← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

عن مالك: لا شيء عليه في التقبيل وإن انتشر وأنعظ ما لم يمذ؟ فإن أمذى مضى على صيامه وقضاه؛ زاد في الواضحة: وإن أمنى قضى وكفَّر. وذكر ابن يونس أن ابن القاسم روى عن مالك في التعبية في القبلة أنه يقضي إذا أنعظ وإن لم يمذ وأنكره سحنون، وظاهر هذه الرواية وجوب القضاء، وقد قررها ابن رشد على ذلك، ونقل ابن عبد السلام هذه الرواية بالاستحباب ليس بظاهر. وَالْمُلاَعِبَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ مِثْلُهَا إِلا أَنَّ فِي الْمَنِىِّ الْكَفَّارَةَ من بِغَيْرِ تَفْصِيلَ خِلاَفاً لأَشْهَبَ كَالْْمَنِىِّ بِمُجَامَعَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ .... أي: أن الملاعبة والمباشرة مثل القبلة، فإن أنعظ أو أمذى فقولان، إلا أن في المني الناشئ عنهما تجب فيه الكفارة من غير التفات إلى عادة المباشر خلافاً لأشهب فإنه فصل في ذلك. وقد نقل الباجي قول أشهب ولفظه: فإن قبل واحدة أو باشر أو لامس مرة واحدة فأنزل، فقال أشهب: لا كفارة عليه حتى يكرر. وقال ابن القاسم: عليه الكفارة في ذلك كله، إلا في النظر فلا كفارة عليه. انتهى. وقوله: (كَالْْمَنِىِّ بِمُجَامَعَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ) هو تشبيه بالمشهور فقط، وقول ابن راشد أنه استدلال على قول أشهب لس بظاهر. وَمَاءُ الْمَرْأَةِ كَمَنِيِّ الرَّجُلِ أي في جميع ما تقدم. وَالْقَيْءُ الضَّرُورِيُّ كَالْْعَدَمِ، وَفِي الْخَارِجَ مِنْهُ مِنْ الْحَلْقِ يُسْتَرَدُّ قَوْلانِ كَالْبَلْغَمِ للحديث المتقدم، قال بعض الأصحاب: ولا فرق بين أني كون من علة أو من امتلاء، ولا بين أن يتغير أو يكون على هيئة الطعام.

стр. 912

وقوله: (وَفِي الْخَارِجِ مِنْهُ) أي القيء الضروري، فـ (مِن) الأولى للبيان والثانية لابتداء الغاية، أي أن ما جاوز الحلق فلا شيء فيه وإن رجع لكونه لا يمكنه طرحه. ابن حبيب: وما رجع من القيء إلى الجوف أو من اللهوات إلى الحلق قبل أن يستيقن وصوله إلى الفم فلا قضاء فيه. وقوله: (قَوْلانِ) قال اللخمي: اختلف فيمن ذرعه القيء إذا رجع إلى حلقه بعد انفصاله مغلوباً أو غير مغلوب وهو ناس. فروى ابن أبي أويس عن مالك في المبسوط: عليه القضاء إذا رجع شيء وإن لم يزدرده، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه إذا كان ناسياً. وهذا اختلاف قول، فعلى قوله في المغلوب أنه يقضي يكون الناسي أولى بالقضاء، وعلى قوله في الناسي: لا شيء عليه، يسقط القضاء عن المغلوب. والصواب أن ينظر، فإن خرج إلى لسانه بحيث يقدر على طرحه ثم ابتلعه بعد ذلك فعليه القضاء، وإن لم يبلغ موضعاً يقدر على طرحه فلا شيء عليه. انتهى. ومقتضى كلامه أن العمد مبطل اتفاقاً. وقوله: (كَالْبَلْغَمِ) أي أن في البلغم إذا خرج من الحلق ثم رد قولين. والقول بأنه لا شيء فيه ولو وصل إلى طرف اللسان لابن حبيب، قال: وقد أساء. وهو بخلاف القلس لأنه طعام وشراب. وفي جهله وعمده القضاء. والكفارة في البلغم لسحنون، قال: إذا خرج من صدر الصائم أو من رأسه فصار إلى طرف لسانه وأمكنه طرحه فابتلعه ساهياً فعليه القضاء. والشك في [١٥٨/أ] الكفارة في عمده، وقال: أرأيت لو أخذها من الأرض متعمداً ألا يكفر؟ وفي المدونة عن مالك لا قضاء عليه في رمضان إذا ازدرد القلس بعد وصوله إلى فيه.

стр. 913

قال ابن القاسم: ثم رجع مالك فقال: إن خرج إلى موضع لو شاء طرحه ثم رده فعليه القضاء. واقتصر عليه في الجلاب. وَأَمَّا الْمُسْتَدْعَى فَالْمَشْهُورُ الْقَضَاءُ مقابل المشهور لابن الجلاب جعلُ القضاء فيه مستحب وقال: لأنه لو كان مفسداً للصوم لاستوى مختاره وغالبه كالأكل والشرب إذا قصده أو أكره عليه، والحديث المتقدم حجة للمشهور. وفي المسألة قول ثالث بسقوط القضاء في النفل ووجوبه في الفرض، وإنما فرق بين المستدعي وغيره؛ لأن المعدة تجتذب ما يخرج منها بالاستدعاء بخلاف غيره. فإِنِ اسْتُدْعِيَ لِغَيْرِ عُذْرٍ – فَفِي الْكَفَّارَة قَوْلانِ المشهور السقوط، والوجوب لابن الماجشون وسحنون، ولعل منشأ الخلاف هل استدعاء القيء انتهاك أم لا؟ فإن كان أول القيء ضرورياً وبقيت منه بقية أوجبت عليه غثياناً فاستقاء فنص مالك في المجموعة على وجوب القضاء وإليه أشار بقوله: لغير عذر. فإن مفهومه أنه وإن استقاء لضرورة لا تجب عليه الكفارة اتفاقاً. وَتُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلْتَغْرِيرِ، وَذَوْقُ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ وَالْعَلَكِ ثُمَّ يَمُجُّهُ لما روى: "أكتتم تكرهون الحجامة على عهد رسول الله ﷺ فقال: لا، إلا خيفة التغرير – أو كما قال– وهل هي مكروهة في حق الضعيف والقوي، وهي رواية ابن نافع ع مالك، ورواية عيسى عن ابن القاسم؟ التلمساني: وفي الموطأ: لا تكره إلا خيفة أن يضعف، ولولا ذلك لم تكره، وعلى هذا فلا تكره للقوي، وهو الصحيح. انتهى.

стр. 914

الباجي: وإن احتجم أحد على تغرير فسلم ثم احتاج إلى الفطر فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يتعمد الفطر. والكراهة أيضاً في ذوق الملح وما عطف عليه أيضاً للتغرير. وَزَمانُهُ مِنَ الْفَجْرِ الْمُسْتَطِيرِ لا الْمُسْتَطِيلِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ هذا ظاهر. فَمِنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ نَاظِراً دَلِيلَهُ – فَثَلاثَةٌ: التَّحْرِيمُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالإِبَاحَةُ قال في المدونة: كان مالك يكره للرجل أن يأكل إذا شك في الفجر. وحمل اللخمي الكراهة على بابها. وحملها أبو عمران على التحريم، وهو مقتضى فهم البرادعي؛ لأنه اختصرها على النهي فقال: ومن شك في الفجر فلا يأكل. ونحوه في الرسالة والجواز لابن حبيب. قال: والقياس الجواز. واستحب الكفّ. ولا يؤخذ استحباب الكف من كلام المصنف. ابن عطاء الله: وهذه المسألة كمسألة من تيقن الطهارة وشك في الحدث، وعليها خرجها اللخمي. واختار اللخمي التحريم مع الغيم والإباحة مع عدمه. فَإِنْ أَكَلَ فَعَلِمَ بِطُلُوعِهِ فَالْقَضَاءُ مُطْلَقاً يعني: بالإطلاق سواء كان حين الأكل معتقداً أنه لم يطلع أو شاكاً. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ أي: إذا أكل وهو شاك، وبقي على شكه فعلى ما تقدم، أي فعلى تحريم الأكل يجب القضاء، وعلى الكراهة يتسحب، وعلى الإباحة لا يجب ولا يستحب. وَلَوْ طَرَأَ الشَّكُّ فَالْمَشْهُورَ الْقَضَاءُ وهذا كما قال في المدونة: ومن أكل في رمضان ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء.

стр. 915

ابن يونس: إذ لا يرتفع فرض بغير يقين، وهذا مما يرجح أن يكون المذهب وجوب الإمساك والقضاء في الأول؛ لأنه إذا كان يقضي إذا طرأ الشك مع كونه أكل معتقداً أن الفجر لم يطلع فلا يجب فيما إذا أكل شاكاً من بابٍ أولى. ولهذا يقع في بعض النسخ: فالمشهور القضاء (أيضاً) فإن زيادة أيضاً تقتضي أن المشهور في الفرع السابق وجوب القضاء. فَإِنَّ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَهُوَ آكِلٌ أَوْ شَارِبٌ أَلْقَى وَلا قَضَاءَ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَقَدْ خُرِّجَ الْقَضَاءُ عَلَى إِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَفِيهِ قَوْلانِ ... أي: فإن كان الآكل يعتقد بقاء الليل، أو شك فطلع الفجر عليه والطعام في فيه فإنه يلقيه ولا قضاء على المنصوص. ومقابل المنصوص مخرج على القول بوجوب إمساك جزء من الليل، وفيه قولان كما ذكر المصنف. وأشار ابن بشير إلى ضعف هذا التخريج لاحتمال أن يكون هذا القائل يرى وجوبه لغيره أي للاحتياط، فلم يقم الدليل إلا على وجوبه لا على سائر أحكام ذلك الواجب، وإلا لزمت فيه الكفارة. وَإِنْ طَلَعَ وَهُوَ يُجَامِعُ نَزَعَ وَلا كَفَّارَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي الْقَضَاءِ قَوْلانِ أما وجوب النزع فبين، ولو تمادى وجب القضاء والكفارة إجماعاً. قاله ابن عطاء الله. وهل تلزمه أيضاً إذا نزع الكفارة؟ ذكر المصنف تبعاً لابن بشير وغيره أن المشهور سقوطها. والقول بوجوبها لابن القصار، هكذا قيل. خليل: وقول ابن القصار على ما نقله عبد الحق وابن يونس ليس صريحاً في المخالفة لأنهما قالا: وقال ابن القصار: إذا طلع عليه الفجر وهو يولج فلبث قليلاً متعمداً ثم أخرجه أن الكفارة تلزمه مع القضاء.

