← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

و (رُدَّتِ) إلى قوله: (حَلَفَ) راجع إلى مسألة نكول القاطع في القطع، فإذا حلف استحق دية يده، ومفهوم كلام المصنف أنه لو لم يحلف لم يكن له شيء، وإنما حلف المقطوع ليرد شهادة الشاهد الثاني. وقوله: (وَفِي الْقِصَاصِ) متعلق بـ (رُدَّتْ) و (رُدَّتْ) راجع إلى (الْقِصَاصِ) وإنما ردت شهادة الشاهد الثاني في القصاص من النفسلأن ولي الدم نكل، ولم يبق من ترجع عليه اليمين. وقوله: (وَغَرِمَ الشَّاهِدُ وَالشُّهُودُ فِي الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ) هو أيضاً من باب اللف والنشر؛ لأن قوله: (فِي الْقِصَاصِ) راجع إلى الشاهد، و (الرَّجْمِ) راجع إلى (الشُّهُودُ) أي: الثلاثة الباقية إذا تبين أن الرابع عبد أو ذمي، والقول بأن ذلك على عاقلة الإمام حكاه ابن سحنون عن بعض الأصحاب، وكذلك القول بأنه هدر لا شيء على الحاكم والبينة والمحكوم له. وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ الشُّهُودُ غَرِمُوا، وَإِلا غَرِمَ الْحَاكِمُ) هو قول رابع. وقوله: (عَلِمَ الشُّهُودُ) أي: فإن الذي شهد معهم كما ظهر من أمره. وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمُوا بِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ لا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ غَرِمُوا، وَإِلا فَهَدَرُ) هو قول خامس. ابن عبد السلام: وهو الأقرب؛ لأنه إذا كان الشهود عالمين بأن أحدهم عبد أو ذمي، وبأن شهادته لا تجوز فهم متسببون في قتل المشهود عليه أو قطع يده، وإن لم يعلموا بشيء من ذلك، أو بمجموع الأمرين فلا غرم عليهم، ولا على الحاكم؛ لأن الواجب الاجتهاد وقد حصل. انتهى. وبقي على المصنف مذهب المدونة: إن علم الشهود فالدية عليهم وإلا فالدية على عاقلة الإمام، ولا يقال هو القول الرابع؛ لأن الغرم هناك متعلق بالحاكم وهنا بعاقتله.

стр. 4027

وقوله: (وَلا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ) نحوه في المدونة، وظاهره لا شيء عليه من الحد ولا من الدية، لكن قال فضل معناه: لا شيء على العبد من الدية، وأما حد القذف فذلك عليه، ورأى أصبغ أن العبد يغرم إذا علم، حكاه عنه اللخمي. وَلَوْ حَدَثَتْ تُهْمَةُ الْجَرِّ وَالدَّفْعِ وَالْعَدَاوَةِ بَعْدَ الأَدَاءِ لَمْ تُبْطِلِ الشَّهَادَةَ لما تكلم على حدوث الفسق بعد أداء الشهادة تكلم في حدوث التهمة إما بدفع مضرة أو جلب منفعة وفي حدوث العداوة، وذلك كله بعد الأداء، وذكر أن الشهادة لا تبطل، وهكذا قال أصبغ في العتبية في رجل شهد لامرأة وأثبتها القاضي ولم يحكم بها حتى تزوج الشاهد تلك المرأة أنه يحكم بهأ، قال: وليس ذلك كالوصية؛ يعني: مسألة المدونة: إذا أوصى الرجل بمال فلم يمت الوصي حتى صار الموصى له وارثاً فإن الوصية تبطل. ابن رشد: إلا أن يعلم لذلك سبب قبل أدائها، مثل أن يشهد الرجل للمرأة ثم يتزوجها فيشهد عليها أنه كان يخطبها قبل أن يشهد لها ونحو ذلك، بدليل قول ابن القاسم في الرجل يشهد على الرجل بطلاق امرأته البتة ثم تزوجها، فأتى المشهود عليه ببينة تشهد أن الشاهد كان يخطب هذه المرأة قبل أن يتزوجها هو: أن شهادته تبطل، ولأصبغ في الثمانية: أن الشاهد إذا خاصم المشهود عليه بعد الشهادة لم تبطل شهادته إلا أن يقر أن الذي يطالبه به من ذلك كان قبل إيقاع الشهادة. وَلا يَثْبُتُ حُكْمُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ مُنْفَرِدَةٍ لما تكلم على الشهادة وشرائطها وموانعها تكلم في مراتبها. و (مُنْفَرِدَةٍ) صفة لـ (شَهَادَةِ). واحترز من الحكم بالشاهد واليمين، ولابن القاسم أن المشهور الاكتفاء بالواحد؛ لأنه نائب عن الحاكم، وكذلك الشهدة على الحيازة على القول بالاكتفاء به؛ لأنه كنائب

стр. 4028

عن القاضي؛ إذ الأصل حضور القاضي لتحديد ما شهد به شهود استحقاق الأرض، فإذا صعب الحضور على القاضي بعث رجلاً نائباً عنه، وكذلك لا يرد القائف والمرأة الواحدة في الرضاع على أحد القولين؛ لأن القائف على هذا القول مخبر؛ إذ هو مخبر عن علم فكان كالطبيب، ولذلك قالوا: إذا لم يوجد طبيب عدل قبل غيره، وإن لم يوجد مسلم قبل الكافر، وشرط قبول المرأة عن هذا القائل الفشو، وذلك يمنع من انفراد الشهادة. ويعني المصنف بالحكم في قوله: (وَلا يَثْبُتُ حُكْمُ) هو أحد ما وقع التخاصم فيه وما أشبه ذلك، فلا يحسن أن ينقض عليه بأن الشاهد الواحد في الطلاق والعتاق يوجب على الزوج والسيد اليمين؛ فإن اليمين جزء وشرط في طريق الحكم، وليست بحكم، والله أعلم. وَهِيَ مَرَاتِبُ: الأُولَى: بَيِّنَةُ الزِّنَى، وَشَرْطُهُا: أَرْبَعَةُ ذُكُورٍ مُجْتَمِعِينَ غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ يَشْهَدُونَ بِزِنًى وَاحِدٍ وَرُؤْيَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ .. المرتبة الأولى: بينة الزنى، والإجماع على اعتبار الأربعة، إلا طائفة شاذة اكتفت بثلاثة وامرأتين، وهو خلاف القرآن؛ لقوله تعالى: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) [النساء: ١٥] ولقوله فيما يدفع به حد القذف: (ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ) [النور: ٤]. وقوله: (مُجْتَمِعِينَ غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) هو [٦٧٣/ ب] المشهور، وقال أشهب: يحد المشهود عليه ولا يضر افتراقهم. قال: ولا ينبغي للإمام أن يؤخر حد من شهد قبل أن يتم الشهادة، وإن هو فعل ولم يحد الأول حتى تمت الشهادة حد المشهود عليه، وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة أن ينظرهم حتى يأتوا برابع كان معهم لوجب عليه إنظارهم ويجمع الشهادة، وكذلك المشهود عليه. اللخمي: وهو أحسنها.

стр. 4029

وقوله: (غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) ابن عبد السلام: الأقرب أنه نعت لبيان لا تأكيد؛ لأن قوله: (مُجْتَمِعِينَ) لا يفيد إلا مطلق الاجتماع، وهو أعم من أن يكون ذلك في المشهود به أو له وفي زمانه، ثم الشهود هل أدوا شهادتهم مجتمعين أو متفرقين؟ الأمر محتمل لذلك كله بين المصنف بقوله: (غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ) أن مراده كونهم أتوا بشهادتهم في وقت واحد. وقال بعض من تكلم هنا: الأظهر أنه نعت تأكيدي؛ لأن الاجتماع فيه أو في المشهود به مستفاد من قوله: (بِزِنًى وَاحِدٍ) وكذلك أيضاً المشهور اشتراط ما ذكره من الزنى الواحد، وهو الجاري على أصل المذهب أنه لا تلفق الشهادة على الأفعال. وقال ابن الماجشون: إذا اتفقوا في صفة الرؤية واختلفوا في الأيام والمواطن لم تبطل الشهادة. وقوله: (وَرُؤْيَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا .. إلخ) أي: لا بد أن يشهدوا بهذه الرؤية المخصوصة ولا خلاف فيه، ويدل عليه قصة عمر ﵁ لما شهد عنده ثلاثة على المغيرة بن شعبة بالرؤية المذكورة، وقال الرابع: رأيت نفساً تعلو واضطراباً ورجلاها على كتفيه كأنهما أذنا حمار، فقال: الله أكبر، وأسقط الحد، وحد الثلاثة. وَلِلْعَدْلِ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَةِ قَصْداً لِلتَّحَمُّلِ لأنه لا تصح الشهادة إلا بذلك. واحترز بالعدل من غيره فإنه لا يجوز له ذلك؛ لأن من لا تجوز شهادته لا فائدة في نظره، وذكر المازري أن جواز النظر هو ظاهر المذهب. ابن عبد السلام: ومنع ذلك بعضهم فيما أشار إليه بعض الشيوخ، ورأى أنه لا يشهد إلا بنظرة الفجاءة، لأن النظر حرام، والتحمل غايته أداء الشهادة، والأداء غير واجب فوسيلته كذلك، وأشار بعض المخالفين لنا ممن يوافق المذهب على إجازة النظر إلى أنه إنما ينظر لمغيب الحشفة؛ لأنه القدر المحتاج إليه ويكف عن غيره.

стр. 4030

فإن قلت: لم اختصت شهادة الزنى بالأربعة؟ قيل: لقصد الستر ودفع العار الذي يلحق الزاني والمزني بها وأهلهما، ولما لم يلحق ذلك في القتل اكتفي باثنين، وإن كان أعظم من الزنى، وقيل: لأنه لما كان لا يتصور إلا من اثنين اشترط أربعة؛ ليكون على كل واحد اثنان، وقيل: لما كان الشهود مأمورين بالستر ولم يفعلوا غلظ عليهم في ذلك ستراً من الله تعالى على عباده. وَاللَّوَاطُ كَالزِّنَى أي: في الاحتياج إلى الأربعة، وبقية الأوصاف، وإباحة النظر. وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنِ السَّرِقَةِ: مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أَخَذَهَا؟ وَمِنْ أَيْنَ؟ وَإِلَى أَيْنَ؟ وَقَالَ سحنون: إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَجْهَلُ .. فيه حذف معطوف عليه؛ أي: في الزنى والسرقة. ابن القاسم في المجموعة: ويفرقون في الزنى فقط، وقال أشهب: لا يفرقون إلا أن يستراب في شهادتهم. ابن المواز: فإن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة أو ماتوا نفذت الشهادة وأقام الحد، قال: وإن كان الشهود أكثر من أربعة فغاب منهم أربعة بعد أن شهدوا لم يسأل من حضر، وثبت الحد؛ لأن من حضر لو رجع عن شهادته لثبت الحد ممن غاب، ورأى بعض الشيوخ أن غيبة أربعة منهم لا يمنع سؤال من حضر؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون إذا سئلوا ما يوجب الوقف عن شهادة الغائبين والحاضرين جميعاً. وقيد اللخمي قول محمد: "إذا غابوا" بما إذا كانوا من أهل العلم بما يوجب الحد، وقول سحنون إنما هو منقول عنه في السرقة، ولعل المصنف أتى به إشارة إلى تخريجه في الزنى، ولا يؤخذ من قول المصنف أن قول سحنون إنما هو منقول في السرقة، والتخريج غير لازم لعظم أمر الزنى، ثم الأقرب هو المشهور؛ لأنهم وإن كانوا عالمين فقد يخالفهم القاضي في رأيهم.

