← Язык

Язык · id 14443

تصحيح الفصيح وشرحه

ابن درستويه

Полный текст (518 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فخرجت أعثر في مقادم جبتي لولا الحياء أطرتها إحضارا والعامة تقول: أحضرت الفرس، أي عديت بها. وإنما الصواب أحضر الفرس هو نفسه، أو أحضرت أنا بالفرس؛ لتكون الباء هي الناقلة للفعل الذي قد نقل بالألف؛ لأن فيه نقلين، فيحتاج إلى حرفين، إلا أن يكثر استعمال ذلك في بعض اللغات، فيحذف، وهو مثل قوله : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) وقوله [تعالى]: (وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)، لاجتماع حرفي النقل فيهما، لدخول النقلين، على ما قلنا. وأما قوله: كفأة الإناء إذا كببته، وأكفأت في الشعر، وهو مثل الإقواء، فإن معنى كفأته كمعنى قلبته؛ وهو أن تميله عن الاستواء، كببته أو لم تكببه. ولذلك قيل: أكفأت في الشعر؛ لأنه قلب القوافي عن جهتها واستوائها، / فلو كان مثل كببته- كما زعم ثعلب- لما قيل في القوافي؛ لأنها لا تكب. وفي الحديث: "كانت قدورنا منصوبة بلحوم الحمر الأهلية، فسمعنا منادياً ينادي أن النبي صلى الله عليه قد نهى عن لحومها، أو قد حرمها فكفأنا القدور" أي قلبناها وصببنا ما فيها، ولم يرد وأكببنا القدور؛ ولهذا قيل: قد انكفأ فلان، إذا رجع إلى حيث جاء منه؛ لأنه انقلب فقيل: كفأت الإناء، على مثل قلبته؛ لأنه في معناه، ونقل بالألف إلى الشعر وما أشبهه، أي جعلت فيه قلبا. ولو نوى في كفأت الإناء وغيره معنى الفعل لجاز دخول الألف في أول الفعل، ومثل ما ذكرنا قول الراجز: بيت حتوف مكفأ مردوحاً

стр. 107

وأما قوله: حصرت الرجل في منزله، إذا حبسته، وأحصره المرض، إذا منعه من السير، فهو كما قال: إن الحصر حبس الرجل، ولكن ليس يخص ذلك المنزل دون غيره، فإن ذلك في منزله ومنزل غيره، وفي السجن والطريق واحد؛ ولذلك قال الله : (وجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) ومعناه محصور. ومن ذلك سمي حصار المدن والقرى والقلاع وغيرها، ومحاصرتها، كل ذلك من الحبس والتضييق؛ ولذلك قيل لمن اعتقل بطنه: قد حصر، وبه حصر. وقيل للعيي عن الكلام: قد حصر يحصر حصرا؛ أي لم يقدر على الكلام. وقد حصر الصارم للنخل، إذا لم يقدر على الصعود؛ فإن منعه من ذلك شيء قيل: أحصره كذا وكذا عن الكلام والصعود، أي صيره حصرا عاجزا. وإن منع الغازي والحاج أو نحوهما عدو من بلوغ الحج أو الغزو، أو منعه من إتمام/ ذلك مرض، غير حصر البطن قيل: قد أحصر بألف، وقد حصر به أيضا؛ لأن الباء تنقل الفعل، كما تنقله الألف، ولذلك قال الشاعر: وقالوا رأينا القوم قد حصروا به فلا شك أن قد كان ثم لحيم وإنما يجوز ذلك بإفساد شيء عليه الحج أو الغزو، أو أمرا كان قصده، فمنعه منه مانع مفسد؛ لنه فعل منقول بمعنى الإفساد؛ لأن هذه الأمور قد أفسدت عليه ما قصده، فأخرج الفعل على مثلا أفسد إفسادا وقد زعم بعضهم أنه يقال للمعتقل البطن قد أحصر كأنه نوى الإفساد، ونقل الفعل، وهو قياس إن كان مقولا. وأما قوله: أدلجت، إذا سرت من أول الليل، وادلجت، إذا سرت من آخره، فإن معنى الإدلاج والادلاج، بالتخفيف والتشديد جميعا عندنا سير الليل، في كل وقت، من أوله ووسطه وآخره. وهو إفعال وافتعال من الدلج وهو أيضا: الدَّلجة والدُّلجة، تأتي هذه الأمثلة والحركات فيها على المعاني، التي قدمنا شرحها، لا لتحديد وقت. وقد كنا ذكرنا

стр. 108

في صدر الباب ما غلط فيه المتأولون على الشعراء، لقول الأعشى وزهير وغيرهما، ألا ترون قول عمرو بن شأس: إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا كفى لمطايانا بذكراك حاديا فلم يرد "عمرو" أن ذكرها عند السير في أول الليل يحرك الإبل على المسير دون وسطه أو آخره؛ لأن ذكراها مشوقة له، وللحداة، وللإبل، في أي وقت من أوقات الليل سار، ولو كان عني أنه لا يذكر ولا يشتاق إلا في أول الليل أو في سير أول/ الليل، لما كان محمودا ذلك منه، بل كان عيبا عليه، وعلى شعره. وقد زعم "الخليل" أن الإدلاج، مخففا: سير الليل كله، وأن الادّلاج، بالتشديد سير آخر الليل، فقد دل بهذا التفسير على أن الادّلاج بالتشديد أيضاً إدلاج، إذ كان قد قدم أن الادلاج مخففا سير الليل كله. ولكن الذي قاله في التشديد إنما هو شيء تأولوه في بيت الأعشى: وادّلاج بعد المنام- فظنوا أن الافتعال يغير الوقت عن وقت الإفعال؛ إذ قرنه الشاعر بقوله: بعد المنام، وقد يكون "بعد المنام" أول الليل أو أوسطه لأن النوم تختلف أوقاته، وكذلك الانتباه. ولو كان الافتعال يخص وقتاً آخر، لكانت أمثلة الإفعال والمصادر عليها، موضوعة على توقيت الساعات، وليس ذلك قول أحد من النحويين، ولكن الأمثلة عند جميعهم موضوعة لاختلاف معاني الأفعال في أنفسها، لا لاختلاف أوقاتها. وهذا إجماع النحويين وقياسهم، وما يوجبه العقل والنظر، ولا يمكن دفعه، وقال الشاعر: زودينا عبيد قبل ادلاج وركوب المضمرات النواجي فمن الظاهر البين أنه لم يرد أن تزوده قبل آخر الليل، ولا قبل سير آخره ولا قصد أول الليل، ولا أوسطه. وإنما سألها أن تزوده منها قبل المسير والمفارقة، وذكر الادلاج؛ لأن مسيرهم لا يكاد يكون إلا ليلا، كما قال الآخر: قل لأسماء أنجزي الميعادا وانظري أن تزودي منك زادا وقال النابعة:/ أمن آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود

стр. 109

ومما يوضح فساد تأويلهم؛ أن العرب تسمى "القنفذ" مدلجا؛ لأنه يدرج بالليل، ويتردد فيه، لا لأنه لا يدرج، إلا في أول الليل، أو في وسطه أو في آخره، أو فيه كله. ولكنه يظهر بالليل في أي أوقاته احتاج إلى الدروج، لطلب علف أو ماء أو غير ذلك، فالادلاج بالتشديد إنما هو الافتعال بزيادة التاء، وهذه التاء ليست بعلامة لآخر أوقات الليل في مذهب أحد من العلماء بالنحو واللغة، ولكنها تأتي في الفعل والمصدر، لمعان غير الأوقات منها: أن تكون بدلا من نون الانفعال كقولك: اضطرب في معنى انضرب، لأن وزن الفعلين واحد، والزيادتين على حرف واحد ساكن، في موضع واحد. والنون الساكنة تخفي مع جميع الحروف، إلا مع حروف الحلق خاصة، فلما كانت التاء تدغم في مقاربتها فتخفى، كما تخفى النون مع سائر الحروف وقعت موقعها، ونابت عنها، فكأن المعنى في الادلاج المشدد: المطاوعة، كأنه قيل: أدلجت به فاندلج، فجاء ادلاج بدلا من اندلج، لما وصفنا. ومما يبين ذلك ما قلنا أنه يروى عن النبي صلى الله عليه أنه قال: "من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ودنا واستمع". فلم يزعم أحد من العلماء باللغة والفقه أن معنى ابتكر واغتسل واستمع لآخر أوقات البكور أو الغسل أو السمع. وإنما المعنى من بكر بغيره، وابتكر هو أو من بكر به غيره فانقاد للبكور، ومن غسل غيره واغتسل هو، وكذلك قوله: فاستمع، كأنه أسمعه الإمام فاستمع له، فإنما/ تدخل هذه التاء في الفعل والمصدر لمعان معلومة محدودة عند أهل النحو، فتكون طوراً بمزلة الفعل، وطورا بمنزلة أفعل، وطورا بمنزلة فعل، المشددة، ونحو ذلك، مما يطول شرحه، لا لشيء من الأوقات وتقديمها وتأخيرها. وقد استقصينا تبيين ذلك في غير هذا الكتاب، بحجج كثيرة من الشعر وغيره. وليس الادلاج بالتشديد أيضاً من هذا الباب؛ لأنه قد ترجم الباب بفعل وأفعل خاصة، والادلاج الافتعال من افتعل، فلم يكن لوضعه ههنا معنى، ولا هو من لحن العامة في شيء، ولا تعرف العامة الإدلاج بالتخفيف، إلا في جميع أوقات الليل، وهو مذهب صحيح، ليس بخطأ. ولا يعرفون الادلاج بالتشديد أصلا. وأما قوله: أعقدت العسل وغيره، فهو مُعْقد وعقيد، وعقدت الحبل والعهد، فهو معقود، فإن معنى معقد أن اشتد العسل ونحوه، والأصل فيه أن يكون فعله غير متعد،

