Полный текст (4 728 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
والْمُقَدَّمُ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ ولَوْ كَانَ الْخِيَارُ لأَحَدِهِمَا عَلَى الْمَنْصُوصِ. وخَرَّجَهَا اللَّخْمِيُّ عَلَى الْخِلافِ فِي الْفَوْتِ بِالْمَوْتِ .....
لأن أسماء بنت عميس غسَّلت زوجها أبا بكر ﵄، وغسَّلت أبا موسى زوجته، وغسَّل عليُّ فاطمة، وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ إلا أزواجه. رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم ينكر عليها أحد.
أشهب: وتغسله زوجته وإن لم يبن بها. سحنون: وكذلك يغسلها هو. وهذا حكم النكاح الصحيح، وأما الفاسد مما يفسخ قبل البناء وبعده كالشغار فلا يغسل أحدهما الآخر، وإن كان مما يفسخ قبل البناء فقط غسل أحدهما صاحبه بعد البناء لا قبله.
وقوله: (ولَوْ كَانَ الْخِيَارُ لأَحَدِهِمَا) يريد: بشرط الإسلام. قال في النوادر: وليس للمسلم غسل زوجته النصرانية، ظ ولا تغسله هي إلا بحضرة المسلمين؛ إذ لا تؤمن من إذا خلت به، ونقله المازري أيضاً. قوله (وخَرُّجَهَا) أي: المسألة. ولفظ اللخمي: وإن ظهر بأحدهما عيب جنون أو جذام أو برص فلا غسل بينهما. وهذا يصح على قول ابن القاسم؛ لأنه يقول: إذا وقع الطلاق والموت فات موضع الرد. وأما على قول عبد الملك فإنه إذا مات الزوج وكان العيب به غسلته؛ لأن الإجازة خير لها فتأخذ الصداق من الميت والميراث، وإن كان العيب بها كان لأوليائه أن يقوموا بالعيب، ويمنعوها الميراث والصداق فلا تغسله، وإن كانت هي الميتة والعيب بها، وقام الزوج بالعيب ليسقط عن نفسه الصداق وكانت فقيرة لم يغسلها، وكذلك إذا كان العيب به وقام أولياؤها بالعيب ليمنعوه الميراث لم يغسلها.
المازري: في هذا التخريج عندي نظر؛ لأن الخيار إذا وقع برد العصمة بعد الموت، فهل يكون [١٠٦/ أ] رافعاً لها الآن، أو رافعاً لها من حين العقد؟ هذا أصل مختلف فيه،
стр. 632
فيخرج على هذه الطريقة الاختلاف في هذا الأصل، إلا أن يحتاط للغسل، فيرفع منه الخلاف فلا يباح. والظاهر من نصوص أصحاب هذه الطريقة أنهم يرون الاختيار إذا وقع بالرد، فكأن العصمة لم تكن في منع الميراث، وما في معناه من حقوق الزوجية. انتهى.
وكلام المصنف واللخمي يقتضي عموم الخلاف. وقال ابن عات: إن كان العيب بالحي لم يغسل الميت، وإن كان بالميت ففيه تنازع، والقياس منع الغسل. نقله ابن هارون.
فرع:
وفي حكم الزوجين، السيد وأمته، ومدبرته، وأم ولده، وضابطه أن إباحة الضبط إلى حين الموت يبيح الغسل من الجانبين، بخلاف المكاتبة والمعتق بعضها والمعتقة إلى أجل، ولا يقضي للأمة المدبرة على الأولياء باتفاق. وإذ قلنا بالغسل فالمشهور: يستر كل واحد منهما عورة صاحبه، خلافاً لابن حبيب: إلا أن يحتاج الغاسل منهما إلى معونة غيره، فليستر حينئذ بلا خلاف.
فرعان:
الأول: نص علماؤنا على أنه لا ينبغي أن يحضر مع الغاسل إلا من يعنيه.
الثاني: إذا أجزنا للمرأة غسل زوجها، فقال ابن الماجشون: لها أن تجففه وتكفنه، ولا تحنطه؛ إذ هي حاد إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملا، أو تكون بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل، ولا تمس الطيب إلا الميت.
وفِي الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ قَوْلانِ
المشهور: المنع. وقال ابن نافع بالجواز. واعلم أن الخلاف جار ولو قلنا أن الرجعية محرمة الوطء. ابن شاس: وروي عن ابن القاسم في العتبية أنه يغسلها وأنه يحدث بالموت
стр. 633
من إباحة الرؤية لها ما لم يكن في حال الحياة لحق الموارثة. ولو تزوج أخت زوجته فأجاز ابن القاسم في المجموعة أن يغسلها، ثم كرهه. وقال أشهب: أحب إلي ألا يفعل. وقال ابن حبيب: وللزوجة أن تغسل زوجها. وإن وضعت ما في بطنها وانقضت عدتها. قال ابن الماجشون: إذا وضعت على سريره فيجوز لها أن تنكح زوجاً غيره، ويجوز لها أن تغسله. انتهى. وانظر كلام ابن عبد السلام.
وفِي الْقَضَاءِ لَهُمَا: ثَالِثُهَا: يُقْضَى لِلزَّوْج دُونَهَا. وعَلَى الْقَضَاء لَوْ كَانَ الزَّوْجُ رَقِيقاً وأَذِنَ السَّيِّدُ فَقَوْلانِ .....
القضاء لابن القاسم وهو الظاهر؛ لأن من ثبت له حق فالأصل أن يقضي له به.
والثاني حكاه ابن بشير ولم يعزه. والتفرقة لسحنون؛ لأن الرجل له أولياء يغسلونه، فلو قضينا للزوجة لأسقطنا حقهم بخلاف العكس، فإن أولياءها لا يغسلونها.
اللخمي: وإن لم يكن للزوج ولي أو كان وعجز عن الغسل، أو أحب أن يجعل إلى غيره كانت الزوجة أحق، وقضى لها قولاً واحداً. انتهى.
قوله: (وعَلَى الْقَضَاء لَوْ كَانَ الزَّوْجُ رَقِيقاً) القضاء في العبد أيضاً لابن القاسم، ونفى القضاء لسحنون نظراً إلى عدم التوارث.
وإِذَا امْتَنَعَا أَنْ يُغَسِّلا أَوْ غَابَا فَلِلأَوْلِيَاء عَلَى تَرْتِيبِ الْوِلايَةِ
يعني: الزوج، والزوجة. وكلامه ظاهر
والْبِنْتُ وبِنْتُ الابْنِ لِلْمَرْأَةِ كَالابْنِ وابْنِهِ لِلرَّجُلِ
وهكذا ذكر المسألة اللخمي، وابن شاس، وابن بشير. وفي بعض النسخ: والبنت وبنت البنت، وعليها تكلم ابن راشد.
стр. 634
خليل: والنسخة الأولى أحسن؛ لأنه لا شك أن بنت الابن أولى من بنت البنت؛ لأنها تتوصل بالبنوة.
فروع:
الأول: قال سحنون: واسع غسل الميت بالماء وحده سخناً وبارداً.
الثاني: استحب أشهب السدر في تنظيف لحيته ورأسه على الغاسول، وغيره.
الثالث: قال ابن القاسم في المجدور ومن غمرته الجراح، ومن إذا مس انسلخ جلده: إنه يصب عليه الماء صباً، ويرفق به. قاله مالك. وقال مالك: ومن وجد تحت الهدم قد تهشم رأسه وعظامه، والمجرور، والمنسلخ فليُغسلا ما لم يتفاحش ذلك منهما. وإذا لم يوجد من الميت إلا مثل الرأس أو الرجل فلا يغسل، ولا يغسل إلا ما يصلي عليه. قاله مالك.
الرابع: قال ابن حبيب: لا بأس عند الوباء وما يشق على الناس من غسل الموتى لكثرتهم أن يجتزئوا بغسلة واحدة بغير وضوء، يصب عليه الماء صباً. ولو نزل الأمر الفظيع وكثر الوباء جداً وموت الغرباء فلا بأس أن يقبروا بغير غسل إذا لم يوجد من يغسلهم، ويجعل منهم النفر في قبر. وقاله أصبغ وغيره من أصحاب مالك.
المازري: وهذا الذي قاله ابن حبيب صحيح.
الخامس: لابد من تنشيف الميت قبل تكفينه، وهل ينجس الثوب الذي ينشف به أو لا؟ قولان مبنيان على نجاسة الميت. قال صاحب البيان وصاحب التنبيهات: والصحيح أن الآدمي لا ينجس بالموت.
السادس: [١٠٦/ ب] يستحب التكفين إثر الغسل، فإن غسل بالعشي وأخر التكفين إلى الغد فلا يعاد غسله وقد ترك الأولى. قاله ابن القاسم في العتبية.
стр. 635
ويَجِبُ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ بِسَاتِرٍ لِجَمِيعِهِ، ويُوَارَي شَهِيدُ قِتَالِ الْعَدُوِّ فِي الْمُعْتَرَكِ فِي ثِيَابِه الَّتِي مَاتَ فِيهَا، فَإِنْ قَصَرَت عَنِ السَّتْرِ زِيدَ ...
أما وجوب التكفين فنص عليه المازري وصاحب المقدمات وغير واحد.
وأما قوله (لِجَمِيعِهِ) فهو ظاهر كلامهم. وفي التقييد والتقسيم أن الزائد على ستر العورة سنة.
وقوله (ويُوَارَي ...) إلى آخره، أي: من غير غسل ولا صلاة. فإن قيل: فَلِمَ غُسِّلَ الأنبياءُ وصلي عليهم مع أنهم أكمل؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن المزية بأمر لا تقتضي الأفضلية، ألا ترى ما ورد من أنه إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا صلى أقبل يوسوسه. الثاني: أن الصحابة فهموا الخصوصية في شهيد المعترك فبقي ما عداه على الأصل، ولأن للشرع في إبقائهم على حالهم غرضاً، وهو البعث عليها؛ لقوله ﵊: "زملوهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة، اللون لون دم، والريح ريح مسك". الثالث: تشريع وأسوة.
ودليل قوله: (فَإِن قَصَرتْ عَنِ السِّتْرِ زِيدَ) حديث مصعب بن عمير أنه قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسه، فقال النبي ﷺ : "غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه شيئاً من الإذخر".
وفِي الدِّرْعِ والْخُفَّيْنِ والْقُلُنْسُوَةِ والْمِنْطَقَةِ قَوْلانِ
اتفق المذهب على أنهم لا يدفنون بالسلاح كالسيف والرمح والسكين. واختلف فيما ذكر. فرأى ابنُ القاسمِ الدرعَ من السلاح. فقال: ينزع. ولم يره مالك منه فقال: لا ينزع الثوب من الحديد الذى يقيه، ويدفن به إلا المنطقة. قال ابن القاسم: لا ينزع الفرو، ولا القنسوة، ولا الخفاف. وفى العتبية عن مطرف: ولا المنطقة إلا أن يكون لها خطب. وقال
стр. 636
أشهب: ينزع القنسوة والخفاف. قال فى البيان: ذهب مالك وابن نافع ومطرف إلى أنه لا يُنزع منهم شئٌ مما هو فى معنى اللباس، وإن لم يكن من الثياب قياساً على الثياب حاشا درع الحديد؛ لأنها من السلاح. وذهب ابن القاسم إلى أنه ينزع منهم ما عدا الثياب تعلقاً بظاهر قوله ﵊: "زملوهم بثيابهم". انتهى.
