Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
وأما المبرز فتسمع فيه القوادح ما عدا التجريح على المعروف، وروي عن مالك أنه لا يباح تجريح المبرز بعداوة وقرابة ولا غيرهما، واستبعدها ابن رشد. وظاهر كلام المصنف أنه يسمع في المبرز القدح بالعداوة والقرابة ممن هو مثله ودونه، وبذلك صرح في البيان. وحكى المصنف في قبول تجريحه ثلاثة أقوال، وقد علمت من قاعدته أن الثالث يدل على الأولين، وأن الأول من الأقوال للأول من القائلين؛ فالقبول لمطرف، وعدمه لأصبغ، والتفصيل لابن عبد الحكم: إن كان المجرحون مثل الشاهد أو أعدل قبل، وإن كانوا دونه لم يقبل، واختار اللخمي وابن عبد السلام قول مطرف، كما لو شهد عليه بموجب حد وغير ذلك، وبقول مطرف قال ابن الماجشون.
أحمد بن محمد: ويجرح في العداوة من هو دون الشهود في العدالة ومن يزكي ولا يقبل بفسقه.
أحمد بن سعيد: ولا بأس أن يجرح في العداوة والخصومة من لا تقبل شهادته إلا بتعديل، وكذلك أيضاً ذكر صاحب الوثائق المجموعة وغيره، ولم أر ما يخالف ذلك.
خليل: وينبغي أن يقيد تجريح من يزكي بأن يكون من يجرح ليست عدالته بينة، فإن بعض الشيوخ أشار إلى أنه يتفق على أنه لا يقبل تجريح من يزكي البين العدالة؛ لأن الحاكم لما نصبه للعدالة كان الاعتماد على قوله أولى.
عياض: والمبرز بكسر الراء المشددة؛ أي: ظاهر العدالة سابقاً غيره متقدماً فيها، وأصله من تبريز الخيل في السبق، وتقدم سابقها، وهو المبرز لظهوره وبروزه أمامها.
فرع:
ما ذكرناه من الإعذار هو المعمول به، وصفة ذلك أن يقول: "شهد عليك فلان، فإن كان عندك مدفع ادفع عن نفسك" ويعلمه أن له التجريح إن كان يجهل ذلك، قيل: وهذا الخلاف فيه.
стр. 3992
واختلف هل يقول له: دونك والجرح؛ فقال مالك: لا يقوله له، وفي ذلك توهين للشهادة. وقال ابن نافع: إذا عدل الشاهد فيقول القاضي للمطلوب: دونك والجرح وإلا حكمت عليك، وبه قال مطرف وابن الماجشون وابن كنانة. وقال أشهب: يقول له ذلك إن قبل الشهود بالتزكية، [٦٦٧/ أ] ولا يقوله في المبرز. وقال ابن القاسم: يقول له ذلك إذا كان ممن لا يدري ذلك كالمرأة والضعيف.
ابن راشد: والأول أصوب.
ابن عبد السلام: وظاهر المدونة إن طلب ذلك الخصم مكنه وإن لم يطلبه، فإن لم يظن به جهلاً أو ضعفاً دعاه إليه وإلا فلا.
وَيُؤَجِّلُ الْخَصْمَ لِلتَّجْرِيحِ ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ
يعني: فإن ادعى المدعى عليه أن عنده تجريحاً أجله في إثباته، ولم يذكر المصنف مقدار الأجل، وهو الأصل؛ لأنه ينبغي أن يوسع لمن لا يعلم منه اللدد، ويضيق على من علم منه ذلك، لكن جرى العمل على أحد عشر يوماً، فمن القضاة من يجمعها، ومنهم من يؤجله ثمانية أيام ثم يرفعه، فإن طلب الزيادة أجله ثلاثة.
ابن راشد: وعلى التفرقة جرى العمل.
وَقِيلَ لابن القاسم: أَيُجْرَحُ الشَّاهِدُ سِرَّاً؟ قَالَ: نَعَمْ
هو ظاهر؛ لما يحصل في الإظهار من العداوة.
وَلَوْ سَأَلَ ذُو الْحَقِّ عَنِ الْمُجَرِّحِ فَعَلَى الْحَاكِمِ إِخْبَارُهُ
لأنه قد يكون بين المجرح وصاحب الحق عداوة، أو بينه وبين المشهود عليه قرابة. واختلف إذا كان صاحب الحق ممن يتقى شره هل يعلم بالمجرح أم لا؟ حكى المتيطي وغيره في ذلك قولين، وقد تقدم عن ابن بشير أنه عمل بالقول بعد الإخبار.
стр. 3993
ابن عبد السلام: وإنما يلزم عندي الإخبار إذا كان التجريح من بينة، وأما إن كان المعول في القدح على أن القاضي سأل الشاهد عن ذلك سراً فحصل عنده ما يقدح في شهادته فلا يلزمه أن يخبر بذلك الحق؛ إذ لا إعذار في ذلك على أظهر القولين.
وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ: "أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلُ رِضاً" وَقِيلَ: أَوْ أَعْلَمُهُ أَو أَعْرِفُهُ، وَقِيلَ: أَوْ أَرَاهُ عَدْلاً رِضاً ...
ويكفي: "هو عدل رضا" هو اختيار مالك وأصحابه؛ لأن العدالة تشعر بسلامة الدين، والرضا يشعر بالسلامة من البله والغفلة. واختار الشافعي أن يقول: "عدل جائز الشهادة أرضاه لي وعلي". وليس ذلك بتزكية عندنا. قاله عبد الوهاب؛ لأنه قد يرضى بغير العدل وبالمتهم لغرض له فيه ولا يرضى بالعدل، وقولنا موافق للقرآن لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] وقوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢] وظاهر كلام المصنف أنه لا يكفي أحد اللفظين، وهو الذي صرح به في الجلاب، قال في الكافي: وهو تحصيل مذهب مالك، وقال ابن زرقون: المعلوم من المذهب خلافه، وأنه لو اقتصر على أحد اللفظين من العدالة والرضا أجزأ، وهو معلوم لمالك وسحنون وغيرهما، واختار اللخمي التفصيل: فإن قال إحدى الكلمتين ولم يسأل عن الأخرى فهو تعديل؛ لأن العدل من رضي للشهادة، والرضا عدل، وقد ورد القرآن بقبول شهادة من وصف بإحدى الكلمتين، ولو سأل عن الأخرى فوقف كان ذلك ريبة في تعديله ويسأل عن السبب في وقوفه فقد يذكر وجهاً لا يقدح في العدالة، أو وجهاً يريب فتقف عنه.
وقوله: (وَقِيلَ: أَوْ أَعْلَمُهُ أَو أَعْرِفُهُ) يعني: أن القول الأول يشترط أن يقول: "أشهد" وهو القول: يكفي عنده أشهد، أو أعلمه عدلاً رضاً، أو أعرفه" وهو لمالك من
стр. 3994
رواية ابن كنانة، وزاد بعد: "عدل رضا" "جائز الشهادة" ولا يقبل منه: "لا أعلمه إلا عدلاً رضاً".
وقوله: (وَقِيلَ: أَوْ أَرَاهُ) ابن عبد السلام: لمطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أنه يجزيه عندي: "عدل رضا" وليس عليه أن يقول: "هو عند الله رضاً" ولا أن يقول: "أرضاه علي ولي". ورواه أشبه عن مالك ﵀، والأقرب أن مراد المصنف بهذا القول ما لمالك في المجموعة قال: إذا قال المزكي: "لا أعلم إلا خيراً" ليس هذا بتزكية حتى يقول: "أعلمه وأراه عدلاً" لأن قول المصنف: (أَوْ أَرَاهُ) يقتضي أن هذا القائل يوافق على: "أعلمه أو أعرفه" ولم يقع في قول مطرف أعلمه ولا أعرفه. فإن قيل: لم يقع أيضاً في المجموعة "أعرفه" قيل: هي في معنى أعلمه، والله أعلم.
وَلا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ
لأن التعديل إنما يكون بعد الصحبة الطويلة واختبار الأفعال الكثيرة وذكر ذلك يطول، وقد تعسر العبارة دونه فيسقط لما فيه من المشقة ولهذا لم يختلف فيه كما اختلف في ذكر سبب الجرح؛ لأن الجرح يكفي فيه الشيء الواحد.
وَفِي سَبَبِ الْجَرْحِ ثَالِثُهَا لِمُطَرِّفٍ: إِنْ كَانَ عَالِماً بِوَجْهِهِ لَمْ يَجِبْ، وَرَابِعُهَا لأَشْهَبَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُبَرِّزٍ لَمْ يَجِبْ ..
تصور الأقوال لا يخفى عليك، والأقرب أنه لابد من ذكر سببه؛ لاختلاف العلماء في أسبابه مع غموض بعضها، وقد جرح أقوام من المحدثين ونسبوا إلى أشياءٍ هم منها براء، واستفسر من جرحهم فذكر ما لا يصلح؛ لأن بعضهم قال: رأيته يبيع ولا يرجح في الميزان، وقال آخر: رأيته يغتاب بحضرته ولا ينكر، وقال بعضهم: رأيته يبول قائماً، فقيل: وإذا بال قائماً، قال: يتطاير عليه بوله، فقيل له: فهل رأيته صلى بعد ذلك؟ قال: لا؛ فظهر غلطه في التجريح لما كوشف عن سببه.
стр. 3995
والتفت أشهب إلى حال المجرح بفتح الراء؛ فإن كان غير مبرز لم يجب على من جرحه ذكر السبب، وإن كان مبرزاً وجب. وذكر اللخمي وابن شاس وغيرهما هذه الأربعة. وذكر المازري في شرح [٦٦٧/ ب] البرهان في الأصول له أن الخلاف إنما يحسن إذا وقع ذلك من عالم بالجرح والتعديل، قال: ولا يحسن أن يذهب محصل إلى قبول ذلك مطلقاً من رجل غمر جاهل لا يعرف ما يجرح به ولا ما يعدل، وعلى هذا فلا يبقى في المسألة إلا ثلاثة أقوال.
وَلَوْ شَهِدَ فَزُكِّيَ ثُمَّ شَهِدَ فَثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يُغْمَزْ فِيهِ بِشَيْءٍ لَمْ يَحْتَجْ، وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ الْمُزَكَّي مُبَرِّزاً لَمْ يَحْتَجْ ..
يعني: أن الشاهد إذ زكي ثم شهد مرة أخرى، فروى أشهب أن شهادته تقبل بالتزكية الأولى، وقال سحنون: لا تقبل، ويكلف التزكية كلما شهد حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته.
قال في البيان: وهو إغراق في الاستحسان، قال: لأنه قد لا يعرفه غير الذين عدلوه أولاً وقد ماتوا أو غابوا؛ فيبطل حقاً وقد شهد به من قد زكي وثبتت عدالته.
والثالث لمالك في الواضحة من رواية مطرف وابن الماجشون: أنه لا يحتاج إلى تعديل آخر إلا أن يغمز فيه بشيء أو يرتاب منه.
والرابع لابن كنانة: إن زكاه من هو مشهور بالعدالة في تزكية لم يحتج إلى إعادة التزكية، هكذا نقل ابن راشد هذا القول، وعليه فيضبط المزكي في القول الرابعمن كلام المصنف بالكسر اسم فاعل، وضبطه بعض من تكلم على هذا الموضع بالفتح على أنه اسم مفعول، وهو مقتضى نقل الباجي لأنه قال: وقال ابن كنانة: المشهور بالعدالة يجزئ فيه التعديل الأول حتى يجرح بأمرين، والذي ليس بمعروف يتوقف فيه على تعديل ثان.
