Полный текст (518 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حديد، وفعال؛ لأن فعالا نظير فعيل. ومن قال: سكين حادة، كان الفعل منه: حدت السكين تحد، بفتح الماضي وكسر المستقبل ومصدره: الحدة. وإنما سمي طرف السكين وحرفها الرقيق حدا؛ لأنه يحد عنها اللمس، أي يمنع؛ ولهذا قيل للبواب: حداد؛ لأنه يمنع. ومنه قول الأعشى:
فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها
ولمثل هذا المعنى قيل: أحددت النظر إحدادا؛ لأنه نظر شديد له حدة كحدة السكين فيه غضب. وقد يقال في هذا أيضا: حددت النظر بالتشديد، إذا أردت المبالغة. وقوله: حددت حدود الدار حدا راجع إلى هذا المعنى بعينه؛ لأن حد الدار منتهاها وطرفها المانع غيرها من الدخول فيها، والفاصل لها مما سواها. وبني فعله على فتح الثاني من ماضيه وضمه من مستقبله؛ لأن المعنى فيه مثل معنى ذرعت وشبرت وبحثت وعرفت وما أشبه ذلك، والضمة والكسرة مطردتان في مستقبله، وإن كان المستعمل الضم وحده؛ للفرق بينه وبين غيره. والفاعل: حاد والدار محدودة.
وقوله: حدت المرأة على زوجها تحِد وتحُد حدادا، فهي حاد، فإن المعنى فيه أنها منعت الزينة ونحو ذلك نفسها،/ والطيب بدنها، ومنعت بذلك الخطاب خطبتها، والطمع فيها، كما منع حد السكين وحد الدار ما منعا. وجعل مصدر فعلها على فعال فرقا بينه وبين فعل غيرها، ولأن فعالا مثال لما كان من اثنين كالعناد والقتال، كأنها قد مانعت الخطاب والزينة والطيب وحادتهم، فهي تحداهم محادة وحدادا، كما قال الله (إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ) وإن كان قد استعمل في مستقبله الكسر والضم على غير فعل الاثنين، بل على القياس في فعل الواحد والكسر فيه أكثر للفرق بينه وبين غيره.
وأما قوله: ويقال أحدت بالألف فهي محد، فلا يجوز أن يجيء بمعن حدت،
стр. 212
ولكنه بمعنى دخلت في الحداد، إلا أن يكونا من لغتين مختلفتين. وقد بينا ذلك في كتاب "فعل وأفعل" وفي مواضع من هذا الكتاب.
وقوله: حددت على الرجل أحد حدة وحدا ايضا، وقولهم: أحد الرجل، افتعل من حد، إذا غضب، واحتدت السكين وغيرها أيضا، بمعنى الانفعال ففي كل شيء، مثل حد السكين المانع من نفسه، لأن الحدة: الغضبة والسلاطة، فهما مشبهان بالسلاح المانع. وقد بينا في مواضع أن الفعلة، بكسر الفاء: الهيئة من الفعل والنوع كالجلسة والركبة والحدة، والحد، مفتوح: مصدر عام في الأفعال المختلفة على ما كنا شرحنا، ولم يستعمل المستقبل من هذا إلا بالكسر؛ للفرق بينه وبين ما تقدم، والضم فيه غير ممتنع.
فأما قوله: أحال الرجل في المكان، إذا أقام حولا، وأحال المنزل: أتى عليه حول، إحالة، وحال بيني وبين الشيء حولا، وحال الحول، وحال عن العهد حئولا، وحالت الناقة والنخلة، إذا لم تحمل: حيالا، وأحلت فلانا على فلان بالدين إحالة، وحال في ظهر دابته إذا ركبها حئولا، فإن ذلك كله مرجعه إلى معنى واحد وهو: زوال الشيء من مكان إلى مكان، وتحوله من حال إلى حال، ونحو ذلك، ولكن شارك هذا المعنى من كل واحد منها معنى آخر، فاختلفت لذلك، وخولف بين تصاريف أفعالها ومصادرها؛ للفرق بين ما زاد فيها من المعاني المختلفة، فمن ذلك أن قوله: أحال الرجل في المكان، إذا أقام حولا إنما معناه أقام عنه حول، وصار في حول آخر، وسمي الحول نفسه حولا لمضي السنة ومجيء أخرى؛ فلكل واحدة منهما حول، لأنها تحول لا محالة، وتأتي أخرى، وكذلك قوله: أخال المنزل إذا أتى عليه حول؛ لأنه قد مضى له حول وأتى عليه آخر. وجمع الحول: أحوال. والرجل المقيم حولا: محيل، والمنزل كذلك محيل وهذا الفعل غير متعد، ولكنه بمعنى دخل في الشيء وصار فيه، فلذلك جاء بالألف على أفعل، كما يقال ايسر وأترب، ونحو ذلك. ومصدر ذلك: الإحالة في الوجهين وأصله الإحوال [فاعتلت الواو بالقلب]، كما اعتلت في: أحال، وفي: يحيل ومحيل؛ فاجتمع ساكنان، فحذف الزائد منهما، وعوض علامة التأنيث التي تجيء للمرة الواحدة من الألف المحذوفة، فقيل: الإحالة. وقد جاء في كلام العرب: محول على الأصل غير معتل، قال الشاعر:
стр. 213
ماذا وقوفي على رسم عفا مخلولق محول مستعجم
وقال لبيد في الحول:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
يريد: ثم السلام عليكما، وإنما أزاد في البيت اسما، مع الاضطرار إليه، من أجل أنه يرثي ميتين بهذا الكلام. والعرب إذا حيت موتاها قالت: عليك السلام؛ فقدمت عليك وأخرت السلام، وإذا حيت أحياءها قدمت السلام وأخرت عليك، فقالت: السلام عليك، فلما احتاج إلى تأخير ما حقه التقديم أدخل الاسم لئلا يكون كتحية الأحياء، ومعنى قوله: السلام عليكم، واسم السلام عليك واحد؛ لأن اسم السلام إنما يراد به السلام، ولولا المسمى ما احتيج إلى اسمه. وقوم من أهل اللغة يزعمون أن الاسم يزاد في الكلام لغير معنى، وكذلك غير الاسم، وهذا القول مردود معيب. وقال امرؤ القيس في جمع الحول:
وله ينعمن من كان أقرب عهده ثلاثون شهرا أو ثلاثة أحوال
وقوله: حال بيني وبين الشيء حئولا معناه أيضا أزالني عنه وأزاله عني بدخوله بيننا وتفريقه، وهو أيضا غير متعد؛ لأن البين ليس مفعولا، وإنما هو ظرف، والظروف يتعدى إليها جميع الأفعال، فكأن معناه زال في هذا المكان، فبذلك فرق بينهما وجاء مصدره على: فعل للفرق. ولا يمتنع من الفعول؛ لأنه غير متعد، كما جاز الحئول في حال الحول، وحال الرجل عن العهد، أي زال عنه. وجاء بناء الفعل منهما على بناء زال يزول؛ لأنهما في معناه.
وأما قوله: حالت الناقة والنخلة حيالا فإنه يتصرف على بناء ما قبله أيضا، ومعناه كمعناه؛ لأنها زالت عن الحمل حولا، أي في حولها، وتحولت عن حالها، ولكن مصدره
стр. 214
جاء/ على فعال؛ للفرق بين هذا وبين ما تقدم فحولت الواو منه ياء من أجل انكسار الحاء قبلها، فقيل: حيالا، كما يقال: قام يقوم قياما، وصام يصوم صياما، ومع ذلك إن الفعل بناء عيوب الدواب كالعضاض والشماس والحران والجماح، وكذلك الحيال من عيوب الناقة والنخلة. ومنه قول الأعشى:
ولقد شبت الحروب فما غـ ـمرت فيها إذ قلصت عن حيال
يعني أن الحرب حالت، كما أحالت الناقة، ثم وقعت بعد الحيال، كما تحمل الناقة والنخلة بعد الحيال، فيكون أشد لها وأقوى، ويقال: ناقة حائل، إذا لم تحمل، وحولل أيضا، ونخلة حائل، وجمعها: الحول.
وقوله: أحلت فلانا على فلان بالدين إحالة أيضا، بمنزلة الأول في التصريف والمعنى؛ لأنه أزال عن نفسه الدين إلى غيره وحوله تحويلا، فهو محيل، والمفعول: محال، والذي حول عليه الدين: محال عليه، فنقل هذا الفعل بالألف، كما نقل بالتشديد فيقال: حول تحويلا؛ ولهذا قيل للكلام المزال عن الاستقامة والصحة: محال، وقد أحاله يحيله إحالة. وكذلك قوله: حال في ظهر دابته، إذا ركبها، حئولا أيضا، معناه: زال من مكانه وتحول إلى ظهر دابته. وقد مضى شرح تصريف فعله.
وأما قوله: أوهمت الشيء إذا تركته كله، أوهم، ووهمت في الحساب وغيره إذا غلطت فيه، أوهم. ووهمت إلى الشيء، إذا ذهب قلبك إليه، وأنت تريد غيره، أهم وهماً؛ فإنه ذكر ثلاثة أوجه في هذه اللفظة، ولم يذكر إإلا مصدر الثالث منها، وكان حقه ألا يخل بذكر المصادر منها جميعا؛ لأن الباب مترجم بالمصادر لا بالأفعال،/ فقوله: أوهمت الشيء، إذا تركته كله مصدره أو يقال: إيهاما؛ لأن فعله على أفعلت، وهذا الفعل يتعدى إلى مفعول واحد ومعناه أسقطت الشيء من وهمي أي نسيته وليس معناه تركته كما زعم. وإنما يكون هذا تركا إذا كان الترك عن نسيان وإضاعة ونحو ذلك، فهو سقوطه من الوهم. ولو تركه عامدا لم يكن موهما ولا مسقطا له عن وهمه، بل كان مثبتا له في وهمه تاركا له على عمد، وهذا بين لمن عقل. وقد تأتي هذه اللفظة بعينها متعدية إلى اثنين، وذلك قوله: أوهمت زيدا أمراً، وأوهمتك كذا وكذا، أي ألقيته في وهمه، فهذا ضد ذلك؛
стр. 215
لأن هذا إثبات شيء في الوهم، وذلك إسقاطه من الوهم، ولذلك عدي إلى اثنين؛ ليفرق بينهما؛ لأن تصريف الفعلين والمصدر منهما على مثال واحد، وطريقة واحدة.
وأما قوله: وهمت في الحساب وغيره، فمعناه ذهب عني وضل عن وهمي. وإنما بني فعله على كسر الماضي وفتح المستقبل، فقيل: وهم يوهم؛ لأنه بمعنى غلطت أغلط، وخطئت أخطأ، ونسيت أنسى، ومصدر هذا الوهم، بفتح الهاء على مثال الغلط والخطأ ومثال ضده وهو الفهم.
وأما قوله: وهمت إلى الشيء إذا ذهب قلبك إليه فهو ضد الذي قبله؛ لأن معناه: وقع الشيء في وهمي، وماضيه بالفتح ومستقبله بالكسر، وحذف الواو مثل وزنت أزن ووعدت أعد، وقد مضى شرح ذلك. ومصدره: الوهم، بسكون الهاء مثل الوزن والوعد. ولو قيل فيه: الهمة، خفيفة، مثل الزنة والعدة لكان صوابا، وإن لم يسمع ذلك.
