Полный текст (518 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
إلا بحرف جر؛ فإما أن يكون لم يفطن لنصبه "صنيعه" بشكرت. وإما أن يكون توهم أنه لا يجوز أن يقال: شكرت صنيعه من غير أن يقال "له". وهذا قبيح من مثله جدا. وليس فعل متعد أو غير متعد بنفسه أو بحرف جر إلا وتعديته بعد تمام الكلام إلى مفعول آخر بحرف جر، أو إلى مفعولين جائز جيد، عند جميع النحويين واللغويين. وليس حرف الجر الذي يتعدى بمخصوص ولا معين. بل يجوز ذلك بجميع حروف الجر، التي تتعلق بمعنى الفعل، وتوجب معناها متصلا به، كقول: شكرت لزيد صنيعه بفلان في أمر كذا وكذا، ألا ترى أنك قد عديت هذا الفعل إلى فلان بالباء، وإلى أمر بفي، كما عديته إلى زيد باللام ولم تعده بنفسه، إلا إلى صنيع، فهكذا جميع الأفعال في جميع كلام العرب.
وأما قوله: نسأ الله في أجله، فإنه قد استعمل بفي، لبعض المعاني التي شرحناها وهو جائز بغير حرف جر؛ لأن النسيء التأخير، يقال منه: / نسأته الدين، إذا أخرته عليه، ومنه: نسيء الشهور، التي قال الله [فيها]: (إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ). وقال الشاعر:
ألسنا الناسئين على معد شهور الصيف نجعلها حراما
فعدى الناسئين، وهو من نسأت إلى الشهور، بغير حرف جر؛ لأنه بمنزلة قولك: أخرته، بغير حرف جر. وإنما تدخل "في" فيه؛ لأنه يراد: نسأ الله الأيام في أجلك؛ أي أخرها، ولكن يحذف هذا المفعول؛ لأنه معلوم، لا يلبس. ومعنى أنسأ الله أجله، أي أنسأه الله أجله، إلى آخر الأيام. فهذا أصل هذا الباب، وقياسه وعلته.
* * *
ونحن نفسر غريب هذا الباب بعده إن شاء الله:
أما قوله: سخرت منه؛ فأصله من تسخير الشيء، وهو السخرة. ومن ذلك قول الله : (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ) أي طوعناها له، وذللناها له؛ أي
стр. 142
جعلناها له مطيعة. وكذلك قوله: (وسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ) وكذلك قولهم: سخرت الدواب والسفن: إنما معناه جعلنا ما لغيرنا منقادا لنا. وكذلك سخِرت منه؛ إنما معناه، أن تتخذ الرجل لك كالمسخر، فتجعله بالخديعة أو غيرها مطيعا لك. وإنما قيل: سخرت منه؛ فأدخلت فيه "من" للتبعيض لأنك لم تسخره، كما تسخر الدواب وغيرها. وإنما ختدعته عن بعض عقله فأدخلت "مِن" للتبعيض، وبني الفعل منه على فعلت؛ لأنه بمعنى عبثت وهزئت، ونحو ذلك. وهو أيضاً كالمطاوعة التي لا تتعدى، ومستقبله على أسخَر، بالفتح، كما قال الله : (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ) وقال [تعالى]: (إن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ). واسم الفاعل منه: ساخر. ومصدره:/ السخرية؛ كأنها منسوبة إلى السخرة، ولكن علامة التأنيث حذفت من صدره؛ لدخول ياءي النسب، ثم أنث المصدر بعد ذلك، كما يقال: العبودية واللصوصية. وأما قول الله : (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا) فإنما هو نعت الشيء المسخر، من السخرة، ولو وضع موضع المصدر جاز، وقد يكسرون السين منه، والعامة تقول: سَخِرت بك؛ فتعدي الفعل بالباء، على التشبيه بهزئت به. ومن يزعم أن حروف الجر تتعاقب، يجيز ذلك. وثعلب وأصحابه يعتقدون جواز التعاقب وقد رد على العامة، سخرت به، وصوب سخرت منه. والسُّخَرة، بفتح الخاء الكثير السُّخريّة. والسخرة، الذي يسخر منه، من الناس، وهو أيضا مصدر مثل: الغرفة واللعبة وأشباههما.
وأما هزئت به، من الهزء؛ وهو العبث والسخرية بالشيء ونحوهما، وهو قريب المعنى، من سخرت منه؛ إلا أن هزئت لا يقتضي معنى السخرية والتسخير، وهزئت يتعدى بالباء؛ للفرق بينهما، وهما جميعا كالانفعال. وإنما خُص هزئت بالباء؛ لأن الباء تلصق الشيء
стр. 143
بالشيء، وتخلطه به، تقول: هَزِئ يَهزَأ هُزْءا، وهُزُوءا، فهو هازئ. وقد يُبنى أيضا على بناء تفعلت واستفعلت، للمبالغة، فيقال: تهزأت به واستهزأت. وقال الله : (أَبِاللَّهِ وآيَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ) وقال [تعالى] أيضاك (إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ). واسم الفاعل من هزئت: هازئ. ويقال: رجل هُزَأة، بفتح الزاي، على مثال فُعَلَة؛ إذا كان يكثر الاستهزاء بالناس. ورجل هُزْأة، بسكون الزاي؛ إذا كان مضعوفا، يستهزأ به.
وأما قوله: نصحت له؛ فقد/ مضى تفسيره في أول الباب. وكذلك شكرت له وفرقنا أيضا بين: حمدته، وأحمدته، وبينا معنى قوله: نسأ الله في أجله.
وأما قوله: اقرأ على فلان السلام، فهو من قولك: قرأت القرآن، وقرأت الكتاب، وتفسيره: جمعت وضممت بعضه إلى بعض، وتلوت، ونحو ذلك. فالسلام ههنا مفعوله الذي يتعدى إليه هذا الفعل، كما يتعدى إلى القرآن والتوراة والإنجيل والكتاب ونحو ذلك. ثم قيل بعد المفعول: على فلان؛ فأدخلت فيه "على" لتعديته إلى مفعول ثان؛ لأنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. وكل فعل عدي إلى أكثر من مفعوله، لم يكن له بد من حرف جر، يضاف به إليه. وإن شئت حذفت منه "على" كما حذفت حرف الجر من: كلته ووزنته إذا لم يلبس، وكثر استعماله، وإن شئت فتحت الألف؛ فقلت: أقرئ فلانا السلام؛ لأنك نقلت فعله من فَعَل إلى أفعل، فعديته بالأف، واستغنيت عن "علي" على ما قدمنا شرحه، وهو قول العامة.
وأما قوله: زريت عليه، إذا عبت عليه فعله، وأزريت به، إذا قصرت به، فكله من العيب، غلا أن بين فعلت منه وأفعلت فرقا. وذلك أن زريت عليه معناه أنكرت عليه أو عبت عليه فعله؛ ولذلك عدي بعلى؛ لأنه غير متعد بنفسه، أي ليرجع. ومستقبله: أزرى به؛ بفتح أوله، وكسر الراء؛ فإنه زار عليه زريا. ويروى للنابغة:
نبئت "نعما" على الهجران زارية نفسي فداء لذاك العائب الزاري
стр. 144
وقال غيره:/
يا أيها الزاري على عمر قد قلت فيه غير ما يعلم
وأما أزريت به فمعناه: قصرت به وتنقصته، كما قال ذو الإصبع:
أزرى بنا أننا شالت نعمتنا فخالني دونه بل خلته دوني
أي قصر بنا. ومستقبله: يزري بضم الأول. وفاعله: مزر، بكسر الراء. ومفعوله: مزرى به. والمصدر: إزراء، على إفعال. وإنما بني هذا على أفعل، بالألف؛ لأنه نقل فعله بالهمزة، وأدخلت الباء فيه للإلصاق، فعدي به؛ لأنه لا يتعدى، واستغني عن "على" بالباء، لما تغير من معناه. ولو كانت حروف الجر يعاقب بعضها بعضا، لجازت الباء وعلى في الوجهين جميعا، كما تقوله العامة.
وأما قوله: جن عليه الليل، وأجنه الليل، فإن معنى جن كمعنى ستر أو غطى؛ وهو يجن، بكسر الجيم. ومصدره: الجنان والجن، والجنون، على فعول؛ لأنه لا يتعدى. وفاعله: جان. ومفعوله: مجنون. وكل ساتر يستتر به، فهو جان؛ ولذلك سميت الجن جنا، لاستتارها. والجنين: الولد في بطن أمه أيضا كذلك، على فعيل بمعنى مفعول؛ إلا أن قولهم: جن الليل فيه معنى: أتى الليل؛ فلذلك عدي بعلى، فقيل: جن عليه الليل، كما يقال أتى عليه الليل. وكل ما عدي بحرف جر جاز أن يعدى بألف النقل؛ لأنهما حرفان متعاقبان، يجيئان لنقل الفعل وتعديته؛ فلذلك قيل: أجنه الليل؛ أي ستره الليل، فعدي بغير حرف جر. وهذا الباب كله من باب فعل وأفعل، باختلاف المعنى. ولا معنى لإفراده هذه الحروف عن باب أفعل، إلا أن بعضها قد جاء منه وجه واحد، ولم يجيء الوجه الآخر،/ للاستغناء عنه، مثل قولهم: سخرت منه وهزئت به، فإنه لم يجئ منهما أسخرته ولا أهزأته. وقد جاءت تهزأت واستهزأت وربما جاء تَفَعَّلت وافتَعَلت واستفْعَلت
стр. 145
في موضع أفعلت؛ لأسباب توجب ذلك. وقد قيل: يستسخرون. وكذلك لم نسمع أنصحته ولا أشكرته. فأما سائر ما ذكره فقد استعمل فيه الوجهان وله باب، وقد قدمه كان يجب أن يلحقه به. وقال الله في جن عليه: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا).
وأما قوله: ذهبت به وأذهبته، فواضح المعنى، مثل مررت به وأمررته، قد تعاقب فيه حرف الجر والألف، لنقل الفعل والتعدية. وقد مضى شرحه مرارا. وقد يعدى دخلت بغير الباء أيضا؛ لاختلاف المعنى، فيقال: دخلت عليه، ودخلت إليه، ودخلت فيه. ولكل واحد من ذلك معنى، ليس للآخر: لأنك تقول: دخلت في هذا الأمر، وفي هذه الوصية، ودخلت في دين فلان ونحوه، ولا يجوز ههنا الباء. وتقول: دخلت إلى الدار، ولا يجوز فيه الباء أيضا. وتقول: دخلت على الأمير، دخلت على الجارية، ولا يجوز فيه الباء؛ لأن المعنى يبطل بالباء ههنا. وهذا يُلزِم من زعم أن حروف الجر تتعاقب، بمعنى أن يجيزه كله، فإن لم يجزه بطل قوله في التعاقب، ووجب عليه الرجوع عنه.
