Полный текст (518 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الطاقة من قول الله : (فَلَنَاتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهَُم بِهَا) ويكون بمعنى التلقاء والمواجهة. وقال معنى قولك: افعل ذلك من ذي قبل، أي ذي استقبال وقال: إذا شربت الإبل ما في الحوض فاستقي لها على رءوسها؛ لتشرب فذلك "القبل" وفتحه وأنشد:
قرب لها سقاتها يا بن خدب لقبل بعد قراها المنتهب
فمعنى قول "ثعلب": لا أكلمك إلى عشر من ذي قبل، أي لا أكلمك إلى عشر ليال، مما يستقبل.
وأما قوله: هي طرسوس، وهو قربوس السرج، وهو العربون والعربان في قول الفراء؛ فإن طرسوس اسم بلدة أعجمية من بلدان الروم معرب، على بناء فعلول. وقد جاء في كلام العرب على هذا المثال، مثل قولهم: قاع قرسوس، وقولهم للأسود: الحلكوك، وقربوس السرج: هو الشخص الذي بين يديه. والعامة تقول: طرسوس، بسكون الراء، وقربوس بسكون الراء، وهما خطأ؛ لأن فعلولا ليس من أبنية كلام العرب، إلا كلمة واحدة أعجمية معربة في قول العجاج:
من آل صعفوق وأتباع أخر
وهو اسم معرفة، بمنزلة إسماعيل وإبراهمي ونحوهما من الأعجمية، التي ليست على أبنية العربية.
وأما قوله: العربون والعربان، فقد فسرناهما فيما مضى.
стр. 247
وأما قوله: هي الجبروت، وقوم فيهم جبرية، أي كبر؛ فإن الجبروت على بناء فعلوت، والتاء فيه زائدة، للإلحاق بقربوس ونحوه. والجبرية، بفتح الجيم والياء مصدر منه منسوب/ إليه، بحذف الواو والتاء. والجبروت أيضا يجري مجرى المصادر، ومعناه معنى التجبر. ومثله ملكوت من الملك، ورهبوت من الرهبة ورغبوت من الرغبة، ورحموت من الرحمة. وفيها لغات، تقول العرب: "رهبوت خير من رحموت" أي أن ترهب خير من أن ترحم، و"رهبوتي خير من رحموتي"، و"رهبوتي خير من رحموتي" على نسبة. وبعضهم يقول: الجبروة مثل الجبرية، والجبروت.
وأما قوله: قوم جبرية، خلاف القدرية، فإنه يعني بالجبرية، ساكنة الباء: الذين يقولون: إن العباد مجبورون على المعاصي والطاعات جبرا، فنسبوا إلى الجبر لذلك، فهذا ساكن الباء؛ لأنه ليس مثل الأول. وأما القدرية؛ فهم الذين ينكرون أن الله قدر على المعاصي والطاعات والأعمال ويدعون أنهم هم الذين قدروها وفعلوها، كما أحبوا، فأضافوا القدر إلى أنفسهم، فنسبوا إليه؛ فلذلك حركت الدال؛ لأنه منسوب لى القدر، وهو المستعمل في كلام العرب.
وأما قوله: تقول هي فلكة المغزل؛ فإن العامة تقول: فلكة، بكسر الفاء وهو خطأ والصواب فتحه. والعامة تفتح الميم أيضا من المغزل، والصواب كسرها. والفلكة: الهنة المستديرة المثقوبة، التي تجعل على رأس المغزل، لتثقله وتكون من العظام أو الحجارة أو غير ذلك. وهي مشتقة من الفلك، وهو: اسم لكل شيء مستدير من السماء والأرض.
وأما قوله: هي ترقوة الإنسان، وعرقوة الدلو، فهما على وزن: فعلوة، بفتح الفاء وضم اللام وسكون العين. والعامة تضم أولهما، وهو خطأ. والترقوة: وصل عظم بين/ ثغرة النحر والعاتق من الجانبين، أعلى صدر الإنسان. وجمعها تراق، ووزنها: فعلوة. والعرقوة من الدلو: الموضع الذي يقع عليه صليب الدلو، ويقال: الصليب نفسه يسمى عرقوة. وقد يكون للدلو عرقوتان وجمعها: العراقي. وقال الشاعر في الدلو:
стр. 248
رحب الفروغ مكرب العراقي
ويقال: ملأت الدلو إلى عرقوتها، وإلى عراقيها. والداهية العظيمة تسمى: "ذات العراقي" أي هي لعظمها وثقلها تحتاج إلى عراق عدة، وقال عدي:
وخلا علي ذات العراقي
وقد يسمى طرف الخشبة نفسها: عرقوة. وللقتب أيضا عرقوتان، وهما خشبتان على عضديه، من جانبين. والعرقوة أيضا: أكمة منقادة في الأرض مستطيلة وهي العراقي. وتكون للمزادة أيضا: عرقوة. ومنه قول سطيح الكاهن في سجعه: "خبأتم لي عين جرادة في عرقوة مزادة، بين عنق سوار والقلادة".
وأما قوله: قرأت سورة السجدة، بفتح السين؛ فإن من فتح السين ذهب إلى المرة الواحدة من السجود، يقال: سجدت سجدة واحدة وسجدتين وسجدات. ومن كسرها ذهب إلى نوع السجود، يقال: سجد سجدة حسنة، وسجد سجدة سوء، كما يقال: جلس جلسة سوء وجلسة حسنة، وجلسة قبيحة. والعامة تقولها بالكسر، وليس ذلك بخطأ، وإن كان الفتح أكثر وأعرف، وأصل السجود الخضوع، يقال: سجد يسجد سجودا. والسجود في كلام العرب: الخضوع والتذلل. وقال الشاعر:
بجيش تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافز
стр. 249
وأما قوله: هي الجفنة، فإنه يعني التي يعجن فيها من الخشب. والعرب تثرد فيها للأضياف، كالقصعة من الخشب. والكرمة أيضا تسمى: جفنة، بالفتح على فعلة والعامة تكسر الجيم، وهو خطأ؛ لأنها ليست من المصادر، فيجوز فيها الوجهان وجمع الجفنة: الجفان والجفنات. وقال الله : (وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ).
وقال حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا وأسيا فنا يقطرن من نجدة دما
ومثله جفن السيف، بالفتح. والعامة تقوله بالكسر أيضا. وكذلك جفن العين وقال "الخليل": الجفن أيضا: نوع من العنب، بلغة اليمن. ويقال: بل الجفن والجفنة: قضيب من قضبان الكرم. ويقال: بل هو ورقة. وجفنة: قبيلة من غسان، كانوا ملوكا بالشام؛ وفيهم يقول حسان بن ثابت:
أولاد جفنة عند قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
وأما قوله: هي ألية الكبش، وتجمع على: أليات، وكبش أليان، ونعجة أليانة، ورجل آلي، وامرأة عجزاء؛ كذا كلام العرب والقياس: ألياء؛ فإن العامة تقول: هي إلية الشاة، بكسر أولها وإثبات الهمزة، وهم المتفاصحون منهم، وسائرهم يقولون: لية، بحذف الهمزة وتشديد الياء، وكلتاهما خطأ. والصواب فتح الهمزة وتسكين اللام وتخفيف الياء على وزن فعلة، وجمعها: أليات، بفتح اللام والهمزة مثل: تمرات، فإذا وصف الكبش بعظم الألية كانت صفته على فعلان، بفتح الفاء والعين جميعا على مثال الغليان والنزوان كما قال الشاعر:/
стр. 250
ألا أبلغا هاروت عني رسالة وماروت أن قد جاء ما تريان
وأن عتاق الطير يسقط نورها على علبة الهلباجة الأليان
فوصف الرجل بصفة الكبش، على فعلان، كما يقال رجل زفيان وصميان، على الاستعارة، ولم يقولوا في الكبش أليان، بسكون اللام على فعلان؛ ولذلك قالوا في النعجة أيضا أليانة، بفتح اللام على فعلانة، ولو قيل في الكبش أليان، بسكون اللام، لقيل في النعجة أليا، مقصورة الألف على وزن فعلان وفعلى مثل سكران وسكرى، وكان قياسا ولكن قد قيل في صفة الرجل آلي على مثال أعمى، ولم يقولوا في المرأة ألياء على فعلاء مثل عمياء، واستغنوا عن ذلك بقولهم: عجزاء، ولم يقولوا رجل أعجز؛ لأن الرجل لا ينعت بكبر العجز كما لا تنعت المرأة بالألية، وإنما ينعت بها الكبش.