стр. 4031

وَفِي قَبُولِ اثْنَيْنِ فِي الإِقْرَارِ بِهِ قَوْلانِ أي: أو لابد من الأربعة، والقولان هنا كالقولين في الاكتفاء باثنين على حكم القاضي على رجل بالزنى. وقوله: (بِهِ) أي: بالإقرار بالزنى، وفي بعض النسخ (بِهِمَا) فيعود على الزنى واللواط، لا على السرقة؛ فإنه يكتفي فيها بالاثنين بلا إشكال. ابن شاس، وهذا الخلاف على القول أنه إذا رجع عن إقراره بغير عذر أنه لا يقبل رجوعه. الثَّانِيةُ: مَا لَيْسَ بِزَنًى وَلا مَالٍ وَلا آيلِ إِلَيْهِ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالطَّلاقِ وَالْعِتْقَ وَالإِسْلامِ وَالرِّدَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْوَلاءِ وَالْعِدَدِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ وَثُبُوتِهِ وَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَشَرْطُهُا اثْنَانِ ذَكَرَانِ المرتبة الثانية من مراتب الشهادة، وعرفها بثلاثة قيود سلبية: ألا تكون بزنى ولا بمال ولا بما يؤول إلى مال، والأولى لو زاد: ولا يختص النساء به بالعادة؛ لتخرج الولادة ونحوها فإن ذلك يثبت بامرأتين. فإن قيل: لعله سكت عنه اكتفاءً بما يذكره في المرتبة الثالثة. قيل: فكان يستغنى عن قوله: (مَا لَيْسَ بِزَنًى وَلا مَالٍ). ولا يقال: ذكر من أمثلة هذه المرتبة العفو عن القصاص وثبوت القصاص وليس من شرطها الذكران؛ لأن العفو يثبت باليمين والنكول، والقصاص يثبت بالشاهد والقسامة وبقية أنواع اللوث. لأنا نقول: مورد التقسيم في مراتب الشهادة فلا مدخل لما أورد فيها، وإنما كان يلزم السؤال لو جعل مورد التقسيم ما تثبت به الحقوق، وحكى في البيان عن ابن الماجشون وابن نافع: أن النساء يزكين الرجال [٦٧٤/ أ] إذا شهدوا فيما تجوز فيه شهادتهن، ويلحق

стр. 4032

بما ذكره المصنف الشرب والحرابة والسرقة والقذف والإحلال والإحصان والإيلاء والظهار والاستيلاد. الثَّالِثَةُ: الأَمْوَالُ وَمَا يَؤُولُ إِلْيَهَا كَالأَجَلِ وَالْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالإِجَارَةِ وَقَتْلِ الْخَطَأِ وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مُطْلَقاً، وَجِرَاحِ الْمَالِ مُطْلَقاً، وَفَسْخِ الْعُقُودِ وَنُجُومِ الْكِتَابَةِ وَإِنْ عَتَقَ بِهَا فَيَجُوزُ رَجُلُ وَامْرَأَتَانِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ .. أي: الأموال حقيقة، أو عوارض لها كالأجل إذا ادعى المشتري أنه اشترى لأجل وادعى البائع أنه باع نقداً، أو ادعى أحدهما الخيار والآخر البت. (وَالشُّفْعَةِ) أي: أن هذا شفيع أو شفيع بتل السنة أو أسقطها. (وَالإِجَارَةِ) أي: هل أجر منه أم لا؟ (وَقَتْلِ الْخَطَأِ) عده المصنف فيما يؤول إلى المال، وعده غيره مالاً باعتبار الدية. وقوله: (وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مُطْلَقاً) فسره ابن عبد السلام بجراح الخطأ، وفسر قوله: (وَكَذَلِكَ جِرَاحِ الْمَالِ) بالجراح التي لا يقتص منها في العمد؛ لكونها متالف كالجائفة والمأمومة، وفسر شيخنا ما يتنزل منزلة الخطأ بقتل الصبي والمجنون، وأراد بالإطلاق عدم التفرقة، وجعل جراح المال يعم ما لا يقاد من عمده، وجراح الخطأ وفسخ العقود سواء كان اختياراً كالإقالة أو اضطراراً كالفساد (وأَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ) وإن أدى إلى العتق. قوله: (وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ) أي: وكله في حياته ليتصرف له. (وَالْوَصِيَّةُ بِهِ) أي: إذا أوصى بأن يتصرف في أمواله بعد وفاته لا أنه أوصى له بمائة مثلاً فإن هذه مال محقق فلا يجري فيها خلاف، ومقابل المشهور في الوكالة والوصية لعبد

стр. 4033

الملك، ومنشأ الخلاف هل ينظر إلى أنها آيلة إلى المال فيقبل، أو إلى أنها شهادة على غير مال؟ وكذلك عكس هذا مما هو مال ويؤدي إلى ما ليس بمال وأجازه مالك مثل أن يشهد على شراء الزوج لزوجته فيحلف وتصير ملكاً له فيجب بذلك الفراق، وكذلك على دين متقدم يريد به العتق، أو يقيم القاذف شاهداً أو امرأتين على أن المقذوف عبد ليسقط الحد. الرَّابِعَةُ: مَا لا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْوِلادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ وَالاسْتِهْلالِ وَالْحَيْضِ فَيَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ لَهُ وَعَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِيْنٍ .. المرتبة الرابعة: ما لا يظهر للرجال غالباً، ونبه بذلك على العلة في قبول شهادتهن، ومثله في الولادة، وظاهره أنه لا يحتاج إلى حضور شخص المولود، وهو المشهور خلافاً لسحنون في اشتراط ذلك حتى يشاهده الرجال. قوله: (وَعُيُوبِ النِّسَاءِ) يتناول الحرائر والإماء؛ أما الحرة فلا ينظرها النساء بل تصدق على المشهور خلافاً لسحنون، وقد تقدم ذلك في بابه. وأما الإماء فإن كان العيب بفروجهن فقال المازري: وظاهر المدونة قبول شهادة النساء في ذلك لانخفاض رتبتهن عن رتبة الحرة، وإن كان في غير الفرج مما هو عورة، ففي الموازية وغيرها أن شهادة النساء تقبل فيما تحت الثوب، وقيل: بل يبقى الثوب على موضع العيب ويراه الرجال، فعلى هذا لا تقبل شهادة النساء فيه. وأما الاستهلال فهو أيضاً مما ينفردن به كالولادة. وقوله: (فَيَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ) أي: لا بامرأة. المازري: واختلف في الاكتفاء بواحدة إذا أرسلها القاضي وكانت الأمة حاضرة، أما إن ماتت أو غابت فلابد من امرأتين؛ لأنها شهادة بخلاف الوجه الأول عند من اكتفى بالواحدة فإنه نزلها منزلة القاضي كالترجمان والقائف ونحوهما، وهل تقبل هنا شهادة امرأة ورجل؟ ذهب مالك وربيعة وابن هرمز إلى إسقاط شهادة المرأة؛ لأن بحضور

стр. 4034

الرجل ارتفعت الضرورة التي لأجلها قبلت شهادة المرأة، وذكر ابن حبيب عمن يرضاه القبول واختاره. وقوله: (وَيُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ) هو راجع إلى شهادتهن بالولادة والاستهلال. والضمير في: (لَهُ وَعَلَيْهِ) يعود على المولود، فإن شهدتا أنه استهل ومات بعد أمه ورثها، وورثه والده. قوله: (بِغَيْرِ يَمِيْنٍ) هكذا قال مالك وأطلق، ولا خلاف في هذا إن كان القائم بشهادتهن لا يعرف حقيقة ما شهدت به البينة، وإن كان القائم بشهادتهن يتيقن صدقها كالبكارة والثيوبة، فحكى اللخمي والمازري في إلزامه اليمين قولين. ابن عبد السلام: ولا يطرد هذا الخلاف في هذا الفصل كالولادة والذكورة والأنوثة فإن مذهبنا ومذهب علماء الأمصار الاكتفاء بشهادتهما بلا يمين. وفي الموازية في امرأتين شهدتا أن الزوج أرخا الستر، وكان هو أنكر ذلك أن شهادتهما مقبولة مع اليمين، وطرجد بعض الشيوخ هذا الخلاف في سائر مسائل هذا الفصل ورأى غيره أن الزوج ههنا يحقق الدعوى عليها بأنها كذبت فيحسن تعلق اليمين مع شهادة امرأتين بخلاف بقية مسائل الفصل. وَفِي قَبُولِهَا فِي أَنَّهُ ابْنُ فُلانٍ قَوْلانِ أي: اختلف في قبول شهادة المرأتين على أن المولود ذكر؛ فقبلها ابن القاسم لكن بشرط حلف القائم بشهادتهما، وعلله ابن القاسم بأن شهادتهما على مال، وردها مالك في رواية أشهب، واختاره أشهب وسحنون وعلله بأن الجسد لا يفوت والاستهلال يفوت، ولأصبغ قول ثالث: إن طال الأمد حتى [٧٦٤/ ب] لا يمكنه الاطلاع على حالة المولود لكونه تغير في قبره فإن كان الوارث له بيت المال أو رجلاً بعيداً فإنه يقضي هنا بشهادة النساء، وإن كان ذلك يرجع إلى بعض الورثة دون بعض فكقول أشهب، ورد قوله: بأن

стр. 4035

بيت المال كوارث معلوم. قال في النوادر: وجدت له أنه رجع إلى قول أشهب، وفي بعض النسخ أنه ابن فلان، ولا حاجة إلى زيادة (فُلانِ) والله أعلم. مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ تَاخِيرُهُ لِلرِّجَالِ ظاهره أن هذا التقييد لمحل الخلاف، وأنه إن تعذر قبلت بالاتفاق، وبذلك صرح ابن راشد، وهذا التقييد وقع لأصبغ وسحنون وغيرهما. وَلَوْ شَهِدَ عَلَى السَّرِقَةِ رَجُلُ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ يريد: أو رجل مع يمين الطالب، ولو وصل هذه المسألة بالمرتبة الثالثة كما فعل ابن شاس لكان أحسن؛ لأنها من الأموال، ولهذا قال ابن عبد السلام: لا خلاف في المذهب في هذه، وإنما اختلف هل يضمن ضمان الغصب وهو مذهب ابن القاسم، أو ضمان السارق وهو مذهب أشهب؟ وَكَذَلِكَ قَتْلُ عَبْدٍ عَمْداً، وَيَثْبُتُ الْمَالُ دُونَ الْقِصَاصِ. أي: وكمسألة السرقة لو شهد رجل وامرأتان على قتل عبد عمداً لثبت المال وهو العبد القاتل؛ إما أن يسلمه ربه أو يفديه بدفع الأرش دون القصاص فلا يقتل العبد المشهود عليه بأنه قاتل، وقد علمت من هذا الكلام أن المصنف أضاف (قَتْلُ) إلى الفاعل، وحذف المفعول. وَعَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ مَوْتِ أَحَدِ الْوَارِثَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ .. فابن القاسم يثبت المال دون النكاح والنسب، وقال أشهب: لا يصح الميراث إلا بعد ثبوت النكاح ولا يثبت ذلك، وقد تقدم هذا في كلام المصنف في النكاح.