وأما قوله: أحذيت الرجل من العطية، وهي الحذيا، وحذوت النعل بالنعل حذوا، وحذوته جلست بحذائه. وحذى/ النبيذ اللسان يحذى حذيا؛ فإن هذا الكلام من اصلين مختلفين؛ أحدهما من ذوات الواو، والآخر من ذوات الياء، فأما ذوات الواو فمعناه: تعبت أثر الشيء، وقابلته بمثل فعله، ونحو ذلك. وأصل ذلك من حذو النعل بالنعل، وهو أن يقدر نعل على أخرى، فتقطع على مثالها، وليس يحذي شيء من النعال إلى على مثال. والماضي من هذا مفتوح، ومستقبله مضموم، من أجل الواو. وتقول: يحذو، ولا يجوز فيه الكسر، لئلا تنقلب الواو إلى الياء. وفاعله: الحاذي والحذاء، على فعال. ومثل من أمثال العرب: "من يكن الحذاء أباه تجد نعلاه". والنعل محذوه. والمصدر: الحذو، بفتح الأول وسكون الثاني. وقال الأعشى:
هؤلا ثم هؤلى كلا أعطيـ ـت نعالا محذوة بمثال
وقال الآخر في المصدر، وهو عمر بن أبي ربيعة:
فلما تلاقينا عرفت الذي بها كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
стр. 216
وقد يقال لغير النعل: حذوت، إذا كان شبيها بمعناها، كقولهم: فلان يحذو حذو فلان، اي يقتدي بهديه وشكله وفعله، ويتشبه به. ويقال أيضا: هو يحتذي طريقة فلان، على يفتعل.
فأما قوله: أحذيت فلانا من العطية، وهي الحذيا، فإنما جاء بالألف، لنقل الفعل أو تعديته إلى مفعولين؛ أحدهما الرجل والآخر العطية؛ لأنه في معنى أعطيته مالا، وكذلك أحذيته ثوبا ومالا ونحو ذلك. وقد يجوز أن يقتصر على مفعول واحد، للاختصار. وإنما تحولت الواو في أحذيت إلى الياء؛ لأنها وقعت رابعة، وكل واو صارت رابعة تبدل منها الياء استثقالا للواو فيما طال وكثرت حروفه./ وأما الحذيا فاسم للعطية، وليست بمصدر، وإن كانت قد توضع موضع المصدر، والواو فيها قد أبدلت منها الياء، لضم أولها، وللفرق بينها وبين الصفات، وللحوق ألف التأنيث في آخرها؛ لئلا يجتمع فيها ضروب من الثقل واللبس، وأصلها: حذوى، ولو كان أولها مفتوحا، لأقرت الواو مكانها، كما تقر في مثل شكوى وبلوى. ومصدر أحذيت: الإحذاء، ممدود على إفعال. وفاعله: محذ، بكسر الذال، ومفعوله: محذى بفتحها، على قياس الإعطاء والمعطي والمعطى، وإنما قيل أحذيته بمعنى أعطيته؛ لأن المعطى يحذو بالعطية حذو المعطي، ومعناه جعلت له الحذو.
وقوله: حذوته، أي جلست بحذائه أيضا كذلك؛ لأنك إذا جلست بحذائه فقد حذوت جلوسك على جلوسه، وقابلت فعلك بفعله، كما تحذو النعل على المثال. ويقال في هذا الوجه: حاذيته محاذاة وحذاء ممدودا على فاعلت؛ لأنه فعل من اثنين، فأما الحذاء، فاسم للمكان الذي يقعد فيه المحاذي، وهو ظرف مثل الإزاء والشمال ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون أخذ ذلك من نفس المصدر، وهو الحذاء.
وأما ذات الياء فقوله: حذى الشراب لساني يحذيه، ومعناه قرص وقبض وأمض ونحو ذلك، وهو على فعل يفعل، بفتح الماضي وكسر المستقبل ولا يجوز فيه الضم، لئلا تنقلب الواو ياء، على مثال برى يبري، وفي معناه. وقد يقال: حذى السيف يحذي حذيا، أي قطع. وبعضهم يجيز: حذا يحذو الشراب، بالواو ايضا.
стр. 217
وأما قوله للرجل؛ إيهٍ، حدثنا، إذا استزدته، /وإيهاً، كف عنها، إذا أمرته أن يقطعه، وويها، إذا زجرته عن الشيء وأغريته به، وواهاً له، إذا تعجبت منه؛ فليس شيء من هذه الكلمات بمصدر، ولا هو داخل في باب المصادر، ولكنها أسماء للأمر والنهي ونحوهما، يستغنى بها عن الأفعال، وتجري مجرى حروف المعاني، لا حظ لها في شيء من الإعراب؛ لأنها غير متمكنة في الاسمية، وهي بمنزلة صه ومه وليست لها أفعال، تتصرف منها، ولكنها حكايات لأصوات وزجر.
فأما إيهٍ، بكسر الهمزة والهاء، فموضوعة للاستزادة والاستدعاء، وأصلها ألا تنون؛ لأنها غير متمكنة، وأنها لاستزادة المعرفة كالأعلام من الأسماء المبينة، مثل: دراك ونزال وهي مبنية على الكسر، لئلا يجتمع في آخرها ساكنان، ومنه قول ذي الرمة:
وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم وما بال تكليم الديار البلاقع
كأنه قال: وقفنا على الديار، فقلنا: أخبرينا عن أم سالم. فصار قوله أيه اسما لأخبرينا بمنزلة الإخبار، كأنه قال لها: الإخبار عن أم سالم. ومن العرب من نونها، فيقول: إيه، وذلك إذا لم يقصد بالإخبار شيئا معروفا، ولكن إذا أراد استزادة من الاستزدادات وخبرا من الأخبار؛ لأن التنوين من علامات التنكير؛ لأن النكرات أمكن من المعارف، وأنشدنا أبو العباس المبرد:
إيه فداء لك يا فضاله أجره الرمح ولا تهاله
وأما إيه، بفتح الهاء فموضوعة لضد معنى المكسورة، ومعناها الزجر عن/ الشيء والنهي عن الزيادة فيه؛ ولذلك فتحت؛ ليفرق بين الأمر والنهي، وسبيلها في التنوين سبيل المكسورة، وأنشد "الخليل" في تنوين هذه لحاتم:
стр. 218
إيهاً فدى لكم أمي وما ولدت حاموا على مجدكم، واكفوا الذي اتكلا
وقد يبدلون من الهمزة الهاء في أولها جميعا، فيقولون: هِيهِ وهِيهَ، استثقالا للهمزة، كما يقال: هياك وإياك، ونحو ذلك.
وأما وَيهَ بالواو فمفتوحة الأول؛ لأن الكسرة تستثقل في الواو، وهي موضوعة للإغراء والتحريض على الشيء، والهاء مبنية على الفتح لا غير، إلا أنها تستعمل منونة وغير منونة، على ما بينا فيما قبلها، من المعرفة والنكرة، وقال الشاعر:
ويهاً يزيد وويهاً أنت يا زُفر
وقد ينشد في ذلك قول الأول:
ويهاً فداء لك يا فضاله أجره الرمح ولا تهاله
ولا تكون "ويه" زجرا، كما قال. وإنما هي حض لا غير.
وأما قوله: واها فإنما يقال بالواو كما ذكر، ويقال بهمزة: آها وواها. وقد يبنى على الكسر فيقال آه، وتكون منونة لا غير، وهي موضوعة لحكاية التلذذ للشيء واستطابته والتلهف عليه عند فوته، وليست للتوجع على ما ذكر. قال أبو النجم:
واهاً لريا ثم واها واها
وأنشد الخليل:
آه من تياي آها تركت قلبي متاها
وليست هذه من أسماء الأمر والنهي في شيء، ولكنها حكاية صوت المتلهف والمتفجع والحكايات كلها كحروف المعانب مبنية غير معربة.
стр. 219
وأما قوله: ثلثت الرجلين أثلثهما إذا صرتم ثلاثة، وكذلك إلى العشرة، إلا أنك تفتح: أربعهم وأسبعهم وأتسعهم؛ فقد كنا ذكرنا في أول الكتاب أن كل فعل ماضيه مفتوح الثاني من الثلاثي، فإن مستقبله يكون بالكسر أو الضم، وهذا داخل في ذلك فإنما قيل: أثلثهم وأخمسهم وأسدسهم وأثمنهم وأعشرهم لذلك بالكسر، ولو قيل بالضم، لكان جيدا غير خطأ. وأما الفتح في قوله: أربتهم وأسبتهم وأتسعم فمن أجل أن الحرف الثالث منها من حروف الحلق، على ما كنا فسرنا. ولو تكلم في هذا أيضا بالكسر أو الضم لم يكن خطأ؛ لأن الفتح عارض فيه، والأصل غير الفتح.
وأما قوله: وإذا أخذت منهم العشر قلت: أعشرهم، بالضم كذلك إلى الثلث، إلا أنك تفتح أيضا أربعهم وأسبعهم وأتسعهم، فهو أيضا على قياس ما قبله، وعلى ما قدمنا شرحه، إلا أن الثاني من ماضيه مفتوح، والضم والكسر في مستقبله مطردان جائزان، وإن كانوا قد لزموا الضم في هذه اللغة؛ فرقا بينه وبين ما قبله؛ لأن هذا في معنى أخذ العشر، ونحوه منهم. والأول في تصيير الاثنين ثلاثة، ونحو ذلك، فلولا ما اختير فيهما من الفرق، لكان الكسر والضم فيهما جميعا صوابا. وما فتح مستقبله من هذا ايضا بمنزلة ما فتح في الذي قبله، من أجل أن لام الفعل منه منحروف الحلق، وهو عارض فيه، كما قلنا. واسم الفاعل/ من الفعلين على بناء فاعل. واسم المفعول منهما على مفعول، كقولك: عاشر ومعشور، وثالث ومثلوث، وإذا أضفت اسم الفاعل منهذا إلى مفعوله فقلت: هذا ثالث ثلاثة، فإنما يعنى به؛ هذا أحد ثلاثة، وإن عنيت أنك صيرت اثنين ثلاثة، فاسم الفاعل إنما يضاف إلى اثنين لا إلى ثلاثة فيقال: ثالث اثنين، أو يقال ثاني اثنين، كما قال الله : (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغَارِ) وكما قال [تعالى]: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ). والمصدر فيهما جميعا: على فعل كقولك: الثلث والعشر والربع ونحو ذلك.
وقوله: وقد أثلثوهم، إذا صاروا ثلاثة، وكذلك إلى العشرة. وقد أمأيت الدراهم، وآلفتها، وأمأت هي وآلفت؛ فإن أفعلت بالألف فعل غير منقول في باب أثلثوا وأعشروا. وأمأت وآلفت، وأمأوا وآلفوا، على معنى دخلوا في الشيء، كما يقال: أحصد الزرع، أي دعا إلى حصاده، وأرطب البسر، إذا ظهر نضجه، ونحو ذلك، والألف فيه كأنه للمبالغة؛ لأن معناه كمعنى فعل الشيء، بضم ثاني الماضي، إذا كان للمبالغة، مثل: كثر ونحوه.