وأما قوله: الحرب خَدعة، هذا أفصح اللات، ذكر لي أنها لغة النبي ﷺ ، فإن أكثر الكلام في هذا ضم الخاء، وقد روي فتحها عن النبي ﷺ . ولكن ليس ذلك لأنه كما ذكر ثعلب أنه أفصح اللغات، ولا أنها لغة النبي ﵇ ولكن الفتح علامة للمرة الواحدة في هذا، وفي كل مصدر مثله، يقال: خرجت خرجة ودخلت دخلة، وركعت ركعة وأكلت أكلة، أي مرة واحدة، فإذا ضموا جعلوه اسم ما يخدع به، كما يقال للتي يلعب بها: لعبة، ولما يؤكل: أكلة، والخدعة أيضاً من الناس الذي لا يزال يخدع. والخدعة، بفتح الدال: الرجل الخداع، والخدعة بفتحتين جمع الخادع. وإنما أراد النبي ﷺ بفتح الخدعة: المرة الواحدة من الخداع، وليس فيها/ شيء من اللغات، بل كل العرب لغتهم النطق بجميع ما وصفنا في مواضعها.
وأما قوله: هي الأنملة، لواحدة الأنامل، وقد يجوز بالضم، وموضع يقال له: أسنمة؛ فإن النملة فيها لغتان، حكاهما "الخليل" و"سيبويه" فتح الميم وضمها. وأما أسنمة اسم موضع بعينه فلم يرو فيها عن العرب غير الضم. وقد جعلها "ثعلب" مثل الأنملة يجوز فيها الفتح، ولم يرو أحد بيت زهير الذي فيه ذكرها بغير الضم، وهو قوله:
ضحوا قليلاً، على كثبان أسنمة ومنهم بالقسوميات، معترك
стр. 251
وقال "الخليل": الأنملة: المفصل الأعلى من الإصبع الذي فيه الظفر. وجمعها: الأنامل. وقال الله : (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ) ورجل مؤنمل الأصابع، أي غليظها في قصر. وقد يقال: رجل نمل أيضا.
وأما قوله: هي الدجاجة فإنه يعني أنثى الديك، وقد يسمى الديك دجاجة أيضا، وهي مفتوحة الأول، والعامة تكسره. وذكر "الخليل" أن الكسر فيه لغة للعرب، إلا أن الفتح أعرف وأكثر. وكذلك دجاجة الغزل مثلها. وقال "الخليل": جستقة الغزل، يعني الكبة، وما يخرج عن المغزل، وأنشد في ذلك لأبي المقدام الخزاعي:
وعجوز أتت تبيع دجاجا لم يفرخن قد رأيت عضالا
ثم عاد الدجاج من عجب الدهـ ـر فراريج صبية أطفالا
يعني بالفراريج: الأقبية.
وأما قوله: هي الشتوة والصيفة والكثرة، يعني الشتاء والصيف؛ فإن العامة تكسر الشين والشتوة، والكاف من الكثرة، / والعرب لا تتكلم بذلك. وهي بالفتح على بناء المرة الواحدة. ويقال: شتا الشتاء فهو شات، إذا برد، وصاف الصيف، إذا اشتد الحر، فهو صائف. والمشتى: موضع الشتاء. والمصيف: موضع الصيف. وأما الكثيرة: فهي النماء والعدد.
وأما قوله تقول: سفود وكلوب وسمور وشبوط وتنور، وكل اسم على فعول، فهو مفتوح الأول، إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان. وكذلك
стр. 252
الذروح واحد الذراريح، بالضم، وقد يفتح. فإن العامة تضم أول سفود وكلوب وسمور وشبوط، ولم يجئ عن العرب في شيء من ذلك الضم، ولا في كلامهم غير الضم للثلاثة، التي ذكرناها خاصة. وسائر نظائرها مفتوح، وقد يفتحون هذه الثلاثة أيضا. والواحدة من الذرارايح: ذروحة، وهي دويبة طيارة، تشبه الزنبور، وهي من السموم القاتلة. ويقال لها أيضا: ذرنوحة، كأنهم أبدلوا النون من الراء الأولى؛ استثقالا للتشديد في الراء، فإذا فصلوا في تصغير أو جمع بين الراءين حذفوا هذه النون فقالوا: ذريرحة وذراريح. ومنهم من يسميها: ذرحرحة، وجمعها: ذرارح وذرارايح، كما قال الشماخ:
سقته على لوح دماء الذرارح
والسفود: حديدة طويلة لها شعب معقفة، يشك فيها اللحم، فيشوى بها. ومنه قول النابغة:
كأنه خارجا من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتاد
ومنه قيل للكلب: سفد أنثاه، إذا نكحها، وهو يسفدها، وقد تسافدا. وكذلك/ كل ما سفد، مما يعلق بالأنثى بمخالبه، والكلوب حديدة مثل المنجل، طويلة لها مقبض خشب، لها عقفة يجر بها الأشياء من النار وغيرها. والكلاب أيضا: حديدة أعظم منها. وجمعها: كلاليب. وكلاليب البازي: مخاليبه. والسمور: دابة برية مثل السنور، تتخذ منجلودها الفراء للينها وخفتها ودفائها وحسنها، وهو أعجمي معرب. والشبوط: ضرب من السمك، لين الجلد أبيض، يضرب على الطول، طيب الطعم. والجميع: الشبابيط.
وأما قوله: وقعوا في صعود وهبوط وحدور، وهي الجزور، وهو الوقود، والطهور والوضوء، تعني الاسم، والمصدر بالضم، وهو السحور والفطور والبرود ونحو ذلك،
стр. 253
وهو حسن القبول، وهو الولوع؛ فإن العامة تضم أول هذه الأسماء ولا تفرق بين المصدر وغيره. وإنما الصعود والهبوط والحدور بالفتح: اسم المكان، الذي يصعد فيه من الجبل أو الوادي، وما أشبهه، وما يهبط وينحدر فيه من ذلك. فأما مصدر الفعل منها فمضموم الأول من الدخول والخروج، يقال: هو كثير الصعود والهبوط، وكذلك الوقود بالفتح: اسم ما يوقد به من حطب وغيره. وبالضم مصدر قولك: وقد يقد وقودا. وكذلك الطهور: اسم لما يتطهر به بالفتح والمصدر بالضم، وكذلك الوَضوء والوُضوء. والسحور والفطور بالفتح: اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، وما يفطر عليه. والبرود بالفتح: اسم لما يكتحل به، لتبرد به العين. والقبول: اسم بالفتح. وبالضم مصدر. وقد يوضع الاسم موضع المصدر. وكذلك/ الولوع، بالفتح: اسم لما يولع به، وبالضم المصدر.
والجزور: الناقة التي تجزر وتنحر خاصة، وإن كانت لم تنحر ولم تجزر بعد، ولا يسمى الجمل جزورا، هكذا يقول أهل الغة. وفي الحديث أن النبي ﷺ ، [قال]: "مثل الذي يسمع الحكمة، ويحفظ شرها، كمثل رجل أتى راعيا، فقال له: أجزرني شاة من غنمك، فقال له: خذ بأذن أيها شئت، فعمد إلى كلب بالغنم فأخذ بأذنه وترك الغنم ومضى"؛ فسمى الشاة جزورا. وفي حديث آخر عن رجل من الصحابة أنه قال: "أجزرني رسول الله ﷺ شاة" ومعنى أجزرني دفعها إلي لأجزرها.
وأما قوله: تقول هي الكبد والفخذ واللكرش والفحث، وهي القبة، وهو اللعب والضحك، والحلف والكذب، الحبق والضرط، وهو الصبر؛ لهذا المر، وهي المعدة، وهم السفلة، وهي اللبنة، والكلمة، والقطنة، وهي الرمانة تكون في جوف البقرة، وبعتك بيعا بأخرة ونظرة؛ فن كل اسم أو فعل على ثلاثة أحرف، وثانيه مضموم أو مكسور، فحذف الضمة والكسرة منه جائز للتخفيف كقولهم في: كَبِد: كَبْد، وفي عضد: عضد، وفي ضجر: ضجر، وفي حسن: حسن، وتحريك الحركة المحذوفة إلى أول
стр. 254
الكلمة، للدلالة على أصلها جائز أيضا، كقولهم في كبد: كبد، وفي كتف: كتف، وفي عضد: عضد وما أشبه ذلك. والعامة كلها على التخفيف، وأكثر العرب على ذلك. وأما أهل التفاصح والبلاغة فيلزمون الأصل، ويحتملون الثقل؛ طلبا للفخامة وهو الذي اختاره "ثعلب". وليس التخفيف بخطأ. وقد قرئ القرآن بالتخفيف. واللعب والضحك، والحلف والكذب، / والحبق والضرط كلها تستعمل في موضع المصدر، وليست على أبنية المصادر من أفعالها. وإنما هي أسماء. والصبر: نبات مر، وليس يجري مجرى المصادر. فأما مصدر قولهم: صبرت، فهو ساكن الأوسط لا غير.
والمعدة: اسم عضو: ويجوز فيها: المعدة، بسكون العين، والمعدة بكسر الميم مع سكون العين على ما فسرنا، وهو قول العامة. والسفلة: اسم جماعة رذال الناس. والعامة تقول: السفلة، بكسر السين وتسكين الفاء على ما شرحنا. واللبنة واحدة اللبن، الذي يبنى به، وكذلك لبنة القميص. والعامة تقول: لبنة، وكذلك يقولون: الكلمة، بكسر الكاف والتسكين في الكلمة، وكذلك يقولون: القطنة، بكسر الأول وتسكين الثاني. وكذلك يقولون: بعته بأخرة، بسكون الثاني ولا يكسر أولها. وكذلك النظرة مثلها، وهو قياس التخفيف، على ما شرحنا.