стр. 4036

وَعَلَى الْمَوْتِ وَلا زَوْجَةَ وَلا مُدَبَّرَ فِي ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ قَوْلانِ هذا معطوف أيضاً على (السَّرِقَةِ) أي: ولو شهد رجل وامرأتان على المدبر، ونحو المدبر الموصى بعتقه، وتزويج البنات وغير ذلك، والقولان في الوصايا؛ الأول من المدونة، قال: وإن شهدت امرأتان مع رجل على موت ميت فإن لم تكن له زوجة ولا أوصى بعتق عبد ونحوه، وليس له إلا قسمة المال فجائزة شهادتهما، وقال غيره: لا تجوز، وجعل صاحب المقدمات هذين القولين قاعدة فقال: المشهور من المذهب أن الشهادة إذا رد بعضها للسنة جاز فيها ما أجازته السنة، وقيل: إنها ترد كلها، وذلك قائم من المدونة من قوله في شهادة النساء للموصى: أن الميت أوصى إليه أن شهادتهن لا تجوز إن كان فيها عتق وأبضاع نساء. ومفهوم المدونة وكلام المصنف أنه لو كان هناك عتق أو زوجة أو نحوهما لم تقبل الشهادة بالاتفاق، قال بعضهم: ويقوم من ذلك مثل ما في الواضحة عن ابن الماجشون في الشاهد العدل يشهد أن فلاناً قتله فلان ونحن في سفر، فمات فقضى ودفناه: أنه لا قسامة فيه بالشاهد العدل. قال: وإنما تكون القسامة إذا كان الموت معروفاً، أرأيت لو جعلت القسامة بشهادته على القتل الغائب فأقسم الولاة وقتلوا أيعتق أم ولده ومدبره ويفرق بينه وبين زوجته بالواحد؟! هذا لا يكون. أصبغ: ويستأني السلطان بذلك، فإن جاء ما هو أثبت من هذا وإلا حكم في ذلك بالقسامة مع الشاهد، وبموته وتعتد زوجته وأم ولده وينكحن، قال: وقد قيل: يقسم ولاتته ويقتل قاتله، ولا يموت في المرأة ولا في رقيقه، قال: وهذا أضعف الأقوال. وَلَوْ أَقَامَ شَاهِداً فَطُولِبَ بِالتَّزْكِيَةِ أُجِيبَ إِلَى الْحَيْلُولَةِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لما فرغ من مراتب الشهادة شرع فيما يترتب عليها قبل تمامها، وكلامه صريح في أن المسألة مفروضة في استحقاق المعينات، واعترض ابن عبد السلام ما ذكره المصنف من

стр. 4037

الحيلولة بالشاهد المجهول الحال، وهي إنما تكون بشاهدين باتفاق أو بشاهد واحد مقبول ولم يرد المستحق أن يحلف معه، بل ذكر أن له شاهداً آخر انتهى. ووقع في بعض النسخ: (شَاهِديْنِ) وهو الذي في الجواهر ولا إشكال عليها، على أنه وقع في كلام عبد الحق وغيره نحو كلام المصنف أنه يحال بالشاهد وإن لم تثبت عدالته، وذكر غير واحد ممن صنف في الأحكام أن الذي به القضاء: لا يكون الإيقاف إلا بشاهدين وحيازتهما لما شهدا به. واختلف الأندلسيون في الواحد العدل؛ فأوجب ذلك به عبد الله بن يحيى وأبو صالح، وروي عن ابن لبابة وعن سحنون، وبه قال ابن القاسم في سماع عيسى؛ لأنه قال فيمن ادعى زيتوناً بيد رجل وأقام شاهداً: فإن كان عدلاً حلف القائم وأخذه، وإن كان الحاكم ممن لا يقضي بالشاهد واليمين وقف ذلك. وفي أحكام ابن بطال: لا تجب العقلة إلا بشاهدين، وقاله ابن لبابة أيضاً وغيره. عياض: وتؤول على قول ابن القاسم، وقال ابن بطال: وهو قول ابن القاسم، ولابن العطار في وثائقه: لا تجب العقلة بشاهد واحد، لكن يمنع من إحداث بنيان أو بيع أو غيره، ولا يخرج عن يده، وفي مسائل ابن زرب: كل ما يغاب عليه من العروض وغيرها يوقف بشاهد عدل، بخلاف الأصول لا تعقل إلا بشاهدين وحيازتهما. ابن سهل: الذي عليه الفتوى: إن كانت الدعوى في دار اعتقلت بالقفل، وإن كان في أرض منع من حرثها بعد التوقيف، وإن كانت في شيء مما له خراج وقف الخراج، وإن كانت حصته فيدار أو أرض اعتقلت الدار كلها والأرض وجميع الكراء فيما له كراء. وقيل: يوقف من الكراء ما يقع للحصة المدعى فيها فقط، ويدفع سائره إلى [٦٧٥/ أ] المدعى عليه، قال: والأول أصوب عندي؛ وكان سحنون يؤجل المعقول عليه في الإخلاء اليومين والثلاثة.

стр. 4038

وإن سأله أن يترك فيها ما ثقل عليه إخراجه فعل، ثم يغلقها ويطبع عليها ويكون المفتاح عنده، وإن كانت في غير الحاضرة بعث أميناً يغلقها عليه. وَلا يُمْنَعُ مِنْ قَبْضِ أُجْرَةِ الْعَقَارِ. ابن عبد السلام: لعل معناه إذا سبق عقد الكراء الخصام، وأما إن أراد أن يعقد الكراء بعد الشروع في الخصام فلا يبعد ذلك على ظاهر المدونة، وفي كتب الأحكام خلاف ذلك. انتهى. وذكر في غلة المعتقل ثلاثة أقوال: أولها: أنها للمدعي وهو قول ابن القاسم. والثاني: مذهب المدونة أن الغلة للذي كانت في يده حتى يقضى بها للطالب؛ لأنها لو هلكت كان ضمانها من المطلوب. الثالث: في الموطأ أنها للأول إلا أن يثبت حق الثاني. وَتُحَالُ الأُمَةُ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ إِلا أَنْ يَكُونَ مَامُوناً عَلَيْهَا، وَقِيلَ: تُحَالُ الرَّابِعَةُ مُطْلَقاً. يعني: تحال الأمة من يد المدعى عليه إما بالشاهد العدل أو بالشاهدين كما تقدم، وإن لم يطلب ذلك المدعي؛ صيانة للفروج، إلا أن يكون السيد مأموناً فيؤمر بالكف عنها. وقيل: تحال الرابعة مطلقاً؛ أي: كان أميناً أم لا، وعزاه ابن شاس لأصبغ، وزاد عنه: وإن كانت من الزخش رأيتها كالعبد، وينبغي إن كان مكذباً لمن شهد لخصمه مصمماً على ذلك أن يحال بينهما ولو كان مأموناً؛ لأنه يعتقد أنها حلال له. وَمَا يَفْسُدُ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ قَالُوا: يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ إِنْ كَانَ شَاهِدَانِ، وَيُسْتَحْلَفُ وَيُخَلَّى إِنْ كَانَ شَاهِدُ .. (وَيُسْتَحْلَفُ) أي المدعى عليه، ما يستحق من هذا شيء.

стр. 4039

(وَيُخَلَّى) أي: المدعى فيه تحت يد المدعى عليه، وتبرأ منه بقوله: (قَالُوا) لإشكاله، وذلك لأن الحكم كما يتوقف على الشاهد الثاني فكذلك يتوقف على عدالة الشاهدين؛ فإما أن يباع ويوقف ثمنه فيهما، أو يخلى بينه وبين من هو بيده فيهما. وأجاب صاحب النكت: بأن مقيم العدل قادر على إثبات حقه بيمينه، فلما ترك ذلك اختياراً صار كأنه مكنه منه بخلاف من أقام شاهدين أو شاهداً ووقف ذلك القاضي لينظر في تعديلهم لا حاجة عليه في ذلك؛ لعدم قدرته على إثبات حقه، وأشار المازري إلى فرق آخر وهو أن الشاهدين المجهولين أقوى من الواحد؛ لأن الواحد يعلم قطعاً الآن أنه غير مستقل، والشاهدان المجهولان إذا عدلا فإنما أفاد تعديلهما الكشف عن وصف كانا عليه حين الشهادة، ويحتمل أن وجه الإشكال الذي أراده ما ذكر ابن عبد السلام مقتصراً عليه فإنه قال: إنما تبرأ منه لأنهم مكنوا من الطعام من هو بيده بعد قيام شاهد ولم يمكنوه منه، بل يباع ويوقف ثمنه إن قام له شاهدان، والشاهد أضعف. قال: فإن قلت: ولأجل أن الشاهد الواحد أضعف من الشاهدين أبقي الطعام بيد المدعي عليه؛ لأنه إذا ضعفت الدعوى لضعف الحجة ضعف بسبب ذلك أثرها، فإبقاء الطعام بيده ليس هو لما توهم من تقديم الأضعف على الأقوى، بل عين ترجيح الأقوى، وأجاب عن ذلك: بأنه لو كان صحيحاً للزم مثله فيما يخشى فساده أن يحلف من هو بيده ويترك له يفعل فيه ما أحب، قال: ويجاب عن أهل المذهب بأن ما يخشى فساده قد تعذر القضاء بعينه للمدعي لما يخشى عليه من الفساد قبل ثبوت الدعوى، فلم يبق إلا النزاع في ثمنه، فهو إذا كدين على من هو بيده فيمكن منه بعد أن يحلف؛ ليسقط حق المنازع في تعجيله له، ولا يلزم مثل ذلك فيما أقام عليه شاهدان؛ لأن حق المدعي فيه أقوى من حق المدعى عليه.

стр. 4040

وَيَشْهَدُ الأَصَمُّ فِي الأَفْعَالِ، وَالأَعْمَى فِي الأَقْوَالِ قدم المصنف الأصم للاتفاق عليه، وللإيماء إلى الاستدلال على أبي حنيفة والشافعي في عدم قبولهما شهادة الأعمى، والخلاف مبني على أنه هل يمكن أن يحصل له علم ضروري بأن هذا صوت فلان أم لا، واحتج مالك للقبول بقوله ﷺ : "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" فأمر بالإمساك عند ندائه وهو لا يعلم إلا بالصوت، وبأن الناس كانوا يأخذون عن أزواجه ﷺ وهم إنما يسمعون منهن من وراء حجاب. ربيعة: ولو لم تجز شهادة الأعمى لما جاز وطء أمته ولا زوجته، لأنه لا يعرفها إلا بكلامها. وَفِي الاعْتِمَادِ عَلَى الْخَطِّ فِي ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ- خَطُّ الْمُقِّرِ، وَخَطُّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ أَوِ الْغَائِبِ، وَخَطُّ نَفْسِهِ- طَرِيقَانِ: الأُولِ: إِجْمَالُ الْمَذْهَبِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، ثَالِثُهَا: تَجُوزُ فِي الأَوَّلِ خَاصَّةً، وَرَابِعُهَا: وَفِي الثَّانِي. وَالْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ قِيلَ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ: مِثْلُ مَكَّةَ مِنَ الْعِرَاقِ .. هكذا حكى ابن شاس الطريقين، و (طَرِيقَانِ) مبتدأ خبره (وَفِي الاعْتِمَادِ). وفي بعض النسخ (الأُولَى: إِجْمَالِيَّةُ) وفي بعضها: (الأُولِ: إِجْمَالي) وهما على تأنيث الطريق وتذكيره، وفي بعض النسخ: (الأُولَى: إِجْمَالِي) أي: طريق إجمالية، وفي بعضها: (الأُولَى: إِجْمَالُ) أي: ذات إجمال. وقوله: (ثَالِثُهَا .. إلخ) فيكون القول الأول الجواز في الثلاثة، والثاني عكسه، والثالث: الجواز في خط المقر دون الآخرين، والرابع: تجوز في خط المقر وخط الشاهد الغائب أو للميت ولا تجوز في خط نفسه، وقد علمت أن الأول أقواها والثاني يليه؛ لأن كل من قال بالإجازة في الأخير أجاز فيهما.

