← Язык

Язык · id 14443

تصحيح الفصيح وشرحه

ابن درستويه

Полный текст (518 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

للجدري أثرا لا يكاد يمحي، ولا يفارق صاحبه أبدا، كما لا تفارق الأم ذكر الولد وحبه، ولا تنساه، وإلى هذا ذهب " الخليل" بقوله: إن تفسير الأم وتصريفه في كل الوجوه: أمه يأمه. والصواب عندنا ما قال "الخليل" في الأم، والهاء فيها أصلية محذوفة من الواحدة، يستدل عليها برجوعها في الجميع والتصغير، وتصريف الفعل، وبما هذه الهاء ثابتة مما ذكرناه، كما يستدل بالتثنية والتصغير والتصريف على المحذوف من: أب وأخ وابن ودم، وهن وحر واست. وما أشبه ذلك، ويستدل أيضاً على ذلك بنظائر الأمهة، نحو الأبهة، وهي الكبر ونحو الترهة واحدة الترهات، وهي الأباطيل والحماقات، والتاء فيها مبدلة من واو أصلها ورهة، ونحو الفوهة؛ وفي فوهة الطريق، ونحو السمة جمع السامه، وهو الذي لا يعييه السير من الأبل والخيل. وكل هذا عند النحويين واللغويين على وزن فعلة، والهاء أصلية غير زائدة، عند أحد منهم، فكذلك الأمهة. ومما يستدل به أيضا على أن هذه الهاء غير زائدة في الأمهات، أن الحرف المزيد في الكلمة لا يخلو عند حذاق النحويين، وعلماء اللغويين من أن يكون زيد بمعنى من معاني/ الحروف الزائدة في الكلمة، فتجب زيادته لذلك المعنى بعينه في كل كلمة، كما تزاد التاء في قولنا: احتمل في كل فعل غير احتمل، نحو احتبس من الحبس، واعتبر من العبرة، واتخذ من الأخذ في ماضيها ومستقبلها، واسم فاعلها ومفعولها. وإن ذلك يجب أن يطرد ولا ينكسر، وكما تزاد النون التي في انطلق في كل فعل معناه المطاوعة، نحو انكسر وانستر وانجبر وانجذب في ماضيها ومستقبلها، والاسم المتصرف منها، وألا ينكسر ذلك بل يطرد، أو يكون الحرف الزائد إنما زيد لإلحاق الثلاثي بالرباعي، أو الرباعي بالخماسي فإن كانت هذه الهاء زيدت في الأم، التي هي عند مدعي ذلك لإلحاق، الأم التي هي عنده ثلاثية بالرباعي، فإنه يجب أن يصرف الأمهة تصريف الملحقات بالرباعي، وذلك أن الملحق بالرباعي لا يخالف الرباعي الذي لا زيادة فيه في التصرف في ماضيه ومستقبله واسم فاعله ومفعوله ومصدره، ألا ترى أنك تقول: يبيطر يبطر بيطرة، وجوهر يجوهر جوهرة، وهما فيعل من البطر وفوعل من

стр. 177

الجهر، وكذلك: عنسل يعنسل عنسلة؛ لأنهن ملحقات بدحرج يدحرج دحرجة، فتصرفهن كتصريف دحرج، فمن زعم أن أمهة هاؤها ملحقة وجب عليه أن يقول في فعلها: أمه يؤمه أمهة، ولا يصرفها محذوفة كما لا يصرف بيطر ولا جوهر، بحذف الياء والواو الملحقتين؛ لئلا يلتبس الملحق بغير الملحق، ولا الرباعي بالثلاثي، وهذا من أقوى الأدلة على أن من صرف الأم على الحذف إنما صرفها غلطا على اللفظ، وترك المعنى؛ إما لأنه خفى عليه الحق والصواب، وإما لأنه تعمد الحذف تخفيفا، كما قال "الخليل"./ وكان مما جلب الالتباس على مصرف ذلك على الحذف أنه وجد الميم مشددة وهما مع الهمزة في صورة ما وزنه من الأبنية على فعل، وأنه وجد هذه اللفظة تتصرف على وجوه كثيرة من غير هذا الأصل، مثل الإمامة والأم والإمة والأمة، وغير ذلك مما له أصل غير أصل الأم، ولم يعلم أنهما من أصلين مختلفين لما بين اللفظين من التشابه، فحملها على فعل، ولم يفطن للأمهة أنها على فعلة ولم يقسها بنظائرها، التي لا تحصى كثرة؛ لأن فعلة وفعلا في الأسماء مثل الجلب وهو نبت، والخلب وهو البرق الكاذب، والعلف وهو ثمرة الطلح، والسلم وهو معروف، والحمرة وهي طائر، وفي الصفات مثل الحول والقلب والصلب، وفي الجمع مثل: العذل والعزب والخدم، والقوم والصوم، فترك مدعو هذا القول الطريق المستقيم والحمل على النظائر، واخترعوا مثالا ليس له نظير في العربية كلها، وأتوا بمثال لم يذكره "الخليل" ولا "سيبويه"، ولا الموثوق بعلمهم من البصريين، وإنما هو شيء طرأ عن الكوفيين، وذكره ابن كيسان، إما عن الفراء وأصحابه، أو عن ابن نجدة، فإنه زعم أن الهاء في هجرع زائدة؛ لأن الجرع مستعمل، والهاء في هبلع زائدة؛ لأن البلع مستعمل، وأن الهاء في هركولة زائدة؛ لأن الركل مستعمل، فصير في الكلام أمثلة لا يعرفها الحذاق من النحويين، وهي هفعل وهفعولة وفعلهة، ولولا أن هذا شيء مسطر في الكتب، مدون عندهم، لكان حكمه أن يهزأ من قائله، ولا يحكى ولا يحتج عليه

стр. 178

ولو كان ما ذهبوا إليه في الأمهة صحيحا لوجب أن تكون العلقة على مثال فعلفه والفاء زائدة، وأن تكون الحمرة على فعلرة والراء زائدة، ويكون/ السلم على فعلم والميم زائدة، وأن يكون الجلب والخلب على وزن فعلب واباء زائدة من أجل أن ما قبل هذه الزوائد يخرج على وزن فعل بمنزلة الأم ويتصرف في وجوه كثيرة ومعان، كما يتصرف لفظ الأم. فمن علم أن جميع ما ألزمناهم مما ينفرون منه، ولا يقولون به، فليعلم أن دعواهم في أمهة أيضا باطل، يجب أن ينفر منه؛ لأنها نظيرة جميع ذلك. وقد ذكر "الخليل" أن من العرب من يحذف ألف أم أيضاً في مواضع كثيرة، بمنزلة ألفات الوصل، كما قال عدي بن زيد: أيها العائب عندي أم عمرو أنت تفدي من أراك تعيب أراد أم عمرو، والعرب تقول في كلامها: ويلمة، وقد قال امرؤ القيس: ويلمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب وليست الهمزة بزائدة، ولا هي ألف واصل، وإنما حذفت في الكلام تخفيفا لكثرة استعمالها في الشعر ضرورة، ولو كانت زائدة لوجب أن تكون فاء الفعل وعينه الميمان، وهذا لا يجوز في كلام العرب، إلا أن يفصل بين الحرفين بفاصلة مثل قولهم: كوكب وقبقب، غلا في حكاية صوت مثل رجل يلقب: ببة. وقال "الخليل": الدد حكاية صوت اللهو واللعب؛ فلذلك جاز فيها دالان. وأما قوله: عبد بين العبودة والعبودية، فالعبودية الطاعة والرق والخدمة وليست العبودية بفعولة، كما صدر به الباب وترجمه. ولكنها فعولية، وهي منسوبة إلى العبودة بياء النسب، كما قيل في الرب : الربوبية؛ فنسبت بالياء إلى المصدر، الذي هو فعول أو فعولة. وأنثت العبودية / والربوبية للمبالغة والتوكيد في المعنى، وكما قيل في الديمومة: الديمومية، وقد تلحق هذه العلامة لتأنيث المرة الواحدة والخصلة الواحدة. وأما قوله: غلام بين الغلومة والغلومية، فليس الغلام على مثال فعل أيضا، كما صدر به الباب، ولا الغلومية بالياء بفعوله، ولكنها فعولية منسوبة، وكذلك قوله: رجل بين

стр. 179

الرجولية والرجولة، في أنه ليس رجل على بناء فعل كما ترجم به الباب، ولا الرجولية بفعولة، ولكنها فعولية منسوبة، وليس معنى الرجولية والرجولة من معنى الرجل الذي هو ضد المرأة في شيء، وإنما يراد بهما الجلادة والنفاذ والفضل الذي يمدح به الرجال. وكذلك العبودية والعبودة، إنما يراد بهما الرق لا غير ذلك؛ لأنه لا يقال لعبد من عباد الله: بين العبودية؛ لأن ذلك لا يشك فيه، وليس أحد لا تصح لله عبوديته، فلا يحتاج إلى تثبيته بعلامة، وإنما يشك في عبودة أرقاء الناس. وكذلك يراد في الأبوة والأخوة: الرقة والرحمة والبر والصلة والشفقة، أو الشبه في الأخلاق والخلق. وكذلك العم والخال، فأما الأمة فبمنزلة العبد والغلام أيضا، إنما يراد بالغلومية فيه تمام القوة والشباب والخدمة والجلادة والنفاذ فيها. وأما قوله: جارية بينة الجراء ووصيفة بينة الوصافة والإيصاف، ووليدة بينة الولادة والوليدية فليس واحد منهما على الترجمة، التي عقد بها الباب وترجمه، وإنما هي أسماء مختلفة الأمثلة؛ لأن الجارية على وزن فاعلة، والوصيفة على مثال فعيلة، وكذلك الوليدة، وليس المصادر منها أيضا على/ فعولة؛ لأن الجراء على فعال، والوصافة على فعالة، والإيصاف إفعال، والولادة أيضا فعالة، والوليدية فعيلية منسوبة إلى الوليدة، وليست الوليدة بمصدر. وقد حكي عن ثعلب أنه قال: الجراء، بكسر الجيم مع المد، وبفتحها مع القصر، وأصحابنا البصريون يأبون ذلك ويقولون: هو الجراء، مفتوح لا غير ممدود، وينشدون قول الأعشى في ذلك كذلك رواية عن العرب: والبيض قد عنست وطال جراؤها ومعنى الجراء ههنا العذرة؛ لأنهم يسمون المرأة ما لم تتزوج: جارية، يقول: قد بقين أبكارا، دهرا طويلا، أي لم يزوجن، ولم يرد الشباب ولا الحداثة؛ لأن ذلك لا يطول ولا يبقى لأحد، والدليل على ذلك: قد عنست. وقد تكون الجارية بمعنى الشابة الحديثة السن، وقد تسمى المملوكة أيضا والخادمة والحرة: جارية، كما يسمى الحر والعبد غلاما، ولم يسمع الفعل في شيء من هذا كله مستعملا عند العرب. وكان يجب عليه أن