стр. 110

ولكن بمعنى الانفعال، كقولك: عقد العسل وعقدت الثمرة، وانعقدت أيضا. فإذا أردت نقل هذا الفعل زدت في أوله الألف، وصيرته متعديا فقلت: أعقدت العسل، وأعقد الحر أو البرد أو الهواء الثمرة، أي صيره عاقدا. فأما عقدت الحبل، فإنه في الأصل متعد بغير نقل من شيء، وهو بمعنى شددت، وعلى وزنه وتعديه، تقول: عقدت الحبل والخيط والنكاح، والعهد والبيع واليمين، فانعقد، إذا شددته وأكدته. وقوله: معقد على القياس، وعقيد فعيل بمعنى مفعول. وهو يجوز في فعل وأفعل جميعا؛ لأنه للمبالغة. وإنما ذكر هذا؛ لأن العامة تقول: عقدت/ العسل، وليس ذلك بخطأ؛ لأن الأصل واحد، ولكن خرج مخرج عقدت الحبل وغيره، إذا شددته فاشتد. وأما قوله: أصفدت الرجل، إذا أعطيته، فهو مصفد، وصفدته، وإذا شددته، فهو مصفود؛ فإن الأصل في ذلك الشد والتوكيد والوثيقة، وتسمى العطية: الصفد؛ لأنها تؤكد الحال، وتشد المودة وتؤكدها. ولذلك يسمى القيد: الصفد، لمثل ذلك المعنى. قال النابعة في العطية: هذا الثناء لأن بلغت معتبة ولم أعرض بيت اللعن بالصفد أي بالعطية. وقال الله في القيود: (مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ). يقال: صفدته، بغير ألف. وصفدتهم بالتشديد. وفي حديث النبي صلى الله عليه، في شهر رمضان: "وتصفد فيه الشياطين". فقيل في التقييد: صفدته بغير ألف، فهو مصفود، كما يقال: شددته فهو مشدود، وربطته فهو مربوط؛ لأنه في معناهما. وقيل في العطية: أصفدته، بالألف؛ لأنه في معنى أعطيته وأكرمته؛ ليفرق بين المعنيين، والألف لنقل الفعل ههنا أي جعلته ذا مال، وقال أمية بن أبي الصلت:

стр. 111

تضيفته ليلاً فأكرم مقعدي وأصفدني على الزمانة قائدا وأما قوله: أفصح الأعجمي، وفصح اللحان، فمعناهما جميعا من الفصاحة، وهي البيان والإصابة في القول. ومنه قيل: أفصح اللبن، إذا خلص من الرغوة. فأما قوله: أفصح الأعجمي، فمعناه صار فصيحا بالعربية، بعد أن كان أعجميا، لا يحسنها؛ فلذلك جاء على أفعل، كما يقال: أثرى الرجل وأيسر، أي صار ذا مال ويسار. وأما قوله: فصح اللحان فمعناه/ أنه حذق، في فصاحته وعربيته التي كان يحسنها. ولذلك جاء على فصح بضم الصاد في الماضي والمستقبل؛ لأنه فعل المبالغة في الحمد والذم، بمنزلة ظرف وكرم وحسن. ومصدره: الفصاحة أيضاً كذلك. واسم فاعله أيضا: فصيح، مثل ظريف وكريم؛ ولذلك اختلف الفعلان؛ لاختلاف المعنيين. وليس فصح مما عقد عليه أول الباب؛ لأنه مضموم الثاني، ولكنه في المعنى يشبه فعل، بغير ألف. وأما قوله: لممت شعثه، ألمه وألممت به، إذا أتيته وزرته؛ فإن معنى لممته، كمعنى رممته، إذا أصلحته، وغيرت فساده؛ وهو تشعثه ولكنه استعمل بالراء في المنازل والضياع والثياب ونحوها. وباللام في الشعر والحال وغير ذلك. وأصل الشعث في الشعر، إذا اتسخ وقفر من الدهن والغسل، ولكنه قد استعير لسوء الحال في المال والنفس، والمسواك والوتد ونحو ذلك؛ فقيل: لممته، كما يقال: رممت الدار؛ لأنه في معناه، ولذلك قيل للجمة: اللمة، لأنها تلم، أي تصلح من الشعث والجميع: اللمم. ومنه قولهم في الدعاء: "اللهم المم شعثنا" أي أصلح أحوالنا. وقال الشاعر: إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما

стр. 112

وأما ألممت به، بالألف، ففعل منقول بحرفي النقل جميعا، أي جعلت المرمة مني به، وهي الزيارة اليسيرة، والتعهد. ومصدره: الإلمام. والاسم منه: اللمام، كما قال الطرماح: حب بالزور الذي لا يرى منه إلا لمحة أو لمام/ وقال الأعشى: أتهجر غانية أم تلم أم الحبل واه بها منجذم ومنه اللمم؛ وهو القليل من المعصية والإثم. قال الله : (إلاَّ اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ). وكذلك الإلمام، إنما هو الزيارة القليلة. قال الشاعر: ألمم بزينب، إن الركب قد أفدا قل الثواء لئن كان الرحيل غدا والعامة تقول فيهما جميعا: لممت، وهو خطأ. وأما قوله: حمدت الرجل، إذا شكرت له صنيعه، وأحمدته، إذا أصبته محمودا، فإن أصل الحمد رضا فعل الإنسان وقوله، ونحو ذلك في كل شيء وثناؤك عليه به، وإظهاره لغيرك. وحمدته قريب من شكرته، إلا أن الشكر جزاء على ما يسدى إليك، والحمد لله قد يكون على ما لم يسده إليك، وليس بمجازاة، ولكن على ما وجدت فيه، من الفضل والخير، ورضيته منه ومن سيرته. وأكثر اللغويين يظنون الحمد لله هو الشكر بعينه. وإنما أُخذ هذا من أهل التفسير، وهو على التقريب والتشبيه، لا على التحقيق والتحديد.

стр. 113

وأما أحمدته، بالألف، فمعناه أنك وجدته حميد المذهب، ورضيته في نفسك، وإن لم تثن عليه؛ فالحمد: كلام تظهره، والإحماد: معرفة تضمرها، فلذلك دخلته الألف؛ لأن معناه أصبته ووجدته كذلك. والعامة تقول في الوجهين كليهما: حمدته، بغير ألف. وأما قوله: أصحت السماء، فهي مصحية، وصحا السكران، فهو صاح، فأصلهما جميعا من الصحو، وهو انجلاء الغيم عن السماء، وذهاب السكر عن السكران. وإنما السكر: بخار يغطي/ على عقل الشارب، كما يغطي السحاب وجه السماء. فإذا أفاق السكر عن السكران قيل: قد صحا، أي عقل فلذلك جاء بغير ألف، وهو يصحو صحوا، على فعول؛ لأنه فعل لا يتعدى فاعله، مثل: سها يسهو سهوا. وإن شئت قلت: صحوا. قال جرير: أتصحو أم فؤادك غير صاح عشية هم صحبك بالرواح وأما السماء فقيل لها أصحت، بالألف؛ لأنه بمعنى أقشعت وأسفرت وشبه جرير زوال الهم عن القلب بزوال السكر عن الشارب. وأما قوله: أقلت الرجل البيع إقالة، وقلت من القائلة قيلولة؛ فإن الإقالة في البيع: نقضه وإبطاله، إذا سألك المشتري ذلك، تقول: استقالني فأقلته ومعناه استرجاع العقد الذي كان بينكما ورده، وهو المبايعة. ويقال: تقايلنا بيعنا تقايلا، وقايلته مقايلة وقيالا، إذا أقال كل واحد منكما صاحبه. ومنه قولهم: أقلت فلاناً عثرته، إلا لم تؤاخذه بزلته. وفي الدعاء: اللهم أقلنا عثراتنا. أي اعف عن ذنوبنا، ولا تؤاخذنا. وأما قوله: القيلولة في مصدر قلت من القائلة، فإنه أيضا من ذوات الياء؛ يقال: قال يقيل قيلولة؛ وهو نوم نصف النهار. وبه سمي شرب نصف النهار: قيلا. يقال منه: اقتال الرجل؛

стр. 114

إذا شرب القيل، كما يقال: اصطبح واغتبق، على افتعل. وقالت الساجعة لولدها: "والله ما أرضعته غيلا، ولا حرمته قيلا". والقائلة والقيلولة من المصادر النادرة في الكلام. والعامة تقول في البيع: قلته قيلولة، وهو خطأ. وأما قوله: أكننت الشيء، إذا أخفيته في نفسك وكننته؛ إذا سترته بشيء فأوصلهما/ واحد. وليس معنى كننته سترته، ألا ترى أنك إذا أسبلت سترا على بيت، أو قوم، لم تقل: كننتهم، ولو سترت وجهك عن شمس، أو ريح بيدك، أو ثوبك، لم تقل: كننت وجهي، وليس المكان الكنين بالمستور عن الأبصار. وإنما ذلك في كل ما فيه صيانة وحفظ عن مكروه أو سوء، وإن كان بارزاً للأبصار، كما قيل للدر المصون: المكون؛ لأنه في حُق أو درج. وجارية مكنونة، أي مصونة في الحجال، وما أشبهه؛ فكل ما صين عن البِذلة، أو الشمس، أو الغبار أو نحو ذلك، فقد كننته، وهو مكنون، وإن لم يكن مستورا عن الأبصار، كما قال الله : (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ). وقال الأعشى: أو بيضة في الدعص مكنونة أو درة شيفت إلى تاجر فالبيضة ليست بمستورة في الدعص، ولكنها مصونة عن التدحرج والانكسار والوطء، كالسر ونحوه، وإنما تصونه عن الإذاعة به والهتك، ولكن قيل فيه: أكننته، بالألف؛ لأن معناه معنى أخفيته، فنقل فعله بالألف أي جعلت له كنا، كم قال الله : (ورَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ومَا يُعْلِنُونَ). والعامة تقول فيهما جميعاً، بغير ألف.