ويُنْزَعُ الْخَاتَمُ بِفَصِّ ثَمِينٍ، وخَرَّجَهُ اللَّخْمِىُّ عَلَى الْمِنْطَقَةِ
تصوره ظاهر، وظاهر قوله: (بِفَصِّ ثَمِينٍ) أنه لا ينزع إذا كان فصه لا خطب له. وقد نص عليه ابن نافع في العتبية. ويتعرض على تخريج اللخمي بأن الخاتم ليس من السلاح في شيء، وأما المنطقة ففيها معونة على القتال، فأشبهت الدرع. ونص التونسي على أن النفقة اليسيرة في المنطقة لا تنزع، بخلاف الكثيرة كفص الخاتم.
وأَمَّا الْمَطْعُونُ والْغَرِيقُ وصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ والْمَبْطُونُ والْحَرِيقُ وذُو الْهَدْمِ وذَاتُ الْحَمْلِ فَكَغَيْرِهِمْ وإِنْ كَانُوا شُهَدَاءَ ...
أي: يغسلون ويكفنون، وهو ظاهر.
وقوله: (وذَاتُ الْحَمْلِ) يدل على أنه ينحو منحى من فسر قوله ﵊: "والمرأة تموت بجمع النفاس" وهو الأكثر والأظهر. قاله ابن عبد البر، قال: واختلف على هذا القول، هل ذلك سواء ماتت والولد في بطنها أم لا؟ ويشترط أن تموت والولد في بطنها وقد تم خلقه. وقيل: هي التي تموت بكراً لم يمسها الرجل. وقيل: هي التي تموت قبل أن تحيض وتطمث. وجمع بضم الجيم وكسرها.
وأَمَّا الْمُحْرِمُ فَكَغَيْرِهِ ويُطَيَّبُ
زاد في الجواهر: وكذلك المعتدة فهي كغيرها، فلا تصان عن الطيب. والأصل فيه العمل وانقطاع التكليف، وتعليله في الحديث بأنه يبعث ملبياً لا يأخذ منه تعميم ذلك
стр. 637
الحكم؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بالوحي، والنبي ﷺ لما علم أن ذلك المحرم يبعث ملبياً أمر بما أمر، ونحن لا نعلم ذلك. قال المازري وغيره: فيه تنبيه على خلاف الشافعي.
وأَقّلُّهُ ثَوْبٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِهِ، وأَكْثَرُهُ سَبْعَةٌ، ولا يُقْضَى بِالزَّائِدِ مَعَ مُشَاحَّةِ الْوَرَثَةِ إِلا أَنْ يُوصِيَ بِهِ، ولا دَيْنَ مُسْتَغْرِقٌ فَيَكُونَ فِي ثُلُثِهِ. وقِيلَ: يُقْضَى بِثَلاثَةٍ مُطْلَقاً.
الكفن من رأس المال، ويقدم على الدين. قال مالك: وإن كان الكفن مرهوناً فالراهن أحق به. قال في البيان: ولا خلاف في ذلك، والزائد على السبعة سرف. ولا يقضي بالزائد على الواحد مع مشاحة الورثة؛ لأن الزائد مستحب، والمستحب لا يقضى به. وقال عيسى: يجبر الغرماء والورثة على ثلاثة أثواب.
المازري: وهذا لا يقتضيه نظر إلا أن تجري به عادة. وقال ابن عبد السلام: هو الظاهر؛ لأنه غالب كفن الناس، وهو كلباسه في الحياة. ووقع لسحنون أنه قال إذا [١٠٧/ أ] أوصى بثوب واحد، فزاد بعض الورثة ثانياً أنه لا ضمان عليه إن كان في المال محمل. ابن بشير: وهو يشعر بأن الاقتصار على الواحد منهي عنه.
قال في البيان: ويكفن في مثل ما كان يلبسه في الْجُمَع والأعياد في حياته، ويقضى به عند اختلاف الورثة فيه.
قوله: (إِلا أَنْ يُوصِيَ بِهِ) فيكون في ثلثه. قال في الجواهر: لو أوصى بسرف في عدد الكفن، أو جنسه أو الحنوط أو غير ذلك، كان السداد في رأس المال. واختلفت الرواية في الزائد هل يسقط أو يلزم من الثلث؟ انتهى. واختار التونسي وغيره السقوط. قال صاحب البيان: وهو الصواب.
стр. 638
وخُشُونَتُهُ ورِقَّتُهُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، والاثْنَانِ أَوْلَى مِنْ الْوَاحِدِ، والثَّلاثَةُ أَوْلَى مِنَ الأَرْبَعَةِ
أي: يكفن بما جرت به عادته يلبسه في حياته؛ لأن النقص من ذلك، والزيادة عليه خروج عن المعتاد، وينبغي أن يكون الحكم كذلك في الحنوط، وما يتعلق بالدفن. ولما كان المطلوب في الكفن شيئين: الستر، والوتر، وكان الستر واجباً، والوتر مندوباً كان الاثنان أولى من الواحد؛ لأن الثاني مكمل للواجب، فإن كمال الستر لا يحصل بالواحد، وكانت الثلاثة أولى من الأربعة؛ لحصول الستر، والوتر في الثلاثة.
ولَوْ سُرِقَ بَعْدَ دَفْنِهِ فَثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يُقْسَمْ مَالُهُ أُعِيدَ
القول بلزوم الإعادة لابن القاسم، قال: علي ورثته أن يكفنوه من بقية تركته، وإن كان عليه دين محيط. ومقابله لأصبغ، والثالث لسحنون، ونص ابن عبد الحكم وابن سحنون على أنه إذا كفن ثم وجد الكفن الأول أنه ميراث. قال محمد بن عبد الحكم: إلا أن يكون على الميت دين فيكون للغرماء. وكذلك نص أبو العلاء البصري على عكس هذه المسألة، وهو إذا عدم الميت، وبقي الكفن كما لو أكلته السباع، أن يرجع للورثة.
وفِي الزَّوْجَةِ: ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَعَلَى الزَّوْجِ
أي: وفي كفن الزوجة. والقول بأنه على الزوج- وإن كانت موسرة- لمالك في الواضحة. وجعله من ملازم العصمة كالنفقة. والقول بأنه لا شيء عليه مطلقاً لابن القاسم. ونسبه ابن شاس لسحنون نظراً إلى انقطاع العصمة. والقول الثالث نسبه ابن شاس وابن راشد لمالك في العتيبة. ونسبه في الرسالة لسحنون، وهو استحسان غير قياس. قاله غير واحد.
وفِي كَفَنِ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ كَالأَبِ والابْنِ قَوْلانِ
اللزوم لابن القاسم وابن الماجشون تبعاً للنفقة. وقال المازري: لا يتبع ذلك الإنفاق. وقال أصبغ: لا يلزمه ذلك إلا في عبيده. وصوَّب ابن حبيب اللزوم.
стр. 639
ويُكَفَّنُ الْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ
هذا ظاهر، فإن لم يكن أو كان ولم يتوصل إليه فعلى المسلمين كسائر فروض الكفاية.
وفِي الْحَرِيرِ: ثَالِثُهَا: يَجُوزُ لِلنِّسَاء
يعني: أنه اختلف في جواز التكفين بالحرير وكراهته. والتفصيل على ثلاثة أقوال: والكراهة مذهب المدونة، ولفظها: يكره في كفن الرجالِ والنساءِ الخزُّ، والمعصفر، والحرير، ويكفن في العصب، وهو الحبر. والجواز رواه ابن وهب عن مالك. والتفصيل لابن حبيب. ولا يخفى عليك وجه كل قول، وانظر هل الكراهة التي في المدونة على المنع أو لا؟ وحمله اللخمي على المنع؛ لأنه نسب للمدونة المنع، وهو ظاهر كلام المصنف؛ لأنه لا يؤخذ من كلامه الكراهة. وهو أيضاً ظاهر كلام ابن الجلاب لقوله: ولا يكفن في خز، ولا وشي، ولا في ثوب نجس. أما العلم الحرير في الثوب فلا بأس بالتكفين فيه. رواه ابن القاسم.
وأَفْضَلُهُ الْبَيَاضُ والْقُطْنُ والكتان، ويَجُوزُ بِالْمَلْبُوسِ السَّاتِرِ ويُكْرَهُ السَّوَادُ
البياض أفضل لموافقته ﷺ ؛ ولهذا قال الأصحاب: إن القطن أفضل؛ لأنه به كفن ﷺ . فقد روى مالك أنه كفن ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية. والسحولية منسوبة إلى سحول؛ بلد باليمن. وقيل: سحول هو القطن. وقيل: السحولية: البيض. وفي حديث آخر يذكر البيض فيكون هو المراد. قوله أبي بكر ﵁: الحي أولى بالجديد من الميت؛ يوضح لك إجازة الملبوس.
أشهب: والكفن الخلق والجديد سواء. ابن عات وابن راشد: ونحو الأسودِ الأزرقُ والأخضر.
وفِي الْمُعَصْفَرِ قِوْلان
كرهه في المدونة؛ لأنه ليس بطيب، ومخالف للمشروع في الكفن وهو البياض، وأجازه في المجموعة. وأجازه ابن حبيب للنساء، وكرهه للرجال.
стр. 640
ويَجُوزُ بِالْوَرْسِ والزَّعْفَرَانِ
لأنهما من أنواع الطيب.
والْقَمِيصُ والْعِمَامَةُ مُبَاحٌ
المشهور من المذهب أن الميت يقمص ويعمم. وروى يحيى بن يحيى أن المستحب لا يقمص، ولا يعمم [١٠٧/ب] وحكى ابن القصار عن مالك كراهة التقميص، نقله المازري. وعلى المشهور، وظاهر الرسالة أن التعميم من قبيل الجائز؛ لقوله: ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم. قال اللخمي وابن يونس: ومن المدونة قال مالك: من شأن الميت عندنا أن يعمم. فمقتضاه الاستحباب، وعليه فهمها اللخمي. مطرف: ويعمم تحت لحيته كما يعمم الحي، ويترك منها قدر الذراع ذؤابة تطرح على وجهه. وكذلك يفعل بخمار المرأة لأنه كالعمامة للرجل. وروى مطرف عن مالك أن أبلغ الأكفان وأحبها خمسة أثواب: قميص، وعمامة، ومئزر، ومدرجان. وروي عن مالك أنه استحب التكفين في ثلاثة أثواب؛ يريد غير العمامة والمئزر. قال: ولم يؤزر النبي ﷺ ولا عمم، وإنما كفن في ثلاثة أثواب، أدرج فيها إدراجاً. قال ابن القاسم في العتبية: وهو أحب إليّ. نقله ابن يونس. وفي كتاب ابن شعبان: ويخاط الكفن على الميت، ولا يترك بغير خياطة. أشهب: ويشد الكفن عند رأسه ورجليه، ثم يحل ذلك في القبر، وإن ترك عقده فلا بأس، ما لم تنتشر أكفانه.
ويُسْتَحَبُّ الْحَنُوطُ والْكَافُورُ أَوْلاً
الحنوط: ما يطيب به الميت، ولا بأس فيه بالمسك والعنبر والكافور أولاً، لأنه مع كونه طيباً يشد الأ‘ضاء.
стр. 641
ومَحَلُّهُ مَوْضِعُ السُّجُودِ ومَغَابِنُ الْبَدَنِ ومَرَاقُّهُ وحَوَاسُّهُ ورَاسُهُ ثُمَّ سَائِرُ الْجَسَدِ مِنْ تَحْتِ الْكَفَنِ لا فَوْقِهِ ....
فعل في مواضع السجود تشريعاً لها، وهي السبعة. ومغابن البدن لسرعة تغيرها وهي ما خفي من الجسد كالإبطين وتحت الركبتين، والمراق قريبة من المغابن.