стр. 180

يقيس هذه المصادر، ويذكر أفعالها المقدرة عليها؛ ليفيد الناس غير المسموع في الباب كله، ويبين للمتعلمين أصلا يعتمدون عليه، ولا يكلهم إلى الحفظ دون المعرفة؛ فإن الاسم إذا كان على فعيلة كالوصيفة والوليدة، وكان مصدره على فعالة، كالوصافة والولادة، وجب أن يكون تقدير فعله على فعل يفعل، بضم العين من الماضي والمستقبل، مثل قولهم: كرمَت تكرم كرامة، فهو كريم وهي كريمة، وظرفت تظرف فهي ظريفة، فيكون على وصفت توصف وصافة، فهي وصيفة، وولدت تولد ولادة فهي وليدة؛ لأن هذا وزن/ أفعال الانتقال من حال إلى حال، مثل قولهم: ما كان ظريفا ولقد ظرف وما كان قاضيا، ولقد قضو. وقد يجيء بعضه على مثال فعل يفعل، بكسر عين الماضي وفتحها من المستقبل؛ لأنه أيضا من أبنية ما لا يتعدى، وما يكون انفعالا وما يكون للمبالغة أيضا .. ويجيء اسم الفاعل منه على فعيل كعليم ورحيم، وهذا الفعل يشترك في مصدره فعالة وفعولة؛ لأنهما بوزن واحد في الحركات والسكون وعدد الحروف والتأنيث، وعلى حذو واحد، وربما جاء مذكرا مثل الجراء؛ لأنه ليس بتأنيث حقيقي، وإنما هو مصدر مؤكد. فأما فعيلة فاسم الفاعلة وليست بمصدر كالفعولة والفعولية، فتصير الفعيلة بالنسبة مصدرا، وتصير الفعولة بياء النسبة مؤكدة للمبالغة في المصدر. فأما الإيصاف فمصدر فعل غير الوصيفة، ولكنه فعل الله بها، أو فعل من جعلها وصيفة، كقولك: أوصفها يوصفها إيصافا، ويجوز فيه فعّلها بالتشديد كقولك: وصّفها يوصفها توصيفا، ونحو ذلك، وقد جعل ثعلب الإيصاف مثل الوصافة وذلك خطأ. وأما الوليدية فمنسوبة إلى الوليدة نفسها بالياء على ما فسرنا، وكل اسم أو صفة نسب بالياء وأنث بالهاء، صار مصدر الفعل مقدرا، وإن لم يكن منه فعل، ويكون كالفعولة نفسها وكالفعالة، وجاء في فعلها أن يتصرف، على مثال نظائره من أفعال أمثال هذه المصادر، وإن كان غير مسموع، أو كان المسموع من العرب مخالفا له؛ لأنهم قد يستعملون الشيء على غير بابه وقياسه، الذي أجمعوا عليه؛ لأسباب كثيرة، ويستغنون عن/ الشيء، الذي هو صواب بغيره. ولو لم يؤت في ذلك بالفعالة ولا الفعولة ولا بالنسبة إليهما، ونسبت إلى الاسم بعينه، فقيل للرجل بين الرجلية، وفي الغلام بين الغلامية، وفي الفرس بين الفرسية

стр. 181

وفي الحمار بين الحمارية، وفي الكلب بين الكلبية لكانت مصادر غير جارية على أفعال مستعملة، بل على أفعال مقدرة. وقد حكى في الأب والأخ: كنت أبا، ولقد أبوت، وما كنت أخا، ولقد أخوت، على فعلت، بفتح العين، أخبرنا بذلك "علي ابن عبد العزيز" عن أخي "إبراهيم" عن "سلمة بن عاصم" عن " الفراء". وحكاه لنا أيضا ثعلب عن سلمة عن الفراء، وهذا خلاف قياس المصدر منهما، وهو: الأبوة والأخوة، وخلاف أبنية الفعل الموضوع للانتقال من حال إلى حال، وكان قياسه أن يقال: أبُوت وأخُوت، على فَعُلْت، بضم العين من الماضي والمستقبل كقولك: هو يأبو وأخو، على مثال: كرم يكرم، وظرف يظرف، وكما تقول: ما كان قاضيا ولقد قضو يا هذا. ويقول بعضهم: أبيت من الأب، على فعلت، بكسر العين من الماضي، وحكى ذلك لنا "علي بن عبد العزيز" عن "أبي عبيد" عن "اليزيدي" وهذا أقيس مما حُكي عن الفراء؛ لأن فعل تدخل على فعل؛ لأنها أيضا من أمثلة ما لا يتعدى، وما هو انفعال وللمبالغة، فتنقلب الواو ياء لذلك، والذاهب من أب وأخ واو؛ ولذلك يقال في التثنية: أبوان وأخوان فترد كما ترد في التصغير والجمع، فيقال: إخوان وإخوة، وأخي وأبي وآباء، فتصير ياء، من وقوع ياء التصغير قبلها، وهي ساكنة، ويقال: آباء؛ فتصير همزة، لوقوع الألف قبلها في آباء. والأب معروف المعنى، وهو الوالد، وقد يستعمل في معنى: الصاحب والمالك والرب في أشياء، على الاستعارة/ والتشبيه؛ لأن الأب مالك لولده؛ لأنه من كسبه؛ ولذلك قالوا: هذا أبو منزلي؛ أي صاحب منزلي، ويسمى الجد أيضا: أبا كما قيل لآدم: أبو البشر؛ لأنه الذي كسب البشر وولدهم، ويقال لكل شيخ: أب ولكل قيم على قوم: أب. ويروى أنه كان يقرأ: (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم). وكانت بنو إسرائيل تسمى أنبياءها

стр. 182

وملوكها: آباء. كما قلنا، ولذلك كني الرجال بأبي فلان، وإن لم يكن لهم أولاد على التعظيم. والأخ الشقيق، ويسمى به الصديق والرفيق والصاحب على التقريب حتى إنه ليقال في السلع ونحوها، إذا اشتبهت في الصورة، أو الجودة، أو الرداءة أو في القيمة: هذا أخو هذا؛ ولذلك سمي النحويون الواو والياء: أخوين، وأختين، كذلك الضمة والكسرة: أختين. وقد سمي أبو الأسود الدؤلي نبيذ الزبيب: أخا، فقال: فإلا يكنهاأو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها وتقول العرب: يا أخا الخير، ويا أخر الجود، ونحو ذلك، يعني صاحبه. ومنه قول الله : (واذْكُرْ أَخَا عَادٍ إذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ). وعلى هذا قالوا لمكة: أم القرى، ولسورة الحمد: أم الكتاب. قال الراجز: ما فيهم من أم الكتاب أم ولا لهم من حسب يلم وقالوا لصاحبة المنزل: هي أم مثواه. وقيل للحمى: أم ملدم، وللداهية العظيمة: أم الدهيم؛ لأن الأم أصل الولد، وأصل كل شيء مشبه بأصل الولد؛ ولذلك قيل للمرضعة: أم. قال الله : (وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ).

стр. 183

والأمة/ أيضا ليست بفعل، بسكون العين ولكنها على وزن فعلة، بتحريك العين، مثل: أب وأخ، والذاهب منها لام الفعل، وهي واو، وهي: المملوكة من النساء، وواوها ترد فيها، إذا جمعت أو صغرت، فيقال: إموان، بكسر الهمزة، على فعلان وبضهما على فعلان، كما قال القتال الكلابي، أنشدناه ثعلب والمبرد على الوجهين: أما الإماء فلا يدعونني ولدا إذا ترامى بنو الإموان بالعار وتجمع على الإماء أيضا، فترد فيها الواو، ولكنها قد وقعت، بعد ألف طرفا، فصارت همزة لاعتلالها. وإذا صغرت قيل: أمية، فتقلب واوها ياء؛ لوقوع ياء التصغير قبلها؛ لأنها ساكنة. ويقال لما دون العشر من الإماء: آم، على وزن أفعل. كما يقال: أكلب، ولكن الواو تقلب ياء ويكسر ما قبلها من أجلها، قال الشاعر: كما تهدى إلى العرسات آم ويقال: قد تأميت أمة؛ أي اتخذت أو اشتريت أمة. ويقال: قد أميت فلانة أي اعتبدتها وجعلتها أمة، وتأمت هي؛ أي أقرت بالأموة، ورضيت بها وقال الراجز: يرضون بالتعبيد والتأمي والأموة مصدر منه على فعولة، كما ذكر ثعلب، وقياس فعله: ما كانت أمة، ولقد

стр. 184

أموت تأمو، مثل: كرمت تكرم على ما قلنا. وقد حكي فيها نحو ما حكي في الأب والأخ أيضا. وأما البنوة من الابن، فأصلها الياء من بنيت؛ لأن الابن مبنى من الأبوين، ولكن انقلبت الياء المحذوفة في المصدر واوا، لما جاء على فعولة، بضمتين بينهما واو كما يقال: الفتوة بالواو، /وأصلها الياء، كما قال الله : (ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ). فثنى الفتى بالياء. وقياس الفعل من الابن أن يقال: ما كان ابنا، ولقد بنو، فتقلب الياء واوا للضمة قبلها. وأما قولهم: تبنيته، إذا اتخذته أبنا، فهو تفعلته؛ فلذلك جاء بالياء على القياس والأصل. والابن يستعار أيضا في كل شيء صغير أو مستصغر، فيقول الشيخ للشاب الأجنبي منه: يا بني، ويسمى الملك رعيته بالأبناء، وكذلك الأنبياء في بني إسرائيل، كانوا يسمون أممهم: أبناءهم، والحكماء والعلماء يسمون المتعلمين: أبناءهم. ويقال أيضا: لطالبي العلم: أبناء العلم، ونحو ذلك كذلك. وقد يكنى بالابن كما يكنى بالأب وفي بعض الأشياء بمعنى الصاحب ونحوه، كقولهم: ابن عِرْس، وابن نمرة، وابن ماء، وبنت وردان، وبنات نعش، على الاستعارة والتشبيه. والعم أخو الأب، سمي بذلك من العموم؛ وهو القوة والكثرة؛ ولذلك قيل للنخل الطوال: عم، والواحدة: عميمة. وقال النبي صلى الله عليه وآله: "أكرموا عمتكم النخلة"، ويقال لكل شيخ: عم، على الاستعارة، وفي ذلك يقول الأخطل: وإذا دعونك عمهن فإنه نسب يزيدك عندهن خبالا وتقول: تعممت عما، وما كان عما، ولقد عم يعم. وإنما خص بالعم أخو الأب، دون أخي الأم؛ لأنه أعلى من الخال نسبا؛ لأنه أخو الأب. وسمي الخال خالاً من الخَوَل، وهم: الأتباع والخدم والمتعهدون؛ لأنه أخو الأم، والأم من خول الزوج؛ لأنها فراشه.