стр. 4041

وفهم من قول المصنف: (الْمَيِّتِ أَوِ الْغَائِبِ) أنها [٦٧٥/ ب] لا تجوز على الحاضر، وكذلك الغائب القريب، لأن امتناع الشاهد من أداء شهادته مع قرب موضعه من القاضي ريبة، فلذلك اختلف في تحديد الغيبة على ما ذكره المصنف، والتحديد بمسافة القصر لابن الماجشون، والتحديد الثاني لأصبغ. ابن عبد السلام: والأحسن قول سحنون عدم التحديد إلا فيما ينال الشاهد فيه المشقة، والقاضي يعلم ذلك عند نزوله، هذا ما فهمته من كلامه وجرت العادة عندنا أن اختلاف عمل القضاة يتنزل منزلة البعد، وإن كان ما بين العملين قريباً؛ لأن حال الشاهد يعلم في بلده وعند قاضيه، ولا يعلم حاله في غير بلده، وفيه مع ذلك ضعف؛ فإن الذي يشهد على خطه كالناقل عنه، ولابد أن يعدل الناقل من نقل عنه، أو تكون عدالته معلومة عند القاضي. الثَّانِيةُ: تَفْصِيلُ؛ أَمَّا عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَجَائِزَةُ كَإِقْرَارِهِ وَلا يَحْلِفُ عَلَى الأَصَحِّ ظاهره أنه يتفق هنا على القبول، وكذلك قال ابن المواز وابن سحنون. قال في البيان: لم يختلف في ذلك قول مالك ولا قول أحد من أصحابه فيما علمت، إلا ما روي عن محمد بن عبد الحكم: لا تجوز الشهادة على الخط، وأطلق. ابن عبد السلام: وما حكاه من الخلاف في اليمين ليس بجيد؛ فإن الذين ذكروا الخلاف في الحلف إنما هم أصحاب الطريق التي ذكروا فيها الخلاف في إعمال الشهادة على خط المقر، ومن رأى الاتفاق على إعمالها لم يحتج إلى زيادة اليمين. وكان حق المصنف أن يذكر الخلاف في اليمين في الطريق الأول لا في هذه. وفي الجلاب: إذا ادعى رجل على رجل دعوى فأنكرها فشهد له شاهدان على خطه دون لفظه ففيها روايتان: إحداهما أنه يحكم له بالشهادة على الخط، والأخرى أنه لا يحكم بها.

стр. 4042

وإذا قلنا أنه يحكم له بالشهادة على الخط فهل عليه يمين مع الشاهد أم لا؟ فيها روايتان: إحداهما أنه يحكم له بمجرد الشهادة على الخط، والأخرى أنه لا يحكم بمجرد الشهادة على الخط حتى يحلف معها فيستحق حقه بالشهادة واليمين. ومنشأ الخلاف هل يتنزل الشاهدان على خطه منزلة الشاهدين على الإقرار، أو منزلة الشاهد فقط لضعف الشهادة على الخط؟ وإذا قلنا بإعمال الشهادة على خط المقر ففي الواضحة: عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا تجوز في طلاق ولا عتاق ولا حد من الحدود ولا كتاب قاض إلى قاض، وإنما تجوز في الأموال فقط، قالوا: وحيث لا تجوز شهادة النساء ولا الشاهد مع اليمين فلا تجوز على الخط، وحيث تجوز تجوز، ولمالك في العتبية والمختصر في امرأة كتب إليها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له: إن وجدت من يشهد لها على خطه نفعها. ابن رشد: فكان من أدركت من الشيوخ يقول: ما حكى ابن حبيب هو مذهب مالك لا خلاف فيه، وأن معنى قول مالك في العتبية والمختصر: "نفعها ذلك" أي: تجب لها اليمين على الزوج، قال: وعندي أن كلام ابن حبيب إنما هو في الشهادة على خط الشاهد لا على خط المقر، بل هي جائزة على خطه أنه طلق أو نكح أو عتق. وفي أحكام ابن سهل: عن محمد بن الفرج مولى ابن الطلاع أنه قال: الأصل في الشهادة على الخطوط من قول مالك وأكثر أصحابه أنها لا تجوز في الحقوق والطلاق والأحباس وغيرها. ابن رشد: ومعنى الشهادة على الطلاق إذا كان الخط بإقراره على نفسه بأنه طلق زوجته، مثل أن يكتب إلى رجل يعلمه أنه طلق زوجته، أو يكتب إلى زوجته بذلك على هذا الوجه فيشهد لها على خطه، وأما إن كان الكتاب إنما هو بطلاقه إياها ابتداءً فلا يحكم عليه به، إلا

стр. 4043

أن يقر أنه كتب به مجمعاً على الطلاق، وفي قبول قوله أنه كتب غير مجمع على الطلاق بعد أن أنكر أن يكون كتبه اختلاف. فروع: الأول: قال في البيان: شهادة الرجل على نفسه إقرار عليها، وإقراره على نفسه شهادة عليها، فإذا كتب الرجل شهادته في ذكر الحق المكتوب عليه، أو كتب ذكر الحق ولم يكتب فيه شهادته فقد أقر على نفسه؛ إذ لا فرق بين أن يكتب "لفلان علي كذا، أو لفلان على فلان كذا ويسمي نفسه". وإن كتب ذكر الحق على نفسه بيده ثم كتب فيه شهادته فهو أقوى في الإقرار؛ لأنه إقرار بعد إقرار، قال: ونزلت في أيام ابن لبابة وأفتى بخلاف معاصريه بعدم الجواز، وحكاه عن مالك من رواية ابن نافع، قال: وهو غلط؛ لأن الموجود في المبسوط من قول ابن نافع وروايته أنها جائزة وإنما الخلاف إذا كتب شهادته في ذكر الحق على أبيه، أو أقر أن شهادته فيه وزعم أنه كتبها بغير حق، أو أنكرها فشهد على خطه فقال مطرف وأصبغ: يؤخذ بالحق؛ لأن مال أبيه لما صار إليه فكأن الشهادة على نفسه، وقال ابن الماجشون: ليس ما شهد به على غيره كما شهد به على نفسه، ولا يؤخذ منه الحق إلا بالإقرار سوى خط شهادته، ومحمله محمل الشهادة لا محمل الإقرار، واختار ابن حبيب الأول. ابن رشد: والثاني أقيس. الثاني: إذا ادعى رجل على رجل بمال فأنكر، فأخرج المدعي صحيفة مكتوبة بإقرار المدعى عليه وزعم أنها خطه فأنكره، وطلب المدعي أن يجبر المدعى عليه أن يكتب بحضرة العدول ويقابلوا ما كتبه بما أظهره المدعي فأفتى عبد الحميد بعدم جبره، وأفتى اللخمي بجبره على ذلك على أن لا يطول تطويلاً لا يمكن أن يستعمل فيه خطاً غير خطه، واحتج المازري للأول بأن إلزام المدعى عليه ذلك كإلزامه إحضار بينة تشهد عليه بما قاله خصمه، وهو غير لازم قطعاً، وأشار اللخمي إلى الفرق بأن البينة قد يقطع

стр. 4044

بكذبها؛ فلا يلزمه أن يسعى في أمر يقطع ببطلانه، بخلاف الذي يكتب [٦٧٦/ أ] خطه ويطول تطويلاً يؤمن معه التضييع، ثم البينة تقابل ما كتبه بما أحضره المدعي وتشهد بموافقته أو مخالفته. الثالث: إذا أقام شاهداً واحداً على الخط فروايتان حكاهما ابن الجلاب، وهما مبنيتان على أنه إذا شهد له اثنان هل يحتاج إلى يمين أم لا؟ فمن قال: لا يحتاج إلى يمين أعمل الشهادة هنا، ومن قال: يحتاج أبطل الشهادة هنا، وإذا قلنا: يحكم له به فيحتاج إلى يمينين، يمين مع شاهده، ويمين أخرى ليكمل السبب. الشرمساحي في شرح الجلاب: وصح أن يحلف بيمينين في حق واحد؛ لأنهما على جهتين مختلفتين لا على جهة واحدة. وَأَمَّا الثَّانِي فَرِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا جَائِزَةُ، وَضَعَّفَهَا مُحَمَّدُ بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ يُشْهِدْهُ عَلَيْهِا، وَصَوَّبَهُ الْبَاجِيُّ إِلا فِي الأَحْبَاسِ وَنَحْوِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي إِخْبَارِهَا وَلا يَتَسَاهَلُ فِي كِتَابَتِهَا .. يعني: وأما القسم الثاني وهو الشهادة على خط الشاهد الغائب أو الميت. وجعل المصنف المشهور من الروايتين أو أشهرهما الجواز على اختلاف النسخ، وتبع في ذلك صاحب البيان؛ لأنه قال: لم يختلف قول مالك في الأمهات المشهورة في إعمالها وإجازتها، وروي عنه أنها لا تجوز، وإليه ذهب محمد. وقال الباجي: مشهور قول مالك أنه لا تجوز الشهادة على خط الشاهد، وروى ابن القاسم وابن وهب إجازتها، وقاله سحنون، واحتج محمد لما اختاره من رد الشهادة بما ذكره المصنف عنه أن غاية خطه أن يكون كلفظه وهو لو سمعه بنص شهادته لم يجز له نقلها عنه وصوب الباجي تضعيف محمد إلا في الأحباس، وأعاد المصنف الضمير في: (صَوَّبَ) على ما فهم من ضعفها.

стр. 4045

و (الْبَاجِيُّ) هنا هو ابن رشد، وإنما التبس على المصنف كعادته، قال في البيان: والذي جرى به العمل عندنا على ما اختاره الشيوخ إجازتها في الأحباس وما جرى مجراها مما هو حق لله تعالى وليس بحد. وقال ابن أبي زمنين: الذي جرى به العمل أن الشهادة على الخط لا تجوز إلا في الأحباس خاصة. قوله: (وَالْفَرْقُ .. إلخ) هو رد على كلام محمد؛ لأن محمد قاس رد الشهادة هنا على ردها في سماع الشهادة، ففرق بينهما بأن الشاهد قد يتساهل فيما يخبر به بخلاف التي يكتبها فإنه لا يعضها إلا بعد تحققها. بعض الشيوخ: ولو كتب مع ذلك الإذن في النقل عنه لما اختلف في قبول الشهادة على خطه. ابن عبد السلام: لعله يريد أن ينفي خلاف ابن المواز لا نفي الخلاف مطلقاً، فقد علل بعض من منع الشهادة على خط الشاهد أن الخطوط كثيراً ما يضرب عليها، فلا يقع الجزم بها، وهذه العلة لا تنتفي بكتاب الإذن في نقل الشهادة. وَعَلَى قَبُولِهَا لَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ أَشْهَدَهُ عَلَيْهَا فَقَوْلانِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: لا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ لِمَا قَدْ يَتَسَاهَلُ النَّاسُ فِي وَضْعِهَا عَلَى مَنْ لا يَعْرِفُونَ يعني: إذا فرعنا على قبول الشهادة على الخط، فلو لم يعرف الشاهد على الخط أن الشاهد الأول وهو المشهور على خطه كان يعرف من أشهده معرفة العين لم يجز له أن يشهد على خطه، وهذا قول ابن زرب، والقول الثاني: الجواز بناءً على أن الشاهد لا يضع خطه إلا على من يعرف. وقوله: (الْبَاجِيُّ) هو ابن رشد، قال: لا ينبغي أن يختلف في عدم الجواز لما قد يتساهل الناس فيه من وضع شهادتهم على من لا يعرفون. وعلى هذا فيحتاج الشاهد على الخط أن يضمن شهادته أن المشهود على خطه يعرف من عليه الحق، وهكذا قال أحمد بن سعيد.