стр. 916

ابن عطاء الله: وكذلك لو ابتدأ الإيلاج [١٥٨/ب] حال طلوع الفجر، الخلاف فيه واحد، فمن لم يوجب الكفارة قال: لم يطرأ الجماع على صوم ليفسده، إذ لم يدخل في الصوم قبله وإنما منع انعقاد الصوم. انتهى. ومنشأ الخلاف، هل النزع وطء أم لا؟ وإذا فرع على إسقاط الكفارة، فأسقط ابن القاسم القضاء أيضاً وأوجبه ابن الماجشون. فَإِنْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حَرُمَ الأَكْلُ اتِّفَاقاً لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ ولأن الأصل الاستصحاب. فَإِنْ أَكَلَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ فَالْقَضَاءُ أي: فإن أكل مع شكه في الغروب وبقى على شكه فالقضاء واجب؛ لأن الأكل كان محرماً عليه. فرع: قال في المدونة: ومن ظن أن الشمس قد غربت فأكل في رمضان ثم طلعت فليقض. قال في التنبيهات: والظن هنا بمعنى اليقين ولو كان على الشك لكفّر على ما ذكره أبو عبيد في مختصره، ولم يكفّر على ما ذكره الشك لكفر على ما ذكره أبو عبيد في مختصره. ولم يكفر على ما ذكره البغداديون كما لو أكل في الفجر شاكاً فلا كفارة عليه باتفاق. واختلف المشايخ في ترجيح القولين فمنهم من رجح مذهب البغداديين، وقد يستظهر هؤلاء بظاهر لفظه في المدونة، وإن كانت درجة الظن أرفع من درجة الشك، ويأتي بمعنى اليقين لكن تأوله بعضهم بمعنى الشك، ومنهم من رجح قول أبي عبيد، وفرق بين الوقتين؛ لأن أول النهار الأكل مباح فلا يحرم عليه إلا بيقين، ولا يصح حكم الانتهاك إلا بتيقن

стр. 917

تحريمه عليه. وآخر النهار إنما هو في حكم الصوم والفطر عليه حرام إلا بتيقن انتهاء النهار فهو منتهك إن لم يتيقن انقضاء النهار. وأراد بعض الشيوخ أن يجمع بني القولين، فقال: لعل البغداديين أرادوا بالشك هنا غلبة الظن فيستوي الفطر في الوقتين، وهذا يبعد؛ لأن الشك شيء وغلبة الظن شيء آخر غيره، وأحكامها مختلفة كأسمائهما وحدودهما. انتهى. وقال الشيخ أبو إبراهيم: من الناس من حمل ما في المدونة على المساواة بين الطلوع والغروب في إسقاط الكفارة. وإليه ذهب القاضي وابن القصار وغيرهما؛ لأنه غير منتهك لحرمة الشهر. ابن يونس: وهو الصواب انتهى. وانظر قول القاضي: اُتفق على سقوط الكفارة إذا شك في الفجر مع قول ابن عبد السلام: الأصح سقوطها. فَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَاظِرٍ فَلَهُ الاقْتِدَاءُ بِالْمُسْتَدِلِّ وَإِلا أَخَذَ بِالأَحْوَطِ هذا قسيم قوله: (ناظراً دليله). وحاصله أن الشك قسمان: ناظر وغير ناظر، فالناظر تقدم، وغير الناظر له الاقتداء. ابن عبد السلام: وظاهره ولو كان قادراً على الاستدلال خلاف ما قالوه في القبلة. ابن حبيب: ويجوز تقليد المؤذن العارف العدل، ويمكن أن يتأول كلامهم على أن من لا علم عنده، ولا فيه أهلية الاستدلال يجوز له أن يقتدي بمن فيه الأهلية. انتهى. ابن وهب عن مالك: فإن قال له واحد: تسحرت بعد الفجر، وقال آخر: قبله، فأرى أن يقضي. وقوله: (وَإِلا) أي: وإن لم تكن فيه أهلية ولم يجد من يقلده (أَخَذَ بالأَحْوَطِ) أي: فيترك الأكل.

стр. 918

وَيَجِبُ قَضَاءُ رَمَضانَ، وَالْوَاجِبُ بِالْفِطْرِ عَمْداً - وَاجِباً، وَمُبَاحاً، وَحَرَاماً، أَوْ نِسْيَانَاً، أَوْ غَلَطاً فِي التَّقْدِيرِ فَيَجِبُ عَلَى الْحائِضِ وَالْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِمَا .... عطفه الواجب على رمضان من عطف العام على الخاص. وقوله: (وَاجِباً، وَمُبَاحاً، وَحَرَاماً) تقسيم لقوله: (عَمْداً) أي: أن الفطر عمداً تارة يكون واجباً كفطر المريض والخاشي الهلاك والحائض، وتارة يكون مباحاً كالفطر في السفر، وقد يكون مندوباً كمن ظن من نفسه وهو مجاهد للعدو إن أفطر تحدث له قوة. وأضرب عن هذا القسم استغناءً بذكر الواجب والمباح. وقد يكون الفطر حراماً وهو واضح. وقوله: (أَوْ نِسْيَاناً، أَوْ غَلَطاً) قسيمان لقوله: (عَمْداً) والغلط في التقدير هو ما تقدم في لوع الفجر وغروب الشمس، أو غلط في الحساب أول الشهر أو آخره. وأُورد على المصنف أن ذكره الواجب ليس بجيد؛ لأن النذر المعين لا يقضي بالفطر الواجب عمداً كامرأة نذرت صوم شهر بعينه فحاضت فيه أو مرضت فإنها لا تقضي على المشهور. وَلَوْ ذَكَرَ فِي أَثْنَائِهِ أَنَّهُ قَضَاهُ، فَلْيُتِمَّ – أَشْهَبُ: إِنْ قَطَعَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ أي: إذا ظن أن عليه يوماً فأصبح صائماً ليقضيه ثم تبين له أنه كان قضاه، فقال ابن القاسم يجب عليه إتمامه. ابن شلبون وابن أبي زيد: يريد: فإن أفطر فعليه قضاؤه، ويؤخذ الوجوب من كلام المصنف من وجهين: من الأمر، ومن مقابلته بقول أِهب: لا شيء عليه إن قطع. واعترض عبد الحق على حمل ابن شلبون وأبي محمد فقال: يظهر لي أن ما قالاه لا يصح على قول املك. وقد رأيت في المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك فيمن جعل على نفسه صيام يوم الخميس فصام يوم الأربعاء يظنه الخميس، فقال: أحب إليّ أن يتم صومه، ثم يصوم يوم

стр. 919

الخميس، وإن أفطر يوم الأربعاء فأراه من ذلك في سعة. وهذا من قول مالك يشهد لقول أِهب؛ لأن ذلك اليوم إنما التزمه على الظن أنه عليه ولم [١٥٩/أ] يقصد صومه لنفسه، وإنما يستحب له أن يتمادى، فأما كونه أن يقضيه إن أفطر فبعيد. انتهى. وشبه أشهب ذلك بمن ذكر العصر فصلى منها ركعة ثم ذكر أنه صلاها فليشفعها بأخرى. وليس كمن قصد التنفل بعد العصر، وإن قطع فلا شيء عليه، وأُجيب بوجهين: أحدهما: لعل ابن القاسم لا يسلم الحكم في الفرع المشبه به. ثانيهما: أنه في الصوم لم يعتبر فعله؛ وإنما المعتبر عقده بخلاف الصلاة، فإن المعتبر فيها العقد والفعل، وفيه نظر. خليل: وأحسن من هذا أن يقال: لو أبطل الصوم لزمه إبطال العمل بالكلية، بخلاف الصلاة فإن إذا خرج عن نافلة لا يبطل العمل بالكلية. ولعلهم إنما قالوا: إذا قطع فلا شيء عليه لكونه لا يتنفل بعد العصر. وَفِي الْوَاجِبِ الْمُعَيَّنِ بِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ نِسْيَانٍ- ثَالِثُهَا: يَقْضِي فِي النِّسْيَانِ، وَرَابِعُهَا: يَقْضِي إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَوْمِ فَضِيلَةٌ، وَالْمَشْهُورُ لا يَقْضِي. أي: وفي قضاء (الْوَاجِبِ الْمُعَيِّنِ)، يريد: غير رمضان إذا كان الفطر لعذر كمرض أو نسيان أو حيض أربعة أقوال: الأول لمالك في المبسوط: وجوب القضاء إذا مرض، وقيس عليه الناسي. الثاني: سقوط القضاء، لأن الملتزم شيء معين وقد فات، وهو المشهور. الثالث لابن القاسم، يقضي في النسيان دون ما عداه؛ لأنه في النسيان كالمفطر. الرابع لابن الماجشون الفرق بين الأيام التي يقصد فضلها كعرفة وعاشوراء فلا يجب؛ لأن المراد عينها، وبين غيرها فيجب، أما لو أفطر لسفر لوجب عليه القضاء اتفاقاً، نقله ابن هارون.

стр. 920

وَيَجِبُ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحرَامِ خَاصَّةً تقدمت نظائر هذه المسألة في الصلاة. فرع: ومن الواضحة قال ابن حبيب: لا ينبغي للصائم أن يفطر لعزيمة أو غيرها. وقد سئل عن ذلك ابن عمر فقال: ذلك الذي يلعب بصيامه. وسئل عن ذلك مالك فشدد القول فيه، ولقد قال لي مطرّف في الصائم في غير رمضان يحل بالرجل في منزله فيعزم عليه أن يفطر عنده، قال: لا يقبل ذلك، وليعزم على نفسه ألا يفعل، وإن حلف عليه بالطلاق أو بالمشيء أو بعتق رقبة حنثه ولم يفطر، إلا أن يكون لذلك وجه. وكذلك لو حلف عليه بالله حنثه ولم يفطر وكفّر الحانث عن يمينه؛ لأن الصائم نفسه لو حلف بالله أن يفطر لرأيت ان لا يفطر وأن يكفر، إلا الوالد والوالدة فإني أحب له أن يطيعهما وإن لم يحلفا عليه، إذا كان ذلك على وجه الرأفة منها عليه لإدامة الصوم وما أشبه ذلك. وقال لي مطرف: وسمعت مالكاً يقوله فيمن يكثر الصوم أو يسرده وأمرته أمه بالفطر. قال مالك: وقد أخبرت عن رجال من أهل العلم أمرتهم أمهاتهم بالفطر ففعلوا ذلك وافطروا. انتهى. ابن غلاب: وحرمة شيخه كحرمة الوالدين لعقده على نفسه ألا يخالفه، وأن لا يفعل شيئاً إلا بأمره، فصارت طاعته فرضاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] انتهى. فإن قيل: لما لم تجيزوا للمتطوع الفطر ابتداءً؟ وما جوابكم عن حديث أم هانئ أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بشراب ثم ناولها فشربت فقالت يا رسول الله: أما إني كنت صائمة فقال رسول الله ﷺ : "الصائم المتطوع أمين على نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر".

стр. 921

قيل: إنما لم يجز له ذلك لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١ٍ] ولقوله : ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ولما في الموطأ وغيره، أن عائشة وحفصة ﵄ أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدى لهما طعام فأفطرتا عليه، فدخل رسول الله ﷺ فقالت عائشة يا رسول الله: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه. فقال: "اقضيا مكانه يوماً آخر". ولو كان الفطر جائزاً لم يلزمهما القضاء؛ ولأن العمل على ما قلناه، ألا ترى أن قول ابن عمر: ذلك الذي يلعب بصيامه؟ وأما الجواب عن الحديث فقد قال الترمذي: إن في سنده مقالاً. ولو صح فهو مرجوح بما ذكرناه. وَفِي قَضَاءِ الْقَضَاءِ مَعَهُ قَوْلانِ أي: أي من لزمه قضاء يوم فأفطر في القضاء فهل يجب عليه قضاء يومين؟ لأنه أفسدهما؛ ولأنه لما دخل في القضاء وجب عليه إتمامه، ألا ترى أنه لو تبين ألا قضاء عليه لزمه التمادي عند ابن القاسم كما تقدم؟ أو إنما يجب عليه قضاء اليوم الأول لأنه الواجب في الأصل والقضاء ليس مقصوداً لذاته؟ وظاهر كلام المصنف أن هذا الفرع مخصوص بالتطوع؛ لأن ما قبله وما بعده إنما هو فيه، لكن القولين جاريين في الفرض والنفل نقلهما صاحب تهذيب الطالب وابن يونس. والعجب من قول ابن عبد السلام بعد كلام ابن يونس: وفيه نظر؛ لأن ما نقله في هذه المسألة إنما هو في النوادر، وليس فيها إلا الخلاف في النفل؛ لأن حاصله توهيم ابن يونس وليس بجيد، فإنه الثابت عند جماعة من الشيوخ، وقد عزا [١٥٩/ب] القولين ووجههما وقد حكاهما في البيان. وصاحب النوادر وإن لم يذكر في كتاب الصوم القولين في قضاء قضاء الواجب، فقد ذكرهما في كتاب الحج الثاني.