стр. 3996
والضبط الأول أظهر؛ لأن المبرز إنما يقال لمن هو ثابت العدالة.
ولابن القاسم في العتبية: إن كانت الشهادة قريبة من الأولى ولم تطل جداً لم يكلف تزكية، وإن طال فيكشف عنه ثانية، طلب ذلك المشهود عليه أم لا، والسنة طول.
ولأشهب في المجموعة: إن شهد بعد خمس سنين ونحوها سئل عنه العدل الأول، فإن مات عدل مرة أخرى، وإلا لم يقبل.
وَإِذَا عُدِّلَ وَجُرِّحَ فَفِي تَقْدِيمِ الْجَرْحِ أَوِ التَّنَافِي قَوْلانِ
القول بتقديم الجرح لابن نافع وسحنون. قال في البيان: وهو دليل ما في السرقة من المدونة ورواية عيسى عن ابن القاسم.
قوله: (أَوِ التَّنَافِي) وهو القول الثانيز
ابن عبد السلام: فلا يريد بالتنافي سقوط الشهادتين معاً؛ لأن هذا تغليب للجرح؛ لأنه إذا سقطت الشهادتان يبقى كالمجهول، وإنما مراده أن يصار إلى الترجيح بزيادة العدالة أو زيادة العدد عند من جرح به، ولهذا كان ما وقع في بعض النسخ عوض التنافي (وَالأَرْجَحُ أَحْسَنُ).
ولمطرف وابن وهب أن بينة التعديل أولى؛ لأنها شهدت بفضل؛ فهي أولى من القول بالشر، واختار ابن رشد وغيره تقديم الجرح؛ لأنها علمت ما لم يعلم المعدلون، وقيد الخلاف بما إذا قال المعدلون: "هو جائز الشهادة" وقال المجرحون: "هو غير جائزها".
ولمطرف وابن وهب أن بينة التعديل أولى؛ لأنها شهدت بفضل؛ فهي أولى من القول بالشر، واختار ابن رشد وغيره تقديم الجرح؛ لأنها علمت ما لم يعلم المعدلون، وقيد الخلاف بما إذا قال المعدلون: "هو جائز الشهادة" وقال المجرحون: "هو غير جائزها". وأما إن فسر المجرحون الجرحة فلا خلاف في تقديمهم.
وأشار المازري إلى أنه ينبغي أن يتفق على التجريح إذا اجتمعت البينتان على إثبات شيء وضده كقول المجرحين: "رأيناه عاكفاً ليلة كذا على شرب الخمر" ويقول المعدلون: "شاهدناه تلك الليلة عاكفاً على الصلاة" فيقطع بكذب إحداهما.
стр. 3997
ابن عبد السلام: والمسألة عامة فيما إذا تساوى عدد المعدلين والمجرحين أو اختلفا، وإن كان القاضي الباقلاني حكى الإجماع إذا تساوى عدد المعدلين والمجرحين، أو كان عدد المجرحين أكثر على تقديم شهادة المجرحين، وقصر الخلاف على ما إذا كان المعدلون أكثر، وأنكر هذا غيره، والصحيح في النقل ما قدمناه انتهى.
فرع:
إذا اتفق شاهدان على تجريح شاهد، لكن اختلفا في سببه كما لو شهد أحدهما بخيانته وآخر بزناه، فاختلف قول سحنون في تلفيقها، وبالتلفيق قال ابن عبد الحكم.
الْمَوَانِعُ: الأَوَّلُ: التَّغَفُّلُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: قَدْ يَكُونُ الْخَيِّرُ الْفَاضِلُ ضَعِيفاً عَقْلُهُ لِغَفْلَتِهِ فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَقِيلَ: إِلا فِيمَا لا يَكَادُ يُلَبَّسُ فِيهِ ..
قول ابن عبد الحكم ظاهر، ومثال ما لا يلبس فيه أن يقول: "رأيت هذا قبل هذا، أو سمعت هذا قال لزوجته: أنت طالق" بخلاف ما كثر من الكلام وأبطل بعضه ببعض، ولهذا يعتمد أكثر أهل الزمان في تزكيتهم الشاهد في قضية ثم لا يزكونه في أخرى، ولم يذكر المازري وابن شاس هذا على أنه خلاف بل ساقاه على أنه تقييد، وهو كذلك إن شاء الله تعالى خلاف ما قاله المصنف.
الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ بِهَا أَوْ يَدْفَعَ كَمَنْ شَهِدَ عَلَى مَوْرُوثِهِ الْمُحْصِنِ بِالزِّنَى أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيراً، أَوَ كَمَنْ شَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَ عَبْداً يُتَّهَمُ فِي وَلائِهِ، وَكَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ جَرَحَ مَوْرُوثَهُ، وَكَوَصِيَّ شَهِدَ بِدَيْنِ لِلْمَيِّتِ، وَكَمُنْفَقٍ عَلَيْهِ شَهِدَ لِمُنْفِقٍ، وَفِي عَكْسِهِ قَوْلانِ ..
المانع الثاني: أن يجر بشهادته نفعاً لنفسه أو يدفع عنها ضرراً، وذكر للجر أمثلة.
أولها: أن يشهد على موروثه المحصن بالزنى أو بقتل العمد؛ لأنه يتهم أن يكون قصد قتله ليرثه.
стр. 3998
وقوله: (مَوْرُوثِهِ) أعم من أن يكون أباً أو غيره. وقيد الموروث بالإحصان وبأن لا يكون فقيراً احترازاً من البكر [٦٦٨/ أ] ومن الفقير؛ لعدم التهمة فيهما.
وهكذا قال أشهب في أربعة أولاد عدول شهدوا على أبيهم بالزنى وهو فقير: أنه يرجم، وحمله ابن رشد على أنهم ممن يعذر بجهل في شهادتهم بالزنى على أبيهم، أو أنهم دعوا إلى شهادة عليه كأن يقذفه رجل بالزنى فيسأل شهادتهم ليسقط عنه حد القذف، وأما إن جهلوا ولم يدعوا فذلك عقوق منهم؛ لأنهم مأمورون بالستر فلا تجوز شهادتهم، ونقل أبو محمد عن ابن اللباد قولاً آخر أنها لا تجوز وإن كان الأب فقيراً؛ لأنهم يتهمون بإسقاط نفقته اللازمة لهم، وهذا لا يكون إلا في الأب وإنما يتم إذا كان الأب عاجزاً عن التكسب، وأما إن كان قادراً عليه ويتكسب فلا، وقال ابن لبابة: شهادتهم عليه بما يوجب قتله جائزة ملياً كان أو معدماً، قال: ولا يتهم العدول بالميراث ولا بطرح النفقة.
ابن رشد: وله وجه في المبرز.
المثال الثاني: أن يشهد أن موروثه أعتق عبداً فلا تجوز شهادته؛ لأنه يتهم في قصد ولايته وشرط في المدونة أن يكون هذا ممن يرغب في ولائه، وأن يكون في الورثة من لا حق له في الولاء كالبنات والزوجات، وأن تكون التهمة حاصلة الآن بأن يكون لو مات حينئذ ورثه، وأما إن كان الولاء قد يرجع إليهما يوماً ما فتجوز، ولو لم يتهم الولدان في ولائه لدناءتهم جازت شهادتهما، والتهمة في هذه المسألة ضعيفة؛ لأن هذه الشهادة إنما يجوز الابنان بها المنفعة بتقدير أن يموت العبد قبلهما، وقد يموت عن غير بال.
المثال الثالث: أن يشهد رجل أن رجلاً جرح ابن عم الشاهد أو غيره ممن يرثه الشاهد لو مات؛ لأنه إذا مات يقسم هذا الشاهد ويستحق الدية، أما لو شهد له بجرح خطأ وقد برأ الجرح، فيعود إلى الشهادة بالمال وهي جائزة ما لم تقرب القرابة بينهما كما سيأتي.
стр. 3999
المثال الرابع: إذا شهد الوصي بدين للميت لم تجز شهادته؛ لأنه يجر بذلك النظر في المال، وهذا بشرط أن يكونوا صغاراً. قال في المدونة: وإن كانوا كباراً يلون أنفسهم فتجوز شهادته؛ لأنهم يقبضون لأنفسهم.
المثال الخامس: أن يشهد المنفق عليه للمنفق، وهذا المثال هو أول مسألة من شهادات المدونة، والتهمة فيها للشاهد قوية؛ لأنه يخشى من تركه الشهادة أن يقطع عنه النفقة.
قوله: (وَفِي عَكْسِهِ قَوْلانِ) أي: عكس الخامس، وهي شهادة الشاهد لمن في نفقته؛ أجازها ابن حبيب، ومنعها بعض القرويين إذا كان من قرابة الشاهد كالأخ ونحوه؛ لأن تركه للنفقة عليه إذا كان فقيراً معرة، فيتهم أن يشهد له ليقطع عنه النفقة.
ابن يونس: وهو استحسان. وعلى هذا فالخلاف مخصوص بالقريب، ولا يعم الأجنبي، وكلام المصنف لا يؤخذ منه هذا، وكذلك اختلف في شهادة الوصي على الطفل الذي في ولايته، فالمشهور جوازها، وفي الجلاب قولاً آخر بعدم الجواز؛ لأنه يتهم أن يكون كارهاً في النظر لمحجوره فيضيع ماله.
فَلَوْ شَهِدَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي وَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَ مَا لَهُ كَثِيراً لَمْ يُقْبَلْ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ يَسِيراً فَثَالِثُهَا: يُقْبَلُ لِغَيْرِهِ دُونَهُ ..
احترز بالوصية من أن يشهد لنفسه ولغيره في غير وصية فلا تصح له ولا لغيره على المشهور؛ لأن الشهادة إذا بطل بعضها للتهمة بطل جميعها، وأجازها في الموازية في غير الوصية أيضاً إذا كان ما شهد به له يسيراً جداً، والفرق بينهما على المشهور أن الموصي قد يخشى معالجة الموت ولا يحضره إلا الموصى له فيضطر إلى إشهاده بخلاف غيرها، والمشهور مقيد بما إذا كان الجميع في ذكر حق على ما قاله الشيوخ، ولو كانت في حقين لجازت للأجنبي، وكذلك لو أدى الشهادة لفظاً؛ إذ لا يقدح ذكر ما له عليه وإدخاله ذلك في شهادته بما شهد به لغيره إذا لم يكن حقاً واحداً.
стр. 4000
وقوله: (فَإِنْ كَانَ مَا لَهُ كَثِيراً) أي: في الوصية، و (مَا) موصولة، وما قاله من عدم القبول إذا كان الذي له في الوصية كثيراً هو المشهور، وفي الجلاب رواية أخرى بالجواز لغيره فقط، وأما إن كان نصيبه يسيراً فحكى المصنف ثلاثة أقوال:
الأول: يقبل له ولغيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة، ورواه مطرف عن مالك.
الأبهري: وهو استحسان، فإن لم يكن في الوصية شاهد غيره حلف الموصى له مع شهادته ويأخذ هو ما له فيها بغير يمين؛ لأنه يسير في حكم التبع.
والقول الثاني: عدم القبول له ولغيره، رواه ابن وهب عن مالك، وعلله الأبهري بأنه جار لنفسه، قال: وهو القياس.
والثالث: يقبل لغيره ولا يقبل له، وهو أيضاً لمالك، وبه قال ابن الماجشون.
