكالة. انتهى. وإن أراد السفر بعد الثلاث مجالس حلف ما قصد السفر ليوكل، فإن نكل لم يكن له أن يوكل، نعم له بأن يعزله، وإن كانت وكالته بأجرة، أو قاعد الخسم ثلاث مرات إذا تبين منه تفريط، أو يقوم عليه دليل تهمة بينه وبين من وكل عليه.
فرع: واختلف إذا وكله على بيع سلعة أو شرائها أو سمى له شخصاً معيناً، هل له أن يعزله كما لو أطلق، أو لا؟ على قولين.
المازري - وعدها الأشياخ من مشكلات المسائل - قال: والأصح عندي في ذلك إن عين المشتري وسمى له الثمن وقال: شاورني، فهذا موضع الإشكال والاضطراب، هل له غرض في عين المشتري، أم لا؟ واختلف إذا وكله أن يملك زوجته أمرها، هل للموكل أن يعزله؟ فرأى اللخمي وعبد الحميد أنه ليس له ذلك، قالوا: بخلاف أن يوكله على أن يطلق زوجته فإن فيه قولين. ورأى غيرهم أنه يختلف في عزله كالطلاق. واستشكل المازري الطريقة الأولى بأنه لا منفعة للوكيل في هذه الوكالة، فكان الأولى أن يكون له عزله، إلا أن يقال: لما جعل له تمليك زوجته صار كالملتزم لذلك التزاماً لا يصح له الرجوع.
стр. 3307
وَلا يَعْزِلُ نَفْسَهُ عَلَى الأَصَحِّ
هو عائد على وكيل الخصام، وسيأتي الكلام على غيره من الوكلاء؛ يعني: إذا امتنع الموكل من عزل وكيل الخصام فكذلك وكيل الخصام لا يعزل نفسه على الأصح، وظاهره بمجرد الشروع، وكلام صاحب المقدمات المتقدم يدل على أنه إنما يمتنع عزله إذا قاعد الخصم ثلاث مرات، ومقابل الأصح من كلام المصنف يحتمل أن يريد به المشهور، ويحتمل أن يريد به قول أصبغ.
وَلأَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ الاسْتِبْدَادُ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ خِلافَهُ
وهذا بخلاف الوصيين، فإنه لا يكون لأحدهما الاستبداد؛ أي: الاستقلال إلا بإذن، والفرق أن الموصي يتعذر منه النظر في الرد، بخلاف الموكل إن ظهر منه على أمر عزله، ونص صاحب الجواهر على ما ذكره المصنف، وقرره ابن عبد السلام وغيره، وفي المدونة في باب التخيير: وإن ملك أمر امرأته رجلين لم يجز طلاق أحدهما دون الآخر كالوكيلين.
وهذا أيضاً مقتضى ما في النوادر؛ ففيها، قال يحيى عن ابن القاسم: إذا وكل رجلين على تقاضي دين فمات أحدهما، فليس للحي تقاضٍ إلا بإذن القاضي، وأحب إلي أن يوكل القاضي رجلاً يرضاه يقبض معه إن وجد من بلد المستخلف إن خاف القاضي أن يتلف ماله ورأى للتوكيل وجهاً، وإن كان مكان المستخلف قريباً وديونه مأمونة أمر الحي من الوكيلين أن يتوثق من الغرماء حتى يأمن من الدين التلف، ثم يستأني به حتى يحوله الآمر وكالة. انتهى.
وفي المدونة في باب العتق قريب مما ذكرناه عنها في باب التخيير، وأنه إذا قال لرجلين: اعتقا عبدي، لا يكون لأحدهما العتق. ونص اللخمي لما تكلم عليها: أنه لو وكل رجلين يبيعان له سلعة فباع أحدهما أن البيع لا يلزمه. وإن هذا من كلام المصنف وابن شاس فاعلمه.
стр. 3308
وَالْوَكَالَةُ بِأُجْرَةٍ لازِمَةٌ كَالإجَارَةِ، ويَجِبُ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ بِجَعْلِ ثَالِثُهَا: تَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، وبِغَيْرِهِمَا جَائِزَةٌ، وقِيلَ: تَلْزَمُ الْوَكِيلَ كَالْهِبَةِ ....
لما ذكر أن وكيل الخصام ليس له عزل نفسه شرع في غيره، وذكر أنها إذا كانت بعوض على وجه الإجارة كانت لازمة لكل واحد منهما بالعقد كسائر الإجارات، ويجب العلم بالعمل؛ لأن الجهالة بالإجارة لا تجوز. وإن كان على وجه الجعالة فثلاثة أقوال، وفهمهما من كلامه ظاهر، وهي مبنية على الخلاف في لزوم الجعل وإن كانت بغير عوض، وأما الموكل فلا تلزمه بلا إشكال، وأما الوكيل فذكر أنها جائزة فليس له فسخها، وهو قول مالك وإليه ذهب ابن القصار وغيره من البغداديين. وقيل: يلزمه ذلك لأنه كواهب منفعة، والهبة لازمة بالقول على المعروف.
وظاهر كلام المصنف: أن هذا القول منصوص، وهي طريقة اللخمي، وتعلق بما لمالك في المبسوط فيمن أبضع مع رجل بضاعة يشتري له بها سلعة بعينها فذهب الوكيل فاشترى بها، ثم قال له بعد شرائها: إني لنفسي اشتريتها؛ أنه يقبل قوله ويحلف إن اتهم. وفي ثمانية أبي زيد لابن الماجشون [٥٦٢/ب] أنها للآمر، إلا أن يكون أشهد حين الشراء أنه اشتراها له. وقال أصبغ: هي للموكل وإن أشهد. ورأى عبد الحق أن الخلاف إنما هو مخرج على الجعالة وعلى الخلاف في الهبة.
ابن عبد السلام: وهي طريقة غير واحد في نق المذهب. وابن رشد يرى أنه لا خلاف أن للوكيل أن ينحل عن الوكالة متى شاء إلا في وكالة الخصام.
تنبيه: وفهم من كلامه جواز الوكالة في الجعالة على معنى: إن فعلت فلك وإلا فلا، وهو أحد القولين في المدونة وغيرها.
стр. 3309
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي الإِذْنِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوِكِّلِ إِلا إِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ الْمُخْتَلَفِ فِي ثَمَنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَا لَمْ يَبِعْ بِمَا يُسْتَنْكَرُ
إذا تنازع الوكيل والموكل؛ بأن يقول الوكيل: وكلتني على بيع السلعة، ويقول ربها: لم أوكلك. فلا شك أن الوكيل مدع. وقوله: (أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) مثل أن يقول: أمرتني ببيعها، ويقول الآخر: بل برهنها. ويشمل قوله: (أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) الاختلاف في قدر الثمن، وفي جنسه، وفي صفته، وفي حلوله وتأجيله، وحكم بأن القول قول الموكل في هذه المسائل؛ لأنه مدعى عليه عمارة ذمته ما لم يبع بما يستنكر فيكون القول أيضاً للآمر. وهذا الفصل متسع في كلام الأشياخ، وبعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وتركنا ذلك خوف الإطالة، ويشكل كلام المصنف بمسألة المدونة إذا دفع إليه دراهم فاشترى بها تمراً، وقال: بذلك أمرتني. وقلت أنت: ما أمرتك إلا بحنطة. قال فيها: فالمأمور مصدق مع يمينه.