стр. 922

وقد عين المصنف المشهور في هذه المسألة في كتاب الحج فقال: المشهور ألا قضاء في قضاء رمضان. وَلَوْ أَكَلَ نَاسِياً حَرُمَ عَلَيْهِ الأَكْلُ ثَانِياً، وَفِي الْعَمْدَ قَوْلانِ أي: أن المتطوع إذا أفطر ناسياً لم يفسد صومه فذلك يحرم عليه الفطر، وأما إن أفطر في تطوعه عامداً فاختلف هل يجوز له التمادي؛ لأن الصوم قد فسد؟ ولا حرمة للزمان كرمضان. أو يمنع معاملةٌ له بنقيض مقصوده؟ فرع: وكالنسيان في سقوط القضاء المرض والإكراه وشدة الجوع والعطش والحر الذي يخاف منه تجدد مرض أو زيادته. وفي السفر روايتان: أحدهما، أنه عذر يسقط القضاء، رواها ابن حبيب. والثانية مذهب المدونة أنه ليس بعذر، ومن أفطر فالقضاء، ولذلك أوجب فيها القضاء على من تطوع بالصوم في السفر ثم أفطر، وفي الجلاب رواية أخرى بسقوطه. والله أعلم. وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ عَلَى الْفَوْرِ اتِّفَاقاً، فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى رَمَضَانَ ثَانٍ مِنْ غَيْرِ عُذُرِ فَالْفِدْيَةُ اتِّفَاقاً ....... لا خلاف في عدم الوجوب قاله ابن عبد السلام، لكن المستحب التقديم، قاله أشهب. واختلف في المؤكد من نافلة الصيام كعاشوراء، هل المستحب أن يقضي فيه رمضان ويكره أن يصومه تطوعاً؟ وهو قوله في العتبية، أو المستحب أن يصومه تطوعاً؟ وهو قوله في سماع ابن وهب، أو هو مخير؟ ثلاثة أقوال، حكاها في البيان. أما ما دون ذلك من تطوع الصيام فالمنصوص كراهة فعله قبل القضاء. ابن عطاء الله: والفرق بين قضاء رمضان وبين الصلاة المؤقتة؛ فإنه لا يكره له قبل الفريضة إذا كان وقتها متسعاً. ويكره أن يتطوع بالحج قبل الفريضة، وبالصيام قبل القضاء؛ أن

стр. 923

الحج على الفور. وأن القضاء قد ترتب في الذمة، والصلاة لا قائل بأنها على الفور ولم تترتب في الذمة بعد. ألا ترى أنه لو مات قبل أن يصلي لا يعصي. واستحب مالك في المدونة تتابع القضاء، وبقية كلامه ظاهر. فَلَوْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ عِنْدَ تَعْيِينِ الْقَضَاءِ فَفِي الْفِدْيَةِ قَوْلانِ أي: لو لم يبق لمرضان. إلا قدر ما عليه فمرض أو سافر حينئذ وهو مراده بقوله: (تَعْيِينِ الْقَضَاءِ). والقولان مبنيان على أنه هل يعد هذا تفريطاً أم لا؟ قال في التنبيهات: واختلف في صفة المفرط الذي تلزمه الفدية على مذهب الكتاب، فذهب أكثر الشارحين إلى أنه إنما تلزمه إذا أمكنه ذلك في شعبان قبل دخول رمضان، فلم يفعله، فمتى سافر فيه أو مرضه أو بعضه فلا تلزمه فدية فيما سافر فيه أو مرضه، ولو كان فيما قبل من الشهور صحيحاً مقيماً، وهو مذهب البغداديين وأكثر القرويين في تأويل الكتاب. وهو معنى ما قال مالك في المبسوط. وهذب بعضهم إلى مراعاة ذلك في شهر شوال بعد رمضان الذي أفطره، فمتى مضت عليه أيام عدد ما أفطر وهو صحيح مقيم ولم يصم حتى دخل عليه رمضان آخر وجبت عليه الفدية، ولو كان في بقية العام لا يقدر على الصوم. وهذا المذهب أسعد بظاهر الكتاب لقوله في المسألة: إذا صحَّ شهراً [أو أقام في أهله شهراً] أو أوصى أن يطعم عنه أن ذلك في ثلثه مبدأ، ولا يبدأ إلا الواجبات، وبدأه على نذر المساكين، ونذر المساكين واجب، فجعله أوجب منه، فلولا أنه يجب بخروج شوال لكان قد أوصى بما لا يجب عليه وكان كسائر الوصايا التي لا تبدأ. انتهى. وعلى هذا فكان الأولى أن يقول: فلو مرض أو سافر بعد مضي أيام يمكنه فيها القضاء، والله أعلم.

стр. 924

وَفِيهَا: وَلَوْ تَمَادَى بِهِ الْمَرَضُ أَوِ السَّفْرُ فَلا إِطْعَامَ هذا ظاهر لا خلاف فيه، وهو قسيم قوله أولاً: فإن أخره إلى رمضان ثان من غير عذر. فرع: قال سند: إذا أمكنه القضاء فلم يقضيه حتى مات، فالمذهب أنه لا إطعام عليه في ذلك، وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي: عليه الإطعام. ابن راشد: وانظر قوله: والمذهب أن لا إطعام، فهو موافق لما حكامه العراقيون. وفي التبصرة: إذا صح شهراً قبل شعبان أو أقامه عند قدومه فلم يصمه حتى مات كان عليه الإطعام عند مالك. فهو خلاف ما قاله سند. وهِيَ: مُدٌّ بِمُدِّهِ ﷺ هذه هو الذي عليه جمهور أصحابنا وقال أشهب: يطعم في غير المدينة ومكة مداً ونصفاً، هو قدر شبع أهل مصر. الباجي: وإنما ذلك منه على جهة الاستحباب. ابن عطاء الله: ويحمل أن يكون منه على جهة الوجوب. وَلا يُجْزِئُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ لِمِسْكِينٍ أي: أنه لا يجوز لمن على كفارات أيام، دفع أكثر من مد لمسكين واحد، ولا خلاف ي المذهب في ذلك، وخالف الشافعي في ذلك. ابن عبد السلام: وهو الظاهر. قال: وهو الظاهر إذا فرعنا على مذهبنا جواز إعطاء مسكين مدّين [١٦٠/أ] من عامين أو مدّين متغايري النسبة، وإن كان سببهما يوماً واحداً كالحامل مثلاً إذا أفطرت يوماً من رمضان ولم تقضه حتى دخل رمضان ثان، وكالمفطر متعمداً وترك قضائه إلى دخول رمضان ثان.

стр. 925

خليل: وقد يقال: بل الظاهر أنه مكروه قياساً على ما قاله في المدونة، ونقله المصنف في باب الظهار. وهو قوله: وإذ كفر عن يمين ثانية ولم يجد إلا مساكين الأولى، ففيها لا يعجبني أنه يطعمهم كانت مثلها أو مخالفتها كالظاهر واليمين بالله إلا أن تحدث الثانية بعد التكفير. وَفِي وَقْتِهَا قَوْلانِ، عِنْدَ الْقَضَاءِ، الثَّانِي، أَوْ بَعْدَهُ وَعِنْدَ التَّعَذُّرِ أي: اختلف في الوقت الذي تجب فيه الكفارة على قولين: أحدهما أنه عندما يأخذ في القضاء أو بعده وهو مذهب الكتاب ليتفق الجابر النسكي والمالي. ابن حبيب: والمستحب فيه كلما صام يوماً أطعم مسكيناً، ومن قدّم الإطعام أو آخّره. أو فرّقه أو جمعه أجزاه. ووسع في المدونة في الإطعام إذا أخذ في القضاء في أوله أو أخره، وظاهره التخيير؛ وانظر هل هو موافق لقول ابن حبيب أم لا؟ ومعنى قوله: (الْقَضَاءِ، الثَّانِي) أي زمان القضاء الثاني؛ وذلك لأنه أضاف القضاء في الزمان الذي يقضي فيه إلى رمضان ثان، وترتبت بسبب ذلك الفدية فالزمان يقضي فيه بعد رمضان الثاني، هـ ومراده بقوله: (الثَّانِي) فالثاني صفة لمحذوف لا القضاء؛ إذ ليس ثم قضاء أول حتى يكون قضاء ثان، والقول الثاني لأشهب تعذر القضاء، فإذا مضى له يوم من شعبان أطعم عنه مداً. تنبيه: قال أشهب في المجموعة: ومن عجّل كفارة التفريط قبل دخول رمضان الثاني ثم لم يصم حتى دخل الثاني لم يجزه ما كفّر قبل وجوبه، فإن كان عليه عشرون يوماً فلمّا بقى لرمضان الثاني عشرة أيام كفر عن عشرين يوماً لم يجزه منها إلا عشرة، وشبهه اشهب بالمتمتع يصوم قبل الإحرام بالحج.

стр. 926

ابن عطاء الله: وهو بيّن؛ لأنه إخراج الشيء قبل وجوبه وقبل جريان سبب وجوبه. انتهى. وفي الجلاب: إذا قدّمه قبل القضاء أو أخره أجزأه، والاختيار أن يطعم مع القضاء. فرع: إذا مات، فإن أوصى بالفدية كانت في الثلث مقدمة على سائر الوصايا التي تبرع بها عتقاً أو غيره، وإن لم يوص لم يلزم الورثة، وذكر أبو الفرج في حاويه رواية بأنه يكفر عنه في الثلث، وإن لم يوص، قال في النوادر: وهي مخالفة لأصل مالك. وَلَوِ اِجْتَمَعَ نَحْوَ صَوْمِ التَّمَتُّعِ وَقَضَاءُ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ بُدِئَ بِالتَّمَتُّعِ عَلَى الْمَشْهُورِ أي: لو وجب عليه قضاء صيام رمضان مع صيام الهدي، وهو مراده بنحو صوم التمتع ولم يقرب رمضان الثاني حتى يضيق ما بقي من الأيام عن عدد الهدي وأيام القضاء، وهو مراده بقوله: (وَلَمْ يَتَعَيَّنْ)، فإن المشهور أنه يبدأ بأيام الهدي. قال بعضهم: لأنه لما صام ثلاثة أيام في الحج فلو أتى بصيام القضاء قبل صوم التمتع وقعت التفرقة في صوم التمتع من غير ضرورة؛ وهذا أبين إذا صام الثلاثة في الحج، ومنهم من علل بعلة عامة تدل على قوة علم مالك بالأصول وهي أنه لما كان قضاء رمضان واجباً موسعاً، وصوم الهدي في قوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) [البقرة: ١٩٦] واجباً مضيقاً، فإذا تعارض الموسع والمضيق كان تقديم المضيق أولى. ومقابل المشهور من كلامه يحتمل أن يردي به التخيير. ونقله اللخمي عن أشهب، ويحتمل أن يريد به تقديم القضاء لنهي دل على ما هو آكد منه، وقد ذكره ابن بشير. بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَعَيَّنَ أي: فإنه يبدأ بالقضاء اتفاقاً؛ لأن تأخير القضاء يوجب الفدية، وتأخير صيام التمتع لا يوجب شيئاً.