وأما قوله: ما عرفته إلا بأخرة فبفتح الأول والثاني لا غير. والعامة تسكن ثانيه على قياس الشعر والنهر. وقال "الخليل": جاءوا بأخرة، بفتح الخاء والألف، أي أخيرا، وبعته بأخرة كذلك، أي بتأخير، وهو مأخوذ من قولهم: الأول والآخر، وهو الثاني على وزن فاعل، وعندي ثوب وهذا آخر، على وزن أفعل، أي غيره. ومنه قولهم: الدنيا والآخرة، على فاعلة؛ لأنها متأخرة. ومنه قولهم: تأخر، واستأخر، إذا تباعد. وأخرته، إذا أبعدته. وقال: الآخر؛ الأبعد.
فهذا آخر تفسير هذا الباب.
стр. 255
تصحيح الباب الخاسم عشر
وهو المترجم بباب المكسور أوله /
اعلموا أن هذا الباب مثل الذي قبله؛ في أن العامة تلحن فيه، فتفتح أوائل أشياء منه، حقها الكسر، ومنها ما يجوز فتحه، وإن كان كسره أصوب. فوضع الباب على ذلك، وخلط فيه، كما خلط في الأول، ولم يميز صنفا من صنف.
ونحن مفسرون على ما شرحنا الذي قبله إن شاء الله:
أما قوله: تقول الشيء رخو، فهو صفة لكل مسترخ. وذكر أحمد بن يحيى، ﵁؛ أنه مكسور الأول، والعامة تفتحه. وقد ذكر "الخليل" أن الفتح لغة فيه. وقد شرحنا اشتقاقه في غير هذا الباب. وكذلك قوله: هو الجرو، بكسر أوله، يعني ولد الكلب والسنور وكل ذي ناب. والأنثى: جروة والجمع: الجراء والأجراء، على فعال وأفعال، وأدنى العدد: أجر، على أفعل وتقول العامة: جرو، بفتح الجيم، وهو خطأ.
وأما قوله: هو الرطل الذي يوزن به؛ فإنه يعني الصنجة، وهي نصف المنا وهو اسم له، حجرا كان أو حديدا أو غير ذلك. وإنما هو زنة رطل، أو مقدار رطل، ولكنه حذف المضاف منه، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ طلبا للإيجاز والاختصار؛ فإذا قلت: اشتريت رطل لحم، أو رطل خبز، فمعناه اشتريت وزن رطل من لحم أو من خبز، ولكنه قد اختصر. وهذه مسألة محمد بن يزيد على أحمد بن يحيى عند ابن طاهر.
стр. 256
وليس الرطل ههنا بصفة لشيء؛ ولذلك كسر أوله، ليفرق بينه وبين الرطل الذي هو صفة، فإن ذلك مفتوح. والرطل الذي يوزن به يختلف في البلدان؛ وهو عند قوم وزن مائة وبضعة وعشرين درهما وعند آخرين مائة وخمسون درهما وعند آخرين ثلاثة أرطال، وعند آخرين خمسة أرطال، فأول هذا كله مكسور، كما قال أحمد بن يحيى، إلا أنه قد حكي فيه الفتح أيضا،/ وهي لغة العامة، وأكثر أهل اللغة والنحو لا يجيزون فتحه. فأما الرطل المفتوح الأول فصفة للناعم الرطب من كل شيء، يقال: غلام رطل، وجارية رطلة، وقوم رطلون، ونساء رطلات، ولا يجوز كسر شيء من هذا. وهو مأخوذ من قولهم: رطلت شعره ترطيلا، وشعر مرطل، أي مرطب مرجل. وأصل جميع الكلام الفتح في أوله؛ لأن أول الكلمة إنما يحرك ضرورة؛ يوصل بالحركة إلى النطق بها، إذ لم يكن من كلامهم الابتداء بالساكن، وليست الحركة في الأوائل دليلة لمعنى كالإعراب ونحوه، فوجب أن يختار أخف الحركات، ولا يتكلف حركة ثقيلة من غير معنى، فإذا وقع في الكلام لبس يوجب الفرق، أو عرض عارض غير ذلك، مما يوجب الانتقال عن الفتح إلى الكسر أو الضم، فعند ذلك يترك الفتح، ويتكلم بما هو أولى من الفتح، كما كسر أول الرطل الذي يوزن به، وترك الذي هو صفة مفتوحا، لشلا يكون الاسم كالوصف، وكان إبقاء الفتحة في الوصف أولى منه في الاسم، لثقل الوصف.
وأما قوله: استعمل فلان على الشام، وما أخذ إخذه، يعني العامل الذي ولي تلك الناحية وهي الإخذ؛ فإن الأخذ ليس بمصدر، وإنما هو اسم للناحية من المكان، ولما اتصل به، ودخل في حيزه وحده. وذكر "الخليل" أن الإخاذ والأخذ ما اتخذه الرجل
стр. 257
لنفسه كالحوض، يجتمع فيه الماء، وإنما كسر أول الإخذ، ليفرق بينه وبين مصدر فعله؛ لأن المصدر مفتوح الأول، وهو الأخذ، وهذا اسم لناحية الشيء، وهو المأخذ الذي يؤخذ فيه أو منه، فمعنى قولك: سار إلى الشام وما أخذ إخذها، أي وما أخذ مأخذها الذي يؤخذ فيه أو/ منه إلى الشام، كما تقول: سقعها وحيزتها. وقد تكون الفعلة بكسر الأول والتأنيث اسما للهيئة والنوع من الفعل كالركبة والجلسة، والمصدر الصحيح بالفتح، تقول: أخذ أخذا وأخذة واحدة، وفي النوع: أخذ إخذة حسنة، والأخذ بالضم: ما يؤخذ به من سحر أو حيلة أوغير ذلك.
وأما قوله: هو النسيان، فإنه مصدر قولهم: نسي الشيء ينساه نسيانا بكسر الأول وسكون الثاني، وهو ناس للفاعل، والمفعول: منسي، كما قال الله عز ذكره: (وكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًا). والنسي على وزن فعل اسم لما ينسى ويترك والعامة تقول: النسيان، بفتح الأول والثاني، وإنما هو بكسر النون وسكون السين على فعلان، مثل الخذلان والنشدان والوجدان. فأما الفعلان بفتحتين، فإنما يجيء في المصادر التي فيها معنى التحرك والعجلة، كالغليان والقفزان والنزوان، وليس في النسيان شيء من هذا المعنى، ولكنه بمعنى الغشيان والحسبان والوشكان والرئمان، على وزن فعلان، بكسر الأول وسكون الثاني.
وأما قوله: الديوان والديباج، فإنه يريد أنهما مكسورا الأول. وقد يروى فيهما الفتح أيضا. والصحيح عند البصريين أن الياء منقلبة في الديوان من واو، وأصله: الدوان
стр. 258
بالتشديد، فاستثقل ذلك في الواو بعد الكسرة، لكثرة الاستعمال وانكسار أولها، فأبدلت الياء من الواو، وكذلك الديباج، يقال إن اصله: الدباج بتشديد الباء، على فعال، فاستثقل التشديد بعد الكسرة، فأبدل من الباء الأولى الياء، إتباعا للكسرة التي قبلها، وكذلك الدينار. وإنما الأصل فيه: دنار، بتشديد النون، فأبدل من النون الأولى ياء، إتباعا للكسرة قبلها،/ واستثقالا للتشديد معهما. والدليل على ذلك أنهم إذا صغروا ذلك أو كسروه للجمع عاد إلى الأصل فظهرت الحروف التي أبدل منها غيرها، فقيل: دواوين، ودويوين، ودبابيج ودبيبيج ودنانير ودنينير؛ لأن الثقل قد زال ههنا؛ لدخول حرف التصغير وحرف التكسير بين الحرفين المضعفين وتفرقهما، لما فصل بينهما، وكذلك إذا استعملوا فيها الفعل أو الوصف ردوه إلى الأصل فقالوا: دونت الدواوين ودنرت الدنانير، ودبجت الدبابيج، وهو مدون ومدنر ومدبج؛ لزوال الكسرة التي كانت قبل الحرف. وليس واحد من ذلك بمصدر، ولا الباب باب مصدر.
وأما قوله: كسرى، فيجوز فيه الفتح والكسر، وهو اسم أعجمي، أصله: خسرو بالخاء والضم، فبني على فَعلى في لغة، وعلى فِعلى في لغة أخرى؛ لأنه ليس في كلام العرب اسم آخره واو وما قبلها مضموم. وأبدلت الكاف فيه من الخاء؛ علامة لتعريبه، وشبه بالأسماء المؤنثة بالألفات المقصورة، ويجمع على: الأكاسرة، على غير
стр. 259
الواحد، وغير القياس. وقال "الخليل" أيضا عنهم: كساسرة، على غير قياسه. وإنما قياسه: كسرون، مثل: عيسون، وموسون، أو كسارى مثل سكارى.