стр. 4046

تنبيه: قالوا: ظاهر قول ابن القاسم أن الشهادة على الخط إنما تكون في معرفة الخط، ومعرفة المشهود له كمعرفة الحيوان والنبات وسائر الأشياء لا فرق بين ذلك، ووقع في كتاب القزويني أن الشهادة في ذلك إنما هي على العلم. فرع: قال مالك: ولا تجوز الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب حتى يقول: إنه كان في تاريخ الشهادة عدلاً ولم يزل على ذلك حتى توفي؛ احتياطاً من أن تكون شهادته سقطت بجرحة، أو كان غير مقبول الشهادة. وَفِي قَبُولِهَا فِي غَيْرِ الأَمْوَالِ قَوْلانِ القول بأنها تختص بالأموال لمطرف وابن الماجشون وأصبغ، قالوا: ولا تجوز الشهادة على الخط إلا حيث اليمين مع الشاهد، والقول الآخر لمالك وقد تقدم قول ابن سهل نقلاً عن ابن الطلاع، قال: الأصل من قول مالك أن الشهادة على الخط تجوز في الأحباس والطلاق وغيرهما. وفي البيان: الذي جرى به العمل واختاره الشيوخ أنها تجوز في الأحباس وما جرى مجراها مما هو حق لله تعالى وليس بحد، وذكر ابن عبد السلام عن بعضهم أنه يرى الاتفاق على قبولهم في غير الأموال. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوُ وَلا رَيبَةُ فَلْيُشْهِدْ. قَالَ مُطَرِّفُ: ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: وَلا يُشْهِدُ حَتَّى يَذْكُرَ بَعْضَهَا، وَالأَوَّلُ أَصْوَبُ؛ إِذَ لابُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ يعني: وأما القسم الثالث؛ وهو شهادة الشاهد على خط نفسه ولا يذكر الشهادة فقال مالك أولاً: إذا كان الكتاب نقياً وليس فيه محو ولا ريبة فليشهد، وبه أخذ مطرف وابن الماجشون والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب وابن حبيب، وسحنون في نوازله.

стр. 4047

مطرف: وعليه جماعة الناس، ثم رجع مالك فقال: لا يشهد حتى يذكر بعضه، وهو قوله في المدونة، قال فيها: [٦٧٦/ ب] وإذا عرف خطه في كتاب فيه شهادته فلا يشهد حتى يذكر الشهادة ويوقن بها، ولكن يؤدي ذلك كما علم ثم لا تنفع الطالب. وفي البيان في هذه المسألة خمسة أقوال: الأول: أنها شهادة جائزة يؤديها ويحكم بها. والثاني: أنها غير جائزة لا يؤديها ولا يحكم بها. والثالث: أنها غير جائزة إلا أنه يؤديها، ولا بحكم بها. والرابع: أنها إن كانت في كاغد لم يجز له أن يشهد، وإن كانت في رق جاز له أن يشهد، قال: يريد والله أعلم: إذا كانت الشهادة في بطن الرق ولم تكن على ظهره؛ لأن البشر في ظهره أخفى منه في الكاغد. والخامس: إن كان ذكر الحق والشهادة بخطه جاز أن يشهد، وإن لم يكن له بخطه إلا الشهادة لم يشهد. قوله: (حَتَّى يَذْكُرَ بَعْضَهَا) ظاهره أنه إذا عرف خطه وذكر بعض ما فيه أنه يؤديها وينفع، وظاهر المدونة وهو المشهور عندهم أنه يؤديها ولا ينفع، وإنما ينفع إذا ذكرها كلها، وصوب جماعة المرجوع عنه بما ذكره المصنف من أنه لابد للناس من ذكل لكثرة نسيان الشاهد المنتصب، ولأنه لو لم يشهد حتى يذكرها لما كان لوضع رسم خطه فائدة. تنبيه: معنى اشتراط انتفاء المحو والريبة: إذا لم يكن معتذراً عنه في الوثيقة، وأما إذا كان معتذراً عنه فهو من ريبة الوثيقة على ما قاله بعض كبار الشيوخ، والتأدية عند من يقول بها مشروطة بأن يكون على بصيرة أنه لم يكتب قط مسامحة، وإن كان في بعض الأزمنة يتسامح في الكتابة، فلا يؤدي شيئاً لا يعلمه، قاله عياض وغيره.

стр. 4048

فَعَلَى الأَوَّلِ يُؤَدِّيهَا وَلا يَقُولُ لِلْحَاكِمِ حَالَهُ، قَالَوا: وَإِنْ قَالَهَا فَلا يَقْبَلْهَا، وَعَلَى الثَّانِي قَالَ مَالِكُ: يُؤَدِّيهَا وَيَقُولُ حَالَهُ .. أي: قول مالك الأول، وقال ابن شاس قالوا: تبرياً منه؛ لأنه كيف يجوز للشاهد أن يكتم الحاكم ما لو أعلمه به لم يقبلها؟ ثم إنهم قالوا: يلزمه أن يؤديها. وروى ابن وهب في موطأه القبول إذا ذكر الشاهد حاله وهو ظاهر؛ إذ يسلم من الإشكال الذي أشار إليه المصنف. وقال ابن عبد السلام: ولا يريد بقوله: (فَعَلَى الأَوَّلِ) التفريع على القول الأول؛ فإنه لو كان تفريعاً عليه للزمه البيان ولم ينفعه، وإنما معناه أن الذي ينبغي للشاهد أن يفعله على تقدير أن يكون مذهب القاضي هو قول مالك الأول. خليل: وهذا كلام ليس بظاهر، ثم هو مخالف لما ذكره صاحب النوادر وابن شاس وغيرهما، وجعل ابن عبد السلام ما ذكره المصنف يقرب من مذهب المدونة، وليس هو في الحقيقة، فإن قوله في المدونة: "لا ينتفع بها الطالب" دليل على أنه يخبر الحاكم بحاله ولابد وإلا لنفعت، وهذا القول الذي حكاه المصنف قال فيه: إنه لا يقول للحاكم حاله، وهذا هو مذهب المدونة، ولكن نقص منه المصنف موضع الحاجة؛ وهو: أنه يؤديها ولا ينتفع. ابن محرز: وكأنه يقول: هي لا تنفع عندي، ولكن ترفع للقاضي ليجتهد فيها. وقال ابن المواز: لا يرفعها أصلا. وجعل ابن رشد قوله في المدونة وقول ابن المواز مفرعين على القول الثاني. وتعقب المتأخرون مذهب المدونة بأنه كيف يجوز للشاهد أن يحمل القاضي على أن يحكم بما هو عند الشاهد خطأً فيكون معيناً له على الوقوع في الخطأ ولا يجوز؟! وأجيب بأن هذا لا يلزم على القول بتصويب المجتهدين، ولهذا أخذ صاحب البيان من هذا

стр. 4049

الموضوع أن مالكاً يرى أن كل مجتهد مصيب، واختلف كيف يؤديها على القول بأنه لا ينتفع بها؛ فروى أشهب أنه يقول: إن كتاباً يشبه كتابي، وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي ولا أني كتبتها، وقال ابن القاسم: يقول: هذه شهادتي بخط يدي ولا أذكرها. وَمَنْ لا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فَلا يَشْهَدُ إِلا عَلَى عَيْنِهِ لئلا يضع غير اسمه عليه. قال مالك في العتبية: وأحب إلي أن يشهد على من لا يعرف فإن عرفه بعضهم ففيه بعض السعة، وهكذا قال في البيان: إن شهد عليه جماعة فلمن لا يعرفه منهم أن يضع شهادته عليه، وهو من ذلك في سعة؛ إذ قد أمن بمعرفة بعضهم له أن يكون قد تسمى باسم غيره، وأما إذا لم يعرفه أحد فيكره لهم أن يضعفوا شهادتهم عليه؛ مخافة أن يكون تسمى باسم رجل فيقر أنه قد باع داره من هذا، أو يقر له على نفسه بحق فيكتبون شهادتهم عليه، فيشهد على خطوطهم بعد موتهم فتجوز الشهادة، وتؤخذ الدار من صاحبها أو الحق بغير حق، قال ذلك مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وذلك على مذهب من يحيز الشهادة على خط الشاهد. انتهى. ونقل ابن مزين عن بعضهم: أنه إن كان معروفاً اكتفي باسمه واسم أبيه وقبيلته، وإن كان مجهولاً كتب اسمه واسم أبيه وجده وقبيلته ومسكنه. ابن مزين: وليس بشيء؛ لأن المجهول قد يخاف أن يتسمى بغير اسمه وينتمي إلى غير قبيلته وإلى غير مسكنه، قال: والصواب في المجهول أن ينعت بنعته ويكتب اسمه واسم أبيه وقبيلته، فإذا جهله الشاهد حلاه بتحليته ووصفه بصفته، فإن كان حاضراً قطع عليه الشهادة، وإن كان ميتاً أو غائباً فعلى صفته، وعلى هذا اقتصر المصنف. وَلا يَشْهَدُ عَلَى مُتَنَقَّبَةٍ حَتَّى تَكْشِفَ وَجْهَهَا لِيُعَيِّنَهَا [٦٧٧/ أ] عِنْدَ الأَدَاءِ قد تقدم قريب من هذا من كلام المصنف في كتاب النكاح، وهذا مخصوص بالنكاح. وقال في البيان في النكاح والحقوق بخلافه، فقد قال مالك: لا أرى أن يشهد

стр. 4050

الرجل على من لا يعرف، ومثله لأصبغ في الخمسة، قال: وأما الحقوق من البيوع والوكالات والهبات ونحو ذلك فلا يشهد عليها في شيء من ذلك إلا من يعرفها بعينها واسمها ونسبها. والفرق بين النكاح وما سوى ذلك أنه يخشى وإن لم يشهد على شهادتهم في الحقوق أن يموتوا فيشهد على خطوطهم فتلزم باطلاً بما لم تشهد به على نفسها. وعلى ما جرى به العمل عندنا أنه لا يقضى بالشهادة على الخط إلا في الأحباس، ونحوها يكون النكاح والحقوق سواء. فرع: في كتاب ابن سحنون عن أبيه: ولو شهد على امرأة بإقرار أو نكاح أو براءة وسأل الخصم إدخالها في نساء ليخرجوها وقالوا: "شهدنا عليها على معرفة منا بعينها ونسبها، ولا ندري هل نعرفها اليوم وقد تغيرت حالها" أو قالوا: "لا نتكلف ذلك" - أنه لا بد أن يخرجوا عينها، فإن شكوا أو أيقنوا أنها بنت فلان، ولم يكن لفلان إلا بنت واحدة من حيث شهد عليها إلى اليوم جازت الشهادة، وإن قالت البينة: "شهدنا عليها متنقبة، وكذلك نعرفها، ولا نعرفها بغير نقاب" فهم أعلم بما تقلدوا؛ إن كانوا عدولاً وعينوها قطع بشهادتهم، وانظر هذا مع قول المصنف: ولا يشهد على متنقبة حتى تكشف وجهها. وقال ابن دينار فيمن شهد على امرأة بإقرار أو بيع ولم يعرفوها بعينها، وعرفوا الاسم والنسب وقالوا: "إن كانت فلانة بنت فلان فقد أشهدتنا" فإن شهد غيرهم أنها فلانة بنت فلان حلف رب الحق على ذلك وثبت حقه.