стр. 115

وأما قوله: أدنت الرجل، إذا بعته بدين، ودنت أنا، وادنت، وإذا أخذت بدين، فإن قوله: دنت الشيء، بمعنى أخذت بدين، فعل لازم بفاعله، غير متعد إلى مفعول، ومعناه ذللت، وذلك أن كل ذي دين يذل لصاحب/ دينه، ويخضع. وفي الحديث: "الدين رق فلينظر أحدكم من يرق رقبته". وهو من قول الأعشى: ثم دانت بعد الرباب وكانت كعذاب عقوبة الأقوال يعني ذلت وأطاعت، فهو فعل لا يتعدى، فأما قوله: ادنت، بتشديد الدال إذا أخذت بدين، فهو افتعلت من دنت، ومعناه دخلت في الدين، ولكن التاء قلبت دالا، وادغمت في الدال، التي بعدها. وقد يقولون: دنت فلانا أيضا، إلا أنه متعد إلى مفعول، وليس بالأول بعينه، وإن شركه في معنى الذل. وأما قوله: أدنت الرجل إذا بعته بدين، فإنما دخلته الألف لأن معناه أدخلته في الدين، فنقل الفعل من آخذ الدين إلى المعطي، بالألف، وفرق بذلك بينه وبين قولهم: دنته، إذا أذللته وقهرته، كما فرق بالسين والتاء في قولهم: استدنت بين سألته الدين، وبين أخذت بدين، حين قيل: دنت وادنت. والأصل واحد. ووجوه هذه الكلمة كثيرة، والاشتقاق يردها إلى شيء واحد، فمن أحب معرفة ذلك فلينظر في كتابنا: "في علل الاشتقاق وحججه" فإنما لم نتكلم في هذا الكتاب منه إلا بما كان من شكله، وعلى حسب موضوعه؛ لئلا يطول. وأما قوله: ضفت الرجل، إذا نزلت به، وأضفته، إذا أنزلته؛ فإن معنى ضفت، كمعنى ملت؛ ولذلك جاء على بنائه، إلا أن يفارقه في معان أخر. ومستقبله أضيف، بفتح الألف. وفاعله: ضائف. ومفعوله: مضيف. ومصدره: الضيف والضيافة أيضاً، وهي/ كالوكالة والسياسة والصناعة. ويسمى الفاعل والمفعول جميعا بالمصدر: ضيفا. ومنه

стр. 116

قول الله : (إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ) وقوله [تعالى]: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ).ويقال للجميع: ضيف أيضا على المصدر. ويقال: أضياف وضيوف وضيفان. فأما قوله: أضفته، إذا أنزلته؛ فإن الألف دخلت فيه لنقل الفعل من النازل إلى المنزل، ومن الداخل إلى المدخل، ومن المائل إلى المميل، ونحو ذلك. ومعناه كمعنى الأول في الإمالة، كما قال امرؤ القيس: فلما دخلنا [هـ] أضفنا ظهورنا إلى كل حاري جديد مشطب أي أملنا وأسندنا؛ ولذلك سمي كل من ادعى إلى قوم ونسب إليهم مضافا ومنه قول النحويين في الاسم: المضاف، والمضاف إليه. إنما هو الممال والممال إليه، والمنسوب، والمنسوب إليه. وأما قوله: أدليت الدلو، إذا أرسلتها؛ لتملأها، ودلوتها، إذا أخرجتها من البئر، فليس معنى دلوتها أخرجتها، إلا والماء فيها، فممدتها بالحبل رويدا رويدا. فأما إذا وقعت في البئر فأخرجتها، فإنه لا يقال فيها: دلوتها، ولا أدليتها، وإنما يقال: دلوتها، إذا مددتها بالحبل من البئر، لأنه بمعنى مددتها، أو جررتها، أو جذبتها، فبني الفعل له على مثال ذلك. وأصل الدلو: السوق الرويد. كما قال الراجز: لا تقلواها وادلواها دلوا إن مع اليوم أخاه غدوا

стр. 117

ومستقبل دلوت: أدلو. ومصدره: الدلو. وفاعله: الدالي. والدلو مدلوة؛ لأنها/ مفعولة. وجمعها: أدل، ودُليّ ودِلي، فأما أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر بالحبل للاستقاء، ونحو ذلك، فهو كما فسرنا. فإن أرسلتها بغير حبل، ولغير الاستقاء ونحوه، لم تقل: أدليتها. ولهذا قال الله : (فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ). ومنه قيل: قد أدلى الحمار والفرس إذا أرسل غرموله. وكل حبل أو خيط أو نحوه، أرسل في بئر، أو من علو إلى سفل فإنه يقال فيه: قد دليته، بالتشديد خاصة، حتى أنه ليقال لمن ألقي في مكروه أو غش، أو غرور: قد دليته فيه، ومنه قول الله لإبليس – لعنه الله-: (فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ). ولا يقال ذلك في الدلو، إذا استقي بها. وإنما قيل في ذلك بالألف، للفرق بين هذا المعنى، وبين سائر ما تقدم. وقد زعم الخليل أن بعض العرب يقول: دلوت الدلو، إذا أرسلها. والعامة تقول: دليتها بالتشديد لا غير. وأما قوله: لحمت العظم، إذا عرقت ما عليه، وألحمتك عرض فلان، إذا أمكنته منه يشتمه، فاللحم معروف، وهو ما على العظم تحت الجلد، سوى الشحم. فإنما قيل: لحمت العظم، أي أخذت لحمه، إما بسنك، وإما بسكين أو غير ذلك، كما يقال: عرقت العظم، فهو معروق. وقال امرؤ القيس يصف فرسا، بقلة لحم اللحيين: قد أشهد الغارة الشعواء تحملني جرداء معروقة اللحيين سرحوب فقيل لحمت العظم، لأنه في معنى عرقت العظم. ومنه قيل للبازي: قد لحم يلحم، وهو لاحم، أي أكل اللحم. وقد ألحمه صاحبه، إذا أطعمه اللحم، كما قال الشاعر:

стр. 118

قد أغتدي والطير ذو نقيق بملحم أزرق سودنيق/ والعظم ملحوم ولحيم؛ إذا أخذ أو أكل أو قطع، وإنما قيل: ألحمتك عرض فلان، على الاستعارة والتشبيه؛ لأن عرضه بمنزلة لحمه، فكأنك أطمته لحمه، إذا أبحته عرضه. قال الله : (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) يعني الغيبة وذكر العرض، فنقل فعل اللاحم بالألف، إلى الملحم، وهو المطعم اللحم. والمفعول: ملحم، بفتح الحاء. والمصدر: الإلحام. وأما قوله: هل أحسست صاحبك، وحسهم؛ قتلهم، فإن أصل هذين من الحس، الذي تحس به الأشياء، مثل السمع والبصر والشم والذوق واللمس. وكل ما شعرت به فقد أحسسته، ومعناه: أدركته بحسك، أو أدركه حسك. وصار بالألف؛ لأنه بمعنى الإدراك، فقيل أحسسته إحساسا، مثل أدركته إدراكا. ومنه قول الله : (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا) ومنه قوله تعالى: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ) ومنه قول يعقوب: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأَخِيهِ) أي تعرفوا بإحساسكم. وفاعل أحسست محس. ومفعوله: محس. والحواس: جمع الحاسة، وهي الحس، اسم على معنى النسب لا على الفعل؛ لأنه لا يقال منه: حسست. وأما قوله: حَسَّهم، إذا قتلهم؛ فإن الحَس: كل قتل وهلاك واستئصال لشيء بسرعة. كما قال الله : (إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ) أي تقتلونهم قتلا ذريعا. وحقيقته: تأتون على إحساسهم؛ فلا تبقون لهم حسا. ومنه قولهم: قد حس البرد النبات، أي أهلكه وأفسده. والبرد محسة للنبت؛ لأنه يحس النبت، والأشياء.

стр. 119

فالفاعل من هذا حاس، والمفعول: محسوس ومصدره: الحّس. والعامة تقول: حسست الشيء في أحسست، وهو خطأ. وأما قوله: مَلَحت القدر/ إذاا ألقيت فيها من الملح بقَدر؛ يعني بغير ألف. وأملحتها، إذا أفسدتها بالملح، بالألف؛ فإن الملح هو الإصلاح في كل شيء. وبالملح يكون صلاح جميع الطعام وأكثر الأشياء، فإذا جعلت في القدر من الملح بقَدَر، فقد أصلحتها، ولذلك قيل: ملحتها. وكذلك غير القدر كقولهم ملحت المرأة الصبي، إذا أرضعته، ولذلك سمي الرضاع واللبن: الملح، كما قال الشاعر: وإني لأرجو ملحها في بطونكم وما بسطت من جسد أشعث أغبرا ومنه قيل: ملحت السمك، إذا جعلت فيه ما يصلحه من الملح، ولذلك قيل: سمك مملوح ومليح. ولا يقال: مالح، إلا على جهة النسب، أي ذو ملح. والعامة تقول: سمك مالح. فإذا جاوزت القدر الذي يجب، فقد تركت الصلاح وأفسدت؛ فلذلك قيل: أملحتها بألف، أي أفسدتها بالملح، فأنت مملح، والشيء مملح إملاحا. وإذا كان شيء يصلحه الملح الكثير قيل: ملحته تمليحا، فهو مملح؛ بالتشديد، كالشحم والإلية والسنام. وللدابة وللبعير، إذا أطعمتها الملح، والنخل إذا ذررت الملح في أكرابها، للعلاج من داء، ودواب. وأما قوله: رميته أرميه رميا بيدك، فإذا قلعته من موضعه قلت: أرميته عن الفرس وغير إرماء. فإن أصل الرمي، إنما هو بسهم أو حجر أو غيرهما، مما يقذف به باليد أو بغيرها، وإن لم يمس باليد، وهو مرمّى. وذلك عام في كل شيء، حتى يستعار للأيام والليالي والموت، وغير ذلك، فيقال: رمته الأيام ورماه الدهر، ورمته/الحوادث، ورماه الموت، كما قال عمرو بن قميئة:

стр. 120

رمتني بنات الدهر من حيث لا أدري فكيف بمن يرمى وليس برام على الراحتين تارة وعلى العصا أنوء ثلاثا بعدهن قيامي فلو أنني أرمي بسهم تقيته ولكنني أرمي بغير سهام يعني الصروف والأحداث. ومنه قولهم: رمتني المرأة بعينها، إذا نظرت إليه، ففتنته، كما أنشدنا محمد بن يزيد: رمتني وسرت الله بين وبينها عشية آرام الكناس رميم ألا رب يوم لو رمتني رميتها ولكن عهدي بالنضال قديم فهذا يبين أن قوله: إذا رميته بيدك خطأ، لأنه ليس للدهر يد، والعين ليست بيد، والإنسان يرمي غيره بالشتم بلسانه، كما قال الله : (والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ). وقال [تعالى]: (والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) وقال الله لنبيه ﷺ : (ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) والنبي صلى الله عليه قد رمى بالتراب، ولكن الله رمى بالهزيمة والرعب في قلوبهم. والذي قاله أيضاً في اليد، إنما هو رمي بشيء غير اليد، مثل: السهم والحجر ونحوهما. ومنه ما هو بآلة، كالقوس والمقلاع والمحذفة. وأما قوله: أرميته، إذا قلعته من موضعه، فإنما هو إلقاء الشيء من مكانه، من علو إلى سفل، وهو مجاوزة حد الرمي الأول، والزيادة عليه، فإنما قيل: أرميته عن الفرس، كما يقال: أذريته أي ألقيته من الذروة، ولأنه في معانه، ولذلك قيل:/ قد أرمى فلان على كذا وكذا سنة، إذا زادت سنوه، فهو مرم إرماء.