وأما قوله: سداد منعوز، فإن الكسر هو الصواب في السين، وهو كلام العرب. والعامة تفتحه، وهو خطأ؛ لأنه اسم لما يسد به الشيء، كالصمام والبلغة من المال، يسد بها الحاجة والخلة. ومنه قول الشاعر:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فأما السداد بالفتح فمصدر كالصواب في القول والفعل، كما قال رؤبة بن العجاج:
قلت وقولي صائب سديد
وكذلك العوز هو بفتحتين. والعامة تخطئ فيه فتكسر أوله. والعوز: الخلة
стр. 260
والحاجة والعدم والفقر ونحو ذلك. ومنه قولهم: قد أعوزني الشيء، وهو معوز إذا لم تجده وأنت تطلبه. ويقال قد أعوز الرجل، إذا دخل عليه الفقر وساءت حاله.
وأما قوله: هو الخوان، يعني المائدة التي يؤكل عليها، فإنه اسم أعجمي معرب بكسر الخاء وضمها. والعامة تكلم فيه بالضم من أجل الواو التي بعدها. والعرب تختار الكسر؛ ليكون على مثال [ما] تستعمل من الأشياء، كالرداء واللحاف والسلاح. والعجم تبتدئ بهذه الخاء ساكنة. ومنهم من يضمها ويحذف واوها، ويجمع الخوان، على خون، وأدنى العدد فيه: أخونة. وأنشد بعضهم:
خوانهم فلكة لمغزلهم يحار فيه لحسنه البصر
وأما قوله: هو في جواري، بكسر الجيم، فإنه مصدر من المجاورة، كقولهم في المخاصمة: الخصام، وفي المطاعنه: الطعان، وكذلك كل مفاعلة من المصادر، يجوز فيها: الفعال، بالكسر. والعامة تقوله بالضم: هو في جواري. ويجوز أن يكون ذلك اسماً لا مصدرا، وليس بخطأ. ويقال: هو جاري، أي مجاوري. وجمعه: الجيرة، على فعلة، والأجوار على: أفعال، وجيران على: فعلان، وأنشد "الخليل" في الأجوار:
ورسم دار [دارس الـ] أجوار
وقال: الجار: من جاورك في المسكن، ومن استجار بك في الأمر، وهو جارك، وأنت جار؛ لأن الجار بمعنى المجاور. ومن هذا قيل للزوجة:/ جارة؛ لأنها تجاور زوجها في البيت، كما قال الأعشى:
أيا جارتي بيتي فإنك طالقه كذاك أمور الناس غاد وطارقه
стр. 261
وزعم الشافعي: أن الجار هو الشريك، واحتاج بهذا البيت، وهو غلط منه. والعرب لا تسمي الشريك ولا الصديق جارا، إلا إذا جاورها في المنزل، أو استجار بها. وزوجة الرجل لا تكون جارة، إلا إذا ساكنته ببلدته، أو محلته أو داره.
وأما قوله: هذا قوام الأمر وملاكه، فإنهما بمنزلة السداد والزمام والصمام والمساك. وهو: اسم ما يقوم به الشيء، أو يملك به. وقوام العيش: ما يقيمك ويعينك على العيش. وقال العجاج أو رؤبة:
رأس قوام الدين وابن رأس
مثل قولهم: عماد الشيء؛ لما يعند به. وإياده: ما يؤيد به. والعامة تقول: قوام الأمر بالفتح، وهو خطأ. وإنما القوام: قامة المرأة والرجل. والعامة تقول أيضا: هذا ملاك الأمر؛ بالفتح وهو خطأ.
وأما قوله: تقول: المال في الرعي، بكسر الراء، فإن الرعي بالكسر هو المرعى بعينه، والنبت والكلأ. والعامة تفتحه، وهوخطأ؛ لأن الرعي بالفتح إنما هو مصدر رعيت، وهو اسم فعل الراعي والإبل أنفسهما؛ فمن فتح هذا على فعل الراعي بها، أو فعلها بأنفسها، ولم يرد الكلأ، فإنه صواب أيضا، يقال: هو يرعاها رعيا، وهي ترعى رعيا، مثل قولهم: جبر وجبرته.
وأما قوله: كم سقى أرضك، يعني بكسر السين، وهو المقدار الذي يكفي أرضك مثل الشرب، إذا سقيتها. والعامة تفتحها، وهو غلط. وإنما السقي مصدر سقيته سقيا؛ ولذلك قال أحمد بن يحيى: فإن أردت المصدر فتحت أولهما، يعني السقي/ والرعي.
стр. 262
وأما قوله: وزرع سقي ودذي، يعني بكسر أولهما. والعامة تفتحها وهو خطأ. وإنما يجيء الفتح في المصدر. فأما هذا فاسم الزرع: السقي والعذي؛ فالسقي: ما سقاه أهله. والعذي: ما سقته السماء، لا الناس. ومنه قولهم: أرض عذية وعذاة، كما قال الشاعر:
بأرض عذاة النبت طيبة الثرى يمج الندى جثجاثها وعرارها
وأما قوله: فلان ينزل العلو والسفل، وإن شئت ضممت، فإنه يجوز فيهما الكثر والضم، على ما ذكره. ويجوز أيضا الفتح في العلو؛ لكثرة استعماله مع ثقل الواو وإن كان أقل من الكسر والضم. ويجوز فيه لغات أخرى، غير ذلك. وأما السفل فلا يجوز فيه الفتح؛ لأنه ليس في آخره واو. وقال "الخليل": يقال: ذهب في السماء علوا، وفي الأرض سفلا، بالضم. وقال: السفل أسفل كل شيء، والعلو أعلى كل شيء، يعني بالكسر.
وأما قوله: هو الجص، فإنه يجوز فيه الفتح أيضا، وهو فارسي معرب، قد أبدلت فيه الجيم من كاف أعجمية، لا تشبه كاف العربية، والصاد من جيم أعجمية. وبعضهم يقول: القص، بالفتح، وهو أفصح؛ وهو لغة أهل الحجاز. ويقال للموضع الذي يطبخ فيه الجص: الجصاصة؛ وهي: الأتون، الذي يطبخ فيه الطين والحجارة، فيصير جصا، إذا تكلس.
وأما قوله: وهو الزئبر، وثوب مزأبر، وهو الزئبق، ودرهم مزأبق؛ فإن الزئبر مهموز، بكسر الباء: ما يظهر على وجه الثوب بعد النسج والغسل كالزغب من غزله،
стр. 263
نحو ما يكون على الخز وأكسية المرعزي والصوف، والثياب الكردوانية/ والهمزة في الزئبر أصلية، وهي كلمة رباعية، فلذلك كان فعله مصرفا على تصريف الرباعي، تقول: زئبر الثوب يزأبر، زأبرة، وهو مزأبر، مثل دحرج الشيء، وهو مدحرج دحرجة. وصاحبه: مزأبر، بكسر الباء. والزئبر على زنة، فعلل مثل: زهلق، وخذعل. والعامة لا تهمزه وتفتح االباء منه، وهو خطأ عند جماعة النحويين. وزعم بعضهم أن الهمزة فيه للإلحاق، بمعنى همزة شأمل وشمأل، إلا أنها ملحقة ببناء فعلل بالكسر. وإن الدليل على ذلك: أخذت الشيء بزوبره، فالهمزة مثل هذه الواو. وإن قول العامة: زيبر، ليس بخطأ؛ لأن الواو إنما صارت ياء، لانكسار ما قبلها، أو لينت الهمزة، فصارت ياء، وليس في الكلام فيعل. وكذلك الزئبق، إلا أن باء الزئبق مفتوحة بعد الهمزة على مثال هجرع ودرهم، وفعله يصرف تصريف الربااعي فيقال: قد زؤبق الدرهم يزأبق، فهو مزأبق، مثل قولك: درهم الرجل، فهو يدرهم درهمة وهو مدرهم. وفاعله: مدرهم. والعامة لا تهمز الزئبق، ولكن تقوله بالياء وتصرف فعله بحذف الياء لذلك، وقد حكى "الخليل" أن تليين الهمزة فيه لغة، وفعله التزبيق، وقد زبق يزبق، وهو موافق لقول العامة والصحاء العرب، على ما قاله أحمد بن يحيى- ﵁ والأخرى جائزة مقاربة للفظها بالفارسية؛ لأن اسمها بالفارسية: جيفة، بجيم عجمية، وفاء عجمية، ولا همز فيها بالعجمة.
стр. 264
وأما قوله: القرقس، هو لهذا البعوض، يعني صغار اللبق. واسمه بالعربية: البعوض. وأما القرقس فأعجمي معرب. ويقال أيضا: الجرجس، بالجيم. والعرب تكسر أوله وثالثه. والعامة/ تفتح أوله خاصة. قال الشاعر:
فليت الأفاعي يعضضننا مكان البراغيث والقرقس
ويجوز أن يكون هذا عربيا من قول العرب قاع قرقوس، وهو الذي لا نبات فيه. وقد فسرناه في موضعه.