стр. 220
وإذا أمأيت أنا الدراهم وآلفتها، ففعل متعد منك إلى الدراهم مخالف للأول؛ لأن الأول غير متعد، وإن اشتركا في مثال أفعل؛ لأن الهمزة دخلت في الأول لمعنى، وفي هذا لمعنى آخر، وهو نقله من فاعل إلى غيره، وهذه الأفعال مشتقة من أسماء العدد، ووضعت للاختصار، فصار ثلثت الرجل بدلا من قولك: صيرت رجلين بي أو معي ثلاثة رجال، وبدلا من قولك: أخذت من مال القوم الثلث ونحوه، فصار ما اشتق من العدد على بناء الأفعال، مغنيا عنها، ومثل هذا كثير/ في الكلام، منقاس مطرد، وليس هذا الفصل أيضا من باب المصادر في شيء، ولا كان لإدخاله فيها معنى ولا وجه. بل كان يجب أن يكون له باب على حدته؛ إذ لم يذكر معه مصادره التي ذكرناها.
وأما قوله: والطول الفضل، وقد طال عليهم يطول، والطول خلاف العرض ولا أكلمك طوال الدهر، ويروى هذا البيت:- وإن طالت بك الطول- والطيل، والطول الحبل، ورجل طويل وطوال، وقوم طوال؛ فإن الطول، بفتح الطاء مصدر قولك: طال عليهم، فهو يطول طولا، إذا أفضل عليهم، وتطول أيضا تطولا، وهو كما قال. والفاعل منه: طائل. والمفعول: مطول عليه. ومن هذا قيل للشيء الخسيس الدون: إنه غير طائل. وأما الطول، بضم الطاء فاسم بمنزلة الحسن والقبح، يوضع موضع المصدر من فعله، وليس بمصدر؛ لأن مصدره غير مستعمل، وفعله: طال يطول أيضا، على الأول، إلا أن أصل بنائه على فعل يفعل، بضم العين من الماضي والمستقبل، مثل قولك: قصر يقصر؛ لأنه ضده، ومثل: عظم يعظم. وقد يجيء منه متعد، كقولهم: طاولني فطلته، وقال الهذلي في غزال:
تحت بقرنيها برير أراكة وتعطو بظلفيها إذا الغصن طالها
وهو مما لا يتعدى، وهو بمعنى الانفعال، وفيه معنى المبالغة، ولكن اعتلت الواو في طال، فتحولت ألفا؛ لانفتاح ما قبلها، واعتلت في بطول، فسكنت، لانضمام ما قبلها،
стр. 221
ولذلك كان اسم الفاعل منه على فعيل، وهو: طويل، مثل القصير، ومثل عريض من قولك: عرض يعرض، وهو خلاف العرض.
وأما قوله: لا أكلمك طوال الدهر، فإن الطوال/ بفتح الطاء على مثال فعال هو: مدى الدهر، يال: لا أتيك طوال الدهر، أي أبد الدهر، ومدى الدهر ودوام الدهر، وهو مما لا يثنى ولا يجمع، وهو أبدا منصور على تأويل الظروف، وليس بمصدر، ولا وهو من هذا الباب. وأما ما ذكر من أنه يروى في بيت القطامى:
وإن بليت وإن طالت بك الطيل
والطول، فإن الطول ههنا: العصور والدهور ولذلك أنثها بقوله: وإن طالت. وأصل الطول: الحبل، سمي بذلك لطوله وامتداده، وأصله من الواو، وفيه يقول طرفع:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى لكالطول المرخى وثنياه باليد
هو رسن الدابة الطويل. ويستعار في غير الحبل أيضا، إذا كان طويلا، فيقال للرجل: لقد طال طوالك، أي تماديك في الأمر، وتراخيك عنه، وقد طال عليه اطول، أي العمر والدهر. ومن العرب من يبدل الياء من الواو فيقول: الطيل، من أجل الكسرة التي قبل الواو، طلبا للتخفيف، وكثرة الاستعمال، لهذه الكلمة، وهو مثل قراءة من قرأ: (دِينًا قِيَمًا) بكسر القاف، وفتح الياء، على قياس قياما. وكما قالوا في الطوال جمع الطويل: طيال، وأنشدنا محمد بن يزيد:
تبين لي أن القماءة ذلة وأن أشداء الرجال طيالها
وأما قوله: رجل طويل وطوال، بضم الطاء، فإن الطوال، بضم الطاء صفة الطويل الأهوج الطول المضطربه. وأما الطوال، بكسر الطاء، فجمع للطويل وللطوال كليهما؛ لأنهما بوزن واحد في عدد الحركات والسكون، وإن اختلف المثالان./
стр. 222
وأما قوله: تقول شرعت لكم شريعة في الدين، وأشرعت بابا إلى الطريق إشراعا، وشرعت الرمح قبله، وشرعت الدواب في الماء تشرع شروعا، وأنتم في هذا الأمر شرع: سواء وشرعك من رجل زيد، أي حسبك، وشاعر شرعك أي حسبك؛ فإن قوله: شرعت لكم شريعة في الدين معناه: نصبت لكم وأوضحت وأظهرت؛ وهو من الطريق الشارع، وهو البارز الظاهر، ومنه مشارع الماء جمع المشرعة، وهو فعل يتعدى، قال الله : (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا)، ويقال معنى شرع لكم من الدين: أي مثل لكم، وماضي هذا الفعل ومستقبله مفتوحان من أجل حروف الحلق. وفاعله: شارع، ومفعوله: مشروع، ومصدره: الشرع، بسكون الراء، على فعل. فأما الشريعة فاسم لما يوضع من الدين، وليس بمصدر، وكان يجب أن يذكر هذا.
وأما قوله: أشرعت بابا إلى الطريق، على أفعلت بالألف، فمعناه: أخرجت بابا وأبرزت بابا اشرعه إشراعا، وشرع الباب نفسه فهو شارع، وهو فعل منقول، وكذلك قوله: أشرعت الرمح قبله، إذا أملئه إليه، ويجوز نحوه وقد شرع الرمح نفسه فهو شارع، وقد جاء في لغة أخرى: شرعت الرمح نحوه والسيف، بغير ألف، وانشد الخليل:
أناخوا من رماح الحظ لما رأونا قد شرعناها نهالا
وقال آخر:
غداة تعاورته ثم بيض شرعن إليه في الرهج المكن
وكذلك أشرعت الدواب في الماء إشراعا، بالألف؛ لأنه فعل منقول، وقد شرعت/ الدواب أنفسها، إذا تناولت الماء بأفواهها من المشرعة فهي شارعة وشروع، كما قال الشماخ:
يسد به نوائب تعتريه من الأيام، كالنهل الشروع
стр. 223
ومصدر هذا الفعل خاصة: الشروع أيضا على فعول؛ لأنه فعل لا يتعدى ومستقبله مفتوح كماضيه، لأن حرف الحلق آخره.
وأما قوله: أنتم في هذا الأمر شرع واحد، بفتحتين؛ فإن معناه: أنتم فيه سواء، وكأنه جمع شارع، مثل خادم وخدم، أي كلهم يشرع فيه شروعا أي يقول فيه.
وأما قوله: شرعك من رجل زيد؛ فمعناه: حسبك من رجل زيد، يقال: مررت برجل شرعك من رجل، أي كفاك، أي يشرع لك في الأمور كما ينبغي، وهو مثل حسبك وهدك، وليس شرع بنعت، ولكنه اسم قد وصف به، أو مصدر أقيم مقام النعت.
فهذا آخر تفسير هذا الباب.
* * *
стр. 224
تصحيح الباب الثالث عشر
وهو المترجم بباب ما جاء وصفا من المصادر
اعلموا أن الصفات إنما هي الأسماء المشتقة للموصوف من أفعال فعلها هو، أو فعلت به، أو من أسماء ما فيه، من حلية أو نسب أو عيب، أو ما ضارع ذلك في المعنى كقولك: ضارب ومضروب. وتاجر وخشاب ونجار، وأعرج وأعور وأحمر وأبيض، وبصري وكوفي وتميمي وبكري، وشديد وظريف. فأما خصم ودنف وصعب وخدل/ ونحو ذلك مما وضع موضع الصفات، فهي الأسماء والمصادر كقولهم: رجل عدل، يريدون: عادل، ورجل رضي، يريدون: مرضي: فإنما فعل ذلك لما كان أصل الصفة من المصدر. وكان تأويل الفاعل والمفعول وسائر الصفات تأويل ذي الفعل، فإذا قلت عادل فمعناه ذو عدل. ومرضي معناه ذو رضي، فوضع اسم واحد موضع اسمين اختصارا.
[و] من كلامهم أن يحذف المضاف إيجازا، أو يقام المضاف إليه مقامه، إذا كان مما لا يلبس، كما قال الله : (واسْأَلِ القَرْيَةَ) أي أهل القرية، وكما تقول العرب: اجتمعت اليمامة، يريدون: اجتمع أهل اليمامة؛ وذلك أنه قد علم أن القرية لا تسأل، واليمامة لا تجتمع، وإنما الاجتماع والمسألة لأهلهما، فلم يلبس، وكذلك إذا قلت رجل عدل فمعناه ذو عدل، وامرأة رضي معناه ذات رضي. فكما وضعت الفاعل والمفعول موضع الصفة، كذلك وضعت المصدر الذي هو أصل جميع ذلك؛ إذ لم يلبس؛ لأنه قد علم أن الرجل جسم، وأن العدل عرض، فلا يجوز أن يكون الرجل هو العدل فيشك فيه. وإنما معناه ذو عدل، فعلى هذا المضهب جاءت المصادر صفات طلبا للإيجاز والاختصار، فإذا جعلت المصادر صفات، فالوجه فيها الأجود، ألا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث؛ لأن المصادر أنفسها قبل أن يوصف بها لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث. وربما ثنوا منها وجمعوا وأنثوا الشيء، إذا كثر استعماله في الوصف، ودام الاستماع له وألف واعتيد، حتى يزول عن شبه المصادر ويدخل ف باب الأسماء والصفات/ بطول العادة، وذلك في الكلام قليل، وليس من المصادر شيء إلا ووضعه موضع الصفات جائز فيه مطرد منقاس غير منكسر، وإنما ذكر ثعلب أحرفا قليلة يتوهم من نظر فيها أن الوصف بغيرها من المصادر لا يجوز؛ فلذلك بينا ما بينا.
стр. 225
ونحن مفسرون ما ذكره إن شاء الله.
أما قوله: تقول هو خصم وهي خصم وهم خصم، للواحد والاثنين والجميع، على حال واحدة، فليس ذلك بلازم فيه كما قال. بل يجوز تثنيته وجمعه وتأنيه على ما شرطناه. ومن الدليل على ذلك قول الله : (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)، وقوله [تعالى]: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) فثنى الخصم، وذلك من الدليل على أن الخصم يقع على الجماعة قوله : (اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) بالواو، وقد ثنى الاسم فقال: (هَذَانِ خَصْمَانِ) لأن كل خصم من الخصمين كان جماعة وطائفة. وكذلك قوله: (وهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ (٢١) إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ) فبدأ بالخصم على لفظ واحد، فأوقعه على طائفتين، ثم بين ذلك في الفعل حين قال (تَسَوَّرُوا) فأتى بواو الجميع، وقال: (دَخَلُوا) فأتى بالواو أيضا، وقال: (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) فأتى بالهاء والميم، وهما علامة الجمع، وقال أيضا: (قَالُوا لا تَخَفْ) فأتى بالواو، فهذا كله يدل على أنه يجوز التثنية والجمع والتأنيث في مثل هذا، وأنه لا يلزم لزوم لفظ الواحد فيه كما ذكر ثعلب.