стр. 121

وأما قوله: أجبرت الرجل على الشيء يفعله، فهو مجبر. وجبرت العظم والفقير فهو مجبور؛ فإن أصل ذلك من جبر العظم المنكسر، وهو إصلاحه وعلاجه حتى يبرأ. وهو عام في كل شيء، على التشبيه والاستعارة؛ فلذلك قيل: جبرت الفقير إذا أغنيته: كأنه قد فقر ظهره، أي كسر فقاره. وكذلك يقال لليتيم: جبر الله يتمه. ويقال في الدعاء: اللهم اجبرنا، أي أصلح شئوننا. وفي الدعاء: يا جابر كل كسير؛ فجابر لا يكون إلا من جبر، وهو اسم الفاعل، ومفعوله/ مجبور. ومصدره: الجبر. ومنه قول العجاج: قد جبر الدين الأله فجبر وأهل اللغة ورواة الشعر يقولون: معنى فجبر، أي فانجبر أو فاجتبر ولكنه خرج لفظ المطاوعة والانفعال عن لفظ الفعل من الجابر. وهذا من الحروف النوادر، التي شرحناها، فلا يمتنع عندي أن يكون قوله في هذا البيت "فجبر" على معنى الدعاء بالزيادة، أي فلا زال الله يجبره، وهو أقيس من قولهم وتأولهم؛ لن الانفعال من هذا على الجبر، واجتبر، كما قال الراجز: من عال منا بعدها فلا اجتبر ولا سقى الماء ولا رعى الشجر وأما قوله: أجبرت الرجل على الشيء يفعله، نحو قولك: أجبر القاضي الخصم على الحق إجباراً، بمعنى ألزمه أوكرهه وقهره. ويقال: أجبر الله الخلق على ما أراد؛ أي/ خلقهم على مراده، فلا يقدرون أن يخرجوا عما أجبرهم عليه وقدره وقضاه. والفاعل من هذا: مجبر، بكسر الباء. والمفعول: مجبر، بفتح الباء لغة الإجبار. وقد روى

стр. 122

في هذا المعنى لغة أخرى على فعلت بغير ألف، وهو جبرت فأنا جابر. وإذا كثر ذلك منه قيل: جبار. وفي دعاء أو تسبيح لعلي بن أبي طالب ﵇: (جبار القلوب، على فطرها" ومنه قول الله : (العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ). وأما قوله كنفت حول الغنم كنيفاً، إذا حظرت، وأكنفت الرجل، إذا أعنته، فهو مكنف، فإن أصل هذا من الكنف، بفتح الكاف والنون، وهو الناحية. والكنفان من الإنسان وغيره ناحيتاه. وقال الأعشى: أو بيضة الأدحي ألجأها كنفا الظليم بوهدة قفر يقال منه: كنت في كنف فلان؛ أي في ناحيته. ويقال في الدعاء عن الوداع: في كنف الله، وفي ستره؛ أي في حفظ الله. وقد كنفه الله يكنفه. وكذلك الرجل يكنف صاحبه. وقد كنفه، أي حفظه وحرسه وصانه. وكذلك الغنم وغيرها، إذا جعل لها حظيرة، فإنما تحفظ فيها، وتحرس، وهي في ناحية من المكان؛ فلذلك يقال: كنفتها أكنفها. والفاعل: كانف. والمفعول: مكنوف. والمصدر: الكنف، بفتح الكاف وسكون النون. والكنيف اسم ما يجعل حول الغنم وغيرها، كالمغتسل والمتوضأ، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي مكنوف. فأما قولك أكنفت الرجل، بالألف، إذا أعنته، فليس بخارج عن الصيانة والحفظ، وإن زاد فيه معنى الإعانة؛ لأن كل من أعين، فقد كنف أيضاً، ولكن/ نقل إلى الألف، من أجل أنه في معنى أعان، وللفرق بين المعنيين بعلامة. والعامة لا تعرف الإكناف في الإعانة، وليس يمتنع من أن يقال فيها كنفت، بغير ألف. وأما قوله: أعجمت الكتاب، فهو معجم، وعجمت العود ونحوه، إذا عضضته أعجمه فإن قوله: أعجمت الكتاب؛ بالألف مأخوذ من حروف المعجم، التي لا معنى لها؛

стр. 123

فسميت معجما لذلك، فإذا نقطت قيل أعجمتها، أي أوضحتها وأبنتها من العجمة. والفاعل منه: معجم، بالكسر. والمفعول: معجم، بالفتح. والمصدر: الإعجام. وأما عجمت العود، بغير ألف، فمأخوذ من العجم، وهو: نوى كل شيء؛ من تمر أو زبيب أو نحو ذلك. وإذا عضضت شيئاً منها قلت: عجمته، أي عضضت العجم، فاستعمل في كل شيء، على الاستعارة والتشبيه، قيل: عجمته التجارب، وعجمته الدهور. وقال الحجاج بن يوسف في خطبته في بالعراق: "إن أمير المؤمنين، نكب كنانته، فعجم سهامها، سهما سهما، فوجدني أصلبها عودا- يريد جرب الرجال- فخاتارني". والفاعل من هذا: عاجم. ومفعوله: معجوم، كما قال علقمة في صفة فرس: سلاءة كعصا النهدي غل لها ذو فيئة من نوى قران معجوم والمصدر: العجم، والمعجم. ويقال: إنه لمر المعجم، ولين المعجم، عام في كل شيء. وأما قوله: نجم القرن والنبت، إذا طلع، وكذلك السن وأنجم السحاب إذا أقلع، وكذلك البرد، فإن أصل النجوم: خروج كل شيء في الأرض أو السماء أو الجسد، وظهوره، كالكواكب والأشجار والنبات والقرون والأسنان. يقال: نجم قرن الغزال، ونجم/ ناب البعير، ونجم النبات، ونجمت النجوم. ويقال: كلما درج قرن من الناس نجم آخرون. وقد نجم في بني فلان شاعر، أو متكلم، أو فارس، فهو ينجم نجوما. والاسم: الناجم، مثل قولك: ظهر يظهر ظهوراً، فهو ظاهر. وبرز يبرز بروزا، فهو بارز، وخرج يخرج خروجا، فهو خارج. وكذلك الشهور والأوقات والمواعيد، إذا أتى منها واحد أو حان قيل: قد أتى نجم من النجوم، وقد نجم. وأما قوله: أنجم السحاب إذا أقلع، فهو كقولهم: أحصد الزرع، وأصرم النخل،

стр. 124

بمعنى أقلع فلذلك جاء بالألف. وفاعله، منجم، بالكسر. ومصدره: الإنجام وليس له مفعول؛ لأنه فعل غير متعد، إلا أن يبنى مصدره بناء المفعول، فإن ذلك جائز. وأما قوله: صدقت الحديث، وأصدقت المرأة صداقها؛ فإن الصدق معروف، وهو ضد الكذب. وقوله: صدقت الرجل الحديث؛ إنما أصله: صدقت الرجل في الحديث؛ لأن صدقت من الأفعال، التي تتعدى إلى مفعول واحد، ثم يعدى بحرف الجر إلى أكثر من ذلك. ولكن قد حذف حرف الجر منه، لكثرة الاستعمال، واعتياد معناه، وزوال اللبس عنه، فقيل: صدقت الرجل الحديث. وفاعله: صادق. ومفعوله: مصدوق. والصدق: اسم له، موضوع موضع مصدره. وقد يستعمل هذا الفعل لازما لفاعله، غير متعد ألبتة، فيقال: صدق وبر. وفي مثل من أمثالهم: "صدقني سن بكره" معدي إلى مفعولين. ويقال: من صدق الله نجا، معدى إلى مفعول واحد. وليس من صدق الحديث في شيء، ولكنه صدق النية والعمل. وأما قوله: أصدقت المرأة صداقها، فمعناه أعطيتها صداقها؛ وهو المهر. فإن أردت أنك سميت لها صدقا، قلت: أصدقتها لا غير، ولم تذكر الصداق./ وإن أردت: أعطيتها مهرها، قلت: أصدقتها صداقها، فكذرته، بمعنى أوفيتها صداقها. وأما قوله: قد ترب الرجل، إذا افتقر، وأترب إذا استغنى، فإن أصل ذلك كله من التراب. وإنما قيل: ترب الرجل، بمعنى لزق بالتراب لفقه، أي ليس له شيء غير التراب، وبنى على فعل بكسر العين؛ لأنه من أمثلة الانفعال، ولزق مثله، فخرج على بنائه. وهو يترب؛ بالفتح. وفاعله: ترب. ومنه قول ذي الرمة: مرا شمال ومرا بارح ترب

стр. 125

وهو الذي لزق بالتراب واختلط به، من شدة هبوطه. وفي الحديث: "لأنفضنكم نفض الوذام التربة". وفي الدعاء على الرجل: تربت يداك، أي لزقت بالتراب. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه قال لرجل تزوج امرأة لما لها: "عليك بذات الدين، تربت يداك". وهذا كله بمعنى الانفعال؛ كأنه قد أترب، أو ترب فترب كما تقول: أتربت الكتاب وتربته. وأما قوله: أترب، إذا استغنى فمعناه أصاب من الغنى بكثرة التراب، فلما كان بمعنى أيسر وأكثر وأصاب، بني على أفعل، بالألف ولنقل الفعل أيضا. وفي هذا المعنى قولهم: جاء بالطم والترم، فالطم البحر وماؤه والرم التراب ونحوه. وأما قوله: نظرت الرجل؛ إذا انتظرته، وأنظرته؛ إذا أخرته، فإن أصله من النظر بالعين أيضاً، إلا أنه يتصرف على وجوه للاتساع في الكلام، فيستعمل في العين مرة، وفي القلب مرة، وفي غير ذلك أيضاً، على التشبيه والاستعارة، ويخالف بين أبنيته ويعدى مرة بنفسه، ومرة بحرف الجر، ليفرق بذلك بين اختلاف معانيه، فلما كان الانتظار/ والتوقع في معنى أردته وطلبته وبغيته استعمل فعله على أمثلتها، وعدي، تعديتها، بغير حرف جر، فقيل: نظرته. وفرق بذلك بينه وبين قولك: نظرت إليه، في نظر العين، فإنه لا يكون إلا معه إلى، وبها يتعدى، كما قال الله لموسى: (ولَكِنِ انظُرْ إلَى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) وكقوله: (وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وكما قال المسيب: نظرت إليك بعين جازئة في ظل فاردة من السدر