وأما قوله: ليس لي فيه فكر، فلا نعلم أن أحدا من الناس، فتح أول هذا ولا ضمه ولكنهم قد يؤنثونه، وهو مكسور كما ذكره، ساكن الكاف، وهو اسم فعل من أفعال النفس، كالعلم والحفظ والذكر، وليس بمصدر يجري عليه فعلة، لأن الفعل ثلاثي من الفكر لا يستعمل، وإنما يستعمل منه الإفعال أو التفعيل كقولهم: أفكر يفكر تفكيرا، أو تفعل كقولهم: تفكر يتفكر تفكرا، فلما لم يستعمل منه فعل ثلاثي لم يؤت بالمصدر على قياس الفعل، ووضع بدله اسم على مثال نظائره، وهي: الذكر والحفظ والعلم، وعلى بناء الفعل الذي هو عبارة عن كل فعل. ويجمع الفكر على: الأفكار. ويقال للمرة الواحدة منه: فكرة، وليس على طريقة المصادر، ولكن مثل: تمرة وتمر، وبسرة وبسر، وقشرة وقشر. وقد تكسر الفكر [ة] كما تكسر الكسرة، والربقة، فيقال: الفكر.
وأما قوله: أوطأتني عشوة، فإن العرب تقول: عشوة وعُشوة، بالكسر والصم في أولها.
стр. 265
وذكر "الخليل" أن الفتح لغة فيها على ما تقوله العامة. وإنما الفتح فيهما بمعنى المرة الواحدة صحيح بمنزلة: رشوة رُشوة، وللمرة الواحدة: رشوة. وأما الكسر فعلى غير المصدر، وهو: اسم لتلبيس الأمر والتغرير، وذلك أن تكذب/ الرجل حتى تضلل رأيه وتدبيره، فتوقعه فيما يكره. والعشوق مشتقة من قولهم: يعشو إلى كذا وكذا، أي يسير وهو ينظر في ظلمة العشاء إلى نار أو ضوء على غير بيان، وبغير دليل. وقال "الخليل": العشوة من أول الليل إلى ثلثه، ومنها العشاء، بالكسر، والعشاء بالفتح، وعشو الليل: ظلمته. ومنه قول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
فمعنى أوطأته عشوة، أي تركته يطأ "العشوة". ومنه قولهم: فلان يركب العشواء، أي يركب الغرر. والعاشية: الإبل التي تعشو إلى ضوء نار. وكل شيء يعشو بالليل إلى ضوء نار من أصناف الخلق.
وأما قوله: هي الحدأة، وجمعها: حدأ، بالهمز وكسر الحاء وفتح الدال؛ فإنها ضرب من الطير الجوارح، تصيد الجرذان ونحوها. وفيها لغات: فمنهم من يسكن الدال في الواحد خاصة. ومنهم من يقول: الحدو، بالواو وفتح الدال. والعامة تقوله: الحدأة، بفتح الحاء وإبدال الألف من الهمزة، على مثال فعلة مثل القطاة. والجميع: الحدا, وذلك خطأ. والحدأة، بفتح الحاء والدال والهمزة: اسم الفأس والمعول. والجميع: الحدأ، بغير تأنيث. وقال الشماخ يصف أنياب الإبل:
стр. 266
يباكرن العضاه بمقنعات نواجذهن كالحدأ الوقيع
وأما قوله: هي الجنازة، يعني بكسر الجيم. قال "الخليل": الجنازة، بكسر الجيم: خشب الشرجع، يعني سرير الميت، وقال: العرب تقول: رمي في جنازة فلان فمات، بالكسر،/ وقد وقع في أفواه الناس بالفتح. قال: والجنازة، بالفتح: الإنسان الميت، وكل شيء ثقل على قوم واغتموا به: جنازة. وأنشد في ذلك للهذلي، بقوله لامرأته، و [قد] رأى منها تبرما بمرضه، وأمه صابرة عليه
أرى أم صخر ما تمل عيادتي وملت سليمى مضجعي ومكاني
فأي امرئ سواى بأم حليلة فلا عاش إلا في شقاً وهوان
وما كنت أخشى أن أكون جنازة عليك ومن يغتر بالحدثان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه وقد حيل بين العير والنزوان
وأما قوله: هي الغسلة، يعني بكسر الغين، للآس اليابس المطيب، الذي يجعله النساء في رؤوسهن. والعامة تفتح أولها، وهو خلاف قول العرب؛ لأن الفتح إنما هو في اسم
стр. 267
المرة الواحدة، من الغسل، تقول: غسلته غسلة واحدة وإنما الغسلة اسم لما يغسل به الرأس؛ ولذلك سمي السدر والخطمي: غسلا بالكسر، فرقا بينه وبين المصدر. وجمع الغسلة: الغسل.
وأما قوله: هي كفة الميزان، يعني بالكسر، وهي المستدير المعلق بالخيوط، الذي يوزن به. وحكاه "الخليل": كفة، بالضم. وكذلك كفة الصياد ونحوه: ما يجعله كالطوق. وأما كفة، بالكسر فحكاها في كفة اللثة، وهي: ما انحدر منها على أصول الثغر. وكذلك كفة السحاب، بالكسر. وكفافه: أي نواحيه. والعامة تفتح أول كفة الميزان. وإنما الفتح في المرة الواحدة من الفعل، كقولك: كففته كفة واحدة. فأما الجنس والهيئة فبالكسر/ قال الشاعر:
كل عجوز رأسها كالكفه قاعدة في يدها هرشفه
وكذلك كل ما يكف من دارات النسج والوشم على اليد بالكسر. وجمعها كفف. قال لبيد:
أو رجع واشمة أسف نئورها كففا تعرض فوقهن وشامها
стр. 268
والكفة بالضم: ما يكف به الشيء، ككفة الصياد، الذي كأنه طوق، لاستدارته.
وأما قوله: صنارة المغزل، فهي: حديدة دقيقة معقفة الرأس، تجعل في رأس المغزل، الذي يغزل به. وهي فارسية معربة. والعامة تفتح أولها، والصواب كسره، كما قال الشاعر:
فليت سنانك صنارة وليت رميحك من مغزل
والصنارة بلغة اليمن: الأذنان، أي ليتك كنت امرأة تغزل في البيت، ولم تشهد الحرب فتفتضح.
وأما قوله: لي في بني فلان بغية، فإن يعني به طلبة أو حاجة. ويقال: عندك بغيتي، وأنت بغيتي، وهي مكسورة الأول، على مثال: همة ونية. وجمعها: بغى، مقصورة، على وزن فعل. وبعضهم يضم ألها. وقد يمد مكسورا أو مضموما قال الراجز:
آليت لا آلوا بغائي مقسما آليت لا أسأم حتى تسأما
والبغية من الابتغاء: اسم على بناء فعلة للهيئة والنوع. وبالضم: اسم لما يبغى به الشيء. والبغية، بالكسر أيضا، الزنية. يقال: هو ولد بغية، وولد زنية، أي هو ابن /بغية وبغي، وهي الزانية. وهو من قول الله تعالى: (ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ).
стр. 269
وأما قوله: هو لرشدة وزنية، بعني بالكسر وهو لغية بالفتح؛ فإن الرشدة: الحلال، وهو من الرشاد والرشد. والزنية الفجور، وهو من الزنا. يقال: فلان ولد رشدة وفلان ولد زنية. ومنه قولهم: لم يهد فلان لرشده، أي للصواب. وتستعمل الرشدة، بكسر الأول وفتحه. والفتح للمرة الواحدة من الرشد. وأما الزنية، فبالكسر لا غير. وفي ذلك يقول الشاعر:
ألا رب من يغتابني ود أنني أبوه الذي يدعى إليه وينسب
على رشدة من أمه أو لغية فيغلبها فحل على النسل منجب
وأنشد الخليل في ذلك:
وكائن ترى من شردة في كريهة ومن غية تلقى عليها الشراشر
وأما الغية فلم تستعمل مكسورة الأول؛ لاستثقال الكسرة مع الياء. واقتصروا فيها على اسم المرة الواحدة. واستعملوا في الرشدة الكسرة، على معنى الهيئة والنوع، والفتحة على المرة الواحدة.
وأما قوله: يقال بينهما إحنة؛ فإنها العدواة والحقد، وأولها همزة مكسورة أصلية. يقال منها: قد أحن عليه يأحن، إذا حقد عليه. وجمعها: الإحن. قال الشاعر:
ذوي البغضاء والإحن
стр. 270
وقال الآخر:
إذا كان في صدر ابن عمك إحنة فلا تستثرها سوف يبد دفينها
وقال ذو الرمة:
إذا ما امرؤ، حاولن أن يقتتلنه بلا إحنة بين النفوس، ولا ذحل
والعامة تقول: بينهما حنة، بحذف الهمزة، وكسر الحاء، على مثال: عدة وزنة وهو خطأ. إنما يجوز ذلك فيما كانت أوله واوا في الأصل. وقد جاء في بعض الشعر:
ذوي العداوة والحنات
وهو رديء في الكلام، ولكن للشاعر إذا اضطر، أن يفعل مثل ذلك. وقد/ زعم "الخليل": أنها لغة.