فأما قوله [تعالى]: (إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً) فإنما حكى عن الرجلين أو الملكين المتقدمين إلى داود خاصة، دون الطائفتين، فإن أردت أن تأتي بالصفة الصحيحة/ بدل المصدر ههنا، جئت بالمخاصم والخصيم؛ لأن الفعل من اثنين، فهو على المفاعل والفعيل، وقد يجيء منه بعضه على الفعل، بالكسر أيضا نحو: قرن وخل وخدن، فعلى هذا يجوز أن يقال: خصم، بكسر الأول وهو قول العامة. وإلى رد هذا أومأ ثعلب، والفعل من هذا: خاصم الرجل أخاه، يخاصمه مخاصمة وخصاما وخصومة، وقد اختصما وهما يختصمان اختصاما، وهم خصوم وخصماء؛ فالخصوم جمع الخصم، والخصماء جمع الخصيم، وهم المتنازعون في الدعاوى والمطالبات بالحقوق وغيرها. وإنما سموا بذلك؛ لأن كل خصم مقابل لخصمه، وفاعل مثل فعله، وقائل مثل قوله: فاشتق ذلك من خصمي الرواية، والإداوة ونحوهما، وهو الطرف الذي بحيال العزلاء في الرواية، والذي عند
стр. 226
الكُلْية من المزادة، كل واحد مقابل لما في الناحية الأخرى. وجمعه: الأخصام، والواحد: خصم، بضم الخاء وسكون الصاد، فإن قلت: خاصمته فخصمته فاسم الفاعل من خصمته: خاصم. والمفعول: مخصوم، مثل غالبته فغلبته فأنا غالب، وهو مغلوب.
وأما قوله: وكذلك رجل دنف، وقوم ونسوة دنف، فإن قلت: دنف ثنيت وجمعت، فإن قوله دنف، بفتح النون مصدر موضوع موضع الوصف ودنف، بكسر النون هو الصفة نفسها، فليس في جواز تثنية الصفة الخاصلة وجمعها اختلاف. وإنما الكلام في المصدر، وهو على ما بينا في الخصم، إلا أن الدنف، بفتح النون أقل استعمالا في باب الوصف من الخصم، ولا يكاد يتكلم به إلا فصحاء العرب الخطباء والشعراء، كقول العجاج:/
والشمس قد كادت تكون دنفا
وعامتهم إنما يستعملون الوصف بعينه، بكسر النون، ولذلك قل استعمال التثنية والجمع في الدنف، وهو جائز في القياس، على الشرط الذي قدمنا؛ من كثرة الاستعمال والدخول في باب الأسماء والصفات. والفعل من هذا: دنف يدنف دنفا، على وزن: عمل يعمل عملا، ومرض يمرض مرضا. واسم الفاعل: دنف، بكسر النون. ومصدره: دنف، بفتح النون، على قياس نظائره. وقد يقال: أدنف الرجل يدنف إدنافا، وهو مدنف؛ فالمدنف اسم المفعول، كأن المعنى؛ أدنفه الله، فدنف. والمعنى فيه شدة المرض، وبلوغ الغاية في الضعف، وتغير اللون، حتى يشرف على الموت. وقد يستعار في غير المرض، كما قال العجاج في اصفرار الشمس للمغيب وقلة ضوئها.
وأما قوله: وكذلك أنت حرى من ذلك، وفمن، لا يثنى ولا يجمع، فإن قلت: حر أو حري، أو قمن أو قمين، ثنيت وجمعت؛ فإن حري، بفتح الراء والقصر وقمناً، بفتح الميم مصدران وصف بهما، فالوجه فيهما ترك التثنية والجمع، إلا أن يدخلهما كثرة الاستعمال في باب الأسماء والصفات الخالصة. وأما حر، بكسر الراء، وقمن، بكسر الميم فصفتان خالصتان بمنزلة: دنف، وتقدير فعلهما كتقدير فعل دنف، كأن المعنى حري يحرى حرى،
стр. 227
فهو حَرٍ، وقمن يقمن قمنا، فهو قمن. وكذلك حري بتشديد الياء وقمين بالياء هما صفتان على فعيل؛ ولذلك كانت التثنية والجمع فيها. ومعنى ذلك كله كمعنى خليق وجدير وحقيق. وقال الشاعر:/
من كان يسأل عنا أين منزلنا فالأقحوانة منا منزل قمن
يروى هذا بفتح الميم وكسرها. وقال الآخر:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه بنث وتكثير الوشاة قمين
واشتقاق هذا من مقاربة الشيء، والدنو منه، حتى يرجى تحققه؛ ولذلك قيل: خبز قمن، وقد قمن الخبز، إذا بدأ فيه التكرج؛ لأنه قد دنا من الفساد والتكرج؛ وهي القمنة. وأهل ديار ربيعة يسمون "الفوذج" الذي يتخذ منه الكواميخ: القمن. وأما الحري؛ فمأوى الشيء وكانه، الذي يستوطنه؛ ولذلك قيل لمأوى الطير: حراه، ولموضع بيضه: الحرى. وإذا توخى الإنسان أمراً وطلبه قيل: قد تحرى الأمر، وهو يتحرى مسرة فلان. وقال الشاعر:
فإن نتجت مهرا كريما فبالحري وإن يك إقراف فمن قبل الفحل
وقال الأعشى أو غيره:
إن تقل هن من بني عبد شمس فحري أن يكون ذاك وكانا
стр. 228
ومن هذا قولهم: أحر به أن يفعل كذا وكذا، أي أخلق به. ومنه قول الشاعر:
لئن كانت توعدنا بالهجاء فأحر بمن رامنا أن يخيبا
وأما قوله: وكذلك رجل زور وفطر وصوم وعدل ورضى، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه فعل. ورجل ضيف وامرأة ضيف، وقوم ضيف، وإن شئت ثنيت وجمعت، فقد قالوا: أضياف وضيوف وضيفان. وما أتى من هذا الباب/ فهو مثله؛ فإن الزور مصدر قولك: زار يزور زورا فهو زائر، من الزيارة والإلمام، والوصف منه: زائر ومزور، ولكن قد وضع المصدر منه موضع الفاعل للإيجاز. وقد يسمى الزائر: زيرا، على فعل، بكسر الأول، مثل: خل وخدن، يقال: إنه لزير نساء، إذا كان يزورهن كثيرا. وقال الشاعر:
من يك في السواد والدد والإغـ ـرام زيرا فإنني غير زير
والفطر اسم يوضع موضع المصدر، ويستغنى به عن المصدر، ثم يوصف به، ويوضع موضع المفطر، والفعل منه: أفطر يفطر إفطارا. والدليل على أن الفطر ليس بمصدر أنه لا يقال منه: فعل يفعل بغير ألف، وهو أيضا مكسور الأول، مخالف لبناء المصدر الثلاثي، ومعناه الرجوع إلى ابتداء العادة من الأكل والشرب والجماع ولذلك كان معنى فاطر السموات: مبتدئ السموات، ولذلك قيل للعجين، إذا بقي على الحالة الأولى، ولم يختمر: الفطير. والصوم: مصدر قولك: صام يصوم صوما. واسم فاعله: صائم، ومعناه: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، وعن كل شيء. وكذلك العدل هو مصدر قولهم: عدل يعدل عدلا، وهو ضد جار يجور جورا.
ورضا: اسم يوضع موضع المصدر أيضا، وهو اسم على فعل، بكسر الأول، ولو كان مصدرا لكان مفتوح الأول؛ لأن فعله رضي يرضي مثل عمي يعمى، وإنما وضع موضع الصفة، كما وضع قولهم: قوم عدى، فوضع موضع الوصف، وليس بوصف.
وليس قوله إن هذه الأشياء لا تثني ولا تجمع بصحيح، وإنما يجوز ذلك فيها ويمتنع، على الشروط/ التي قدمنا؛ من كثرة الاستعملا وقلته، وإدخاله في باب الأسماء وتركه، ألا ترى أنهم يقولون: رجلان عدلان، وقوم عدول، وقد ذكر هو في ضبف أنك إذا شئت
стр. 229
ثنيت وجمعت فجعل جواز ذلك وامتناعه بمشيئة المتكلم، وليس كذلك، ولكن الضيف مما كثر استعمال الوصف به، وغلب عليه شبه الاسم، حتى استغني معه عن ذكر الموصوف فجاز فيه ما يجوز في الأسماء، من التثنية والجمع والتأنيث، وتوحيده في كل ذلك هو الأصل، كما قال الله : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ) وقوله : (إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ). وقد جاء في الشعر التأنيث في قول البعيث:
لقي حملته أمه وهي ضيفة فجاءت بنز للنزالة أرشما
والفعل منه: ضاف يضيف، ضيفا، إذا زار القوم، ونزل بهم للضيافة. وأضاف يضيف إضافة، إذا أنزلهم وأطعمهم. والفاعلان منهما: ضائف ومضيف، والضيافة: اسم بمنزلة الإمارة والسيادة. وقد استعمل الضيف في موضع الضائف والمضيف والمضاف، فقيل لجميعهم: ضيف، وإنما هو مأخوذ من الميل والإمالة، يقال: أضفت الشيء، إذا أملته إلى غيره، وأسندته إليه. وضاف الشيء، إذا مال إلى الشيء واستند إليه، كما قال امرؤ القيس:
فلما نزلناه أضفنا ظهورنا إلى كل حاري حديد مشطب
وقد تقدم من شرح هذا قبل هذا مستقصى في غير هذا الباب.
وأما قوله:/ تقول ماء رواء، بفتح الراء ومد الألف، على بناء فعال، فهو وصف، مأخوذ من الري، وهو صفة الماء الطيب المروي شاربه، جاء على هذا المثال كما قيل جارية رداح، وأرض براح، ومكان فساح وبساط، ومثل قولهم: الجماد والموات، وليس يتبين أنه مصدر كما زعم ثعلب؛ لأن فعله إن كان للشارب، فإنما هو: روي يروي ريا، ولا يقال فيه: رواء، وإن كان منه للساقي، فإنما هو: أروى يروي إرواء، ولا يدخل في هذين
стр. 230
الفعلين مصدر على فعال، وكذلك قوله: روى، بكسر الراء وقصر الألف؛ لأن المصادر لا تجيء على هذا المثال في فعل يفعل، ولو جاء على قياس هذا الفعل لقيل: روى، بفتح الراء مع قصر الألف، ولكن لم يسمع هذا فيه، ولكنه وصف.