عياض: وهي بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق من جلده، كالمغابن، والإبط، وعكن البطن. وقال ابن اللباد: المراق: مخرج الأذى. وقال العتبي: هي ما بين الإليتين والدبر. وقال الهروي: هي ما سفل من بطنه ورفغيه، وما هنالك والمواضع التي رق جلدها. قال: وهذا قريب بعضه من بعض. والرفغ- بضم الراء وفتحها- أصل الفخذ، وما بينه وبين الفرج. انتهى. والحواس: الأذنان، والعينان، والفم، والأنف لما قد يخرج منها، ولهذا يلصق عليها القطن. قال سحنون: ويسد دبره بقطنة فيها طيب ويبالغ فيها برفق، وإن لم يكفِ الطيب جميع المواضع. فنقل ابن مزين عن ابن القاسم أنه يبدأ بالسواجد، والحذر الحذر مما يفعله بعض الجهلة من إدخال القطن داخل دبره. وكذلك يحشون أنفه، وفمه، وذلك لا يجوز.
ولا يُسْتَحَبُّ حَمْلُ أَرْبَعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
مذهب المدونة جواز حمل السرير على ما أمكن، ولا مزية لعدد على عدد. والشاذ لابن حبيب، وأشهب: يستحب حمل أربعة لئلا يميل. قال ابن حبيب: يستحب أن يحمل من الجوانب الأربعة، ويبدأ بمقدم السرير الأيسر- وهو يمين الميت- فيضعه على منكبه الأيمن، ثم يختمه بمقدمه الأيمن- وهو يسار الميت- قال: وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة. ونقل المازري عن أشهب أنه قال: يبدأ بمقدم الأيمن من الجانب الأيمن ثم المؤخر. قال المازري: يريد الأيمن، ثم المقدم الأيسر، ثم المؤخر الأيسر. انتهى.
стр. 642
ابن القاسم: ولا يترك ستر المرأة بقبة في حضر أو سفر إن أمكن. قال مالك: وأول من فعل بها ذلك زينب زوج النبي ﷺ ، واستحسنه عمر إذ ذاك. وقال الواقدي: أول من فعل به ذلك فاطمة ﵂.
ابن حبيب: ولا بأس بحملها على دابة إذا لم يوجد من يحملها.
أشهب: وحمل الصبي على الكف أحب إلي من حمله على الدابة والنعش. قال ابن القاسم في العتبية: كره مالك لمن على غير وضوء أن يحمل الجنازة، لينصرف إذا بلغت. ويكره إعظام النعش، وأن يفرش تحت الميت قطيفة حرير، ولا بأس بستر الكفن بثوب ساج، ولا بأس أن يجعل على كفن المرأة الرداء الوشي وغيره، ولا أحب الأحمر والملون. ولا يمشي بالجنازة الهويني، ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته. ويكره أن يتبع الميت بمجمر. ولا يقرأ على الجنازة، ولا يصاح خلفها، ولا ينادى استغفروا لها. وسمع سعيد ابن جبير شخصاً يقول ذلك، فقال: لا غفر الله لك. قال مطرف عن مالك: ولم يزل شأن الناس الازدحام على حمل جنازة الرجل الصالح. ولقد انكسر تحت سالم بن عبد الله نعشان، وتحت عائشة ثلاثة.
ابن وهب: ولا بأس بحمل الميت من البادية إلى الحاضرة، ومن موضع إلى موضع آخر يدفن فيه. قال المازري: ظاهر المذهب جواز نقل الميت. وقد مات سعيد بن [١٠٨/أ] زيد، وسعد بن أبي وقاص، فحمل إلى المدينة؛ وهذه الفروع كلها من النوادر، وذكر ابن عبد البر أن سعد بن أبي وقاص حمل من قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال. قال في البيان: والنداء بالجنازة في المسجد لا ينبغي، ولا يجوز باتفاق؛ لكراهة رفع الصوت في المسجد، وأما النداء على باب المسجد فكرهه مالك في العتبية؛ لقوله ﷺ : "إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية". والنعي عندهم أن ينادَى في الناس: ألا إن فلاناً قد مات. واستخفه ابن وهب، وأما الأذان بها والإعلام من غير نداء فذلك جائز بإجماع. انتهى.
стр. 643
وفِي التَّشْييعِ: ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: الْمُشَاةُ يَتَقَدَّمُونَ، وأَمَّا النَّسَاءُ فَيَتَأَخَّرْنَ
يعني أنه اختلف: هل الأفضل المشي أمامها لأنهم شفعاء، أو خلفها لأن يعتبر في الموت أو يفصل –وهو المشهور- فيتقدم المشاة ويتأخر الركبان. قال ابن شهاب: المشي خلفها من خطأ السنة، وعليه العمل كالخلفاء. وحكى بعضهم رابعاً بالمشي أمامها إلى المصلى، ثم خلفها إلى القبر. وحكى في البيان خامساً بالتسوية، وهو قول أبي مصعب. وسادسها بأنهم يمشون خلفها إلا أن يكون ثم نساء فيمشون أمامها لئلا يختلط النساء والرجال، وأما النساء فيتأخرن باتفاق.
فرع:
قال في الجلاب: ولا بأس بالجلوس قبل وضع الجنازة، وليس على من مرت به جنازة أن يقوم. ومن صحبها فلا ينصرف حتى يأذن له أهل الميت، إلا أن يطول ذلك، فينصرف قبل الإذن. انتهى. والدليل على الفرع الأول ما قاله سحنون أن الصحابة ﵃ كانوا يجلسون قبل أن توضع الجنازة عن الرقاب. ونبه بالفرع الثاني على خلاف من قال أنه يقوم لها.
التلمساني: وقال ابن الماجشون: القيام لها من عمل البر، ولا شيء على من تركه. قال في البيان: وكان في الأول يقومون للجنازة ثم نسخ. فقد روي أنه ﵊ كان يقوم للجنازة ثم جلس، ثم أمرهم بالجلوس. قال: وذهب ابن حبيب إلى أنه إنما نسخ الوجوب، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فمأجور، وأما القيام على الجنازة حتى تدفن فلا بأس وليس مما نسخ. انتهى. وأما كراهة الانصراف عنها قبل الصلاة فهو ظاهر المذهب، ورواه ابن القاسم عن مالك في العتبية. وفي البيان: وقال في سماع أشهب: لا بأس أن يحمل الرجل الجنازة فينصرف، ولا يصلي وهو اختلاف من قوله. انتهى.
стр. 644
ويَجُوزُ لِلْقَوَاعِدِ، ويَحْرُمُ عَلَى مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ، وفيهِمَا بَيْنَهُمَا الْكَرَاهَةُ إِلا فِي الْقَرِيبِ جِدّاً كَالأَبِ والابْنِ والزَّوْجِ ....
يعني: حكم النساء في التشييع على ثلاثة أقسام: يجوز للقواعد، وهن من قعدن عن المحيض لعلو السن، ويحرم على من خشي منها الفتنة، ويكره لمن فقد منها الوصفان؛ أي: قصر سنها عن القسم الأول، ولا يخشى منها الفتنة إلا أن تعظم مصيبتها لموت أبيها، أو أخيها، أو زوجها فتنتفي الكراهة، هذا قوله في المدونة، وشرط فيها إذا كان مثلها يخرج على مثله، وكره ابن حبيب خروج النساء مطلقاً.
خليل: وهذا عندي أصوب في زماننا.
والصَّلاةُ عَلَى الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ وَاجِبَةً عَلَى الأَصَحِّ
أي: واجبة على الكفاية؛ وهو قول سحنون، وعبد الوهاب، ومحمد بن عبد الحكم، ومذهب الرسالة. قال القابسي: لم أجد لمالك فيها نصاً إلا أن إجازة مالك أن تصلى بتيمم الفريضة يدل على أنها ليست كالفرائض التي فرضها القرآن والسنة. قول أصبغ.
ابن محرز: والوجوب هو الأظهر من المذهب. المازري: وحكى ابن الجلاب أن مالكاً قال أنها واجبة. ولعل أبا الحسن لم يقف على هذا الذي حكاه ابن الجلاب. انتهى. وفي تلقين الشارقي أنها مستحبة؛ وحكاه ابن عيشون عن مالك. وإذا حمل على ظاهره كان في المسألة ثلاثة أقوال.
فرع:
إذا سقط حضور الجنازة لقيام غيره بها فذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم إلى أن صلاة النوافل والجلوس في المساجد أفضل من شهود الجنازة مطلقاً. وذهب سليمان ابن يسار إلى عكسه مطلقاً. وفصل مالك فقال: الجلوس في المسجد أفضل، إلا أن يكون ممن له حق من جوار أو أحد ترجى بركة شهوده. قال ابن القاسم: وذلك في سائر المساجد. قال في البيان: وتفصيل مالك هو عين الفقه.
стр. 645
ولا يُصَلَّى عَلَى شَهِدٍ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ
تصوره ظاهر. قال أصبغ وغيره: والمرأة [١٠٨/ب] والصبي كالذكر البالغ.
وإِنْ كَانَ فِي بلادِ الإِسْلامِ عَلَى الأَصَحِّ
يعني: لا يصلى على الشهيد إن قتله العدو في بلاد الإسلام على أصح القولين، وهو قول ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وظاهر المدونة. ابن بشير: وهو المشهور. ورأى مقابل الأصح أن هؤلاء انحطت درجتهم عن درجة من دخل من المسلمين بلاد العدو، ونقله في الجواهر عن ابن القاسم، والمازري عن ابن شعبان.
ولَوْ كَانُوا نِيَاماً عَلَى الأَصَحِّ
يعني أنه اختلف: هل من شرط ترك الصلاة أن يحاربوا عن أنفسهم أولاً؟ فلا يصلى عليهم، ولو قتلوا نياماً على الأصح، وهو قول ابن وهب وأصبغ. ومقابله لابن القاسم في العتبية. ابن يونس: وبالأول أقول، وسواء كانت امرأة، أو صبي، أو صبية. وقاله سحنون، وهو وفاق لما في المدونة. انتهى.
ومَنْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ ولَمْ يَحْيَ حَيَاةً بَيِّنَةً فَكَذَلِكَ
أي: كالشهيد المقتول في المعترك لا يصلى عليه؛ لأن موته إنما كان من العدو.
وإِنْ لَمْ تَنْفُذْ فَكَفَيْرِ الشَّهِيدِ
أي: فيصلى عليه لاحتمال أن يكون موته من غير القتال.
وفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلانِ
أنفذت ولكن حيا حياة بينة كاليوم وشبهه. قال في الجواهر: فإن رفع من المعترك ثم مات فالمشهور من قول ابن القاسم أنه يغسل ويصلى عليه، إلا أن يكون لم يبق فيه إلا ما
стр. 646
يكون من غمرة الموت، ولم يأكل، ولم يشرب. وقال سحنون: إن كان على حال يقتل قاتله بغير قسامة فهو في معنى الميت في المعترك، وإن كان لا يقتل قاتله إلا بقسامة غسل وصلي عليه. انتهى.