стр. 126

جازئة: طيبة، جزأت بالرطب عن الماء، والفاردة: السدرة المنفردة. وقال الحطيئة في نظرته، بمعنى انتظرته: وقد نظرتكم إيناء صادرة للخمس طال بها حوزي وتنساسي الحوز: سوق قليل لين. والتنساس: السوق الشديد، ويقال: نسها ينسها نسا، ومستقبل ذلك أنظر. وفاعله: ناظر. ومفعوله: منظور. ومصدره: النظر، في الوجوه كلها. فأما أنظرته، فمعناه جعلت له الانتظار على نفسي فنقل الفعل بالألف؛ لأنه بمنزلة أمهلتها، وأنسأته وأرجأته. والفاعل منه: منظر بكسر الظاء. والمفول: منظر، بفتحها. والمصدر: الإنضار، قال الله ، عن إبليس- لعنه الله-: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ) والنظرة، بكسر الظاء: اسم يستعمل بدل المصدر. قال الله : (وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ). وأما قوله: أعجلته، أي استعجلته، وعجلته، أي سبقته، فإنه قد غلط في قوله: عجلته: /سبقته؛ لأنه عدي الفعل إلى الهاء، وعجلت لا يتعدى، وإنما هو فعل لازم، بمعنى أسرعت وبادرت. يقال: عجل يعجل عجلا، فهو عجل وعاجل. ومنه قيل للدنيا: العاجلة. وقال الله : (وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) فلم يعد عجلت إلا بحرف جر، وكذلك تعدية ما لا يتعدى. وقال الأعشى في مصدره: كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل فإن وجدتم عجلته في شعر، فذلك من ضرورات الشعر، وحذف الجار، على قياس قولهم: كلته ووزنته. وليس عجلت أيضاً بمعنى سبقت، بكسر الجيم، ولكن لعله أراد

стр. 127

قولك: عاجلني فعجلته، بمعنى سابقني فسبقته، وذلك ليس بمكسور الجيم. وإنما هو مفتوح. وأما أعجلته فمنقول من عجلت، أي أسرعت، أي استعجلته وهو دليل على ما قلناه في عجلت؛ لأن عجلت لو كان متعديا إلى مفعول، لكان أعجلته متعديا إلى مفعولين؛ لأن المنقول أبدا يكون له مفعول، لم يكن لما نقل عنه. وقال الله : (ومَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى) فعدى الفعل إلى الكاف، ثم عداه بعد الكاف بحرف الجر؛ إذ كان أصله ألا يتعدى. ومما يزيد في الدلالة قول موسى ﵇: (وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) فهذا جواب ما أعجلك، ولم يسأله الله عن سبقه القوم، وإنما سأله عن التعجل والسرعة في المجيء، وعن ذلك أجابه، لا عما لم يسأله. وعدى أيضاً قوله: عجلت إليك بحرف الجر، لا بنفسه. والفاعل من أعجلته: معجل، بكسر الجيم. والمفعول: معجل، بفتحها. والمصدر: الإعجال. وأما قوله: مد النهر، ومده نهر آخر، / وأمددت الجيش بمدد، وأمدا لجرح، إذا صارت فيه المدة؛ فإن مد النهر غير متعد ليس بمعنى مده نهر آخر، متعدياً؛ لأن الذي لا يتعدى معناه: زاد النهر، أو طما أو زخر، ولذلك جاء على فعل، غير متعد. وأما الذي يتعدى فمعناه: كثر غيره وقواه ووصله، كقول الله : (ولَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ والْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) وقال الشاعر: ماء قريٍّ مده قريُّ وليس هذا من باب زدته أنا وزاد هو، كما يقال: جبرته وجبر هو ونحو ذلك، لأن معنى اللفظتين في "مد" مختلف، ومستقبله: يمده. والفاعل ماد. والمفعول: ممدود، مثل قولك: مددت الحبل فهو ممدود، ومددت الحديث ومددت سيري، ونحو ذلك. وأما أمددت الجيش، فمنقول بالألف من قولك: مد النهر، من المدد، أي جعلت له مددا ومادة وزيادة. وقال الله : (وأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ) وقال [تعالى]: (أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ) فلذلك تعدى إلى مفعول واحد بنفسه، ثم عداه إلى الآخر

стр. 128

بحرف الجر، فمعناه كعمنى: أرطبت البسرة، وأبسرت البلحة، وأثمرت الرطبة، أي صارت بسرة ورطبة وتمرة. والمدة: اسم لما يجتمع في الجرح، مشتق من المادة والمدد. وأما قوله: آثرت فلانا عليك فأنا أوثره، وأثرت الحديث فأنا آثره، وأثرت التراب فأنا أثير، فإن فلانا عليك ممدودة الألف. وإنما هو أفعلت من الأثرة والتفضيل، وهو عائد الى الأثر. واحد الآثار، إلا أنه نقل بالألف ليفرق بينه وبين أثرت الحديث، مقصورة الألف. والفاعل من الممدود: موثر بكسر الثاء. ومفعوله: /موثر بالفتح. ومصدره: الإيثار. ومنه قول الله : (ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وقوله [تعالى]: (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي فضلك. فأما أثرت الحديث مقصورة، فمعناه تبعت أثره وبلغته. ومستقبله: آثره، بضم الثاء، ممدودة الألف. والفاعل منه: آثر. ومفعوله: مأثور. فأما أثرت التراب فقد قدمنا في أول الباب أن دخوله ههنا خطأ، وليس من هذا الباب. وأما قوله: وعدت الرجل خيرا وشرا، فإذا لم تذكر الشر قلت أوعدته ووعدته بكذا وكذا، يعني الوعيد. فليس يحتاج إذا قيل وعدت الرجل إلى ذكر خير ولا شر، وإن كان يحتمل معناه كل واحد منهما، إلا أن يخاف اللبس، فيذكر الذي يعني. واسم الفاعل منه: الواعد. والمفعول: الموعود. والمصدر: الوعد والعدة والميعاد والموعد. قال الله : (وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) وقال [تعالى]: (ووَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) وقال [تعالى]: (إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعَادَ) وقال [تعالى]: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) وقال [تعالى]: (مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا). فأما أوعدته، بالألف فلا يكون إلا للشر خاصة وللتهدد، فلذلك استغنى معه عن ذكر الشر، إلا أن تذكر الوعيد الذي تهددته به فتقول: أوعدته بالقتل، أو بالصلب، أو بالقيد، أو الحبس، أو بكذا وكذا، مفسرا للشر، الذي لا يعلم بقولك أوعدته، وقال الشاعر في الوعد والإيعاد:

стр. 129

إذا وعدوا أنجزوا وعدهم وإن أوعدوا خاب من أوعدوا يمدحهم بذلك؛ لأن من الكرم والفضل تناسي الوعيد. وأنشدنا أبو العباس/ وغيره من البصريين، عن الأصمعي، عن أبي عمر بن العلاء، أنه احتاج على "عمرو بن عبيد" في الوعيد من الله ، بقول الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته لأخلف إيعادي وأنجز موعدي فهذا آخر الباب.

стр. 130

تصحيح الباب السابع وهو المترجم بباب "أَفْعَلَ" بالألف اعلموا أنه لا معنى لذكره لهذا الباب، وإفراده إياه؛ لأنه لم يجعله أفعل، الذي ليس فيه فَعَل، ولا أفعَل، الذي هو بمعنى فَعَل، عند أهل اللغة، ولا ألحقه بالباب الذي قبله، فيكون أفعل منه بمعنى، وفعل بمعنى آخر، فكأنه إنما أراد تكثير الأبواب، أو كأنه لم يحصل الأبواب على ترتيب واستحسان، فهو باب مخلط بعضه من الباب الذي قبله، وبعضه مما يكون فيه فعَل وأفعل عند أهل اللغة بمعنى واحد، ومنه ما يستعمل منه أفعل، ولا يستعمل منه فعل، فإن كان جعله باب أفعل المخلط، فقد كان يجب أن يجعل الذي قبله معه، ويخلط أبواب الكتاب كلها به، حتى يكثر تخليطه، ولا يتكلف التفصيل والترتيب. فمن ذلك أنه قال: أشكل علي الأمر، فهو مشكل، وفعل من هذا اللفظ مستعمل كقولك: شكلت الدابة، وشكلت الكتاب، ولم يذكرهما، وهما من الباب الذي قبله، وقال: أمر الشيء، إذا صار مرا، فذكر أفعل، ولم يذكر فعل، وهو قولهم: مر الرجل وغيره مرورا/ إذا ذهب، فإن كان إنما أراد أن يذكر ما أخطأت فيه العامة في أفعل منه فقالته بفعل، فقد كان يجب أن يجمع ذلك في باب واحد، ولا يفرقه في أبواب. ومنه قوله: أسف الرجل للأمر، إذا دخل فيه، وليس ذلك كما قال. ولكنه إذا طمع فيه وأراده، ودنا منه وطلبه، فقد أسف إليه، وإن لم يدخل فيه. وهو مأخوذ من قولهم: أسف الطائر، إذا دنا من الأرض في طيرانه، وإن لم يقع بالأرض. وسففت، بغير ألف مستعمل، فلم يذكره. * * * ونحن مفسرون غريب هذا الباب، ومعانيه، على كل حال، وهذا تفسير ذلك: أما قوله: أشكل علي الأمر، فهو مشكل، فإن معناه التبس الأمر واشتبه، وهو منقول