стр. 185

وأصل الخال من الواو. وقياس فعله أن يقال: ما كان خالا، ولقد خال يخول،/ ويقال: تخولت خالا، وتقول الشابة للشيخ: يا خال، كما يقال: يا عم. وأما قوله: شيخ بين الشيخوخة، والشيخوخية، والشيخ والتشييخ؛ فالشيخ معروف، وهو الكبير السن من الناس، وقد يستعار لغيرهم، والأنثى شيخة وهي العجوز، كما قال عبد يغوث الحارثي: وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا وأهل اليمن يسمون القرد الكبير شيخا، والفعل منه: شاخ يشيخ شيخوخة مثل: كان كينونة، وصار صيرورة، وتقديرها: فيعولة. وقد شيخ تشييخا وهو يشيخ، بالتشديد، إذا بلغ الغاية في الكبر. وأما الشيخ فاسم موضوع موضع المصدر، بفتح الياء، وإن قدرت له فعلا، كان على فعل يفعل، بكسر الماضي وفتح المستقبل، حتى يصير مصدرا، فأما الشيخوخية فمنسوبة إلى الشيخوخة، بالياء المشددة، على ما فسرنا. والعرب تسمي الشاب: شيخا، إذا عظمته وبجلته، وتسمي الشيخ: فتى على التفاؤل له بالقوة ونحوها، وجمع الشيخ شيوخ وأشياخ ومشيوخاء، ممدود، ومشيخة ومشايخ وشيخان. وأما قوله: أيم بين الأيومة، فليس مما ترجم به الباب أيضا؛ لأنه ليس على فعل ولا مصدره كذلك؛ لأن الأيم، على فيعل، مثل: ميت وسيد، وهي المرأة التي لا زوج لها؛ إما أن يكون مات عنها زوجها، وإما أن تكون لم تتزوج بعد، كما قال الشماخ: أيم لم تزوج

стр. 186

والفعل منها مستعمل يقال منه: آمت المرأة وهي ت ئيم مثل عامت تعيم، قال الشاعر: كل النساء يئيم/ وربما قيل للرجل إذا بقي بغير زوجة: أيم أيضا، ويقولون في الدعاء على الرجل: ماله عام وآم، أي بقي بغير لبن ولا زوجة. ومنه قولهم: عيمان أيمان. وجمع أيم: أيامى، كما قال الله : (وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ). وقال النبي صلى الله عليه وآله: "الأيم أحق بنفسها من وليها". والأيمة مصدر للمرة الواحدة من قولك: آمت تئيم أيمة، والأيوم أيضا مصدر، مثل الخروج والدخول والقعود والجلوس، وليست هذه الكلمة التي ذكرها ثعلب، ولا مصدرها من هذا الباب، الذي ترجمه بفعل بين الفعولة. وأما قوله: عنين بين العنينة، والتعنين، والعنين على بناء فعيل مثل: شريب وخمير وسكير، وليس كما ترجم به الباب أيضا. وأما العنينة فمنسوبة بالياء إلى العنين نفسه، فلذلك صارت مصدرا. وأما التعنين فمصدر قولك: عنن الرجل وعننه الله. والعنين: هو الذي لا ينتشر عليه قضيبه، ولا يقدر على اللجماع وهو الذي يقال له السريس، وإنما هو مشتق من العنن؛ وهو: الاعتراض، يقال: عن الشيء أي عرض، وعن له، إذا عرض له؛ وذلك أنه يتعرض للجماع، ولا يقدر عليه. ويقال عن عننا، كما قال ابن حلزة: عنناً باطلا وظلما كما تعـ ـتر عن حجرة الربيض الظباء وأما قوله: لص بين اللصوصية، بفتح اللام، فمخالف أيضا للباب الذي عقده؛ لأن اللص ليس بوزن فعل، واللصوصية ليست بفعولة، ولا فعولية منسوبة إلى فعولة؛ لأنها

стр. 187

مفتوحة الأول، ولكنها منسوبة إلى لصوص، بالفتح، وهو اسم يوضع في موضع/ المصدر، قليل النظر في الكلام كالوقود، وهو اسم ما يوقد به وكالوضوء اسم ما يتوضأ به، وإن كانا يوضعان في موضع الوقود والوضوء وأكثر ما يجيء هذا الباب إنما هو أسماء تجعل في مواضع المصادر، فكأن اللصوص اسم لما يتلصص به، من أداة أو حيلة. واللص معروف، وهو السارق، قالت الشاعرة: ما لقي البيض من الحرقوص من فاجر، لص من اللصوص تعني دويبة، تندس من الرمل في ثوب المرأة، فتدخل في فرجها، وكذلك اللص من الناس، وهو الذي يلج عليهم في المنازل، ويتخبأ لهم حتى يسرق، وهو مشتق من اللصص؛ وهو: تداخل الأسنان، بعضها في بعض وتزاحمها، يقال: رجل ألص وكذلك الكلاب، قال امرؤ القيس: ألص الضروس حتى الضلوع طلوب تبوع نشيط أشر والفعل المستعمل من اللص: تلصص تلصصا، هكذا مصدره، والاسم من هذا الفعل: المتلصص، وهم المتلصصة، وإنما عدل الفصحاء في اللصوصية من الضم إلى الفتح؛ لأن المضمومة منسوبة إلى الجمع، وهو اللصوص، والجماعة لا ينسب إليها، فاستغنوا عن ذلك بما هو أمثل منه على قلته في الكلام. ونظيره قوله: وكذلك: خصصته بالشيء خصوصية، ليس قوله خصصته من الترجمة ولا الخصوصية من الفعولة؛ لأنها مفتوحة الأول، منسوبة بالياء، وقصة الخصوصية قصة اللصوصية، والمصدر المطرد المستعمل المعتاد المعروف منه: الخصوص، وهو ضد العموم، وفعله مستعمل مشهور، ومعناه/ واضح، وهو أن يجعل له وحده شيئا،

стр. 188

أو معنى لا يشركه فيه غيره، تقول: خصه يخصه خصوصا وفاعله: خاص، والمفعول: مخصوص. وفعله: خصته أخصه خصوصا. وقد يقال: اختصصته بالشيء اختصاصا، فأنا مختلص، والمفعول أيضا كذلك. والخصوصية منسوبة، بضم الأول هو الجيد؛ لأنه نسب إلى الخصوص، وهو المصدر الصحيح، وليس بجمع، والفتح فيها شاذ، ولكن ربما كثر استعمال الشاذ لخفته، وترك استعمال المنقاد لثقله. وأما قوله: حر بين الحرورية، بالفتح أيضا، فبمنزلة ما قبله في الفتح، وقلة النظير والضم فيها أقيس؛ لأن مصدر ففعله قد يخرج على الفعولة بالضم؛ لأن معناه كمعنى كرم يكرم، والمصدر من مثل هذا على الفعالة، وهي نظيرة الفعولة، كما بينا، وتقدير الفعل منه: حر يحر حرورة، وإن كان المستعمل منه: الحرورية. والحر ضد العبد، وضد اللئيم؛ لأنه أيضا الكريم من كل شيء، ومنه قيل للأرض الكريمة: حرة، وحر الخد أفضله، ونبات حر، وهو الطيب، ورجل حر، أي كريم الأخلاق والحر من الناس ضد العبد. والجميع: الأحرار. والحرية منسوبة إلى الحر نفسه، وزعم ثعلب أن الحرورية بالفتح أفصح في هذه الثلاثة الأحرف، وأن الضم فيها جائز. وكان يجب أن يقول: الضم أفصح؛ لأنه أقيس على ما بينا، ولكنه نظر إلى استعمال المتشادقين، وإنما القياس في ذلك على ما ذكرنا؛ من أنه على تقدير فعل؛ فكأن اللصوص اسم لما يتلصص به، والخصوص اسم لما يتخصص به، فعل لم يستعمل، ولو استعمل لقيل: ما كان حرا ولقد حر يحر، بضم الحاء في المستقبل، والمصدر: الحرورة بالضم، أو بفتح الحاء، على ما قبل في الكلام من الوقود وأشباهه،/ فيكون اسما موضوعا موضع المصدر، كالوقود والوضوء والحرور، اسم لما ستحرر به، ثم ينسب إليه. وأما قوله: وفارس على الخيل، بين الفروسية والفروسة، وإذا كان يتفرس في الأشياء وينظر فيها قلت: بين الفراسة، فهو كما قال. ومعناهما جميعا من البصر والحذق وحدة الفهم؛ لأن الفارس إنما هو الحاذق بركوب الخيل، وإجرائها، والحرب عليها، والمتفرس أيضا البصير اللطيف الفهم والمعرفة بالأشياء وآثارها، وفي الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن،

стр. 189

فإنه ينظر بنور الله ". وليس للفارس فعل مستعمل، وإن كان له مصدر، ولكنه على تقدير ما له فعل. وإنما قيل له: فارس، على معنى قولهم: ذو فرس، أو ذو فروسية وكذلك صاحب الفراسة، وليس له فعل متصرف على الفراسة، وإنما يقال فيه: تفرس تفرسا، وليس واحد منهما مما عقد عليه ترجمة هذا الباب. والفراسة بوزن الإمارة والوكالة والصناعة، وعلى معناها، وهو اسم، وبالفتح مصدر صحيح كالوكالة والولاية ونحوها، وقد روي في الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن" بكسر الفاء. فهذا آخر هذا الباب. * * *

стр. 190

تصحيح الباب الثاني عشر وهو المترجم بباب آخر من المصادر اعلموا أن هذا الباب في كتاب ثعلب فصل من الباب العاشر أيضا، بمنزلة الذي قبله وهو في خط: "ابن الحارث" باب مفرد، بمنزلة الحادي عشر، وهو أيضا مما كثر به الأبواب، بلا نظام ولا ترتيب ولا تبويب، وكان يجب أن يخلط المصادر كلها في موضع واحد؛ إذ كان يضيق عليها تصنيفها صنفا صنفا، أو كان يجعل كل صنف، على نظام، إن كان يقدر / على ذلك، فلم يفعل ذلك. ونحن مفسروه على ما وضع: أما قوله: حلمت أحلم حلْما وحلُما في النوم، وحلمت عن الرجل حلما وأنا حليم، فليس الحلم ولا الحلم بمصدر، ولكنها اسمان يوضعان في موضع المصدر، وذلك أن حق فعلت، بفتح العين أن يكون مصدره إذا لم يكن متعديا: الفعول مثل القعود والجلوس، في قعدت وجلست، وإن كان متعديا، فعلى مثال فعل مثل الضرب في ضربت، والقتل في قتلت. وقد يدخل مصدر أحد البابين على الآخر؛ لشركة تقع في معنى، أو تشابه من جهة بينهما، على ما كنا فسرناه. وقد توضع الأسماء مواضع المصادر؛ إما للفرق بين الشيئين، اللذين على لفظ واحد، وإما لتشبيه شيء بمثله. وإنما المصدر من حلمت في النوم المطرد على قياس بابه: الحلوم بالضم والواو، مثل السكون والسكوت، والهمود والهجود والهجوع، ولكنه لم يستعمل واستغني عنه بغيره، وإنما الحلم: اسم لما يرى في المنام، واسم لما يصيب الإنسان من الجنابة، ولذلك قيل للغلام البالغ: حالم وقيل له: قد بلغ الحلم، كما قال الله : (وإذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ) ولذلك جمعه [تعالى] فقال: (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ ومَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ) والمصادر حكمها لا تجمع، فهذا يدل على أنه اسم لما يرى، وليس بنفس الرؤية، ومن أسكن