وعليه فإن لم يكن إلا شاهد حلف الموصى له واستحق، وإن كانا شاهدين كل منهما شهد له ولغيره أخذ الموصى له بغير يمين، وحلف كل واحد منهما واستحق مع شهادة صاحبه.
[٦٦٨/ ب] وحكى في المقدمات رابعاً: أن شهادته تجوز له ولغيره إن كان معه شاهد غيره فتثبت الوصية بشهادتهما ويأخذ ما له فيها بغير يمين، وإن لم يكن معه غيره فتجوز لغيره ولا تجوز له، ويحلف الغير مع شهادته.
وفي المدونة: عن يحيى بن سعيد: إن كان معه غيره جازت له ولغيره، وإلا جازت لغيره فقط.
سحنون: يريد: إذا كان معه غيره أخذ ما شهد به لنفسه بلا يمين إذا كان تافهاً، كما لو شهد رجلان في وصية أوصى لهما فيها بتافه- أخذاه بغير يمين.
стр. 4001
وقال بعض القرويين: يحتمل أن يريد: إن كان وحده جازت شهادته لغيره مع يمينه ولم يأخذ الشاهد شيئاً، وإن كان معه غيره أخذ الغير بغير يمين؛ لأنه اجتمع عليه شاهدان، وأخذ الشاهد بيمين؛ لأن شهادته لنفسه ساقطة.
وخصص صاحب المقدمات هذا الخلاف بما إذا كانت شهادة الشاهد في وصية مكتوبة، قال: وإن شهد على الوصية لفظاً بغير كتاب فإن شهد لنفسه بيسير فلا تجوز لنفسه باتفاق، وتجوز لغيره مع يمين الغير إن لم يكن إلا ذلك الشاهد، وإن شهد آخر كذلك أخذ غيرهما بغير يمين، وأخذ كل من الشاهدين بشهادة صاحبه بشرط أن يحلف، وقد يقال: لا تجوز له ولا لغيره على قول مطرف وابن الماجشون، ولا تجوز على ما في سماع أشهب من كتاب الشهادات.
وَأَمَّا شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلآخَرِ فَجَائِزَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ
لما تكلم على من شهد لنفسه ولغيره شرع فيمن شهد لمن شهد له، وذكر أن المشهور جواز الشهادتين، وظاهره سواء كان المشهود عليه بالحق واحداً أو لا، في مجلس واحد أو مجلسين متقاربين أو متباعدين، وهو قول ابن القاسم في العتبية فيمن شهد لرجل بعشرة دنانير وشهد المشهود له للذي شهد له على آخر- أن ذلك جائز، وقاله سحنون، والشاذ منعها، وإليه رجع سحنون.
اللخمي: وقال مطرف وابن الماجشون: إن شهد بعضهم لبعض على رجل واحد في مجلس واحد لم يجز، وإن كان شيئاً بعد شيء جاز جميعها وإن تقارب ما بين الشهادتين، وإن كان على رجلين مفترقين جاز ذلك في مجلس أو مجلسين، وأرى أن ترد جميعاً، وسواء كانت على رجل أو رجلين في مجلسين أو مجلس بلفظ أو كتاب؛ لأنهما يتهمان على: "اشهد لي وأشهد لك" إلا أن يطول ما بينهما. انتهى.
стр. 4002
وقول مطرف ثالث، واختيار اللخمي راجع إلى المنع مطلقاً، ولم يحك المازري في اختلاف المجلس خلافاً في القبول لأنه قال: إن شهد رجلان لرجلين بدين لهما على زيد، ثم شهد المشهود لهما للشاهد الأولين بحق آخر على زيد بعينه فإنه إن كان ذلك في مجلسين متقاربين أو متباعدين جازت الشهادة، وإن كان ذلك في مجلس واحد فظاهر المذهب على قولين: المنصوص منهما لمطرف وابن الماجشون رد الشهادة، وظاهر كلام أصبغ إمضاؤها، ثم أشار إلى أنه ينبغي أن يلتفت في هذا إلى التبريز في العدالة وحقارة المشهود فيه، وأنه بحيث لا يتطرق فيه طلب المجازاة في شهادة بشهادة.
وَفِيهَا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ
هي في المدونة في كتاب المحاربين، وعلله فيها بأنه لا سبيل إلى غير ذلك، ونص فيها على القبول إذا كانوا عدولاً سواء شهدوا بقتل أو أخذ مال أو غيره، ولعل المصنف أتى بها استشهاداً للمشهور الذي قدمه، ولم يعتبر تعليله في المدونة بالضرورة، وما قدمه مطلق.
فإن قتل: القبول هنا مخالف لما قالوه في المجتلبين أنه لا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يكون النفر الكثير عشرين فأكثر، وأباه سحنون في العشرين.
قيل: فرق بينهما ابن سهل بأن المجتلبين تذكرهم حمية البلد فلذلك رد شهادتهم.
وَأَمَّا الدَّفْعُ فَكَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً
لما ذكر أمثلة ما يجر به الشاهد لنفسه نفعاً شرع في تمثيل ما يدفع به عن نفسه ضرراً وذكر المثالين:
الأول: أن يشهد عدلان أن فلاناً قتل فلاناً خطأ فشهد عدول من العاقلة التي وجب عليها القيام بالدية بتجريح شاهدي القتل فلا تقبل؛ لأنها تدفع ما لزمها من الدية.
стр. 4003
ابن عبد السلام: وقد أطلقوا القول برد هذه الشهادة مع أن الفقير لا يلزمه شيء، والمقدار الذي يلزم الغني يسير جداً على ما يتبين في موضعه، وقد تقدم حكم من شهد لنفسه في وصية أو غيرها، ورد بأن الكلام فيمن يلزمه أداؤها فلا يرد الفقير، وتهمة الدفع أقوى؛ لأن كثيراً من الناس لا يسهل عليه إخراج شيء وإن [٦٦٩/ أ] قل.
وَكَشَهَادَةِ الْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ
هذا هو المثال الثاني: والمديان بكسر الميم وتخفيف الدال: الذي عليه الدين.
احترز بالمعسر مما لو كان موسراً فإنه تجوز شهادته، قاله ابن القاسم وأشهب ومطرف وابن الماجشون.
والضمير في: (لِرَبِّهِ) عائد على الدين المفهوم من المديان، وعلله مطرف بأنه كالأسير في يده، وقيده الباجي: بأن يكون الدين حالاً أو قرب حلوله، وما إن كان بعيداً فيجيء على مذهب سحنون جواز الشهادة، وعلى قول ابن وهب ردها. وفسر الغني بأن لا يستضر بإزالة هذا المال عنه، وأما إن كان يستضر بأخذه منه فترد شهادته.
ابن زرقون: وتجوز شهادته فيما عدا المال- قاله مطرف- ولما يرجو أن يكافئه على ما شهد له به إما بصبر عليه أو بتخفيف عنه من دينه، فلا فرق بين المال وغيره من الحقوق، وربما كان غير المال أهم عند المشهود له من المال.
خليل: وينبغي أن يقيد العسر هنا بأن يكون إعساره ثابتاً عند الحاكم، والله أعلم.
وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ جَارُّ
معناه أن يشهد رب الدين لمديانه بمال فإن شهادته ترد؛ لأنه يتهم أن يكون شهد له به ليقضيه، وما قدرنا به المسألة بالمال هو كذلك في المازري وغيره، وكأن المصنف استغنى عن ذلك بقوله: (لأَنَّهُ جَارُّ) وهذا مذهب ابن القاسم، وأجازها أشهب وإن كان المديان
стр. 4004
معدماً، وأشار بعضهم إلى التفرقة بين أن يكون المديان ملياً فتجوز، أو معدماً فيمتنع، ولعل المصنف إنما أخر هذه المسألة ولم يقدمها في أمثلة الجر للاختصار، والله أعلم.
واختلف في شهادة العامل لرب المال؛ فقال سحنون: إن كان المال عيناً ردت وإن كان في سلع جازت، وقال ابن وهب: وإن كان ملياً قبلت وإن كان معدماً ردت، وقال ابن القاسم: هي جائزة ملياً كان أو معدماً.
بعض الشيوخ: وكذلك شهادة رب المال للعامل فيه الثلاثة الأقوال.
الثَّالِثُ: أَكِيدُ الشَّفَقَةِ بِالنَّسَبِ أَوِ السَّبَبِ كَالأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْبُنُوَّةِ مِنْ ذَكَرٍ وَانْثَى وَإِنْ سَفَلَتْ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ فِيْهِمَا ...
المانع الثالث: الشفقة الأكيدة لا مطلق الشفقة؛ إذ تجوز شهادة بعض الأقارب لبعض؛ لأنه لا يوجد في جميعهم أكيد الشفقة، والباء في: (بِالنَّسَبِ) للسببية، ومراده بالنسب القرابة، وبالسبب الزوجية كما يفعل الفرضيون.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد بالنسب عمودية الأعلى والأسفل، وبالسبب من يدلي بهما، وذكر الزوجية على طريق التكملة.
خليل: وفيه بعد، وضمير (عَلَوْا) عائد على الآباء والأمهات؛ فيندرج الأجداد والجدات، وغلب المصنف في علو المذكر. وضمير (سَفَلَتْ) عائد على البنوة.
سحنون: ولا تجوز شهادة ابن الملاعنة للذي نفاه، واستدل مالك على هذا الأصل في المجموعة بقول عمر ﵁: "لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين" وجعله في المدونة من قوله ﵊.
وحكى بعض الشافعية عن مالك قبول شهادة الولد لأبيه دون العكس، وهي حكاية مستنكرة وربما كانت وهماً.
стр. 4005
ابن رشد: شهادة الأب عند ابنه، أو الابن عند أبيه، وشهادة كل واحد منهما على شهادة صاحبه، وشهادة كل منهما على حكم صاحبه، وشهادة كل منهما مع شهادة صاحبه- الحكم فيها كل سواء، والاختلاف فيها كلها واحد، قيل: إن ذلك جائز، وهو قول سحنون؛ لأنه أجاز شهادة الأب على قضاء ابنه بعد عزله، وأجاز هنا شهادته عنده بشرط التبريز، قال: وينبغي هذا الشرط عندي في بقيتها، وهو قول مطرف؛ لأنه أجاز شهادة كل واحد منهما على شهادة الآخر. وقيل: ذلك لا يجوز، وهو قول أصبغ؛ لأنه لم يجز شهادة كل منهما على شهادة الآخر وكذلك الذي يأتي على مذهبه في بقيتها، وفرق ابن الماجشون بين شهادته معه وشهادته على شهادته، وبين شهادته على حكمه بعد عزله؛ فأجازها في الأوليين، وردها في الأخرى، قال: وذلك تناقض، وأما تعديل كل منهما لصاحبه فلا يجوز عند واحد منهم إلا ابن الماجشون فإنه قال: إذا لم يكن نزعه وليس له قام، وإنما الذي نزعه وقام به أحيا شهادته، فلا بأس أن يصفه بالذي تتم به شهادته من عدالته.
ابن رشد: وفيه بعد.
وقوله: (وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ) فيهما الإشارة إلى الأبوة والنبوة.
وقوله: (فِيْهِمَا) عائد على الزوجين المفهومين من السياق؛ أي: لا تجوز شهادة كل منهما لصاحبه.
ابن عبد السلام: وأشار إلى خلاف النخعي في قوله: تقبل شهادة الزوج لزوجته دون العكس، وقال شيخنا: الضمير عائد على الجر والرفع.