стр. 131

من: شكلت الدابة، إذا شددت إحدى رجليه إلى يديه، فمنعته من المشي والعدو؛ لأن ذلك يلبس عليه التصرف ويمنعه منه، فشبه التباس الأمر في كل وجه به، ولكن نقل الفعل إلى الأمر بالألف، فصار فعلاً غير متعد إلى مفعول، بمعنى ألبس علي الأمر، وعلى وزنه؛ لأنه بمعنى المطاوعة كقولك: خلطت عليه فاختلط، وخلطته فاختلط. والعامة تقول: شكل علي الأمر، وهو خطأ. وأما قوله: أمر الشيء، إذا صار مرا، فكما فسره، ولهذا نقل بالألف؛ لأن الألف تأتي في معنى صار الشيء كذا وكذا. ويقال: كلمته فما أمر ولا أحلى. أي ما تكلم بحلو ولا مر. وفاعل هذا: ممر. ومصدره: الإمرار. والعامة تقول: قد مر إذا صار ذلك مرا، بغير ألف. وقد روي ذلك في بعض اللغات أنه قد يقال: مر وحلا. وينشد للطرماح: لئن مر في كرمان ليلي لطالما حلا بين تلى بابل فالمضيح/ وقال بعض العلماء: كل طعام وشراب، تحدث فيه حلاوة أو مرارة، فإنه يقال فيه قد حلا يحلو، وقد مر يمر. وكل ما كان من دهر أو عيش أو أمر، يشتد ويلين ولا طعم له فإنه يقال فيه: أحلى يحلى، وأمر يمر؛ لأنه مشبه بما له طعم، فنقل الفعل إليه بالألف، كأنه من الطعوم، على الاستعارة. وأما قوله: أغلقت الباب، فهو مغلق، وأقفلته فهو مقفل. فإن قوله: أغلقت فإن معناه شددته بالغلق وأوثقته وأرتجته. وأما أقفلت فمعناه أوثقته بالقفل. والعامة تقولهما جميعاً، بغير ألف، وهو خطأ. وفي ذلك يقول الشاعر:

стр. 132

ولا أقول لقدر القوم قد غليت ولا أقول لباب الدار مغلوق وإنما كانا على أفعل؛ لأنه بمعنى أوثقت وأحكمت وأوصدت وأرتجت، أي جعلت عليه الغلق أو القفل. ومعناهما راجع إلى قولهم: غلق الشيء يغلق غلقا وأغلقه غيره إغلاقا، وإلى قولهم: قفل الشيء يقفل قفولا، وأقفله غيره إن شئت من الرجوع كالقافلة، وإن شئت من اليبس الذي ينال المسافر في جلده، يقال: قد قفل جلده، أي يبس. وأما قوله: أعتقت الغلام فهو معتق، وعتق هو، فهذان من باب فعل وأفعل ومعنى عتق الشيء، أي صار حرا، أي كريما، ويقال لكل كريم من الخيل وغيره: عتيق؛ ولذلك سميت الجارية المخدرة: عاتقا، والخمر: عتيقا، وسمي الماء: العتيق، والتمر: العتيق، وثوب عتيق، ووجه عتيق، أي كريم أو جميل. وكل شيء قديم يسمى عتيقا أيضا؛ ولذلك قيل للبيت الحرام: البيت العتيق. قال الله جل وعز: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى البَيْتِ العَتِيقِ) / وقال [تعالى]: أيضا: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ) وامرأة عتيقة: أي جملية أو كريمة أو حسيبة. وقال عنترة: كذب العتيق وماء شن بارد إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي والبازي يقال له: عتيق؛ لأنه أكرم الطير. وقال لبيد: فانتضلنا وابن سلمى قاعد كعتيق الطير يغضي ويجل

стр. 133

وقال رؤبة في عتق العبد: قد عتق الأجدع بعد رق بزولة أو قارح معق والمستقبل من هذا الفعل: يعتق، بفتح أوله، وكسر التاء. ومصدره: العتق والعتاقة والعتاق. وهو عتيق، فعيل بمعنى فاعل، أو مفعول من أعتق وإن أردت أنه يعتق غدا قلت: هو عاتق. وأما أعتق فاسم فاعله: معتق. ومفعوله: معتق، بفتح التاء. ومصدره: الإعتاق. والعامة تقول: عتقت الغلام. بغير ألف، وهو خطأ. وأما قوله: أبغضت الشيء أبغضه، وأن مبغضه، وقد بغض هو، فإنه أيضاً من باب فعل وأفعل، باختلاف المعنى. وكان يجب أن يأتي به هناك. وأبغضت منقول بالألف، من بغض الشيء، يبغضن بغاضة وبغضنا، ومعناه معروف. وأما قوله: أسف الرجل لأمر، إذا دخل فيه فقد فسرناه، في أول الباب، وبينا غلطه. وكذلك أسف الطائر، فهو مسف. وفيه يقول عبيد، يصف السحاب: دان مسف فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح/ وأما قوله: أسففت الخوص، إذا نسجته، فالخوص لا ينسج، ولكنه يضفر، كما يضفر الشعر والجلد والسيور، ويرصع، ونحو ذلك. وقيل ذلك فيه؛ لأنه قد دنا من النسج، كما دنا السحاب من الأرض، والطائر من الأرض فلذلك قيل: أسففته، وهو منقول من قولك سففت السويق والفتوت والدواء والتراب؛ لأن السف قريب من الأكل. والعامة تقول: سففت الخوص؛ بغير ألف. وأما قوله: أنشر الله الموتى فنشروا، فإنه من باب فعلت وأفعلت، باختلاف المعنى أيضاً؛ أي أحياهم فحيوا، كأنهم حين ماتوا، كانوا قد طووا فنشروا من طيهم، ولكن خولف بين بناء فعلهم، وفعل النشر والطي، للفرق بين المعاني.

стр. 134

وقال الأعشى: حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر فهذا من نشروا. وقال الله : (ثُمَّ إذَا شَاءَ أَنشَرَهُ)؛ أي أحياه. وأما قوله: أمنى الرجل فهو يمني من المني، فمعناه أنزل، فهو ينزل وذلك إذا خرج منه الماء الدافق. قال الله : (مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى). والمني مشدد الياء اسم على فعيل. وقد أمنى الرجل يمني إمناء، وبعض أهل اللغة يجيز منى، بغير ألف، كأنه على لغتين، فمعنى منى سال، ومعنى أمنى أسال. وقد روي أن "منى" التي بعرفات إنما سميت منى؛ لأن الدماء تمنى بها؛ أي تسال، إذا ذبحت النسك. وأما قوله: ضربه فما أحاك فيه السيف، فمعناه لم يعمل فيه ولم يؤثر. يقال: هذه شجرة لا يحيك فيها القدوم ولا الفأس، وفلان لا يحيك فيه [العتاب] والملام، بالألف فهو محيك إحاكة. والعامة تقول: /حاك يحيك بغير ألف، فهو حائك فيه حيكا وحيكانا. ويقال: إنها لغة لبعض العرب. وليس هذا من الحياكة والنسج؛ حياكة النسيج أصلها من الواو. يقال: حاك يحوك حوكا. ويقال: فلان يحيك في مشيته، إذا تبختر بالياء، كأنه من الأول لأنه من المضي. وأما قوله: أمضني الجرح والقول، وكان من مضى يقول: مضني، بغير ألف؛ فقد روى فيها لغتان، كما حكي بألف، وبغير ألف، فمن قالها بغير ألف، فمصدره: المض والمضيض، ومن قالها بألف، فمصدره: الإمضاض. وقال بعض الأعراب، واشتكى عينه فذرها:

стр. 135

هذا ذرور إن شفاني الذر له مضيض وأذى وحر والشر لا يطفيه إلا الشر وقال آخر: يا من لعين لم تذق تغميضا ومأقيين أشربا مضيضا ويقال: وجدت له مضيضا ومضاضة ومضضا ومضا، أي حرقة وحرارة. وقال رؤبة في أمض، بألف: فاقني فشر القول ما أمضا وأما قوله: أنعم الله بك عينا، فالمعنى فيه أقر الله بك عينا، وقرت العين نعمتها. تقول: نعمت بالا، ونعمت به عيني، وأنعمها غيرها بالألف، لنقل الفعل على ما فسرناه. وقال الشاعر في نعمت بالاً: ولو أني أشاء نعمت بالا وعاداني صبوح أو غبوق وقال امرؤ القيس: ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي وهل ينعمن من كان في العصر الخالي/ وهذا فعل لازم، بغير ألف بمعنى الانفعال، وأنعمته؛ بالألف، فعل متعد، منقول. والله هو المنعم على كل ناعم. والعامة تقول: نعم الله بك عينا بغير ألف. وأما قوله: أيديت عند الرجل يدا، فمعناه أسديت إليه معروفا، وأنعمت عليه وهو فعل مشتق من اليد وهي جارحة من الجوارح، ليس اسمها بمصدر، تتصرف منه الأفعال، ولكن تصرف منه ذلك على الاستعارة والتشبيه بالمصادر، لما جعل اسم للإسداء والإنعام على الاستعارة؛ لأنهما لا يكونان إلا بهذه الجارحة، فمعنى أيديت؛ أي اتخذت عنده يدا.