وأما قول: لهيت من الشيء وعنه، إذا تركته، فهو خطأ؛ لأنه ليس كل من ترك شيئاً، فقد لهى عنه. وإنما يقال: لهيت عنه، ومنه، بمعنى سهوت عنه، وغفلت عنه، وتشاغلت عنه ونسيته، ونحو ذلك، فأما من ترك الشيء عامداً بلا سهو، ولا غفول ولا تشاغل ولا نسيان، ورفضه عن صواب رأي/ وفعل، فلا يقال له: لهى عنه؛ لا يقال لمن ترك الأكل بعد الشبع، أو الشرب بعد الري، أو الصلاة بعد تمامها: قد لهى عن ذلك، ولا لهى منه. وإنما هو من اللهو، ولكن بنى على فعلت، بكسر العين. في معنى الانفعال والمطاوعة، فانقلبت الواو ياء، كما يقال: رضي، وعدي بمِن وعن لما شرحنا في نظائره. ولمِن معنى ابتداء الغاية والتبعيض، ولِعَن غير معنى. وتعدية لهيت بالألف جائزة أيضاً كقولك: ألهاني عنه كذا وكذا، كما قال الشاعر:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
стр. 146
وقال الله : (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ). وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله: "ما قل وكفى، غير مما كثر وألهى". وكذلك يجوز أفعل في لَهَوت. وألهاني كذا وكذا؛ ولذلك سمي المغني: ملهيا. وبه سميت الملاهي من الغناء ونحوه. وقال الشاعر في لهيت:
فدعني ويب غيرك واله عني كأني من خزاعة أو ثقيف
فهذا تفسير هذا الباب ومعانيه.
* * *
стр. 147
تصحيح الباب التاسع
وهو المترجم بباب ما يُهمز من الفعل
قال أبو محمد: اعلموا أن الهمزة حرف صحيح، كسائر الحروف الصحاح، عند عامة النحويين. وقد جعلها "الخليل" من حروف العلة كالواو والياء والألف اللينة. والعرب تحقق/ الهمزة أحيانا، وتخفضها أحيانا، في مواضع معلومة؛ لعلل عارضة؛ ولذلك حدود مفهومة. والعامة تنزل الهمزة في أكثر الكلام لثقلها، وتجعل بدلها الواو والياء والألف. فربما وافقت بذلك تخفيف العرب، أو لغة قريش، أو غيرها من العرب؛ فيكون لذلك قياس ووجه. وربما كان خطأ العامة، مخالفا لكلام العرب، وخارجا عن حد العربية؛ لجهل العامة بصواب الكلام؛ فقصد ثعلب ذكر ما تهمزه العامة، واصله الهمز. وليس ترك الهمز في عامة ما أنكره ثعلب بخطأ، وإن كان الأصل فيه الهمز. وأهل العربية يزعمون أن النبي أصله الهمز؛ لأنه عندهم من أنبأه الله، والعرب كلهم لا يهمزونه، إلا في ضرورة شعر وشذوذ. وكذلك نزل به القرآن، بغير همز في قوله [تعالى]: (إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ) وقوله [تعالى]: (ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ) وقوله [تعالى]: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ). وقد قال رجل: يا نبي الله؛ فهمز، فقال له: "لست بنبيء الله، فهمز، ولكني نبي الله"، ولم يهمز. وقال أيضا: "لا تَنْبِروا باسمي؛ أي لا تهمزوه. والنبر: الهمز. فأما قوله في هذا الباب: رَقيت الصبي، ورقِيت في السلم، فليسا من هذا الباب؛ لأنهما من بنات الياء، ولكن اعترض بذكرهما ليبين الفرق بينهما وبين نظيرهما من المهموز، بكسر القاف.
стр. 148
وقوله: عبَّيْت الجيش، إنما ترك همزه تخفيفا، حتى دخله التشديد. وأصله الهمز، ألا ترى أنهم لا يستعملون خفيفه إلا بإثبات الهمز.
* * *
ونحن مفسرون غريب الباب ومعناه إن شاء الله:
أما قوله: رقأأ الدم يرقأ رقوءاً، إذا انقطع، فهو كما قال. وهو كقولك: سكن/ يسكن سكوناً، في المعنى والوزن، وإن فتح منه المستقبل، من أجل الهمزة. وذلك إذا كان قد انفجر عرق، أو رعف إنسان ثم سكن. وكذلك يقال للدمع، إذا كثر البكاء ثم سكن: قد رقأ دمعه، وهو يرقأ. ويقال للحزين الباكي: ما ترقأ له دمعة. ويقال في الدعاء: لا رقأت دمعته. ولا يرقئ الله دمعته. وقد يجعل الفعل للعين، فيقال: رقأت عينه. ولا رقأت عينه. وإذا نقل الفعل عن الدم والعين إلى فاعل آخر، نقل بالألف فقيل: أرقأ الدواء الدم، كما قال جرير للأخطل:
بكى "دوبل" لا يرقئ الله دمعه ألا إنما يبكي من الذل "دوبل"
وقوله: "لا تسبوا الإبل، فإن فيها رقوء الدم" مفتوح الأول، معناه أن فيها سكون الدم والقتل؛ وذلك أنها تؤخذ في الدية؛ فيرقأ بها الدم من القود؛ أي يحبس ولا يهراق. فالرقوء: اسم على فعول لما يسكن به الدم، مثل: الوجور، والسعوط، واللدود، والوقود. وهو ايضاً اسم للدواء، الذي يسكن به دم الجرح والعرق والرعاف. والعامة تقول: رقا الدم، بألف لينة، غير مهموز. وليس ذلك بخطأ، وهو لغة قريش، ومن يخفف الهمز، كما يقولون: قرا يقرا، بغير همز، وأصله الهمز.
وأما قوله: رقيت الصبي من الرقية أرقيه؛ فليس من هذا الباب؛ لأنه من ذوات الياء، ولا همز فيه؛ ومعناه: أن يعوذه بأسماء الله، أو بكتابه من عين أو نظرة، من الجن أو غير ذلك. وكل كلام استشفي به من وجع أو خوف أو شيطان أو سحر فهو رقية. وفاعله:
стр. 149
راق. ومفعوله: مرقي. كما يقال في الرقية: "أنا الراقي، والله الشافي". وقد/ يستعار هذا في التملق والخديعة، فيقال: رقيته؛ إذا تملقته، وسللت حقده بالرفق، كما ترقى الحية، حتى تجيب. وفي ذلك يقول كثير لعبد الملك بن مروان:
وما زالت رقاك تسل ضغني وتخرج من مصائبها ضبابي
ويرقيني لك الحاوون حتى أجابك حية تحت الحجاب
وكذلك قوله: رقيت في السلم أرقى رقيا، ليس من هذا الباب؛ لأنه لا همز فيه. وإنما هو من ذوات الياء، ومعناه: صعدت أصعد صعودا؛ ولذلك جاء على وزنه. ومنه سميت درجات السلم، والدرجة والشرف والعلم: مراقي، والواحدة: مرقاة. وقالت أعرابية، وهي ترقص ولدها:
أشبه أبا أمك أو أشبه عمل ولا تكونن كهلوف وكل
وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل
وفي الحديث: "يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارقأ" وهو في طلب المكارم والمعالي مستعار. وهو من باب الرقية، ولكن خولف بين أمثلتها في الفعل؛ للفرق يين ما اختلف من معانيهما.
وأما قوله: دارأت الرجل، أي دافعته، وتدارأ الرجلان، فإنما هما فاعلت وتفاعل الرجلان، من درأت الشيء، إذا دفعته، فأنا أدرؤه. ومنه قول الله : (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ومنه قول الشاعر؛ وهو المثقب:
стр. 150
تقول، وقد درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني/
والمعنى فيما قاله ثعلب أن كل واحد من الرجلين، يدفع صاحبه عن أمر يحاوله فهما مختلفان. وأصله من الدرء، بسكون الراء؛ وهو الاعوجاج. ومنه قول الشاعر:
كان عني يرد درؤك بعد الـ ـله شغب المستصعب المريد
ويقال للفارس: إنه لذو تدرأ، أي قوة ومنعة ودفع. وقال عباس بن مرداس السلمي:
وقد كنت في الحرب ذا تدرأ فلم أعط شيئاً ولم أمنع
وأما قوله: داريته، إذا لاينته وختلته، يعني بغير همز، فليس من هذا الباب. وبعض اللغويين يجعله مهموزا، من المدافعة التي شرحناها، فمن لم يهمزه جعله من قولهم: دريت الصيد، إذا ختلته؛ وذلك أن تنصب للوحش شخصا؛ لتستأنس، ثم تأتي من ناحية ذلك الشخص، فتصيدها ويسمى ذلك: درية. وأنشدني في ذلك أبو العباس المبرد:
فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني بسهمك فالرامي يصيب ولا يدري
ومنه قول الآخر:
يصيب ولا يدري ويخطي وما درى وكيف يكون النوك إلا كذلكا
وتسمى الحلقة والشيء الذي ينصب للرامي فيرميه: درية، والدرية أيضا: جلد ينصب فيتعلم عليه الطعن، فمن ذهب إلى ذلك قال: داريته، بلا همز أي خاتلته، ومن ذهب إلى الأول قال: دارأته مدارأة مهموزا.
وأما قوله: بارأ / الرجل شريكه وامرأته، يعني بالهمز، فإنما ذهب فيه إلى تبرئة كل
стр. 151
واحد منهما صاحبه، من قولهم: أنا بريء منك. وأنت بريء مني، مهموزا، إذا نوى فيه هذا المعنى. ولا يمتنع هذا المعنى من ترك الهمز فيه أيضا، وليس بخطأ. ولا من أن يجعل من قولهم: بريت الشيء بريا، إذا قطعته لأن أحدهما يريد قطع صاحبه وغلبته في الجود أو الجري أو السوق، ونحو ذلك فلذلك قيل: باراه.