стр. 927

وَكُلُّ زَمَنٍ يُخَيِّرُ فِي صُوْمِهِ وَفُطْرَهِ وَلَيْسَ بِرَمَضَانَ فَمَحَلٌّ لِلْقَضَاءِ مراده بالتخيير صحة الصوم والفطر شرعاً لا التخيير الذي يقتضي التساوي؛ لأن التطوع مندوب. واحترز بقوله: (وَلَيْسَ برَمَضَانَ). من المسافر في رمضان، فإنه زمان يخير في صومه وفطره بالنسبة إليه، لكن لا يصح أن يقضي فيه؛ لأن رمضان لا يقبل غيره. بِخِلافِ الْعِيدَيْنِ أي: أنه لا يصح صومهما، فلا يقضي فيهما وهو زيادة إيضاح. وَأَمَّا الأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: فَثَالِثُهَا: يُصَامُ الثَّالِثُ دُونَهُمَا أي: اختلف هل يقضي رمضان في الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر؟ فقيل: يقضي فيها. وقيل: لا، وهو المشهور، وقيل: يقضي في الثالث دون الأولين. ومقتضى كلامه أن الأقوال الثلاثة فيا لجواز ابتداء. واللخمي إنما نقلها في الأجزاء، وهو مقتضى تعليل ابن عطاء الله، فإنه قال: منشأ الخلاف النهي الوارد عن صيامها هل هو التحريم أو على الكراهة؟ أو يفرق؟ لأن الثالث لما كان للحاج أن يتعجل فيه صار كأنه من غير أيام التشريق. وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَهَا تَعْيِيناً أَوْ تَبَعاً أي: أن هذه الأقوال موجودة في ناذر صوم أيام التشريق، سواء نذرها تعيناً بأن يقول: لله علي أن أصوم أيام التشريق. أو تبعاً بأن ينذر سنة أو شهر ذي الحجة. وحكى المصنف الخلاف مطلقاً. ابن راشد: قال بعضهم: لا خلاف في المذهب أنه لا يجوز صوم اليومين الأولين عن نذر معين أو غير معين، وحكى الباجي وابن عطاء الله أن أبا الفرج قال في الحاوي: ومن نذر اعتكاف أيام التشريق اعتكفها وصامها. وهذا يصحح طريقة

стр. 928

المصنف، وللباجي طريقة ثالثة؛ لأنه قال: وأما آخر أيام التشريق فيصومه من نذره بلا خلاف، وأما من نذر صوم ذي الحجة، فقال ابن القاسم: يصومه. وقال ابن الماجشون: أحبُّ إلي أن يفطر ويقضيه، ولا أوجبه. وأما من نذر صوم عام معين، ففي المختصر لمالك لا يصوم الرابع. وفي المدونة ما يدل على أنه يصومه. انتهى. وانظر: لمّ ألزم هنا بالنذر في الأيام الثلاثة على أحد الأقوال مع أن القاعدة: أن النذر لا يلزم في المكروه؟ وهذا السؤال وارد على المشهور الذي ألزمه اليوم الثالث بالنذر مع أن صيامه مكروه. ويمكن أن يجاب عن المشهور بأن في صوم هذا اليوم جهتين: إحداهما أنه يوم ليس هو يوم عيد ولا يوم نحر عند مالك ولا يرمي المتعجل فيه الجمار. وهذا الجهة تضعف أن يكون من أيام التشريق التي ورد النهي عن صيامها. والثانية: أنه يوم ذبح عند بعضهم، ويطلق عليه اسم أيام التشريق، ويرمي فيه من لم يتعجل. وهو من هذه الجهة، يشمله عموم النهي عن صيام أيام التشريق فغلبنا الجهة الأولى لما أن اقتضى النذر وجوب صيامه إما تعيناً أو تبعاً لأن الوجوب مرجح على شائبة الكراهة احتياطاً لبراءة الذمة، ولما لم يعارض الكراهة ما هو أقوى منها غلبنا عليه الشائبة الأخرى، فقلنا: لا يصام تطوعاً. ولا يقال: إن اعتبار الجهتين من أصله باطل؛ لأن حديث زمعة دليل واضح على صحة القول به. وَلَوْ نَوَى الْقَضَاءَ بِرَمَضَانِ عَنْ رَمَضَانَ – فَثَالِثُهَا: لا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالأَوَّلانِ تَحْتَمِلُهُمَا الْمُدَوَّنَةَ لأَنَّ فِيهَا: وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الآخرِ؛ فَجَاءَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَفَتْحِهَا .... تصور المسألة واضح والثلاثة الأقوال كلها لابن القاسم، والأولان لمالك. فوجه القول بأنه يجزيه عن القضاء ما رواه البخاري ومسلم: من قول ﷺ "إنما الأعمال بالنيات وإنما للكل امرئ ما نوى". ووجه عكسه كون رمضان لا يقبل غيره. وأما

стр. 929

عدم إجزائه عن الأداء فلكونه لم ينوه. ابن الجلاب: وهو الصحيح. قال ابن رشد: وهو الصواب عند أهل النظر كلهم. قوله: (وَالأَوَّلانِ تَحْتَمِلُهُمَا الْمُدَوَّنَةُ). الاحتمال على رواية الفتح فقط. وأما على رواية الكسر فلا تحتمل إلا الإجزاء عن رمضان الخارج. ورجّح ابن رشد رواية الكسر؛ لأن المسألة وقعت صريحة في اختصار المبسوط عليها. فروع: الأول: إذا بنينا على المختار عند الأكثر من عدم الإجزاء لهما فقال ابن المواز. يكفّر عن الأول مُدَاً لكل يوم ويكفر عن الثاني بكفارة العمد في كل يوم. أبو محمد: يريد: إلا أن يعذر يجهل أو تأويل؛ وقال أشهب: لا كفارة عليه؛ لأنه قد صامه ولم يفطره. أبو محمد: وهو الصواب. الثاني: لو نوى بصومه رمضان الداخل والخارج؛ فقال ابن حبيب: يجزئه عن الداخل، ولا يفسد صومه ما زاد فيها مما لا يجوز له من نية القضاء. وروى أشهب أنه لا يجزئه عن واحد منهما. قال في البيان: وهو بعيد. خليل: وقد يقال: هو الظاهر؛ لأنه قصد أن يكون بعض اليوم أداء وبعضه قضاء، ومثله غير واقع. الثالث: إذ كان في سفر في رمضان فنوى برمضان قضاء رمضان آخر فقال ابن القاسم: لا يجزئه. وقال محمد بن عبد الحكم: يجزئه، وهو أخفّ من الحضر لجواز الفطر له. فَلَوْ صَامَ رَمَضَانَ عَنْ نذره وفريضته فَالْمَنْصُوصُ لا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وخَرَّجَهُمَا اللَّخْمِيُّ عَلَى الأُولَى .... أي: لو كان عليه نذر فصام رمضان أو بعضه عن نذره لم يجزه ذلك لا عن نذره ولا عن رمضان عن المنصوص، وخرّج اللخمي فيها القولين الأولين، ابن بشير: لعل ذلك لا يجزئ لبعد ما بين [الوجهين] بخلاف ما إذا قصد ما هو من جنس واحد.

стр. 930

وَفِيهَا: وَمَنْ نَوَى نَذْرَهُ وَحَجَّةُ الْفَرِيضَةِ أُجْزَأَهُ لِنَذْرِهِ فَقَطْ وهذه المسألة ذكرها المصنف في النذور، وذكر فيها أربعة أقوال: ولعله أتى بها ها هنا إشارة إلى طلب الفرق بينها وبين التي قبلها. ويمكن أن يفرق بينهما بأن رمضان لا يقبل غيره. فلذلك لا يجزئ عن القضاء الذي نواه، بخلاف الحج، فإن الزمان لا يتعين لحجة والفريضة. وَلا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ كلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ هذا ظاهر، ونص مالك وابن القاسم [١٦١/أ] وأشهب على الاستحباب. قال أشهب: كل ما لم يذكر الله سبحانه التتابع فيه، فإن فرقه أجزأه وبئس ماصنع. وَيَجِبُ الْعَدَدُ، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يَصُومَ شَهْراً مُتَتَابِعاً، وَيَكُونُ أَكْمَلَ، فَيَجِبُ إِكْمَالُهُ يعني: أن المشهور وجوب قضاء ما أفطر مطلقاً صام في أول الشهر أو أثنائه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وروى ابن وهب إن صام بغير الهلال فكذلك، وإن صام بالهلال أجزأه ذلك الشهر سواء اتفقت أيامهما أو كان عدد القضاء أكمل أو أنقص. هكذا نقل صاحب النوادر وغيره. وكلام المصنف يقتضي أنه إذا كان رمضان تسعة وعشرين فصام شهراً فكان ثلاثين، وجب عليه إتمامه، وهو لا يدل على العكس، لاحتمال أن يقال: إذا كان رمضان أكمل يجب أن يكون القضاء كذلك، ويفرق بالاحتياط والنقل كما تقدم. وَلا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ أي: أن الكفارة من خصائص رمضان؛ إما لأن القياس لا يدخل باب الكفارات أو يدخله ولكن حرمة رمضان زائدة على حرمة غيره فلا يتحقق الجامع، هذا هو المشهور،

стр. 931

وقال ابن حبيب: إذا نذر صوم الدهر ثم أكل متعمداً فعليه كفارة من أكل في رمضان. قال: لأنه لا يجد له يوماً يقضيه إلا وصومه عليه واجب، كما لا يجد المفطر في رمضان يوماً فارغاً. وكذلك قال ابن الماجشون. قال فضل: ذكر ابن الماجشون في ديوانه الكفارة مجملة ولم ينص فيه على ما نص ابن حبيب من كفارة المفطر في رمضان، والذي يعرف لابن كنانة وغيره من أصحابنا أنه يكفر بمد عن اليوم الذي أفطر فيه. انتهى. وقال الشيخ الحافظ أبي الحسن بن المفضل بن علي المقدسي المالكي في كتاب بيان أحكام التطوع بالصيام في الشهور والأعوام من تأليفه فيما إذا نذر صوم الدهر ثم أفطر يوماً متعمداً قال: كافة الناس لا شيء عليه، وليستغفر الله. وقال ابن نافع وعبد الملك: عليه الكفارة. قال: هذا ما ذكره ابن العربي عنهما، وأما ابن الماجشون فقد نقل عنه غير واحد أنه قال: عليه كفارة المفطر في رمضان. وأما ابن نافع فلم أجد عنه في ذلك نقلاً، وأما سحنون فإنه قال: عليه إطعام مسكين. وَتَجِبُ بإِيلاجِ الْحَشَفَةِ، وَبِالْْمَنِيِّ، وَبِمَا يَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ مِنْ الْفَمِ خَاصَّةً، وبالإصْبَاحِ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ، وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ بَعْدَهُ عَلَى الأَصَحِّ .... أي: وتجب الكفارة بإيلاج الحشفة وإن لم يكن إنزال، يريد وكذلك مثلها من مقطوعها، وبالمني ولو بالقبلة وما في معناها، وبما يصل إلى الحلق من الفم. واحترز بقوله: (خَاصَّةً) من قول أبي مصعب، وسيأتي. وقوله: (وَبالإِصْبَاحِ بنِيَّةِ الْفِطْرِ)، وهو مذهب المدونة، وهو الصحيح، وروى أبو الفرج عن مالك: لا كفارة على من بيت الفطر ولم يأكل ولم يشرب حتى أمسى، قال بعض الشيوخ: وهذا الخلاف يجب أن يكون إذا نوى في أثناء الشهر، وأما لو نوى الفطر