стр. 136

والنعمة تسمى يدا، وتجمع على الأيدي، كما جمعت اليد نفسها. وربما جمعوا الجمع فقالوا: الأيادي، ليفرقوا بين جمع الجارحة والنعمة, وقد روى عن بعضهم: يديت إليه معروفا بغير ألف. وحكى "الخليل" عن العرب أنهم يقولون: إن فلانا لذوي مال، ييدي به ويبوع؛ أي يبسط به يديه وباعه، فكأنه قولهم: يديت، إنما هو من هذا، لا من النعمة؛ لأن اليد هي التي تبسط بالخير والشر، وتصرف بها الأمور، وكذلك الباع. وأما قوله: لا أعلك الله، للرجل إذا وجد علة، فمعناه لا جعل الله فيك علة، أي مرضاً، وهو منقول من اعتل الرجل واعتل انفعال منه، كأن الله أعله فاعتل؛ لأن اعتل فعل لازم بمعنى المطاوعة، والرجل عليل وهو فعيل بمعنى مفعول، أي جعلت فيه علة فقبلها. وأصله من العل؛ وهو القراد الضخم الكبير، والشيخ المسن، يشبه به؛ لضعفه وذهاب قوته، وقال الهذلي، يصف رجلا: ليس بعل كبير لا شباب له لكن أثيلة صافي الوجه مقتبل. وقال الطرماح في "القراد": عل طويل الطوى كبالية الـ ـسفع متى يلق علو يصطعده أي يصعده. ويقال لكل كبير السن، صغير الجسم: عل، فلذلك قيل للمريض: عليل، ومعتل. والعامة تقول: لا علك الله، بغير ألف، وهو خطأ. وأما قوله: أرخيت الستر، فهو مرخي، فإنه واضح، ومعناه أرسلته إرسالا، على

стр. 137

أفعلت، منقول بالألف، من الرخو، من كل شيء. ومنه قيل لبعض سير الفرس: الإرخاء، وهو اللين منه، كما قال امرؤ القيس: له أيطلا ظبي وساق نعامة وإرخاء سرحان وقريب تتقل والعامة تقول للمرخي من الستور: مرخي، وهو خطأ؛ لأنه على مفعول، وإنما هو مفعل؛ لأنه بالألف مثل: أسبلته فهو مسل. وقد استرخى هو على استفعل، بمعنى انفعل للمطاوعة. وأما قوله: أغليت الماء فهو مغلي، فمعناه كمعنى سخنت وطخبت وأحميت وتقول: قد على الماء نفسه، بغير ألف، فهو يلي غليا وغليانا، كما قال الله : (يَغْلِي فِي البُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الحَمِيمِ) وقد أغلاه غيره، وهو يغليه إغلاء، فهو مغلي، كما تقول: حمِي يحمَى حَميْا، وأحماه غيره يحميه إحماء، فهو محمى، فتنقله بالألف. والعامة تقول: غليت الماء، بغير ألف، وهو مغلي على مفعول، وهو خطأ. ويقولون: غِليت القدر تغِلي، بكسر الثاني من الماضي والمستقبل، وهو أيضاً خطأ. وفيه قال الشاعر: ولا أقول لقدر القوم قد غليت ولا أقول لباب الدار مغلوق/ ولم يجئ فعل يفعل في الكلام، إلا في كلمات قليلة شاذة عن القياس مثل: حسب يسحب، وورم يرم، كأنهم حملوا غليت على حَميَت، لما كان في معناه هو غلط منهم. وأما قوله أكريت الدار فهي مكراة، والبيت مكري، فإن العامة تقول: هو مكري، على مفعول، وهو خطأ. وهو مثل قولهم: أكريت النهر، وهو من التأخير والإبعاد؛ وذلك أنك إذا أجرت الدار وغيرها شهرا أو أكثر بشيء، فهو بتأخير ونسيئة، وكذلك أكريت الإبل والحمير. والكَرِيّ الحمال الذي يُكريك، والمُكارِيّ الذي يكري الدواب. وقد يقال للمكترِي أيضاً: الكِريّ على فعيل؛ لأن الفاعل والمفعول متكاريان ومفاعلان. وفعيل في

стр. 138

معنى ذلك كثير. وأكريت فعل منقول من ثلاثي غير مستعمل في هذا المعنى. والكراء مصدره. والكراء، بالفتح مصدر الأول، وهو التأخير. وقال الحطيئة في تأخير العشاء عنه: وأكريت العشاء إلى سهيل أو الشعرى فطال بي الكراء وأما قوله: أَغْفَيت، فأنا مُغف من النوم، فإن العامة تقول: غفيت بغير ألف وبالياء، وتقول في المستقبل: أغفو، غَفوة، ومعناه الدخول فيما قل من النوم، وهو اليسير، الذي لا يكتفى به ولا ينتفع، وهو مأخوذ من الغفا؛ وهو رديء التمر؛ هو داء يقع في البسر، فيفسده، وكأن العامة لم تُدخل في الألف؛ لأنها شبهته بقولهم: نعست ونمت ووسنت وجاء بالمستقبل بالواو، والماضي بالياء جهلا، وبالمصدر على فعلة واحدة وإنما المصدر: الإغفاء. وكذلك يقال في البسر/ والتمر: أغفى يغفي إغفاء، وإغفاءة واحدة. فهذا آخر الباب. ***

стр. 139

تصحيح الباب الثامن وهو المترجم بباب ما يقال بحروف الخفض اعلموا أن هذا الباب إنما هو باب الفعل الذي لا يتعدى بنفسه، فيعدى بالباء أو بغيرها من حروف الجر، وحق هذا الباب أن تتعاقب فيه حروف الجر، وهمزة النقل، الداخلتان في أول الفعل وآخره، وألا يجتمعا فيه؛ لأن إحداهما تنوب عن الأخرى. وربما احتيج في بعض المواضع إلى الحرفين جميعا، وذلك إذا اجتمع في الفعل معنيان: أحدهما النقل، والآخر غير ذلك. أو يكون الفعل في الأصل مستعملاً بالهمزة، غير متعد وغير مستعمل بلا همزة، ثم يحتاج إلى تعديته فيدخل حرف الجر أيضاً، أو يحتاج فيه إلى نقل بعد نقل؛ فتكون الهمزة لأحد النقلين، والحرف الجار للنقل الآخر، ولا يجتمع هذا إلا لمثل هذا. والعامة ربما أدخلت حروف الجر على ما لا يحتاج إليها، أو الهمزة، فذكر مؤلف هذا الكتاب من ذلك طرفا، أخطأت فيه العامة. وربما أدخلوا حرف جر مكان آخر. والعرب تتكلم بغير ذلك. فمن ذلك قوله: سخرت منه، وهزئت به. ومن مذهبه ومذاهب كثير من أهل اللغة، أن حروف الجر تتعاقب، فيقع كل واحد منها مكان الآخر، بمعنى واحد. وهذا إبطال حقيقة اللغة، وإفساد الحكمة فيها، وضد ما يوجبه العقل والقياس. وكل من كان على غير مذهبهم من أهل التحصيل والمعرفة، ينكرون ذلك. فإنكار مؤلف هذا الكتاب ما عليه العامة، واعتقاده واعتقاد أصحابه، دليل على/ فساد مذهبهم. وقد بينا هذا على الاستقصاء، في كتابنا في الرواية التي وصفناها وفي إبطال تعاقب الحروف. فأما نصحَت وشكرت فإنهما يتعديان. وأشباهها بغير اللام. وإنما تُدخل اللام فيهما؛ ليعديا بها إلى مفعول آخر، غير ما يتعديان إليه بأنفسهما، كقولك: شكرت لفلان

стр. 140

فعله، وشكرت له بره، وشكرت له معروفه، فالفعل والبر والمعروف مفعولات لشكرت، بغير حرف جر. وفلان يتعدى إليه الفعل، بحرف الجر، وليس في الدنيا عربي، ولا نحوي، يزيد اللام في هذا المفعول، الذي يتعدى الفعل إليه، فتقول: شكرت لفلان معروفه، فإن شئت اقتصرت على أحد المفعولين فقلت: شكرت فلانا، أو شكرت معروف فلان، فكان كلاما تاما مستقيما؛ لأنه في الأصل لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. وإن شئت حذفت الجار من المفعول الثاني، فعديت الفعل بنفسه إليهما فقلت: شكرت زيدا معروفه، كما قال الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل وإنما يجوز ذلك إذا كثر استعمال الفعل، وعرف معناه، واحتيج إلى تخفيفه أو اضطر إلى الحذف شاعر. وإن شئت قلت: شكرت فلانا لمعروفه، فجعلت اللام في المعروف، ونصبت فلانا. ونصحت مثل شكرت، لا يتعدى بنفسه إلا إلى مفعول واحد؛ لأن أصله من النصح؛ وهو الخياطة، تقول: نصحت ثوبي أي خطته، وأصلحته، كما تقول: خطت ثوبي، وأصلحت ثوبي، وتقول: نصحت لفلان ثوبه، فتعديه باللام إلى مفعول ثان، فهو في غير الخياطة أيضا بهذا المعنى، والتعدي إلى مفعول واحد بنفسه، ولى ما بعده بحرف / الجر؛ لأنه ينصح له الرأي والمشورة، أو نحو ذلك، كما ينصح له الثوب، ولكنه لما كثرت معه اللام وعرف معناه، واستغني عن المفعول الأول، وقل استعماله في الكلام توهم من لا يحصل المعاني، ولا يتحققها أنهلا يجوز بغير اللام، وتوهم قوم أن حرف الجر زائد فيه، وليس واحد من القولين بالصواب، ألا ترى أنك لو أظهرت المفعول المستغنى عنه فقلت: نصحت له الرأي ونحوه، لكان جيدا عند جميع أهل العربية ولو أردت إدخال اللام على الرأي لما جاز؛ فهذا يوضح صحة ما قلنا وفساد غيره. وقد ذكر ثعلب صنيعه مع قوله شكرت له، ولم يعلم أن هذا الفعل قد تعدى إلى صنيعه، بغير حرف جر، فترجم الباب بما لا يقال

стр. 141

إلا بحرف جر؛ فإما أن يكون لم يفطن لنصبه "صنيعه" بشكرت. وإما أن يكون توهم أنه لا يجوز أن يقال: شكرت صنيعه من غير أن يقال "له". وهذا قبيح من مثله جدا. وليس فعل متعد أو غير متعد بنفسه أو بحرف جر إلا وتعديته بعد تمام الكلام إلى مفعول آخر بحرف جر، أو إلى مفعولين جائز جيد، عند جميع النحويين واللغويين. وليس حرف الجر الذي يتعدى بمخصوص ولا معين. بل يجوز ذلك بجميع حروف الجر، التي تتعلق بمعنى الفعل، وتوجب معناها متصلا به، كقول: شكرت لزيد صنيعه بفلان في أمر كذا وكذا، ألا ترى أنك قد عديت هذا الفعل إلى فلان بالباء، وإلى أمر بفي، كما عديته إلى زيد باللام ولم تعده بنفسه، إلا إلى صنيع، فهكذا جميع الأفعال في جميع كلام العرب. وأما قوله: نسأ الله في أجله، فإنه قد استعمل بفي، لبعض المعاني التي شرحناها وهو جائز بغير حرف جر؛ لأن النسيء التأخير، يقال منه: / نسأته الدين، إذا أخرته عليه، ومنه: نسيء الشهور، التي قال الله [فيها]: (إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ). وقال الشاعر: ألسنا الناسئين على معد شهور الصيف نجعلها حراما فعدى الناسئين، وهو من نسأت إلى الشهور، بغير حرف جر؛ لأنه بمنزلة قولك: أخرته، بغير حرف جر. وإنما تدخل "في" فيه؛ لأنه يراد: نسأ الله الأيام في أجلك؛ أي أخرها، ولكن يحذف هذا المفعول؛ لأنه معلوم، لا يلبس. ومعنى أنسأ الله أجله، أي أنسأه الله أجله، إلى آخر الأيام. فهذا أصل هذا الباب، وقياسه وعلته. * * * ونحن نفسر غريب هذا الباب بعده إن شاء الله: أما قوله: سخرت منه؛ فأصله من تسخير الشيء، وهو السخرة. ومن ذلك قول الله : (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ) أي طوعناها له، وذللناها له؛ أي