وأما قوله: أجد إبردة، يعني بالكسر الأول والثالث. والعامة تفتح أولها، وهو خطأ؛ لأن أفعلة إنما تكون جمعا لفعال أو فعيل أو نحوهما. وإنما إلإبردة إفعلة مثل إسحلة من البرد، والهمزة فيها زائدة، وهي: وجع يصيب المشايخ كالخام ونحوه.
وأما قوله: هي الإصبع، بفتح الباء مع كسر الهمزة؛ فإن بعض العامة يكسر الباء منها. وبعضهم يضم أولها، وفيها لغات، وأفصحهن ما ذكره أحمد بن يحيى. وفي الحديث
стр. 271
عن النبي صلى الله عليه أنه قال: "قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف شاء" وقال يوم الخندق:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
فكسر الهمزة وفتح الباء، وأنث الإصبع. والإصبع معروفة، وربما استعيرت في أشياء غيرها.
وأما قوله: هي الأشفى، وجمعه: الأشافي فإنه يعني المثقب، الذي يخرز به الخراز والإسكاف. وهو مكسور الأول مقصور الآخر، على وزن الإصبع، والهمزة فيه زائدة. والعامة تحذف الهمزة من أوله وتقول: الشفي، وهو خطأ. واشتقاقه من "الشفا" بالفتح والقصر، وهو: حرف/ كل شيء. ومنه قولهم: أشفى المريض على الموت، أي أشرف. وإليه يئول معنى الشفاء من المرض، وهو التخلف من الشفي.
وأما قوله: هي أنفحة الجدي، ويخفف، وهي: التي تخرج من بطن الجدي، وفيها لبن متعقد يسمى: اللبأ، ويعقد به اللبن الحليب، فيصير جبنا. والعرب تهمز أولها وبعضهم يفتح الهمزة، وبضعهم يكسرها، ومنهم من يشدد الحاء، ومنهم من يخففها، والتخفيف أكثر. والعامة تفتح الهمزة في أولها وتخفف الحاء، ومنهم من يجعل بدل الهمزة التي في أولها ميما، فيقول: منفحة. والجيد ما ذكره، والميم خطأ. وتجمع الإنفحة على الأنافح، قال الشماخ يخاطب امرأة:
وإني لمن قوم على أن ذممتهم إذا أولموا لم يولموا بالأنافح
стр. 272
وأنشد "الخليل" في تخفيفها:
كم قد تمششت من قس وإنفحة جاءت بهن إليك الأضئون السود
وأما قوله: هو الإكاف والأُكاف، يعني بهمز أوله وكسره وضمه؛ فإنما جاء أوله بالهمز؛ لأن أصلها الواو، وهو فعال أو فِعال، من الوكف، فأبدلت الهمزة من الواو، لانكسارها وضمها، وقال فيه الشاعر:
إن لنا أحمرة عجافا يأكلن كل ليلة إكافا
وقال الآخر:
حتى إذا ما آض ذا أعراف كالكودن الموكف بالإكاف
وقد يستعملون الفعل منه بالهمز والواو، كما يفعل ذلك في الاسم منه فيقال:/ آكفته وأوكفته وأكفته ووكفته مثل أكدت ووكدت.
وأما قوله: هي إضبارة من كتب، وإضمامة، تعني كتبا مجتمعة مضمومة مشدودة، وهي على زنة إفعالة، وهي مصدر قولهم: أضبرت إضبارة واحدة، وأضممت إضمامة واحدة، فسميت بالمصدر. وأصل الإضبارة الضبر وهو شدة تلزز العظام، واكتناز اللحم، ويقال جمل مضبور الظهر مضبر. وكل حزمة من الصحف والسهام أو نحو ذلك؛ فإنها إضبارة. والجمع: الأضابير. وجمع الإضمامة: الأضاميم. والعامة
стр. 273
تحذف الهمزة من أولها، وتكسر الضاد فتقول: ضبارة، ومنهم من يفتح الضاد فيقول: ضبارة، وهما خطأ.
وأما قوله: السوار لليد والإسوار من أساورة الفرس، ويقال بالضم؛ فإن السوار بكسر السين لا غير، هذا الذي يجعل في اليد، ويجمع على أسورة فأما قول الله تعالى: (وحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) فإنه جمع الجمع، يقال: أسورة وأساور، وهو عربي. والعامة تضم أوله فتقول: سوار. وقد يجمع على السور، كما قال الراجز:
وفي الأكف اللامعات سور
وهمزوا "سؤر" لانضمامها. وأما الإسوار من أساورة؛ فإنه بالفارسية اسم الفارس خاصة، ومعناه: الحاذق بالفروسية، مفتوح الأول، ولكن لما عرب كسر، ليكون على أمثلة أسماء العرب. قال الشاعر:
كما ازدهرت قينة بالشراع لإسوارها [عل منه اصطباحا]
стр. 274
ومنهم من يضم أوله؛ فيقول: أسوار، والعامة تفتحه على لفظ العجم، وهو خطأ،/ والأسوارة جمعه، وإنما أدخلت فيه الهاء عوضا مما حذف من آخره؛ لأنه كان قياسه: الأساوير. وقد حكي الإسوار أيضا على إفعال، في سوار المرأة، كأنه سمي بالمصدر من قولهم: أسورتها إسوارا.
وأما قوله: رمان إمليسي، يعني يهمز أوله وكسره، وهو الرمان الذي لا عجم له في حيه، إنما هو ماء منعقد أملس. والهمزة زائدة فيه للإلحاق. والعامة تحذف الهمزة، وتفتح الميم، تشدد اللام، فتقول: مليسي، وهوخطأ، وهو منسوب بالياء إلى الإمليس. والإمليس من كل شيء: الناعم اللين، وهو مأخوذ من الملوسة مصدر الأملس والملساء. ويقال: أرض ملساء. والجمع: الأماليس. وقال بعضهم: يقال للأرض: إمليس، واحد الأماليس. وقال جرير:
لا يستطيع امتناعا، فقع قرقرة بين الطريقين، بالبيد الأماليس
وأما قوله: هو الإهليلج، فهو دواء معروف، يتخذ منه الطريفل وغيره. وهو اسم هندي معرب. والعامة تحذف الهمزة من أوله وتفتح الهاء، على لفظ العجمة فتقول: هليلج. والواحدة: الإهليلجة.
وأما قولهم: هي الإوزة فإنها الواحد من الإوز، وهو ضرب من البط، وفي أولها همزة مكسورة، زعم "المازني" أنها زائدة، وأن مثالها إفعلة، وأن الدليل على ذلك قولهم: وزة ووز بغير همز. وزعم "الخليل" أن الإوز طير من طيور الماء, والواحدة إوزة. قال:
стр. 275
وينبغي أن تكون المفعلة منها: مأوزة، ولكن العرب؛ منهم من يحذف الألف منها فتصير وزة على فعلة: وزة من الإوز، وهي قبيحة. وتقول في المفعلة منها في هذه اللغة أرض موزة. قال: ويقال هو البط. وأنشد للأعشى في جمعها:/
ترى الإوزين في أكناف دارهم فوضى وبين يديها التين منثور
فقال الإوزين، كما قالوا: الإحرون لجمع الحرة. وهذا يؤيد قول المازني وقول من يحذف الهمزة من العرب. وقال "الخليل" أيضا: رجل إوز، وامرأة إوزة أي عظيمة لحيمة في غير طول، ولا يحذف ألفها، يعني لا يقال في الوصف: وز ولا وزة، وهذا يؤيد قول من يجعلها فعلة مثل هجف وخدب، كأنها ملحقة بالتضعيف بسبطر وقمطر.
وأما قوله: هي الإرزبة، وهي التي تسميها العامة: مرزبة، وهي على وزن إفعلة مثل الإنفحة، ملحقة بالهمزة بجر دحل وقرطعبة، وهي خشبة عليها حديد شبه عصية من حديد. والعامة تجعل بدل الهزة التي في أولها ميما مفتوحة، وهو خطأ.
وأما قوله: هي الإبهام للإصبع، فأما البهام فجمع البهم، وإنما أراد أن العامة تسمي هذه الإصبع، وهي الأولى من اليد والرجل المنفردة: بهاما، بغير همزة وهوخطأ. والعرب تسميها: الإبهام على وزن إفال مكسورة الهمزة ويذكرونها كأنها من مصدر قولهم: أبهمت الشيء إبهاما؛ وذلك أنه قد أبهم عن سائر الأصابع فلم يختلط بها، حتى كأنه ليس منها. وقد أنثه "أحمد بن يحيى" فقال: الإبهام. والأبهام: ترك الشيء
стр. 276
بغير علامة ولا دليل، ومنه قيل للفرس: بهيم، إذا لم يكن فيه شية، أي هو على لون واحد. ومنه سميت الآية المبهمة في القرآن. والآية المحكمة ضدها؛ وهي التي بين حكمها. ومنقول ابن عباس عن قول الله [تعالى]: (وحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) هل هي من المدخول بها أم غير المدخول، فقال: أبهموا ما أبهم الله. ومنه قيل للباب المغلق الذي لا يهتدى لوجهه: مبهم. وقوله:/ فأما البهام فجمع البهم، وهي صغار الغنم. ومنه قول الشاعر:
وعهدي بليلى وهي ذات موصد ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
وأما قوله: شهدنا إملاك فلان؛ فإن الملاك: عقد النكاح والتزويج، على مثال إفعال وهو مصدر قولك: أملكت إملاكا، وهو من قولهم: ملكت العجين؛ إذا أحكمت عجنه. والعامة تقول: شهدنا ملاك فلان، بحذف الهمزة، وهو خطأ.