ونقل المازري عن أشهب أن الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه من مات في المعترك، وأما من حمل إلى أهله فمات فيهم، أو حمل فمات في أيدي الرجال، أو بقي في المعترك حتى مات، فإنه يغسل ويصلى عليه. قال: وقال مالك: فإن عاش فأكل وشرب غسل وصلي عليه. وقال ابن القصار: إذا عاش يوماً فأكثر فأكل وشرب غسل وصلي عليه. ثم نقل عن سحنون القول المتقدم، ثم قال: فتلخص من هذا في أشكال الحياة اختلاف، فأشهب اعتبرها وأخرجه بها عن حكم الشهداء، وسحنون لم يعتبرها. وما حكيناه عن مالك وابن القصار متقارب. لكن ابن القصار لم يجعل مجرد الأكل والشرب علماً على الحياة هنا كما جعله مالك حتى حدده، فيمكن أن يكون مالك رأى مجرد الأكل والشرب كافياً في ثبوت الحياة، ولم يره ابن القصار حتى يقدر إليه الزمن الذي ذكره. انتهى.
ولَوْ كَانَ الشَّهِيدُ جُنُباً فَقَوْلانِ
يعني: أن سحنوناً اشترط في ترك الصلاة على الشهيد سلامته من الجنابة، وأما الجنب فيغسل ويصلى عليه. وقال أشهب وابن الماجشون: لا يشترط ذلك، فلا يغسل ولا يصلى عليه مطلقاً. قيل: وهو الأقرب.
فرع:
ولو وُجد بأرض العدو قتيل لا يدرون من قتله، فقال أشهب: يغسل ويصلى عليه.
سحنون: وإذا رموهم بأحجار أو نار، فوجد في المعترك من مات بأحد هذه الوجوه، ولا يدري هل قتله المسلمون أو المشركون هو محمول على أنه من فعل المشركين حتى يظهر خلافه.
стр. 647
ولا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَدْ صُلِّي عَلَيْهِ
هو المشهور. المازري: وقال الشافعي: تجوز إعادة الصلاة، كمن لم يصل عليه. وحكى ابن القصار ذلك عن مالك. ومال ابن العربي إلى الجواز.
ولا عَلَى مَنْ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبيِراً
قال في المدونة: ومن اشتَرى صغيراً من العدو أو وقع في سهمه، ثم مات صغيراً فإنه لا يصلى عليه، وإن نوى به سيده الإسلام إلا أن يجيب إلى الإسلام بأمر يعرف. انتهى. وذكر في البيان في الصغير من سبي أهل الكتاب هل يجبر على الإسلام أقوالاً.
مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك: لا يجبر، ولا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب. قال: وقيل: إنه يجبر على الإسلام، وإن كان معه أبوه. وهو قول الأوزاعي، والثوري، وظاهر رواية ابن نافع عن مالك في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة. واختيار أبي عبيد، قال: لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. وقيل: يجبر على الإسلام إلا أن يكون سُبي معه أبوه –كانا في بلد واحد أو لم يكونا- ولا يلتفت في ذلك إلى أمه؛ وهو قول المدنيين، وروايته عن مالك، ورواية معن بن عيسى. وقيل: إنه يجبر على الإسلام إلا أن يكون معه أحد أبويه فيكون تبعاً له ما لم تفرق بينهما الأملاك. وهو قول ابن الماجشون، قال: فإن مات قبل أن يجبر على الإسلام في الموضع الذي يجبر فيه فقيل: يحكم له بحكم الإسلام [١٠٩/ أ] لملك سيده إياه، وهو قول ابن دينار، ورواية معن بن عيسى عن مالك. وقيل: لا يحكم له بحكم بالإسلام حتى ينويه به سيده. قاله ابن وهب. وقيل: لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يرتفع عن حداثة الملك شيئاً، ويزينه سيده بزي الإسلام، ويشرعه بشرائعه؛ وهو قول ابن نافع. وقيل: لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب إليه، ويعقل الإجابة ببلوغه حد الإثغار ونحو ذلك. وقيل: لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب إليه بعد البلوغ؛ وهو مذهب سحنون.
стр. 648
وأما الصغير من سبي المجوس فلا اختلاف أنه يجبر على الإسلام، إلا أن يكون معه أبواه، أو أحدهما في ملك واحد، أو أملاك متفرقة. وعلى ما تقدم من الخلاف في سبي أهل الكتاب فإن مات قبل الجبر فعلى ما تقدم من الاختلاف. واختلف في الكبير من سبي المجوس، هل يجبر على الإسلام أم لا؟ على القولين. ولم يختلف في الكبير من سبي أهل الكتاب أنه لا يجبر على الإسلام. ومذهب ابن حبيب فيما ولد للنصراني في ملك المسلمين مثل قول ابن القاسم أنه لا يجبر على الإسلام بخلاف السبي. وذهب أبو مصعب إلى أنه لا يجبر بالسبي، ويجبر فيما ولد في ملك المسلمين، عكس تفرقة ابن حبيب، فهذا تحصيل الخلاف في هذه المسألة. انتهى.
ولَوِ ارْتَدَّ مُمَيَّزْ فَقَوْلانِ، ولَوْ أَسْلَمَ ونَفَرَ مِنْ أَبَوَيْهِ فَقَولانِ
هذا الفرع كالبعض من الذي قبله. وفي المدونة قال: ومن ارتد قبل البلوغ لم تؤكل ذبيحته، ولا يصلى عليه بناء على الحكم بكفره. وقال سحنون: يصلى عليه لأنه يجبر على الإسلام ويورث. ونقل ابن عبدوس اتفاق الأصحاب على قتل أولاد المسلمين إذا ارتدوا وتمادوا على الردة بعد البلوغ؛ ذكره المازري. وقوله: (ولَوْ أَسْلَمَ) أي: أسلم ولد الكافر قبل بلوغه، (ونَفَرَ مِنْ أَبَوَيْهِ) فقيل: يصلى عليه نظراً لحالته الآن. وقيل: لا لأنه لو رجع إلى دين أبويه لم يقتل. وذكر المصنف في باب الردة أن الأصح الحكم بإسلام المميز.
وفِي الْمُبْتَدِعَةِ قَوْلانِ
قد تقدم في كفرهم وفسقهم قولان، ولا إشكال على القول بالتفكير أنه لا يصلى عليهم. ووقع لمالك أنه لا يصلى على القدرية والإباضية وقتلى الخوارج، ولا تتبع جنائزهم، ولا تعاد مرضاهم، وهذا إما لأنهم عنده كفار- وإلى تأويل المدونة على هذا ذهب بعضهم- أو لأنهم فساق، ولكن تركت الصلاة تأديباً لهم. وهو تأويل سحنون
стр. 649
وغير واحد، وهو أظهر في مختصر ابن شعبان؛ أنه لا يصلى على من ذكر بالفسق والشر، وروى بعض المدنيين عن مالك أنه قال: من ترك الجمعة لم أرغب في الصلاة عليه إذا مات. وفي المجموعة عن مالك يصلى على كل مسلم، ولا يخرجه من دين الإسلام حدث أحدثه، ولا جرم اجترمه.
وكذلك قال ابن حبيب: يصلى على كل موحد، وإن أسرف على نفسه بالكبائر. وأشار المازري إلى أن القول بأنه لا يصلى عليهم محمول على أنه نهي عن الرغبة في الصلاة على مثل هؤلاء، إذا قام يفرض الصلاة غيره، ولهذا قال مالك في رواية ابن وهب في الميت المعروف بالفسق والشر: لا تصلِّ عليه واتركه لغيرك. قال: وأما إن كان المراد نهي الكل عن الصلاة على مثل هؤلاء فهو خلاف مذهب الأئمة، فلا تحمل هذه الرواية عليه. وروى ابن شعبان بسنده في مختصره عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وصلوا على من قال: لا إله إلا الله. وذكر أيضاً بسنده عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله فصلِّ عليه، واستغفر له، وحسابه على الله. ولهذا الذي أشار إليه المازري أشار المصنف.
ويَنْبَغِي لأَهْلِ الْفَضْلِ اجْتِنَابُ الصَّلاةِ عَلَى مُظْهِرِ الْكَبَائِرِ
فخصص ذلك بأهل الفصل، وهذا هو قول مالك المتقدم خلافاً لابن حبيب. وإنما لم يصل عليهم أهل الفضل غيرة لله، وردعاً لأمثالهم.
وفِي الإِمَامِ فِيمَنْ قُتِلَ حَدّاً قَوْلانِ
يعني: وفي صلاة الإمام. والمشهور: العدم. والشاذ لابن نافع، وابن عبد الحكم. وسبب الخلاف: هل صلى ﵊ على الغامدية؟ وروى اللخمي عكس المشهور، فأشار إلى أنه إذا أقيم عليه الحد فقد حصل له الردع، ومن مات ولم يحد فذلك
стр. 650
الذي يستحب للإمام التخلف عن الصلاة إليه. ونص أبو عمران على أن الإمام يصلي عليه إذا مات هذا المقدم للقتل خوفاً من القتل قبل إقامة الحد؛ لأن ترك الصلاة من توابع الحد. [١٠٩/ب] ونص في المدونة على أن الناس إذا قتلوا المحارب دون الإمام أن الإمام لا يصلي عليه.
ابن عبد السلام: وكلام المصنف غير واف بالمسألة؛ لأن من قتل قصاصاً يشارك المقتول حداً في هذا الحكم، وكلامه لا يعطي ذلك. فإن قيل: بل يعطيه لأن مراده بالحد العقوبة، وكأنه يقول من قتل عقوبة. قيل: الحد حقيقة عرفية في المعنى الذي ذكرناه، فمن أراد استعمالها في غير ذلك وجب عليه البيان. انتهى. وقوله: (قُتِلَ حَدّاً) يخرج من لم يكن حده القتل كالزاني البكر، والقاذف، ونحوهما، يموت بسبب ذلك، فقد نص في المدونة على أن الإمام يصلي عليه. قال المازري: وقد يتخرج على قول من يقول بترك الصلاة على أهل المعاصي ترك الصلاة على هذا. واختلف في علة ترك الإمام الصلاة على المشهور. فقيل: للردع والزجر، كما يكره لمن سواه من أهل الفضل الصلاة على أهل الكبائر. وقيده أنه ينتقم له بقتله، فلا يكون شافعاً له بالصلاة. انتهى.
قال في البيان: والأول: صحيح في المعنى إلا أنه لا يساعده قوله؛ لتفرقته فيه بين القتل وغيره. وفي الثاني نظر؛ إذ لا بعد في أنه ينتقم له منه بما شرعه في الدنيا، ويشفع له في العاقبة في الدار الآخرة.
ولا يُصَلَّى عَلَى سِقْطٍ مَا لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ بَعْد انْفِصَالِهِ بِالصُّرَاخِ. وفِي الْعُطَاسِ، والْحَرَكةِ الْكَثِيرَةِ، والرَّضَاعِ الْيَسِيرِ قَوْلانِ. وأَمَّا الرَّضَاعُ الْمُتَحَقَّقُ، والْحَيَاةُ الْمَعْلُومَةُ بِطُولِ الْمُكْثِ فَكَالصُّرَاخِ ....
السقط: بضم السين، وفتحها، وكسرها، ثلاث لغات مشهورات، قاله غير واحد. قال في الجواهر: يورى بخرقة ويدفن. والخلاف فيما ذكره مبني على خلاف في حال. والمنصوص عن مالك أنه إذا عطس، أو تحرك، أو رضع لا يحكم له بالحياة.
стр. 651
ابن حبيب: ولو أقام يتنفس يوماً، ويفتح عينيه، حتى يسمع له صوت. وفيه نظر. وأشكل من ذلك قول يحيى بن عمران: إن أقام عشرين يوماً أو أكثر لم يصرخ ثم مات، فلا يغسل ولا يصلى عليه؛ لأن الميت يتغير في أقل من ذلك. ويسير الحركة لا تعتبر اتفاقاً، وكثير الرضاع يعتبر اتفاقاً. وقطع المازري بأن الرضاع لا يكون إلا من حي، وأنكره غيره. ابن الماجشون: والبول لا يدل على الحياة لاحتمال أن يكون من استرخاء.