وأما قوله: عبأت المتاع أعبئوه، وعبيت الجيش كذلك، حكى يونس قال: وقال أبو زيد، وابن الأعرابي، هما جميعا يهمزان؛ فإن معنى عبأت المتاع والطيب تثقيل لهما بالحزم والشد وغير ذلك، فأصلهما جميعا الهمز. وأنشد "الخليل" لمسافع بن خلف:
وحمل العبء عن أعناق قومي وفعلي في الخطوب بما عناني
والمستعمل في المتاع والطيب التخفيف والهمز، تقول: عبأته أعبؤه عبئا، بفتح العين ولو شدد في التكثير لجاز في القياس؛ لأن التشديد علامة التكثير والمبالغة، كقول: عبأت الأمتعة والطيب تعبئة، مهموزة. ولو ترك الهمز فيها تخفيفا في المخفف والمشدد لكان في القياس جائزا؛ لأن الهمز قد يبدل ويخفف لثقله، إلا أنهم قد ألزموه في التخفيف الهمز. وترك الهمز في المشدد، للفرق بين الجيش، والمتاع والطيب، مع الهرب من ثقلين. وقد حكى "الخليل" في الجيش: عبأت، بالتخفيف وعبأت بالتشديد، مهموزين كليهما.
وأما قوله: نكأت القرحة أنكؤها، ونكيت في العدو أنكي نكاية؛ فإن معنى نكأت القرحة، قرفتها وأقشرتها؛ وهو أن تقلع عنها قرفها بعد برئها،/ وذلك يعقرها. وأصله الهمز على ما ذكر، قال ابن هرمة:
ولا أراها تزال ظالمة تحدث لي قرحة وتنكؤها
وترك الهمز فيه جائز على ما شرحنا. ومنه قولهم في مثل: "إني إذا نكأت قرحة
стр. 152
أدميتها"، أي إذا هممت بأمر، بالغت فيه. والعامة تقول: نكيت القرحة، على ترك الهمز. ومصدره: النكء، مهموز على فعل، كما قال ذو الرمة:
ولن ينسني "أوفى" المصيبات بعده ولكن نكء القرح بالقرح أوجع
وأما نكيت، في العدو، فهو بمعنى أبلغت فيهم وأوجعتهم، قتلا وقتالا وحربا وهزيمة وأنهكتهم، بالياء غير مهموز، وأنشد "سيبويه:"
شديد النكاية أعداءه يخال الفرار يراخي الأجل
وليس هذا من هذا الباب. وقد روي أيضاً: نكأت في العدو نكأ، مهموزا بمنزلة نكأت القرحة، كأنها لغة.
وأما قوله: ردؤ الشيء فهو رديء، فمعناه فسد وضعف وخس. والرديء من كل شيء نفاسته. وأصله من الردء؛ وهو المعين؛ وذلك أن كل فاسد أو نفاية، يحتاج إلى ردء يقويه ويحسنه؛ فمعنى ردؤ الشيء: أي ضعف وعجز، فاحتاج إلى ردء. ومستقبله: يردؤ. ومصدره: الرداءة. مثل: سمح يسمح سماحة. والعامة تقول: قد ردا، يردو، رداوة، فتبدل الواو من الهمزة، وهو خطأ.
وأما قوله: قد دفؤ يومنا، فهو دفيء، بمعناه سخن يومنا فهو سخين. وهو فعل لازم على فعل يفعل، بمنزلة ظرف يظرف فهو ظريف. ومصدره: الدفاء ممدود، والدفاءة. ومنه /قولهم: رجل دفآن. وامرأة دفآى إذا كان سخنا من حرارة أو مرض، أو عليل القلب من الحب، كما قال الشماخ:
لنا صحاب قد خل من أجل نظرة دفيء الفؤاد حب كلبة قاتله
стр. 153
وهو مهموز كله. والعامة تقول: دفي يومنا يدفى دفاً، بغير همز، على فعل يفعل، بوزن: حمي يحمى؛ لأنه في معناه.
وأما قوله: أومأت إلى الرجل، فمعناه أشرت إليه بيد أو غيرها، مثل العين والحاجب وهو مهموز، على مثال أفعلت، أومئ، فأنا مومئ. والعامة تقول: أوميت، بترك الهمز، وإبدال الياء، وهو جائز في القياس، والهمز أفصح.
أنشدنا أبو العباس للراعي:
فأومأت إيماء خفيا لحبتر ولله عينا "حبتر" أيما فتى
وأما قوله: رفأت الثوب أرفؤه، فمعناه شددت خصاصه بالخيوط وأصلحته، إذا كان فيه خرق أو ثقب أو شق، وهو مهموز. والعامة تقول: رفوته، بالواو، ورفيته، بالياء، أرفوه رفوا مثل: أرشوه رشوا، وأسوته أسوا. والواو لغة للعرب. ومنه قيل: رفوت الرجل، إذا سكنت غضبه وأصلحت قلبه. ورفأته أيضا بهمز، وبغير همز. فأما رفيته بالياء فخطأ. وقال الشاعر:
ولما أن رأيت أبا رويم يرافئني ويكره أن يلاما
وقال آخر في الواو:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم/
стр. 154
أنشدناهما علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد. والفاعل من المهموز: رافئ ومصدره: الرفء. والمفعول: مرفوء. ومن الواو: راف ورفاء أيضا: ومصدره: الرفو.
وأما قوله: قد هدأ الناس، وهم هادئون، فمعناه سكنوا، وهم ساكنون. ويقال للرجل في الأمر: اهدأ يا هذا، أي اسكن ولا تنزعج ولا تطش. وهو من قولهم: مضى هدء من الليل، أي طائفة منه، وهو الوقت الذي يسكن فيه الناس، وتنام العيون، يقال: جئت بعد هدء، وبعد ما هدأ الناس، وبعدما هدأت العيون, وبعد ما هدأت الرجل، أي سكنت من النظر والسهر والمجيء والذهاب. والعامة تقول: هذا يهدا، بغير همز، وليس ذلك بمختار، وإن كان جائزا. والمستقبل من هذا: يهدأ، بفتح الدال، من أجل أن الهمزة من حروف الحلق. ومصدره: الهدوء، على فعول؛ لأنه فعل لا يتعدى. واسم الفاعل منه: هادئ وهادئة.
وأما قوله: تثاءبت، وهي الثؤباء، فإنه يعني ما يصيب الإنسان عند الكسل والنعاس والهم، من فتح الفم والتمطي. واسمه: الثؤباء، على وزن: العرواء والعدواء والرحضاء، وهي بناء فيه معنى المبالغة. وفعله: تثاءب ممدود يتثاءب تثاؤبا، على مثال: تفاعل يتفاعل تفاعلا. والعامة تقول بالواو ولا تهمزه: تثاوب يتثاوب تثاوبا، وهو خطأ. وفي الحديث: "إذا تثاءب أحدكم، فليطبق فاه؛ لئلا يدخل فيه الشيطان". وفي حديث آخر: "إذا تثاءب أحدكم، فلا يقل: هاه، هاه فإنه اسم شيطان".
وأما قوله: فقأت عينه، وعين مفقوءة، فإن معناه أعميت عينه وعورت عينه، وذلك أن تدخل فيها حديدة أو شوكة أو إصبعا، فتشقها. ومنه قيل:/ تفقأت السحابة، أي
стр. 155
انشقت بالمطر. وتفقأت الأرض بالكمأة والنبات. وتفقأت البثرة، وتفقأ الإنسان شحما. وقال الشاعر:
تفقأ فوقه القلع السواري وجن "الخازباز" به جنونا
ويقال: كان الرجل من العرب، إذا ملك ألف بعير، فقأ عين بعير منها، تسميه المفقأ؛ ولذلك قال الفرزدق:
غلبتك بالمفقئ والمعنى وبيت المحتبي والخافقات
يعني أربع قصائد، ذكر فيها هذه الأسماء، تفضل على نقائضها من شعر جرير. والعامة تترك الهمز في هذا، فتقول: فقيت عينه، بالياء، وهو خطأ.
وأما قوله: قد أرجأت الأمر يا رجل، وأنت ترجئ، وهم المرجئة؛ فإن الإرجاء: التأخير في كل شيء. ومنه قول الله : (تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ
стр. 156
مَن تَشَاءُ). والمرجئة: صنف من المسلمين، فهم مقالة مبتدعة؛ لقولهم: الإيمان قول بلا عمل، فأرجئوا العمل، أي أخروه. وبعض العرب يقولون: أرجيت الأمر إرجاء، بالياء؛ وهي لغة، وعليها العامة؛ فإما أن تكون مخففة من الهمز، وإما أن يكون اشتقاقها من رجا البئر، وهو ناحيتها. والجميع الأرجاء؛ وهي نواحي كل شيء.
وأما قوله: ارض وبئة، وقد وبئت، فمعناه صار بها الوباء، على فعلت تفعل، فهي فعلة، والفعل لها مثل: مرضت تمرض مرضا. والوباء: كثرة الأمراض والموت. وقد قيل فيها: أرض موبوءة، على مفعولة والفعل: قد وبئت، معنى هذا قد جعل بها الوباء، فخرج على مثال جعل / وفعل في هذه اللغة. وهذا نظير قولهم: رجع ورجعته، وجبر وجبرته وإن كان بينهما فرق؛ وذلك أنك إذا جعلت الفعل للبلدة، بنيته على فعل يفعل، كفعل المطاوعة بمعنى الانفعال. والقياس في هذا أن يقال: موبأة، وقد أوبئت، فينقل الفعل عنها بالألف، أو بحرف جر. والدليل على ذلك أنه لا يقال: قد وبأها الله، علت مثال فعلها الله، ولكن أوبأها الله. والعامة لا تهمز هذا، والأصل فيه الهمز، وإن كان ترك الهمز فيه جائزا.
وأما قوله: إذا ناوأت الرجال فاصبر، أي عاديت، وهي المناوأة. فليست المناوأة بالمعاداة. وليس معنى ناوأت: عاديت. وقد غلِط. وإنما معناه: جاذبت ومانعت وغالبت وطالبت ونحو ذلك. ويدل على ذلك أنه على وزن: فاعلت، من النوء؛ وهو الارتفاع بمشقة وثقل. ومنه قيل للكواكب قد ناء، إذا طلع فهو ينوء. وقد قيل للجارية الممتلئة اللحيمة إذا نهضت: قد نائت وللدابة: قد ناء بحمله، أي نهض. ومنه قول الله : (مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي القُوَّةِ). وقد زعم قوم من اللغويين أن النوء: السقوط أيضا، وأنه من الأضداد. وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا في: "إبطال الأضداد" وليس هذا موضع ذكره. ومما يوضح لكم غلطه أن الرجل قد يعادي الرجل ولا ينازعه ولا يجاريه، ولا يجاذبه ولا يباريه؛ فلا يقال له: قد ناوأه، وهو هو مناوئ
стр. 157
له وإنما يقال: قد ناوأه، إذا نازعه وطلب أن يساويه أو يغلبه، وإن لم يعاده وهذا ظاهر معروف عند جميع أهل اللغة.