стр. 191

اللام فإنما خففه كما قيل: عضد وكبد ونحو ذلك. ويقال أيضا: احتلم الغلام يحتلم، فهو محتلم، إذا بلغ الحلم. وأما حلمت عن الرجل فمصدره الجاري على مثال نظيره: الفعالة؛ لأنه من باب المبالغة في النعت كقولك: صلب يصلب صلابة وظرف يظرف ظرافة، وكرم يكرم كرامة، ونحو ذلك، ولكنه لم يستعمل، واستغني /عنه بغيره، فوضع الحلم في موضع مصدره، طلبا للتخفيف لكثرة استعماله، أو للفرق بينه وبين ما يلتبس به، وهو اسم للعقل أو شبهه، ولذلك يجمع على: الأحلام، وعلى: الحلوم، كما تجمع الألباب والعقول، قال الشاعر: يا حار لا تجهل على أشياخنا إنا ذوو السورات والأحلام وأما قوله: حلم الأديم يحلم حلما، فهو مصدر صحيح، جار على القياس؛ لأن ما كان على فعل يفعل، فحقه أن يكون مصدره على: فعل، بفتحتين، وإن كان قد يدخل على الشيء ما ليس من بابه، كما دخلت المصادر المختلفة في باب: وجدت، كما فسرنا من المعاني المختلفة، فتصير كأنها مصادر لذلك الشيء، وحقيقته ما فسرنا، وأهل اللغة لا يعرفون ذلك. وقوله: حلم الأديم، إذا تثقب خطأ، وإنما معنى حلم: أنه وقع في الحلم، وهو: دود لتولد في جلد الشاة في الشتاء، من الهزال، فإذا دبغ تثقب مواضع الحلم، ولو لم يقع فيه الحلم لم يتثقب من شيء آخر، لما قيل: قد حلم؛ لأنه فعل مشتق من الحلم، واسم واحدته: حلمة، وإذا حلم الأديم لم يدبغ؛ لأنه لا ينتفع به، ولذلك قال الشاعر: فإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حلم الأديم وأما قوله: قذت عينه تقذى قذيا، إذا ألقت القذى، وقذيت تقذى قذى، إذا صار فيها القذى، وأقذيتها إقذاء، إذا ألقيت فيها القذى، وقذيتها تقذية إذا أخرجت منها القذى؛ فإن القذى: كل ما وقع في العين من شيء يؤذيها كالتراب والعود، وكالرمص السائر من موقع المجتمع فيها كما/ قال الشاعر:

стр. 192

كأن قذى في العين قد مرحت به وما حاجة الأخرى إلى المرحان وقال جميل بن معمر: رمى الله في عين بثينة بالقذى وفي الغر من أنيابها بالقوادح يريد: عمرها الله حتى تهرم، ولم يدع عليها، كما يقول أهل اللغة. وإنما قيل: قذت عينه تقذى قذيا، فهي قاذية، إذا ألقت القذى، كما يقال: سالت تسيل سيلا، ودمعت تدمع دمعا. وقيل: قذيت تقذى قذى، فهي قذِية وقذْية، بكسر الذال وسكونها، على فعلت تفعل فعلا، فهي فعلة مثل: وجعت توجع وجعا فهي وجعة، ورمدت ترمد رمدا، فهي رمدة؛ لنه فعل غير مجاوز، بمعنى الانفعال. وقيل: أقذيتها فأنا مقذ، إذا ألقيت فيها ما تقذى به، وتتأذى، بألف لنقل الفعل منها إليك. وقيل: قذيها، بالتشديد تقذية، فأنا مقذ، بالتشديد، على مثال نظفتها وسكنتها. وكان حق المصدر أن يكون على التفعيل في المشدد، مثل: التنظيف والتسكين، ولكن كره ذلك؛ لاجتماع الياء بعد كسرة، فحذفت منه ياء واحدة تخفيفا، وعوض منها علامة التأنيث فقيل: تقذية، وكذلك يفعل في كل فعل معتل الآخر، فأصل هذا الفعل من لفظ واحد، ومعنى واحد، والأمثلة والمصادر مختلفة، لما دخلها من الفروق، واختلاف المعاني. وإنما قيل: قذية، بسكون الذال كراهية ثقل الكسرة فيها مع الياء التي بعدها، كما قيل: كبد وعضد، وكما قيل: قد ضجر/ وقد عصر قال الشاعر: وإن تلقه يضجر كما ضجر بارك من الأدم دبرت صفحتاه وكاهله وقال الراجز: لو عصر منه المسك والبان انعصر وجمع القذى: الأقذاء، وواحدته: قذاة. وقد يستعار ذلك في الماء والشراب إذا كان كدرا، أو كان فيه شيء فيقال له: القذى، كما قال الأعشى:

стр. 193

تريك القذى من فوقها وهي دونه إذا ذاقها ذواقها يتمطق وأما قوله: وتقول رجل بطال بين البطالة. وقد بطل، ورجل بطل، أي شجاع بين البطولة. وقد بطل وبطل الشيء يبطل بطلا وبطولة، فإن البطال: الفارغ، الذي لا شغل له ولا عمل يعمله. والبطالة مصدر منه، على فعل، غير مستعمل ولو استعمل لكان قياسه أن يقال: بطل مثل سمح يسمح سماحة، ولكن المستعمل منه: تبطل يتبطل تبطلا. يقال ذلك للغلام الذي يدع الصناعة والكتاب ويفر منهما، وللرجل يدع حرفته ومعيشته، ويشتغل باللهو واللعب والجهالة، ولا يسعى فيما يحتاج إليه. ويقال: بطلته أنا فتبطل، وهو مأخوذ من الباطل، وهو ضد الحق، يقال: قد بطل الحق، إذا زهق، وبطل الشيء، إذا فسد، فهو يبطل مثل قولك: فسد يفسد، وهو فاسد، ومصدره: البطول، كما قال: والبطلان أيضا. والبطل، بضم الباء وسكون الطاء، كما قال الشاعر: لعمري وما عمري علي بهين لقد نطقت بطلا على الأقاوع وقال الله : (وقُلْ جَاءَ الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ) وقال [تعالى]: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) وقال [تعالى]: (فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون). وتقول للرجل: أبطلت؛ أي قلت الباطل، وبطلت حجتك. وأما الشجاع البطل فإنه المجاوز للمقدار في الشجاعة، الذي لا يبالي، على أي شيء أقدم، لجسارته؛ كأنه يغرر بنفسه، ويعرضها للتلف والبطلان. وفعله مبني على فعل يفعل بضم الماضي والمستقبل للمبالغة، مثل: صعب يصعب، فقيل فيه: بطل يبطل بطولا، فهو بطل مثل: حسن فهو حسن، ففرقوا بفعولة وفعالة بين مصدر البطال والبطل، كما فرقوا باختلاف الأمثلة في الأفعال. وقال عنترة في البطل: بطل كأن ثيابه في سرحة يحذي نعال السبت ليس بتوءم

стр. 194

وأما قوله: خزي الرجل [يخزى] خزيا من الهوان، وخزي يخزى خزاية من الاستحياء، ورجل خزيان، وامرأة خزيى، فإن الخزي هو الإفاقة على السوء والقبح والمكروه، بكسر الخاء، كما قال الله : (إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلَى الكَافِرِينَ) وفعله على فعل يفعل، بكسر الماضي وفتح المستقبل، وإذا استحيا الرجل من سوء أو قبيح فعله، أوفعل به، قيل أيضا فيه: قد خزي يخزى لأنهما في معنى واحد، ولكن فرق بين المصدرين، فقيل في الاستحياء: الخزاية على فعالة، بالفتح، يقال: ما يأنف ولا يخزى، ورجل خزيان، أي مستحي من قبيح وسوء، وامرأة خزيى، والجميع: الخزايا، وقد أقمته على خزية بوزن فعلة، مفتوح الأول، وعلى مخزاة، على مفعلة، إذا وبخته، وبينت له سوء فعله. وأما قوله: طلقت المرأة وطلقت طلاقا، وقط طلقت/طلقا، عند الولادة، وطلق وجه الرجل طلاقة، وقد طلق يده بخير، وأطلقها. ويروى هذا البيت: أطلق يديك تنفعاك يا رجل ورجل طلق الوجه، وطليق الوجه، ويوم طلق وليلة طلقة، إذا لم يكن فيها قر ولا شيء يؤذي؛ فإن معنى هذا كله من السهولة والانحلال والاسترسال في كل شيء تطلقه، من جبس أو من يدك، أو تحله من وثاق، فيتصرف كيف شاء، أو تحلله بعد تحريمه، أو تبيحه بعد المنع، فتقول: أطلقته لك، فهو طلق وطليق، ومنه سمي الأسير إذا أطلق: طليقا، ولكن قد فرق بين الأمثلة والمصادر منه، لما قد دخل في كل واحد منها من المعاني المختلفة، على ما نحن مبينوه، فقيل في المرأة المطلقة: طلقت بفتح اللام، وطلقت، وهي تطلق، بالضم فيهما طلاقا، وهي طالق، إذا كان طلاقها قد وقع، وطالقة فيما تستقبل، كما قال الأعشى: أيا جارتي بيني فإنك طالقه كذاك أمور الناس غاد وطارقة

стр. 195

وقد طلقها زوجها، بالتشديد، فهو يطلقها تطليقا، كما قال الله : (وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ) وقال : (والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ). وأجود اللغتين في فعلها: طلقت بالفتح؛ لأن الفاعل فيه لم يستعمل على طليق، ولا المصدر على فعالة ولا فعولة، وإنما قيل لها هذا؛ لأنها كانت كالأسيرة والمأمورة في يد الزوج، فخرجت عن ذلك وصار أمرها بيدها؛ ولهذا قيل للناقة إذا أرسلت من عقال أو نحوه لترعى كيف شاءت: ناقة طالق وطالقة، وقد طلقت تطلق، وطلقها صاحبها من وثاقها، وأطلقها، ونحو ذلك كذلك، فإذا كان الرجل كثير التطليق للنساء، قيل له: مطلاق ومطليق./ وكذلك المرأة إذا كانت تنفس، قيل لها: طلقت تطلق طلقا على مثال ما لم يسم فاعله؛ لأن ذلك الفعل ليس من كسبها، وإنما هو وجع نزل بها، إلا أنه من الانحلال والاسترسال لها، مما بها من الحمل. ومصدره مفتوح الأول، ساكن الثاني، للفرق بينه وبين غيره؛ ولأنه مصدر فعل قد تعدى إليها مثل قولك: ضربت ضربا، وامرأة مطلوقة أي بها طلق، ولم نسمع فعل فاعلها. وكذلك قوله: طلق وجه الرجل، بفتح الأول وضم الثاني طلاقة، على بناء صبح يصبح صباحة، وملح يملح ملاحة، كأنه قد انحل عنه العبوس وحسن وهو بخير، مخففا مفتوح الثاني. وأطلقها، وقد جاء في هذا بلغتين: فعل وأفعل، بمعنى واحد، ثم استشهد على ذلك بقول الشاعر: أطلق يديك تنفعاك يا رجل على لغة من قال: طلق يده؛ فكسر الألف من قوله: أطلق. ولو فتحها على اللغة الأخرى، لكان أجود، ولم يكن يتغير وزن الشعر، ولعل هذه الرواية التي رواها مما غلطت فيه الرواة؛ لأن أطلق، بالفتح، هو المعروف المشهور والقياس المطرد، ولم يجيء طلقته متعديا خفيفا إلا في قولهم: طلقت المرأة عند الولادة خاصة مع المفعول دون الفاعل، فإن صحت هذه اللغة في اليد، فهي بمعنى: طلقت المرأة وهي مطلوقة طلقا؛ لأن تخليص اليد من البخل والإمساك، كتخليص المرأة من الحمل، وكان في مستقبله الكسر والضم جائزين.