وأما قوله: قوم رواء، بكسر الراء ومد الألف، فهو وصف للجماعة، ووحدهم: رو على بناء فعل أو ريان على فعلان، أو راو على بناء فاعل مثل قولك: ظماء وعطاش ونهال. وهذا الجمع يدل على أن هذين الوصفين ليسا في الأصل بمصدرين؛ لأن المصادر لا تجمع. ويقال في الإناء: كأس روية على فعيلة، وجمعها رواء على فال وروايا على فعائل، وهي المتأقة المروية، وأصل ذلك كله من راء وواو وياء وليس في شيء منه همزة أصلية. وقال الشاعر في الممدود:
من يك في شكل فهذا فلج ماء رواء وطريق نهج
وقال العجاج في المقصور:
تذكرا عينا روى وفلجا
وأما قوله في هذا الفصل: رجل له رواء بضم الراء، فهو بهمز عين الفعل وليس من الري في شيء، ولكنه من الرؤية،/ واصله من رأيت مبني، ولكنه يقع موقع المصادر، وكذلك قوله: قوم رياء، أي يقابل بعضهم بعضا، هو من رأيت، مهموز؛ لأنه إذا قابل بعضهم بعضا تراءوا؛ أي رأى بعضهم بعضا، فهذا يحتمل أن يكون مصدرا لقولك: تراءوا مراءاة ورياء، بالهمز، وكذلك قوله: بيوتهم رياء، يعني أنها تتراءى مراءاة ورياء بالهمز. ومنه قولهم: فعل ذلك رياء الناس؛ لأن معناه فعله ليراه الناس، فهو يرائيهم بفعله مراءاة ورياء، كالمنافق الذي يصلي ليراه الناس، لا لله . ومنه قوله: الرؤى جمع الرؤيا؛ لأنها أيضا من الهمز، تقول: رأيته في المنام رؤيا، وهو على فعلى، وجمعها فعل، مثل البشرى والبشر، وأما ما يروى بالبصر، فإنه بالهاء: الرؤية، وأصلها واحد.
وأما قوله: تقول: دلع فلان لسانه، أي أخرجه، ودلع لسانه، أي خرج فليس من باب المصادر، ولا باب الوصف، وكان يجب ألا يذكره في هذا الباب أو يذكر مصدره واسم
стр. 231
فاعله ومفعوله. وإنما هو من باب الفعل الذي يستوي فيه تصريف المتعدي وغير المتعدي كقولهم: جبر الرجل وجبرته، وكسب وكسبته وما أشبه ذلك، مما قد شرحه في غير هذا الباب، وأنه جاء مخالفا للباب، والأصل والقياس؛ لأن حق هذا أن يكون في المتعدي منه همزة النقل في أوله أو باء الإضافة بعده، كقولك: أذهبته وذهبت به، فكان أصله أن يقال: دفع اللسان إذا خرج، وأدلعه صاحبه أو دلع به، كما يقال: خرج اللسان وأخرجه صاحبه أو خرج به، ولكنه شيء كثر استعماله، وعرف معناه، فحذف منه حرف التعدية والنقل تخفيفا، واستغني عنه بالتعارف / لمعناه. ومصدر هذا الفعل: الدلوع، إذا لم يكن متعديا، والدلع، إذا كان متعديا، هكذا القياس، ووجوب الفرق بين المختلفين. وقال بعضهم: هما لغتان؛ فمن قال: دلع سلانه، فجعل الفعل للسان قال: أدلعت لسانه بالألف، إذا جعله مفعولا ومن قال: دلعت لسانه، قال: فاندلع لسانه، إذا جعل اللسان فاعلا.
وكذلك قوله: شحا فاه، يعني فتحه، وشحا فوه، يعنى انفتح، وكذلك قوله: فغر فاه، وفغر فوه، بمعنى شحا، والتفسير والقياس واحد، وإن اختلف ذلك في الاشتقاق. والمصدر في المتعدي: الشحو والفغر، على فعل، وفي غير المتعدي الشحو والفغور، على فعول.
وأما قوله: ذر ذا ودعه، ولا تقل: وذرته ولا ودعته؛ فليس هذا أيضا من باب المصادر ولا الصفات، ولكنه من باب ما قد أهمل استعمال ماضيه واسم فاعله ومصدره، واستغني عنه بغيره، مما هو في معناه، وليس فيه ثقل لفظه، وذلك أن الماضي من هذين الفعلين إنما هو: وذرته وودعته واسم فاعلهما: واذر ووادع، ففي أولهما واو، وهو حرف مستثقل، واستعمل في موضع لك: ترك وتارك؛ لأنهما في ذلك المعنى بعينه، وليس في أوله حرف [مستثقل]. واستعمال ما أهملوا جائز صواب، وهو الأصل، وقد جاء في الشعر منه، كقول أبي الأسود:
ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الود حتى ودعه
وقرأت القراء: (مَا ودَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى) بالتخفيف والتشديد، ولم يستعمل المصدر من هذين الفعلين أيضا، واستعمل في موضعه الترك؛ لأنه في معناهما، وهو أخف /
стр. 232
منهما، واستعمال ما لم تستعمله العرب من ذلك غير خطأ. بل هو في القياس الوجه، وهو في الشعر أحسن منه في الكلام؛ لقلة اعتياده؛ لأن الشعر أيضا اقل استعمالا من الكلام. وأما المستقبل من هذين الفعلين فإنما استعملا؛ لأن الواو تسقط منهما؛ لوقوعها بين ياء وكسرة فيخفان، وذلك قولهم: يذر ويدع وتفتح الدال من يدع؛ لأن بعدها حرفان من حروف الحلق، وأصله يودع. وقد أجرى يذر مجرى يدع، في فتح الثاني منه، وليس فيه شيء من حروف الحلق، ولكن لما كان في معنى يدع وماضيه غير مستعمل، فتح اتباعا ليدع فقيل: يذر، وإنما حقه أن يكسر مثل وزن يزن، وهذا بمنزلة قولهم: يأبى، حين فتحوه وليس ثانيه ولا ثالثه من حروف الحلق، وكان حقه أن يقال: يأبي، بكسر الباء، كما يقال يأتي؛ لأن ماضيه على فعل أيضا، فزعم "سيبويه" أنهم فتحوه من أجل أن فاء الفعل من حروف الحلق، كأنهم غلطوا في ذلك، وهذا بعيد.
وزعم أبو العباس "المبرد" إنما فتح "يأبى" لأنه إذا فتح صار لام الفعل منه من حروف الحلق، يعني الألف، وإن كان لا يكون في الكلام إلا زيادة أو بدلا ولا يعتمد به اللسان على راد، ولكنه هاو. وهذا القول خطأ، وقياسه فاسد؛ لأنه ليس من حروف العلة، إلا وهو إذا انفتح ما قبله، وتحول هو صار ألفا، فلم خص بالفتح من ذوات العلة هذه الكلمة وحدها ومع ذلك فإنه تصير العلة بعد المعلول، إذا كان إنما يفتح من أجل شيء يحدث فيه بعد انفتاحه، وهذا فاسد. وقد قالوا: يذر بالفتح وليست لامه بحرف علة، ولا فيه شيء من حروف الحلق. والعلة عندنا/ في "يأبى" وفتحه أنهم حملوه على ما هو في معناه وفيه حرف حلقي، وهو قولهم: يمنع، كما حمل يذر على يدع، ولو استعمل المصدر من يذر لكان قياسه أن يقال وذرته وذرا وذرة، وكذلك ودعته ودعا ودعة مثل وعدته وعدا وععدة ووزنته وزنا وزنة. وليس هذا من باب المصادر أيضا، ولا ذكر مصدره، ولا من باب الوصف به أيضا. ولكنا شرحناه لذكره إياه.
وهذا آخر تفسير هذا الباب.
стр. 233
تصحيح الباب الرابع عشر
وهو المترجم بباب المفتوح أوله من الأسماء
هذا باب قد خلط فيه أبوابا مختلفة، كان حقها أن يصنفها على مراتبها، فلم يفعل ذلك وجمعها في باب ما يفتح أوله، مما تلحن العامة فيه، فتكسره أو تضمه، والفتح الصواب. ومنه ما يجوز كسره، وإن كان الفتح أجود.
ونحن نبين من كل ذلك ما يجب تبيينه:
فمن ذلك قولهم: هو الفقر، بالفتح، يريد أن العامة تضمه، وليس الضم فيه بخطأ. ولكنه اسم مثل العسر والجهد والضعف. والمصادر منها؛ الجهد والضعف والفقر وإن كان لم يجر على هذه المصادر فعل، كقولهم: فقر يفقر، وإنما يقال: افتقر ويجوز أن يكون الفتح والضم فيها على لغتين بمعنى واحد. ومن العرب من يفتح أوائل جميع هذا، إذا كان إعرابها في آخرها النصب، ويضمها إذا كان إعرابها الرفع، ويكسرها إذا كان إعرابها الجر، على الاتباع. وينبغي لمن قال بالمعرب من مكانين أن يجعل هذا الضرب منه. وزعم بعضهم أن فتح أوائل هذا الضرب/ لمعنى، وضمها لمعنى آخر، وكسرها لآخر، وهو أقيس القولين أو الأقوال فقالوا: الضعف بالضم في الجسد. ومنه قول الله : (الله الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ) والضعف بالفتح في الرأي والعقل، ونحو ذلك. وكذلك جميع نظائره. وهذا مذهب حسن، وكذلك الفَقر والفُقر.
وأول ما ذكره في الشَّعْر والشَّعَر، والشَّمْع والشَّمَع، والنَّهْر والنهَر، من سكون
стр. 234
الثاني وفتحه فغلط منه في هذا الباب؛ لأنه مترجم بما انفتح أوله لا ثانيه. وكثير من أهل اللغة يقولون: كل ما كان الحرف الثاني منه من حروف الحلق، جاء فيه التسكين والفتح. وليس ذلك عند أهل النظر والقياس منهم صحيحا. وإنما ذلك لغات جاءت في أحرف قليلة على غير قياس، فيما كان ثانيه حلقيا أو غير حلقي، ولا يطرد هذا في حروف الحلق. وإنما التسكين فيها لغة، والفتح آخرى، سماعا من العرب، كأن من قال من اللغويين بهذا نظر إلى الأفعال المضارعة، التي تفتح لما فيها من حروف الحلق فظنوا أن ذلك في الأسماء كذلك، وهو غلط منهم؛ لأن الحرف الذي يحرك بالفتح في الفعل من أجل حروف الحلق، أصله التحرك بغير الفتح، فليس بنقل عن الحركة إلى سكون ولا عن سكون إلى حركة، وإنما تجعل حركته من جنس حرف الحلق للمقاربة بين الحرف والحركة، وهذه الأسماء إن كانت في الأصل ساكنة الأوسط لم يجز تثقيلها بالفتح؛ لأن الساكن أخف من المتحرك، وإن كانت في الأصل مفتوحة فليس يجب أن تسكن؛ لأن الفتحة لا تستثقل، وإنما يسكن المضموم والمكسور خاصة لثقل الضم والكسر، في مثل كتف وعضد.
وقوله: / دخل هذا في القبض، بفتح الباء، ليس القبض بمصدر، ولكنه اسم المال المقبوض. وإنما مصدره: القبض، بسكون الباء تقول: قبضته قبضا، وهو: الأخذ بجمع الكف من كل شيء، وإنما الفتحة في الثاني من القبض، فليس هذا بابه، لأنه ترجم الباب بما أوله مفتوح.
وقوله: العربون، هو الذي تسميه العامة: "الربون"، وهو كلمة فارسية معربة، أصله: أرمون، وهرمون. ويقال في تعريبها أيضا: العربون على مثال: العصفور. ويقال: العربان على مثال: القربان. وليس شيء من ذلك بمصدر، وإنما هو اسم لما يسلف في ثمن السلعة، أو من أجرة الصنعة، ولكنه إذا صرف منه الفعل أقيم مقام المصدر، فقيل: عربنته عربونا، ونحو ذلك.