وأما قوله: تقول والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت في قتله، فهذا قول علي ﵇. ومعناه ما عاونت ولا استعنت؛/ لأن فاعلت فعل لا يكون إلا من اثنين، يفعل كل واحد منهما بالآخر مثل فعله به، نحو: عاونت وشايعت وبايعت. وإنما هو مأخوذ من قولهم: ملأت الإناء وغيره، وامتلأت من الشيء وهو معروف. والفاعل: مالِئ، أي يريد ما ملأت قلب أحد ولا ملأ قلبي أحد من قتل عثمان، أي ما عاونني أحد على ذلك، ولا عاونت أحدا.
وأما قوله: روأت في الأمر، والروية جرت في كلامهم غير مهموزة فإن معنى روأت: تدبرت ونظرت وفكرت في الأمر. وأصله الهمز، وترك الهمز فيه جائز. والروية اسم منه عند النحويين واللغويين، كالمصدر، وإن كانت العرب قد تركت الهمز فيه تخفيفا؛ لكثرة الاستعمال. وأنشدونا عن الخليل:
لا خير في رأي بغير روية ولا خير في جهل تعاب به عيبا
والروية على وزن فعيلة. والعامة تقول: رويت في الأمر، بغير همز، والهمز أفصح وأكثر، وليس يمتنع أن تكون الروية من الري. ومعناه: إشباع الرأي والاستقصاء في تأمله. ويكون قول العامة في الفعل: رويت في الأمر منه: أي أنعمت النظر. فأما المصدر من الهمز وترك الهمز فعلى مثال: التفعلة؛ وهو التروئة، والتروية، كما قيل: يوم التروية.
فهذا آخر تفسير هذا الباب.
* * *
стр. 158
تصحيح الباب العاشر
وهو باب المترجم بباب من المصادر
قال أبو محمد: اعلموا أن هذا الباب ليس مما يلحن فيه العامة، ولا مما يختار فيه الأفصح، ولكنه مما يحتاج إليه أكثر الناس في كلامهم المعتاد، وقد يمر فيه الحرف/ بعد الحرف أحيانا مما تلحن فيه العامة أو تخطئ، وفيه أفعال مختلفة الأمثلة، تختلف مصادرها، على حسب اختلاف الأفعال، وأفعال مختلفة تختلف مصادرها؛ لاختلاف المعاني فيها والمفعولين أو الفاعلين، ولكل واحد من ذلك باب يطول شرحه؛ وهو مما كثر به أبواب الكتاب. وكان يجب أن يجعل المصادر كلها بابا واحدا، أو يصنفها، فيجعل كل ما كان منها من جنس، أو على مثال بابا على حدته، ولا يكثر الأبواب المخلطة، بغير تأليف ولا نظام.
فمن ذلك قوله: وجدت المال، وهو فعل مستعمل في وجوه مختلفة، ولفظ ماضيه ومستقبله في كل وجه من وجوهه، مع اختلافها في المعنى، على لفظ واحد، ولكن مصادرها مختلفة مع اتفاق أمثلة الفعل، وذلك لعلل أوجبته، فالماضي منها مفتوح العين والمستقبل مكسوره، والواو أوله وهي ثابتة في الماضي، ساقطة من المستقبل وقد مضى تفسير ذلك قبل هذا الباب، وإنما خولف بين مصادره؛ للفرق بين معانيه التي وصفنا؛ فمن ذلك قولهم في مصدر وجدت الضالة: الوجدان، على بناء الفعلان؛ لأنه مثال ضده، وهو النشدان، يقال: نشدت الضالة، إذا طلبتها، وسألت عنها نشدانا، فلما وجدوها قالوا: وجدتها وجدانا، فلما صار مصدره موافق لبناء النشدان؛ استدل على أن وجدت ههنا إنما هو للضالة خاصة. ومن ذلك قولهم: وجدت وجدا في الحزن، على وزن فعل؛ لأنه مثل نظيره في المعنى، وهو الغم والهم والكرب، وصار ذلك فرقا بينه وبين الوجدان
стр. 159
ودليلا على أن الفعل بغير الوجدان ونحوه، وكذلك قولهم: وجدت على الرجل موجدة بوزن المعتبة؛ لأن قولك: وجدت عليه، وعتبت عليه بمعنى، فصار خروج مصدره على مثال نظيره، فرقا بينه وبين/ غيره، ودليلا على المقصود بالفعل، ولذلك عدي إلى المفعول بعلى، كما عدى به عتبت؛ ولذلك قالوا في اليسار والغنى: وجدت المال وجدا ووجدا، بالضم والكسر، وجدة، فالجدة على قياس: وعدته عدة، ووزنت زنة، وومقت مقة، بحذف الواو من صدره، وهو أصل مطرد في جميع هذا الباب، وإن كان الاستعمال ما ذكره. وأما الوجد بالضم؛ فقد خص به مصدر الغنى واليسار، كما قال الله : (مِّن وجْدِكُمْ) وهو على مثال: اليسر والوسع، وضده الفقر والضر والجهد والبؤس، فصار البناء فيه فرقا بين معناه، وبين سائر معاني "وجدت". وكذلك الوجد بالكسر؛ لأن الكسر أخت الضم، وقد استعمل الوجود، على مثال فعول في ضده الفقور والعدم، كأنه بنى على مثال ضده؛ فذلك فيه فرق أيضا بينه وبين سائر المعاني. وهذه اللفظة من أقوى حجج من يزعم أن من كلام [العرب] ما يتفق لفظه ويختلف معناه؛ لأن سيبويه ذكره في أول كتابه، وجعله من الأصول المقدمة؛ فظن من لم يتأمل المعاني، ولم يلحق الحقائق: أن هذا لفظ واحد قد جاء لمعان مختلفة؛ وإنما هذه المعاني كلها شيء واحد؛ وهو إصابة الشيء خيرا كان أو شرا، ولكن فرقوا بين المصادر؛ لأن المفعولات كانت مختلفة فجعل الفرق في المصادر؛ لأنها أيضا مفعولة، والمصادر كثيرة التصاريف جدا، وأمثلتها كثيرة مختلفة، وقياسها غامض، وعللها خفية، والمفتشون عنها قليلون، والصبر عليها معدوم؛ فلذلك توهم أهلل اللغة أنها تأتي على غير قياس؛ لأنهم لم يضبطوا قياسها، ولم يقفوا على غورها.
وقوله: القرب الليلة؛ التي ترد الأبل في صبيحة يومها الماء خطأ؛ لأن القرب
стр. 160
هو الورود نفسه،/ وإنما هو مصدر؛ ولذلك جاء به في باب المصادر، فإن كان اسما لليلة كما فسر، فوضعه في المصادر خطأ، ولو كان اسما لليلة لما جاز أن يقال: ليلة القرب، فتضاف إليها الليلة؛ لأنها لا تكون ليلة نفسها، ولا يجوز أن يضاف شيء إلى نفسه، وإنما هي الليلة التي يقربون فيها من الورود قربا.
وقوله: جلا القوم عن منازلهم، وأجلوا، خطأ؛ لأن أجلوا إنما يقال لمن أجلى قوما عن منازلهم وبلدهم، لا للقوم الجالين أنفسهم، إذا جلوا عن ديارهم. وقد بينا أمر فعل وأفعل في كتاب غير هذا.
ونحن مفسرون غريب الباب ومعانيه، إن شاء الله.
أما قوله: وجدت المال وجدا، ووجدت الضالة وجدانا، ووجدت في الحزن وجدا، ووجدت على الرجل موجدة. وتقول في كله: يجد، فقد ذكرنا علته وقياسه وتفسيره في صدر الباب.
وأما قوله: رجل جواد، بين الجود، وشيء جيد، بين الجودة، وفرس جواد [بين] الجودة والجودة، وجادت السماء تجود جودا؛ فإن الأصل في كل ما ذكر هو السخاء والسماحة والعطاء؛ فالإنسان يجود بالمال، والفرس يجود بالجري والعدو، والسماء تجود بالمطر، فالمعنى واحد؛ ولذلك اتفقت ألفاظ أفعالها وأبنيتها، ولكن قد فرق بين مصادر هذه الأفعال؛ دليلا على اختلاف الفاعلين والمفعولين، وفرق بين صفاتهم أيضا لاختلافهم في أعيانهم؛ فقيل في مصدر السخاء بالمال: الجود، على بناء اليسر، بضم الأول وقيل في صفة الفاعل منه: جود، على فعال؛ لأن فعالا بمنزلة فعول وفعيل في العدد والحركات والسكون. ومعناهما جميعا المبالغة في النعت. وقيل في مصدر عتق الفرس وكرمه وجريه: الجودة، والجودة، مؤنثتين، بضم الأول وفتحه، على مثل: غَرفة وغُرفة، كأن أحدهما للمرة الواحدة، والآخر للمقدار، وقيل في صفة الفرس أيضا: جواد، على صفة السخي من الناس.
стр. 161
وقيل في مصدر المطر الكثير: الجود، بالفتح، بغير تأنيث، على بناء القطر والصب والدر والسيل، ولم يصفوا السماء والسحاب بصفة منه، نحو جواد ولا جائد ولا جيد؛ إلا أن الجيد قد جعل صفة عامة لكل شيء محمود مستجاد، غير مخصوصة، والجودة، بالفتح أيضا: مصدر عام في كل شيء محمود، معناه المرة الواحدة، وجاء في جمع الجواد من الناس: أجواد وأجاويد. وفي جمع الجواد من الخيل: الجياد، كما يجيء في جمع كل شيء جيد.
فأما قوله: وجب البيع يجب وجوبا، وجبة، وكذلك الحق، ووجبت الشمس وجوبا، ووجب القلب وجيبا، ووجب الحائط وغيره، إذا سقط وجبة وجبة؛ فإن أصل وجب، ومعناه في جميع هذا: وقع واستقر، فكما يقال: وقع البيع كذلك قيل وجب البيع، وكما يقال وقع الحق فكذلك يقال وجب الحق. قال الله : (فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون). وقيل: وجبت الشمس، كما يقال سقط القرص، وقيل وجب الحائط كما يقال سقط الحائط ووقع، وأما وجب القلب، فمعناه اضطرب وصعد ونزل، فكأنه يعلو ثم يسقط؛ فلذلك قيل: وجب القلب، فاتفقت ألفاظ هذه الأفعال، لاتفاق معناها، واختلفت مصادرها؛ لاختلاف الفاعلين ليفرق بينهما فقيل في بعضها وجوبا، كما يقال سقوطا ووقوعا، وفي بعضها: جبة، كما يقال عدة وزنة، وفي بعضها: وجيبا، كما يقال خر الماء خريرا، وهو صوته؛ لأن القلب إذ وجب كان لخفقانه صوت خفي، كما قال ابن مقبل:/
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر
وقيل في بعضه: وجبة، كما يقال وقعة وسقطة. وقد يقال: وجب الحائط وجبا، مثل وقع وقعا. وأنشدنا لأوس بن حجر في الواجب، وهو الساقط، يرثي ميتا:
стр. 162
ألم تكسف الشمس شمس النـ ـهار والبدر للجبل الواجب
ومن هذا قول الله : (فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) يعني الإبل إذا نحرت فسقطت على جنوبها.