ابن القاسم: لأن الثمن مستهلك كفوات السلعة. نعم قال أصبغ: القول قول الآمر. ولعل المصنف إنما تكلم على غير هذه الصورة وترك هذه لاشتراطها مع الصورة التي ذكر أن القول فيها قول المأمور، وهي ما إذا اختلفا في قدر ثمن المبيع إذا فات.
* * *
стр. 3310
الإقرار: وَالصَّبِيُّ، والْمَجْنُونُ، والْمُبَذِّرُ، والْمُفْلِسُ، والْعَبْدُ، قَدْ تَقَدَّمَ
الإقرار: إخبار المرء عن أمر اختص به في نفسه، وهو مصدر أقر يقر إقراراً؛ أي: اعترف بالحق، وهو راجع إلى شهادته على نفسه.
وله أربعة أركان: المقر، والمقر له، والمقر به، والصيغة.
وبدأ المصنف بالكلام على المقر، وذكر أن إقرار الصبي وما عطف عليه تقدم في باب الحجر.
والْمَرِيضُ لا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ مِنْ وَارِثٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ مَخْصُوصَيْنِ
يعني: والمريض لا يقبل إقراره لمن يتهم هو على جذب النفع إليه؛ من وارث أو أجنبي مخصوصين بالاتهام عليهما، لا كل قريب وأجنبي، وبين ذلك بقوله:
فَالْوَارِثُ كَالْبِنْتِ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ وشِبْهِهِ، وبِالْعَكْسِ يُقْبَلُ
لما ذكر أنه إنما يمنع من الأقرار لوارث مخصوص وأجنبي مخصوص أخذ يبين ذلك المخصوص؛ أي: فلا يقبل إقراره لبنته إذا كان له ابن عم يرثه معها؛ لأن النفوس مجبولة على رجحان البنت، وبالعكس يقبل؛ أي: أقر لابن عمه فيقبل لعدم التهمة.
والأَجْنَبِيُّ صَدِيقٌ مُلاطِفٌ، والْمَرِيضُ يُورَثُ كَلالَةً، وقِيلَ: يُقْبَلُ فِي الثُّلُثِ
الواو في قوله: (والْمَرِيضُ) للحال. والكلالة: الفريضة التي لا ولد فيها ولا والد، ولعل المصنف أراد هنا غير هذا؛ أعني: ما لا ولد فيها لما في وصايا المدونة، وإن أقر لصديق ملاطف؛ جاز إن ورثه ولد، أو ولد ولد، فإن ورثه أبوان أو زوجة وعصبة ونحوه لم يجز، فأبطل إقراره مع أن في الورثة أبوين، وهذا هو المشهور، والقول بأنه يقبل في الثلث ويبطل ما زاد عليه رواية. وعن ابن عبد الحكم: أن إقراره للصديق الملاطف
стр. 3311
لازم وإن كان يورث كلالة. أبو محمد: وهو خلاف قول مالك. وقال أحمد بن عيسى: أما الرجل الصالح الذي يعرف بالدين والصدق ولا يجهل ما في ذلك من الإثم؛ فإقراره لصديقه الملاطف جائز.
وألحق في البيان بالصديق الملاطف القريب غير الوارث، فقال: إقرار الزوجة على أربعة أوجه؛ إما أن يقول لوارث، وإما للقريب غير وارث، أو صديق ملاطف، وإما لأجنبي، وإما لمن لا يعرف من هو من هذه الثلاث، فالأول: إذا كان المقر له في القرب بمنزلة من لم يقر له أو أقر، فلا خلاف أنه لا يجوز. ابن المواز: إذا لم يكن لذلك وجه يدل على صدقه وإن لم يكن قاطعاً، إلا أن يكون المقر له عاقاً والذي لم يقر له باراً له، ففي جوازه قولان، وإن كان المقر له أبعد، فلا خلاف أن إقراره جائز. واختلف إذا كان بعض من لم يقر له أقرب من المقر له وبعضهم بمنزلته، أو كان بعضهم أقرب وبعضهم أبعد منهم على قولين؛ فقيل: إنه يجوز. وقيل: لا يجوز. وأما إن أقر لقريب غير وارث أو صديق ملاطف؛ فالمشهور: أن إقراره جائز إن ورث بولد لا كلالة، وقيل بجوازه مطلقاً وهما قائمان من المدونة. وقيل: إن ورث بولد جاز من رأس المال، وإن ورث بكلالة فمن الثلث.
وأما الأجنبي فلا خلاف أن إقراره جائز، فإن طلب ولم يوجد تصدق به عنه كاللقطة، وأما إن أقر لمن لا يعرف؛ فإن كان يورث بولد جاز من رأس المال إن أوصى أن يصدق به عنه أو يوقف لهم، واختلف إن كان كلالة، فقيل: إن أوصى أن يوقف حتى يأتي طالبه جاز من رأس المال، وإن أوصى أن يتصدق عنه لم يجز لا من الثلث ولا من رأس المال. وقيل: أنه من الثلث وهو قائم من كتابة المدونة. وقيل: إن كان يسيراً فمن رأس المال، وإن كان كثيراً لم يجز مطلقاً. قال: وفي إقرار الزوج لزوجته بدين في المريض تفصيل.
стр. 3312
وحاصله: أنه لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يعلم منه ميل إليها. والثاني: أن يعلم منه البغض لها. والثالث: أن يجعل ذلك.
فإن علم الميل لم يجز إقراره إلا أن يجيزه الورثة، وإن علم منه البغض لها فإقراره لها جائز على الورثة، فإن جهل فوجهان؛ إن وكل كلالة [٥٦٣/أ] فلا يجوز إقراره لها، وإن ورث بولد فالولد لا يخلو أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً، صغاراً أو كباراً، واحداً أو عدداً منها أو من غيرها. فإن كان الولد أنثى يرثنه مع العصبة، سواء كن واحدة أو عدداً، صغاراً أو كباراً من غيرها أو كباراً منها.
فيتخرج ذلك عندي على قولين؛ أحدهما: أن إقراره لها جائز. والثاني: لا يجوز من اختلافهم في إقراره لبعض العصبة إذا ترك بنتاً وعصبة، فإن كن صغاراً منها لم يجز إقراره لها اتفاقاً، وأما إن كان الولد ذكوراً وكان واحداً؛ فإقراره لها جائز، فإن كان الولد عدداً فإقراره جائز، إلا أن يكون بعضهم صغيراً منها وبعضهم كبيراً منها أو من غيرها فلا يجوز إقراره لها، وإن كان الولد الكبير في الموضع الذي يرفع التهمة عن الأب في إقراره لزوجته عاقاً؛ لم ترتفع عنه التهمة وبطل على ما في سماع أصبغ من العتبية وإحدى الروايتين في المدونة، وإن كان بعضهم عاقاً وبعضهم باراً به خرج ذلك على ما ذكرته من الاختلاف في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنة وعصبة، وكذلك الحكم سواء في إقرار الزوجة لزوجها، ولا فرق أيضاً بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين، أو بأنه قبض ما له عليه من دين.