стр. 196

وإنما قياس هذا أن يقال: أطلق يده بخير فطلقت، فيكون فعل فعلا لليد، غير متعد فأما الذي حكاه فشاذ رديء. وقوله رجل طلق الوجه، بسكون/ اللام، وطليق الوجه، صفتان له بمعنى فعله، يوصف بهما الوجه والرجل جميعا، ورجل طلق اليدين أيضا، وطلق الرداء، إذا كان سمحا سهلا، كما قال ربيعة بن مكدم: نفرت قلوصي من حجارة حرة بنيت على طلق اليدين وهوب وقال الآخر: طلق الرداء إذا ابتسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال يعني بالرداء: الخلق: ويقال: الطليق في اللسان أيضا الفصيح. وإنه لطليق ذليق، وطليق ذليق على فعل، بكسر العين، وطلق ذلق، بسكون اللام أيضا؛ لأنه من السلاسة والسرعة في المنطق، الذي لا حبسة فيه ولا ثقل. ومثله قولهم: تطلق وجهه، وتطلقت نفسي لكذا وكذا؛ أي انشرحت، واستمرت. وتطلق الظبي، إذا خلى عن قوائمه وأسرع المشي، وتطلقت يد الرجل أو رجله أو لسانه، إذا تحللت من عقلة أو حبسة كانت بها، أو خدر؛ ومنه قيل: انطلق الرجل في حاجته، إذا أسرع، ولم يحبسه عنها شيء، وتطلق من مرضه، إذا خف عنه، وأمكنته الحركة، وكذلك يوم طلق وليلة طلقة، بسكون اللام، على وزن: نحس ونحسة؛ لأنه ضده، وهو الذي لا شر فيه ولا أذى، من برد أو حر ولا مكروه، بل هو ساكن طيب. وأما قوله: وتقول قد قر يومنا يقر، ويوم قار، وقر، وليلة قارة وقرة، والقر والقرة: البرد، فإن هذا كله من البرد، وهو القر وقد كنا فسرنا بعض ذلك في قوله: قرت عينه، وقوله: قر يقر اليوم على مثال فعل يفعل، بكسر عين الماضي وفتح المستقبل، إلا أنه مدغم للتضعيف. ويوم قار اسم/ الفاعل منه، ولكنه مدغم. ويوم قر وليلة قرة أيضا: اسم مأخوذ من المصدر للمؤنث والمذكر. وقال امرؤ القيس:

стр. 197

إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر وقال عبد بني الحسحاس: وهبت شمالا آخر الليل قرة ولا ثوب إلا درعها وردائيا فالقرة في هذا البيت وصفت بمعنى: قارة. فأما القرة، بالكسر، فاسم البرد، وليس بوصف. وتقول: قر فلان، بضم القاف، فهو مقرور، إذا أصابه البرد، كما يقال: حر فلان، إذا أصابه الحر فهو محرور، ويقال: طعام قار وهو البارد. وفي أمثالهم: "ول حارها، من تولى قارها". وأما قوله: وتقول: حر يومنا يحر حرا، ومن الحرية: حر المملوك يحر؛ فإن الأول من الحرارة والسخونة، فجاء على مثال فعله، بفتح الماضي وكسر المستقبل. والمصدر، على فعل، ويقال فيه أيضا: حرارة، كما يقال: سخن يسخن سخونة. ويستعار في حرقة القلب والكبد والحلق والجراحة وكل شيء فيقال: وقعت بهم الحرة، ووجد حرارة السيف والموت ونحو ذلك. وأما الثاني في الحرية، وهو ضد العبودية، فجاء لذلك على مثال: فعل يفعل، بكسر الماضي وفتح المستقبل ومصدره على فعلية، منسوبة إلى الحر، تقول: حررته فتحرر وجر جميعا، والمحرر: العبد المعتق. ومنه قول الله : (إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) وقوله [تعالى]: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). وقد يقال في مصدر الحر: الحرار والحرارة أيضا، / وقد مضى شرح ذلك.

стр. 198

وأما قوله: رجل ذليل، بين الذل والذلة والمذلة، ودابة ذلول، بينة الذل فإن الأصل منهما معنى واحد، ولكن فرق بين أمثلة مصادرهما واسمائهما؛ للفرق بين الذليل من الناس، والذلول من الدواب؛ فالذل: الهوان، بالضم، ومصدره: الذلة، بالكسر، والمذلة، والذل، بضم الأول، ولكل واحد منهما وجه؛ فأما الضم فمثل الضعف والجهد والفقر. وأما الذلة، بالكسر فمثل: الجلسة والمشية. وأما المذلة فمثل: المذمة والمحبة. وأما الذلول؛ فالمروض السهل الملين من كل شيء، ومصدره: الذل، بالكسر، فرق بينه وبين مصدره الأول، كما فرق بين الأسماء بفعيل وفعول، والفعل منهما على مثال واحد: ذلك يذل، بفتح الماضي، وكسر المستقبل. وإذا نقل فعلهما إلى غيرهما قيل في الذليل: أذللته إذلالاً، بالألف فذل، وفي الذلول: ذللته تذليلا فتذلل، بالتشديد. ومنه قول الله : (وذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً) وأنشد الليث بن المظهر عن أبي الثروان في مصدر الذلول: على جلال مثل ركن التل أغلب يعطي رأسه، للذل وأما قوله: رجل نشوان من الشراب، بين النشوة، ورجل نشيان للخبر، بين النشوة، إذا كان يتخير الأخبار. وأصله الواو بزعمه؛ فإن النشوة، بفتح النون: السكرة من الشراب وغيره؛ يقال: نشي ينشى، مثل: سكر يسكر كما يقال: رضي يرضى، وانتشى ينتشي، فهو نشوان، والمرأة: نشوى، والجميع: نشاوى. وقال يزيد: ألا يا صاح للعجب دعوتك ثم لم تجب إلى اللذات والنشوا ت والقينات واللعب/

стр. 199

فالنشوة بالفتح مثل السكرة، وهي المرة الواحدة، والنشوة، بالكسر، الهيئة والنوع منه، مثل الركبة والجلسة والمشية. وأما قوله نشيان للخبر؛ فإنما هو من قولهم: النشا، مقصور، من تنسم الرائحة الطيبة، يقال: نشى وهو ينشى الرائحة، إذا تنسمها، وأنشد "الخليل" في ذلك: وينشى نشى المسك في فارة وريح الخزامى على الأجرع وكذلك هو في الخبر، يقال: هو ينشي الأخبار، كما يقال: يتنسم الأخبار والروائح فأصله الياء، وليس من الواو، كما زعم ثعلب، ولو كان من الواو لكان شاذا رديئا، لا يجب اختياره في فصيح الكلام؛ لأن الواو إذا قلبت ياء لغير علة فقد شذت عن الكلام. والفصيح على مذهب ثعلب أن يقال: نشوان للأخبار. والمصدر من هذا: النشية بالياء أيضا على فعلة، فإن قاله بالواو فهو شاذ، لأنه تحويل للواو ياء بلا علة توجب ذلك، ولا بد له من الفساد في أحد الوجهين، إما في النشيان وإما في النشوة. وأما قوله: قريت الضيف أقريه قرى، وكذلك قريت الماء في الحوض، وقروت الأرض والشيء قروا، إذا تتبعته، فإن قريت الضيف والماء أصلهما واحد وفعلهما على مثال واحد، وهما بمعنى جمعت وصنت، إلا أنه فرق بينهما، بتعدية القرى إلى مفعولين بغير حرف جر، كقول الراعي: طرقا فتلك هماهمي أقريهما قلصا لواقح كالقسي وحولا وجعل مصدره القرى على وزن فعل، بكسر الأول، وفتح الثاني. وأما الآخر فعدي إلى مفعول واحد هو الماء، وإلى الآخر بحرف جر، وجعل مصدره على فعل، بسكون الثاني وفتح الأول: قريا، ومنه قيل: قرت الحياة سمها؛ أي جمعته، كما قال الشاعر:

стр. 200

قَرَى السَّمَّ حتى انماز فروةُ رأسه من الرُّقْش صِلٌّ فاتك اللسع ماردُهْ ومنه سمي حوض البئر: المقراة، وجمعها: المقاري، والمقري: الجفنة التي يقرى فيها الضيوف، والجمع: المقاري أيضا. وأما قروت بالواو فليس من هذين، وهو بمعنى تتبعت أثر الشيء وطلبته. ويقال: فلان يقرو الكمأة؛ أي يطلبها، ويتتبع منابتها، ويتقرها أيضا، ويقرو آثار الأشياء. ومنه قيل: استقريت الحجة، إذا تطلبتها بالقياس، ومنه قيل للظهر: القرى، مقصور، لطوله باتصال فقاره، بعضها في أثر بعض، ويقال منه: أتان قرواء، أي طويلة الظهر. والفاعل من قروت: قار. ومفعوله: مقرو، ومن الأول: مقري. وأما قوله: قد شفه المرض وغيره، يشفه، بضم المستقبل شفا، وشف الثوب يشف شفوفا، فإن قوله: شفه المرض والسفر والبرد والحر والوجد والهم، بمعنى نهكه وبلغ مجهوده. وقال الشاعر: فأرسلت إلى سلمى بأن النفس مشفوفة فما جادت لنا سلمى بزنجير ولا فوفة والشَّف: النقصان، والشِّف: الستر الرقيق، ويقال: بقي منه شفافة وهي: البقية القليلة، وهو مثل: نقص المرض ينفصه نقصا. وأما شف الثوب يشف، بكسر الثاني من المستقبل شفوفا، فمعناه تبيين ما وراءه لسخافته ورقته وضيائه، ولذلك قيل للبلورة/ وما أشبهها: هو يشف وللغضار الصيني: هو يشف، والزجاجة تشف، وليس فيها متخلخل ولا رقيق، ولكن لصفائها، وهو أيضا من الأول، ولكن فرق بين حركتي المستقبل منهما وبين مصدريهما، وبأن عدي أحدهما، ولم يعد الآخر، والفعول مصدر ما لا يتعدى،

стр. 201

على ما قدمنا تفسيره، ومن هذا قيل: استشف الثوب إذا نشره في الضوء وفتشه؛ ليطلب خرقا أو عيبا، إن كان فيه. وأما قوله: زبده يزبده زبدا، إذا أعطاه، وزبده يزبده، إذا أطعمه الزبد، فإن أراد بالأول العطية، يقال: زبدت فلانا زبدا، بمعنى منحته منحا، والعامة تسمي العطية: الزبد، بفتح الباء، وهو من كلام الصيارفة وليس بخطأ. ومنه الحديث المروي: "أن رجلا من المشركين أهدى إلى رسول الله ﷺ هدية، فردها وقال: إنا لا نقبل زبد المشركين". هكذا يروى بسكون الباء على المصدر، ولو جعله اسما لجاز فتحه. والماضي منهما جميعا بفتح العين، والمستقبل من الأول مكسور العين، ومن الثاني مضمومها، كأن ذلك استعمل على هذا للفرق بين الهدية والعطية، وبين إطعام الزبد، وأصلهما واحد؛ لأنهما جميعا هبة ومنحة وبر وصلة، والكسر والضم فيهما جميعا جائزان، على ما تقدم من شرحنا. والمصدر منهما على الأصل بسكون العين. وأما قوله: نسب الرجل ينسبه نسبة، ونسب الشاعر بالمرأة بنسب بها نسيبا فإن الأصل فيهما واحد، ولكن خولف بين المستقبلين منهما، بضم العين من النسب وبكسرها من النسيب للفرق، وكل واحد منهما جائز فيه ما قد استعمل في الآخر على ما قدمنا شرحه في أول الكتاب،/ وفرق بين مصدريهما أيضا، فاستعمل في الأول المصدر على مثال الفعلة، بكسر الأول مثل الجلسة والركبة، وما كان على هيئة واستعمل في الثاني على مثال فعيل، مثل النئيم والنهيم والنشيد، والمصدر الأصلي في الأول إنما هو على: فعل: بفتح الأول وسكون الثاني، لأنه فعل يتعدى مثل ضربه ضربا، وفي الثاني على فعول؛ لأنه غير متعد، بمنزلة الدخول والخروج والمرور، وأما تفسيرهما جميعا فمن الوصف؛ لأن من نسب رجلا فقد وصف بأبيه وببلده وبنحو ذلك، ومن نسب امرأة فقد وصفها بالجمال والصبا والمودة ونحو ذلك، والفاعل منهما: ناسب، والمفعول: منسوب، ومنسوب بها. ومن النسبة قولهم: رجل نسابة، مثل علامة.