فرع:
فلو كانت الشهادة بغير مال كما لو شهد الزوج أن سيد زوجته أعتقها، وشهد معه غيره لم تقبل شهادته لاتهامه على إخراجها من الرق؛ ليكون ولده منها حراً. وهل يمكن من وطئها؟ عندنا [٦٦٩/ ب] قولان: أحدهما أنه لا يحل له ذلك؛ لكونه يرق ولداً يعتقد
стр. 4006
أنه حر، فيكون وطؤه سبباً لارتقاق ولده، وكذلك لو كان الزوج عبداً لكان لها فراقه؛ لاعترافه أن الفراق صار بيدها لما عتقت. وإن رضيت بالبقاء فهل يمكن من وطئها؟ ففيه قولان. وإذا قلنا: يمكن الزوج من وطئها إذا ردت شهادته فقال بعض الأشياخ: يشتريها ليفرق بين ولده الرقيق وولده العتيق.
وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بِتَوْكِيلِهِمْ غَيْرَهُمْ بِخِلافِ تَوْكِيلِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ
يعني: أن الأب والولد والزوج والزوجة تجوز شهادتهم على بعضهم بعضاً بأنهم وكلوا غيرهم إذا كانت المنفعة للغير؛ لأنها شهادة عليهم. ولا تجوز شهادتهم على الغير بأنه وكلهم، ولهذا قال في المدونة في الشفعة: ومن لا تجوز شهادته من القرابة لقريب فلا يجوز أن يشهد أن فلاناً وكله على شيء، ويجوز أن يشهد عليه أنه وكل غيره؛ فأتى بلفظ (له) حيث منع الشهادة، وبلفظة (عليه) حيث أجازها.
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الأَخِ غَيْرِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لأَخِيهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُبَرِّزَاً، وَقِيلَ: فِيمَا لا تَتَّضِحُ فِيهِ التُّهْمَةُ.
احترز بغير المنفق عليه من أن يكون الأخ الشاهد في نفقة أخيه فلا تجوز شهادته، فإن كان الشاهد هو الأخ المنفق فقد تقدم فيه خلاف.
وقوله: (تَجُوزُ) يريد: في الأموال وما في معناها لأن المازري وغيره نقل اتفاق أهل المذهب على رد شهادة الأخ لأخيه بما يكتسب به الشاهد شرفاً وجاهاً، أو يدفع به معرة، أو تقتضيه الحمية والعصبية، مثل أن يشهد لأخيه وهو نازل القدر أنه تزوج امرأة لها قدر ممن يتشرف بنكاحها، أو يشهد أن فلاناً قذفه، أو يجرح من جرح أخاه، وكذلك رأى غيره أنه يتفق على رد شهادته له بالمال الكثير الذي يحصل له به الشرف. والمشهور أنه لا تجوز شهادته له في جرح العمد خلافاً لأشهب، والقول بالجواز وقع في بعض ألفاظ المدونة، والقول
стр. 4007
باشتراط التبريز هو الذي في شهادات المدونة، واختلف الشيوخ؛ فحمله الأكثرون على أنه خلاف كما فعل المصنف، ورأى بعضهم أن ما في أول الشهادات مقيد لغيره.
وفي الرسالة: وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه، وظاهره عدم اشتراط التبريز.
قال صاحب المقدمات والبيان: مذهب ابن القاسم اشتراط التبريز في ستة مسائل: هذه أولها، الثانية: إذا زاد في شهادته أو نقص منها بعد أن شهد بها، والثالثة: شهادة الأجير لمن استأجره إذا لم يكن في عياله، والرابعة: شهادة المولى لمن أعتقه، والخامسة: شهادة الصديق الملاطف لصديقه، والسادسة: شهادة الشريك المفاوض لشريكه في غير مال المفاوضة، وزاد في المقدمات التزكية.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُبَرِّزَاً، وَقِيلَ: فِيمَا لا تَتَّضِحُ فِيهِ التُّهْمَةُ) ليس هذا خلافاً على ما تقدم من حكاية المازري الاتفاق، لكن حكاه ابن شاس على أنه خلاف؛ لأنه قال: وأما شهادة الأخ لأخيه فأجازها في الكتاب من رواية ابن القاسم، إلا أن يكون في عياله. وقال بعض أصحابنا: لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز على شرط، ثم اختلف في تحقيق ذلك الشرط؛ ففي الموازية: لا تجوز شهادته إلا أن يكون مبرزاً. وقيل: تجوز إذا لم تنله صلته. وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير إلا أن يكون مبرزاً فتجوز في الكثير. وقال غير هؤلاء: تقبل الشهادة للأخ إلا فيما تتضح فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكتسب به الشاهد شرفاً وجاهاً أو يدفع به معرة أو تقتضي الطباع والعصبية فيه الغضب والحمية، كشهادته بأن فلاناً قتله، أو يجرح من جرحه. انتهى.
وقال اللخمي بعد أن ذكر أنه لا تجوز شهادته له فيما تقدم من كلام المازري أنه لا تجوز شهادته فيه: واختلف في شهادته له في الأموال على أربعة أقوال: فقيل: جائزة، وقيل: لا تجوز، وقيل: إن كان مبرزاً جازت وإلا فلا، وقيل: لا تجوز في اليسير دون الكثير.
стр. 4008
وقال صاحب البيان: لا خلاف أن شهادته له في الأموال جائزة إذا لم يكن في عيال المشهود له، قيل: مطلقاً، وقيل: بشرط التبريز، وألزم أشهب على قوله بالإجازة في جراح العمد أن يجيزها له في القتل والحدود، قال: إذا لم يراع في جراح العمد ما يقع في ذلك من الحمية.
وقال عياض: قد اختلف في شهادته له في الحدود والقصاص وغير المال مما هو مستور.
وَفِي جَوَازِ تَعْدِيلِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
الجواز لابن القاسم وهو ظاهر المدونة بشرط التبريز؛ لقوله فيها: "إذا لم يكن الأخ والأجير في العيال تجوز شهادتهما إذا كانا مبرزين في الأموال والتعديل؛ وعلى هذا الظاهر حمله الأكثرون، وروى ابن زياد وابن نافع عن [٦٧٠/ أ] مالك جواز تعديله، وقال بعضهم: المراد بالتعديل هنا تعديل من شهد لأخيه فيكون من باب المال، وبقول أشهب قال ابن نافع وأصبغ وعبد الملك وهو الظاهر؛ لأنه يتشرف بعدالة أخيه له. وعلى الأول يجرح من جرحه، وعلى الثاني لا يجرح من جرحه، ولابن الماجشون ثالث أنه يعدله ولا يجرح من جرحه واختاره ابن حبيب، وظاهر كلام ابن رشد وغيره أن الخلاف في تجريحه إنما هو إذا جرح بالإسفاه، وأما إذا جرح بالعداوة فيجوز أن يجرح من جرحه، ونقل المازري عن بعض الأشياخ أنه مال إلى رد شهادته وإن جرح بالعداوة؛ لأن في تجريحه بها نقصاً.
المازري: ولعمري إن التهمة فيه لا تتضح اتضاحها إذا ردت شهادة أخيه من ناحية كونه فاسقاً.
وَفِي إِلْحَاقِ أُخُوَّةِ الصَّدَاقَةِ بِأُخُوَّةِ النَّسَبِ قَوْلانِ
المشهور قبول شهادته لصديقه إذا كان ليس في نفقته، ولا يشتمل عليه بره وصلته، وقال ابن كنانة: يقبل في اليسير فقط، وحكى الباجي عن مالك في القبول والرد روايتين، إذا كان الشاهد هو الذي يصل بالمعروف صديقه المشهود له. وقد تقدم أن ابن القاسم يشترط في ستة مسائل التبريز منها هذه.
стр. 4009
ابن عبد السلام: ويؤخذ من كلامه أن من ألحق أخوة الصداقة بالنسب يختلف، هل يقبلها بشرط التبريز أو بشرط أن لا تتضح التهمة، والدخول تحت هذه العهدة في النقل صعب.
وَفِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مُبَرِّزَا جَازَ
الجواز لسحنون اعتباراً بالحال؛ لأن شهادته لم تكن لابنته ولا لابنه، والرد لابن القاسم نظراً للمال؛ لأنه أميل لابنه أو ابنته، والثالث حكاه ابن محرز عن بعض شيوخه، واختلف في شهادة الرجل لأبوي امرأته وولدها من غيره وفي شهادة المرأة لولد زوجها، هكذا ألحقه المازري بالخلاف المتقدم.
وَفِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لأَحَدِ وَالِدَيْهِ عَلَى الآخَرِ، وَشَهَادَةِ الأَبِ لأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الآخَرِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَيْلُ لِلمَشْهُودِ لَهُ- قَوْلانِ ..
هكذا حكى ابن محرز هذا الخلاف، قال: والصواب الإجازة؛ لأن الشاهد قد استوت حالته فيمن يشهد له وعليه فصار بمنزلة شهادته لأجنبي على أجنبين وشرط بعضهم التبريز في قبول هذه الشهادة.
واحترز بقوله: (إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَيْلُ) مما إ ذا ظهر ميل للمشهود له فإنه يتفق على الرد كما لو شهد للصغير على الكبير، أو للبار على العاق.
ابن محرز: ولو شهد لأبيه على ولده أو لولده وليس في حجره لتخرج على الخلاف في شهادته لأحد أبويه على الآخر، ولو شهد لأبيه على جده أو لولده على ولد ولده لانبغى ألا يجوز اتفاقاً، ولو كان على العكس لانبغى أن تجوز اتفاقاً.
فَإِنْ ظَهَرَ مَيْلُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَأَوْلَى بِالْجَوَازِ
كما لو شهد للعاق على البار.
стр. 4010
وقوله: (أَوْلَى) أي: على القول بالجواز، ولا يريد أنه يتفق على الجواز؛ لأن سحنوناً يمنع وإن شهد للأكبر من أولاده على الأصغر، والرشيد منهما على السفيه الذي في ولايته، والعاق على البار، وكأنه رآه حكماً غير معلل وأن المنع في ذلك له.
وقال سحنون في نصراني مات وله ولد نصراني يرثه، وله ولدان مسلمان يشهدان بدين لأبيهما على رجل: إن شهادتهما لا تقبل مع ارتفاع التهمة بموت أبيهما وصيرورة ماله لولده النصراني.
قالوا: ترد شهادة الأب لولده وإن كان عبداً مع كون العبد لا يملك ما شهد له أبوه به ملكاً لا يقدر على انتزاعه.
وزادوا فقالوا: لا تقبل شهادته لسيد ولده ولسيد أبيه؛ لأجل التهمة بأن يصانع لسيد ولده أو سيد أبيه الشهادة ليحسن إلى أبيه أو إلى ابنه، ولذلك لو شهد ولدان على سيد أبيهما أنه باعه أو شهدا أن أباهما العبد جنى على رجل فإن شهادتهما لا تقبل أيضاً؛ لأنهما يتهمان أن يكونا قصدا إنقاذ أبيهما أو ولدهما من سوء مملكة السيد.
فَلَوْ كَانَتْ أُمُّهُمَا مُنْكِرَةً لِلطَّلاقِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِلأَبِ عَلَيْهَا
احترز بقوله: (مُنْكِرَةً) من أن تكون مقرة بالطلاق قائمة به- فلا تقبل. نص عليه أشهب وأصبغ وسحنون، وأطلق ابن القاسم القبول ولم يقيد بكون الأم مقرة أو منكرة، لكن قيده صاحب البيان بقول أشهب ولم يجعل بينهما خلافاً، ولهذا - والله أعلم- لم يتعرض المصنف لقول ابن القاسم، لكن حمله اللخمي على الخلاف.