الْمُقَرُّ لَهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاً أَوْ حَمْلاً
أي: يشترط فيه أن يكون أهلاً للاستحقاق، فلو قال: لهذا الحجر أو الفرس عليَّ ألف؛ بطل. وصح الإقرار للعبد أو الحمل؛ لأنهما أهلان لذلك.
стр. 3313
وَلَوْ قَالَ: لِحَمْلِ فُلانَةٍ عَلَيَّ أَلْفٌ لَزِمَهُ؛ أَطْلَقَ أَوْ قَيَّدَ إِنْ وضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَقَلَّ مِنَ الإِقْرَارِ ....
يعني بـ (أَطْلَقَ) أن يقول: لحمل فلانة عليَّ ألف، وبالتقييد أن يقول من هبة أو صدقة، ولا إشكال إن قيد ذلك بوجه يصح للجنين كما ذكرنا، وأما إن قال: أقرضنيها، فقال سحنون: يلزمه أيضاً ويعد ذلك منه ندماً. وقال ابن عبد الحكم: إذا قال من كراء هذا الجنان والفدان، وخرج عدم اللزوم إذا أطلق ما في الموازية في القائل لك: عليَّ مائة أو على فلان؛ فلا يلزمه لعدم تحقق عمارة الذمة.
محمد: إلا أن يقول: عليَّ أو على ابن شهر؛ فتلزمه لكون ابن شهر لا يصح أن يملك ولا أن يكتسب. فإذا رأى محمد أن التردد بين الرجلين يبطل الإقرار، وأن التردد بينه وبين صبي بخلاف ذلك، وأنه كالقائل: لفلان على العبد درهم، أو عند هذا الحجر؛ دل على أن محمداً يبطل الإقرار لابن شهر، وإذا بطل لابن شهر فالحمل أولى، وفي هذا التخريج نظر؛ لأن محمداً إنما صحح هذا الإقرار في قوله: لك عليَّ أو على ابن شهر، لأنه إقرار على ابن شهر، وابن شهر يبعد في العادة أن يكون عليه ألف، بخلاف الإقرار فإنه يصح أن يملك ولا يمكن أن يخالف فيه.
وخرج بعضهم أيضاً البطلان في التقييد بما لا يصح أن يصدر من الحمل من أحد القولين، فيمن علق طلاق امرأته على مشيئة الحجر؛ إذ لا يلزمه، ولا يعد ذلك ندماً؛ لأن الحجر لا يقبل المشيئة أصلاً بخلاف الطفل.
وقوله: (إِنْ وضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ) هو شرط في لزوم الإقرار للحمل؛ لأنه حينئذٍ تبين أنه كان موجوداً، ولهذا قال:
стр. 3314
وَإِنْ وضَعَتْهُ لأَكْثَرَ وهِيَ تُوطَأُ لَمْ يَلْزَمْهُ، وإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَوْطُوءَةٍ لَزِمَ لأَرْبَعِ سِنِينَ
ولو قال: فإن وضعته لستة، لكان أحسن؛ لأن حكمها حكم الأكثر في اللعان وغيره، فإنما لم يلزمه إذا كانت موطوءة؛ لاحتمال أن تكون إنما حملت بعد الإقرار، وأما إن لم تكن موطوءة، فإنه يلزم لأربع سنين، هكذ في كتاب ابن سحنون، ولعل المصنف اقتصر على الأربع لكونها المنصوصة، وإلا فالجاري على المشهور كما قدمه خمس، ولو قال: لدون أقصى أمد الحمل لأجاد لشموله، وفهم من كلامه أنها لو وضعته لأكثر من مدة الحمل أنه لا يكون للمولود شيء، ولا شك في ذلك.
ولَوْ وضَعَتْ تَوْأَمَيْنِ فَلَهُمَا، أَوْ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا
تصوره واضح ولم يكن للميت شيء؛ لأنه لا يصح تملكه، وهذا إذا وضعته ميتاً، وأما إن وضعته حياً ثم مات فلورثته، وقوله: (فَلَهُمَا) أي: على التسوية، ولا إشكال في هذا إن وضعته ذكرين أو أنثيين، وأما إن وضعته ذكراً وأنثى، فإن أقر بوجه لا يقتضي تفضيل الذكر على الأنثى فكذلك، وأما لو قال: لحمل فلانة عندي ألف من دين أبيه؛ فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، قاله ابن سحنون وقاله ابن عبد الحكم، إذا قال: هذه الدار لحمل فلانة ملكاً عن أخ شقيق، وإن كانت المرأة زوجته فلها الثمن من ذلك، وإن قال: عن أخ لأم فهو بينهما نصفان، والثالث يقسم المال على ثلاثة فيأخذ كل واحد منهما جزءاً من الجزء الثالث؛ يدعي الذكر كله وتدعي الأنثى نصفه، فقد سلمت نصفه للذكر يأخذه ويبقى نصفه ويقسم بينهما لتداعيهما فيه، فيكون للذكر سبعة من اثني عشر وللأنثى خمسة، قال: وبالأول أقول، قال: وإن قال هو ميراث لهما عن بعض قرابتهما؛ كان بينهما نصفين إن مات المقر، ويصح عندنا الإقرار للمجنون كالحمل بل هو أولى.
стр. 3315
ولو أَكْذَبَ الْمُقَرُّ لَهُ لَبَطَلَ، ولا رُجُوعَ لَهُ إِلا بِإِقْرَارٍ ثَانٍ
يعني: أن من شرط إعمال الإقرار أن يصدقه المقر له؛ إذ لا يدخل ملك المقر في ملك أحد جبراً ما عدا الميراث، ونظيرتها المسألة التي قدمها المصنف في باب النكاح. قال، لو قال: تزوجتك فأنكرت، ثم قالت: نعم فأنكر؛ فليس بإقرار، لأن من شرط صحة الإقرار أن يتفق المقر والمقر له في تصديق كل واحد منهما صاحبه في وقت واحد.
الْمُقَرُّ بِهِ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ
كما لو قال: عندي شيء، فيقبل تفسيره كما سيأتي.
ومَنْ أَقَرَّ أَوْ شَهِدَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، فَثَالِثُهَا: إِنْ رُدَّتْ شَهَادَتَهُ بِجُرْحَةٍ لَمْ يُعْتَقْ.
اعلم أنه يشترط في إعمال الإقرار أن يكون المقَرُّ به في يد المقر، ولذلك لو أقر بعبد في يد زيد أنه لعمرو لم يقبل إقراره على من هو في [٥٦٣/ب] يده، وعطف المصنف الشهادة على الإقرار؛ لأن الشهادة إنما تكون عند الحاكم.
وقوله: (ثُمَّ اشْتَرَاهُ) لا يريد خصوصية الشراء، بل وكذلك لو ملكه بأي وجه كان؛ كهبة، أو صدقة، أو إرث، وحكى ثلاثة أقوال، القول الثالث لا يتأتي في مسألة الإقرار، والقول بعتقه عليه في القضاء والفتيا هو المشهور؛ لأنه معترف بكلامه أنه لا يقبل الملك، والقول بعدم عتقه لأشهب وعبد الملك؛ لأن إقراره على ملك غيره باطل. أشهب: بشرط أن يحلف، وأما إن نكل فإنه يعتق عليه.