стр. 202

وأما قوله: شب الصبي يشب شبابا وشبيبة، وشب الفرس يشب شبابا وشبيبا، وشب الرجل الحرب والنار شبوبا وشبا، فإن معنى جميع ذلك يرجع إلى أصل واحد، وهو ارتفاع الشيء ونموه، ولكن فرق بين تصاريف أفعاله للتفرقة بين الفاعلين منها وبين المفعولين أيضا فقيل في السبي: شب يشب بكسر العين من المستقبل؛ لأنه بمعنى نمى ينمى. وجعل مصدره: الشباب، مثل النماء، على فعال كالذهاب والمضاء؛ لأنه يذهب طولا، إذا نمى وارتفع تقول العرب: ذهب طولا، وذهب عرضا؛ إذا جسم وعظم، كما قال الشاعر: إذا أكلت سمكا وفرضا ذهبت طولا وذهبت عرضا وقد يستعمل الشباب أيضا جميعا للشاب، كأنهم وصفوه بالمصدر مثل قولهم: عدل ورضي، وقوم عدى. وأما الشبيبة فاسم يستعمل في موضع المصدر بمعنى الحداثة والطراءة،/ على وزن فعيلة مثل: الغريزة والنحيزة والطبيعة وأما شب الفرس يشب فمعناه أنه يقوم على رجليه، ويدفع يديه فرحا، أو صعوبة، وقيل في مصدره: شبابا، بكسر الأول؛ لأنه عيب فيه فأخرج مصدره على مثال العيوب في الدواب كالحران والجماح. وقد قيل أيضا: شبيبا على فعيل مثل النبيب من التيس، والهبيب وأشباه ذلك. فأما شب الحرب والنار يشب، فضم العين من مستقبلهما للفرق بين الحرب والنار، وبين ما تقدم، وإن كان الكسر والضم جائزين في الجميع على ما فسرنا, ولو قيل في مصدر هذا: شبا بفتح الأول وسكون الثاني على الأصل في الفعل المتعدي، مثل: قدحت قدحا لكان جيدا، وربما قيل فيه: شبوبا، على فعول، لأنه في معنى الوُقود، فخرج على مثاله، والشبوب في النار هو: التذكية والإضاءة؛ ولذلك قال امرؤ القيس: سموت إليها والنجوم كأنها قناديل رهبان تشب لقفال

стр. 203

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: شبت الحرب فأعددت لها مشرف الحارك محبوك الثبج وأما قوله: شاة ساح، وقد سحت تسح سحوحة، وسح المطر إذا صب، يسح؛ فالأصل في كل ذلك واحد، لأن المعنى فيهما الانصباب والكثيرة، من الشحم والماء وغيرهما. وإنما قيل: شاة ساح، لأنها شديدة السمن، كأنها يسيل دسمها، وقيل في فعلها: سحت، وهو على فعل، بكسر العين من الماضي، بوزن: سمن، ولكن حذفت الكسرة، لتدغم العين في اللام، ومستقبله: يسح، بفتح العين على القياس، وهو فعل لا يتعدى، وهذا المثال من/أبنيته؛ ولذلك جاء مصدره على فعولة، فقيل: سحوحة، كما شرحنا في باب الفعولة؛ لأنها نظيرة للفعالة، وزعم "الخليل" أنه لا يقال ساحة بالهاء في ذلك؛ لأنها إنما تمدح بالحال التي هي عليها من السمن؛ لا أنها سوف يكون فيها. وأما سح المطر، فهو في الأصل مفتوح العين من الماضي، ومكسورها من المستقبل، وقد يضم أيضا على ما شرحنا من قياس نظائره، وهو فعل متعد، يقال: سح السحاب المطر، أي صبه، وسح المطر الأودية، أي أسالها، وليس معنى انصب، وقد قال امرؤ القيس في بيان ذلك: فأضحى يسح الماء من كل [فيقة] يكب على الأذقان دوح الكنهبل

стр. 204

ومنه قيل: سح الفرس إذا عرق، أي سال عرقه من الجري، وقيل له: مسح، كما قال امرؤ القيس: مسح إذا ما السابحان على الونى أثرن الغبار بالكديد المركل ولذلك جاء مصدره على: السح، مثل الصب. وجاء من هذا فعل وفعلته على لفظ واحد متعديا وغير متعد، مثل جبر هو وجبرته أنا، كأنهما لغتان، والقياس أن يقال: أسحه الله فسح. وأما قوله: وتقول أعرضت عن الرجل والشيء إعراضا، وأعرض لك الشيء، إذا بدا، وأعرض الكتاب والجند عرضا، وعرض الرجل عرضا. وتقول: ما يعرضك لهذا الأمر. والعرض خلاف الطول، والعرض: الوادي، والعرض: ريح الرجل الطيبة والخبيثة. يقال: هو نقي العرض؛ أي بريء من أن يشتم/ ويعاب. والعرض طمع الدنيا وما يعرض منها. وعرض الشيء: ناحيته. والعود معروض على الإناء وكذلك السيف معروض على فخذه، فإن معاني ذلك كله متقاربة، تعود إلى أصل واحد، وإن اختلفت الأمثلة، لاختلاف الفاعلين والمفعولين منها؛ وذلك أن الأصل من الجميع إنما هو من العرض الذي هو خلاف الطول، وهو مشهور معروف في كل ثوب وحائط وأرض وخشبة وذهب وفضة، وجوهر وماء وسماء وإنسان، وبهيمة، ولكل جسم وشخص عرض وطول، وأكثر الأشياء عرضه اقل من طوله، وقد يكون منها ما يتساوى فيه العرض والطول، وهو مثل المستدير، والمربع المتساوي الجوانب، ومنها ما يزيد عرضه على طوله. فأما قوله: تقول أعرضت عن الرجل والشيء إعراضا فإنما معناه حولت عرضي عنه، فلما بنى أفعل من العرض اجتمع بناء الفعل مع حروف العرض، فاستغنى بهما عن ذكر العرض معهما، فوضع في موضعه وجهه وقلبه ونحو ذلك تبيينا للشيء الذي كني عنه، وعدي الفعل بعن؛ لأنه في معنى حول عنه وأضرب عنه، وقد يستغنى معه عن ذكر الوجه والقلب ونحوهما اختصارا، وأمانا من اللبس، ومنه قول الله : (وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) وقوله [تعالى]: (أَعْرَضَ ونَأَى بِجَانِبِهِ)

стр. 205

وأما قوله: أعرض لك الشيء إذا بدا فمعناه أبدى لك عرضه؛ أي عرض بدنه وشخصه، فكنى عن ذلك بالعرض وحده، وبنى على مثال أفعل، إلا أنه عدي باللام؛ لأنه مقبل إليك، وباد لك، والأول منصرف عنك؛ ليفرق بين الفعلين، باختلاف تعديتهما/ بحرفي الجر. ومنه قول التغلبي: وأعرضت اليمامة واشمخرت كأسياف بأيدي مصلتينا وأنشد "الخليل": أعرضت فلاح لها عارضان كالبرد وأما قوله: عرض الكتاب والجند عرضا، فإنهما بمعنى نشر الكتاب وتلاه وقرأه، وعد الجند ومر بهم عليه، فأبرز له من عرضهما ما كان محجوبا، فكنى عن ذلك بقوله عرض؛ لأنه جمع حروف العرض، وبناء الفعل. وعرض الشيء بعد شخصه، فأقيم مقامه، كما يقال ظفرت يداه، وقرت عيناه، فيخص بعضه بذلك، وإنما الظفر والقرة لجميع البدن والنفس، وبنى هذا على فعل يفعل فعلا، وعدى بنفسه للفرق بينه وبين الأولين، ومنه قولهم: عرضت المتاع والرقيق وكل سلعة على البيع، وعلى المبتاع إنما هو إبداء الشيء لطالبه. وأما قوله: عرض الرجل عرضا، فهو من باب الانتقال من حال إلى حال، كأنه أراد معنى ما كان عريضا، ولقد عرض، أي صار عريضا، فهذا المعنى لا يكون بضم الثاني من الماضي والمستقبل، ولا يكون اسم فاعله إلا على فعيل، كما قدمنا شرحه. ومصدره: العرض، بكسر الأول وفتح الثاني؛ ليخالف ما تقدم؛ ولأنه في معنى غلظ يغلظ غلظا. ومصادر هذا النحو تجيء على ضروب مختلفة منها: فعل كالسمن والغلظ، ومنها فعل كالسرع، ونحو ذلك؛ لأنها أمثلة تجيء بمعنى الانفعال ومعنى المبالغة.

стр. 206

وأما قوله: ما يعرضك لهذا الأمر فمعناه ما ينصب عرضك له، أي عرضك/ وشخصك، وما جعلك عرضة له، كما قال الله : (ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ) فبنى من العرض الفعل، واستغنى عن ذكر ذلك، وأقيم صاحب العرض مقام مفعوله، وعدي إلى مفعول آخر باللام. وأما قوله: والعرض الوادي، فإنما معناه العريض؛ لأن الفعل، بكسر الفاء وسكون العين، بناء يجيء بمعنى الفعيل كثيرا، كقولهم: خليل وخل، وحبيب وحب، وقرين وقرن، فهو راجع إلى معنى العرض الذي هو ضد الطول. وأما قوله: والعرض ريح الرجل الطيبة والخبيثة، وأنه يقال هو نقي العرض، أي بريء من أن يشتم أو يعاب فإن أهل اللغة مختلفون في هذه الكلمة، فزعم "الخليل" أن عرض الرجل حسبه يقال: لا تعرض عرض فلان، أي لا تذكره بسوء. وقال الأصمعي: عرض الإنسان: ما يمدح منه ويذم. وقال أبو عبيدة: عرضه: حسبه. والأصل عندنا في هذا كله: جسد الإنسان، الذي فيه عرضه وطوله، ولكنه اشتق له من عرضه اسم على فعل، بكسر أوله للجسد، ثم كني به عن الحسب في المدح والذم، فسمي عرضا، ويدل على ذلك ما روي عن النبي ﷺ ؛ أن أهل الجنة "لا يبولون ولا يتغوطون، ولكن يخرج من أعراضهم عرق مثل ريح المسك" فالأعراض؛ هي الأبدان، وواحدها عرض، والعرق لا يخرج من الحسب ولا من الريح الطيبة والخبيثة، ولكن يخرج من الأبدان، ولذلك قيل فلان يشتم أعراض الناس، ويقع في أعراضهم. ومنه قول النبي ﷺ : "إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" أي أجسادكم./ وقد يستعار للحسب والدين والعقل يضا؛ لأنها كلها من الأبدان، كما قال الله : (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) يريد القلب والنية، وقال امرؤ القيس:

стр. 207

ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم بيض المسافر غران فمعنى قولهم يشتم أعراض الناس، ويشتم الناس جميعا واحد. وقولهم: يقع في أعراض الناس ويقع فيهم واحد في المعنى. وإذا قيل هو طيب العرض، وخبيث العرض فإنما يعنون به البدن الطاهر من الخبثة البين الرشدة لا رائحة البدن، وإن أراد مريد ذلك أيضا فإنما كنى بالعرض الذي هو البدن عن رائحة البدن، واختصر فحذف. ومن هذا قول حسان بن ثابت: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء ومعناه أبي وجدي وأنا وقاء للنبي ﷺ ، من أشعار الكفار الذين هجوا النبي ﷺ ، فأجابهم حسان وهاجاهم، ليقبلوا بالهجاء عليه وعلى أبويه؛ فيقي رسول الله بهم، والبيت الذي قبله يدل على ما قلناه ويوضحه، وهو: هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فقوله عرضي معناه يريد أقي ببدني بدنه، وبحسبي حسبه، يعني أبويه. وزعم قوم من أهل اللغة المتأخرين أن العرض في هذا البيت النفس، وأن "حسان" إنما أراد: فإن أبي ووالده ونفسي، فإن كان عنى بنفسي أي أنا، فهو له مجاز ووجه وإن عنى النفس التي بها حياة البدن، فليس ذلك بشيء؛ فإن العرب لا تسمي النفس/ والروح بالعرض، ولا يوجد ذلك في شعر لهم، ولا سجع، ولا خطبة، ولا كلام، بل يسمون البدن بالنفس أيضاً، ولو كان ذلك على ما ظنوا لجاز أن يقال: فلان يشتم نفس فلان، كما يقال: يشتم عرضه، ولكان معنى قول النبي ﷺ : عرق يخرج من أعراضهم؛ معناه من نفوسهم، والعرق لا يخرج من النفس ولا من الروح، وإنما يخرج من البدن، والعرب تقول: تلقت نفسه، ولا يقولون تلف عرضه، ويقولون: بنفسي أنت، ولا يقولون بعرضي أنت. وأما قوله: والعرض طمع الدنيا وما يعرض منها فخطأ؛ لأن العرض ليس بالطمع

стр. 208

وإنما هو الشيء المطموع فيه من عرض الدنيا الذي يعرض للناس من مال وولد وأهل وزينة وغير ذلك، كما قال الله : (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ) وليس للدنيا طمع، وإنما الطمع للناس في الدنيا، وكل ما عرض للناس فاسمه: عرض، بفتح الراء؛ للفرق بينه وبين ما تقدم، فأما فعله فمثل الأول على بناء ضرب يضرب، وإنما سمي عرضا؛ لأنه يجيء ويذهب ولا يدوم، كما يسمى العرض في الجسد مثل اللون والصحة والمرض، والغم والفرح، والحركة والسكون؛ لأنها تعرض في البدن مرة وتزول أخرى. واستعير هذا الاسم كالكناية من العرض الذي هو خلاف الطول؛ لأن ذلك عرض في العريض يأتي ويذهب؛ ولذلك قال الشاعر: ما المال إلا عرض زائل يأخذ منه البر والفاجر وأما قوله: والعرض من ناحية الشيء، فهو اسم على بناء فعل، بضم الأول وسكون العين للفرق بينه وبين سائر ما تقدم، ومعناه معنى السقع، وهو الناحية من الشيء ومن/كل بلد، وهو مأخوذ أيضا من العرض الذي هو ضد الطول؛ لأن ذلك أيضا ناحية من الشيء العريض، والسقع منه. وأما قوله: والعود معروض على الإناء، وكذلك السيف معروض على فخذه، فإنه أيضا من العرض الذي يضاد الطول؛ لأن العود إنما يوضع على رأس الإناء عرضا، أي بالعرض والإضجاع، ولا ينصب نصبا مع الإناء قائما منتصبا مع طول الإناء. وفي حديث النبي ﷺ : أنه أتي بإناء فيه لبن وهو مكشوف، فقال: "هلا خمرته ولو بعود تعرضه عليه" يجوز ذلك بضم الراء وكسرها في المستقبل. وفي حديث آخر: "أنه كان يستاك عرضا". أي يجيل السواك في عرض فيه على أسنانه، ولا يسوكها طولا. وكذلك السيف إنما يضجعه الرجل على فخذيه، من يمينه إلى شماله، فهو على عرض الرجل الذي يضاد الطول، ولو وضعه على فخذه طولا، لما كان معروضا على فخذه.

стр. 209

وأما قوله: لحم الرجل لحامة، وشحم شحامة، إذا كان ضخما، والرجل شحيم لحيم، وقد شحم يشحم، ولحم يلحم إذا كان قرما إلى اللحم والشحم، وهو شحم لحم، وقد شحم أصحابه يشحمهم، ولحمهم يلحمهم إذا أطعمهم ذاك، وهو شاحم لاحم، وقد أشحم وألحم إذا كثر عنده ذاك، وهو مشحم ملحم، فإن هذا كله أفعال مشتقة من اللحم والشحم، وهما معروفان، فإذا كثر لحم الشيء وشحمه قيل له: قد شحم ولحم، بضم الثاني من الماضي والمستقبل؛ يشحم ويلحم، على مثال ظرف يظرف، وكرم يكرم. وكان مصدره: اللحامة والشحامة، بفتح الأول على فعالة، مثل الكرامة والظرافة. وكان اسم فاعله على فعيل؛ شحيم لحيم، مثل كريم وظريف، وقد بينا تصريف/ هذا الفصل والمثال ومعناه؛ وأنه للمبالغة، وأن قياسه هكذا. فأما قوله إذا كان ضخما فهو خطأ؛ لأن الشيء قد يكون ضخما ولا يكون له شحم ولا لحم؛ ألا ترى أن الخشبة قد تكون ضخمة والحجر قد يكون ضخما والبعير قد يكون ضخما، وهو مع ذلك مهزول، وكذلك الفيل، وإنما كان يجب أن يقول إذا كان كثير اللحم والشحم. وأما قوله في القرم: شحم، بكسر الثاني أيضا من الماضي، ويشحم بفتحه من المستقبل، وفي الاسم: شحم بكسر الثاني أيضا، فهو القياس الذي بيناه في أول الكتاب، من باب فعل يفعل فعلا، ويجب أن يكون مصدره هذا على فعل، بفتح العين، شحما ولحما، فلم يذكر المصدر، وإنما وضع الباب على المصادر، لا على الفعل، وإنما بني هذا الفعل على هذا البناء؛ لأنه في معنى قرم يقرم قرما، إذا اشتهى اللحم، وشره إليه يشره شرها وطمع فيه يطمع طمعا؛ لأنه في المعنى مثل قرم وشره، وهو فعل لازم بمعنى الانفعال؛ لأنه بلاء نزل به، ليس من كسبه، فإذا اشتهى اللحم فهو لحم وإذا اشتهى الشحم فهو شحم، وإذا اشتهاهما جميعا فهو شحم لحم. وقد كان فيما مضى من تفسير باب فعل يفعل لو جاء بالعلل فيه ما يغني عن ذكر جميع ما يجيء من هذا الباب. وأما قوله في إطعام الشحم واللحم: شحمهم ولحمهم ويشحمهم ويلحمهم بالفتح في المستقبل والماضي جميعا، فإنما ذلك لما قدمنا شرحه من وقوع الحرف الحلقي فيه، ولولا ذلك لم يكن المستقبل إلا مضموم الثاني أو مكسوره، نحو قولك من التمر: تمرته أتمرته، ومن اللبن: لبنته ألبنه، بالكسر، وإن شئت ضممت. والمصدر من هذا الباب على: فعل،

стр. 210

بسكون / العين؛ لأنه فعل متعد؛ شحما ولحما وتمرا ولبنا. والمفعول: ملحوم ومشحوم ومتمور وملبون، شاحم ولاحم وتامر ولابن كما قال الحطيئة للزبرقان: أغررتني وزعمت أنـ ـك لابن بالصيف تامر وأما قوله في كثرة اللحم والشحم عنده: قد أشحم وألحم فمعناه صار ذا لحم وشحم كثير، كما يقال قد أيسر الرجل، وقد أكثر، وقد أترب، إذا صار له مال كثير. وفاعل هذا: ملحم ومشحم كما ذكر، ومصدره: الإلحام والإشحام، ولم يذكرها، وإنما الباب موضوع للمصادر. وأما قوله: أحددت السكين إحدادا، وسكين حديد وحداد، وأحددت النظر إليك إحدادا، وحددت حدود الدار حدا، وحدت المرأة على زوجها تحِد وتحُد حدادا، إذا تركت الزينة، وهي حاد. ويقال أيضا: أحدت، وهي محد، وقد حدت على الرجل أحد حدة وحدا؛ فإن أصل ذلك كله من شيء واحد؛ وهو الحد، وهو: طرف كل شيء وحرفه. فقوله: أحددت السكين أحدادا، معناه جعلت لها حرفا وطرفا، وهو ما يرقق منهان وبني الفعل على أفعل؛ لأنه منقول من السكين إلى غيرها، وقد يقال: حددتها، بالتشديد تحديدا، إذا أكثرت وبالغت. والإحداد هو مصدر أحددت والتحديد مصدر المشدد. والفاعل بها: محد ومحدد. وأما قوله: سكين حديد وحداد، فإنما هو وصف للسكين على فعيل وفعال للمبالغة مثل طويل وطوال، وعجيب وعجاب، وكريم وكرام، وهما جميعا للمبالغة، وهما صفتان من فعل السكين، لا من أحدها، ولم يذكر ذلك، وهو قولك: حدت السكين على فعلت،/ بضم الثاني، إلا أنه أسكن وأدغم ومستقبله أيضا بضم الحاء على تفعل، إلا أن الأصل سكونها، وضم الدال الأولى، ولكن الادغام لحق الدال لاجتماع الدالين، فنقلت حركتها إلى الحاء. ومصدر هذا الفعل: الحدادة؛ ولذلك جاء الاسم منه على: فعيل فقيل:

стр. 211

حديد، وفعال؛ لأن فعالا نظير فعيل. ومن قال: سكين حادة، كان الفعل منه: حدت السكين تحد، بفتح الماضي وكسر المستقبل ومصدره: الحدة. وإنما سمي طرف السكين وحرفها الرقيق حدا؛ لأنه يحد عنها اللمس، أي يمنع؛ ولهذا قيل للبواب: حداد؛ لأنه يمنع. ومنه قول الأعشى: فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها ولمثل هذا المعنى قيل: أحددت النظر إحدادا؛ لأنه نظر شديد له حدة كحدة السكين فيه غضب. وقد يقال في هذا أيضا: حددت النظر بالتشديد، إذا أردت المبالغة. وقوله: حددت حدود الدار حدا راجع إلى هذا المعنى بعينه؛ لأن حد الدار منتهاها وطرفها المانع غيرها من الدخول فيها، والفاصل لها مما سواها. وبني فعله على فتح الثاني من ماضيه وضمه من مستقبله؛ لأن المعنى فيه مثل معنى ذرعت وشبرت وبحثت وعرفت وما أشبه ذلك، والضمة والكسرة مطردتان في مستقبله، وإن كان المستعمل الضم وحده؛ للفرق بينه وبين غيره. والفاعل: حاد والدار محدودة. وقوله: حدت المرأة على زوجها تحِد وتحُد حدادا، فهي حاد، فإن المعنى فيه أنها منعت الزينة ونحو ذلك نفسها،/ والطيب بدنها، ومنعت بذلك الخطاب خطبتها، والطمع فيها، كما منع حد السكين وحد الدار ما منعا. وجعل مصدر فعلها على فعال فرقا بينه وبين فعل غيرها، ولأن فعالا مثال لما كان من اثنين كالعناد والقتال، كأنها قد مانعت الخطاب والزينة والطيب وحادتهم، فهي تحداهم محادة وحدادا، كما قال الله (إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ) وإن كان قد استعمل في مستقبله الكسر والضم على غير فعل الاثنين، بل على القياس في فعل الواحد والكسر فيه أكثر للفرق بينه وبين غيره. وأما قوله: ويقال أحدت بالألف فهي محد، فلا يجوز أن يجيء بمعن حدت،