وقوله: الحرب خَدعة، وأنه أفصح اللغات؛ لأنها لغة النبي ﷺ ؛ فقد غلط فيها؛
стр. 235
لأن الخَدْعة ليست بلغة قوم دون قوم، بل هي كلام الجميع. وإنما هي المرة الواحدة؛ فلذلك فتحت. وأما الخدعة، بالضم: فالحيلة التي يخدع بها، كما يقال لعبة، لما يلعب به، وهزأة، لمن يهزأ به. وليست بلغة بل هي كلام الجميع. وقد افتتح هذا الباب بقوله: هو فكاك الرهن، يعني بفتح الفاء، وكان يجب أني يفرد ما كان على مثال فعال، بفتح الفاء، مما تلحن فيه العامة في باب واحد، كما بدأ في أول الكتاب بالأمثلة، ولكنطال عليه ذلك.
وكذلك قوله: هو حب المحلب، بفتح الميم، كان يجب أن يرفد بابا لكل ما كان على وزن مفعل، بفتح الميم، مما تلحن فيه العامة، لا يخلطه بغيره، مما ليس مثله، وكذلك قوله: عرق النسا، يعني بفتح النون، كان حقه أن يذكره في باب ما كان من المقصور/ على فعل، بفتح الفاء، مما تلحن فيه العامة. وكان يجب أولا عليه أن يبين أن "النسا" هو العرق نفسه بعينه، وليس بشيء ينسب العرق إليه؛ فإن عرق النسا من غلط العامة، كما تخطئ في قولها: عرق الأكحل، وعرق القيفال، ونحو ذلك؛ فتضيف العرق إلى اسم العرق، ولا يجوز ذلك؛ لأنه إضافة الشيء إلى نفسه. وإنما الصواب أن يقال: هو القيفال، وهو الأكحل، وهو النسا؛ لأن النسا اسم العرق الذي يمتد من الورك إلى الساق. وقال في ذلك امرؤ القيس:
فأنشب أظفاره في النسا فقلت هبلت ألا تنتصر
فقال في النسا، ولم يقل في عرق النسا. والعامة تكسر النون من النسا، وهو خطأ. وقال أبو داود:
وقصرى شنج الأنساء نباج من الشعب
وأما الملحب فأصله مصدر من قولك: حلب يحلب محلبا، كما يقال: ذهب يذهب مذهبا، وأخذ يأخذ مأخذا، فأضيف الحب الذي يفعل به هذا الفعل إلى مصدره، فقيل:
стр. 236
حب المحلب، وشجر المحلب، أي حب الحلب، وشجرة الحلب، ففتحت الميم في المصدر. وإنما تكسر الميمات إذا كانت أوائل الأدوات المنقولة المستعملة؛ كالمرجل والمنجل والمصدعة والمثقب، ولذلك لم يجز الكسر في حب المحلب، فأما الإناء الذي يحلب فيه، فمسكور الميم وهو المحلب لا غير. و"المحلبية" بفتح الميم: ضرب من الطيب، يتخذ من حب المحلب وكذلك؛ اسم منزل في طريق مكة: "المحلبية" بالفتح./
والفكاك أيضا مصدر على بناء فعال، مثل: الذهاب والسراح والبراح، يقال: فككت الرهن فكا وفكاكا، بمعنى حللته حلا؛ لأنه كالشيء المغلق المشدود، حتى يفك. وقد انفك الرهن، أي انحل، كما ينفك الشيء من الشيء، الذي قد نشب فيه وتعلق به. وقد أجاز بعض أهل اللغة في الفكاك: الكسر أيضا؛ كأنه جعله اسما موضوعا موضع المصدر، وهو اسم لما يفك به الرهن، على قياس: إزار ورداء ولحاف وعطاف وغطاء ووطاء. وأجود ذلك إذا كان بمعنى المفاعلة من اثنين، كالمفاكة مثل حاسبته حسابا، وخاصمته خصاما، وقد كتبت كتابا، وحسبت حسابا، بالكسر وبيت زهير لا ينضد إلا بالفتح:
وفارقتك ببرهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
وأما قوله: هي الرحا، فهي التي يطحن بها، وهي تؤنث، وبها شبهت معركة الحرب فسميت رحى ومرحى، وهي مقصورة، وأولها مفتوح. والعامة تكسر أولها، وهو خطأ. وجمعها: الأرحاء، على أفعال. والعامة تقول: أرحية، وهوخطأ. وهو من بنات الياء، يقال في تثنيتها: رحيان، كما قال الشاعر:
стр. 237
كأنا غدوة وبنى أبينا غداة عنيزة رحيا مدير
وأما قوله الرخاء من العيش، فهو ممدود، وهو: السعة والخصب والخفض والين. ومنه قولهم: عيش رخي وبال رخى. وأصله من الشيء الرخو ومنه: المسترخي، وهو اللين على وزن مستفعل من الرخو. وأول الرخاء مفتوح وهو على/ بناء فعال. والعامة تكسر أوله، وهو خطأ. ومنه سميت الريح اللينة، الطيبة: رخاء، بضم الراء، كما قال الله : (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ).ومنه إرخاء الفرس في عدوه، قال امرؤ القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
ومنه قولهم: أرخيت الثوب والستر والحبل، إذا أرسلته وأسبلته، إرخاء.
وأما قولهم: هو الرصاص، فإن الرصاص اسم أعجمي معرب، والعامة تكسر الراء من أوله، والعرب تفتحه. واسمه بالعربية: الصرفان. وبالعجمية: إرزرز؛ فأبدلت الصاد من الزاي، والألف من الراء الثانية، وحذفت الهمزة من أوله، وفتحت الراء من أوله فصار على وزن: فعال. ويقال للقطعة منه: رصاصة. ويشتق منه الفعل، فيقال: رصصت الشيء ترصيص، إذا طليته به، وقد ترصص هو إذا قبله والتصق به. وأهل الاشتقاق يجعلونه مشتقا من قوله [تعالى]: (بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ). ويقال قد رص بعضه إلى بعض، أي ألصق؛ لأنه في معناه وحروفه، وإن كان عجميا.
وأما قوله: هو صداق المرأة، يعني مهرها، قال: وإن شئت: صدقة؛ فقد حكى فيها أبو عبيد عن الكسائي أربعة أوجه: صداق، وصداق، بفتح الصاد وكسرها، وصدُقة وصدْقة، بضم الدال وسكونها. ولكل واحدة منهن وجه. وكان ثعلب يختار الصداق
стр. 238
بالفتح؛ يذهب به مذهب المصادر. والبصريون يختارون كسر الصاد؛ لأنه اسم للمهر وليس باسم للفعل. إنما يقال في المصدر منه: الإصداق، بالألف على إفعال؛/ لأنه من أصدقتها. وأما الصدقة، بضم الدال، فهو لفظ القرآن، قال الله : (وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) ويجب أن يكون ذلك المختار، فأما من أسكن الدال من الصدقة فإنما خففها، كما يخفف عضد وكبد ونحوهما بالتسكين. وقد يجوز فيها وجه خامس، وهو: الصدْقة، بضم الصاد، وتسكين الدال؛ وذلك أنه لما أسكن الدال تخفيفا حول ضمتها إلى الصاد، كما يحولون ضمة الضاد من عضد إلى العين فيقولون: عضد، كما يحولون كسرة التاء من كتف إلى الكاف، فيقولون: كِتف.
وأما قوله: هو الشنف والأنف، فإن العامة تضم أولهما، والعرب تفتحه، وجمعها يدل على فتح الواحد منها؛ لنه الشنوف والأنوف، على فعول، ولو كانا مضمومين لكان قياس جمعها: أشناف وآناف، على أفعال، مثل: قفل وأقفال؛ فالشنف ما يجعل في أعلى أذن الغلام، أو الجارية من الحلي.
وأما قوله: ويأتيك بالأمر من فصه، أي من مفصله، وهو فص الخاتم، فإن فص كل عظم طرفه، وهو مفصله، وهو مفتوح الأول لا غير، والعامة تكسره، والعرب تجمعه على الفصوص، وذلك دليل على فتح أول واحده. ومنه قيل في المثل: "يأتيك بالأمر من فصه"، وبه سمي فص الخاتم ايضا بالفتح. وجمعه: فصوص. والعامة تكسره. وقد حكي عن بعض العرب فيه الكسر، وهو لغة رديئة. ومن كسر قال في الجميع: الفصصة، على فعلة مثل قرد وقردة.
وأما قوله: الخسم، فإنه اسم للواحد والاثنين والجميع المتخاصمين من الناس؛ لأن كل واحد منهم خصم/ لآخر، ولا يكون الاختصام من واحد، بل من اثنين فصاعدا، ومنه قول الله : (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) فثنى الجماعتين تثنية
стр. 239
الواحد فجعل المؤمنين خصما، والكافرين خصما، ثم جمعهما فقال: اختصموا في ربهم. وقال [تعالى] أيضا في شأن داود: (وهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ) فسمى الفرقتين جميعا خصما باسم الواحد ثم قال: (إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ) بالواو، فبين أنهم جماعة، ثم ثنى بعد ذلك بقوله [تعالى]: (قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) فجعل كل فرقة خصما، وإنما كان هذا كذلك؛ لأن الخصم مصدر لقولهم: خصمهم يخصمهم خصما، بمنزلة العدل الذي هو مصدر: عدل يعدل عدلا؛ فإن أجريته مجرى المصدر على أصله، وجب ألا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، بل يوحد ويذكر في كل موضع، كما يقال: رجل عدل وامرأة عدل. وإن سمي به وجعل كالصفات الجارية على أفعالها، جاز فيه التأنيث والتثنية والجمع، كما يقال في: قمن ودنف ورضي وعدل وما أشبهه. وقد فسرناه في مواضع كثيرة. والخاء من الخصم مفتوحة؛ لأنه مصدر، والعامة تكسره. وللكسر وجه؛ وهو: ألا يجعل مصدرا، ولكن يكون بمعنى مخاصم وخصيم، كما يقال: خدن في معنى مخادن وخدين وخل في معنى مخال، وهو أقيس من تصيير المصدر صفة.
وأما قوله: ثدي المرأة، يعني ما يكون في اللبن كالضرع من الشاة، فإنه مفتوح الأول، والعامة تكسره، وهو خطأ. ويدل على أن الفتح فيه هو الصواب أنه يجمع على فعول، فيقال: ثدي، كما يقال في/ الضرع: ضروع. ولو كان مكسورا كما تقول العامة، لقيل في جمعه: أثداء. والعامة تكسر أول الضرع أيضا، وهو خطأ. وقد حكي عن بعضهم: الأثداء على أفعال؛ من أجل أن آخره حرف علة، وهو في معنى الطبي، فجمع على ما جمعت الأطباء. وفعول في الثدي أجود وأعرف. وإنما قيل: ثدي بالياء، وهو على فعول؛ لأن واو فعول قلبت ياء من أجل الياء التي بعدها، وادغمت فيها، ثم كسرت الدال؛ لوقوع الياء المشددة بعدها. ومن العرب من يقول في الجمع: ثدي، بكسر الثاء للاتباع.
وأما قوله: خاصمت فلانا، وكان ضلعك علي، أي ميلك؛ فإن العامة تقول فيه: كان ضلعك علي، بكسر الضاد، وهو خطأ، لأن الضلع بالكسر اسم العظم. وإنما الضلع هنا مصدر قولك: ضلع يضلع ضلعا، أي يميل ميلا، وهو ضالع أي جائر ظالم، فلذلك كان مفتوحا.