стр. 4051

وَلَوْ عَرَفَهَا رَجُلانِ فَفِي جَوَازِ أَدَائِهِ عَلَيْهِا قَوْلانِ، أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ وَلَوْ بِامْرَأَةٍ فَلا إِشْكَالَ .. يعني: إذا دعي الرجل ليشهد على امرأة لا يعرفها لكن شهد عنده رجلان أنها فلانة، فقال ابن القاسم: لا يشهد بذلك عليها إلا على شهادتهما؛ فيكون نقل شهادة عنهما فينتفع عند تعذر أدائها ويسميهما ليعذر فيهما. وقال ابن نافع: يشهد، ورواه عن مالك. صاحب البيان: والذي أقول به: إن كان المشهود له أتاه بالشاهدين ليشهدا عليها بشهادتهما عنده أنها فلانة بنت فلان فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة فليشهد عليها وهذا كله ما لم يحصل عنده العلم، أما لو حصل عنده العلم ولو بامرأة لجاز أن يشهد كما ذكر المصنف؛ لأن خبر الواحد قد تحتف به قرينة فيفيد العلم. وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِ امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ فَلا يُسَجَّلُ عَلَى بِنْتِ زَيْدٍ يعني: فلا يكون للقاضي أن يسجل على بنت زيد حتى تثبت بالبينة أنها بنت زيد وكذلك لا يشهد الشهود أنها بنت زيد، وهو ظاهر؛ لاحتمال أن تكون انتسبت إلى غير أبيها. خليل: وينبغي أن يكون الرجل كذلك قال إنه فلان ابن فلان والله أعلم. وَيُعْتَمَدُ عَلَى الْقَرَائِنْ الْمُغَلَّبَةِ لِلظَّنِّ فِي التَّعْدِيلِ، وَالإِعْسَارِ بِالْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ، وَقَالَ ابن القاسم: تَجُوزُ فِي الضَّرَرِ بِالسَّمَاعِ مِنَ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ يعني: أنه يجوز للشاهد في هذه الصورة أن يعتمد فيما يشهد به على الظن القوي؛ لأنه المقدور على تحصيله غالباً، ولو اشترط العلم تعطلت الأحكام غالباً، وقد تقدم الكلام على ما يعتمد عليه العدل في التعديل.

стр. 4052

ويعتمد في الإعسار على صبره على الجوع ونحوه مما لا يكون إلا مع الفقر وضرر الزوجين، وإن كان قد يمكن فيه القطع لكونه من الجيران أو القرائب لكنه نادر، وقول ابن القاسم ظاهر، وقد تقدم نحوه من كلام المصنف في باب الطلاق. وَتَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ الْفَاشِي عَنِ الثِّقَاتِ فِي الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ وَالْمَوْتِ لِلضَّرُورَةِ. شهادة السماع تنقسم إلى قسمين: أولها: تفيد العلم وسيأتي، والثاني: تفيد الظن، ولابد فيه من الفشو كما ذكر المصنف. وقوله: (عَنِ الثِّقَاتِ) كذا قال ابن المواز، وظاهره أنه لا يقبل إذا كان غير الثقات، وهو قول مطرف وابن الماجشون، قالا: ولا يجوز من غير أهل العدل من سامع أو مسموع عنهم، وظاهر المدونة نفي اشتراط العدالة في المنقول عنهم إلا في الرضاع. المازري: ولعله إنما استثنى الرضاع لأن شرط شهادة المرأتين فيه الفشو والانتشار، وهذا لا يشترط فيه النقل عن العدول؛ لأن الأخبار التي يقع بها العلم لا يشترط فيها أن يكون المخبرون عدولاً كخبر التواتر، وقيل: لابد من السماع من غير العدول مع العدل؛ لأن قصر السماع على العدل يخرجه إلى نقل الشهادة عن المعينين، وذلك باب آخر. وأشار المصنف بقوله: (لِلضَّرُورَةِ) إلى علة قبول هذه الشهادة؛ لأن الأصل أن الشاهد لا يشهد إلا بما استفاده من الحواس، وذكر ثلاثة مواضع: أولها: الملك؛ أي: المطلق، قال في الجواهر: إنما يشهد بالملك إذا طالت الحيازة وكان يتصرف فيه تصرف المالك من الهدم [٦٧٧/ ب] ونحوه ولا ينازعه أحد. ولا يكتفي بشهادتهم أنه يحوزها حتى يقولوا: إنه يحوزها لحقه وأنها له ملك، وأما من يشتري شيئاً من سوق المسلمين فلا يجوز أن يشهد بالملك؛ لأنه قد يشتري من غير مالك.

стр. 4053

المازري: والملك لا يكاد يقطع به، ومن الناس من حاول صورة فيها القطع؛ وهي: إذا صاد صيداً بحضرة بينة، ورد باحتمال أن يكون ند ممن صاده ولم يتوحش. وحاول بعضهم أخرى؛ وهي: إذا غنم من الكفار، ورد بجواز أن يكون المغنوم وديعة أو من أموال المسلمين، واشترط بعضهم أن يستفيض الخبر والحديث بكون هذا الشيء ملكاً لمن هو في يده، ومنهم من لم يشترطه. ثانيها: الوقف نص عليه في المدونة. قال بعض الأندلسيين: ولو شهدوا على أصل الحبس لم يكن حبساً حتى يشهدوا بالملك للمحبس يوم حبس، وتجوز شهادتهم على السماع، ولا يسمون المحبس، ولا يحتاج إلى إثبات ملك. ثالثها: الموت، وقيد الباجي الشهادة فيه على السماع فيما بعد من البلاد، وأما ما قرب أو ببلد الموت فإنما هي شهادة بالبت، وإن كان سبب هذه الشهادة السماع، إلا أن لفظ شهادة السماع إنما يطلق عند الفقهاء على ما يقع به العلم للشاهد، ولذلك يؤدي على أنه سمع سماعاً فاشياً، وأما إذا تواتر الخبر حتى وقع له العلم فإنما يشهد على علمه. انتهى. تنبيه: ظاهر كلام المصنف أن شهادة السماع تكون بالملك في الانتزاع، والذي نص عليه أصحابنا أنه لا يخرج بها شيء من يد حائز، وإنما يصح للحائز كما لو ثبت على حائز لدار أنها لأبيه أو لجده، وهذا الطالب غائب فيقيم الذي هو في يده بينة على السماع في تطاول الزمان أنه اشتراها من أبي هذا القائم أو جده أو ممن صارت إليه عنهم فيثبت له بقاؤها بهذه الشهادة، واشترط في المدونة في قبول شهادة السماع لبقاء الدار في يد الحائز أن يقول الشهود: سمعنا أنه اشتراها هو وأبوه أو جده من هذا القائم فيها أو من أبيه، ولو قالوا: سمعنا أنه اشتراها ولا ندري ممن اشتراها منه لم ينتفع بهذه الشهادة؛ لجواز أن يكون

стр. 4054

اشتراها من غاصب، وكذا قال ابن المواز: لا تجوز شهادة السماع إلا لمن كان الشيء بيده، ولا يستخرج بها من يد حائز، وحكى ابن الحبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ ما يقتضي أنه يستخرج بها من اليد. وهل يستحق بها ما ليس في حوز أحد كعفو من الأرض؟ قولان عندنا، بناهما المازري على اختلاف المذهب في بيت المال هل يعد حائزاً لما لا مالك له أم لا؟ بِشَرْطِ طُولِ الزَّمَانِ وَانْتِفَاءِ الرِّيَبِ، فَلَوْ شَهِدَ رَجُلانِ عَلَى السَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلِ مِائَةُ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لا تُعْرَفُ لَمْ تُقْبَلْ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ وَبَاءُ فَهِيَ طُولُ، وَلا يُسَمُّونَ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ فَيَكُونَ نَقْلَ شَهَادِةٍ، قَالَ التُّونُسِيُّ: بَعْدَ يَمِينِهِ؛ إِذَ لَعَلُّهُ عَنْ وَاحِدٍ، وَيُجْتَزَأُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَرْبَعَةُ؛ لأَنَّهَا كَالنَّقْلِ فَاحْتِيطَ فِيهَا .. اعلم أن لشهادة السماع شروطاً. أولها: طول الزمان. مالك: ولا تجوز شهادة السماع في ملك الدار بخمس سنين. ابن القاسم: وإنما تجوز فيما أتت عليه أربعون أو خمسون سنة، حكاه صاحب المفيد. ابن زرقون: وهو ظاهر المدونة، ونقل عن ابن القاسم عشرون سنة. ابن رشد: وبه العمل بقرطبة. واختلف في الخمس عشرة على الثلاثة الأقوال التي ذكرها المصنف، والقول بأنها طول لمطرف وابن الماجشون وأصبغ، ومقابله لابن القاسم في الموازية، والثالث نقله التونسي، وجعله بعضهم تقييداً للثاني.

стр. 4055

الشرط الثاني: السلامة من الريب فلذلك لو شهد اثنان بالسماع وفي القبيل مائة رجل من أسنانهما لم تقبل شهادتهما ولو طال الزمان، إلا أن يكون علم ذلك فاشياً فيهم، وأما إن شهد بذلك شيخان وقد باد جيلهما لقبلت شهادتهما وإن لم يشهد بذلك غيرهما، قاله ابن القاسم، وهو مأخوذ من مفهوم كلام المصنف، وعارض بعضهم عدم القبول هنا فيما إذا انفرد شاهدان برؤية هلال رمضان في الصحو، وفرق بأن السماع لا كلفة فيه على السامع ولا داعية تدعو للسماع، بخلاف الهلال؛ فانظره. وقوله: (وَلا يُسَمُّونَ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ) هو ظاهر التصور. الشرط الثالث: أن يحلف، قاله غير واحد؛ لاحتمال أن يكون أصل السماع عن شاهد واحد ولا يقوم به الحق إلا مع اليمين، ونسبة المصنف اليمين للتونسي ليست بظاهرة، وليس ذلك في التعليقة، ولعله لما رأى ابن شاس ذكر اليمين بعد كلام نسبه للتونسي أعتقد أن ذلك للتونسي، وقد بين ابن شاس أن ابن محرز هو الذي نص على اليمين. الرابع: أن يشهد بذلك اثنان ويكتفي بهما على المشهور، واشترط عبد الملك أربعة كما ذكره المصنف عنه. وَالْمَشْهُورُ جَرْيُهَا فِي النِّكَاحِ وَالْوَلاءِ وَالنَّسَبِ. أَصْبَغُ: يُؤْخَذُ الْمَالُ وَلا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ .. يعني: أن المشهور جريها في هذه الثلاث مسائل، ومقتضى كلامه أن المشهور ثبوت النسب والولاء. ونحوه [٦٧٨/ أ] ذكره ابن المواز فقال: اختلف قول مالك في شهادة السماع في الولاء والنسب، وذهب أصبغ إلى أنه يثبت المال دون النسب والولاء، وقال نحوه ابن القاسم، ولا يعجبنا هذا، وقول مالك وابن القاسم أنه يقضي له بالسماع بالنسب والولاء، نقله أبو محمد في كتاب الأقضية.