стр. 932

في أول ليلة لوجب أن يكفر باتفاق؛ لأنه لم ينو الصيام ولم يزل عنه حكم الكفارة على المذهب نية الصوم بعد ذلك. ولو قال: على الصحيح، لكان أولى من قوله: (عَلَى الأَصَحَّ)، ومفهوم كلام المصنف: ولو نوى الصوم بعده؛ أنه لو لم ينو وجبت الكفارة من غير إشكال، وهو كذلك؛ لكنه ليس متفقاً عليه، فإن أبا الفرج نقل فيه رواية بالسقوط، وبه قال أِهب على ما فهمه بعض الشيوخ من كلامه في المدونة. ولنذكر ذلك ليتبين لك ذلك، قال فيها: قال مالك: ومن أصبح ينوي الفطر في رمضان فلم يأكل ولم يشرب حتى غابت الشمس أو مضى أكثر النهار فعليه القضاء والكفارة، قيل لابن القاسم: فإن نوى الفطر في رمضان إلا أنه لم يأكل ولم يشرب؟ قال: لا أدري هل أوجب مالك عليه مع القضاء الكفارة أم لا؟ وأحب إلي أن يكفر مع القضاء، ولو أصبح ينوي الفطر في رمضان ولم يأكل ولم يشرب ثم نوى الصيام قبل طلوع الشمس وترك الأكل وأتم صومه لم يجزه صوم ذلك اليوم. وبلغني عن مالك أن عليه القضاء والكفارة وهو رأيي. قال أِهب: عليه القضاء ولا كفارة عليه. انتهى. واختلف الشيوخ هل خلاف شهبٍ خاصٍ بالأخيرة أو هو عائد على الثلاث. وَبِرَفْعِ النِّيَّةِ نَهَاراً عَلَى الأَصَحِّ بناء على أن الصوم يرتفع. وهذه المسألة هي المسألة الثانية من مسائل المدونة المتقدمة آنفاً. ذَاكِراً مُنْتَهِكاً حُرْمَةَ رَمَضانِ فَلا كَفَّارَةَ مَعَ النِّسْيَانِ، وَالإِكْرَاهِ، وَالْغَلَبَةِ، وَقِيِلَ: إِلا فِي نِسْيَانِهِ الْجِمَاعَ وَإِكْرَاهِهِ .. ليس قوله: (ذَاكِراً مُنْتَهِكاً). مختصاً برفع النية، بل هو راجع إليه وإلى ما تقدم، وأخرج بالذاكر، الناسي. وبالمنتهك، المتأول والمكره.

стр. 933

ولما كان قوله: (فَلا كَفَّارَةَ مَعَ النِّسْيَانِ، وَالإِكْرَاهِ) نتيجة الكلام الأول، عطفه بالفاء الدالة على [١٦١/ب] السببية. ومراد المصنف بالغلبة: من يغلب على الصيام ولا يقدر عليه بمرض أو نحوه. ويحتمل أن يريد بالغلبة ما يدخل عليه غلبة كالذباب والمضمضة ونحوهما. ويحتمل أن يريدهما معاً. وقوله: (وَقِيلَ) ... إلى آخره، يعني أن المشهور سقوطا لكفارة عن الناسي في رمضان لعدم انتهاكه، والقول الثاني لابن الماجشون وهو مروي عن مالك وجوبهما لترك الاستفصال في قضية المجامع لقوله: واقعت أهلي في رمضان. وأجيب: بأن قرينة الحال من ضرب الصدور ونتف الشعر يبين كون الوقاع عمداً. فإن قلت: ما حكاه المصنف من الخلاف في الإكراه، إما أن يريد به المرأة المكرهة أو الرجل المكره لها. فإن أراد الأول ففيه نظر. فإنا لا نعلم من قال بالوجوب في حقّها مع يسر الزوج. وإن أراد الثاني فسيقول: والمشهور وجوبها على المكره؛ فيصير تشهيره هنا مخالفاً لما سيشهره. فالجواب أنه لا يريد لا هذا ولا هذا، بل يريد أن الرجل المكره لا تجب عليه الكفارة على المشهور، قال في التنبيهات: واختلف في الرجل المكره على الوطء، فقيل: عليه الكفارة، وهو قول عبد الملك. وأكثر أصحابنا، أنه لا كفارة عليه، ولا خلاف أن عليه القضاء، والخلاف في حده، والأكثر إيجاب الحد عليه. وَفِي نَحْوِ التُّرَابِ وَفَلْقَةِ الطَّعَامِ عَلَى تَفْرِيعِ الإِفْطَارِ قَوْلانِ قد تقدم هذا بما فيه كفاية. فائدة: قال اللخمي: الجاهل كالمتأول في إسقاط الكفارة على المعروف من المذهب؛ لأنه لم يقصد انتهاك حرمة الصوم. قال: وجعله ابن حبيب كالعالم.

стр. 934

وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُهَا عَلَى الْمُكْرِهِ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ عَنِ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ غَيْرَهِمَا إِذَا أَكْرَهَهُنَّ ..... لا خلاف في وجوب الكفارة على المكره المذكور عن نفسه، والمشهور أنه تجب عليه أخرى عن المكرهة، وقال ابن عبد الحكم وسحنون ورواه ابن نافع عن مالك لا يلزمه عنها شيء وصحح؛ لأن وجوبها عليه فرع وجوبها عليها، وهي لا تجب عليها، وعلى المشهور فهل هي واجبة عليه بالأصالة؛ لأنه أفسد صومين؟ أو بالنيابة؟ المشهور، الثاني؛ فلذلك لا يكفر إلا بما يجزيها في التفكير، فلو كانت أمة لم يصح له التكفير بالعتق، إذ لا ولاء لها، نص عليه صاحب النكت وغيره. ولا يكفر عنها بصوم؛ لأن الصوم لا يقبل النيابة. ابن عطاء الله: وعليه يخرج قول المغيرة. وفي المجموعة: أنه إذا أكره زوجته ثم كفر عنها بعتق أن الولاء يكون لها وعليه، فإن أعسر كفرت عن نفسها، فإذا أيسر رجعت عليه إلا أن تكفر بالصوم. عبد الحق عن بعض شيوخه: وترجع بالأقل من مكيلة الطعام أو الثمن الذي اشترته به، أو قيمة الرقبة، أي ذلك أقل رجعت به. وعلى القول بالأصالة يجوز له أن يكفر بالعتق، ويكون الا لولاء له. وعورضت هذه المسألة بمن أكره شخصاً وصبّ في حلقه ماء فإنه نص في المدونة على أنه لا تجب عليه كفارة. نعم أوجبها ابن حبيب، وقد يفرق بينهما بأن المكره لزوجته أو أمته حصلت له لذة فناسب أن تجب عليه عنهما، وأما من صب في حلق إنسان ماء فلم يحصل له شيء. ويؤيده أنه لو أكره غيره على أن يجامع لم تكن عليه كفارة عند الأكثر كما تقدم. وفي مسائل القاضي إسماعيل عن مالك في قوله: لا غسل على المكرهة إلا أن تلتذ ولا عن النائمة. ابن القصار: فتبين بهذا أنها لا تكون مفطرة. يريد لا قضاء عليها، وهو خلاف المعروف عندنا. ونقل ابن راشد عن ابن حبيب أنه قال: إذا جامع زوجته نائمة عليها الكفارة. واختلف في الذي يقبل امرأته مكرهة حتى ينزلا، فقال ابن القابسي وابن شبلون: يكفر عن نفسه فقط، وعليهما القضاء.

стр. 935

وقال الشيخ أبو محمد وحمديس: يكفر عنها. وكل أول المدونة على ما ذهب إليه، ورجح مذهب ابن أبي زيد، لأن الانتهاك من الرجل حاصل فيهما. ومفهوم قوله: (إِذَا أَكْرَهَهُنَّ) أن الأمة يتصور في حقها الطوع والإكراه كالحرة. والذي في النوادر: قال بعض أصحابنا: إن وطئ أمته كفَّر عنها وإن طاوعته، لأن طوعها كالإكراه للرق؛ ولذلك لا تحد المستحقة، وإن كانت تعلم أن واطئها غير المالك. ابن يونس: إلا أن تطلبه هي بذلك، فتلزمها الكفارة، وتحد المستحقة إن لمتعذر بجهل. انتهى. وينبغي أن يلحق بالسؤال ما إذا تزينت، ولم أر في كتب الأصحاب خلاف ما نقله الشيخ أبو محمد. فرع: ويكفر العبد والأمة بالصيام إلا أن يضر ذلك بالسيد، فيبقى ديناً عليهما، إلا أن يأذن لهما السيد في الإطعام، وإن أكره العبد زوجته فقال ابن شعبان: هي جناية إن شاء السيد أسلمه أو افتكه بأقل القيمتين من الرقبة أو الإطعام، وليس لها أن تأخذ ذلك وتكفر بالصيام؛ إذ لا ثمن له. ابن محرز: ومعنى قول ابن شعبان: من الرقبة أي التي يكفر [١٦٢/أ] بها، لا رقبة العبد الجاني وهو خلاف ما حكاه أبو محمد في نوادره، وهو أِبه بالأصول مما حكاه أبو محمد. ويحتمل عندي أن يفديه السيد بالأكثر من الأمرين؛ لأن المرأة مخيرة فيما تكفر به. وهذا الوجه أقوى عندي من الأول؛ لأنه لاحظ ي الأول كون المكفر إنما يكفر بأخف الكفارات لا بأثقلها. انتهى معناه. خليل: وقوله خلاف ما حكاه أبو محمد إلى آخره، يريد لأن في عبارة الشيخ أبي محمد: يفديه بالأقل من ذلك أو من رقبته؛ فهذا يقضي قيمة العبد وليس حكم الجناية المتعلقة برقبة العبد هكذا بل يفتكه بأرش الجناية أو يسلمه، وعلى هذا ففي نقل أبي محمد نظر فاعلمه.