стр. 240
وأما قوله: جيء به من حَسك وبَسك، يعني بفتح أوائلهما؛ فإنما ذلك لأنهما مصدران، والعامة تكسرهما، وذلك خطأ؛ لأنه ليس المعنى أن يجيء به حسه الذي تحس به الأشياء. وإنما الحس مصدر قولك: حسستهم حسا، وهو المبالغة في الحرب والقتل ونحو ذلك، والاستقصاء في الشيء. وأما البس فهو الرفق في حلب الناقة وغيرها. ومنه قولهم: "الإيناس قبل الإبساس" فإنما معنى جيء به من حسك وبسك، أي جيء به من كدك وراحتك وشدتك ورفقك ومن حيث أمكنك، تقول: حسه حسا، وبسه بسا.
وأما قوله: ثوب معافري؛ فإنما تقوله العامة بضم الميم، وهو خطأ؛ لأن المعافر بالضم ليس بشيء تنسب إليه الثياب. وإنما المعافر، / بفتح الميم اسم لقرى اليمن، وواحدها غير مستعمل على لفظها، بمنزلة محاسن وملامح والثياب التي تعمل بها وتجلب منها منسوبة إليها، ولو كان واحدها مستعملا لنسبت الثياب إليه، ولم تنسب إلى الجمع.
وأما قوله: هي الأسنان، فإنها جمع السن، التي تكون في الفم، والسن: اسم مفتوح الأول، على أفعال، وبها سميت السنون، فقيل: فلان على سن فلان. وهؤلاء ذوو أسنان واحدة. والعامة تكسر أول أسنان، على كسر السن، وهو خطأ.
وأما قوله: هي اليسار لليد، فإن اليسار شيئان؛ أحدهما: اليد اليسرى والعامة تكسر الياء في أوله، كما تكسر أول الشمال؛ لأنهما لمعنى واحد، والآخر: اليسار، من الغنى، والعامة تكسر الياء منه أيضا؛ لأنه بمعنى الغنى، وهو خطأ. والعرب تفتح الياء فيهما كليهما؛ لأن الكسرة تثقل في الياء، ولو كانت مما يكسر، لجاز فيها إبدال الهمزة من الياء، كما يقال: إسادة وإشاح، في وسادة ووشاح.
وأما قولهم: هو السميدع، بالفتح، قال: ولا تضمن السين؛ فالسميدع من الرجال:
стр. 241
السيد السخي، الموطأ الأكناف، وهو مفتوح الأول، والعامة تضمه، وهو خطأ؛ لأنه ليس في كلام العرب اسم على مثال فعلل بالضم، ولكن فيه مثل: خفيدد وعميدد.
وأما قوله: هو الجدي، وثلاثة أجد، والكثير: الجداء، وكذلك ثلاثة أظب وثلاثة أجر، تعني الظباء والجراء؛ فإن الواحد من الظباء: ظبي، بفتح الأول وسكون الثاني، على فعل: وكذلك الجدي؛ ولذلك صار أدنى العدد/ فيهما على أعل، مثل أكلب وأفرخ، والكثير منهما على فعال، مثل: جداء وظباء ممدودين. والأصل في أدنى العدد: أظبي وأجدي، بضم الباء والدال، ولكنهما كسرا من أجل الياء التي بعدهما لئلا تصير واوا. والعامة تقول: جدي، بكسر الجيم ومنهم من يكسر الجيم والدال. ومنهم من يفتح الجيم ويكسر الدال، وكل ذلك خطأ.
والأجرى جمع الجرو، وهو ولد الكلب والسنور، وكل ذي ناب في أدنى العدد والكثير منه: الجراء على فعال أيضا؛ لأن الواحد منه مكسور الأول.
وأما قوله: هو الكتان، يعني بفتح الكاف، وهو نبات تنسج منه الثياب الدبيقية والقضب ونحوهما. والعامة تكسر الكاف منه؛ وهو مشتق من: الكتن، وهو: سواد الدخان ولطخه في البيت، وسواد الشفة، من أكل الجوز الرطب والباذنجان ونحو ذلك، وكذلك لون الكتان، وقال الأعشى:
هو الواهب المسمعات الشرو ب بين الحرير وبين الكتن
وأما قوله: رمح خطى، ورماح خطية؛ فإن الخط: اسم قرية بناحية البحرين ترفأ إليها الرماح، ثم تحمل منها إلى سائر البلدان؛ لذلك نسب إليها الرماح فقيل لها: الخطية،
стр. 242
ورمح خطي. وذكر "الخليل" أنهم إذا جعلوا الخطية اسما للرماح لازما، ولم يصفوا به كسروا الخاء، فقالوا: الخطية، كما قالوا: ثياب قبطية بالكسر، فإذا جعلوها اسما قالوا قبطية، بالضم؛ فغيروا الاسم، وهذا حسن. وأما العامة فتكسر: الخطية في كل حال، وهو خطأ. وقال الشاعر:/
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتنبت إلا في مغارسها النخل
وقال عمرو بن كلثوم:
بسمر من قنا الخطي لدن ذوابل أو ببيض يختلينا
وأما قوله: ما أكلت أكالا، ولا ذقت غماضا؛ فإن الأكال مثل الذواق، يقال: ما ذقت ذواقا، وما طعمت طعاما، وما شربت شرابا؛ فالذواق اسم ما يذاق، والطعام ما يطعم، والشراب اسم ما يشرب، والأكال اسم ما يؤكل، وكذلك الغماض في العين، مثل الذواق في الفم، وهو النوم القليل، مقدار ما تغمض عليه العين، ويسمى غمض العين من ذلك. وكذلك يقال: ما ذقت لماجا ولا شماجا ولا لماقا، وكل هذا مفتوح الأول، ولا يجوز كسر شيء منه ولا ضمه. وأسامي هذه المعاني كثيرة، على هذا المثال وغيره.
وأما قوله: ما جعلت في عين حثاثا، بالكسر عن الفراء. وقال غيره: هو مفتوح؛ فإن الحثاث: النوم الحثيث، أي الخفيف؛ فمن كسر الراء شبهه بالغرار، وهو: القليل من النوم. وفيه يقول الشاعر:
ما أذوق النوم إلا غرارا مثل حسو الطير ماء الثماد
стр. 243
وقال النابغة أو غيره:
ما تطعم النوم عيني من تذكركم إلا غرارا كنوم الطائر الساري
ومن فتحه شبهه بالغماض واللماج والذواق؛ لأنها أسماء القليل من: الأكل والشرب والنوم أيضا. وروي عن ابن الأعرابي أيضا أنه قال: الحثاث: القليل من الكحل، وهو/ عند غيره: القليل من النوم.
وأما قوله: هو الجورب والكوسج، تضم أولهما أو تحركهما بحركة بين الضم والفتح، وتجعل آخرها بالهاء بدل الجيم. والعامة تتبع العجمة في ضم أولهما؛ فالجورب اسم ما يلف على القدم ليقيها، من الخف. والكوسج صفة الرجل السناط.
وأما قوله: وبالصبي لوى؛ فإنه يعنى وجع البطن، الذي يأخذه من الجلوس على الندى، أو من كل شيء له ريح، أو برد، وهو: داء يصيب الرجال والنساء ولا يخص الصبيان، وهو مفتوح الأول، مقصور، على مثال فعل، يقال منه: لوى يلوي لوى شديدا؛ فاللوى: مصدر، قد سمي به الوجع، وهو مشتق من الالتواء، ويعالج بالرقي. واسم الذي يرقي منه: اللواء، ممدود مشدد على فعال. والمرأة: لواءة. ولو استعمل فعل الراقي لقيل: لوى يلوي ليا، إذا فعل ذلك مرة، فإن أكثر منه قيل: لوى يلوي، بالتشديد، تلوية، كما قال الراجز في الخاتن:
تلوية الخاتن زب المعذر
стр. 244
وأما قوله: الفقر، يريد بالفتح فإن العامة تقوله بالضم والفتح جميعا؛ وليس الضم فيه بخطأ، ولكنه بمنزلة ما فيه الفتح والضم، كالضَّر والضُّر، والجَهد والجُهد، والضَعف والضُعف، والشَّرب والشُّرب، وهو في معنى البؤس والعدم والعسر أيضا. وضده مضموم، وهو: الوجد والوسع. وقد قدمنا شرح فَعْل وفُعْل.
وأما قوله: تقول هذا طعام في نزل؛ فإن النزل: البركة والفضل والكثرة. والعامة تقول: النزل بضم النون، وسكون الزاي، وليس ذلك بخطأ. وقد رواه "الخليل" وهو في معنى قولهم: طعام له ريع. ومن هذا سميت/ الأنزال التي تقام للجند وغيرهم. وواحدها: نزل، بالضم، لا يفتحه أحد. وأما في الخط فإنه لا يقال؛ إلا بفتحتين: نزل. يقال: خط له نزل، وهو نزل. وفعله: نزل ينزل نزلا، وقد نزله كاتبه تنزيلا؛ أي قارب بين حروفه وجمعها، وهو مأخوذ من هذا؛ لكثرة ما يدخل فيه من الكلام.
وأما قوله: هو أبين من فلق الصبح، وفرق الصبح، فإنه يعني بهما عمود الصبح، الذي ينفلق وينفرق في ظلمة الفجر، فيلفلق الليل ويفرقه، كما فرق الله البحر لموسى [﵇]، وقال : (وإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ) ومنه قوله [تعالى]: (فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ). وفلق الصبح وفرقه، بفتح الثاني جميعا، وهما اسمان للعمود جميعا، وليسا بمصدرين، ولو كانا مصدرين لكان ثانيهما ساكنا، كما يقال: فلقت الشيء فلقا، وفرقته فرقا.
وأما قوله: هو الشمع والشعر والنهر وإن شئت أسكنت ثانيه، فإن العامة تسكن ثاني هذا كله. والفصحاء من العرب، وأهل اللغة، وأكثر النحويين يزعمون أن الفتح والإسكان إنما جاز فيه من أجل حروف الحلق؛ لأنها حروف مستعلية، ففتحها أبين لاستعلائها. وقال الحذاق منهم: ليس ذلك من أجل حروف الحلق، ولكن هذه كلمات فيها لغتان؛
стр. 245
فمن سكن من العرب لا يفتح، ومن فتح لا يسكن، إلا في ضرورة شعر. والدليل على ذلك: أنه قد جاء عنهم مثل ذلك في كلام كثير، ليس فيه شيء من حروف الحلق مثل: القبض، والنفض؛ فإنه جاء فيهما الفتح والإسكان، ولذلك قال "ثعلب" ههنا: قد دخل هذا في القبض والنفض. والنفض: ما نفضت من الورق. والمصدر منهما ساكن: القبض/ والنفض. والقبض بالفتح: المقبوض من المال وغيره. وقالوا: خبط الورق يخبط خبطا، بالسكون. والخبط بالفتح: ما عجن من الورق مع النوى أو غيره، وليس حرف الحلق إلا في أوله. وقد بين "ثعلب" العلة في هذين في الفتح والتسكين فجعل التسكين علامة المصدر، والفتح علامة اسم الشيء المقبوض. وكذلك ما ذكرنا من الخَبْط والخَبَط. وليس الساكن والمتحرك في شيء منها من الحلق. وكل كلمة مثل ذلك، يجوز في مصدرها واسم مفعولها من التسكين والفتح ما جاز في هذه من غير أن يكون فيها حرف حلق، ومما يدل على بطلان ما ذهبوا إليه أنه قد جاء في "النطع" أربع لغات؛ فلو كان ذلك من أجل حرف الحلق، لجازت هذه الوجوه الأربعة في الشعر والنهر، وفي كل ما كان فيه شيء من حروف الحلق.