وأما قوله: هو الإذخر، للشجرة التي تجعل في الأشنان، فإنها شجرة صغيرة، لها أصل مندفن، يحشى في مخاد الأدم وبراذع الدواب، ويسد بها أخصاص البيت، وتوقد بها الصاغة، ولها رائحة طيبة، إذا طحنت خلطت مع الأشنان، لطيب رائحتها وهي مكسورة الأول والثالث. والعامة تفتح أوله، وهو خطأ؛ لأنه ليس في كلام العرب اسم على مثال أفعل.
стр. 277
وأما قوله: ومنه كل اسم أوله ميم، مما ينقل ويعمل به، فهو مكسور الأول كقولك: ملحفة وملحف، ومطرقة ومطرق، ومروحة ومروح، ويجمع ثلاث مراوح. ومرآة وتجمع ثلاث مراء، ومئزر ومحلب، للذي يحلب فيه، ومقطع ومخيط؛ فإنه إنما يريد الأدوات، وليس الميم في أولها من أجل أنها أداة تنقل، ولكن لما كان الاسم في معنى المفعول به، ومما يعمل به على كل حال، جعل في أوله الحرف الذي يجعل في أوائل الأسماء المفعولة من الثلاثي والرباعي، وفي الزمان والمكان؛ كقولهم: هو مفعول، ومُفعَل ومُفعَّل، ومستفعل، ومَفعَل، ونحو ذلك؛ إلا أنه فرق بين ما ينقل ويستعمل منها، وبين تلك / الأشياء بالكسر في الميم والفتح والضم؛ لأن تلك لا تكون إلا مضمومة أو مفتوحة، وهذه مكسورة. وقد يكون هذا في الكثير الفعل، للمبالغة في الفعل به، وذلك مثل قولهم: رجل مرجم ومقول، ومذكار ومئناث ومحرب ونحو ذلك. وكذلك المخيط والمقراض والمقطع والمسورة والمخدة؛ لأنها يكثر بها الخياطة والقرض والقطع ونحو ذلك. وألزمت هذه الميم الكسرة لما بينا، من الفرق. والعامة تفتحها طلبا للخفة، وتخطئ في إبطال الفرق؛ فالملحفة إزار, رداء أو كساء، يلتحف به، ومن ذلك قيل للحاف: لحاف؛ لأنه يتغطى به. ومنه قول طرفة:
ثم راحوا عبق المسك بهم يلحفون الأرض هداب الأزر
وجمع الملحفة: الملاحف، والملحف بغير تأنيث مثلها؛ يعني طرفة: أنهم يجرون ذيولهم، ويسحبونها على الأرض. والمطرقة: مطرقة الحداد، التي يطرق بها الحديد على العلاة، وهي أيضاً عصا، يطرق بها الصوف ونحوه من الوبر وغيره، أي يضرب بها.
стр. 278
والطرق: الضرب، وجمع ذلك: المطارق ومنه الطرق بالحصا، للزجر والفأل، وهو أن يجمع الحصى في الكف ثم يضرب بها الأرض. وينظر إلى مواقعها، فيؤجر. قال لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصا ولا زاجرات الطير ما لله صانع
والمطرق بغير تأنيث: العصا أيضا، مثل المطرقة. والمروحة: كل ما يروح به؛ أي اجتلب به الريح. وجمعها: مراوح؛ وهي أداة من خوص مسفوف، لها مقبض من خشب أو عاج أو خيزران، معروفة؛ فإن فتحت الميم فهو اسم المكان الذي يكثر / فيه هبوب الريح. قال القطامي في ناقة ركبها:
كأن راكبها غصن بمروحة إذا تسنمها أو شارب ثمل
والمرآة أداة من حديد مجلوة، يتراءى الإنسان فيه وجهه، وهي مفعلة من الرؤية، على حذو مرعاة من الرعي، وجمعها: مراء، على مثال مفاعل مثل قولك: مراع. وآخر المرائي ياء ساكنة في الرفع والجر، ومفتوحة في النصب، مثل ياء القاضي والرامي، فإذا نون الاسم سقطت الياء لاجتماع الساكنين، فلذلك قيل: مراء. والعامة تقول في الواحدة: مراة، بحذف الهمزة منها، ونقل حركتها إلى التاء، وهو صواب؛ لأن العرب هكذا تخفف الهمزة المتحركة، الساكن ما قبلها. ويقولون في جمعها: مرايا، فيبدلون الياء من همزتها، والألف من يائها، كما يقال في مطية: مطايا وفي خطية: خطايا، ونحو ذلك، طلبا للتخفيف، وقال الراجز في تخفيف الهمزة:
стр. 279
إذا الفتى لم يركب الأهوالا فابغ له المراة والمحكالا
واسع له وعده عيالا
والمئزر كالمنديل، يؤتزر به في الحمام، وعند العمل ونحو ذلك، وهو على مثال مفعل من الإزار مهموز. وجمعه: مآزر، بالهمز أيضا. والعامة تفتح الميم من الواحد، وتبدل من الهمزة الياء، فتقول: ميزر، فأما فتح الميم فخطأ، وأما إبدال الياء من الهمزة فجائز مع كسر الميم، ولكنهم يقولون في الجمع أيضا: ميارز، بالياء، أثبتوها في الجمع، كما أثبتوها في الواحد. وأصل الميزر والإزار: الأزر، وهو الظهر. ومنه قوله تعالى: (أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي).
والمحلب / بكسر الميم ما يحلب فيه، وهو: العس. وقد كنا فسرناه، وفسرنا المحلب بالفتح أيضا.
والمحيط: الإبرة التي يخاط بها، وهو مفعل منا الخيط والخياطة، وهي صناعة الخياط. والخياط أيضا: اسم للإبرة. ومنه قول الله عز ذكره: (حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ). وتقول: خاط الرجل ثوبه يخيطه خياطة، وفي الحديث: "ردوا الخيط والمخيط".
والمقطع: كل ما قطع به الشيء كالمنجل التي تقطع به الرطبة والقت للدواب. والعامة تقول: مقطع بالفتح، وهو خطأ. وإنما المقطع: الموضع الذي يقطع فيه، من طريق مخوف، أو غيره، وهو معروف.
وأما قوله: إلا أحرفا قليلة نوادر، جاءت بالضم، وهن: مدهن ومنخل ومسعط ومدق ومكحلة؛ فإن هذه الأسماء المضمومة الميمات ليست من باب المكسور في شيء،
стр. 280
ولا هي كالمفعول، وهي كلمات عند النحويين لما كثر استعمالها، أخرجت عن باب المكسور أوله، وبنيت بناء آخر، على غير معنى المكسور الأول، ولو ذهب بها ذلك المذهب لم يضم ثالثها، وترك على فتحته كمافعل بالمفعول به. وإنما بنيت هذه الأسماء كبناء الملحق بالرباعي الذي على وزن فعلل مثل البرجد، فضمت عين الفعل منها على إتبااع ضمها في الفعل المضارع منها، ثم أتبعت حركة العين الميم، لكثرة الاستعمال استثقالا للتحول من الكسر إلى الضم، فجعلوا اللفظ من وجه واحد، وهم مسموعة تروى رواية، ولا يقاس عليها؛ لشذوذها عن بابها، ولكن تحكى عن العرب حكاية. وردها إلى القياس جائز صواب، مثل نظائرها، وهو قولك: مدهن ومنجل ومغزل ومسعط ومدق ومكحل. وقد يجيء قبل أواخر هذه الأسماء ألف زائدة للمبالغة،/ ولا يكون حينئذ في ميمها إلا الكسر، كقولهم: المكحال في المكحلة، مثل المفتاح والميزان والمثقال والمسمار ونحو ذلك. والعامة تضم ميم المفتاح، وهو خطأ.