ابن عبد السلام: وعلى هذا فيشترط ألا يتمادى على قوله الأول، وأما إن تمادى عليه فيعتق.
الثالث للمغيرة خاص بمسألة الشهادة: إن ردت شهادة الشاهد بجرحة لم يعتق عليه، وإن ردت لغير ذلك؛ لأنه انفرد بما شهد عتق عليه، لأن الشهادة كلما ردت بجرحة
стр. 3316
بطلت فلم يؤثر في العتق، يريد: بشرط ألا يتمادى على إقراره. وحكى ابن عبد السلام في باب الأقضية قوله: بأنه لا يعتق ولو تمادى على إقراره.
فرعان؛ أولهما لابن القاسم في العتبية: فيمن أخبر عن رجل أن أعتق عبده، فإن أخبر أنه علم ذلك منه وسمعه أعتقه، ليس بخبر غيره رأيت أن يعتق عليه، قال في البيان: وهو تفسير المدونة. الثاني: إذا فرعنا على المشهور فولاؤه عند ابن القاسم للذي أخبر عنه أنه أعتقه، وقال أشهب المغيرة: للذي عتق عليه.
الصِّيغَةُ: لَكَ عَلَيَّ، أَوْ عِنْدِي، أَوْ أَخَذْتُ مِنْكَ
هذا ظاهر، واعلم أن الإمام قل أن يوجد له نص في مسائل الإقرار، فلذلك تجد أكثر مسائله مشكلة كما سيظهر لك.
وَمِثْلُهُ: وهَبْتَهُ لِي، أَوْ بِعْتَهُ مِنِّي
يعني: أن الألفاظ الأولى تجري مجرى الصريح، وهذه تدل على ثبوت الحق لزوماً، فقوله: (وَمِثْلُهُ) في ثبوت الحق. (وهَبْتَهُ لِي) لأنه أقر له بالملك وادعى عليه، نعم يحلف للمقر له أنه لم يبع بالاتفاق، وفي توجيه اليمين عليه أنه لم يبع قولان.
ولَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: سَاهِلْنِي فِيهَا وشِبْهِهِ فَإِقْرَارٌ
هكذا قال ابن عبد الحكم، وكذلك عنده إذا قال: انتزعتها مني، ولو قال: والله لأقضينكما اليوم، أو قال: لا أعطيكما، وقال: لا إنها لك. وقال: لا تأخذ اليوم مني فإقرار.
وحَتَّى يَاتِيَ وَكِيلِي وشِبْهُهُ، قَوْلانِ.
اللزوم لابن سحنون، ومقابله لابن عبد الحكم.
стр. 3317
ابن سحنون: ولو قال حتى يدخل علي من فائدة أو ربح، أو حتى يقدم مالي أو غلامي، أو حتى يأتي وكيلي، أو يقضي غريمي؛ فهو إقرار. وقال ابن عبد الحكم: اتزن أو اجلس، فانتقد أو زن لنفسك، أو حتى يأتي وكيلي يزن لك؛ فليس بإقرار، حلف كما قال: حتى يأتي وكيلي أو غلامي الذي فكها منك؛ فهو إقرار منه أو الوكيل أو الغلام قبضها وليس بإقرار منه أنها عليه، وقد يقول: حتى يأتي وكيلي أو غلامي فاسأله، ومنشأ الخلاف هل ذلك وعد بالقضاء أو كالاستهزاء.
ابن عبد السلام: والأظهر من جهة اللغة قول ابن عبد الحكم، ومن جهة العرف قول سحنون.
ولَوْ قَالَ: مِنْ أَيِّ ضَرْبٍ تَاخُذُهَا، مَا أَبْعَدَكَ مِنْهَا وشِبْهَهُ؛ لِمْ يَلْزَمْهُ
لأن كلامه ظاهر في الاستهزاء. ابن عبد السلام: وكذلك إذا أجاب بقوله: ما أبعدك منها وحده.
ولَوْ قَالَ: ألَيْسَ لِي عِنْدَكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: بَلَى أَوْ نَعَمْ لَزِمَهُ
فإن كلامه في (بَلَى) ظاهر؛ لأنها توجب النفي. وأما (نَعَمْ) فإنما ألزم بها قضاء على عرف الناس، وإما على مقتضى اللغة على المذهب الصحيح؛ لأنها تقرن ما قبلها من النفي أو غيره، ولهذا قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢] لو قالوا: نعم لكفروا؛ أي: لأنهم قالوا لست بربنا، وينبغي إذا صدر نعم من عارف باللغة ألا يلزمه شيء، ولبعض النحويين أن (نَعَمْ) كـ (بَلَى)، قال في كتاب ابن سحنون، ومن قال لرجل: أليس قد أقرضتني أمس ألف درهم، فقال الطالب: بلى أو نعم، فجحد المقر بالمال يلزمه، ولو قال: أما أقرضتني، أو قال: ألم تقرضني، فهو سواء يلزمه إذا ادعى الطالب المال، وهذا نحو ما ذكره المصنف، لكن قاله ابن عبد الحكم: يحلف المقر ولا يلزمه شيء، وإنما سأله لاستفهام ما عنده من العلم، فليس قوله: أليس بإقرار، وكذلك قوله: ألم تقرضني كذا؟
стр. 3318
خليل: وهذا موافق لقول أكثر النحويين، فإن ابن عبد الحكم ساوى بين الجواب ببلى ونعم، وحمل الكلام على الاستفهام كما ذكر لا على أنه أقر، حتى ينظر في جواب المقر هل وافق على ذلك الإقرار، أم لا.
ابن عبد الحكم، وابن المواز: وأما إن قال: لا أوفيك العشرة الدراهم التي لك عليَّ، فقال: لا؛ فهو إقرار ويغرم العشرة. قال: وإنما استفهم ذلك الإقرار في القضاء.
الْمُجْمَلَةُ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ فيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ وإِنْ قَلَّ
لأن شيئاً أنكر النكرات فيصح أن يفسر بكل شيء، وإن خالفه المقر له حلف على رد دعواه. وفي كتاب ابن سحنون: فيمن أقر أنه غصب فلاناً شيئاً ولم يبينه، ثم قال: هو كذا، وقال الطالب: هو كذا ولم يقل شيئاً؛ القول قول الغاصب فيما ذكر مع يمينه، وإن ادعى الطالب غيره؛ فإن نكل الغاصب فالقول قول الطالب مع يمينه، فإن أبى المقر أن يسمي شيئاً جبر أن يسمى ما أقر به، وإلا سجن حتى يذكر شيئاً وإن طال قوله، وقيل: هكذا وقع في بعض النسخ وهو صحيح؛ لأن هذا منسوب لابن الماجشون، وفي بعضها، وقالوا: ولعل ذلك من المصنف إشارة إلى تخريج الخلاف في كل من المسألتين، والفرق بينهما؛ أن عرف الناس في قولهم: له عندي مائة وشيء أنها مائة كاملة، بخلاف ما إذا أقر بشيء مفرداً.