وأما قوله: حسبت الحساب أحسبه حسبا وحسبانا. والحساب: الاسم وحسبت الشيء أحسبه، وأحسبه، محسبة ومحسبة وحسبانا؛ فإن معنى حسبت الحساب، كمعنى عددت أعد، فلذلك جاء على فعلت وجاء مصدره على: "حسبا" أيضا، كما جاء عدا في مصدر عددته. وأما الحساب الذي ذكر أنه اسم فمثل الكتاب. وقيل حسبانا، كما قيل قنيته قنيانا، وقال الله : (الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) فيحتمل أن يكون جمع حساب، وحكى "الخليل" عن بعض بني أسد: حسبانك على الله. مثل قولك: تكلانك، وأنشد "الخليل" لشاعر منهم أيضا:
على الله حسباني إذا النفس أشرفت على طمع أو خاف شيئا ضميرها
ويقال أيضا: حسبته حسبة، بكسر الحاء. ومنه قول النابغة:
فأكملت مائة فيها حمامتها وأسرعت حسبة في ذلك العدد
стр. 163
وقد يكون الحساب مصدر كالمحاسبة من حاسبته. وقد يقال: حسبت حسابه بالهاء أيضا، كما يقال كتبت كتابة.
وأما قوله: حسبت الشيء/: أي ظننته أحسبه وأحسبه، فإن قولهم: حسبته، بكسر السين، وأحسبه، بفتحها في المستقبل نظير قولهم: علمته أعلمه؛ لأن من بابه، وهو ضده، فخرج على مثاله. وأما أحسبه، بالكسر في المستقبل، فلغة مثل: ورم يرم، وولي يلي، ومثله قليل في الكلام. وقال بعضهم: يقال: حسب يحسب، على مثال ضرب يضرب مخالفة للغة الأخرى، فمن كسر الماضي والمستقبل، فإنما أخذ الماضي من تلك اللغة، والمستقبل من هذه، فانكسر الماضي والمستقبل لذلك. ومصدره: الحسبان، بكسر الحاء، على مثال: الخيلان من خلت؛ لأنه في معناه. وأما محسَبَة ومحسِبَة، فمثل المعدِلة والمعدَلة، والمحمَدة والمحمِدة. وفي القرآن: (أَحَسِبَ النَّاسُ) بالكسر. وفيه: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ). وأما المستقبل فإن قول الله : (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ): يقرأ بالفتح والكسر، والفتح أقيس، والكسر مستعمل كثير. وزعم قوم أن الكسر لغة النبي، ﷺ . وإنما خاطب بها النبي ﷺ ، رجلاً، كانت لغته الكسر، فكلمه بلغته، فقال: "لا تحسبن أنا ذبحناها من أجلك"، فظن من سمع ذلك من النبي ﷺ أنها لغته.
وأما قوله: امرأة حصان، بينة الحصانة والحصن، وقد أحصنت، وفرس حصان بين التحصن والتحصين، فإن المرأة الحصان: هي الحافظة لفرجها ونفسها، العفيفة. وقال حسان، في عائشة، ﵂:
حضان رزان ما تُزَنُّ بريبة تصبح غرثى من لحوم الغوافل
стр. 164
وهو مفتوح الأول، كما يقال: ارمأة رداح وصناع، صفة لها. ومصدرها: الحصانة/ لأن فعلها حصنت تحصن، مثل: كرمت تكرم كارمة. والحصن أيضاً مصدر لها، كما يقال: حسنت تحسن حسنا، وقبحت تقبح قبحا، ويقال أيضا فيه الحصن، وإنها لبينة الحصن، بكسر الحاء، وقالت شاعرة في الضم لابنتها:
الحصن أولى لو تريدينه من حثيك الترب على الراكب
وقوله: قد أحصنت، معناه أنها قد عفت وحفظت فرجها، كما قال الله : (ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) فجعل الفعل لها، فهي محصنة بالكسر، مثل أحسنت فهي محسنة. ويقال: هي محصنة؛ بفتح الصاد، إذا أردت أو زوجها أو وليها أحصنها. ومنه قول الله : (والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) وقوله [تعالى]: (والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ). ويقال للمرأة: حصان الفرج أيضا، كما قال الأعشى لامرأته:
وبيني حصان الفرج غير ذميمة وموموقة فينا كذاك ووامقة
وأما قوله: فرس حصان، بكسر الحاء؛ فإنه الفحل الذي يتحصن على الرمال؛ أي ينزو. وقد جعله "ثعلب" صفة. وذكر "الخليل" أن الحصان: الفرس الفحل، فلم يجعله صفة، وروي لنا عن قطرب أنه قال: لا يجوز أن يقال فرس حصان،
стр. 165
فيوصف به؛ لأنه اسم، وليس بصفة، وتحصنه: تكلفه لأن يكون فحلاً. وأما تحصينه، فتصيير أهله إياه حلا؛ أي يحبسونه للفحلة وذلك لكرمه وعتقه. وكل هذا في معنى إحراز الشيء وحفظه؛ ولذلك قيل للحصن، الذي يتحرز فيه حصن.
وأما قوله: عدل عن الحق، إذا جار، عدولاً. وعدل عليهم عدلا ومعدلة ومعدلة؛ فإن العدل/ في الأصل: النصفة، وأخذ الحق، وإعطاؤه، والتسوية في الوزن وغيره. وفعله: عدل يدل، مثل وزن يزن، ثم يفرق بين المعاني، بتعدية الفعل، أو منعه من التعدي، أو بأن يعدي بنفسه، أو بحرف جر، أو بأن يخالف بين حروف الجر فيه، لاختلاف المعاني؛ فإنما قيل عدل عن الحق، فعدى إلى الحق بعن؛ لأنه بمعنى زال عن الحق، أو زاغ عنه، أو مال عنه، فعدى بالحرف الذي تتعدى به هذه الأفعال المضارعة معناه معانيها وجعل مصدره فيه العدول، كمصدر قولهم: خرج عن الشيء خروجا؛ لأنه خرج عن العدل والنصفة والحق.
وأما قوله: عدل عليهم عدلا ومعدلة، فمعناه عطف عليهم وتحنن ومن عليهم، ونحو ذلك؛ من الإحسان والأفعال التي تعدى بعلى، فعدى لذلك بعلى، وهو ايضا ضد جار عليهم جورا، وجار يعدي بعلى، فأجري مجرى ضده، وجعل مصدره: العدل والمعدلة؛ فرقا بينه وبين مصدر الأول في البناء، لما كان لفظ فعلهما واحدا في البناء، وكمصدر ضده؛ وهو الجور.
وأما قول؛ قربت منه أقرب قربا. وما قربتك ولا أقربك قربانا. وقربت الماء أقربه قربا؛ فإن أصل هذا كله من القرب وهو الدنو من الشيء ولكن فرق بين أمثلة الفعل منه وبين أمثلة المصادر؛ لما فيها من اختلاف الفاعلين والمفعولين، وزيادة المعاني على ما شرحناه في غيره، فقيل: قربت منك، وبنى على مثال فعل يفعل، بضم عين الماضي والمستقبل منه؛ لإرادة معنى المبالغة في الدنو، كما يقال: ظرف يظرف، فقيل: هو قريب وقيل في مصدره: القرب، على فعل، كما قيل في مثل الحسن: / القبح والحصن والخبث.
وأما قوله: ما قربتك ولا أقربك قربانا، فبنى على فعل، بكسر العين في الماضي، وفتح
стр. 166
المستقبل، على مثال: غشيت أغشى، ومسست أمس. وجعل مصدره كمصدر "قربانا" مثل: غشيان. وعدي الفعل بنفسه، لا بحرف الجر كما عدي غشيت ومسست. ومنه قول الله : (لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) أي لا تمسهوهن، ولا تغشوهن. وقوله [تعالى]: (ولا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ) وقوله [تعالى]: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارَى).
وأما قوله: قربت الماء، فبني على فعلت، بفتح عين الماضي، مثل: دنوت ومستقبله بالضم، مثل: أدنو؛ لأنه في معناه، ولكنه عدي بغير حرف جر؛ للفرق بينه، وبين ما عدي بحرف الجر في غير معناه؛ ومع ذلك إن معناه كمعنى طلبت أطلب طلبا، فخرج على مثله، وعدي تعديته، وهو أيضا، مثل: وردت أرد؛ وذلك أن القارب: هو الذي يطلب الماء، فيتقدم أصحابه لطلبه، ولا يكون ذلك عندهم نهارا، وإنما يسيرون ليلا؛ فلذلك قالوا: ليلة القرب، وجعل مصدره: القرب، بفتح الأوسط؛ للفرق بينه وبين مصادر سائر ما قدمنا وصفه؛ لأنه في معنى الطلب والكثب، وهو القرب، فهكذا تختلف الأمثلة، وتتفق الحروف.
وأما قوله: نفق البيع ينفق، ونفق الشيء إذا نقص وانقطع ينفق نفقاً وهو نفق؛ فإن أصله هذا كله من سرعة الذهاب، ولكن فرق بين أبنية أفعاله؛ للفرق بين فاعليه ومفعوليه، فقيل: نفق المتاع؛ لأنه أسرع ذهابه ونقصانه، بالشراء والبيع، فقيل: نفق ينفق، على وزن نقص ينقص وذلك إذا رغب فيه فطلب، وكذلك نفق البيع، يريد بالبيع المبيع/ من المتاع، لا البيع نفسه: وكان ضده: مسد يكسد المتاع والشيء كسادا فخرج على مثال تصرفه لذلك، ومع ذلك إن معنى نفق المتاع كمعنى خرج المتاع. وأما نفق الشيء، بكسر عين الماضي، ينفق، بفتح المستقبل؛ فلأنه بمعنى نفد ينفد نفدا، فهو نفد، وتلف
стр. 167
يتلف تلفا فهو تتلف، فخرج على أمثلته وبمنزلة فني يفنى، يقال: نفقت نفقته تنفق؛ أي نفدت تنفد؛ لقلتها، ومن هذا استعير للدابة إذا مات، فقيل: قد نفق نفوقا، مثل خرج خروجا، على وزن همد همودا.