стр. 936

وَفِي مُكْرَهِ جِمَاعِ الرَّجُلِ قَوْلانِ يعني: اختلف في المكره غيره على أن يجامع، هل تجب على فاعل الإكراه كفارة أم لا؟ والأقرب السقوط؛ لأنه متسبب والمكره مباشر. وَلا كَفَّارَةَ فِيمَا يَصِلُ مِنْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ حُقْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ فِي الأَنْفِ وَالأُذُن بَعِيدٌ .... هذا كما قال ابن بشير وغيره: أنه لا خلاف في سقوط الكفارة فيما يصل إلى المعدة من غير الفم إلى ما قاله أبو مصعب فيما يصل من منفذ واسع واستبعد قوله بأن الكفارة معللة بالانتهاك، الذي هو أخص من العمد وهذا لا تتشوف النفوس إليه، وكأن أبا مصعب يراها معللة بالعمد ويرى هذا انتهاكاً. اللخمي: وقول أبي مصعب في السعوط وتقطير الدهن في الأذن والحشفة إن وصل شيء من ذلك إلى الجوف فعليه القضاء والكفارة، وإن وصل من العين فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ يريد لأنها منفذ لطيف. فَإِنَّ تَأَوَّلَ بِوَجْهٍ قَرِيبٍ كَمَنْ نَسِيَ فَظَنَّ الْبُطْلانِ فَأَفْطَرَ ثَانِياً، وَكَمَنْ لَمْ تَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحَتْ فَظَنَّتْ الْبُطْلانَ فَأَفْطَرَتْ، وَكَمَنْ قَدِمَ لَيْلاً فَطَنَّ الْبُطْلانَ فَأَصْبَحَ مُفْطِراً، وكَالْرَّاعِي عَلَى أَمْيَالٍ فَيُفْطِرُ بِظَنِّ السَّفَرِ، قَالَ اِبْنُ الْقَاسِمِ: كُلَّ مَا رَأَّيْتُهُ يسْأَلُ عَنْهُ وَلَهُ تَاوِيلُهُ، قَالَ: فَلا كَفَّارَةَ، إِلا الْمُفْطِرَةَ عَلَى أَنَّهَا تَحِيضُ فَتُفْطِرُ ثُمَّ تَحِيضُ، وَالْمُفْطِرَ عَلَى أَنَّهُ يَوْمَ الْحِمَى فَيُفْطِرُ يَحَمُّ، وَفِيهَا: وَفِي الْوَجْهِ الْبَعِيدِ مِثْلُهُمَا: قَوْلانِ – كَمَنْ رَآهُ وَلَمْ يُقْبَلْ. أي: فإن تأول المفطر فلا يخلو إما أن يكون تأويله قريباً أو لا؟ فإن كان قريباً أي مستنداً ولسبب موجود، لم تلزم الكفارة لما تقدم أنها معللة بالانتهاك وهو معدوم هنا.

стр. 937

وإن كان بعيداً أي لم يستند إلى سبب موجود لم تسقط الكفارة. ومثل القريب بأربع مسائل. والبعيد بثلاث، وكلها في المدونة. كما ذكر المسألة الأولى من الأربع، من أفطر ناسياً ثم أفطر بعد ذلك متعمداً معتقداً أن التمادي لا يجب عليه. ولم يذكر فيها خلافاً. وفيها ثلاثة أقوال، المشهور منها ما ذكره، وبه قال أشهب، والثاني لعبد الملك وجوبها. والثالث: الفرق لابن حبيب بين أن يفطر ثانياً بأكل أو شرب فتسقط، وبين أن يكون بجماع فتجب. أما إن أفطر مع علمه بأن الفطر لا يجوز له، فعليه الكفارة. قال سند وابن عطاء الله: اتفاقاً، إلا عند عبد الوهاب قال: لأن أكله الثاني لم يصادف صوماً. وصرح ابن الجلاب بأنه إذا قصد هتك الصيام والجرأة عليه، أن عليه الكفارة. المسألة الثانية: من انقطع حيضها قبل الفجر ولم تغتسل حتى طلع الفجر، فظنت بطلان صومها فأفطرت، قال أِهب في المجموعة: وكذلك من أصبح جنباً فظن أن صومه فسد فأفطر لا كفارة عليه. المسألة الثالثة: من قدم ليلاً من سفره مفطراً فظن أنه لا ينعقد له صوم في صبيحة تلك الليلة وتوهم أن من صحة انعقاد الصوم أن يقدم قبل غروب الشمس فأفطر. المسألة الرابعة: الراعي يخرج لرعي ماشيته على أميال فظن أن مثل ذلك سفر مبيح للفطر. وألحق ابن القاسم بهذه الأربعة من رأي هلال شوال نصف النهار فافطر، فأسقط عنه الكفارة لتأويله، ومن احتجم فظن الحجامة تفطر الصائم فأفطر. وقال أصبغ: هو تأويل بعيد. وألزم ابن حبيب فيه وفي المغتاب يفطر بعد ذلك الكفارة، وجعل في العتبية من القريب من تسحر قرب الفجر فظن أن ذلك اليوم لا يجزيه فأكل متأولاً فقال: لا كفارة عليه.

стр. 938

والاستثناء في قول ابن القاسم: إلا المفطرة، استثناء منقطع؛ لأن تأويلها وتأويل من ذكر المصنف بعد هذا لا يرفع الكفارة لبعده. ومعنى المسألة: أن المرأة إذا جرت لهاعادة الحيض في يوم معين فتصبح فيه مفطرة قبل ظهور الحيض ثم تحيض باقي ذلك النهار. وقوله: (وَالْمُفْطِرَ). عطف على (الْمُفْطِرَةَ).أي من به حمَّي الربع فيصبح يوم حماه مفطراً، ثم يحم، وجعل ابن عبد الحكم تأويل الحائض وصاحب الحمى تأويلاً قريباً. الصورة الثالثة مما مثل به المصنف، البعيد: من رأى هلال رمضان فأصبح مفطراً لكونه لم تقبل شهادته ظاناً أن حكم رمضان لا يتبعض في حق المكلفين. [١٦٢/ب] وقد تقدم هذا الفرع وما فيه. لكن في قوله: (وفي الْوَجْهِ الْبَعِيدِ)، نظر؛ لان مقتضاه أن القولين اتفقا على أنه بعيد، واختلف في وجوب الكفارة وليس كذلك بل من أسقط الكفارة رآه تأويلاً قريباً. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا إِطْعَامُ سِتَّيْنَ مِسْكِيناً مُدّاً مُدّاً كَإِطْعَامِ الظّهَارِ دُونَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَقِيلَ: عَلَى الأَوْلَى، وَقيِلَ: عَلَى التَّخْيِيرِ وَقِيلَ: عَلَى التَّرْتِيبِ كَالظِّهَارِ، وَقِيلَ: الْعِتْقُ أَوِ الصِّيَامُ لِلْجِمَاعِ والإِطْعَامُ لِغَيْرِهِ، وَفِيهَا: لا يَعْرِفُ مَالِكٌ إلا الإِطعَامِ لا عِتْقاً ولا صَوْماً ..... يعني: أنه اختلف في الكفارة الكبرى في رمضان هل هي مقصورة على الإطعام؟ أو هي على التخيير في الثلاثة، أو هي على الترتيب كالظهار، أو تتنوع؟ ومقتضى كلامه أن المشهور الحصر في الإطعام بدليل جعله الإطعام على سبيل الأولى مقابلاً له، وفيه نظر، فإن ذلك نص عليه غير واحد أن المعروف والمشهور من مذهبنا أنها على التخيير. ولفظ ابن عطاء الله: المعروف من مذهبنا أنها على التخيير لكن الأولى الإطعام؛ لأنه أعم نفعاً. ومنهم من علل استحباب الإطعام لكونه هو الوارد في الحديث.

стр. 939

واستحب مالك في كتاب ابن مزين البداية بالصوم ثم بالعتق، واستحب المغيرة البداية بالعتق، وقال ابن حبيب: العتق أحب إلي فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام هكذا نقل اللخمي، ونقل عياض عنه أنها عنده على الترتيب. ونقل الباجي عن المتأخرين من الأصحاب أنهم يراعون في الفضل الأوقات والبلاد؛ فإن كانت أوقات شدة فالإطعام أفضل، وإن كانت أوقات خصب ورخاء فالعتق أفضل. وقد أفتى الفقيه أبو إبراهيم من استفتاه في ذلك من أهل الغنى الواسع بالصيام لما علم من حاله أنه أشق عليه من العتق والإطعام، وأنه أردع له عن انتهاك حرمة رمضان. وتبع المصنف في القول الأول ابن بشير، وليس بجيد. والقول بأنها تتنوع لأبي مصعب، وهو ضعيف؛ لأن الحديث الذي هو أصل هذه الكفارات إنما كان في الجماع ووقع التكفير فيه بالإطعام. وقوله: (كَإِطْعَامِ الظِّهَارِ) كجنس ما يطعم في الظهار، ويحتمل أن يريد بالتشبيه أنه لا يجزئ أقل من المد، وقد نصَّ صاحب اللباب عليه، وذكر أنه قول مالك والشافعي، وليس التشبيه في القدر، فإن هذه بمد النبي ﷺ ، وتلك بمد هشام على المشهور. واحتج من قال بالترتيب بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت؛ فقال: ما لك؟ قال: واقعت أهلي وأنا صائم، فقال له النبي ﷺ : "هل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ " قال: لا، قال: فأتى النبي ﷺ بعَرَق من تمر فقال: "تصدق به" الحديث.

стр. 940

واحتج القائل بالتخيير بما في الموطأ قال: أمره النبي – ﷺ – بعتق رقبة أو بصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً، مع أنه أقرب إلى البراءة الأصلية. وعلى كل منهما اعتراض، أما على الأول فلأن قوله ﷺ : (هل تجد)، وهل تجد لا تدل على الترتيب. وأما على الثاني فلاحتمال أن تكون أو للتفصيل. دلت الرواية الأخرى على أن المراد الترتيب، والأصح المشهور، فإن قوله: هل تستطيع؟ ليس فيه دليل على الترتيب، لا بالنص ولا بالظاهر، وقاله عياض. وحمل مطرف وابن الماجشون وابن حبيب وصاحب النكت وغيرهم. قوله في الكتاب: (لا يَعْرِفُ مَالِكٌ إلا الإطعَامِ) على معنى لا يعرف المستحب. وأخذوا من ذلك أن التصدق بالطعام أفضل من العتق، ومنهم من حمله على ظاهره، وخصص الإجزاء بالإطعام، ولعل المصنف وابن بشير ممن اعتمد على هذا. عياض: ولا يحل تأويله على مالك، لأنه خرق للإجماع. فائدة: أشار اللخمي إلى أن أصل المذهب أن من أتى مستفتياً صدق فيما يدعيه ولم يلزم بالكفارة، وإن ظهر عليه، نظر فيما يدعيه، فإن كنا مما يرى أن مثله يجهله، صدق، وإن كان أتى بما لا يشبه لم يصدق، وألزم الكفارة. وهذا فائدة قولهم: إن هذا ينوّي ولا ينوّي الآخر، أنه يجبر على الكفارة. ولو كان إخراج الكفارة إليه إذا ادعى ما لا يشبه، لم يكن للتفرقة وجه، وهذا القول هو الأصل في الحقوق التي لله سبحانه في الأموال؛ كما قيل بالجبر على الزكاة. وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الأَيَّامِ، وَلا تَتَعَدَّدُ عَنِ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، قِيلَ: التَّكْفِيرُ، وَفِي تَعَدُّدِهَا بَعْدَهُ قَوْلانِ ...... أما تعددها بتعدد الأيام فظاهر، وأما اليوم الواحد إذا كرر الإفطار قبل إخراج الكفارة فلا تتعدد اتفاقاً وأما بعد التكفير، فقال ابن عطاء الله: المعروف من مذهبنا أنه لا