وقوله: (مُنْكِرَةً لِلطَّلاقِ) يريد: والأب أيضاً منكر، ولا يريد أن الأب مقر؛ لأن الأب لا يحتاج إلى شهادتهما إذ الطلاق بيده.
فإن قيل: لعله أراد إذا كان الأب مدعياً للطلاق على خلع والأم منكرة له.
стр. 4011
قيل: إن أراد هذه الصورة لزمه خلاف النقل؛ لأن الذي في النوادر عن ابن سحنون: إذا شهدا أن [٦٧٠/ ب] أمهما اختلعت من زوجها لم تجز شهادتهما، جحدت الأم أو لا. ولم يذكر خلاف ذلك.
ولو شهدا أن الأب طلق ضرة أمهما فإن كانت أمهما في العصمة لم تقبل، وإن ماتت قبلت شهادتهما، ومال بعض الشيوخ إلى ردها.
وإن كانت أمهما مطلقة من أبيهما وهي حية فشهد الابنان بطلاق الضرة ففي المذهب قولان؛ منع شهادتهما ابن القاسم، وأجازها أصبغ. وهذا إذا كانت الضرة منكرة للطلاق، واختلف إن كانت هي القائمة بشهادتهما وأمهما في عصمة الأب؛ فأجازها أصبغ، ومنعها سحنون بعد إجازته لها.
اللخمي: والقياس أن تمنع سواء كانت الأم في عصمة الأب أو مفارقة أو ميتة؛ لأن العادة جارية بين زوجة الأب وربيبها بالعداوة، وإن كانت شابة كان أبين؛ لأنه يخشى ما يكون من ولد يشاركه في الميراث أو يميل بماله إليها، ومدار الأمر في هذا الباب على التهمة القوية، فحط الفقيه الالتفات إليها.
الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ، وَلا تُقْبَلُ عَلَيْهِ، وَتُقْبَلُ لَهُ عَكْسَ الْقَرَابَةِ
إنما لم تقبل للتهمة كما في التي قبلها. فإن قيل: ما الذي أفاده قوله: (عَكْسَ الْقَرَابَةِ) مع تصريحه أولاً بأنها لا تقبل له وتقبل عليه؟ قيل: فائدتين.
الأولى: تقييد العداوة بالبينة كما قيد في القرابة تأكيد الشفقة.
قال ابن كنانة في المجموعة: إن كانت الهجرة في أمر خفيف فشهادة أحدهما تقبل على الآخر، وأما المهاجرة الطويلة والعداوة البينة فلا تقبل عليه.
стр. 4012
الثانية: أنه لم يصرح في القرابة بأنها تقبل عليه ولا تقبل له، وهذا المعنى وإن كان مفهوماً مما تقدم فالتصريح هنا به أولى.
فإن قيل: (أل) في: (الْقَرَابَةِ) إما للعهد وهو متنف لعدم تقدم ما هو معهود، أو للجنس وهو لا يصح، وإلا لزم المنع في الأعمام والأخوال.
قيل: هي للعهد، وقد تقدم ما يدل على القرابة من وجهين:
أحدهما: أكيد الشفقة.
والثاني: قوله: (كَالأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ)
فإن قيل: فإن كان هذا عكس الثالث كان ينبغي أن يذكر أولاً في المانع الثالث القرابة دون أكيد الشفقة.
قيل: ذكر أولاً أكيد الشفقة لينبه على العلة الملحوظة، والله أعلم.
وَشَرْطُهُا: أَنْ تَكُونَ عَلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيِّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خِصَامٍ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ دَيْناً يَتَشَوَّفُ بِهِ عَادَةً إِلَى أَذًى يُصِيبُهُ. قَالَ سحنون: وَمِثْلُهُ لَوْ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ فِي خُصُومَتِهِ. وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةَ فَلا أَثَرَ لَهَا فَأَوْلَى بِقَبُولِهَا ..
شرط في العداوة المانعة أن تكون دنيوية، كذلك إن كان أصلها ديناً ولكن قويت حتى زادت على القدر الواجب- فإن ذلك القدر الزائد يمنع الشهادة، قاله المازري وعياض.
وهو صحيح؛ فإن تلك العداوة لو كانت لله تعالى لما تعدت القدر المأذون فيه وما حكاه عن سحنون يوهم أنه لو شهد عليه بعد الخصومة لقبل، والذي نقل المازري عن سحنون إذا شهد رجل بشهادة فبعد ذلك بنحو شهرين شهد المشهود عليه على الشاهد الذي شهد عليه: إن شهادته لا تقبل، وأشار المازري إلى أنه لابد من الالتفات إلى بروزهما في العدالة، وكون الشهادة الأولى لم تقع بما يوجب حقداً لاحتقار ما شهد به الشاهد الأول.
стр. 4013
وقال أصبغ فيمن شهد على رجل حاضر فلما أتم الشهادة قال للمشهور عليه والقاضي يسمع: "إنك تشتمني وتشبهني بالمجانين" قال: لا نطرح شهادته إلا أن تثبت العداوة من قبل. هكذا نقل ابن عبد السلام ونقل المازري عن أصبغ رد الشهادة، وعلله بكون الشاهد أقر عن نفسه بعداوة المشهود عليه. ونقل ابن سهل هذا عن ابن الماجشون، ونقل عن أصبغ أنها لا تبطل إذا كان ذلك منه على جهة الشكوى لا على طلب المخاصمة، وتبطل إن كان على وجه الخصومة.
خليل: ويمكن أن يجمع بين النقلين الأولين بهذا، واستحسن اللخمي ردها، إلا أن يكون الشاهد مبرزاً.
وقوله: (وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةَ) هو مفهو من الشرط أولاً، لكن صرح به هنا لما ترتب عليه بقوله: (فَأَوْلَى بِقَبُولِهَا) وقد حكى الأبهري الإجماع على أن العداوة في الدين لا تبطل الشهادة بدليل جواز شهادتنا على سائر الملل.
فروع:
الأول: إ ذا طرأ بين المسلم والكافر عداوة لأمر حدث فاختلف أصحابنا في قبول شهادة المسلم حينئذ عليه. عياض: والصحيح عدمه.
الثاني: قال مالك: إذا شهد وجب عليه أن يخبر الحاكم بأنه عدو، وعن سحنون لا يخبر تنفيذاً للحق، ولا يسعى في إبطاله. ابن رشد: وهو أصح.
الثالث: إذا خاصم الرجل عن غيره ففي مفيد الحكام: تجوز الشهادة عليه في اليسير الذي ليس مثله يورث الشحناء.
وفي المتيطية: الخصم هو الذي يخاصم غيره، وقال ابن وهب: هو الوكيل على [٦٧١/ أ] الخصومة. ومقتضى قول ابن وهب تجوز شهادته على الوكيل مطلقاً.
стр. 4014
وَفِي شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى ابْنِ عَدُوَّهِ بِمَالٍ وَمَا لا يَلْحَقُ الأَبَ مِنْهُ مَعَرَّةُ- قَالَ ابن القاسم: لا تَجُوزُ وَلَوْ كَانَ مِثْلَ أَبِي شُرِيْحٍ وَسْلَيْمَانَ بنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: تَجُوزُ، وَقَالَ ابن الماجشون: تَجُوزُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وِلايَتِهِ، وَقَالَ أَيْضاً: تَجُوزُ إِنْ كَانَ الأَبُ مَيِّتاً ..
لما ذكر أن العداوة بين الشاهد والمشهود عليه تمنع الشهادة، أخذ يتكلم فيما إذا كانت تسري إليه.
واحترز بقوله: (بِمَالٍ) وبـ (مَا لا يَلْحَقُ الأَبَ فِيهِ مَعَرَّةُ) مما لو شهد عليه بما يلحق أباه منه معرة فإنه يمتفق على رد شهادته، كشهادته بزنى الابن وسرقته؛ لأنه مما يتأذى به الأب، وذكر المصنف أربعة أقوال:
الأول لابن القاسم: عدم الجواز، ولو كان الشاهد في الصلاح قد بلغ النهاية.
ابن يونس: وهو الصواب.
الثاني لمحمد: تجوز وإن كان الأب حياً والابن في ولاية أبيه، هكذا نقل اللخمي عن محمد.
الثالث لابن الماجشون: تجوز الشهادة إذا لم يكن الابن في ولاية أبيه، هكذا نقل اللخمي والمازري وغيرهما هذا القول، ولم يصرحوا فيه بمفهوم الشرط؛ أعني: بعدم القبول إذا كان في ولايته؛ نعم هو مفهوم الكلام.
الرابع لابن الماجشون أيضاً: لا تجوز بمال إذا كان الأب حياً.
اللخمي: يريد: وإن كان رشيداً. وتجوز على الصبي بعد موت أبيه وأجاز ابن القاسم الشهادة إذا شهد على صبي أو سفيه في ولاية عدوه ومنعها مطرف وابن الماجشون.
стр. 4015
وَمَنِ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَمَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ ..
هذا ضابط حسن مع اختصار اللفظ وفهم المعنى، فالأب يمتنع أن يشهد لولده، فكذلك يمتنع أن يشهد بتزكية من شهد لولده؛ إذ البينة لا تتم إلا بالتزكية، فكان كأنه شهد لولده، وكذلك يمتنع تجريحه لمن شهد على ابنه، وكذلك العدو تمتنع شهادته عليه، فتمتنع شهادة تزكية من شهد عليه أو تجريح من شهد له؛ لأنه يتوصل بذلك إلى ضرر عدوه.
الْخَامِسُ: الْحِرْصُ عَلَى إِزَالَةِ التَّعْبِيرِ بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِالتَّأَسِّي كَشَهَادَتِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِباً أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ ..
المانع الخامس: أن يحرص الشاهد على دفع ما عير به، والتعيير بالعين المهملة مصدر عير تعييراً.
والباء في قوله: (بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِالتَّأَسِّي) للسببية، ثم مثل للأول بـ (كَشَهَادَتِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ .. إلخ) يعني: إذا شهد في حال فسقه أو صباه أو رقه أو كفره فحكم الحاكم بردها ثم زالت موانعم فأدوها فلا تقبل منهم؛ للتهمة بسبب ما جبلت عليه الطباع البشرية من الحرص على دفع المعرة بقبولها منهم بعد ردها.
وقوله: (فِيمَا رُدَّ) تحرز بذلك مما لو شهد بذلك ولم ترد حتى زال المانع- فإنها تقبل لكن بشرط إعادتها بعد زوال المانع. قاله غير واحد.
واستدل ابن يونس لذلك بما نقله سحنون عن بعض العلماء، وقال: هو قولي، وقياس قول مالك وأصحابه أن العبد والصبي والنصراني إذا أشهدوا عدولاً على شهادتهم ثم انتقلوا إلى الحال التي تجوز فيها شهادتهم قبل أن تنقل عنهم وغابوا أو ماتوا فشهدوا على شهادتهم- أن ذلك غير مقبول، بخلاف أن لو شهدوا في الحال الثانية بما
стр. 4016
شهدوا في الحال الأولى، وقول ابن القاسم في عبد حكم بشهادته يظن حريته فعلم بذلك بعد عتقه- أن الحكم الأول يرد، ثم يقوم الآن فيشهددون له.