стр. 142

جعلناها له مطيعة. وكذلك قوله: (وسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ) وكذلك قولهم: سخرت الدواب والسفن: إنما معناه جعلنا ما لغيرنا منقادا لنا. وكذلك سخِرت منه؛ إنما معناه، أن تتخذ الرجل لك كالمسخر، فتجعله بالخديعة أو غيرها مطيعا لك. وإنما قيل: سخرت منه؛ فأدخلت فيه "من" للتبعيض لأنك لم تسخره، كما تسخر الدواب وغيرها. وإنما ختدعته عن بعض عقله فأدخلت "مِن" للتبعيض، وبني الفعل منه على فعلت؛ لأنه بمعنى عبثت وهزئت، ونحو ذلك. وهو أيضاً كالمطاوعة التي لا تتعدى، ومستقبله على أسخَر، بالفتح، كما قال الله : (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ) وقال [تعالى]: (إن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ). واسم الفاعل منه: ساخر. ومصدره:/ السخرية؛ كأنها منسوبة إلى السخرة، ولكن علامة التأنيث حذفت من صدره؛ لدخول ياءي النسب، ثم أنث المصدر بعد ذلك، كما يقال: العبودية واللصوصية. وأما قول الله : (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا) فإنما هو نعت الشيء المسخر، من السخرة، ولو وضع موضع المصدر جاز، وقد يكسرون السين منه، والعامة تقول: سَخِرت بك؛ فتعدي الفعل بالباء، على التشبيه بهزئت به. ومن يزعم أن حروف الجر تتعاقب، يجيز ذلك. وثعلب وأصحابه يعتقدون جواز التعاقب وقد رد على العامة، سخرت به، وصوب سخرت منه. والسُّخَرة، بفتح الخاء الكثير السُّخريّة. والسخرة، الذي يسخر منه، من الناس، وهو أيضا مصدر مثل: الغرفة واللعبة وأشباههما. وأما هزئت به، من الهزء؛ وهو العبث والسخرية بالشيء ونحوهما، وهو قريب المعنى، من سخرت منه؛ إلا أن هزئت لا يقتضي معنى السخرية والتسخير، وهزئت يتعدى بالباء؛ للفرق بينهما، وهما جميعا كالانفعال. وإنما خُص هزئت بالباء؛ لأن الباء تلصق الشيء

стр. 143

بالشيء، وتخلطه به، تقول: هَزِئ يَهزَأ هُزْءا، وهُزُوءا، فهو هازئ. وقد يُبنى أيضا على بناء تفعلت واستفعلت، للمبالغة، فيقال: تهزأت به واستهزأت. وقال الله : (أَبِاللَّهِ وآيَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ) وقال [تعالى] أيضاك (إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ). واسم الفاعل من هزئت: هازئ. ويقال: رجل هُزَأة، بفتح الزاي، على مثال فُعَلَة؛ إذا كان يكثر الاستهزاء بالناس. ورجل هُزْأة، بسكون الزاي؛ إذا كان مضعوفا، يستهزأ به. وأما قوله: نصحت له؛ فقد/ مضى تفسيره في أول الباب. وكذلك شكرت له وفرقنا أيضا بين: حمدته، وأحمدته، وبينا معنى قوله: نسأ الله في أجله. وأما قوله: اقرأ على فلان السلام، فهو من قولك: قرأت القرآن، وقرأت الكتاب، وتفسيره: جمعت وضممت بعضه إلى بعض، وتلوت، ونحو ذلك. فالسلام ههنا مفعوله الذي يتعدى إليه هذا الفعل، كما يتعدى إلى القرآن والتوراة والإنجيل والكتاب ونحو ذلك. ثم قيل بعد المفعول: على فلان؛ فأدخلت فيه "على" لتعديته إلى مفعول ثان؛ لأنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. وكل فعل عدي إلى أكثر من مفعوله، لم يكن له بد من حرف جر، يضاف به إليه. وإن شئت حذفت منه "على" كما حذفت حرف الجر من: كلته ووزنته إذا لم يلبس، وكثر استعماله، وإن شئت فتحت الألف؛ فقلت: أقرئ فلانا السلام؛ لأنك نقلت فعله من فَعَل إلى أفعل، فعديته بالأف، واستغنيت عن "علي" على ما قدمنا شرحه، وهو قول العامة. وأما قوله: زريت عليه، إذا عبت عليه فعله، وأزريت به، إذا قصرت به، فكله من العيب، غلا أن بين فعلت منه وأفعلت فرقا. وذلك أن زريت عليه معناه أنكرت عليه أو عبت عليه فعله؛ ولذلك عدي بعلى؛ لأنه غير متعد بنفسه، أي ليرجع. ومستقبله: أزرى به؛ بفتح أوله، وكسر الراء؛ فإنه زار عليه زريا. ويروى للنابغة: نبئت "نعما" على الهجران زارية نفسي فداء لذاك العائب الزاري

стр. 144

وقال غيره:/ يا أيها الزاري على عمر قد قلت فيه غير ما يعلم وأما أزريت به فمعناه: قصرت به وتنقصته، كما قال ذو الإصبع: أزرى بنا أننا شالت نعمتنا فخالني دونه بل خلته دوني أي قصر بنا. ومستقبله: يزري بضم الأول. وفاعله: مزر، بكسر الراء. ومفعوله: مزرى به. والمصدر: إزراء، على إفعال. وإنما بني هذا على أفعل، بالألف؛ لأنه نقل فعله بالهمزة، وأدخلت الباء فيه للإلصاق، فعدي به؛ لأنه لا يتعدى، واستغني عن "على" بالباء، لما تغير من معناه. ولو كانت حروف الجر يعاقب بعضها بعضا، لجازت الباء وعلى في الوجهين جميعا، كما تقوله العامة. وأما قوله: جن عليه الليل، وأجنه الليل، فإن معنى جن كمعنى ستر أو غطى؛ وهو يجن، بكسر الجيم. ومصدره: الجنان والجن، والجنون، على فعول؛ لأنه لا يتعدى. وفاعله: جان. ومفعوله: مجنون. وكل ساتر يستتر به، فهو جان؛ ولذلك سميت الجن جنا، لاستتارها. والجنين: الولد في بطن أمه أيضا كذلك، على فعيل بمعنى مفعول؛ إلا أن قولهم: جن الليل فيه معنى: أتى الليل؛ فلذلك عدي بعلى، فقيل: جن عليه الليل، كما يقال أتى عليه الليل. وكل ما عدي بحرف جر جاز أن يعدى بألف النقل؛ لأنهما حرفان متعاقبان، يجيئان لنقل الفعل وتعديته؛ فلذلك قيل: أجنه الليل؛ أي ستره الليل، فعدي بغير حرف جر. وهذا الباب كله من باب فعل وأفعل، باختلاف المعنى. ولا معنى لإفراده هذه الحروف عن باب أفعل، إلا أن بعضها قد جاء منه وجه واحد، ولم يجيء الوجه الآخر،/ للاستغناء عنه، مثل قولهم: سخرت منه وهزئت به، فإنه لم يجئ منهما أسخرته ولا أهزأته. وقد جاءت تهزأت واستهزأت وربما جاء تَفَعَّلت وافتَعَلت واستفْعَلت

стр. 145

في موضع أفعلت؛ لأسباب توجب ذلك. وقد قيل: يستسخرون. وكذلك لم نسمع أنصحته ولا أشكرته. فأما سائر ما ذكره فقد استعمل فيه الوجهان وله باب، وقد قدمه كان يجب أن يلحقه به. وقال الله في جن عليه: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا). وأما قوله: ذهبت به وأذهبته، فواضح المعنى، مثل مررت به وأمررته، قد تعاقب فيه حرف الجر والألف، لنقل الفعل والتعدية. وقد مضى شرحه مرارا. وقد يعدى دخلت بغير الباء أيضا؛ لاختلاف المعنى، فيقال: دخلت عليه، ودخلت إليه، ودخلت فيه. ولكل واحد من ذلك معنى، ليس للآخر: لأنك تقول: دخلت في هذا الأمر، وفي هذه الوصية، ودخلت في دين فلان ونحوه، ولا يجوز ههنا الباء. وتقول: دخلت إلى الدار، ولا يجوز فيه الباء أيضا. وتقول: دخلت على الأمير، دخلت على الجارية، ولا يجوز فيه الباء؛ لأن المعنى يبطل بالباء ههنا. وهذا يُلزِم من زعم أن حروف الجر تتعاقب، بمعنى أن يجيزه كله، فإن لم يجزه بطل قوله في التعاقب، ووجب عليه الرجوع عنه. وأما قول: لهيت من الشيء وعنه، إذا تركته، فهو خطأ؛ لأنه ليس كل من ترك شيئاً، فقد لهى عنه. وإنما يقال: لهيت عنه، ومنه، بمعنى سهوت عنه، وغفلت عنه، وتشاغلت عنه ونسيته، ونحو ذلك، فأما من ترك الشيء عامداً بلا سهو، ولا غفول ولا تشاغل ولا نسيان، ورفضه عن صواب رأي/ وفعل، فلا يقال له: لهى عنه؛ لا يقال لمن ترك الأكل بعد الشبع، أو الشرب بعد الري، أو الصلاة بعد تمامها: قد لهى عن ذلك، ولا لهى منه. وإنما هو من اللهو، ولكن بنى على فعلت، بكسر العين. في معنى الانفعال والمطاوعة، فانقلبت الواو ياء، كما يقال: رضي، وعدي بمِن وعن لما شرحنا في نظائره. ولمِن معنى ابتداء الغاية والتبعيض، ولِعَن غير معنى. وتعدية لهيت بالألف جائزة أيضاً كقولك: ألهاني عنه كذا وكذا، كما قال الشاعر: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
следующие страницы →