وأما قوله: قدرت على الشيء، إذا قويت عليه أقدر قدرة ومقدُرة ومقدِرة، وقدرت الشيء من التقدير قَدْرا وقَدَرا، وأنا أقدره؛ فإن معنى ذلك وأصله من القدرة، ولكن فرق بين الأبنية، لما مازجها من المعاني المختلفة؛ وإنما يكون التقدير للأشياء عن قدرة عليها، وعلم بها، فإذا قلت فيه: قدرت، مخففة، فهو مثل: عرفت وحزرت ووزنت، وإذا قلت: قدرت، بالتشديد، فإنما أردت التكرير والتكثير؛ فمصدر الخفيف: القدر، بسكون الدال. وأما القدر، بفتح الدال فاسم، ولكن الأسماء قد توضع مواضع المصادر، إذا كانت الأسماء من أسماء الأحداث والأفعال. وأما قدرت على الشيء؛ بمعنى قويت عليه، فلذلك عدي بعلى إلى المفعول؛ للدلالة على القوة، وقيل في المصدر: القدرة، على مثال القوة، والمقدرة، بضم الدال في القدرة نفسها، وهي على مثال المكرمة، وهي اسم. والمقدرة بكسر الدال مصدر، بمنزلة المحمدة والمعدلة.
وأما قوله: جلوت العروس جلوة، وجلوت السيف جلاء، وجلا القوم عن منازلهم جلاء، وأجلوا أيضا، وأجلوا عن قتيل لا غير إجلاء؛/ فإن معنى جلوت نحيت الأذى أو الصدأ أو الدرن عن شيء، إذا نظفته، كقولك: جلوت السيف والمرآة والطست؛ ولذلك قيل: جلوت العروس، لما تزين به. وكذلك قولهم: جلا القوم عن منازلهم، إذا تنحوا عنها، وانتقلوا وخرجوا، وكذلك قولهم: أجلى القوم عن قتيل، إنما معناه تنحوا، إلا أن أبنية الأفعال، وتعديها، ومصادرها اختلفت؛ لاختلاف الفاعلين والمفعولين؛ لئلا يلتبس بعضها ببعض، فقيل: جلوت العروس والسيف والمرآة والطست ونحوها، على فعلت مثل مسحت وصقلت، وعدي الفعل بنفسه، ثم فرق بين مصدر العروس، فقيل فيه: الجلوة، على فعلة، مكسورة الأول، ويقال أيضا: الجلوة، بالضم. وفي مصدر السيف ونحوه: الجلاء، بكسر الأول، على فعال. ومنه قول زهير:
стр. 168
فإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو نفار أو جلاء
وقيل: جلا القوم عن منازلهم، غير متعد؛ لأنه في معنى انفعلوا، والانفعال لا يتعدى. وقد يقال: انجلوا، وهي لغة العامة، أخروجها على بناء انفعلوا، لما كان في معناه، وجاء مصدره على الجلاء، مفتوح الأول ممدودا على فعال، بوزن الذهاب، كما قال الله : (ولَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ). وفي لغة أخرى جلوتهم فأجلوا عن منازلهم، وعلى هذه اللغة قول أبي ذؤيب، يصف النحل والرجل الذي طردها ونفاها، عن خلايا العسل بالدخان:
فلما جلاها بالأيام تحيزت ثبات عليها ذلها واكتئابها
وحق الألف أن تزاد في فعل الناقل لهم عن منازلهم، وأن يقال: أجليتهم، فجلوا، والإجلاء على إفعال/ مصدر أجلوا، ومن هذا سميت: الجالية، وجمعها الجوالي: لأنهم جلوا عن أوطانهم. وكان قياس من قال: جلوت القوم عن منازلهم، أن يقول في المطاوعة منهم: فانجلوا، كما يقال: نفيته فانتفى، وقول أبي ذؤيب يقوي لغة العامة، في جلوتهم فانجلوا.
وأما قوله: وتقول: غرت على أهلي أغار غيرة، وغار الرجل فهو غائر، إذا أتى الغور، وغار الماء يغور غورا، وغارت عينه غئورا، وغار الرجل أهله إغارة وغارة، وأغار الحبل إغارة، إذا أحكم فتله؛ فإن الذي ذكره في هذا الفصل خاصة من أصلين مختلفين، أحدهما عينه واو، والآخر عينه ياء، ولم يجب أن يجمعها، فأما ذوات الواو منها فهو في معنى الهبوط والنزول والانحدار من علو إلى سفل، والغوص في الماء، وفي الفكرة يقال: إنه لبعيد الغور؛ أي بعيد القعر، فلذلك قال: غار الرجل، إذا أتى الغور؛ لأن
стр. 169
الغور منهبط في الأرض، وهو ما سفل، وهو ضد النجد؛ لأن النجد: ما علا وارتفع، ومنه قول الأعشى في النبي ﷺ :
نبي يرى ما لا ترون وعدله أغار لعمري في البلاد وأنجدا
وقال آخر:
يا دار لا تستعجمي يا دار وخبري ما فعل الحضار
أشرقوا أم غربوا أم غاروا أما فرقت بينهم الأقدار؟
وقال آخر
يذهبن في نجد وغورا غائر
ولذلك قيل: غارت عينه، إذا دخلت من الهزال أو الجوع أو المرض أو غير ذلك، إلا أنه/ قد فرق في مصدريهم، فقيل في مصدر العين: الغئور، على فعول وفي مصدر الهبوط في الأرض: الغور. ومنه قولهم: غار النجم، إذا مال للغروب غيارا وغئورا. وقال أبو ذؤيب الهذلي:
هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
والفاعل من الجميع غائر، ولذلك قيل غار الماء غورا، إذا غاض أو غيض قال الله : (أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) أي غائراً، إلا أن المصدر قد يوضع في موضع الفاعل والمفعول جميعا، ومنه قولهم: غورنا في بطن الوادي أي نزلنا في غوره، أي بطنه.
وأما ذوات الياء منها فمعناها تغيير الشيء عما هو عليه، أو إنكار حاله، ولذلك قيل لكل ما خالف شيئا: "غير" فمعنى غرت على أهلي، أي حذرت عليهم من سواء، فجاء
стр. 170
بناؤه على فعلت، بكسر الثاني، مثل حذرت ونحوه. ومستقبله: يفعل، بفتح الثاني، مثل يحذر، وقال الراجز:
يا رب شيخ من بني فزاره يرمي سواد الليل بالحجارة
يغار أن يعتلج البكاره
وعدي بعلى، كما يعدى حذرت بعلى فيقال: حذرت عليه، وخص مصدره بالغيرة، والفعلة من كل فعل بناء المرة الواحدة، وقد يقال أيضا فيه: الغار، على وزن فعل بفتح العين، وقال الهذلي:
ضرائر حرمي تفاحش غارها
وأما قوله: غار الرجل أهله، يغيرهم غيارا وغيرا وغيرا، إذا مارهم، فهو أيضا من تغيير الشيء؛ لأنه يأتيهم/ بغير ما عندهم من الميرة، ويغير بذلك من أحوالهم، وجعل على بناء مار يمير؛ لأنه في معناه، وجعل مصدره: الغيار والغير، فرقا بينه وبين مصدر الغيرة على الأهل، وعدي الفعل بنفسه، مثل تعدية مارهم، وجعلت الغيرة اسما له، كالميرة؛ لاتفاقهما في المعنى، وغير الدهر، بكسر الأول وفتح الثاني من هذا، ولكن بني على فعل؛ لأنه جمع، بمنزلة كسرة وكسر.
وأما أغار على العدو، فإنه منقول بالألف من قولهم: غار أهله، أي مارهم؛ لأنه أخذ غيرة قوم، أو غيرة عدوه التي غارها نفسه وأهله، ونحو ذلك، فجعلها لنفسه غيرة. ومصدره: الإغارة، بالألف على أصل القياس في المعتل، وعدي بعلى؛ لأنه بمعنى هجم عليهم، وعدا عليهم وكر عليهم وشن عليهم الغارة. فأما قولهم: الغارة؛ فاسم للوقعة والحرب التي يغار فيها، وليست بمصدر، ولكنه بمنزلة الطاعة من الإطاعة، ومثل الجابة من الإجابة.
стр. 171
وأما قولهم: أغار الحبل إغارة، إذا فتله، وأحكم فتله، فمعناه أنه جعل فيه شعرا كثيرا أو ليفا أو صوفا أو نحو ذلك، من الغيرة والميرة، فاحتيج إلى شدة فتله، كما يقال أغار أهله، إذا أتاهم بالغيرة والميرة، وبنى على أفعل، مثل: أمررت الحبل وأحصدته، إذا شددت فتله، وأحكمته، ومنه قولهم: فرس مغار، أي شديد المعاقم والفصوص، أي قد أغير بالقضيم وغيره، حتى اشتد.
فهذا آخر هذا الباب.
* * *
стр. 172
تصحيح الباب الحادي عشر من الكتاب
وهو في بعض النسخ فصل من باب المصادر، الذي قبله وترجمته باب فعل، بين الفعولة، في نسخة أحمد بن الحارث بخطه/
اعلموا أن عامة في هذا الكتاب في رواية ثعلب، طائفة من الباب العاشر، الذي فسرناه، غير مفصول منه، ولكنه داخل في جملة المصادر، التي ذكرها وقد فصله ابن الحارث عن ابن الأعرابي، وجعله باباً على حدته؛ فلذلك أفردنا تفسيره. [وكان يجب] ألا يذكر فيه إلا ما وافق ترجمته، أو كان يدخله في المصادر المتقدمة المختلطة، ولا ينظم الأبواب، على غير ترتيب. وقد ذكر "ابن السكيت" مثله في "إصلاح المنطق"، وذلك عظيم من أمثالهم.
ونحن مفسرون ذلك على ما رسمه، إن شاء الله.
فنقول: أما قوله: هو أب بين الأبوة، وأخ بين الأخوة، وابن بين البنوة، وعم بين العمومة، وخال بين الخئولة، وأم بينة الأمومة؛ فليس أب ولا أخ، ولا خال ولا أم، ولا أمة، على وزن فعل، بسكون العين، كما ذكر، وترجم به الباب. بل أكثرها على فعل، بفتح العين من الفعل، ولاماتها محذوفة، والأم أيضاً مضمومة الأول مع ذلك فهي على وزن فعل، مع الحذف، ولكن الأبوة والأخوة والبنوة، والعمومة والخئولة والأموة، على الفعولة كما ذكر؛ لأن الحروف المحذوفة منها قد ردت إليها، في هذه المصادر.