ابن شاس - بعد أن ذكر كلاماً عن ابن الماجشون -: ولو قال: مائة وشيء؛ اقتصر على المائة، لأن الشيء الزائد لا يمكن رده إلى [٥٦٤/أ] تقدير، كرد الشيء المستثنى فيبطل؛ إذ هو شيء لا مخرج له.
ابن راشد: وحكى غيره عن ابن الماجشون أنه قال: إذا أقر في مرضه بعشرة دنانير وشيء ثم مات ولم يُسأّلْ؛ أن الشيء يسقط لأنه مجهول ويلزم ما سمى، وكذلك لو شهدت بينة
стр. 3319
بذلك على رجل ولم يعرف كم الشيء؛ فيسقط الشيء وثبت العدد. فقوله: ثم مات ولم يُسأَل. يقتضي أنه لو عاش سئل، ومقتضى ما حكاه ابن شاس أنه لا يُسْأَل. انتهى.
ولَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوِ الأَرْضِ أَوِ الْحَائِطِ حَقٌّ وفَسَّرَهُ بِجِذْعٍ أَوْ بَابٍ مُرَكَّبٍ، فَثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ مِنْ وفِي ....
القولان الأولان لسحنون، فإنه يقول أولاً يقبل ذلك منه، ثم رجع إلى أنه لا يقبل، والثالث لابن عبد الحكم: إن قال: (مِنْ) لم يقبل منه ما ذكر، ورأى أن (مِنْ) للتبعيض، ورأى كونها لابتداء الغاية أو غير ذلك بعيد، أو إن قال: (فِي) قبل منه ذلك؛ لأنها تقتضي الظرفية، فظاهره أن الحق في الدار لا من الدار، وظاهر ما في النوادر أن الخلاف إنما هو في (فِي) وأم (مَنْ) فلا يقبل منه إلا أن يقر بشيء من رقبة الدار، وقاله ابن رشد، وأما إن لم يقيد بالدار بل قال: لك عليَّ حق، فهو مثل قوله: لك عليَّ شيء، فلو فسره بأن قال: أردت حق الإسلام؛ ففي كتاب ابن سحنون: لا يصدق. ولا بد أن يقر بشيء له ويحلف على نفي دعوى الطالب إن ادعى أكثر منه، قال: وكان سحنون ينظر فيه على نحو ما ينزل مما يتكلمان فيه، وإن كانا تنازعا في ذلك المال أخذناه بذلك، وإن تنازعا فيما يجب لبعض على بعض من حق وحرمة لم يؤخذ هذا المال.
ولَهُ عَلَىَّ مَالٌ. قِيلَ: نِصَابٌ. وقِيلَ: رُبُعُ دِينَارٍ، أو ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَقُبِلَ تَفْسِيرُهُ
الأول هو المشهور في المذهب وهو منسوب لابن وهب، وقوله: (نِصَابٌ) أي: عشرين ديناراً من الذهب ومائتا درهم من الورق، ومثله لابن المواز فيمن أوصى أن لفلان عنده مالاً. والقول الثاني لابن القصار، وذكر أنه لا نص لمالك في ذلك، وأن ذلك هو الذي يوجبه النظر عنده على مذهب مالك. والقول الثالث في كتاب ابن سحنون وهو اختيار الأبهري.
стр. 3320
ومَالٌ عَظِيمٌ كَذَلِكَ. وقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ. وقِيلَ: قَدْرُ الدِّيَةِ
قال الأبهري، إذا قال له: علي مال عظيم أو نفيس؛ فهو مثل قوله: عليَّ مال، فيقبل تفسيره. وقال غيره: يلزمه ثلاثة دراهم أو ربع دينار. وقال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي أنه يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وقاله سحنون وغيره، وهذا معنى قوله: (ومَالٌ عَظِيمٌ كَذَلِكَ).
وقوله: (وقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ. وقِيلَ: قَدْرُ الدِّيَةِ) أي: هذان القولان زائدان على الثلاثة المتقدمة في المسألة السابقة، وفي عد المصنف لهما قولين نظرٌ؛ لأن ابن شاس وغيره ذكروا أن عبد الوهاب رأى أنهما وجهان تحتملهما المسألة فقط، على أن هذا كله استحسان.
ولَهُ كَذَا مِثْلُ شَيْءٍ
أي: فيقبل تفسيره، وقد تقدم أن (شيئاً) أنكر النكرات عند النحويين فيكون أنكر من كذا.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر كلام الفقهاء فـ (شيء) يقبل التفسير بأجزاء المتملكات، وكذا لا يفسر بالأجزاء وإنما يفسر بالواحد الكامل.
فَأمَا كَذَا دِرْهَماً فَعِشْرُونَ
لأنه إنما يميز بالواحد المنصوب من العشرين إلى التسعين، فأثبت المحقق وألغى المشكوك؛ لأن الأصل براءة الذمة، لكن يحلف عليه إن ادعى المقر له أكثر.
وكَذَا كَذَا دِرْهَماً أَحَدَ عَشَرَ
لأنه كناية عن المركب، وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر.
стр. 3321
وكَذَا وكَذَا أَحَدٌ وعِشْرُونَ
لأن المعطوف في العدد غير المركب من أحد وعشرين إلى تسع وتسعين، وعلى هذا لو قال: كذا درهم؛ للزمه مائة، لأنها أول عده يضاف إلى المركب، ولو قال: كذا درهم لزمته ثلاثة، وما ذكره المصنف هو قول ابن عبد الحكم، وهو جار على مقتضى اللغة، وينبغي هنا أن يرجع إلى العرف ولهذا قال:
وقَالَ سُحْنُونٌ: مَا أَعْرِفُ هَذَا، ويُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ، ولَهُ خِمْسُونَ ونَيِّفٌ فَقِيلَ فَتَفْسِيرُهُ. وقِيلَ: ثَلاثَةٌ، وقِيلَ: ثُلُثُ الأَوَّلِ ....
تفسيره: يقبل تبيينه ولو بجز من واحد، وهو قول ابن شعبان، والقولان الآخران حكاهما في النوادر ولم يعزهما.
ابن عبد السلام: إن أقربهما إلى اللغة الثاني.
الجوهري: النيف الزيادة يخفف ويشدد وأصله من النواف، يقال: عشرة ونيف، ومائة ونيف، وكلما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني، قال: وهذا يدل على فساد القول الثالث؛ لأن ثلث الخمسين يزيد على الستين.
ابن عبد السلام: وقد يقال هذا إنما يرجع إلى الأول؛ لأنه إنما قال: النيف لمطلق الزيادة لا يقيد كونها ثلاثة، وينبغي أن يعول على العرف إن كان وإلا فعلى اللغة.
وفِي أَلْفٍ ودِرْهَمٍ وشِبْهِهِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِثْلَ أَلْفٍ وَوَصِيفٍ قَبْلَ تَفْسِيرِهِ، وإِلا فَمَعْطُوفُهَا ....
يعني: اختلف إذا ذكر عدداً مبهماً ثم عطف عليه عدداً مفسراً، هل يكون المعطوف مفسراً للمعطوف عليه أولاً فيقبل تفسيره في المعطوف عليه، أو يفرق؟ فإن كان المعطوف جرت العادة بالتعامل به كالدرهم والفلس والبيضة والجوزة؛ كان مفسراً للمعطوف
стр. 3322
عليه أولاً كوصيف وكتاب، فيقبل تفسيره مطلقاً لابن القصار، ولا أعلم صاحب مقابله، وفي إشكال في مثل ألف ووصيف، والثالث في كتاب ابن سحنون.