واحترز أيضاً بقوله: (فِيمَا رُدَّ فِيهِ) مما لو قال القائم بشهادتهم للقاضي: "عند فلان العبد، أو فلان الصغير، أو النصراني" فقال القاضي: لا أجيز شهادة هؤلاء- فإن هذا ليس رداً لشهادتهم، وتقبل شهادتهم بعد ذلك؛ لأن كلامه إنما هو فتوى. قاله غير واحد.
وَكَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى فِي الزِّنَى اتِّفَاقاً
هذا مثال السبب الثاني، وهو التأسي، وقيده بقوله: (فِي الزِّنَى) لأنها تقبل فيما عداه، وإنما ردت شهادته في الزنى لاتهامه فيها بحرصه على دفع المعرة عنه بأن يجعل غيره مثله، لأن المصيبة إذا عمت هانت، وإذا نزرت هالت، ولهذا قال عثمان ﵁: "ودت الزانية أن النساء كلهن يزنين".
قال مطرف وابن الماجشون: وكذلك لا تقبل فيما يتعلق بالزنى كاللعان والقذف والمنبوذ.
وَكَشَهَادَةِ مَنْ حُدَّ فِي مِثْلِ مَا حُدَّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تُقْبَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَأَنَّ وَلَدَ الزِّنَى لا يَنْدَفِعُ عَارُهُ بِالتَّوْبَةِ
هذا مثال ثاني للتأسي.
وقيد بقوله: (فِيمَا حُدَّ فِيهِ) لأن شهادته تقبل إذا تاب فيما عداه، وإنما اختلف في شهادته فيما حد فيه كشهادة السارق بعد توبته وقطع يده في السرقة، وكذا القاذف والشارب فالمشهور عدم القبول، ومقابل المشهور لمالك من رواية ابن نافع، وبه قال ابن [٦٧١/ ب] كنانة وصرح صاحب الاستذكار بالمشهور كالمصنف.
стр. 4017
المازري: وقول ابن كنانة هو ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: والمحدود إذا ظهرت توبته وحسنت حالته جازت شهادته في الحقوق والطلاق، فالظاهر عموم الحقوق. ورأى بعضهم أن ظاهر المدونة كالمشهور، ولهذا يقع في بعض النسخ قول المصنف: (وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ) إثر: (الْمَشْهُورِ).
قوله: (وَفُرِّقَ) أي: على القول بالقبول هنا بينه وبين ولد الزنى، بأن ولد الزنى عاره لا يرتفع بالتوبة بخلاف هذه الأشياء فإن معرتها تزول بالتوبة ويصير الفاعل لها كأنه لم يفعل كالكافر إذا أسلم.
وفيه نظر؛ لأنه وإن تاب وحسنت حالته يعلم من الناس أنهم ينظرونه بتلك العين فيجد في نفسه انكساراً فيتسلى بما يصيب غيره من ذلك.
السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، فَفِي التَّحَمُّلِ كَالْمُخْتَفِي لِتَحَمُّلِهَا: لا يَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَخْدُوعاً أَوْ خَائِفاً.
قوله: (فِي التَّحَمُّلِ) يحتمل أن تكون (فِي) للسبية أو للظرفية، ثم بدأ بالكلام على الحرص في التحمل، وذكر أن المشهور لا يقدح، وبه قال أشهب وعيسى بن دينار، وعليه عامة أصحاب مالك وأكثر أهل العلم.
ومقابل المشهور إما مبني على القول بأنه لا يجوز حتى يقول المشهود عليه للشاهد: اشهد علي- وهو قول لمالك- وإما مبني على القول بجوازها لكن يرى الاختفاء يضر بها.
ابن رشد: وهو قول سحنون، وقول محمد تقييد للمشهور، بل هو من تمامه؛ ففي الموازية قال مالك في رجلين قعدا لرجل من وراء حجاب يشهدان عليه، قال: إن كان ضعيفاً أو مخدوعاً أو خائفاً لم يلزمه، ويحلف: "ما أقر إلا ما ينكر" وإن كان على غير ذلك لزمه،
стр. 4018
ولعله يقر خالياً ويأبى من البينة فهذا يلزمه ما سمع منه، قيل: فرجل لا يقر إلا خالياً هل أقعد له بموضع لا يعلم للشهادة عليه؟ قال: لو أعلم أنك تستوعب أمرهما، ولكنني أخاف أن تسمع جوابه لسؤاله، ولعله يقول له في سر: ما الذي لي عليك إن جئتك بكذا؟ فيقول له: لك عندي كذا، فإن قدرت أن تحيط بسرهما فجائز.
وَفِي الأَدَاءِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ، فَفِيمَا تَمَحَّضَ مِنْ حَقِّ الآدَمِيِّ قَادِحَةُ، فَإِنْ كَانَتْ حَقاً للهِ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمِ كَالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ وَالْوَقْفِ وَكَذَلِكَ الْعَفْوُ عَنِ الْقَصَاصِ لَمْ تَقْدَحِ الْمُبَادَرَةُ بَلْ تَجِبُ، وَإِنْ كَانَتْ حَقَّاً لا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلا تَقْدَحُ وَلا تَجِبُ إِلا فِي التَّجْرِيحِ لِمَنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ ..
حاصل كلامه أن الحقوق ثلاثة:
الأول: حق متمحض لآدمي فلا يؤديها قبل أن يسألها، بل رفعه لها قدح في عدالته، نعم قال علماؤنا: يجب عليه أن يعلم صاحبه به إن كان حاضراً، فإن لم يفعل فروى عيسى عن ابن القاسم: ذلك جرحة وتبطل شهادته، وقال مطرف وابن الماجشون: إلا أن يعلم صاحب الحق بعلمهم، وجعله ابن رشد تفسيراً. وقال سحنون: لا يكون ذلك جرحة إلا في حق الله تعالى؛ لأن صاحب الحق إذا كان حاضراً فقد أضاع حقه، وإن كان غائباً فليس للشاهد شهادة.
ابن يونس: ويلزم على هذا التعليل أنه إن كان حاضراً لا يعلم أن تلك الرباع له مثل أن تكون تلك الرباع لأبيه فأعارها للذي هي بيده، أو أكراها منه فباعها للذي بيده، والولد لا يعلم أن تلك الرباع كانت لأبيه- أن على الشاهد أن يعلم بذلك وإلا بطلت شهادته.
الباجي: وعندي أن ذلك إنما يكون جرحة إذا علم الشاهد أنه إذا كتمها ولم يعلم بشهادته بطل الحق أو دخل بذلك مضرة أو معرة، وأما على غير هذا فلا يلزمه القيام بها؛ لأنه لا يدري لعل صاحب الحق قد تركه.
стр. 4019
ونقل في الإكمال قولين آخرين:
أولهما: أن ما يكون جرحة في الشهادة نفسها لا يصلح له أداؤها بعد، قال: وهو الظاهر، والثاني: إنما يكون جرحة إذا سكت حتى رأى صاحب الحق صالح عن حقه واضطر إلى شهادته ولم يعرفه بها حتى بطل حقه.
الثاني: أن يكون الحق لله تعالى يستدام فيه التحريم، كما لو شهد على رجل بعتق عبده أو أمته أو بطلاق زوجته أو بمخالعته لها أو بكونه رضع معها، وقيد ابن شاس الوقف بأن يكون على غير معينين، وأطلق القول فيه الباجي وابن رشد- فهذا تجب مبادرة الشاهد إلى الشهادة، فإن سكت عنها كان ذلك جرحة في حقه.
قال في البيان: ووقع لأشهب في المبسوط أن الشهادة لا تبطل بالإمساك عنها كان الحق بطلاق أو حرية أو بمال. واستبعده، قال: ويجيء عليه أنه لا يلزمه أن يقوم في ذلك بشهادته حتى يسألها.
الثالث: أن يكون الحق لله تعالى لكن لا يستدام فيه التحريم بأن تكون المعصية قد انقضت كالزنى وشرب الخمر فلا يجب الابتداء بها. قال في الإكمال: لما جاء في الستر على المسلم، إلا أن يكون مشهوراً بالفسق مشتهراً بالمعاصي مجاهراً بذلك فقد كره مالك وغيره الستر على مثل هذا ورأوا رفعه والشهادة عليه بما اقترف؛ ليرتدع عن فسوقه.
وَفِي الْقَبُولِ كَمُخَاصَمَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الآدَمِيِّ، وَفِي مُخَاصَمَتِهِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ [٦٧٢/ أ] فِيهِمَا قَوْلانِ ..
هذا هو الوجه الثالث من وجوه الحرص، فإذا خاصم الشاهد المشهود عليه في حق الآدمي دل ذلك على تعصبه للمشهود له، وأما إن كانت المخاصمة في حق الله فقد اختلف في أربعة تعلقوا برجل ورفعوه للقاضي وشهدوا عليه بالزنى؛ فقال ابن القاسم:
стр. 4020
لا تقبل شهادتهم، وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: تقبل، وهو اختيار اللخمي، وكذلك ابن راشد، وقال: إنه أصح؛ لأن أصل المنازعة في سبب الدين.
قوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ فِيهِمَا) أي: في حق الله وحق الآدمي، والقول برد الشهادة لابن شعبان، وأخذ ابن رشد من العتبية أنه لا يمنع.
ابن عبد السلام: إلا أن يكون الشاهد من جملة العوام فإنهم يتسامحون في ذلك، فينبغي عندي أن يعذروا بذلك.
السَّابِعُ: الاسْتِبْعَادُ، وَأَصْلُهُا الْحَدِيثُ: "لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ" وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ؛ لأَنَّهَا مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ، فَأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا أَوْ رَآهمُاَ أَوْ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَلا رِيبَةَ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ.
المانع السابع: - وهو آخر الموانع- الاستبعاد، وذلك لأنه يبعد في العادة إشهاد أهل الحاضرة رجلاً من البادية يحتاج إليه، ويترك شهادة الحاضرين المتيسرين.
وقوله: (وَأَصْلُهُا) فيه حذف مضاف؛ أي: وأصل رد هذه الشهادة. وأعاد الضمير على الريبة المفهومة من السياق على حذف مضاف؛ أي: وأصل اعتبارها، والحديث رواه أبو داود، وقال النسائي فيه: ليس بالقوي.
(وَمَحْمَلُهُ) أي: الحديث. وكلام المصنف ظاهر التصور، وإنما أخرج الحديث عن عمومه لمعارضته لظاهر قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] فإنه يتناول البدوي وغيره فحملت الآية على شهادة عدلين لا يستراب في شهادتهما، وحمل الحديث على ما يتسراب فيهما جمعاً بينهم.
وقوله: (عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ) قيده اللخمي فقال: إلا أن يعلم أنه مخالط لهما أو يكون جميعهم في سفر، وقيد المنع بالوثائق والصدقات، وأما بالقتل والجراح والقذف وما
стр. 4021
أشبه ذلك مما لا يقصد في مثله الإشهاد، أو بمال إذا لم يشهد وقال: "مررت بهما" ونحو ذلك- فتجوز، ومنع ابن وهب شهادة البدوي على الحضري في المال وغيره، وقيد بأن يشهد على حضري لبدوي مثله لما في ذلك من التهمة.
ابن وهب: واختلف في شهادة الحضري على البدوي؛ فرأى قوم أنها لا تجوز، وأنا أرى أنها جائزة إلا أن يدخلها ما دخل شهادة البدوي على الحضري من الظنة والتهمة.
قال في البيان: ومن هذا المعنى شهادة العالم على العالم فإنه وقع في المبسوطة من قول ابن وهب أنه لا تجوز شهادة القارئ على القارئ، يعني العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغضاً، وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لا يُقْبَلُ شَهَادَةُ السُّؤَّالِ إِلا فِي التَّافِهِ الَيَسِيرِ؛ لِحُصُولِ الرِّيبَةِ فِيمَا لَهُ قَدْرُ وَبَالُ ..