وقد شذت عن باب المكسور أحرف؛ ففتح بعض العرب أوائلها مثل: المرمة والمقمة والمثقب، وأنكر ذلك فصحاء العرب والعلماء باللغة، فلم يجيزوه وعدوه فيما أخطأت فيه العامة؛ لأنها تفتح الميمات المكسورة كلها. وأما المرمة فمصدر رممت، أو اسم الموضع الذي فيه الرمة. والمقمة مصدر قممت، أو اسم موضع القمامة. والمنقب مصدر نقبت، أو اسم موضع النقب، ولذلك قيل للطريق في الجبل: المنقب، فأما الذي يثقب به الشيء لهو بالكسر لا غير، وكذلك المقمة والمرمة. فأما المدهن مما يجعل فيه الدهن من زجاج أو غيره. وجمعه: المداهن، وكذلك المدهن من الأرض والحجارة: الموضع الذي يقف فيه ماء المطر. والجمع: المداهن. ويقال من الدهن: دهنته أدهنه دهنا ودُهنا بالضم، إذا وضعت الاسم موضع المصدر، وادهنت أنا أدهن ادهانا بالدهن. والدهان: بائع الدهن. وصناعته: الدهانة. وأما المنخل فما ينخل به كل شيء، أي ينقى من النخالة. والنخل: الانتقاء يقال: نخلته وانتخلته. وخيار ما ينتخل: النخيلة. وفقايته: النخالة. والجميع: المناخل. والنخال: الذي صناعته النخل. وأنشد محمد بن يزيد في النخيلة وقال هي النصيحة:
стр. 281
نخلت نصيحة مني ليحيى ويحيى طاهر الأثواب بر
وأنشدنا أيضا:
ولن يلبث التخشين أن نخيلة نفس كان نصحا ضميرها
والمسعط: ما يجعل فيه السعوط، من دواء أو دهن، ويسعط به العليل في منخره/ وفعله: أسعطته فأنا أسعطه إسعاطا، كما قال الراجز:
أريد جوا ويريد برا كأنما أسعط شيئا مرا
ويقال: أسعطته إسعاطة واحدة، وسعطة واحدة، وقد استعطه. وأسعطته الرمح، أي طعنت أنفه. وهن المساعط.
وأما المدق: فما يدق به الشيء، كفهر العطار، ويد الهاون، وهو اسم فإذا أردت الوصف، فهو المدق، بكسر الميم، كما قال رؤبة:
يرمى الجلاميد بجلمود مدق
وفعله: دق يدق دقا. وهو داق. والمفعول: مدقوق ودقيق.
وأما المكحلة: فما يجعل فيه الكحل من زجاجة أوحديدة، أو غير ذلك. وفعله:
стр. 282
كحلته أكحله كحلا وكُحلا، بالفتح والضم. واكتحل هو نفسه اكتحالا. ويقال: ما أكحلت عيني بغمض، أي ما نمت، على الاستعارة. وهن المكاحل.
وأما قوله: تقول هو الدهليز والسرجين والمنديل والقنديل، وتمر شهريز وسهريز، وهو السكين ورجل سكير وخمير ونحو ذلك، وهو الطبيخ والبطيخ؛ فإن العامة تفتح أول دهليز وسرجين، وهو خطأ؛ لأنه ليس في كلام العرب اسم على بناء فعلين ولا فعيل ولا فعليل، بفتح الفاء. وإنما هذه أسماء أعجمية، عربتها العرب، فجعلتها على أبنية كلامها، فكسرت أوائلها؛ لتكون على مثال فعليل، نحو عربيد وشمليل، وكانت في لسان العجم مفتوحة، فغيرت ولزمت العامة لفظ العجمية فيها، والصواب كسرها. والدهليز بالعجمية: اسم الممر الذي يكون بين باب الدار ووسطها، وقرية بين بلدين تسمى: "دهليزان".
وأما السرجين: فهو الروث بالفارسية، وكل رجيع. وليست/ فيها بلسان العجم جيم، وإنما هو حرف يشبه الكاف، فأبدلت منها العرب الجيم، وبعضهم يبدلها قافا.
وأما السهريز من التمر فصفة لون من النخل، بسره أحمر. والحمرة بلسان الفرس: سهر، وسرخ، وثهر، مضمومات الأوائل، فجعلته العرب بالسين وكسرته. والعامة تضم السين على عجمتها.
وأما المنديل، فعربي محض، غير أنه مما جاء على غير قياس ما يستعمل، مما في أوله ميم، وهو مبني على مفعيل من الندل، كما قال الشاعر:
стр. 283
ثمت قمنا إلى جرد مسومة أعرافهن لأيدينا مناديل
والمناديل جمع المنديل ويقال تندلت للمنديل وعلى لفظه: تمندلت على مثال الرباعي؛ لأن الميم ألحقته بالرباعي، وأصله ثلاثي، قال الشاعر:
على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلاً زريق المال ندل الثعالب
والمنديل معروف؛ وهو الذي يتمسح به من الماء بعد الغسل وبعد الوضوء ونحوه.
وأما السكين فعلى بناء فعيل من السكون، مشدد العين، وهو اسم المدية التي يقطع بها اللحم، وتذبح الذبيحة. وجمعها: السكاكين، تذكر وتؤنث. وقال حميد ابن ثور:
باتوا وجلتنا البرني بينهم كأن أظفارهم فيها السكاكين
والسكير وصف الكثير السكر من الشراب، وهو على بناء فعيل من السكر، بتشديد العين، وهو على مثال من أمثلة المبالغة. والخمير مثله، فعيل مثله من الخمار، ومثله: رجل عميت، بتشديد الميم، إذا كان حاذاق بعمل "العميتة" أو غزلها، وهي حلقة ملفوفة من/ الصوف، يصنعها الراعي على ذراعه، كالسوار ويغزل منها. وقد غلط بعض الشعراء، فسمى الأعمى: عميتا في قوله:
стр. 284
ربع الصبا أخرس عميت مسلب المنطق سكيت
يريد أن الربع لا يسمى ولا يبصر ولا يجيب، ولم يعلم أن التاء التي في عميت ليست من بناء العمى، ولا يجوز أن يكون فعيل من العمى بالتاء، وإنما فعيل من العمى بتشديد الميم والياء جميعا بغير تاء، فإن أراد بناء فعليت بزيادة التاء من العمى، فإنه يجب أن يقال: عمييت، بياءين إحداهما لام الفعل من عمي، والثانية مثل ياء فعليت الزائدة، ولا تكون الميم مشددة.
وأما البطيخ ففاكهة معروفة، وهي بكسر الأول، وتشديد الثاني على بناء فعيل وهي عربية محضة، وفيها لغة أخرى، وهي الطبيخ، بتقديم الطاء، وليس عندنا على القلب كما يزعم اللغويون. وقد بينا الحجة في ذلك في "إبطال القلب". وفي الحديث: "كان النبي ﷺ يأكل الطبيخ بالرطب" كأنه مشتق من الطبخ والبطخ من معنى آخر؛ وذلك أنه يقال لمكانه، الذي يزرع فيه: المبطخة. وجمعها: المباطخ، مثل المقاثي والمقثاة.
وأما قوله: ومنه الماء شديد الجرية، وهو حسن الركبة والمشية والجلسة، يعني الحال التي يكون عليها، وكذلك ما أشبهه؛ فقد شرحنا الفرق بين فعلة، بالفتح وفعلة بالكسر، في مواضع مما تقدم. والكسر علامة الهيئة والنوع، وليست للحال كما ذكر أحمد بن يحيى، ولا معنى للحال ههنا. والفتح غير ممتنع على معنى المرة الواحدة. والعامة لا تستعمل في الماء،/ ولا في غيره إلا الجرية بالفتح، ولا يميزون بين المرة والنوع منه، وكذلك هذه الأبنية كلها.
هذا آخر تفسير هذا الباب.
стр. 285
تصحيح الباب السادس عشر
وهو المترجم بباب المكسور أوله، والمفتوح باختلاف المعنى
وهذا ايضا باب مخلط، لم يميزه على الأمثلة، كما بدأ به كتابه، ولا على المعنى المتفقة ولكن قصد فيه الفرق بين المفتوح والمكسور أوله من أي صنف كان، وعلى أي مثال وقع؛ لأن العامة ربما وضعت أحدهما موضع الآخر غلطا.
ونحن مفسرون ما أهمل من غريبه، ومنبهون على سهو منه، إن وجدنا فيه:
فمن ذلك قوله: امرأة بكر، ومولود بكر، أول ولد أبويه، وأمه بكر، وأبوه بكر. قال وأنشد ابن الأعرابي:
يا بكر بكرين ويا خلب الكبد أصبحت مني كذراع من عضد
وهذا كله مكسور الأول، والبكر مشتق من البكرة والمباكرة، وهي التقدم في أول الوقت في كل أمر. والعرب تسمي الرجل الذي لم يتزوج بعد بكرا. وكذلك المرأة التي لم تتزوج، ولا يقال لها بكرة بالهاء، ولذلك قال النبي ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام". وإنما قيل لهما بكر؛ لأن جماعهما كان أول جماع منهما. وقيل للرجل الذي قد تزوج، والمرأة التي قد تزوجت: ثيب؛ لأنه مشتق من قولهم: ثاب يثوب إلى الشيء، أي رجع؛ وذلك لأنهما قد عاودا النكاح. وثيب بمعنى ثائب، مثل: سيد وميت. وسمي أولاد الرجل البكر، والمرأة البكر: بكرا؛ لما شرحنا. ولكن/ قوله: مولود بكر لا تتكلم به العرب مطلقا بغير إضافة، إنما يقال للولد: هو بكر أبويه، بإضافته إليهما.
следующие страницы →