وَالْوَصِيَّةُ بَجُلِّ الْمائِةِ وقُرْبِهَا ونَحْوِهَا. قِيلَ: الثُّلُثَانِ فَمَا فَوْقَهُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. وقِيلَ: الثُّلُثَانِ. وقِيلَ: خَمْسُونَ.
الأول نقل سحنون أن عليه أكثر الأصحاب. قال، وقال بعضهم: يلزمه ثلثا المائة، وقال آخرون: يلزمه النصف وشيء، وذلك أحد وخمسون وفيه بعد؛ إذ لا يستعمل في العرف جل المائة وقربها ونحوها في أحد وخمسين.
وقَالُوا فِي مِائَةٍ إِلا قَلِيلاً، وإِلا شَيْئاً كَذَلِكَ
أي: قال القائلون [٥٦٤/ب] الثلاثة في المسألة السابقة هنا كذلك، وكذلك النقل، ويحتمل عدها على أهل المذهب، وهذه المسألة نص عليها سحنون في الوصية وجعلها مع الأولى مسألة واحدة، فإن قيل: فلم قال المصنف قالوا ومن عادته ألا يفعل ذلك إلا للإشكال؟ قيل: لأنه رآها بخلاف ما بعدها، وهو قوله:
وَقَالُوا: لَوْ أَقَرَّ بِمائِةٍ إِلا شَيْئاً لَزِمَهُ أَحَدٌ وتِسْعُونَ، وفِي عَشَرَةِ آلافٍ إِلا شَيْئاً تِسْعَةُ آلاف ومِائَةٌ ....
ولعله أشار إلى تخريج الأقوال السابقة، وتخريج هذا القول في المسألة السابقة، ويحتمل أن يكون أشار إلى ضعف ما أشار إليه ابن شاس وغيره؛ لأنهم أتوا بالمسألتين السابقتين في باب الإقرار، فيفهم من ذلك أنهم رأوا أن باب الإقرار مساو لباب الوصية، وإلا لما أتوا بالمسألتين في باب الإقرار. أشار المصنف إلى ضعف هذا وأنه لا ينبغي أن يخرج من أحدهما في الأخرى؛ لأنهم قضوا في الوصية بمائة إلا شيئاً على حكم آخر، وفي هذا بعد، وفي قوله: (وَقَالُوا: لَوْ أَقَرَّ ... إلخ) نظر؛ لأن كلامه يقتضي أن أهل المذهب كلهم أو أكثرهم قالوا هذا، إنما هو لابن الماجشون.
стр. 3323
ابن عبد السلام: ولا نعلمه لغيره، وهو مبني على مذهبه أنه لا يجوز استثناء الصحيح من العدد، وإنما يجوز استثناء الكسر، فلا تجوز عنده: له عليَّ عشرة إلا درهم. وإنما يجوز إلا نصف درهم وشبهه، ولا يجوز مائة إلا عشرة؛ لأن العشرة آحاد المائة، فلذلك لزمه أحد وتسعون اكتفاء بمطلق القلة عن عشرة، وكذلك لا يجوز عنده عشرة آلاف إلا ألف؛ لأن نسبة الألف إلى العشرة كنسبة العشرة إلى المائة، ولذلك لزمه تسعة آلاف ومائة.
ودِرْهَمٍ عَلَى التعَامَلِ بِهِ عُرْفاً ولَوْ مَغْشُوشَةً، وإِلا فَزِنَةُ سَبْعَةِ أَعْشَارِ دِينَارٍ مِنَ الْفِضَّةِ
وإن لم يكن عرفٌ فيحمل على الدرهم الشرعي، وهو معنى قوله: (فَزِنَةُ سَبْعَةِ أَعْشَارِ دِينَارٍ) أي: على ما تقدم في باب الزكاة، وينبغي إن كان في البلد دراهم مختلفة الوزن والجودة أن يحمل كلام المقر على أقلها وزناً وصفةً، فإن خالفه المقر له حلف كما تقدم، وينبغي أن يقيد ما ذكره من إلزامه الدرهم الشرعي إذا لم يكن عرف بما إذا كان تكلم بمتعدد فالدرهم الشرعي.
فَلَوْ فَسَّرَ مُتَّصِلاً قُبِلَ
أي: إذا قال متصلاً ناقصاً أو مغشوشاً قبل ذلك منه، ولا يقبل إذا كان غير متصل، وهكذا قال ابن المواز، وهو صحيح إن فسرها بما يقبله الكلام على بعد، وأما إن قال: ردهم رصاص وشبهه لم يقبل، وصرح في الجواهر بأنه لا يقبل تفسيره في الفلوس؛ أي: سواء كان متصلاً أم لا.
ابن عبد السلام: ولعل مراد المؤلف أن المقر لم يبين الوجه الذي تعلقت به الدراهم في الذمة، وأما لو أقر بأنها تقررت من بيع وخالف في ذلك المقر له؛ لرجع الحكم فيها إلى ما تقدم من اختلاف المتبايعين، ولو قال: من فرض. فإن أقر بما يقرضه الناس غالباً قبل منه، وإن أقر بما لا يقرضه الناس غالباً، فقال سحنون: اختلف أصحابنا فيمن أقر بفلوس،
стр. 3324
وقيدها بأنها الفلوس الكاسدة وأنها من قرض. قال بعضهم: يقبل. وقال بعضهم: لا يقبل. ولو وصل إقراره بقوله أنها وديعة، ثم ذكر بعد ذلك أنها زيوف أو بهارج لقبل ذلك منه، بخلاف أن لو كان ذلك من غصب أو قرض، وذكر ابن عبد الحكم فيمن أقر بدراهم وديعة ثم قال: هي مغشوشة. فإنه اختلف قول ابن القاسم هل يقبل ذلك منه، أم لا.
ودَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: أَرْبَعَةٌ. وَقِيلَ: تِسْعَةٌ. وقِيلَ: مِائَتَانِ
الأول لابن عبد الحكم، ووجهه: أنه قال دراهم، فلزمه ثلاثة حملاً على أقل الجمع؛ لأن الأصل براءة الذمة مما زاد فزيد لأجل الكثرة درهم؛ لأن ما زاد على ذلك مشكوك فيه، ويفهم من هذا أن ابن عبد الحكم يوافق مالكاً في لزوم ثلاثة في قوله: عندي دراهم. ومخالف لابن الماجشون في قوله أنه لا يلزمه إلا درهمان، بناءً على أن أقل الجمع اثنان. قوله: (وَقِيلَ: تِسْعَةٌ) لأن ذلك تضعيف لأقل الجمع ثلاث مرات. وقيل: مائتان؛ لأنهما نصاب الزكاة، وفي هذين ضعف.
ابن راشد: وقيل: يلزمه خمسة؛ لأن الأعداد منها قليل وكثير، ولا قليل ولا كثير، والقليل ثلاثة، ولا قليلاً ولا كثيراً أربعة. وقال عبد الوهاب في المعونة: تلزمه ثلاثة لأنه أقل الجمع، وهي كثيرة بالنسبة إلى الإثنين.