стр. 941

تجب في اليوم الواحد كفارتان، وسواء وطئ قبل التكفير أو بعده. قيل وهو الصحيح؛ لأن الكفارة معللة بالانتهاك المستلزم للإفساد، والإفطار الثاني لا يستلزمها. والقول بتعددها [١٦٣/أ] نقله في النكت ع بعض شيوخه؛ قال: ومثل هذا في أصولهم كثير، من ذلك الذي يكرر ما يجب فيه الهدي من طيب أو لبس أنه تجزئة فدية واحدة. وكذلك الذي يكرر القذف فإنما عليه حد واحد، ولو قذف ثم كرر تكرر الحد عليه. وَيُكَفِّرُ وَلِيُّ السَّفِيهِ عَنْهُ، وَعَلَى التَّرْتِيبِ تَكُونُ كَالظِّهَارِ، وَفِي إِجْزَاءِ صِيَامِهِ فِيهِ مَعَ وُجُود الرَّقَبَةِ قَوْلانِ ..... أي: أن السفيه إذا فعل موجب الكفارة، كفّر عنه وليه؛ فإن قلنا بالتخيير أمره بالصيام لحفظ ماله، وإن لم قدر عليه أو أبى كفر عنه بالأقل من العتق أو الإطعام. عبد الحق: ويحتمل أن تبقى الكفارة في ذمته إن أبى من الصوم، قال: وهو الأبين. وإن قلنا بالترتيب، كان الأمر فيها كما إذا ظاهر، ثم أشار إلى حكمه في الظهار بقوله: (وَفِي إِجْزَاءِ صِيَامِهِ فِيهِ) أي في الظهار، مع وجود الرقبة قولان، أحدهما الإجزاء؛ لأن سفهه لا يزعمه عن تكرير الظهار، فلو ألزم العتق لأدى إلى إتلاف ماله، وهو قول محمد. والثاني: أنه لا يجزئ بل يتعين العتق وقوفاً مع النص، وهو ظاهر المذهب، وفرّق ابن كنانة بين أن يتكرر منه الظهار أم لا. وَيُؤَدَّبُ الْمُفْطِرُ عَامِداً فَإِنْ جَاءَ تَائِباً مُسْتَفْتِياً فَالظّاهِرُ الْعَفْوُ، وَأَجْرَاهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الْخِلافِ فِي شَاهِدِ الزُّورِ ... لا إشكال في تأديبه، فإن بنينا على قول ابن حبيب فذلك ردة نعوذ بالله منها. اللخمي: ويختلف فيمن أتى مستفتياً ولم يظهر في ذلك عليه، قال في المبسوط: لا عقوبة عليه، ولو عوقب لخشيت أن لا يأتي أحد ليستفتي في مثل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه

стр. 942

وسلم لم يعنف السائل ولم يعاقبه. ويجري فيها قول آخر، أنه يعاقب قياساً على شاهد الزور إذا أتى تائباً؛ ولمالك في كتاب السرقة: يعاقب. وقال سحنون: لا عقوبة عليه. والأول أحسن، ولو كان كذلك لسقط على المعترف بالزنا والسرقة. وأرى أن يُنظر السائل فإن كان من أهل الستر، ومن يُرى أن ذلك منه فلتة لم ترفع الشهادة عليه لما أُمر به من الستر، ومن كان مشتهراً تعرف منه قلة المراعاة لدينه رفعت عليه الشهادة وعوقب. انتهى. ويمكن الفرق بينهما بأن الشهادة تستلزم مشهوداً له وعليه، فقيل بالعقوبة على أحد القولين؛ لأنه يتهم في مبادرته خشية من إظهار حاله من جهة المشهود عليه، ولا كذلك المفطر. والله أعلم. ويسوغُ الْفِطْرُ لِسَفَرِ الْقَصْرِ بِالإِجْمَاعِ، وَمَشْهُورُهَا الصَّوْمُ أَفْضَلُ اشترط أهل المذهب في الإباحة البروز عن محل الإقامة قبل طلوع الفجر وسيأتي، والقول بترجيح الفطر لابن الماجشون والتساوي لمالك في المختصر في سماع أِهب. وتوجيه هذه الأقوال لا يخفى. والله أعلم. وَلا تَكْفِي نِيَّتُهُ حَتَّى يَصْحَبَهُ الْفِعْلُ أي: لا تكفي نية السفر في إباحة الفطر حتى يقترن بها السفر، والضمير في يصحبها، عائد على النية، وفي بعض النسخ (تصحبه) وهو عائد على معنى النية وهو العزم. وَفِيمَنْ عَزَمَ فَأَفَطَرَ- ثَالِثُهَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِنْ كَانَ لَمْ يَاخُذْ فِي أُهْبَتِهِ، وَرَابِعُهَا: إِنْ لَمْ يُتِمَّ .... إذا بنينا على أنه لا يكتفي بمجرد العزم، فخالف وأفطر قبل الخروج، ففي المذهب أربعة أقوال: الأول: وجوب الكفارة لحصول الانتهاك وهو قول مالك والشافعي وأبي

стр. 943

حنيفة وسحنون. الثاني: لأشهب، سقوطها لإسناد الفطر إلى سبب وهو العزم. الثالث لابن حبيب: إن كان قبل أخذه في أهبة السفر فعليه الكفارة، سافر في يومه أو لم يسافر، وإن أفطر قبل خروجه وبعد أخذه في أهبة سفره وشرع في رحيله فلا كفارة عليه. ابن حبيب: وكذلك سمعت ابن الماجشون يقول: وأخبرنيه أصبغ عن ابن القاسم. الرابع: أن عليه الكفارة إن لم يتم السفر، وإن أتم بأن سافر فلا كفارة عليه، لأنه غرر وسلم، وإليه رجع سحنون وأشهب. فَلَوْ نَوَى فِي السَّفَرِ أَوْ سَافَرَ نَهَاراً، لَمْ يَجُزْ إِفْطَارُهُ عَلَى الأَصَحِّ بِخِلاَفِ طَارِئِ الْمَرَضِ، وَلِذَلِكَ يَقْضِي التَّطَوُّعُ ... يعني: لو أصبح صائماً في السفر أو في الحضر ثم سافر فهل يجوز له أن يفطر أم لا؟ الأصح- وهو المشهور- عدم الجواز. والقول الثاني في المسألة الأولى لابن الماجشون، ولم يطلع ابن عبد السلام على القول الثاني في المسألة الثانية وقد ذكره الباجي، ولفظه: فإن خرج بعد الفجر بعد أن نوى الصوم فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز له الفطر وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال القاضي أبو الحسن: إن ذلك على الكراهة. وقال ابن حبيب: يجوز له الفطر وبه قال المزني وأحمد وإسحاق. وقوله: (بِخِلاَفِ طَارِئِ الْمَرَضِ) أي في أنه يباح له الفطر في الصورتين؛ لأن المرض غير اختياري أبداً (وَلِذلِكَ) أي: ويتحقق الفرق بين من ذكر وطارئ المرض يقضي المتطوع في الفرعين ولا يقضي من طرأ عليه المرض.

стр. 944

فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلاً فَلا كَفَّارَةَ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ- فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الأَوَّلِ لا الثَّانِي، وَرَابِعُهَا: الْعَكْسُ ... أي: فإن أفطر في الفرعين بتأويل فلا كفارة عليه، وما ذكره من إسقاط الكفارة في الفرع الأول مخالف لما نص عليه في العتبية؛ لأنه ذكر فيها أن موسى بن معاوية روى عن ابن القاسم عن مالك فيمن بيَّت الصيام في السفر ثم أفطر متأولاً بأكل أو جماع أن عليه الكفارة، لكن اعترضه التونسي وقال: لا ينبغي أن تكون عليه كفارة إذا تأول كما قال أشهب في المدونة. ابن عبد السلام: وظاهر المدونة عندي كما في العتبية، ولفظها: فإن أصبح في السفر صائماً في رمضان ثم أفطر لعذر فعليه القضاء فقط، وإن تعمد لغير عذر فليكفر، وإن لم يتأول فيهما فقيل تجب عليه الكفارة لالتزامه الصوم وفطره من غير عذر، وقيل: لا فيهما، مراعاةً للخلاف. والمشهور تجب فيما إذا نوى في السفر دون ما إذا نوى في الحضر ثم سافر – لأن طروء السفر مبيح – لم يكن بخلاف من أنشأ الصوم في السفر، فنه لم يطرأ عليه مبيح. والرابع عكس المشهور للمخزومي وابن كنانة؛ ووجهه أن حرمة اليوم في حق من أنشأ الصوم في الحضر أقوى؛ لأنه لا يجوز له حين الإنشاء إلا الصوم بخلاف من أصبح في السفر صائماً فإنه مخير في الفطر ابتداء. فَلَوْ طَرَأَ عُذْرٌ كَالتَّقَوِّي عَلَى الْعَدُوِّ أَوِ الْجهدِ، أُبِيحَ اتِّفَاقاً، وَقَالَ اِبْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ كَفّرَ فِي الْجَمِيعِ .... يعني: أن طروء الاحتياج إلى التقوي على العدو مبيح كالمرض بل أقوى منه. وقوله: (أَوِ الْجهدِ)، أي الشدة، ويقع في بعض النسخ (والجهاد) عوض الجهد.

стр. 945

(وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ أَفْطَرَ بالْجِمَاعِ كَفَّرَ في الْجَمِيعِ) أي في جميع المسائل فيما إذا طرأ عذر وفيما ذا طرأ السفر. ومقتضى كلامه أن قول ابن الماجشون منصوص في الجميع، والذي نقله ابن أبي زيد عنه إنما هو فيما إذا أصبح صائماً في السفر، لكن تعليله علام في الجميع. وفي قوله: (إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاع) إشارة إلى أنه إن جامع بعد أكل أو شرب لا شيء عليه وكذلك نص عليه ابن الماجشون في الواضحة. وَلَوْ صَامَ فِي السَّفَرِ غَيْرَهُ فَكَالْحَاضِرِ عَلَى الأَصَحِّ قد تقدم ما إذا صام رمضان الداخل قضاءً عن رمضان الخارج أو عن عذر، وعلى هذا فمراده بقوله: (غَيْرَهُ) ما إذا صام رمضان تطوعاً، هكذا فرض ابن شاس المسألة، وحاصله إن نوى التطوع في رمضان في الحضر لم يصح بلا خلاف، وكذلك إن كان مسافراً على الأصحّ؛ لتعين الوقت وحكى القاضي أبو بكر رواية بالانعقاد واستضعفها كثير. وَيَجُوزُ بِالْمَرَضِ إِذَا خَافَ تَمَادِيَهُ أَوْ زِيادَتَهُ أَوْ حُدُوثَ مَرَضِ آخَرَ، فَأَمَّا إِذَا أَدَّى إِلَى التَّلَفِ أَوِ الأَذَى الشَّدِيدَ وَجَبَ .... هو ظاهر التصور. قال في البيان: واختلف إذا خاف المريض قيل: له أن يفطر، وقيل: ليس له أني فطر لما يخاف من المرض، ولعله لا ينزل به فحكى الخلاف فيما دون النفس كما تقدم في التيمم. ونص اللخمي في المريض إذا خاف حدوث علة أخرى أو طول المرض إذ صام أ، هـ لا يصوم وإن صام أجزأه. وَالْحَامِلُ، وَالْمُرْضِعُ لا يُمْكِنُهُمَا الاسْتِئْجَارُ أَوْ غَيْرُهُ – كَالْْمَرِيضِ فِي الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ - خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيهِمَا ..... قوله: (أَوْ غَيْرُهُ) أي لا يقبل غيرها، وعدم إمكان الاستئجار إما لعدم المال أو المكان أو لعدم من يستأجر. ومقتضى كلامه أنه لو أمكنهما الاستئجار لزمهما الصوم.