стр. 212

ولكنه بمعنى دخلت في الحداد، إلا أن يكونا من لغتين مختلفتين. وقد بينا ذلك في كتاب "فعل وأفعل" وفي مواضع من هذا الكتاب. وقوله: حددت على الرجل أحد حدة وحدا ايضا، وقولهم: أحد الرجل، افتعل من حد، إذا غضب، واحتدت السكين وغيرها أيضا، بمعنى الانفعال ففي كل شيء، مثل حد السكين المانع من نفسه، لأن الحدة: الغضبة والسلاطة، فهما مشبهان بالسلاح المانع. وقد بينا في مواضع أن الفعلة، بكسر الفاء: الهيئة من الفعل والنوع كالجلسة والركبة والحدة، والحد، مفتوح: مصدر عام في الأفعال المختلفة على ما كنا شرحنا، ولم يستعمل المستقبل من هذا إلا بالكسر؛ للفرق بينه وبين ما تقدم، والضم فيه غير ممتنع. فأما قوله: أحال الرجل في المكان، إذا أقام حولا، وأحال المنزل: أتى عليه حول، إحالة، وحال بيني وبين الشيء حولا، وحال الحول، وحال عن العهد حئولا، وحالت الناقة والنخلة، إذا لم تحمل: حيالا، وأحلت فلانا على فلان بالدين إحالة، وحال في ظهر دابته إذا ركبها حئولا، فإن ذلك كله مرجعه إلى معنى واحد وهو: زوال الشيء من مكان إلى مكان، وتحوله من حال إلى حال، ونحو ذلك، ولكن شارك هذا المعنى من كل واحد منها معنى آخر، فاختلفت لذلك، وخولف بين تصاريف أفعالها ومصادرها؛ للفرق بين ما زاد فيها من المعاني المختلفة، فمن ذلك أن قوله: أحال الرجل في المكان، إذا أقام حولا إنما معناه أقام عنه حول، وصار في حول آخر، وسمي الحول نفسه حولا لمضي السنة ومجيء أخرى؛ فلكل واحدة منهما حول، لأنها تحول لا محالة، وتأتي أخرى، وكذلك قوله: أخال المنزل إذا أتى عليه حول؛ لأنه قد مضى له حول وأتى عليه آخر. وجمع الحول: أحوال. والرجل المقيم حولا: محيل، والمنزل كذلك محيل وهذا الفعل غير متعد، ولكنه بمعنى دخل في الشيء وصار فيه، فلذلك جاء بالألف على أفعل، كما يقال ايسر وأترب، ونحو ذلك. ومصدر ذلك: الإحالة في الوجهين وأصله الإحوال [فاعتلت الواو بالقلب]، كما اعتلت في: أحال، وفي: يحيل ومحيل؛ فاجتمع ساكنان، فحذف الزائد منهما، وعوض علامة التأنيث التي تجيء للمرة الواحدة من الألف المحذوفة، فقيل: الإحالة. وقد جاء في كلام العرب: محول على الأصل غير معتل، قال الشاعر:

стр. 213

ماذا وقوفي على رسم عفا مخلولق محول مستعجم وقال لبيد في الحول: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر يريد: ثم السلام عليكما، وإنما أزاد في البيت اسما، مع الاضطرار إليه، من أجل أنه يرثي ميتين بهذا الكلام. والعرب إذا حيت موتاها قالت: عليك السلام؛ فقدمت عليك وأخرت السلام، وإذا حيت أحياءها قدمت السلام وأخرت عليك، فقالت: السلام عليك، فلما احتاج إلى تأخير ما حقه التقديم أدخل الاسم لئلا يكون كتحية الأحياء، ومعنى قوله: السلام عليكم، واسم السلام عليك واحد؛ لأن اسم السلام إنما يراد به السلام، ولولا المسمى ما احتيج إلى اسمه. وقوم من أهل اللغة يزعمون أن الاسم يزاد في الكلام لغير معنى، وكذلك غير الاسم، وهذا القول مردود معيب. وقال امرؤ القيس في جمع الحول: وله ينعمن من كان أقرب عهده ثلاثون شهرا أو ثلاثة أحوال وقوله: حال بيني وبين الشيء حئولا معناه أيضا أزالني عنه وأزاله عني بدخوله بيننا وتفريقه، وهو أيضا غير متعد؛ لأن البين ليس مفعولا، وإنما هو ظرف، والظروف يتعدى إليها جميع الأفعال، فكأن معناه زال في هذا المكان، فبذلك فرق بينهما وجاء مصدره على: فعل للفرق. ولا يمتنع من الفعول؛ لأنه غير متعد، كما جاز الحئول في حال الحول، وحال الرجل عن العهد، أي زال عنه. وجاء بناء الفعل منهما على بناء زال يزول؛ لأنهما في معناه. وأما قوله: حالت الناقة والنخلة حيالا فإنه يتصرف على بناء ما قبله أيضا، ومعناه كمعناه؛ لأنها زالت عن الحمل حولا، أي في حولها، وتحولت عن حالها، ولكن مصدره

стр. 214

جاء/ على فعال؛ للفرق بين هذا وبين ما تقدم فحولت الواو منه ياء من أجل انكسار الحاء قبلها، فقيل: حيالا، كما يقال: قام يقوم قياما، وصام يصوم صياما، ومع ذلك إن الفعل بناء عيوب الدواب كالعضاض والشماس والحران والجماح، وكذلك الحيال من عيوب الناقة والنخلة. ومنه قول الأعشى: ولقد شبت الحروب فما غـ ـمرت فيها إذ قلصت عن حيال يعني أن الحرب حالت، كما أحالت الناقة، ثم وقعت بعد الحيال، كما تحمل الناقة والنخلة بعد الحيال، فيكون أشد لها وأقوى، ويقال: ناقة حائل، إذا لم تحمل، وحولل أيضا، ونخلة حائل، وجمعها: الحول. وقوله: أحلت فلانا على فلان بالدين إحالة أيضا، بمنزلة الأول في التصريف والمعنى؛ لأنه أزال عن نفسه الدين إلى غيره وحوله تحويلا، فهو محيل، والمفعول: محال، والذي حول عليه الدين: محال عليه، فنقل هذا الفعل بالألف، كما نقل بالتشديد فيقال: حول تحويلا؛ ولهذا قيل للكلام المزال عن الاستقامة والصحة: محال، وقد أحاله يحيله إحالة. وكذلك قوله: حال في ظهر دابته، إذا ركبها، حئولا أيضا، معناه: زال من مكانه وتحول إلى ظهر دابته. وقد مضى شرح تصريف فعله. وأما قوله: أوهمت الشيء إذا تركته كله، أوهم، ووهمت في الحساب وغيره إذا غلطت فيه، أوهم. ووهمت إلى الشيء، إذا ذهب قلبك إليه، وأنت تريد غيره، أهم وهماً؛ فإنه ذكر ثلاثة أوجه في هذه اللفظة، ولم يذكر إإلا مصدر الثالث منها، وكان حقه ألا يخل بذكر المصادر منها جميعا؛ لأن الباب مترجم بالمصادر لا بالأفعال،/ فقوله: أوهمت الشيء، إذا تركته كله مصدره أو يقال: إيهاما؛ لأن فعله على أفعلت، وهذا الفعل يتعدى إلى مفعول واحد ومعناه أسقطت الشيء من وهمي أي نسيته وليس معناه تركته كما زعم. وإنما يكون هذا تركا إذا كان الترك عن نسيان وإضاعة ونحو ذلك، فهو سقوطه من الوهم. ولو تركه عامدا لم يكن موهما ولا مسقطا له عن وهمه، بل كان مثبتا له في وهمه تاركا له على عمد، وهذا بين لمن عقل. وقد تأتي هذه اللفظة بعينها متعدية إلى اثنين، وذلك قوله: أوهمت زيدا أمراً، وأوهمتك كذا وكذا، أي ألقيته في وهمه، فهذا ضد ذلك؛

стр. 215

لأن هذا إثبات شيء في الوهم، وذلك إسقاطه من الوهم، ولذلك عدي إلى اثنين؛ ليفرق بينهما؛ لأن تصريف الفعلين والمصدر منهما على مثال واحد، وطريقة واحدة. وأما قوله: وهمت في الحساب وغيره، فمعناه ذهب عني وضل عن وهمي. وإنما بني فعله على كسر الماضي وفتح المستقبل، فقيل: وهم يوهم؛ لأنه بمعنى غلطت أغلط، وخطئت أخطأ، ونسيت أنسى، ومصدر هذا الوهم، بفتح الهاء على مثال الغلط والخطأ ومثال ضده وهو الفهم. وأما قوله: وهمت إلى الشيء إذا ذهب قلبك إليه فهو ضد الذي قبله؛ لأن معناه: وقع الشيء في وهمي، وماضيه بالفتح ومستقبله بالكسر، وحذف الواو مثل وزنت أزن ووعدت أعد، وقد مضى شرح ذلك. ومصدره: الوهم، بسكون الهاء مثل الوزن والوعد. ولو قيل فيه: الهمة، خفيفة، مثل الزنة والعدة لكان صوابا، وإن لم يسمع ذلك. وأما قوله: أحذيت الرجل من العطية، وهي الحذيا، وحذوت النعل بالنعل حذوا، وحذوته جلست بحذائه. وحذى/ النبيذ اللسان يحذى حذيا؛ فإن هذا الكلام من اصلين مختلفين؛ أحدهما من ذوات الواو، والآخر من ذوات الياء، فأما ذوات الواو فمعناه: تعبت أثر الشيء، وقابلته بمثل فعله، ونحو ذلك. وأصل ذلك من حذو النعل بالنعل، وهو أن يقدر نعل على أخرى، فتقطع على مثالها، وليس يحذي شيء من النعال إلى على مثال. والماضي من هذا مفتوح، ومستقبله مضموم، من أجل الواو. وتقول: يحذو، ولا يجوز فيه الكسر، لئلا تنقلب الواو إلى الياء. وفاعله: الحاذي والحذاء، على فعال. ومثل من أمثال العرب: "من يكن الحذاء أباه تجد نعلاه". والنعل محذوه. والمصدر: الحذو، بفتح الأول وسكون الثاني. وقال الأعشى: هؤلا ثم هؤلى كلا أعطيـ ـت نعالا محذوة بمثال وقال الآخر في المصدر، وهو عمر بن أبي ربيعة: فلما تلاقينا عرفت الذي بها كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
следующие страницы →