ويُصَلَّى عَلَى جُلَّهِ، وفِيَمَا دُونَهُ قَوْلانِ
يصلى على الجل بلا إشكال. ووقع لأشهب: إن وجد بعض بدن مع الرأس لم يغسل ولم يكفن، ولم يصلَّ عليه، حتى يوجد أكثر بدنه. ونقله المازري. وقال ابن بشير: لا خلاف أنه يصلى على الجل، إلا ما عند ابن حبيب، فإنه قال: إذا كان الجسد مقطعاً فلا يصلى عليه. وعلل ذلك بأن الصلاة لا تكون إلا بعد الغسل، وهذا لا يمكن غسله. وقوله: (وفِيَمَا دُونَهُ قَوْلانِ) يشمل النصف ودون. وحكى ابن بشير الخلاف فيهما. ومذهب المدونة أنه لا يصلى على ما دون الجل.
المازري: وهو المشهور. والشاذ لابن حبيب جواز تغسيل العضو والصلاة عليه، ووجهه ما ذكره عيسى بن دينار في كتاب ابن مزين أن أبا عبيدة ﵁ صلى على رأس وأيد بالشام. وقال ابن الماجشون: يصلى على الرأس إذا وجد. قال: لأن فيه أكثر الديات. واستشكل التونسي ترك الصلاة على النصف، فإن ذلك يؤدي إلى ترك الصلاة على النصف بأن ذلك مؤدٍّ لترك الصلاة بالكلية. قال في البيان: والعلة في ترك الصلاة على بعض الجسد عند مالك وأصحابه أن الصلاة لا تجوز على غائب، ويستخفوا إذا غاب منه اليسير؛ الثلث فما دون. انتهى. وبما علل صاحب البيان يندفع ما قاله التونسي. والله أعلم.
стр. 652
وفِي الصَّلاةِ عَلَى الْمَفْقُودِ مِنَ الْغَرِيقِ، ومَاكُولِ السَّبُعِ وشِبْهِهِ قَوْلانِ
القول بالصلاة لابن حبيب. واحتج بصلاة النبي ﷺ على النجاشي. وقال غيره من أصحابنا: لا يصلى عليه. قال في الجواهر: ويشترط حضور الجنازة، ولا يصلى على غائب. وقال ابن حبيب: يصلى على من أكلته السباع أو غرق.
ولا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ
وفي بعض النسخ زيادة على المشهور. واحتج في المدونة بالعمل، ووجه الشاذ حديث المسكينة، وذكر في الجواهر رواية. وقال في البيان: وروى ابن القصار عن مالك إجازة ذلك ما لم يطل، [١١٠/أ] وأقصى ما قيل فيه الشهر، وهو شذوذ في المذهب. انتهى. وعلى هذا فالشاذ الذي حكاه المصنف مقيد بما إذا لم يطل. وفي الاستذكار: روى ابن وهب: من فاتته الجنازة فليصلِّ على القبر إذا كان قريباً اليوم والليلة. على حديث المسكينة.
فَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلاةٍ فَقَوْلانِ، وعَلَى النَّفْيِ: فَثَالِثُهَا: يُخْرَجُ مَا لَمْ يَطُلْ
القول بالمنع لمالك في المبسوط، وقاله أشهب، وسحنون. سحنون: ولا أجعل ذلك وسيلة إلى الصلاة على القبر. وعلى الجواز جمهور أصحابنا، وهو مذهب الرسالة؛ لأن فيها: ومن دفن ولم يصل عليه. وروي فإنه يصلى على قبره. وعلى نفي الصلاة فقال مالك في المبسوط: لا يخرج، ويدعون له. والقول بأنه يخرج ولو بعد الطول لا أعلمه، وهو مشكل.
والذي حكاه ابن بشير أن هذا القول مقيد بما إذا لم يخش عليه التغيير، وهو قول سحنون، وقول عيسى، وروايته عن ابن القاسم. وكذلك حكى الباجي الثلاثة. والظاهر أنه لا يخرج مطلقاً كما اختار اللخمي؛ لإمكان أن يكون حدث من الله شيء.
ابن حبيب: ولو وضع الميت على شقه الأيسر، أو الحدوه على غير القبلة، أو ألحدوه منعكساً؛ رجلاه موضع رأسه، فإن عثر عليه بحدثان دفنه وقبل أن يخاف التغيير عليه
стр. 653
يحول، وإن لم يعثر عليه ولم يعلم حتى طال أمره وخيف عليه التغيير ترك. قاله ابن القاسم وأصبغ. ولو ذكر الإمام أنه صلى وهو جنب فإنها لا تعاد كالفريضة، ويكتفى بصلاة المأمومين لأنها تامة، ولا تعاد عليه من الإمام ولا من غ يره؛ لأنه لما صحت صلاة المأمومين لزم ألا تعاد على قاعدة المذهب، هكذا قال في العتبية. قال في البيان: ويدخل هنا من الخلاف ما في صلاة الفريضة إذا صلى الإمام ثم تبين له أنه حدث. ونص ابن القاسم في العتبية في امرأة نصرانية أسلمت وماتـ، فدفنت في قبور النصارى، على أنها تنبش وتخرج إلا أن تكون تغيرت. قال في البيان: وهذا لأن الكفار يعذبون في قبورهم وهي تتأذى بمجاورتهم؛ فوجب أن تنبش وتنقل لمقابر المسلمين.
وكَذَلِكَ مَنْ دُفِنَ ومَعَهُ مَالٌ لَهُ بَالٌ
أي: فتأتي الثلاثة الأقوال. وهكذا قال ابن بشير، فإنه قال بعد ذكره الخلاف المتقدم: ويلحق بهذا حكم من معه مال معتبر ثمنه، أو تمس الحاجة إليه. انتهى.
ويُكَبِّرُ أَرْبَعاً فَإِنْ زَادَ الإِمَامُ فَفِي التَّسْلِيمِ أَوِ الانْتِظَارِ قَوْلانِ
الذي أخذ به علماء الأمصار أربع تكبيرات حتى صارت الزيادة شعاراً لأهل البدع. قال في البيان: وانعقد الإجماع على ذلك في زمن عمر ﵁. قال ابن حبيب: واستقر فعله ﷺ على الأربع، ومضى عليه عمل الصحابة. والقول بالسلام إذا زاد الإمام لمالك في العتبية. والآخر له في الواضحة، وقاله ابن وهب وابن الماجشون وأشهب.
فرع:
ولو أن مسبوقاً فاته بعض التكبير، فهل يتبع الإمام في هذه الخامسة معتداً بها قضاء لما فاته؟ فقال أصبغ: يكبر معه، ويحتسب بها. وقال أشهب: لا يكبر معه، وإن كبر فلا
стр. 654
يحتسب بها ويقضي جميع ما فاته. قال في البيان: وقول أشهب هو القياس على مذهب مالك. وقول أصبغ استحسان على غير قياس.
فَإِنْ سَلَّمَ بَعْدَ ثَلاثٍ كَبَّرَهَا مَا لَمْ يَطُلْ فَتُعَادُ مَا لَمْ يُدْفَنْ فَتَجِيءُ الأَقْوَالُ
لأن كلاً من الأربع تكبيرات ركن، فإذا رجع لإصلاح الصلاة مع القرب اقتصر على النية. ولا يكبر لئلا تلزم الزيادة في عدده، فإن كبر حسبها في الأربع. وقوله: (فَتَجِيءُ الأَقْوَالُ) أي: فيمن دفن ولم يصلَّ عليه، هل يصلى على قبره أم لا؟ وعلى النفي هل يخرج أم لا؟
وفِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ: ثَالِثُهَا: الشَّاذُ لا يُرْفَعُ فِي الْجَمِيعِ
تصوره ظاهر؛ يعني أنه اختلف هل يرفع المصلي يديه في التكبير على الجنازة على ثلاثة أقوال: الرفع في الجميع. وعدمه في الجميع. وفي الأول دون ما بقي. وقوله: (الشاذ) يقتضي أن القولين الباقيين مشهوران. وهكذا قال ابن بشير؛ لأنه قال: والقول بأنه لا يرفع في الجميع شاذ، والقولان الآخران في المدونة. انتهى. والرفع في الأولى أشهر من الرفع في الجميع، وهو قول ابن القاسم. والقول بالرفع في الجميع رواية ابن وهب، واختاره ابن حبيب قال: وكان مطرف، وأصبغ، وابن الماجشون يرون أنه يرفع في أول تكبيرة من غير كراهة للرفع فيها كلها. والقول بأنه لا يرفع في الجميع حكاه ابن شعبان.
وفِي دُخُولِ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ التَّكْبيرَتَيْنِ أَوِ انْتِظَارِ التَّكْبيرِ قَوْلانِ
يعني: إذا وجد مسبوق الإمام قد كبر [١١٠/ ب] وتباعد ذلك فهل يكبر ويدخل مع الإمام، أو ينتظر الإمام؟ فإذا كبر كبر معه. مذهب المدونة الانتظار، ورواه ابن الماجشون أيضاً وقال به، والآخر رواه مطرف وأشهب وقالا به. واختاره ابن حبيب بناء على أنه هل تتنزل التكبيرات منزلة الركعات في غير هذه الصلاة، فيكون الداخل حينئذٍ كالقاضي في حكم الإمام أم لا؟ فيدخل كما يدخل في صلاة العيد. وقال مالك في
стр. 655
المختصر: يدخل في الصلاة بالنية بغير تكبير، فإذا كبر الإمام كبر معه. المازري: واختار القابسي أن يكبر إن أدرك بعد تكبيرة تحميد الله، والصلاة على نبيه ﷺ ، والدعاء بما تيسر قبل أن يكبر الإمام، وإن لم يمكنه ذلك ولو خفف فيه لم يكبر وانتظر الإمام. واعتل بأنه إذا لم يمكنه ذلك فإنه لم يحصل له سوى التكبير من غير دعاء. وإن استوى الحال كان التأخير أولى؛ ليقع القضاء بعد فراغ الإمام متوالياً.
وتعقب اللخمي هذا بقوله في المدونة: إن من فاته بعض التكبير يقضيه بعد فراغ الإمام متوالياً من غير دعاء، وإن كان كذلك كان التكبير وإدراك شيء من الدعاء الآن أولى من التأخير. اللخمي: وأما على القول بأنه يصلَّى على الغائب فيمهل حتى يكبر الإمام، فيكبر بتكبيره، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته، ويدعو فيما بين ذلك وإن غابت الجنازة عنه.
ورد المازري الأول بأن مالكاً إ نما قال: يكبر تباعاً؛ لأنه لو لم يفعل ذلك فإذا ارتفعت عنه الجنازة كان في معنى الصلاة على الغائب، وإن لم ترتفع كان في معنى تكرير الصلاة على الميت بخلاف الآتي، وقد سبقه ببعض التكبير. فإن القابسي إنما اختار التكبير إذا أدرك ما أدرك لحصول المقصود من الصلاة، بخلاف ما إذا لم يدرك المقصود منها. ورد الثاني بأن من منع الصلاة على الغائب إنما قال ذلك إذا افتتحت الصلاة أولاً على الغائب بخلاف هذه.
خليل: وفي قول المازري وإن لم ترفع كان في معنى تكرير الصلاة على الميت نظر. فإن المنصوص في الجلاب وغيره أن من سبق ببعض التكبير إذا تركت له الجنازة لا يكبر تباعاً، بل يدعو كما قال يفعل أولاً. وعلى المشهور فقال في المجموعة: يدعو في انتظاره.