стр. 4056

وقال في البيان: مذهب ابن القاسم أن شهادة السماع إذا لم تفد العلم لا تعمل؛ لأنه لم يقض بها في الولاء وإنما حكم بها في المال لأنه ليس له طالب، ولا تفيد فيا لحبس إلا مع القطع على المعرفة أنه محترم بحرمة الأحباس، ولا في الأشرية القديمة إلا مع الحيازة. وهذا الذي نسبه لابن القاسم هو مذهب المدونة ففيها: وإن شهد شاهدان أنهما سمعا أن هذا الميت مولى لفلان هذا لا يعلمان له وارثاً غير هذا، أو شهد شاهد واحد أنه مولاه أعتقه- استؤني بالمال، فإن لم يستحقه غيره قضي له به مع يمينه، ولا يجر بذلك الولاء. ونقل عن أشهب أنه يجر الولاء، لكن قيد المدونة بعض القرويين بما إذا كانت الشهادة في غير بلد الموت، قال: لاحتمال أن يستفيض ذلك عن رجل واحد، وأما بالبلد فيبعد استفاضة ذلك عن رجل واحد فيقضي في ذلك بالمال والولاء؛ أي: كما في الموازية، وهذا يؤدي تشهير المصنف؛ فاعلمه. أبو الحسن: وانظر من أين أخذ مذهب ابن القاسم في الحبس، ثم قال: قوله في المدونة: والشهادة على السماع في الأحباس جائزة لطول زمانها، يشهدون: "إنا لم نزل نسمع أن هذه الدار حبس تحاز حوز الأحباس" فانظر قوله: "إن هذه الدار حبس" هل عرفوا أنها تحاز فتكون كما قال ابن رشد؟ والظاهر أن قوله: "إنها حبس تحاز" مسموع كله لا معروف، وفي الأمهات: "أن هذه الدار حبس، وأنها تحاز كحوز الأحباس" فانظر هل يظهر منه تأويل ابن رشد؟ أبو عمران: ويشترط في شهادة السماع على النكاح أن يكون الزوجان متفقين عليه، وأما إذا أنكر أحدهما فلا، ومسائل قبول شهادة السماع كثيرة، وينسب لابن رشد وولده شعر يتضمن تلك المسائل.

стр. 4057

ابن عبد السلام: ولست أدخل تحت عهدة نسبة القطعتين إلى من ذكر، ولكن أكثر ما احتوتا عليه منقول. والذي نسب لابن رشد: أَيَا سَائِلِي عَمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ... وَيَثْبُتُ سَمْعاً دُونَ عِلْمٍ بِأَصْلِهِ فَفِي الْعَزْلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْكُفْرِ بَعْدَهُ ... وَفِي سَفَهٍ أَوْ ضِدِ ذَلِكَ كُلِهِ وَفِي الْبَيْعِ وَالإِحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ ... وَالرَّضَاعِ وَخُلْعٍ وَالنِّكَاحِ وَضِدِّهِ فِي قِسْمَةٍ أَوْ نَسَبٍ وَوِلايَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ وَالْمُضِرِّ بِأَهْلِه وزاد عليه ولده ستاً فقال: وَمِنْهَا الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ فَاعْلَمَنْ ... وَمِلْكُ قَدِيمُ قَدْ يُضْمَّنْ بِمِثْلِهِ وَمِنْهَا وِلادَةُ وَمِنْهَا حِرَابَةُ ... وَمِنْهَا الإِبَاقُ فَلْيُضَمَّ لِشَكْلِهِ فَدُونَكَهَا عِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدِ ... تَدُلُّ عَلَى حَذْقِ الْفَقِيهِ وَنُبْلِهِ أَبِي نَظَمَ الْعِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... فَأَتْبَغْتَهَا سِتاً تَمَاماً لِفِعْلِه فهذه سبعة وعشرون موضعاً. قوله: "أو ضد ذلك كله" يعني: الإسلام والرشد والعدالة. وقوله: "والوصية" يريد: ما حكاه في الكافي: إذا شهد أنه لم يزل يسمع أن فلاناً كان في ولاية فلان وأنه كان يتولى النظر له والإنفاق عليه بالإيصاء من أبيه أو بتقديم قاض عليه، وإن لم يشهد أبوه بالإيصاء ولا القاضي بالتقديم، ولكنه علم ذلك بالاستفاضة من العدول وغيرهم- أن ذلك جائز، ويصح بذلك تسفيهه. وزيد الملا والعدم والأسر والعتق واللوث الموجب للقسامة. وفي المتيطية عن ابن عتاب: أن شهادة السماع في خطوط الشهود الأموات، وفي حياطة الأحباس جائزة.

стр. 4058

وَأَمَّا السَّمَاعُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ فَقَالَ ابن القاسم: هُوَ مُرْتَفِعُ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ مِثْلَ أَنَّ نَافِعاً مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لِذَلِكَ أَصْلاً فَقِيلَ له: أَيَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ لا يَعْلَمُ أَبَاكَ، وَلا أَنَّكَ ابْنُهُ، فَقَالَ: نَعَمْ وَيَقْطَعُ بِهَا وَيَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ .. هذا هو النوع الثاني من شهادة السماع المفيد للعلم، وهو متفق على قبوله، وظاهر كلام الفقهاء فيه عموم حكمه في الأصوات، وأنه من العلم التواتري، وقد علم أن خبر التواتر يشترط فيه أن يكون خبراً عن أمر محسوس. وَالتَّحَمُّلُ حَيْثُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ يعني: أن تحمل الشهادة حيث يفتقر إليه فرض على الكفاية؛ أما أنه فرض فلأنه لو تركه الناس كلهم أدى إلى إتلاف الحقوق، وأما أنه على الكفاية فلأن الفرض يحصل بالبعض. وإذا كان على الكفاية فيتعين في حق من انفرد كما في سائر فروض الكفاية. وضمير (إِلَيْهِ) عائد على التحمل، واحترز من أن يدعى الشاهد إلى تحمل شهادة لا يتعلق بها حكم، ودليله قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) بعد قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] وظاهره في التحمل. وأما قوله تعالى: (وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) فقد اختلف فيه هل المعنى: إلى الأداء وهو تأويل مالك، أو إلى الشهادة أو إليهما- على ثلاثة أقوال؟ واستظهر الثاني؛ لأن الآية [٦٧٨/ ب] إنما وردت فيما يفعله المتبايعان وقت البيع، ولأن عقبه: (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ) [البقرة: ٢٨٢] والكتاب إنما هو عند التحمل، ويرجح قول مالك بأن الشاهد حقيقة إنما هو من تحمل لا من دعي لها، ذكره أهل الأصول في مسائل الاشتقاق. ويجاب عنه بما قاله بعضهم من أن التفصيل في المشتق إنما هو إذا كان الوصف محكوماً به، وأما إذا كان متعلق

стр. 4059

الحكم كقوله سبحانه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥] فهو حقيقة في الجميع فيما حصل وفيما سيحصل. وَالأَدَاءُ مِنْ نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ إِنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَلا تَحِلُّ إِحَالَتُهُ عَلَى الْيَمِينِ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَزِئِ الْحَاكِمُ بِاثْنَيْنِ فَعَلَى الثَّالِثِ .. لقوله تعالى: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: ٢٨٣] وشرط في الوجوب شرطين: أولهما: أن يكون قريباً من موضع الحاكم كالبريدين، ونحوه لسحنون. ثانيهما: أن يكونا اثنين، فلو كانوا أكثر بقي على الكفاية لحصول الغرض بالبعض، فإن لم يكتف الحاكم باثنين؛ إما لريبة وإما لمانع في أحدهما تعين على من بقي حتى يثبت الحق. وقوله: (وَلا تَحِلُّ) يعني: ولو كان على الحق شاهدان فامتنع أحدهما وأحال المشهود له على اليمين مع صاحبه لم يحل ذلك؛ لأنه أدخله في عهدة اليمين وألزمه ما لا يلزمه. وَلا يَلْزَمُ مِنْ أَبْعَدَ هذا تصريح منه بمفهوم قوله: (نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ) وهذا التحديد لا يقوم عليه دليل، والأصل أن ما لا كبير مشقة فيه على الشاهد يجب الأداء منه بخلاف ما عظمت المشقة فيه. وَلا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ فِيمَا لَزِمَهُ إِلا فِي رُكُوبِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَابَّةُ وَعَسُرَ مَشْيُهُ يعني: إذا كان على نحو البريدين لم يجز له أن ينتفع بشيء، واستثنى من ذلك ركوب الدابة بشرطين: ِأن لا يكون للشاهد دابة وأن يعسر مشيه، فإن لم يحصل الشرطان فنص سحنون على سقوط شهادتهم.

стр. 4060

وَيَجُوزُ فِيمَا لا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَامَ بِمَا يَتَكَلَّفُهُ مِنْ دَابَّةٍ وَنَفَقَةٍ عَجَزَ أَوْ لَمْ يَعْجَزْ، وَقِيلَ: لا تَجُوزُ فِيهِمَا وَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ فِي غَيْرِ الْمُبَرِّزِ. ضمير التثنية المجرور بـ (في) راجع إلى حالتي العجز وعدمه والأقرب جواز ذلك في الوجهين ليسارة المنفعة، ولأن الشاهد لم يستفضل شيئاً في ذلك، ولنأت بكلام سحنون وكلام صاحب البيان عليه فهو الذي حكاه ابن شاس وقصد المصنف اختصاره لما فيه من الفوائد، قال سحنون في الشهود يدعون إلى الشهادة في غير البلد فيقولون: " يشق علينا النهوض إلى الحاضرة" فيعطيهم المشهود له دواباً وينفق عليهم: فإن كانوا على مثل البريد أو البريدين وهم يجدون الدواب والنفقة فلا يأخذوا ذلك منه، فإن فعلوا سقطت شهادتهم، وإن كانوا لا يجدون جاز ذلك وقبلوا، ولو أخبروا بذلك القاضي كان أحسن، وإن كان على مثل ما تقصر فيه الصلاة فأكثر لم يشخص الشهود من مثل ذلك ويشهدون عند من يأمرهم القاضي به في تلك البلاد، ويكتب بما يشهد به عنده إلى القاضي. ابن رشد: وخفف ذلك ابن حبيب إذا كان قريباً، وكان أمراً خفيفاً، وينبغي أن يحمل على التفسير؛ فالقريب على قسمين: قريب جداً تقل فيه النفقة ومؤنة الركوب- لا يضر فيه الشاهد ركوب الدابة ولا أكل الطعام، وغير قريب جداً فهذا يبطل الشهادة إن ركب دابه المشهود له وله دابة أو أكل طعامه عند سحنون. وقيل: لا يبطل ذلك وهو ظاهر قول أصبغ ومطرف في الشاهد في الأرض النائية يحتاج إلى تعيينها بالحيازة لها: أنه لا بأس أن يركب دابة المشهود له ويأكل طعامه. ابن رشد: وهو الأظهر؛ إذ ليس هذا مما يتمول ليسارته، وإن كان الشاهد لا يقدر على النفقة، ولا على اكترائه دابة، ويشق عليه الإتيان راجلاً فلا تبطل شهادته إذا لم يسقط عن نفسه ما هو واجب، وقد قيل: تبطل، وأما إن كان من البعد بحيث لا يلزمه الإتيان ولم يقم القاضي من يشهد عنده بالموضع الذي هو به فلا يضره أكل طعام المشهود له وإن كان