فأما الأمومة في مصدر الألم، فمخالفة للقياس، شاذة عن نظائرها؛ لأن الأم تقديرها: أمهة، على وزن: فعلة، بتشديد العين، ولكن قد حذفت منها الهاء الأصلية، التي هي
стр. 173
لام الفعل منها، والدليل على ذلك: أن جمعها أمهات كما قال الله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) وقال [تعالى]: (وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ). فكان يجب أن ترد الهاء المحذوفة منها/ في مصدرها، كما ترد في جمعها فيقال في الفعولة منها: أموهة. فأما الأمومة فإنما هو شاذ، أخرج على لفظ الأمر وليست الميم الثانية منها بلام الفعل، وإنما اللام منها الهاء المحذوفة، والميمان عين الفعل قد كررت، فلم يدر أن الفعولة يجب أن تكون لامها لام الفعل، وأتى بعين الفعل المكررة في موضع اللام، لما وجدها في الأم في موضع اللام في الواحد، وفي قول من جعل الأم على اللفظ دون المعنى، وهي لغة ضعيفة، غير فصيحة، كأنها مشتقة في المعنى بما أخذ في الإمامة والإمام، وإنما يستعمل، ويجوز مثلها في ضرورات الشعر، كما قال الشاعر:
إذا الأمهات كسفن الوجوه فرجت الظلام أماتكا
فجاء في الأولى على القياس والصحة، وأتى في الثانية على لفظ الأم، دون المعنى للضرورة إلى الوزن والقافية. وإنما المصدر الصحيح في الأم على الفعولة منها: الأمومة؛ لأن الكلام لا ضرورة فيه؛ ولأن القياس أولى من الشذوذ. وكان يجب عليه إذ حكى المسموع الشاذ، أن يبين الصواب المقيس، ولا يختار إلا الأجود.
وأما العم والابن فأصلهما فعل، كما ترجم الباب. وزعم بعض النحويين أن الهاء في أمهات زائدة، وأن الأصل أمات، ويجب عليه أن يزعم أن الأمهات: فعلهات، والواحدة: فعلهة، وهذا بناء ليس له في كلام العرب نظير، ولا يجوز أيضا أن تكون أمهة فعلهة؛ لأن أمهة ثانيها مضعف، وفعلهة ليس ثانيها مضعفا، فإن ضعف عين فعلهة صارت على وزن: فعلهة، وهذا أقبح من الأول؛ لأنه ليس في كلام العرب هذا المثال، مع ثقله،
стр. 174
فجعل / الأمات، التي لا يتكلم بها أحد من الفصحاء، ولا توجد في القرآن ولا في الشعر إلا ضرورة، هي الأصل، وجعل الأمهات، التي أطبقت العرب على الكلام بها، ولم يجئ في القرآن إلا كذلك، شاذا رديئا. ووزن أمهة عند هؤلاي: فعلهة، والأمهات عندهم على فعلهات؛ وهو مثال لم يجئ عليه شيء من كلام العرب، ولم يذكر "الخليل" ولا "سيبويه" ولا أحد من مقدمي أصحابهما هذا البناء في أبنية الأسماء، ولا ذكروا أن الهاء تزاد إلا في موضعين أحدهما بعد ألف الندبة، والآخر لبيان الحركة في مثل قول الله : (ومَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ) وفي مقل: ارمه وعه. وليس يجوز أن تكون أمهة إلا كما ذكره "الخليل" فإنه قال: جمع الأم أمهات، ويقال فيه: قد تأمه الرجل أما، إذا اتخذ لنفسه أما، وقال: تصريف الأم وتفسيرها في كل معانيها: أمه يأمه أمها، في كتاب المؤلفات الصحاح؛ لن تأسيسها من حرفين صحيحين وهمزة، والهاء في أصلية، ولكن العرب حذفت تلك الهاء؛ إذ أمنوا اللبس، قال: ويقول بعضهم في تصغير أم: أميهة والصواب: أميمهة. وبعض يصغرها: أميمة، على لفظها، وهم الذين يقولون أمات في الجمع. ومن العرب من يحذف ألف أم، في مواضع كثيرة بمنزلة ألفات الوصل، كما قال عدي بن زيد:
أيها العائب عندي أم زيد أنت تفدي من أراك تعيب
وقال "سيبويه" وجميع أصحابه: إن الهاء إنما تزاد لبيان الحركة في مثل: ارمه وعه، و (ومَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ) وفي الندبة بعد الألف كقولك: وافلاناه. ولم يجعلوها/ زائدة في غير ذلك، والصواب ما فسرنا، وإنما الأمهات بمنزلة الأبهات، والأبهة: الكبر. وبمنزلة الترهات، وهي الأباطيل، واحدتها: ترهة. ومثل فوهة الطريق على مثال العلفة، وهي ثمرة الطلح ووزنها: فعلة، بتشديد العين، وليست الهاء في الأبهة والترهة، والفوهة بزائدة عند
стр. 175
أحد من النحويين ولا اللغويين. وأما من حذف الهمزة من الأم كما تحذف ألفات الوصل فهو مخطئ، وإنما جاء في الشعر للضرورة، كقول امرئ القيس:
ويل أمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا في الأرض مطلوب
واستعملوا "ويل أمه" في الكلام محذوفا؛ لكثرته في الكلام، ولا يجوز أن تكون فاء الفعل وعينه حرفا واحدا في شيء من كلام العرب، إلا أن يفصل بينهما فاصل، مثل: كوكب، وقبقب، فأما "ببة" فلقب كأنها حكاية. وزعم "الخليل" أن "دداً" حكاية لصوت اللعب واللهو. وإنما ذكر "الخليل" الأم في باب اللفيف من كتاب الميم، وحقها أن تكون في كتاب الهاء في المعتل؛ لأن المعتل عنده ما كان فيه حرفان صحيحان والثالث منه حرف علة، واللفيف عنده ما كان حرف واحد صحيح، وحرفان منه حرفا علة، فبين أنه إنما وضع الأم في اللفيف؛ لأن لفظها اللفيف؛ إذ لم يكن فيها من الحروف الصحاح، إلا الميم؛ فأما الهمزة فإنها عنده من حروف العلل، ثم بين لما صار لفظها: أم، فقال: تأسيسها من حرفين صحيحين، يعني الميم والهاء، وبين أن الهاء في الأمهات أصلية، فإنها قد حذفت من الواحدة، ثم بين تصريفها بقول العرب: /تأمهت أما. وبقوله: إن تصريفها وتفسيرها في جميع الوجوه: أمه يأمه أمها، فأثبت الهاء في الوجوه كلها. وقد قرأت القراء: (وادكر بعد أمْهٍ" بإثبات الهاء، وفسره المفسرون، وأهل اللغة، فقالوا: هو النسيان. وروينا من وجوه أن أبي زيد الأنصاري أنه قال: الأَمَه جدري الجمل، يقال: قد أمه يأمه أمها، فإن توهم متوهم، لضعف قريحته أن معنى النسيان والجدري بعيد من معنى الأم، فليعليم أن الأم تنسى كل شيء، سوى حبلها وولادتها وولدها، وأن
стр. 176
للجدري أثرا لا يكاد يمحي، ولا يفارق صاحبه أبدا، كما لا تفارق الأم ذكر الولد وحبه، ولا تنساه، وإلى هذا ذهب " الخليل" بقوله: إن تفسير الأم وتصريفه في كل الوجوه: أمه يأمه. والصواب عندنا ما قال "الخليل" في الأم، والهاء فيها أصلية محذوفة من الواحدة، يستدل عليها برجوعها في الجميع والتصغير، وتصريف الفعل، وبما هذه الهاء ثابتة مما ذكرناه، كما يستدل بالتثنية والتصغير والتصريف على المحذوف من: أب وأخ وابن ودم، وهن وحر واست. وما أشبه ذلك، ويستدل أيضاً على ذلك بنظائر الأمهة، نحو الأبهة، وهي الكبر ونحو الترهة واحدة الترهات، وهي الأباطيل والحماقات، والتاء فيها مبدلة من واو أصلها ورهة، ونحو الفوهة؛ وفي فوهة الطريق، ونحو السمة جمع السامه، وهو الذي لا يعييه السير من الأبل والخيل. وكل هذا عند النحويين واللغويين على وزن فعلة، والهاء أصلية غير زائدة، عند أحد منهم، فكذلك الأمهة.