وأما قوله: هو قليل الدخل، فهو بمنزلة قولهم: قليل الدغل، يقال: هذا أمر فيه دخل ودغل، واختار "ثعلب" فيه فتح الخاء في الدخل. وأجاز "الخليل" فيه السكون والفتح جميعا. ومن أجاز في مثل "النهَر والشعَر" السكون والفتح، لزمه إجازتهما في "الدخل" أيضا، لما تعلق به من علة حروف الحلق. وقال "الخليل": الدخل: عيب في الحسب، وأنشد في ذلك:
رفدت ذوي الأحساب منهم مرافدي وذا الدخل حتى عاد حرا سنيدها
والدخل: كل ما انستر عن الناس من الإنسان. وقالت ابنة الخس:
ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما "الدخل"
وأما قوله: لا أكلمك إلى عشر من ذي قبل، حكاه بفتح القاف. والعامة تقوله بكسر القاف. وقد/ حكى "الخليل" ذلك بالكسر، وزعم أن القبل يكون بمعنى
стр. 246
الطاقة من قول الله : (فَلَنَاتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهَُم بِهَا) ويكون بمعنى التلقاء والمواجهة. وقال معنى قولك: افعل ذلك من ذي قبل، أي ذي استقبال وقال: إذا شربت الإبل ما في الحوض فاستقي لها على رءوسها؛ لتشرب فذلك "القبل" وفتحه وأنشد:
قرب لها سقاتها يا بن خدب لقبل بعد قراها المنتهب
فمعنى قول "ثعلب": لا أكلمك إلى عشر من ذي قبل، أي لا أكلمك إلى عشر ليال، مما يستقبل.
وأما قوله: هي طرسوس، وهو قربوس السرج، وهو العربون والعربان في قول الفراء؛ فإن طرسوس اسم بلدة أعجمية من بلدان الروم معرب، على بناء فعلول. وقد جاء في كلام العرب على هذا المثال، مثل قولهم: قاع قرسوس، وقولهم للأسود: الحلكوك، وقربوس السرج: هو الشخص الذي بين يديه. والعامة تقول: طرسوس، بسكون الراء، وقربوس بسكون الراء، وهما خطأ؛ لأن فعلولا ليس من أبنية كلام العرب، إلا كلمة واحدة أعجمية معربة في قول العجاج:
من آل صعفوق وأتباع أخر
وهو اسم معرفة، بمنزلة إسماعيل وإبراهمي ونحوهما من الأعجمية، التي ليست على أبنية العربية.
وأما قوله: العربون والعربان، فقد فسرناهما فيما مضى.
стр. 247
وأما قوله: هي الجبروت، وقوم فيهم جبرية، أي كبر؛ فإن الجبروت على بناء فعلوت، والتاء فيه زائدة، للإلحاق بقربوس ونحوه. والجبرية، بفتح الجيم والياء مصدر منه منسوب/ إليه، بحذف الواو والتاء. والجبروت أيضا يجري مجرى المصادر، ومعناه معنى التجبر. ومثله ملكوت من الملك، ورهبوت من الرهبة ورغبوت من الرغبة، ورحموت من الرحمة. وفيها لغات، تقول العرب: "رهبوت خير من رحموت" أي أن ترهب خير من أن ترحم، و"رهبوتي خير من رحموتي"، و"رهبوتي خير من رحموتي" على نسبة. وبعضهم يقول: الجبروة مثل الجبرية، والجبروت.
وأما قوله: قوم جبرية، خلاف القدرية، فإنه يعني بالجبرية، ساكنة الباء: الذين يقولون: إن العباد مجبورون على المعاصي والطاعات جبرا، فنسبوا إلى الجبر لذلك، فهذا ساكن الباء؛ لأنه ليس مثل الأول. وأما القدرية؛ فهم الذين ينكرون أن الله قدر على المعاصي والطاعات والأعمال ويدعون أنهم هم الذين قدروها وفعلوها، كما أحبوا، فأضافوا القدر إلى أنفسهم، فنسبوا إليه؛ فلذلك حركت الدال؛ لأنه منسوب لى القدر، وهو المستعمل في كلام العرب.
وأما قوله: تقول هي فلكة المغزل؛ فإن العامة تقول: فلكة، بكسر الفاء وهو خطأ والصواب فتحه. والعامة تفتح الميم أيضا من المغزل، والصواب كسرها. والفلكة: الهنة المستديرة المثقوبة، التي تجعل على رأس المغزل، لتثقله وتكون من العظام أو الحجارة أو غير ذلك. وهي مشتقة من الفلك، وهو: اسم لكل شيء مستدير من السماء والأرض.
وأما قوله: هي ترقوة الإنسان، وعرقوة الدلو، فهما على وزن: فعلوة، بفتح الفاء وضم اللام وسكون العين. والعامة تضم أولهما، وهو خطأ. والترقوة: وصل عظم بين/ ثغرة النحر والعاتق من الجانبين، أعلى صدر الإنسان. وجمعها تراق، ووزنها: فعلوة. والعرقوة من الدلو: الموضع الذي يقع عليه صليب الدلو، ويقال: الصليب نفسه يسمى عرقوة. وقد يكون للدلو عرقوتان وجمعها: العراقي. وقال الشاعر في الدلو:
стр. 248
رحب الفروغ مكرب العراقي
ويقال: ملأت الدلو إلى عرقوتها، وإلى عراقيها. والداهية العظيمة تسمى: "ذات العراقي" أي هي لعظمها وثقلها تحتاج إلى عراق عدة، وقال عدي:
وخلا علي ذات العراقي
وقد يسمى طرف الخشبة نفسها: عرقوة. وللقتب أيضا عرقوتان، وهما خشبتان على عضديه، من جانبين. والعرقوة أيضا: أكمة منقادة في الأرض مستطيلة وهي العراقي. وتكون للمزادة أيضا: عرقوة. ومنه قول سطيح الكاهن في سجعه: "خبأتم لي عين جرادة في عرقوة مزادة، بين عنق سوار والقلادة".
وأما قوله: قرأت سورة السجدة، بفتح السين؛ فإن من فتح السين ذهب إلى المرة الواحدة من السجود، يقال: سجدت سجدة واحدة وسجدتين وسجدات. ومن كسرها ذهب إلى نوع السجود، يقال: سجد سجدة حسنة، وسجد سجدة سوء، كما يقال: جلس جلسة سوء وجلسة حسنة، وجلسة قبيحة. والعامة تقولها بالكسر، وليس ذلك بخطأ، وإن كان الفتح أكثر وأعرف، وأصل السجود الخضوع، يقال: سجد يسجد سجودا. والسجود في كلام العرب: الخضوع والتذلل. وقال الشاعر:
بجيش تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافز
стр. 249
وأما قوله: هي الجفنة، فإنه يعني التي يعجن فيها من الخشب. والعرب تثرد فيها للأضياف، كالقصعة من الخشب. والكرمة أيضا تسمى: جفنة، بالفتح على فعلة والعامة تكسر الجيم، وهو خطأ؛ لأنها ليست من المصادر، فيجوز فيها الوجهان وجمع الجفنة: الجفان والجفنات. وقال الله : (وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ).
وقال حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا وأسيا فنا يقطرن من نجدة دما
ومثله جفن السيف، بالفتح. والعامة تقوله بالكسر أيضا. وكذلك جفن العين وقال "الخليل": الجفن أيضا: نوع من العنب، بلغة اليمن. ويقال: بل الجفن والجفنة: قضيب من قضبان الكرم. ويقال: بل هو ورقة. وجفنة: قبيلة من غسان، كانوا ملوكا بالشام؛ وفيهم يقول حسان بن ثابت:
أولاد جفنة عند قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
وأما قوله: هي ألية الكبش، وتجمع على: أليات، وكبش أليان، ونعجة أليانة، ورجل آلي، وامرأة عجزاء؛ كذا كلام العرب والقياس: ألياء؛ فإن العامة تقول: هي إلية الشاة، بكسر أولها وإثبات الهمزة، وهم المتفاصحون منهم، وسائرهم يقولون: لية، بحذف الهمزة وتشديد الياء، وكلتاهما خطأ. والصواب فتح الهمزة وتسكين اللام وتخفيف الياء على وزن فعلة، وجمعها: أليات، بفتح اللام والهمزة مثل: تمرات، فإذا وصف الكبش بعظم الألية كانت صفته على فعلان، بفتح الفاء والعين جميعا على مثال الغليان والنزوان كما قال الشاعر:/
стр. 250
ألا أبلغا هاروت عني رسالة وماروت أن قد جاء ما تريان
وأن عتاق الطير يسقط نورها على علبة الهلباجة الأليان
فوصف الرجل بصفة الكبش، على فعلان، كما يقال رجل زفيان وصميان، على الاستعارة، ولم يقولوا في الكبش أليان، بسكون اللام على فعلان؛ ولذلك قالوا في النعجة أيضا أليانة، بفتح اللام على فعلانة، ولو قيل في الكبش أليان، بسكون اللام، لقيل في النعجة أليا، مقصورة الألف على وزن فعلان وفعلى مثل سكران وسكرى، وكان قياسا ولكن قد قيل في صفة الرجل آلي على مثال أعمى، ولم يقولوا في المرأة ألياء على فعلاء مثل عمياء، واستغنوا عن ذلك بقولهم: عجزاء، ولم يقولوا رجل أعجز؛ لأن الرجل لا ينعت بكبر العجز كما لا تنعت المرأة بالألية، وإنما ينعت بها الكبش.
وأما قوله: الحرب خَدعة، هذا أفصح اللات، ذكر لي أنها لغة النبي ﷺ ، فإن أكثر الكلام في هذا ضم الخاء، وقد روي فتحها عن النبي ﷺ . ولكن ليس ذلك لأنه كما ذكر ثعلب أنه أفصح اللغات، ولا أنها لغة النبي ﵇ ولكن الفتح علامة للمرة الواحدة في هذا، وفي كل مصدر مثله، يقال: خرجت خرجة ودخلت دخلة، وركعت ركعة وأكلت أكلة، أي مرة واحدة، فإذا ضموا جعلوه اسم ما يخدع به، كما يقال للتي يلعب بها: لعبة، ولما يؤكل: أكلة، والخدعة أيضاً من الناس الذي لا يزال يخدع. والخدعة، بفتح الدال: الرجل الخداع، والخدعة بفتحتين جمع الخادع. وإنما أراد النبي ﷺ بفتح الخدعة: المرة الواحدة من الخداع، وليس فيها/ شيء من اللغات، بل كل العرب لغتهم النطق بجميع ما وصفنا في مواضعها.
وأما قوله: هي الأنملة، لواحدة الأنامل، وقد يجوز بالضم، وموضع يقال له: أسنمة؛ فإن النملة فيها لغتان، حكاهما "الخليل" و"سيبويه" فتح الميم وضمها. وأما أسنمة اسم موضع بعينه فلم يرو فيها عن العرب غير الضم. وقد جعلها "ثعلب" مثل الأنملة يجوز فيها الفتح، ولم يرو أحد بيت زهير الذي فيه ذكرها بغير الضم، وهو قوله:
ضحوا قليلاً، على كثبان أسنمة ومنهم بالقسوميات، معترك
следующие страницы →