أتى بهذه المسألة لمناسبتها لما قبلها؛ لأن المانع منها الاستبعاد أيضاً؛ لأن مثل هؤلاء لم تجر العادة باستشهادهم وترك الأغنياء المشهورين، وينبغي أن يقيد هذا بما إذا قصد إلى إشهاده، وأما لو قال السائل، مررت بفلان وفلان وهما يتنازعان فأقر فلان لفلان بكذا فتقبل شهادته كالفرع السابق، وإليه أشار اللخمي.
فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ غَيْرَ سُؤَّالِ أَوْ سُؤَّالاً لِلإِمَامِ أَوْ لِلأَعَيَانِ قُبِلَتْ مُطْلَقاً عَلَى الأَصَحِّ
يعني: فإن كانوا فقراء لا يسألون.
بعض القرويين: أو كانوا لا يسألون ولكنهم يقبلون إذا أعطوا.
(أَوْ سُؤَّالاً لِلإِمَامِ) يعني: وكذلك إن كان يسأل ولم يشتهر بالمسألة، ولكن يسأل عن فاقته الإمام أو الرجل الشريف- قبلت مطلقاً؛ أي: في القليل والكثير.
ومقابل الأصح لابن كنانة: لا تقبل فيما كث بالخمسمائة دينار.
стр. 4022
اللخمي: يريد: إذا كان بوثيقة،؛ لأن العادة إنما يقصد بالوثائق غير هؤلاء، وأما إن قال: "سمعته أقر بذلك" فأرى أن تقبل وإن كثر، لكن إنما نقل اللخمي قول ابن كنانة فيما إذا لم يقبل الصدقة قال: واختلف إذا كان متكففاً؛ فقيل: تجوز في اليسير، وقال ابن وهب في العتبية في الرجل الحسن الحال الظاهر الصلاح يسأل الصدقة فيما يتصدق به على أهل الحاجة أو يسأل الرجل الشريف أن يتصدق عليه، وهو معروف بالمسألة ولا يتكفف الناس- لم تجز شهادته، إلا أن يكون ممن يطلب الصدقة عند الإمام، وإذا فرقت وصية رجل، وكذلك المعترض لإخوانه تجوز شهادته.
واستبعد المازري قول ابن كنانة ورأى أنه خارج عن قواعد الشرع، ونقل عن ابن القاسم أنه قال: لا تجوز شهادة السائل في الكثير، وتجوز في القليل إذا كان عدلاً. وقول ابن القاسم يمكن أن يكون مراد المصنف بمقابل الأصح.
واحترز بقوله: (سُؤَّالاً لِلإِمَامِ) ممن يسأل من هو دونه من الولاة فإن ابن وهب قال: ليس ذلك بعدل لما عرف من حال الولاة.
وَلا يَكْفِي فِي زَوَالِ الْفِسْقِ مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ، بَلْ يُرْجَعُ إِلَى قَرَائِنِ الأَحْوَالِ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ بِزَوَالِهَا إِلَى الْعَدَالةِ، وَقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ عَنْ قُرْبٍ وَعَنْ بُعْدٍ لاخْتِلافِ حَالِ الظَّانِّ وَالْمَظْنُونِ فِي الْفِطْنَةِ وَالْغَوْرِ، وَقِيلَ: لابُدَّ مِنْ سَنَةٍ، وَقِيلَ: [٦٧٢/ ب] سِتَّةُ أَشْهُرٍ ...
لما كان قبول الشهادة متوقفاً على ارتفاع هذه الموانع، وكان بعضها لا يخفى زواله كالصبا والرق، وبعضها قد يخفى زواله كالفسق والعداوة أخذ يتكلم فيما يدل على زواله وذكر أنه لا يكفي مجرد قوله: "تبت" يعني: في الحكم الظاهر بين الناس، وإلا فالتوبة مقبولة، وإنما اختلف العلماء: هل يقطع بقبولها وهو الصحيح، أو يظن وهو قول القاضي؟ والصحيح ما ذكره المازري وغيره أن المعتبر في الحكم بانتقال الفسق ما ذكره المصنف من اختلاف حال الظان والمظنون.
стр. 4023
و (الْفِطْنَةِ) راجعة إلى (الظَّانِّ) وحذف مقابله وهو البلادة (وَالْغَوْرِ) راجع إلى (الْمَظْنُونِ) وحذف أيضاً مقابله ويحتمل أن ترجع (الْفِطْنَةِ) و (الْغَوْرِ) إلى كل منهما.
(وَقِيلَ: لابُدَّ مِنْ سَنَةٍ) أي: من حين إظهار التوبة؛ لأن الحكم مرتب عليها في مواضع كالعنين. والقول بالستة أشهر أضعف من القول بالسنة، قاله المازري.
وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ
يعني: أن زوال العداوة يوجب قبول الشهادة، لكن ذلك يختلف بحسب طول الزمان وقرائن الأحوال، والمنصوص هنا أنهما إذا اصطلحا وطال الزمان قبلت شهادة أحدهما على الآخر، واختلفا مع القرب: فمنعه ابن الماجشون، وفي الموازية القبول مطلقاً، هكذا فهم اللخمي والمازري وغيرهما، وتشبيه المصنف يقتضي جريان الأقوال الثلاثة ويعز وجودها؛ اللهم إلا أن يقال: إنما يقصد المصنف التشبيه في الخلاف إذا لم يعين راجعاً، وأما إذا عينه فإنما يشبه في الراجح، وقد تقدم ذلك.
وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نُقِضَ الْحُكْمُ، بِخِلافِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ، وَفِي نَقْضِهِ بِفَاسِقَيْنِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ..
يعني: إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين بعد الفحص عن حالهما ثم ظهر له أنهما عبدان أو كافران أو صبيان نقض الحكم اتفاقاً؛ لأن الحكم إنما كان مستنداً للشاهدين، وقد تبين أن شهادتهما بطلت، وخرج بعض أشياخ المازري خلافاً في العبدين من الفاسقين، بل أولى لوقوع الإجماع على عدم قبول شهادة الفاسق ووقوع الخلاف في قبول شهادة العبد، ورده المازري بأن الفسق معول القاضي فيه على الظن والاجتهاد فلا يأمن الغلط فيه ثانياً، كاجتهاد ظهر بعد الأول، فلا ينقض الأول له، بخلاف العبد، فإنه مقطوع به، فكان كنص ظهر بعد الاجتهاد.
стр. 4024
وقوله: (وَفِي نَقْضِهِ بِفَاسِقَيْنِ قَوْلانِ) القولان لمالك، وهما في المدونة، ففي الشهادات: ينتقض كقول ابن القاسم، وفي الحدود: لا ينقض كقول أشهب، وبقول أشهب قال سحنون، وزاد سحنون فقال: وينتقض أيضاً بظهور أحد الشاهدين مولى عليه.
قال اللخمي: والأحسن ألا ينتقض في المولى عليه؛ لأن الخلاف في شهادته شهير في المذهب، وإن تبين أن قضاء القاضي وقع بشهادة عدوين أو قريبين فأجراه بعضهم على مسألة الفاسقين، ورده المازري بنحو ما قدمنا عنه.
وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ أَدَاءٍ الشَّهَادَةِ بَطَلَتْ مُطْلَقاً، وَقِيلَ: إِلا بِنَحْوِ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ
ضمير (حَدَثَ) عائد على الفسق المفهوم من فاسقين.
(بَطَلَتْ) أي: الشهادة.
(مُطْلَقاً) سواء كانت مما يستسر به كالزنى والسرقة والشرب أو لا كالقتل والجراح، وقيل: إنها تبطل فيما يستسر به لا الجراح والقتل؛ لأنه يؤمن من القتل والجراح من تقدم ذلك قبل أدائه الشهادة، بخلاف ما يستسر به، وهذا قول ابن الماجشون، والأول لمطرف وأصبغ وابن القاسم.
وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدُ أَوْ ذِمِّيُّ نُقِضَ وَرُدَّ الْمَالُ إِلا أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهَدِ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مَالَهُ، فَإِنْ نَكَلَ فَلا شَيْءَ لَهُ ..
يعني: وإن ظهر المانع في أحد الشاهدين فقط بعد أن قضى بمال بشهادتهمابقي الحكم موقوفاً؛ لأنه بقي مستنداً إلى شاهد واحد، فإن حلف الطالب مع الشاهد الباقي فلا ينتقض، فإن نكل الطالب حلف المطلوب واسترجع المال، هكذا قال في المدونة في باب الرجم، وكمله في كتاب ابن سحنون كما ذكر المصنف فقال: فإن نكل- أي: المحكوم عليه- فلا شيء له، وفي بعض النسخ: (عَلَيْهِ) أي: على الطالب.
стр. 4025
وَيَحْلِفُ فِي الْقِصَاصِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ عَصَبَتِهِ خَمْسِينَ يَمِيناً
يعني: إن ظهر أن أحد الشاهدين عبد أو ذمي في غير المال، وكان ذلك في القصاص؛ أي: في النفس.
قوله: (خَمْسِينَ يَمِيناً) حلف ولي الدم، ولا يحلف وحده كسائر الحقوق، بل لابد من رجل آخر معه من عصبته فأكثر، كما سيأتي في بابه أنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين.
وَيَكْفِي فِي كُلِّ يَمِينٍ: وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، وَلا يُزَادُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَيَخْتِمُّ الْحُكْمُ ..
ذكر هذا- والله أعلم- هنا لرفع توهم أن اليمين في القصاص غير اليمين في المال لعظم حرمة الدماء، ولو سكت عنه لكان أحسن؛ لأنه سينبه على ذلك في فصل اليمين.
فَإِنْ نَكَلَ فِي الْقَطْعِ وَالْقِصَاصَ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ بِأَنَّهَا بَاطِلَةُ، وَفِي الْقِصَاصِ رُدَّتِ الشَّهَادَةُ وَغَرِمَ الشَّاهِدُ وَالشُّهُودُ فِي الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ، وَقِيلَ: عَاقِلَهُ الإِمَامِ، وَقِيلَ: هَدَرُ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ الشُّهُودُ غَرِمُوا، وَإِلا غَرِمَ الْحَاكِمُ؛ وَقِيلَ: إِنْ عَلِمُوا بِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ لا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ غَرِمُوا، وَإِلا فَهَدَرُ، وَلا غُرْمَ عَلَى الْعَبْدِ.
لما ذكر الحكم إذا ظهر أن أحدهما عبد أو ذمي وبين ما إذا حلف المقتص له تكلم على ما إذا نكل، وأتى بمسألة القطع تتميماً للفائدة؛ لأن الحكم فيها كالنفس، [٦٧٣/ أ] وإلا فالمسألة السابقة إنما هي في القصاص من النفس، وفهم من كلامه أنه لو لم ينكل في القطع لتم القصاص، وهكذا سحنون في كتاب ابنه.
وقوله: (فَإِنْ نَكَلَ فِي الْقَطْعِ وَالْقِصَاصَ) اشتمل كلامه على مسألتين كما ذكرنا، ولذلك أجاب الشرط بجواب مركب من جزئين؛ أعني قوله: (حَلَفَ الْمَقْطُوعُ).
стр. 4026
و (رُدَّتِ) إلى قوله: (حَلَفَ) راجع إلى مسألة نكول القاطع في القطع، فإذا حلف استحق دية يده، ومفهوم كلام المصنف أنه لو لم يحلف لم يكن له شيء، وإنما حلف المقطوع ليرد شهادة الشاهد الثاني.