стр. 946

وهو كذلك، والأجرة من مال الابن إن كان له مال؛ لأن رضاه بمنزلة أكله، فإن لم يكن له مال فهل يبدأ بمال الأب قبل مالها لأن الرضاع مكان الإطعام؟ فإذا سقط عن الأم لمانع جعل ذلك من ماله كطعامه. وإليه ذهب اللخمي ومال إليه التونسي، وقال: إنه أشبه. أو يبدأ بما لها؟ لأن رضاعه عليها إذا لم تكن مطلقة وهي قادرة على أن ترضعه وإليه ذهب سند. وقوله: (فِي الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ) أي إن خافتا على أنفسهما أو ولديهما التلف أو الأذى الشديد وجب وإلا جاز. وَفِي وُجُوبِ الْفِديَةِ عَلَيْهِمَا – ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَهَا، ورَابِعُهَا: عَلَى الْحَامِلِ إِنْ خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا دُونَهَا، وَخَامِسُهَا: إِنْ كَانَ قَبْلَ سِتَّةِ أَشَهُرٍ الضمير في قوله: (دُونَهَا)، من القول الثالث يعود على الحامل، يعني أنه اختلف في وجوب الفدية على المرضع والحامل إذا أفطرتا على خمسة أقوال؛ فقيل: لا تجب عليهما. وقيل تجب عليهما بناءً على إلحاقهما بالمريض أولاً؟ والثالث وهو المشهور وجوبها على المرضع دون الحامل؛ لأن الحامل تخشى على نفسها فأشبهت المريض بخلاف المرضع فإنها إنما تخاف على غيرها. والرابع وجوبها على الحامل إن خافت على ولدها وسقوطها إن خافت على نفسها. والخامس لأبي مصعب. ونص ما نقله اللخمي عنه: وقال أبو مصعب: إذا خافت على ولدها قبل مضي ستة أشهر أطعمت، وإذا خافت في الشهر السابع لم تطعم؛ لأنها مريضة أي لأنها لا تتصرف إلا في [١٦٤/أ] الثلث كالمريض. وحاصل ما ذكره أن في المرضع قولين. المشهور منها الوجوب؛ وفي الحامل أربعة أقوال، ولذلك لو فصهلا كما فعل غيره لكان أحسن. ومقتضى كلامه أن الخلاف جار

стр. 947

فيهما سواء خافتا على أنفسهما أو ولديهما، لأنه أطلق في المرضع، وجعل التفصيل في الحامل قولاً مبايناً لغيره. ونحوه للخمي في الحامل. وقريب منه كلام الباجي فإنه قال: إذا خافت الحامل على ولدها من شدة الصيام، لا خلاف في إباحة الفطر واختلف الناس في الإطعام في ذلك. وعن مالك فيه روايتان: إحداهما، لا إطعام، والثانية عليها الإطعام، ويتخرج على هذه الرواية وجوب الإطعام على الشيخ الكبير. وقال ابن حبيب: إن أفطرت خوفاً على نفسها فلا إطعام. انتهى. وقال ابن عطاء الله في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما دون ولديهما أفطرتا ولم تطعما عند الجميع. ثم حكى الخلاف في الإطعام، وإذا خافتا على ولديهما فمقتضى كلامه أنهما إن خافتا على أنفسهما يتفق على عدم الإطعام، وإنما الخلاف إذا خافتا على ولديهما. وَالْكَبِيرُ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ كَالْْمَرِيضِ وَلا فِدْيَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ أي: أن الكبير الذي لا يطيق الصيام كالمريض في الجواز والوجوب، واختلف في وجوب الفدية عليه فروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان يفتدي؛ فحمله في المشهور على الاستحباب. هكذا النقل لا كما يعطيه ظاهر لفظه من السقوط مطلقاً، هكذا قال ابن عبد السلام وهكذا صرح في الرسالة والجلاب بالاستحباب. والقول بالوجوب ذكره ابن شاس وابن بشير. فرع: وهل على المستعطش إطعام؟ روى ابن وهب وابن نافع عن مالك الإطعام عليه واجب. ابن حبيب: ويستحب له الإطعام. ابن يونس: قال أبو محمد: ومعنى المستعطش الذي لا يقدر أن يقضي إلا ناله العطش الشديد، وأما إن قدر فذلك عليه.

стр. 948

وَفِيهَا: لا يُصَامُ الْعِيدَانُ، وَأَمَّا الْيَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَلا يَصُومُهُمَا إلا الْمُتَمَتِّعُ، وَالْيَوْمُ بَعْدَهُمَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَالنَّذْرِ، وَلا يُقْضِى فِيهِ رَمَضَانُ، وَلا يُبْتَدَأُ فِيهِ كَفَّارَةٌ بِخِلافِ الإِتْمَامِ ...... تصور كلامه ظاهر. فائدة: أيام السنة تنقسم إلى ستة أقسام، منها ما يجب صومه وهو رمضان، ومنها ما يحرم صومه وهو العيدان، ومنها لايجوز إلا لشخص واحد وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر، لا يصومهما إلا المتمتع الذي لاي جد هدياً، ومنها ما لا يجوز صومه إلا لثلاثة أشخاص: المتمتع، والناذر، ومن كان في صيام متتابع. وإليه أشار بقوله: (بِخِلافٍ الإتْمَامِ)، ثم إن بقية أيام السنة منها ما رغّب الشرع فيه بخصوصه كعرفة وعاشوراء، ومنها ما لم يرغب فيه، هكذا قال ابن رشد وغيره. وينبغي أن يزاد قسم سابع وهو يوم الشك؛ لأنه لا يصام على المشهور على وجه الاحتياط. وَكَرِهَ مَالِكٌ نَذْرَ الصِّيَامِ وَغَيْرِهِ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ قوله: (أَوْ غَيْرِه). أي: سائر الطاعات (بشَرْطِ أَوْ غَيْرِه) أي: بتعليق، كقوله: إن شفى الله مرضي فعليّ صوم شهر. ومقتضى كلامه كراهة النذر مطلقاً، وسيأتي ما في ذلك في بابه إن شاء الله. وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ مِنْهُ لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه".

стр. 949

فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلاً لأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَفِي بَراءَتِهِ بِالأَقَلِّ قَوْلانِ، مِثْلَ نَذْرِ شَهْرٍ أَوْ نِصْفِ شَهْرٍ، وَفِيهَا: إِنْ صَامَ شَهْراً بِالْهَلاَلِ أَجْزَأَهُ نَاقِصاً، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَيُكْمِلُ ..... اللفظ الصادر من الناذر إما أن تصحبه نية أم لا، فإن صحبته عمل عليها، وإلا فإن كان نصاً في مدلوله لزمه ذلك. وإن كان محتملاً لعدد كثير وقليل فهل تبرأ الذمة بالقليل؛ لأن الأصل براءة الذمة؟ أو لا تبرأ إلا بالكثير؛ لأن النذر قد تعلق بذمته فلا تبرأ منه إلا بيقين؟ قولان، ومثل ذلك بما إذا نذر شهراً أو نصف شهر فهل تبرأ ذمته بتسعة وعشرين يوماً بأربعة عشر يوماً؟ أو لا تبرأ إلا بثلاثين وخمسة عشر يوماً؟ وظاهر كلامه أن الخلاف جار سواء صام في أثناء شهر أو في أوله، ولذلك ذكر مسالة المدونة لتضمنها التفصيل. وفيه نظر؛ لأن الذي نص عليه غير واحد، أنه صام شهراً بالهلال فإن كان كاملاً لزمه إتمامه اتفاقاً. وإن كان ناقصاً أجزأه اتفاقاً. وإنما الخلاف إذا صام في أثناء الشهر، ومذهب المدونة إنما تجزيه ثلاثون. وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أن تجزيه تسعة وعشرون. وانظر ما في الفرق بين هذه المسألة على المشهور وبين ما إذا نذر هدياً؟ فإن الشاة تجزيه مع أنها أقل الهدايا. ولعل مراد ابن عبد الحكم بالقياس هذا، وإليه أشار اللخمي. وأما نصف الشهر فإن ابتدأه بالهلال صام خمسة عشر يوماً اتفاقاً. وإن [١٦٤/ب] ابتدأه بعد مضي خمسة عشر يوماً فكان ناقصاً أكمل خمسة عشر على المشهور، وحكى ابن الماجشون عن بعض الأصحاب أن الأربعة عشر التي صامها نصف شهر، فوجه المشهور أن نصف الشهر خمسة عشر أو أربعة عشر ونصف، ومن وجب عليه نصف يوم وجب عليه تكميله كجزاء الصيد.

стр. 950

ووجه ما حكاه ابن الماجشون أن الناذر لما نذر نصف يوم وهو ليس طاعة لم يجب عليه الوفاء به. خليل: وانظر هل يتخرج على هذه المسألة من نذر نصف عبادة كما لو نذر نصف ركعة أو نصف حج؟ وذكر اللخمي في هذا الأصل خلافاً خرجه من مسألة ما إذا نذر اعتكاف ليلة، فابن القاسم يلزمه يومها، وقيل: لا يلزمه شيء. وَمِثْلَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا فَفِي قَضَاءِ مَا لا يَصِحُّ صُوْمُهُ قَوْلانِ. وَعَلَى الْقَضَاءِ فَفِي قَضَاءِ رَمَضَانَ قَوْلانِ، وَالصَّحِيحُ لا يَلْزَمُهُ وَفِيهَا: كَالْْوَقْتِ الَّذِي لا يُصَلِّي فِيهِ لَوْ نَذَرَ صَلاةَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ الْعِيدَيْنِ، وَكَأَيَّامِ الْحَيْضِ وَالْمَرَضِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّفَرِ: لا أَدْرِي مَا هُوَ، ثُمَّ سُئِلَ عِمَّنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ فَقَالَ: يَقْضِي أَيَّامَ الذَّبْحِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ ألا يَقْضِيَهَا .... أما لفظ مثل فمعطوف على قوله أولاً: (مِثْلَ نَذْرِ شَهْرٍ)، وفي بعض النسخ: (ومثله)، أي ومثل المثال السابق في احتمال أقل أو أكثر. ابن عبد السلام: ورأي المؤلف وغيره أن هذا الخلاف جار على الأصل المتقدم أي: وفي احتمال اللفظ أقل أو أكثر قال: ويحتمل أن يجري على الخلاف في النذر المعين إذا أفطر فيه ناسياً أو مرضاً إلا أن المانع من الصوم في الفرع الذي الكلام عليه شرعي، وفي العذر به خلاف آخر. انتهى. قال في المدونة: وإن كانت السنة بعينها صامها وأفطر منها يوم الفطر وأيام النحر، ويصوم آخر أيام التشريق. قال مالك: ولا قضاء عليه فيهن ولا في رمضان، إلا أن ينوي قضاء ذلك، كما لو نذر صلاة يوم بعينه، فليصل في الأوقات الجائزة فيها الصلاة، ولا يصلي في الساعات التي لا يصلي فيها، ولا شيء عليه فيها ولا قضاء.
следующие страницы →