стр. 4061

له مال، وكذلك إن احتجب السلطان عن الشاهد لم يضره أن ينفق عليه المشهود له ما أقام منتظراً له إذا لم يجد من يشهد على شهادته ثم ينصرف، وقد قيل: تبطل بذلك لتوفير نفقتهم، قال: وهو الأظهر، قال: فانظر على هذا أبداً إذا أنفق المشهود له على الشاهد في موضع لا يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه جاز، وإن أنفق عليه في موضع يلزمه ذلك فلا يجوز إلا فيما يركب إذا لم تكن له دابة ولم يقدر على المشي، فلا اختلاف أنه يجوز للشاهد أن يركب دابة المشهود له إذا لم تكن له دابة وشق عليه جملة من غير تفصيل بين قريب ولا بعيد، ولا موسر ولا معسر، وإنما يفرق ذلك حسبما ذكر في النفقة والركوب إذا كانت له دابة. وَتَثْبُتُ الأَمْوَالُ وَحَقُوقُهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ لما رواه مالك مرسلاً، ومسلم وغيره مسنداً أنه ﵊ قضى باليمين مع الشاهد. قال صاحب الاستذكار: وقد أسنده جماعة ثقات عن جابر بن عبد الله ﵁ يرفعه، وقد صح من حديث ابن عباس مرفوعاً، وروى ذلك جماعة من الصحابة ﵃، [٦٧٩/ أ] ولم يرو عن واحد مخالفته، وقاله جماعة من التابعين منهم الفقهاء السبعة، وخالف في ذلك أبو حنيفة ويحيى بن يحيى من أصحابنا وزعم أنه لم ير الليث يفتي به، وخصصناه بالأموال؛ لأن عمرو بن دينار راوي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: وذلك في الأموال. وقوله: (وَحَقُوقُهَا) أي: كالغصب والتعدي والجنايات والشركة والإبراء من الدين والمصالحة عليه والإجارة وهبة الرقاب والمنافع.

стр. 4062

وقامت المرأتان مقام الرجل لأن الله تعالى جعلهما عوضه فقال: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) [البقرة: ٢٨٢]. وَيُطَالَبُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاقِ وَالْعِتْقِ بِأَنْ يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ فَإِنِ امْتَنَعَ فَالأَخِيرَةُ أَنْ يُحْبَسَ لَهُمَا إِلا أَنْ يُحْكَمَ بِالشَّهَادِةِ، وَقَالَ ابن القاسم: يُحْبَسُ سَنَةً، وَقَالَ سحنون: أَبَداً .. أي: إذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق، أو ادعى العبد على سيده العتق لم يطالب بتلك الدعوى إلا أن يقيم كل واحد منهما شاهداً أو امرأتين فحينئذ يكلفه القاضي إما بالإقرار أو بالحلف، فإن لم يقر وحلف برئ، ومساواته النكاح لهذين خلاف المعروف، نعم حكى ابن الهندي في وثائقه قولاً بوجوب اليمين في النكاح كما يجب في غيره؛ لأن النكاح أشب الأشياء بالبيوع، واستقرأ أيضاً مما لابن القاسم في الموازية ومما في الواضحة، أما الموازية فلأن فيها في دعوى الرجل على المرأة نكاحاً، أو دعوى المرأة على الرجل نكاحاً: إن اليمين ساقطة ما لم يقم لذلك شاهد واحد، فظاهره أنه إذا أقام شاهداً حلف المدعى عليه، ولعل المتيطي لما قوي عنده هذا الأخذ نقله صريحاً عن الموازية، وأما الواضحة فلأن فيها فيمن زوج رجلاً أو امرأة وزعم أنه وكله أو وكلته على ذلك فأنكر المدعى عليه الوكالة: إنهما يحلفان، فاستقرأ اللخمي منها وجوب اليمين مع الشاهد، قال: وإذا حلف بدعوى الوكالة مع كون الوكيل يدفع التعدي عن نفسه فلأن يحلف مع الشاهد من باب أولى. ورده المازري بأن المدعى عليه الوكالة لو صدقها لكان النكاح منعقداً؛ لأن النزاع في إذنه في الوكالة؛ لأن العقد قد ثبت بشاهدين بين الوكيل والزوجة. عبد الملك: وإن أقام شاهداً على رجل أنه زوجه ابنته البكر حلف الأب، فإن أبى سجن حتى يحلف، ولا مقال لابنته في ذلك، ولو كانت ثيباً فليس عليه يمين.

стр. 4063

وقال أصبغ: ليس عليه يمين بحال. قوله: (فَإِنِ امْتَنَعَ) أي: امتنع من الإقرار والحلف فلمالك روايتان؛ لأن الأخيرة تستدعي الأولى. (يُحْبَسَ لَهُمَا) أي: للطلاق والعتاق، ويحتمل للمرأة والعبد المفهومين من السياق لا أن يحكم بالشهادة، وأتى بهذا ليعلم أن الرواية الأولى الحكم لهما، ودليل كلامه أن الحكم لهما مستند إلى الشهادة فقط، وليس كذلك، بل على هذه الرواية إنما يثبت الطلاق بمجموع الشاهد والنكول. وبين صاحب الجلاب ذلك حيث فرق بين الشاهد واليمين أنه لا يقضي بهما في الطلاق بخلاف الشاهد والنكول على هذه الرواية؛ لأن الشاهد والنكول من جهتين فقويا لذلك، بخلاف الشاهد واليمين فإنهما من جهة المدعي فقط، وقد يجاب عنه بأن في كلام المصنف ما يقتضي اعتبار النكول؛ لأنه قال: (فَإِنِ امْتَنَعَ) وامتناعه هو نكوله. وقوله: (فَالأَخِيرَةُ أَنْ يُحْبَسَ لَهُمَا) لم يبين أمد الحبس، وقد بين ذلك في المدونة بقوله: فإن طال سجنه دين ويخلى بينه وبينها، والقول بالسنة نقله ابن يونس عن مالك أيضاً أواخر العتق الثاني، وقول سحنون أيضاً لمالك، ولعل المصنف وابن شاس لما رأيا أن الطول في كلام مالك غير محدد واحتمل أن يريد أحد القولين تركاه لذلك. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَتَثْبُتُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَالْعِتْقُ. فضل: فإما لأنه ليس بمال محض بل مركب من مال وغيره، ومثل لذلك بمسألتين: الأولى: أن يدعي سيد الأمة أن زوجها ابتاعها منه وأنكر الزوج فأقام السيد على دعواه شاهداً فإنه يحلف معه ويثبت البيع، وهو مال، ويترتب عليه فسخ النكاح، وهو

стр. 4064

ليس بمال، وإنما حكمنا فيها بذلك لأنا لو لم نحكم بذلك لأدى إلى أحد أمرين كل منهما باطل؛ إما رد شهادة الشاهد وقد دل الحديث على قبولها، وإما بقاء الزوجة في عصمة مالكها ولا يصح ذلك إجماعاً. والمثال الثاني: أن يقوم للمكاتب شاهد على أداء نجوم الكتابة فيثبت الأداء وإن ترتب عليه العتق، وقد علمت أن في قول المصنف: (وإن ترتب عليه الفسخ والعتق) لفاً ونشراً. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ بِمَالٍ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ لا تُمْضَى. وَلَهُ اسْتِحْلافُ الْمَطْلُوبِ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ بِغَيْرِ يَمِينِ الطَّالِبِ. فصلها بـ (أَمَّا) لأنها عكس ما قبلها؛ لأن الشهادة في اللتين قبلها على مال ويؤول إلى غيره، وهذه بالعكس ومعنى كلامه: إذا ادعى رجل على آخر أن القاضي حكم له عليه بمال فأنكر، فأقام عليه شاهداً بذلك فهل له أن [٦٧٩/ ب] يحلف مع شاهده؟ المشهور لا، وتعقب ابن عبد السلام حكاية الخلاف في الشهادة على حكم القاضي فقال: والذي حكاه الباجي وغيره أن القولين في كتاب القاضي بشاهد ويمين، وذلك لأنه حق ليس بمال ويؤول إلى مال، وأما دعوى أحد الخصمين على الآخر أن القاضي حكم عليه بمال فدعوى مال حقيقة، ولا ينبغي أن يختلف فيها، ورد بأن الخلاف أيضاً موجود في حكم القاضي، حكاه فضل. والقول بقبول الشاهد لمطرف وأصبغ، ومقابله لابن القاسم وابن الماجشون: لا يقبل في ذلك إلا شاهدان؛ لأنه من وجه الشهادة على الشهادة، وأخذ به ابن حبيب ولعل المصنف شهره إما لأخذ ابن حبيب به، وإما لأنه قول ابن القاسم، وإما لكون الشهادة فيه باشتر مالاً وإما للمجموع. خليل: وانظر ما الفرق على قول ابن القاسم بين هذه المسألة وبين ما إذا قامت المرأة شاهداً على النكاح بعد الموت، فإنه قال: تحلف وترث، والجامع بينهما الشهادة على ما ليس بمال

стр. 4065

ويؤول إليه, وقد يفرق بأن يقال: يمكن هنا إثبات المال بنكول المطلوب كما ذكر المصنف، بخلاف النكاح فإن الضرورة داعية فيه إلى القبول، والله أعلم. قوله: (وَلَهُ اسْتِحْلافُ الْمَطْلُوبِ) هو تفريع على المشهور؛ أي: إذا فرعنا على المشهور في أن الشاهد مع اليمين على حكم القاضي لا يمضي؛ فيكون للطالب استحلاف المطلوب إن القاضي لم يحكم عليه بمال. وقوله: (فَإِنْ نَكَلَ) أي: المطلوب. (لَزِمَهُ) أي: المال (بِغَيْرِ يَمِينِ الطَّالِبِ) وفي بعض النسخ: (بَعْدَ يَمِينِهِ) أي: الطالب وهي الصواب. وفي الأول نظر لوجهين. أولهما: كيف يمنع على ما ذكره المصنف الشاهد واليمين، ويقبل فيه النكول واليمين، والثاني أضعف على أصل المذهب. ثانيهما: أنها خلاف المدونة؛ لأن فيها في الأقضية: وللطالب أن يحلف المطلوب بالله أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها، فإن نكل حلف الطالب وثبتت له الشهادة، ثم ينظر فيها الذي ولي بما كان ينظر المعزول، وفي كتاب ابن سحنون أيضاً عن أبيه: أن المطلوب يحلف على ما في ديوان القاضي من شهادة أو إقرار أو قضاء، فإن نكل حلف الطالب وثبت له ما ادعى. وَالسَّفِيهُ وَالْعَبْدُ كَالرَّشِيدِ لا كَالصَّبِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: إذا شهد للسفيه والعبد شاهد فإنهما يحلفان الآن كالرشيد، وليس كالصبي على المشهور، وفهم منه أن الصبي لا يحلف، وهو المعروف، وعن مالك أن الصبي يحلف. ابن رشد: وهو غريب. وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: في العبد والسفيه، وظاهره أن الشاذ يراهما كالصبي، وذكر الباجي والمازري الشاذ في السفيه وأخذاه من رواية ابن حبيب عن مطرف، قال: يحلف المطلوب ويؤخر، فإذا رشد السفيه حلف مع شاهده.
следующие страницы →