وقوله: (وَفِي الْقِصَاصِ) متعلق بـ (رُدَّتْ) و (رُدَّتْ) راجع إلى (الْقِصَاصِ) وإنما ردت شهادة الشاهد الثاني في القصاص من النفسلأن ولي الدم نكل، ولم يبق من ترجع عليه اليمين.
وقوله: (وَغَرِمَ الشَّاهِدُ وَالشُّهُودُ فِي الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ) هو أيضاً من باب اللف والنشر؛ لأن قوله: (فِي الْقِصَاصِ) راجع إلى الشاهد، و (الرَّجْمِ) راجع إلى (الشُّهُودُ) أي: الثلاثة الباقية إذا تبين أن الرابع عبد أو ذمي، والقول بأن ذلك على عاقلة الإمام حكاه ابن سحنون عن بعض الأصحاب، وكذلك القول بأنه هدر لا شيء على الحاكم والبينة والمحكوم له.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ الشُّهُودُ غَرِمُوا، وَإِلا غَرِمَ الْحَاكِمُ) هو قول رابع.
وقوله: (عَلِمَ الشُّهُودُ) أي: فإن الذي شهد معهم كما ظهر من أمره.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمُوا بِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ لا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ غَرِمُوا، وَإِلا فَهَدَرُ) هو قول خامس.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب؛ لأنه إذا كان الشهود عالمين بأن أحدهم عبد أو ذمي، وبأن شهادته لا تجوز فهم متسببون في قتل المشهود عليه أو قطع يده، وإن لم يعلموا بشيء من ذلك، أو بمجموع الأمرين فلا غرم عليهم، ولا على الحاكم؛ لأن الواجب الاجتهاد وقد حصل. انتهى.
وبقي على المصنف مذهب المدونة: إن علم الشهود فالدية عليهم وإلا فالدية على عاقلة الإمام، ولا يقال هو القول الرابع؛ لأن الغرم هناك متعلق بالحاكم وهنا بعاقتله.
стр. 4027
وقوله: (وَلا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ) نحوه في المدونة، وظاهره لا شيء عليه من الحد ولا من الدية، لكن قال فضل معناه: لا شيء على العبد من الدية، وأما حد القذف فذلك عليه، ورأى أصبغ أن العبد يغرم إذا علم، حكاه عنه اللخمي.
وَلَوْ حَدَثَتْ تُهْمَةُ الْجَرِّ وَالدَّفْعِ وَالْعَدَاوَةِ بَعْدَ الأَدَاءِ لَمْ تُبْطِلِ الشَّهَادَةَ
لما تكلم على حدوث الفسق بعد أداء الشهادة تكلم في حدوث التهمة إما بدفع مضرة أو جلب منفعة وفي حدوث العداوة، وذلك كله بعد الأداء، وذكر أن الشهادة لا تبطل، وهكذا قال أصبغ في العتبية في رجل شهد لامرأة وأثبتها القاضي ولم يحكم بها حتى تزوج الشاهد تلك المرأة أنه يحكم بهأ، قال: وليس ذلك كالوصية؛ يعني: مسألة المدونة: إذا أوصى الرجل بمال فلم يمت الوصي حتى صار الموصى له وارثاً فإن الوصية تبطل.
ابن رشد: إلا أن يعلم لذلك سبب قبل أدائها، مثل أن يشهد الرجل للمرأة ثم يتزوجها فيشهد عليها أنه كان يخطبها قبل أن يشهد لها ونحو ذلك، بدليل قول ابن القاسم في الرجل يشهد على الرجل بطلاق امرأته البتة ثم تزوجها، فأتى المشهود عليه ببينة تشهد أن الشاهد كان يخطب هذه المرأة قبل أن يتزوجها هو: أن شهادته تبطل، ولأصبغ في الثمانية: أن الشاهد إذا خاصم المشهود عليه بعد الشهادة لم تبطل شهادته إلا أن يقر أن الذي يطالبه به من ذلك كان قبل إيقاع الشهادة.
وَلا يَثْبُتُ حُكْمُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ مُنْفَرِدَةٍ
لما تكلم على الشهادة وشرائطها وموانعها تكلم في مراتبها.
و (مُنْفَرِدَةٍ) صفة لـ (شَهَادَةِ).
واحترز من الحكم بالشاهد واليمين، ولابن القاسم أن المشهور الاكتفاء بالواحد؛ لأنه نائب عن الحاكم، وكذلك الشهدة على الحيازة على القول بالاكتفاء به؛ لأنه كنائب
стр. 4028
عن القاضي؛ إذ الأصل حضور القاضي لتحديد ما شهد به شهود استحقاق الأرض، فإذا صعب الحضور على القاضي بعث رجلاً نائباً عنه، وكذلك لا يرد القائف والمرأة الواحدة في الرضاع على أحد القولين؛ لأن القائف على هذا القول مخبر؛ إذ هو مخبر عن علم فكان كالطبيب، ولذلك قالوا: إذا لم يوجد طبيب عدل قبل غيره، وإن لم يوجد مسلم قبل الكافر، وشرط قبول المرأة عن هذا القائل الفشو، وذلك يمنع من انفراد الشهادة.
ويعني المصنف بالحكم في قوله: (وَلا يَثْبُتُ حُكْمُ) هو أحد ما وقع التخاصم فيه وما أشبه ذلك، فلا يحسن أن ينقض عليه بأن الشاهد الواحد في الطلاق والعتاق يوجب على الزوج والسيد اليمين؛ فإن اليمين جزء وشرط في طريق الحكم، وليست بحكم، والله أعلم.
وَهِيَ مَرَاتِبُ: الأُولَى: بَيِّنَةُ الزِّنَى، وَشَرْطُهُا: أَرْبَعَةُ ذُكُورٍ مُجْتَمِعِينَ غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ يَشْهَدُونَ بِزِنًى وَاحِدٍ وَرُؤْيَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ..
المرتبة الأولى: بينة الزنى، والإجماع على اعتبار الأربعة، إلا طائفة شاذة اكتفت بثلاثة وامرأتين، وهو خلاف القرآن؛ لقوله تعالى: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) [النساء: ١٥] ولقوله فيما يدفع به حد القذف: (ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ) [النور: ٤].
وقوله: (مُجْتَمِعِينَ غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) هو [٦٧٣/ ب] المشهور، وقال أشهب: يحد المشهود عليه ولا يضر افتراقهم. قال: ولا ينبغي للإمام أن يؤخر حد من شهد قبل أن يتم الشهادة، وإن هو فعل ولم يحد الأول حتى تمت الشهادة حد المشهود عليه، وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة أن ينظرهم حتى يأتوا برابع كان معهم لوجب عليه إنظارهم ويجمع الشهادة، وكذلك المشهود عليه.
اللخمي: وهو أحسنها.
стр. 4029
وقوله: (غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) ابن عبد السلام: الأقرب أنه نعت لبيان لا تأكيد؛ لأن قوله: (مُجْتَمِعِينَ) لا يفيد إلا مطلق الاجتماع، وهو أعم من أن يكون ذلك في المشهود به أو له وفي زمانه، ثم الشهود هل أدوا شهادتهم مجتمعين أو متفرقين؟ الأمر محتمل لذلك كله بين المصنف بقوله: (غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) أن مراده كونهم أتوا بشهادتهم في وقت واحد.
وقال بعض من تكلم هنا: الأظهر أنه نعت تأكيدي؛ لأن الاجتماع فيه أو في المشهود به مستفاد من قوله: (بِزِنًى وَاحِدٍ) وكذلك أيضاً المشهور اشتراط ما ذكره من الزنى الواحد، وهو الجاري على أصل المذهب أنه لا تلفق الشهادة على الأفعال.
وقال ابن الماجشون: إذا اتفقوا في صفة الرؤية واختلفوا في الأيام والمواطن لم تبطل الشهادة.
وقوله: (وَرُؤْيَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا .. إلخ) أي: لا بد أن يشهدوا بهذه الرؤية المخصوصة ولا خلاف فيه، ويدل عليه قصة عمر ﵁ لما شهد عنده ثلاثة على المغيرة بن شعبة بالرؤية المذكورة، وقال الرابع: رأيت نفساً تعلو واضطراباً ورجلاها على كتفيه كأنهما أذنا حمار، فقال: الله أكبر، وأسقط الحد، وحد الثلاثة.
وَلِلْعَدْلِ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَةِ قَصْداً لِلتَّحَمُّلِ
لأنه لا تصح الشهادة إلا بذلك. واحترز بالعدل من غيره فإنه لا يجوز له ذلك؛ لأن من لا تجوز شهادته لا فائدة في نظره، وذكر المازري أن جواز النظر هو ظاهر المذهب.
ابن عبد السلام: ومنع ذلك بعضهم فيما أشار إليه بعض الشيوخ، ورأى أنه لا يشهد إلا بنظرة الفجاءة، لأن النظر حرام، والتحمل غايته أداء الشهادة، والأداء غير واجب فوسيلته كذلك، وأشار بعض المخالفين لنا ممن يوافق المذهب على إجازة النظر إلى أنه إنما ينظر لمغيب الحشفة؛ لأنه القدر المحتاج إليه ويكف عن غيره.
стр. 4030
فإن قلت: لم اختصت شهادة الزنى بالأربعة؟ قيل: لقصد الستر ودفع العار الذي يلحق الزاني والمزني بها وأهلهما، ولما لم يلحق ذلك في القتل اكتفي باثنين، وإن كان أعظم من الزنى، وقيل: لأنه لما كان لا يتصور إلا من اثنين اشترط أربعة؛ ليكون على كل واحد اثنان، وقيل: لما كان الشهود مأمورين بالستر ولم يفعلوا غلظ عليهم في ذلك ستراً من الله تعالى على عباده.
وَاللَّوَاطُ كَالزِّنَى
أي: في الاحتياج إلى الأربعة، وبقية الأوصاف، وإباحة النظر.
وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنِ السَّرِقَةِ: مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أَخَذَهَا؟ وَمِنْ أَيْنَ؟ وَإِلَى أَيْنَ؟ وَقَالَ سحنون: إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَجْهَلُ ..
فيه حذف معطوف عليه؛ أي: في الزنى والسرقة.
ابن القاسم في المجموعة: ويفرقون في الزنى فقط، وقال أشهب: لا يفرقون إلا أن يستراب في شهادتهم.
ابن المواز: فإن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة أو ماتوا نفذت الشهادة وأقام الحد، قال: وإن كان الشهود أكثر من أربعة فغاب منهم أربعة بعد أن شهدوا لم يسأل من حضر، وثبت الحد؛ لأن من حضر لو رجع عن شهادته لثبت الحد ممن غاب، ورأى بعض الشيوخ أن غيبة أربعة منهم لا يمنع سؤال من حضر؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون إذا سئلوا ما يوجب الوقف عن شهادة الغائبين والحاضرين جميعاً. وقيد اللخمي قول محمد: "إذا غابوا" بما إذا كانوا من أهل العلم بما يوجب الحد، وقول سحنون إنما هو منقول عنه في السرقة، ولعل المصنف أتى به إشارة إلى تخريجه في الزنى، ولا يؤخذ من قول المصنف أن قول سحنون إنما هو منقول في السرقة، والتخريج غير لازم لعظم أمر الزنى، ثم الأقرب هو المشهور؛ لأنهم وإن كانوا عالمين فقد يخالفهم القاضي في رأيهم.
следующие страницы →