وفِي اسْتِحْبَابِ الابْتِداَءِ بِالْحمْدِ والصَّلاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلانِ
المراد بالحمد هنا الثناء على الله تعالى لا سورة الحمد، والذي في الجلاب والرسالة وغيرهما من المختصرات الابتداء بالحمد، والصلاة على النبي ﷺ .
стр. 656
والقول بنفي الاستحباب ذكره ابن بشير، وكذلك الشوشاوي فإنه قال: قال مالك مرة: ليس فيه إلا الدعاء من غير حمد، ولا ثناء لقوله ﵊: "أخلصوا له الدعاء". ثم رجع فاستحب دعاء أبي هريرة، وفيه حمد وثناء. انتهى.
وكذلك ذكر المازري عن بعض شيوخه أنه اعتقد أن المذهب على قولين. قال: وقد خرج مسلم حديث عوف بن مالك وليس فيه إلا الدعاء خاصة. ووجه إثباته أن الشرع ورد بأن يبتدئ كل أمر ذي بال بالتحميد. وفي الترمذي أنه ﵊ أمر من يريد الدعاء أن يبتدئ بالحمد لله والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو. وقد قال عمر ﵁: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى يصلى على النبي ﷺ .
المازري: وإذا قلنا بالبداية بالحمد والصلاة على النبي ﷺ فأشار بعض المتأخرين إلى أنه لا يقتصر فيه على التكبيرة الأولى. وقال بعضهم: واسع أن يقتصر عليه بعد الأولى وأن يعاد بعد كل تكبيرة. انتهى. ونقل ابن زرقون عن أبي بكر الوقار أنه قال: يحمد الله في الأولى، ويصلي على النبي ﷺ في الثانية، ويشفع للميت في الثالثة.
وفِي الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ قَوْلانِ
قال ابن حبيب: يسلم من غير دعاء. وقال سحنون: يدعو ثم يسلم. وخيره صاحب الرسالة.
ولا يُسْتَحَبُّ دُعَاءٌ مُعَيَّنٌ اتِّفَاقاً ولا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ
هكذا قال ابن بشير أنه لا يستحب دعاء معين بلا خلاف. فإن قلت: يعارضه قول ابن أبي زيد: ومن مستحسن ما قيل في ذلك. وقوله في المدونة: أحب ما سمعته إلي. فالجواب: أما الرسالة فليس فيها دعاء مخصوص؛ إذ قال فيها قبله: ويقال في ذلك غير شيء، وذلك كله واسع. وأيضاً فالمستحب ما ثبت بنص، والمستحسن ما أخذ من
стр. 657
القواعد الكلية، وأما المدونة فإنما رجحه ولم يعينه. قوله: (ولا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) أي: ولا تستحب قراءة الفاتحة على المشهور، والشاذ استحبابها. وفي الجواهر: لهذه الصلاة أربعة أركان: النية، والتكبيرات، والدعاء للميت، والسلام. وزاد أشهب وابن مسلمة قراءة الفاتحة عقيب التكبيرة الأولى.
ابن رشد: وكان شيخنا القرافي يحكي عن أشهب الوجوب، ويقول: إنه يفعله. [١١١/ أ] واحتج بقوله ﵊: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". انتهى. ودليلنا ما قاله مالك: ليس العمل على القراءة فيها. قال ابن حبيب، والمازري، وغيرهما: روي ترك القراءة عن عمر، وعلي، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وكثير من الصحابة، والتابعين ﵃ أجمعين.
فروع:
الأول: إذا والى التكبير ولم يدع. فقال مالك في العتيبة: تعاد الصلاة ما لم يدفن، كالذي يترك القراءة في الصلاة. ابن حبيب: إلا أن يكون بينهما دعاء وإن قل.
الثاني: إذا صلى على جنازة يظنها امرأة فإذا هي رجل أو العكس، فدعا على ما يظنه، فصلاته تامة.
الثالث: لو صلى على الميت ونعشه منكوس –رأسه مكان رجليه- لم تعد الصلاة عليه.
الرابع: لو ذكر إمام الجنازة أنه جنب، أو رعف، فحكمه حكم المكتوبة في الاستخلاف، وقاله في العتبية.
الخامس: إذا ذكر صلاة في صلاة الجنازة، فقال ابن القاسم: لا يقطع. وفرق في البيان بين هذه وبين من ذكر صلاة في صلاة أن الترتيب فيما قل لازم، ولا ترتيب فيما بين صلاة الفريضة وصلاة الجنازة. ومثل قول ابن القاسم هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون، ولم يحك في ذلك خلافاً.
стр. 658
السادس: إذا قهقه الإمام أبطل عليه وعليهم، قاله في العتبية.
السابع: إذا جهلوا القبلة، ثم علموا بذلك قبل دفنها أو بعده، فقال ابن القاسم في العتبية: إن دفنوها فلا شيء عليهم، وإن لم يدفنوها فإني أستحسن أن يصلى عليها قبل الدفن، وليس بواجب. وفي البيان: رأى أشهب الإعادة ما لم تدفن. وسحنون لا يرى ذلك، ويرى أن بالسلام منها قد انقضت، ومن جهل القبلة يعيد في الوقت، ولا وقت هنا. ورأى أشهب أن حضور الجنازة كحضور الوقت ودفنه كفواته، واستحبّاب ابن القاسم الإعادة ما لم تدفن راجع إلى إسقاط وجوب الإعادة كقول سحنون. انتهى بالمعنى.
الثامن: من مات في البحر غسل وكفن، وصلي عليه، وأُنْظِرَ به البر إن طمع في إدراك ذلك اليوم وشبهه ليدفنوه، وإن كان البر بعيداً، وخافوا عليه التغيير، رمي في البحر مستقبل القبلة منحرفاً على شقه الأيمن. قال ابن حبيب: وتشد عليه أكفانه. قال ابن القاسم وأشهب: ولا يثقلوا رجليه بشيء ليغرق، كما يفعل من لا يعرف. وقال سحنون: يثقل بشيء إن قُدر. واحتج من لم ير التثقيل بأنه ربما ألقاه البحر إلى الساحل فيدفنه المسلمون، وفي تثقيله قطع لما يرجى له من الدفن.
وفِي الْجَهْرِ بالسَّلامِ قَوْلانِ
هذا الخلاف إنما هو في حق الإمام، وأما المأموم فإنه يسر. والمشهور: الجهر. قال في المدونة: ويسلم إمام الجنازة واحدة عن يمينه يسمع نفسه ومن يليه، ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط، وغن أسمع من يليه فلا بأس. وروي عن مالك أن الإمام يسر أيضاً.
المازري: ووجهه أن صلاة الجنازة ركن جرد عن الصلاة المعهودة، فلم يجهر فيها بالسلام؛ كسجود التلاوة، وعلى هذا فيعرف المأموم انقضاء صلاته بانصراف الإمام. وقال أشهب: يسلم الإمام تسليمتين عن يمينه وعن يساره، ويسلم القوم كذلك. والمشهور أنه
стр. 659
لا يرد المأموم على الإمام، وهو مذهب المدونة. وروى ابن غانم في العتبية، وابن حبيب في الواضحة أنه لا يرد على الإمام إلا من سمعه. المازري: وأشار بعض المتأخرين إلى أنه يمكن إجراء هذا الخلاف على جهر الإمام وإسراره، فعلى الجهر يرد عليه وإلا فلا.
وإِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ جَازَ أَنْ تُجْمَعَ فَيُجْعَلَ الذُّكُورُ الأَحْرَارُ البَالِغُونَ مِمَّا يَلِي الإمَامُ، الأَفْضَلُ فَالأَفْضَلُ ثُمَّ الصِّغَارُ ثُمَّ الأَرِقَّاءَ ثُمَّ الخَنَاثّى ثُمَّ أَحْرَارُ النِّسَاء ثُمَّ صِغَارُهُنَّ ثُمَّ أَرِقّاؤُهُنَّ كَذَلِك.
قوله: (وإِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ) يريد: والأجناس مختلفة؛ لأنه سيتكلم على الجنس الواحد. وقوله: (جَازَ أَنْ تُجْمَعَ) يعني في صلاة واحدة. قال في الجواهر: ويجوز أن تفرد كل جنازة بصلاة. وقوله: (الأَفْضَلُ فَالأَفْضَلُ) قال في الجواهر: ويقدم بالخصال الدينية التي ترغب في الصلاة عليه، فإن تساووا في الفضل رجح بالسن، فإن تساووا أقرع بينهم إلا أن يتراضى الأولياء على أمر. وقوله: (ثُمَّ الصِّغَارُ) اعلم أن المراتب اثنا عشر، وهذه كيفيتها:
أحرار ... أحرار ... خنثى ... خنثى ... خنثى ... خنثى ... نساء ... نساء
إمام ... ذكور ... ذكور ... عبيد ... عبيد ... أحرار ... أحرار ... عبيد ... عبيد ... حرائر ... حرائر ... إماء ... إماء
بالغون ... صغار ... بالغون ... صغار ... بالغون ... صغار ... بالغون ... صغار ... بالغات ... صغار ... كبار ... صغار
[١١١/ب] وهذه الاثنا عشر ذكرها صحاب البيان هكذا. وذكر المازري أنه يقدم الخصي على الخناثي فتكون ست عشرة مرتبة، ونقل عن ابن القاسم تقديم بالغي العبيد على صغار الأحرار لجواز إمامتهم، ونقل أيضاً عنه تأخير صغار الذكور الأرقاء عن الحرائر، وهذا الترتيب من المستحبات.
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحدٍ جَازَ أَيْضاً أَنْ تُجْعَلَ صَفّاً واحداً
يعني: أن الجنائز إذا كانت جنساً واحداً جاز فيها واحداً جاز فيها ذلك، وجاز فيها أيضاً أن تجعل صفاً واحداً، ويقف الإمام عند أفضلهم، وعن يمين المصلي الذي يليه في الفضل؛ رجل
стр. 660
المفضول عند رأس الأفضل، ومن دونهما في الفضل عن شماله؛ رأٍه عند رجلي الأفضل، فإن كان رابعاً دون هذه الثلاثة جعل عن يساره رأسه عند رجلي الثالث في الذكر، ومقتضى كلام المصنف وصاحب الجواهر أن الصف مختص بالصنف الواحد، وكذلك قال اللخمي. وقال في البيان: إن كثرت جنائز الرجال أو النساء، أو الرجال والنساء، فإنهم يجعلون سطرين أو أكثر قولاً واحداً. وإن كانت الأسطر وتراً وهو الاختيار قام الإمام في وسط الأوسط منها، وإن كانت شفعاً قام فيها بين رجلي الذي عن يمينه، ورأس الذي عن يساره، ويكون الأفضل منهم الذي عن يمينه، ثم الذي يليه في الفضل عن شماله، ثم ينتقل إلى الصف الذي أمامه على هذا الترتيب، ثم إلى الذي بعده على هذا أبداً. وأما إذا قل عدد الجنائز، فكانوا اثنين، أو ثلاثة، أو نحو ذلك. وقال ابن حبيب: إلى ما دون العشرين. فكان مالك أول زمانه يرى الأحسن أن يجعل واحداً أمام واحد إلى القبلة؛ وهي رواية ابن كنانة، ثم رأى ذلك كله سواء أن يجعلوا سطراً واحداً من المشرق إلى المغرب، أو يجعل واحداً أمام واحد إلى القبلة، ولم يفضل إحدى الصورتين على الأخرى، وهذا الاختلاف قائم من المدونة. انتهى.