ولا قَلِيلَةٌ ولا كَثِيرَةٌ أَرْبَعَةٌ
هكذا نص عليه ابن عبد الحكم، ولعله كالمخالف لقوله في التي قبلها، وهذا كله استحسان.
стр. 3325
وَمِنْ واحِدٍ إِلَى عَشْرَةٍ. قِيْلَ: تِسْعَةٌ. وَقِيْلَ: عَشْرَةٌ
لا شك في دخول الدرهم الأول، فالقولان في الدرهم العاشر مبنيان على أن ما بعد (إِلَى) هل يدخل أم لا؟ وقد اختلف أهل اللغة في ذلك، ولذلك اختلف الفقهاء في المرفقين وغيرهما.
ومَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ. قَالَ سُحْنُونٌ: عَشَرَةٌ مَرَّةً، وتِسْعَةٌ مَرَّةً، وثَمَانِيَةٌ مَرَّةً
حقيقة الكلام تمنع الدرهم الأول من الدخول، وقولان في الدرهم العاشر كالقولين في الفرع السابق، ويرى من ألزمه الدرهم الأول أن العرف يقتضي ذلك.
وعَشَرَةٌ فِي عَشَرَةٍ. قِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ
الأول أقرب إلى عرف العامة، والثاني لسحنون وهو الجاري على اصطلاح الحساب، ولو فرق بين أهل الحساب وغيرهم لكان حسناً.
بِخِلافِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وبِخِلافِ عَشَرَةٍ بِعَشَرَةٍ فَإِنَّهَا عَشَرَةٌ فِيهِمَا
لأن ضرب الحساب هنا لا يتأتى؛ لاختلاف الجنس، فيكون المعنى: له عندي عشرة دراهم ووعاؤها عشرة دنانير.
ابن عبد السلام: وهذا هو الذي يعطيه كلام المؤلف لتعقبه بالكلام على الوعاء.
وثوبٍ فِي صُنْدُوقٍ أَوْ فِي مِنْدِيلٍ، فِي لُزُومِ ظَرْفِهِ قَوْلانِ
يعني: إذا قال له عندي ثوب في صندوق أو في منديل ونحو ذلك، فلا خلاف في لزوم الثوب، واختلف في الظرف، فقال سحنون عن [٥٦٥/أ] أبيه فيمن قال: غصبت فلاناً ثوباً في منديل، يأخذه بثوب ومنديل ويكون مصدقاً في صفتهما، وكذلك عشرة أثواب في عيبة. وقال ابن عبد الحكم: لا يلزمه المنديل ولا العيبة.
стр. 3326
قال في النوادر، ولو قال: غصبتك ثوباً في ثوب لزمه ثوبان، وكذلك عشرة في ثوب لزمه أحد عشر، بخلاف ثوب في عشرة، فإن العرف أن الثوب يكون وعاء لمثله ويكون وعاء العشرة، ولا يكون الثوب في عشرة أثواب. قال: وفي المسألة قولان - أي: في ثوب في عشرة أثواب - أحدهما: لا يلزمه إلا ثوب. والثاني: يلزمه أحد عشر. انتهى بمعناه.
بِخِلافِ زَيْتٍ فِي جَرَّةٍ
ظاهره أنه يتفق هنا على لزوم الجرة، والفرق بينه وبين الأول؛ أن الزيت يفتقر إلى الجرة، بخلاف ما تقدم وليس كذلك، فإنه حكى في النوادر الاختلاف هنا عمن حكى عنه الخلاف في المسألة السابقة.
وجُبَّةٍ بِطَانَتُهَا لِي، وخَاتَمِ فَضَّةٍ لِي نَسَقاً يُقْبَلُ
هذا إذا كان إقراره مجرداً عن الغصب، وأما إن قال: غصبته هذا الخاتم وفصه لي. فقال أشهب، وابن سحنون: هذا مثل الإقرار المجرد. وقال ابن عبد الحكم: الفص للمقر له، ولو قال: لا أعلم، لحلف ما علم ذلك وكان له الفص.
واحترز بقوله: (نَسَقاً) مما إن ذكر ذلك بعد مهلة فإنه لم يسمع منه، وحكى ابن المواز عن ابن عبد الحكم ووافقه في القائل في باب: هذه خشب، هذا الباب لفلان ومساميره لي، أو خشبه لي ومساميره لفلان، فهو كما قال ويكونان شريكين بمقدار المسامير من الخشب.
ابن المواز: وإن قال: هذا الباب لفلان ومساميره لي. فقال أشهب: هو كما قال، وكأنه عندنا ليس باستثناء من ابن عبد الحكم، وأنا أرى أن الباب كله للمقر له وليس باستثناء.
стр. 3327
وَلَوْ أَشْهَدَ فِي ذِكْرٍ بِمِائَةٍ، وفِي آخَرَ بِمِائَةٍ فَآخِرُ قَوْلَيْهِ مِائَةٌ
يعني: إذا أقر على نفسه في وثيقة، وهي معنى قوله (فِي ذِكْرٍ) أن لفلان عليَّ مائة ولم يذكر سببها، ثم أشهد في وثيقة أخرى بمائة، فآخر قولي مالك: إنما تلزمه مائة؛ لاحتمال أن تكون المائة الأولى من الثانية، ويحلف المقر على ذلك. ورأى في القول الآخر أن الغالب أنه إنما اشهد في الذكر الآخر بحق آخر.
سحنون: واتفق الأصحاب جميعاً أنه إذا أقر له بمائة بعد المائة فلا يلزمه إلا بمائة؛ أي: بخلاف الإشهاد أما لو ذكر السبب وكان السببان مختلفين؛ لزمه مائتان بلا إشكال.
ابن عبد السلام: وكذلك عندي إذا كان الإقرار مجرداً، غير أن إحدى المائتين حالة والأخرى مؤجلة وتاريخها بعد تاريخ الأولى.
وبِمِائَةٍ وبِمِائَتَيْنِ فِي مَوْطِنَيْنِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الأَكْثَرُ أَوَّلاً لَزِمَتْ ثَلاثُمِائَةٍ
يعني: إذا أقر بمائة في موطن ثم أقر بمائتين أو تقدم الإقرار بالمائتين، فقال محمد: يلزمه ثلاثمائة نظراً إلى اختلاف المالين. وقال ابن سحنون: اضطراب قول مالك في هذا، وآخر قوليه أن يحلف المقر ما ذاك إلا مال واحد، ثم لا يلزمه إلا مائتان، وبه أخذ ابن عبد الحكم وابن سحنون، ونقل ابن حبيب عن أصبغ التفرقة، فإن أقر بالأقل أولاً صدق المقر؛ لأن الأقل دخل في الأكثر، وإن أقر بالأكثر فهما مالان؛ عادة الناس إذا تقدم الأقل ثم زادوا عليه أن يجمعوه مع الأقل، بخلاف ما إذا تقدم الأكثر، ولهذه المسألة والتي قبلها شبه بتكرر الوصية.
تَعَقَّبَهُ بِالرَّافِعِ
أي: تعقب الإقرار بما يتوهم أنه رافع.