ومما يستدل به أيضا على أن هذه الهاء غير زائدة في الأمهات، أن الحرف المزيد في الكلمة لا يخلو عند حذاق النحويين، وعلماء اللغويين من أن يكون زيد بمعنى من معاني/ الحروف الزائدة في الكلمة، فتجب زيادته لذلك المعنى بعينه في كل كلمة، كما تزاد التاء في قولنا: احتمل في كل فعل غير احتمل، نحو احتبس من الحبس، واعتبر من العبرة، واتخذ من الأخذ في ماضيها ومستقبلها، واسم فاعلها ومفعولها. وإن ذلك يجب أن يطرد ولا ينكسر، وكما تزاد النون التي في انطلق في كل فعل معناه المطاوعة، نحو انكسر وانستر وانجبر وانجذب في ماضيها ومستقبلها، والاسم المتصرف منها، وألا ينكسر ذلك بل يطرد، أو يكون الحرف الزائد إنما زيد لإلحاق الثلاثي بالرباعي، أو الرباعي بالخماسي فإن كانت هذه الهاء زيدت في الأم، التي هي عند مدعي ذلك لإلحاق، الأم التي هي عنده ثلاثية بالرباعي، فإنه يجب أن يصرف الأمهة تصريف الملحقات بالرباعي، وذلك أن الملحق بالرباعي لا يخالف الرباعي الذي لا زيادة فيه في التصرف في ماضيه ومستقبله واسم فاعله ومفعوله ومصدره، ألا ترى أنك تقول: يبيطر يبطر بيطرة، وجوهر يجوهر جوهرة، وهما فيعل من البطر وفوعل من
стр. 177
الجهر، وكذلك: عنسل يعنسل عنسلة؛ لأنهن ملحقات بدحرج يدحرج دحرجة، فتصرفهن كتصريف دحرج، فمن زعم أن أمهة هاؤها ملحقة وجب عليه أن يقول في فعلها: أمه يؤمه أمهة، ولا يصرفها محذوفة كما لا يصرف بيطر ولا جوهر، بحذف الياء والواو الملحقتين؛ لئلا يلتبس الملحق بغير الملحق، ولا الرباعي بالثلاثي، وهذا من أقوى الأدلة على أن من صرف الأم على الحذف إنما صرفها غلطا على اللفظ، وترك المعنى؛ إما لأنه خفى عليه الحق والصواب، وإما لأنه تعمد الحذف تخفيفا، كما قال "الخليل"./ وكان مما جلب الالتباس على مصرف ذلك على الحذف أنه وجد الميم مشددة وهما مع الهمزة في صورة ما وزنه من الأبنية على فعل، وأنه وجد هذه اللفظة تتصرف على وجوه كثيرة من غير هذا الأصل، مثل الإمامة والأم والإمة والأمة، وغير ذلك مما له أصل غير أصل الأم، ولم يعلم أنهما من أصلين مختلفين لما بين اللفظين من التشابه، فحملها على فعل، ولم يفطن للأمهة أنها على فعلة ولم يقسها بنظائرها، التي لا تحصى كثرة؛ لأن فعلة وفعلا في الأسماء مثل الجلب وهو نبت، والخلب وهو البرق الكاذب، والعلف وهو ثمرة الطلح، والسلم وهو معروف، والحمرة وهي طائر، وفي الصفات مثل الحول والقلب والصلب، وفي الجمع مثل: العذل والعزب والخدم، والقوم والصوم، فترك مدعو هذا القول الطريق المستقيم والحمل على النظائر، واخترعوا مثالا ليس له نظير في العربية كلها، وأتوا بمثال لم يذكره "الخليل" ولا "سيبويه"، ولا الموثوق بعلمهم من البصريين، وإنما هو شيء طرأ عن الكوفيين، وذكره ابن كيسان، إما عن الفراء وأصحابه، أو عن ابن نجدة، فإنه زعم أن الهاء في هجرع زائدة؛ لأن الجرع مستعمل، والهاء في هبلع زائدة؛ لأن البلع مستعمل، وأن الهاء في هركولة زائدة؛ لأن الركل مستعمل، فصير في الكلام أمثلة لا يعرفها الحذاق من النحويين، وهي هفعل وهفعولة وفعلهة، ولولا أن هذا شيء مسطر في الكتب، مدون عندهم، لكان حكمه أن يهزأ من قائله، ولا يحكى ولا يحتج عليه
стр. 178
ولو كان ما ذهبوا إليه في الأمهة صحيحا لوجب أن تكون العلقة على مثال فعلفه والفاء زائدة، وأن تكون الحمرة على فعلرة والراء زائدة، ويكون/ السلم على فعلم والميم زائدة، وأن يكون الجلب والخلب على وزن فعلب واباء زائدة من أجل أن ما قبل هذه الزوائد يخرج على وزن فعل بمنزلة الأم ويتصرف في وجوه كثيرة ومعان، كما يتصرف لفظ الأم. فمن علم أن جميع ما ألزمناهم مما ينفرون منه، ولا يقولون به، فليعلم أن دعواهم في أمهة أيضا باطل، يجب أن ينفر منه؛ لأنها نظيرة جميع ذلك.
وقد ذكر "الخليل" أن من العرب من يحذف ألف أم أيضاً في مواضع كثيرة، بمنزلة ألفات الوصل، كما قال عدي بن زيد:
أيها العائب عندي أم عمرو أنت تفدي من أراك تعيب
أراد أم عمرو، والعرب تقول في كلامها: ويلمة، وقد قال امرؤ القيس:
ويلمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
وليست الهمزة بزائدة، ولا هي ألف واصل، وإنما حذفت في الكلام تخفيفا لكثرة استعمالها في الشعر ضرورة، ولو كانت زائدة لوجب أن تكون فاء الفعل وعينه الميمان، وهذا لا يجوز في كلام العرب، إلا أن يفصل بين الحرفين بفاصلة مثل قولهم: كوكب وقبقب، غلا في حكاية صوت مثل رجل يلقب: ببة. وقال "الخليل": الدد حكاية صوت اللهو واللعب؛ فلذلك جاز فيها دالان.
وأما قوله: عبد بين العبودة والعبودية، فالعبودية الطاعة والرق والخدمة وليست العبودية بفعولة، كما صدر به الباب وترجمه. ولكنها فعولية، وهي منسوبة إلى العبودة بياء النسب، كما قيل في الرب : الربوبية؛ فنسبت بالياء إلى المصدر، الذي هو فعول أو فعولة. وأنثت العبودية / والربوبية للمبالغة والتوكيد في المعنى، وكما قيل في الديمومة: الديمومية، وقد تلحق هذه العلامة لتأنيث المرة الواحدة والخصلة الواحدة.
وأما قوله: غلام بين الغلومة والغلومية، فليس الغلام على مثال فعل أيضا، كما صدر به الباب، ولا الغلومية بالياء بفعوله، ولكنها فعولية منسوبة، وكذلك قوله: رجل بين
стр. 179
الرجولية والرجولة، في أنه ليس رجل على بناء فعل كما ترجم به الباب، ولا الرجولية بفعولة، ولكنها فعولية منسوبة، وليس معنى الرجولية والرجولة من معنى الرجل الذي هو ضد المرأة في شيء، وإنما يراد بهما الجلادة والنفاذ والفضل الذي يمدح به الرجال. وكذلك العبودية والعبودة، إنما يراد بهما الرق لا غير ذلك؛ لأنه لا يقال لعبد من عباد الله: بين العبودية؛ لأن ذلك لا يشك فيه، وليس أحد لا تصح لله عبوديته، فلا يحتاج إلى تثبيته بعلامة، وإنما يشك في عبودة أرقاء الناس. وكذلك يراد في الأبوة والأخوة: الرقة والرحمة والبر والصلة والشفقة، أو الشبه في الأخلاق والخلق. وكذلك العم والخال، فأما الأمة فبمنزلة العبد والغلام أيضا، إنما يراد بالغلومية فيه تمام القوة والشباب والخدمة والجلادة والنفاذ فيها.
وأما قوله: جارية بينة الجراء ووصيفة بينة الوصافة والإيصاف، ووليدة بينة الولادة والوليدية فليس واحد منهما على الترجمة، التي عقد بها الباب وترجمه، وإنما هي أسماء مختلفة الأمثلة؛ لأن الجارية على وزن فاعلة، والوصيفة على مثال فعيلة، وكذلك الوليدة، وليس المصادر منها أيضا على/ فعولة؛ لأن الجراء على فعال، والوصافة على فعالة، والإيصاف إفعال، والولادة أيضا فعالة، والوليدية فعيلية منسوبة إلى الوليدة، وليست الوليدة بمصدر. وقد حكي عن ثعلب أنه قال: الجراء، بكسر الجيم مع المد، وبفتحها مع القصر، وأصحابنا البصريون يأبون ذلك ويقولون: هو الجراء، مفتوح لا غير ممدود، وينشدون قول الأعشى في ذلك كذلك رواية عن العرب:
والبيض قد عنست وطال جراؤها
ومعنى الجراء ههنا العذرة؛ لأنهم يسمون المرأة ما لم تتزوج: جارية، يقول: قد بقين أبكارا، دهرا طويلا، أي لم يزوجن، ولم يرد الشباب ولا الحداثة؛ لأن ذلك لا يطول ولا يبقى لأحد، والدليل على ذلك: قد عنست. وقد تكون الجارية بمعنى الشابة الحديثة السن، وقد تسمى المملوكة أيضا والخادمة والحرة: جارية، كما يسمى الحر والعبد غلاما، ولم يسمع الفعل في شيء من هذا كله مستعملا عند العرب. وكان يجب عليه أن
стр. 180
يقيس هذه المصادر، ويذكر أفعالها المقدرة عليها؛ ليفيد الناس غير المسموع في الباب كله، ويبين للمتعلمين أصلا يعتمدون عليه، ولا يكلهم إلى الحفظ دون المعرفة؛ فإن الاسم إذا كان على فعيلة كالوصيفة والوليدة، وكان مصدره على فعالة، كالوصافة والولادة، وجب أن يكون تقدير فعله على فعل يفعل، بضم العين من الماضي والمستقبل، مثل قولهم: كرمَت تكرم كرامة، فهو كريم وهي كريمة، وظرفت تظرف فهي ظريفة، فيكون على وصفت توصف وصافة، فهي وصيفة، وولدت تولد ولادة فهي وليدة؛ لأن هذا وزن/ أفعال الانتقال من حال إلى حال، مثل قولهم: ما كان ظريفا ولقد ظرف وما كان قاضيا، ولقد قضو. وقد يجيء بعضه على مثال فعل يفعل، بكسر عين الماضي وفتحها من المستقبل؛ لأنه أيضا من أبنية ما لا يتعدى، وما يكون انفعالا وما يكون للمبالغة أيضا .. ويجيء اسم الفاعل منه على فعيل كعليم ورحيم، وهذا الفعل يشترك في مصدره فعالة وفعولة؛ لأنهما بوزن واحد في الحركات والسكون وعدد الحروف والتأنيث، وعلى حذو واحد، وربما جاء مذكرا مثل الجراء؛ لأنه ليس بتأنيث حقيقي، وإنما هو مصدر مؤكد.
فأما فعيلة فاسم الفاعلة وليست بمصدر كالفعولة والفعولية، فتصير الفعيلة بالنسبة مصدرا، وتصير الفعولة بياء النسبة مؤكدة للمبالغة في المصدر.
فأما الإيصاف فمصدر فعل غير الوصيفة، ولكنه فعل الله بها، أو فعل من جعلها وصيفة، كقولك: أوصفها يوصفها إيصافا، ويجوز فيه فعّلها بالتشديد كقولك: وصّفها يوصفها توصيفا، ونحو ذلك، وقد جعل ثعلب الإيصاف مثل الوصافة وذلك خطأ.
وأما الوليدية فمنسوبة إلى الوليدة نفسها بالياء على ما فسرنا، وكل اسم أو صفة نسب بالياء وأنث بالهاء، صار مصدر الفعل مقدرا، وإن لم يكن منه فعل، ويكون كالفعولة نفسها وكالفعالة، وجاء في فعلها أن يتصرف، على مثال نظائره من أفعال أمثال هذه المصادر، وإن كان غير مسموع، أو كان المسموع من العرب مخالفا له؛ لأنهم قد يستعملون الشيء على غير بابه وقياسه، الذي أجمعوا عليه؛ لأسباب كثيرة، ويستغنون عن/ الشيء، الذي هو صواب بغيره. ولو لم يؤت في ذلك بالفعالة ولا الفعولة ولا بالنسبة إليهما، ونسبت إلى الاسم بعينه، فقيل للرجل بين الرجلية، وفي الغلام بين الغلامية، وفي الفرس بين الفرسية
следующие страницы →