ويُقَدَّمُ الأَفْضَلُ مِنْ أَوْلِيَائِهَا، فَإِنْ تَسَاوَوْا فَالْقُرْعَةُ
وهو ظاهر. وهو يشمل ما إذا اتحدت الجنائز، أو تعددت بدليل قوله:
وفِي تَقْدِيمِ وَلِيِّ الذَّكَرِ وإِنْ كَانَ مَفْضُولاً قَوْلانِ. قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَاتَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِي امَرَأَةُ عُمَرَ وابْنُهَا زَيْدٌ ﵃ فِي فَوْرِ وَاحِدٍ، فَكَانَ فِيهِمَا ثلاثُ سُنَنٍ لَمْ يُوّرَّثَا، وحُمِلا مَعاً، وجُعِلَ الْغُلامُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وقَالَ الْحَسَنُ لابْنِ عُمَرَ: صَلِّ. لأَنَّهُ أَخُو زَيْدٍ ......
إذا اجتمعت جنازة رجل وجنازة أنثى فإن كان ولي الذكر أفضل فلا خلاف في تقديمه، وإن كان مفضولاً فالمنقول عن مالك تقديم ولي المرأة الأفضل. وقدم ابن
стр. 661
الماجشون ولي الرجل، واحتج بتقديم الحسن لعبد الله في الصلاة. ومنشأ الخلاف هل يرجح الولي نفسه أو الميت؟ وقول مالك أولى. ولو كان المعتبر فضل الميت لقدم ولي أفضل الذكرين وإن كان مفضولاً، وإنما يتم احتجاج عبد الملك؛ لو كان قوله: (لأَنَّهُ أَخُو زَيْدٍ) من كلام الحسن، وبه يتم أربع سنن، قال صاحب البيان وغيره: ولا حجة في القصة المذكورة، وإنما تحصل الحجة لو كان المقدم لعبد الله غير الحسن، كالخليفة أو غيره من الصحابة، وإلا فالحسن لكماله في الفضل يرى لعبد الله فضلاً عليه، ولا يرى لنفسه فضلاً، ويحضره في باله حينئذٍ سن ابن عمر وشهادة النبي ﷺ له بالصلاح، وحضور المشاهد له في حياته ﷺ وبعد وفاته، وزهده في الخلافة بعد أن عرضت عليه مرتين. ابن راشد: وكلثوم مأخوذ من الكثلمة؛ وهي الحسن. وما ذكره من أن السنن ثلاثة ذكره غيره أنها خمس. قال: لأنهما دفنا في قبر واحد، وجعل الولد مما يلي القبلة.
فرع:
ولو سها الإمام فنوى إحدى الجنازتين، ونواهما من خلفه، فقال في العتبية: تُعاد الصلاة على من لم ينوها الإمام، دفنت أو لم تدفن.
ويُقَامُ عِنْدَ وَسَطِ الْجِنَازَةِ، وفِي مَنْكِبَي الْمَرْأَةِ قِوْلانِ
المشهور عند منكبيها. ومقابل المشهور قول ابن مسعود؛ ذكره في المدونة، والقول بأنه يقف عند وسط المرأة أيضاً لمالك. وكذلك روى البخاري عنه ﵊. وقال ابن شعبان: حيث وقف الإمام من الجنازة في الرجل والمرأة جاز. قال القابسي: والذي في المدونة عن ابن مسعود في إسناده نظر، وفيه رجل مجهول، عن إبراهيم، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، وهو مخالف للحديث الذي أخرجه أهل الصحيح. ويقال وسط بسكون السين، وفتحها.
стр. 662
ويُجْعَلُ رَاسُهُ عَنْ يَمِينِ الْمُصَلَّى
واضح
ووَصَيٌّ الْمَيِّتِ أَوْلَى بالصَّلآةِ إِنْ قُصِدَ الْخَيْرُ وإِلا فَالْوَلِيُّ
يعني: أن الوصية بالصلاة على الميت لها مدخل في ذلك، وزيادة التقدم على الأولياء، لكن بشرط أن يقصد الميت الخير في الموصى له وبركة دعائه فحينئذٍ يكون مقدماً على الولي، لا إن قصد مراغمة الولي لعداوة [١١٢/أ] بينهما ونحوها. مالك وسحنون، وابن حبيب، وغيرهم: ويقدم الوصي على الولي. وما زال الناس يختارون بجنائزهم أهل الفضل من الصحابة والتابعين.
وإِذَا اجْتَمَعَ الْوَلِيُّ والْوَالِي فَالْوَالِي الأَصْلُ –لا الْفَرْعُ- أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ الْخُطْبَةِ فَقَوْلانِ لابْنُ الْقَاسِمِ وغَيْرِهِ ...
لقوله ﷺ : "لا يُؤَمَّنَّ أحدُكُمْ في سُلْطانِه". ولا إشكال في هذا في الخليفة، وأما الفرع فلا إلا أن يكون صاحب الخطبة. فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؛ وهو قول سحنون تقدمته حينئذٍز ولا يقدم أيضاً عندهما إذا كانت له الخطبة والصلاة دون أن يكون أميراً، أو قاضياً، أو صاحب شرطة، أو أميراً على الجند.
وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أن ذلك لكل من الخطبة إليه واصللاة، وإن لم يكن إليه حكم. قال في البيان: ولا يوجد ذلك لابن القاسم نصاً، وظاهر ما في سماع أبي الحسن عن ابن وهب أن القاضي أحق بالصلاة على الجنازة من الأولياء وإن لم تكن إليه الصلاة. وقال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: ليس للواحد من هؤلاء في الصلاة على الجنازة حق سوى الأمير الذي تؤدي إليه الطاعة. قال في البيان بعد ذكر هذه الأربعة الأقوال: ولا اختلاف في أنه لا حق في الصلاة على الجنائز لمن انفرد بالصلاة دون الخطبة والقضاء، أو بالحكم دون القضاء والخطبة والصلاة. انتهى.
стр. 663
ابن عبد السلام: والظاهر أن الأولياء إذا أحضروا الجنازة موضع الصلاة والخطبة فإنه يقدم الوالي، وإن لم يحضروها هنالك بل صلوا عليها في موضع في محل الدفن أو غيره فحضر الوالي الفرع فهم أولى منه.
وإِذَاَ لَمْ يَكُنْ إِلا نِسَاءً صَلَّيْنَ أَفْذَاذاً عَلَى الأَصَحِّ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ عَلَى الأَصَحِّ
يعني: إذا لم يحضر الميت إلا نساء فالأصح أنهن يصلين أفذاذاً، ومقابله نقله اللخمي عن أشهب أنهن يصلين جماعة، وهو إما على رواية ابن أيمن، وإما لأنهن محل ضرورة، وإذا قلنا بصلاتهن أفذاذاً فهل واحدة بعد واحدة أو مجتمعات؟ قولان: قال المصنف: أصحهما الأول. والذي يظهر الثاني؛ لأن فيما اختاره المصنف تأخيراً للميت والسنة تعجيله؛ ولأن صلاة واحدة بعد واحدة في معنى تكرير الصلاة على الميت، والمذهب خلافه.
وتَرْتِيبُ الْوِلايَةِ كَالنِّكَاحِ
تصوره ظاهر. فلو رد الأقعد الصلاة إلى أجنبي، وأبى ذلك من دونه، فقال ابن حبيب: لا كلام للأبعد كالنكاح. وقال أصبغ، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم: له الكلام. واحتج له بعض الناس بالحضانة.
واللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ إِنْ أَمْكَنَ
اللحد أفضل؛ لأنه الذي اختاره الله لنبيه ﷺ . وقوله: (إن أمكن) أي: بأن تكون تربةً صلبة لا تتهيل. واللحد معلوم، قال في الجواهر: وليكن في جهة القبلة. والشق: أن يحفر في وسط القبر قدر ما يسع الميت.
ويُكْرَهُ بِنَاءُ الْقُبُورِ فَإنْ كَانَ لِلْمُبَاهَاةِ حَرُمَ، وأَمَّا الْبِنَاءُ لِقَصْدِ التَّمْييزِ فَقَوْلانِ
يعني: أن البناء إما أن يكون لقصد المباهاة أو التمييز أو لا يقصد به شيئاً، فالأول: حرام، وهكذا نص عليه الباجي. والثالث: مكروه. والثاني: مختلف فيه بالجواز والكراهة.
стр. 664
قال ابن بشير: القولان حكامهما اللخمي. وأخذ الكراهة من إطلاقه في المدونة، والجواز في غيرها، قال: والظاهر أن القصد للتمييز غير مكروه، وإنما كره في المدونة البناء الذي لا تقصد به العلامة. وإلا فكيف يكره ما قصد به معرفة قبر وليه؟! ولم يصرح ابن بشير بتحريم القسم الأول، بل قال: والظاهر أنه محرم مع هذا القصد.
ووقع لمحمد بن عبد الحكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره بيتاً، أنه تبطل وصيته. وقال: لا تجوز وصيته وأكرهه. وظاهر هذا التحريم، وإلا لو كان مكروهاً لنفذت وصيته، وأجاز علماؤنا ركز حجر أو خشبة عند رأس الميت ما لم يكن منقوشاً. المازري: لأنه ﷺ وضع بيده الكريمة حجراً عند رأس عثمان بن مظعون. وقال: "أعرف بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي". وكره ابن القاسم أن تجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها. وأما تحويز موضع الدفن بناءً فقالوا: جائز ما لم يرفع فيه إلى قدر يأوي إليه بسبب ذلك أهل الفساد، وإن فعل ذلك أزيل منه ما يستر أهل الفساد ويترك باقيه كذا نقل ابن عبد السلام. وفي التنبيهات: اختلف في بناء البيوت عليها، إذا كانت في أرض غير محبسة، وفي المواضع المباحة، وفي ملك الإنسان فأباح ذلك ابن القصار، وقال غيره: ظاهر المذهب خلافه. انتهى.
وأما الموقوف كالقرافة التي بمصر فلا يحل فيها البناء مطلقاً، ويجب على ولي الأمر أن يأمرهم بهدمها حتى يصير طولها عرضاً، وسماؤها أرضاً.
وإِذَا حُفِرَ قَبْرٌ فِي مِلْكٍ أَصْلِيٍّ فَدُفِنَ مُتَعَدِّ فِيهِ فَلِلمالِكَ إِخْرَاجُهُ
يعني: من حفر قبراً في أرض [١١٢/ ب] مملوكة فتعدى أجنبي فدفن فيها، فإنه يخرجه المالك إن شاء. ابن هارون: وإنما يخرج بالفور، فإن طال لم يخرج.
стр. 665
وإِنْ كَانَ فِيمَا يُمْلَكُ فِيهِ الدَّفْنُ خَاصَّةً لَمْ يُخْرَجْ. وثَالِثُهَا: يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَا يَخْتَارُونَهُ مِنْ حَفْرٍ أَوْ قِيمَةِ حَفْرٍ. ورَابُعهَا: مَا يُخْتَارُ عَلَيْهِمْ.