стр. 3328
فقَالَ: أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ وشِبْهِهِ فَأَنْكَرَ لَزِمَهُ، بِخِلافِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ خَمْراً بِأَلْفٍ
لأن قوله: عليَّ ألف، إقرار منه بألف. وقوله بعد ذلك: إنها من ثمن خمر أو ميتة أو شيء لا يصلح بيعه يعد ندماً، ولذلك إذا أنكر لزمه الألف.
ابن عبد السلام: وهذا صحيح على قول من يبعض كلام المقر من أصحابنا، وأما من لا يبعضه فالأقرب أنه لا يلزمه شيء؛ لأن أول الكلام مرتبط بآخره.
وقوله: (بِخِلافِ ... إلخ) أي: فلا يلزمه شيء؛ لأنه هنا لم يقر بشيء في ذمته.
وكَذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ
أي: وكذلك تلزمه الألف؛ لأن قوله: (ولَمْ أَقْبِضْهُ) يعد ندماً كالأول، وهذا قول ابن القاسم وسحنون وغيرهما.
ابن شاس: وقيل: القول قوله وعلى البائع البينة أنه سلم العبد إليه.
بَخِلافِ اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ
أي: فلا يلزمه شيء؛ لأن قوله: (اشْتَرَيْتُهُ) لا يوجب عمارة الذمة، إلا بشرط القبض في البيع فهو لم يقر به، وفيه بحث لا يخفى عليه.
وعَلَىَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ حَرِيرٍ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رِباً؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ قَضَيْتُهُ ....
هكذا وقع في بعض النسخ حرير، وكذلك وقع في نسخة ابن راشد وابن شاس وهو الصواب، وما وقع في بعض النسخ خنزير فليس بصحيح؛ لقوله: (ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رِباً؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ) إذ هو حرام من أصله، ومعنى كلامه: إذا أقر لفلان أن له عليه ألف درهم. قال في الجواهر: ثم أقام بينة أنه ربا. وقال سحنون: تقبل منه البينة أن ذلك ربا ويرد ذلك أصل رأس ماله وبالأول قال سحنون.
стр. 3329
خليل: وعلى هذا فالمسألة على ثلاثة أوجه؛ إن لم يكن إلا دعواه أنه ربا؛ لم تقبل اتفاقاً. وإن أقام بينة على إقرار الطالب أن التبايع لم يقع بينهما إلا على الربا الذي ادعاه المقر؛ قبل باتفاق. وإن قالت: البينة نشهد أن له عليه ألفاً من ربا، وفي معناها أن تشهد على أن الطالب أقر أن عنده ألفاً من ربا، فالأصح عدم القبول خلافاً لابن سحنون. وصحح المصنف الأول؛ لأنه لا منافاة بين هذه الشهادة وبين ما ذكر المقر؛ لإمكان وقوع يتعين منهما اشترى منه حريراً بألف في زمان واشترى منه بعد ذلك أو قبله من الأشرية الربوية بألف.
وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ قَضَيْتُهُ) أي: لا تقبل بينته أنه ربا، كما لا يقبل منه دعوى القضاء في قوله: عليَّ ألف لفلان [٥٦٥/ب] قضيته.
بِخِلافِ إِقْرَارِ الْمُقَرِّ لَهُ
أي: بأنه ربا، ولا إشكال في هذا.
وأَلْفٌ إِنْ شَاءَ اللهُ يَلْزَمُهُ
هكذا نقل ابن سحنون عن جميع أصحابنا، ووجهه أنه لما لفظ بإقرار فقد علمنا أن الله شاء بحكمه، والقاعدة أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في غير اليمين بالله تعالى. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه شيء، وكأنه أدخل ما يوجب الشك، واختلف أيضاً في القائل: لك عليَّ ألف إن قضى الله تعالى ذلك، وإذا أراد الله، أو إن رضي الله، أو إن أحب الله ذلك، أو يسر الله ذلك، فألزمه سحنون ولم يلزمه ابن المواز.
وأَلْفٌ فِي عِلْمِي، أَوْ ظَنِّي وشِبْهِهِ قَوْلانِ
(وشِبْهِهِ) أي: فيما أظن، أو أعلم، أو أرى، أو في اعتقادي، أو فيما يحضرني، أو فيما أحسب، واللزوم لسحنون، وعدمه لابن عبد الحكم وابن المواز، وقاسا ذلك على الشهادة، فإن هذه الألفاظ تبطلها، بخلاف الإقرار.
стр. 3330
وأَلْفٌ مُؤَجَّلٌ يُقْبَلُ قَولُهُ فِي تَاجِيلِ مِثْلِهَا عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ مُؤَجَّلَةٍ فِي الْقَرْضِ
يعني: أن من أقر بمال مؤجل، فإن كان من قرض لم يصدق وحلف المقر له إن أنكر الأجل؛ لأن الأصل فيه الحلول. وإن كان من بيع، فإن ادعى أجلاً مستنكراً لم يصدق وحلف المقر له، وإن ادعى أجلاً لا يستنكر، فقولان؛ أحدهما وهو الذي قدمه ابن شاس وصححه المصنف: أنه لا يلزمه ما أقر به من التأجيل. والثاني حكاه ابن شعبان: أن المقر له يحلف وتكون الألف حالة؛ لأنه أقر بالألف وادعى التأجيل، ولعل منشأ الخلافِ الخلافَ في تبعيض الجمل.
وأَلْفٌ إِنْ حَلَفَ فَحَلَفَ، أَوْ شَهِدَ بِهَا فُلانٌ فَشَهِدَ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ
لأن من حجته أن يقول: ظننت أنه لا يحلف إلا على الحق، ويقول: ظننت أنه لا يشهد إلا بالحق، وقد تبين لي خلاف ذلك، ويحلف المقر بعد ذلك لرد هذه الدعوى. ونقل ابن سحنون الاتفاق على ذلك، فقال: إن قال: لفلان عليَّ مائة دينار إن حلف، أو إذا حلف، أو حين يحلف، أو مع يمينه، أو في يمينه، أو بعد يمينه، فحلف فلان على ذلك ونلك المقر، وقال: ما ظننت أنه يحلف؛ فلا يؤخذ بذلك المقر في إجماعنا، ولذلك قال محمد بن عبد الحكم: إذا قال لفلان عليَّ مائة إن حلف فيها، أو ادعاها، أو مهما حلف بالعتق أو الطلاق أو الصدقة، أو قال: إن حلف مطلقاً فلا شيء على المقر بهذا وإن حلف الطالب، وكذلك قال اشهد ذلك أو كان يعلم أنها له، أو قال: إن أعارني دابته فأعاره، أو قال: إن شهد بها فلان فشهد بها على المقر؛ فلا شيء على المقر في ذلك كله، وأما إن قال: إن حكم بها فلان لرجل سماه، فتحاكما إليه فحكم بها عليه يلزمه ذلك، ونص مالك في مسألة إن شهد فشهد أنه لا يلزمه، وقيده ابن القاسم بما إذا لم يكن عدلاً، وأما العدل فيقبل عليه، ونحوه في المجموعة، ولا بد من تقييد مسألة قوله: إن حلف بما إذا لم يكن
следующие страницы →