يعني: إن كانت الأرض حبساً للدفن فحفر فيها رجل قبراً، وجاء آخر فدفن فيه، فإنه لا يخرجه ولا إشكال، واختلف فيما يجب عليه على أربعة أقوال: الأول: أن عليهم قيمة الحفر. والثاني: أن عليهم حفر قبر آخر مثله. والثالث: أن عليهم ما يختاره أهل الميت منهما. وإليه أشار بقوله: (وثَالِثُهَا: يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَا يَخْتَارُونَهُ مِنْ حَفْرِ أَوْ قِيمَةِ حَفْرٍ) ففهم منه أن الأول وجوب القيمة، والثاني وجوب الحفر، والثالث أن عليهم ما يختاره أهل القبر. والقول بقيمة الحفر لابن اللباد، والقول بأنعليهم حفر قبر آخر مثله لسحنون، والقول بالأقل للقابسي، والقول بالأكثر للخمي قال: والقياس أن يكون عليه الأكثر. قال ابن بشير: وأصل المذهب القيمة.
خليل: انظر هل يجوز ذلك ابتداء أو لا؟ والأقرب عدم جوازه؛ لأنه لا يدري هل يموت هنالك أو لا؟ وقد يموت بغيره، ويحسب غيره أن في هذا القبر أحداً فيكون غاصباً ذلك، وقد ورد أن من غصب شبراً من أرض طوقه سبع أرضين.
وإِذَا دُفِنَ مَيِّتٌ فَمَوْضِعُهُ حَبْسٌ
يعني: إذا دفن في مكان غير مغصوب فموضعه حبسٌ عليه، لا يجوز نقله عنه، ولا أن يتصرف فيه ولا يباع.
ابن عبد السلام: ووقع في كتب أهل المذهب عن بعضهم أنه يجوز حرث البقيع بعد عشرة أعوام. ورفع أيضاً لبعضهم أنه إذا حرثت المقابر أخذ كرائها ممن حرثها وصرف في جهاز الموتى.
стр. 666
ولَوْ دُفِنَ فِي دَارٍ فَبِيعَتْ ولَمْ يُعْلَمْ فَالْخِيَارُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، واعْتَرَضَهُ عَبْدُ الْحَقِّ بأَنَّهُ يَسِيرٌ فِي الْقِيمَة، وأُجِيبَ بأَنَّهُ لا تُمْكِنُ إِزَالَتُهُ .....
يعني: إذا لم يعلم المشتري بذلك فهو عيب يوجب الخيار في الرد أو التماسك. واعترض ذلك عبد الحق فقال: موضع الحفر يسيرٌ، والعيب اليسير في الدار لا يوجب الرد كما سيأتي. ورده ابن بشير بأن العيب إذا لم تمكن إزالته صار ضرره كثيراً.
وفِي دَفْنِ السَّقْطِ فِي الْبُيُوتِ قَوْلانِ
المشهور الكراهة في الدور، وأجازه في الواضحة. والقولان: في كونه عيباً، حكاهما ابن بشير. والمنصوص لمالك أنه ليس بعيب.
فرع:
ولا بد في القبر من حفرة تحرس الميت عن السباع، وتكتم رائحته. ابن حبيب: يستحب ألا يعمق القبر جداً، وأن يكون عمقه على قدر الذراع فقط. قال: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة، قال: احفروا لي، ولا تعمقوا، فإن خير الأرض أعلاها، وشرها أسفلها. وفي المبسوط عن مالك: لم يبلغني في عمق حفرة القبر شيء موقوف عليه، وأحب إلي أن تكون مقتصدة، لا عميقة جداً، ولا قريبة من أعلى الأرض.
الباجي: ولعل ابن حبيب أراد بقوله: قدر الذراع الشقَّ الذي هو نفس اللحد، وأما نفس القبر فإنه يكون مثل ذلك وأكثر منه. ابن حبيب: ولا بأس أن يدخل قبره من ناحية القبلة، أو من ناحية الشرق، ومن ناحية القبلة أحب إلي؛ لأنه أمكن وأهيأ وأيسر على من تولاه.
وفي المبسوط: لا بأس أن يدخل الميت في قبره من رأس القبر، أو رجليه، أو وسطه، ويضع الميت في قبره الرجال، فإن كانت امرأة يتولى ذلك زوجها من أسفلها، ومحارمها من أعلاها، فإن لم يكن فصالح المؤمنين، إلا أن يوجد من القواعد من له قوة على ذلك،
стр. 667
ولا مضرة عليهن فيه، ولا كشف عورة، فهي أولى به من الأجانب، وليستر عليها بثوب حتى توارى في لحدها، وليس لعدد من يلي ذلك حدٌّ، شفع أو وتر، ثم يوضع الميت على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، ويمد يده اليمنى مع جسده، ويحل العقدة من عند رأسه ورجليه، ويعدل رأسه بالتراب لئلا يتصوب، وكذلك رجلاه بحيث لا ينكب ولا يستلقى، ويرفق به في ذلك كله كأنه حي. واستحب أشهب أن يقال عند وضعه في اللحد: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ، اللهم تقبله بأحسن قبول. قال: وإذا دعا له بغير ذلك فحسن.
وإن تركه فواسع، ثم تنصب اللبن على فتح اللحد. وتسد الفرج بما يمنع من التراب.
ابن حبيب: أفضل ما يسد به اللبن، ثم اللوح، ثم القراميد، ثم الآجر، ثم الحجارة، ثم القصب، ثم سن التراب خير من التابوت، ثم قال: يحثي كل من دنا حثيات. وروى سحنون أن ذلك غير مستحب، ثم يهال التراب عليه، ولا يرفع القبر إلا بقدر شبر، ولا يجصص، ولا يطين. وقال أشهب: ويسنم القبر أحب إلى، وإن رفع فلا بأس. قال محمد ابن مسلمة: لا بأس بذلك. قال: وقبور النبي ﷺ [١١٣/أ]، وأبي بكر وعمر ﵄ مسنمة.
قال في التنبيهات: والمعروف من مذهبنا جواز تسنيمها، وهو صفة قبره ﷺ ، وقبور أصحابه، وهو المنصوص في الأمهات، ولم ينص فيها على خلاف ذلك. ولأشهب ما يدل على جواز تعظيم القبر والزيادة فيه على التسنيم. انتهى. وفي الجلاب: يسطح ولا يسند، ويرفع من القبر قليلاً بقدر ما يعرف. ولا يدفن في قبر واحد ميتان إلا لحاجة، ثم يرتبهم في اللحد إلى القبلة بالفضيلة كترتيبهم إلى الإمام في الصلاة، والقبر يحرم أن يمشي عليه إذا كان مسنماً والطريق دونه، فأما إذا عفا فواسع، ولا تنبش عظام الموتى عند حفر القبور ولا تزاح عن مواضعها، ومن وافى قبراً عند حفره فليرده، وليرد
стр. 668
عليه ترابه، ولا يزاد من قبر على قبر وليتق كسر شيء من عظامه، ولا ينبش القبر إلا إذا كان شيء من الكفن مغصوباً وشح فيه ربه أو نسي معه مالاً في القبر. ولو دفن بغير غسل أخرج إن كان قريباً، وقيل: لا يخرج.
والتعزية: سنة؛ وهي الحمل على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب. وذكر ابن حبيب ألفاظ التعزية عن جماعة من السلف، ثم قال: والقول في ذلك واسع، إنما هو على قدر منطق الرجل، وما يحضره من ذلك القول. وقد استحسن أن يقال: أعظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاك عنها، وعقباك منها خيراً وغفر لميتك ورحمه، وجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه. وتستحب تهيئة الطعام لأهل الميت ما لم يكن اجتماعهن لنياحة وشبهها، والبكاء جائز من غير نياحة وندب من غير جزع، وضرب خد، وشق ثوب، فذلك حرام، ولا يعذب الميت بنياحة أهله عليه إلا إذا كان أوصى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
فرع:
قال في البيان: ثبت أنه ﷺ صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد. وروى أبو داود أنه ﷺ قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له". فمنهم من أجاز الصلاة في المسجد وتأول: فلا شيء له بمعنى فلا شيء عليه، بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وهو قول الشافعي وغيره، ومنهم من كره الصلاة فيه، ورأى أن ما جاء من الصلاة على سهيل أمر قد ترك، وأن حديث "لا شيء له" ناسخ له. قال في البيان: ولأنه متأخر. واستدل على ذلك بعمل الصحابة؛ وهو قول مالك في المدونة: ولا توضع الجنازة في المسجد، وإن وضعت قريباً لم يصل عليها من في المسجد، إلا أن يضيق خارج المسجد بأهله، وهو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من كره أن يصلى على الجنازة في المسجد؛ وأجاز إذا وضعت الجنازة خارجه أن تمتد الصفوف بالناس
стр. 669
في المسجد، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وعزاه لمالك، وقال: هو من رأيه لو صلى عليها في المسجد ما كان ضيقاً. قال في البيان: ولا فرق على المذهب في الكراهة بين أن يكون الميت فيه أو خارجاً عنه، وهو مذهب مالك في المدونة، وظاهر قوله ﵊: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له". إذ لم يفرق بين أن تكون الجنازة فيه أو خارجه. انتهى. ولأصحابنا في تعليل الكراهة مسلكان: أولهما: أنه خلاف العمل. ثانيهما: أنه مبني على نجاسة الميت. والله أعلم.
****
стр. 670
الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ. الْمُخْرَجُ مِنْهُ: الْعَيْنُ، وَالْحَرْثُ، وَالْمَاشِيَةُ
لا شك في وجوبها، والذي تؤخذ منه الزكاة ثلاثة كما ذُكر.
فَشَرْطُ الْعَيْنِ -غَيْرُ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ- أَنْ يَكُونَ نِصَاباً مَمْلُوكاً حَوْلاً كَامِلاً، مِلْكاً كَامِلاً غَيْرَ مَعجُوزٍ عَنْ إِنْمَائِهِ ...
أي: شرط وجوب الزكاة (الْعَيْنِ). فأخرج المعدن من العين؛ لعدم شرط الحول فيه، وكذلك الركاز؛ لأنه في بعض صوره تؤخذ منه الزكاة، أي؛ فيما إذا وجد بنفقة أو كبير عمل. هكذا كان شيخنا -رحمه الله تعالى- يقول، وبه تعلم أن قول ابن عبد السلام: وأما الركاز فلا معنى للاحتراز منه، إلا لو كان اسم الزكاة ينطلق على ما يؤخذ منه ليس بظاهر.
قوله: (نِصَاباً). يريد أو ما هو أصل له، كدينار وماحد بيع آخر الحول بمائتي درهم أو اشترى به سلعة فبيعت بذلك، واحترزنا بالمملوك من غير المملوك، كالمال المغصوب بالنسبة إلى الغاصب، والمودع والملتقط بالنسبة إلى الحافظ، وبالحول الكامل من بعضه، وبالملك الكامل من العبد، والمديان بالنسبة إلى العين، وغير معجوز عن إنمائه من العين المغصوبة بالنسبة إلى المغصوب منه، ومن المدفون والموروث إذا لم يعلم به على ما سيأتي.
فَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَالْوَرِقِ مِئَتَا دِرْهَمٍ بِالْوَزْنِ الأَوَّلِ
هذا هو المعروف. وحكى الباجي وتبعه صاحب المقدمات عن ابن حبيب أن المعتبر وزن كل بلد، ولو كان أنقص من الوزن الأول. قال صاحب المقدمات [١١٣/ب] وغيره: وهو بعيد جداً. وأشار الباجي إلى مخالفته للإجماع. ورد المازري ما فهمه الباجي عن ابن حبيب، وقال: لا يحسن عندي أن يظن بابن حبيب ولا غيره هذا؛ لأنه يؤدي إلى وجوب الزكاة في الأرباع والأثمان إذا جرت مجرى المثاقيل. وقد ذكر ابن حبيب إِثرَ ما نقله الباجي عنه ما يؤخذ منه اعتبار الوزن الأول.
следующие страницы →